دروس في الكفاية - ج5

- غلام علي‏ المحمدي البامياني المزيد...
474 /
5

[تتمة المقصد السادس‏]

فصل‏

لا يخفى (1): عدم مساعدة مقدمات الانسداد على الدلالة على كون الظن طريقا منصوبا شرعا، ضرورة: أنه معها لا يجب عقلا على الشارع أن ينصّب طريقا؛ لجواز

____________

فصل في الكشف و الحكومة

(1) المقصود الأصلي من عقد هذا الفصل هو: البحث عن إهمال النتيجة و كليتها.

و لكن حيث يتوقف تحقيق الكلام على البحث عن الكشف و الحكومة، فشرع المصنف أولا في البحث عنهما، ثم شرع في البحث عن المقصد الأصلي.

و كيف كان؛ فينبغي توضيح معنى الكشف و الحكومة فيقال: إنك قد عرفت: أن مقتضى مقدمات دليل الانسداد- على فرض تماميتها- هو حكم العقل بجواز العمل بالظن مطلقا، و قد وقع الخلاف في إن حكمه هذا هل هو من باب الكشف، بمعنى: أن العقل يكشف عن جعل الشارع الظن حجة حال الانسداد لا أنه ينشئ الحجية له؟ أم من باب الحكومة؟ بمعنى: أن العقل- بملاحظة تلك المقدمات يحكم بحجية الظن و ينشئها له حال الانسداد كحكمه بحجية العلم حال الانفتاح و إنشائها له.

و بتعبير آخر- كما في «منتهى الدراية، ج 5، ص 5»-: أن العقل بعد ما لاحظ مقدمات الانسداد هل يستكشف منها عن جعل الشارع الظن حجة و إن احتمل مخالفته للواقع، فالشرع منشئ لحجيته و العقل كاشف عن هذا الإنشاء؟ أم أنه يحكم بوجوب متابعة الظن في مقام الامتثال، من غير أن يرى للشرع دخلا في ذلك، فالعقل يحكم بحجيته دون الشرع كحكمه بحجية العلم حال الانفتاح، من غير دخل للشارع فيها.

إذا عرفت معنى الكشف و الحكومة فنقول: غرض المصنف من عقد هذا الفصل بيان أمرين:

أحدهما: أن نتيجة مقدمات الانسداد هل هي حجية الظن من باب الكشف أم حجيته من باب الحكومة.

و ثانيهما: بيان ما يترتب على الكشف من إهمال النتيجة و تعيينها.

6

اجتزائه بما استقل به العقل في هذا الحال، و لا مجال (1) لاستكشاف نصب الشارع‏

____________

فحاصل الكلام: أن مقتضى مقدمات الانسداد هل هو استكشاف كون الظن في حال الانسداد طريقا منصوبا من قبل الشارع للوصول إلى التكاليف المعلومة بالإجمال، أو أن مقتضاها: استقلال العقل في الحكم بكون الظن حجة في حال الانسداد؛ كاستقلاله بكون العلم حجة في حال الانفتاح.

و مختار المصنف: هو الثاني، و قد استدل عليه بما حاصله: من أن مقدمات الانسداد لا تنتج حجية الظن كشفا يعني: شرعا؛ بل مقتضاها: حجية الظن حكومة يعني: بحكم العقل؛ لأنه بعد إبطال المنجز العقلي- و هو الاحتياط الذي يقتضيه العلم الإجمالي بالتكاليف- بأدلة نفي الحرج قد وصلت النوبة إلى المقدمة الخامسة- و هي قبح ترجيح المرجوح على الراجح- المقتضية لتعين الإطاعة الظنية عقلا.

و مع هذا الحكم العقلي المستقل في مقام الإطاعة: لا حاجة إلى حكم الشارع بحجية الظن، فتكون النتيجة: حجية الظن في مقام الإطاعة، بمعنى: حكم العقل بعدم جواز مطالبة المولى بأزيد من الإطاعة الظنية، و عدم جواز اقتصار المكلف على ما دونها من الإطاعة الشكية و الوهمية و ضمير «معها» راجع على المقدمات، و ضمير «أنه» للشأن، يعني: مع هذه المقدمات الدالة على حجية الظن «لا يجب عقلا على الشارع أن ينصب» للأحكام الواقعية «طريقا لجواز اجتزائه» أي الشارع «بما استقل به» أي: باعتبار الظن «العقل في هذا الحال» أي: حال الانسداد.

(1) إشارة إلى توهم و دفعه، فلا بد أولا: من تقريب التوهم، كي يتضح دفعه.

أما تقريب التوهم: فملخصه: إثبات حجية الظن شرعا بقاعدة الملازمة بين ما حكم به العقل و بين ما حكم به الشرع، بمعنى: أن كل ما حكم به العقل و بين ما حكم به الشرع، بمعنى: أن كل ما حكم به العقل حكم به الشرع؛ إذ المفروض: أن العقل قد حكم باعتبار الظن حال الانسداد، فيستكشف من حكمه هذا- بهذه القاعدة- أن الشرع قد حكم باعتباره في هذا الحال أيضا، فيكون حجة شرعا.

فالمتحصل: أن الإطاعة الظنية حال الانسداد كما أنها عقلية كذلك شرعية بقاعدة الملازمة.

و أما الدفع: فهو أن قاعدة الملازمة أجنبية عن المقام، أعني: الإطاعة الظنية التي هي من مراتب الإطاعة، فلا تجري هذه القاعدة فيها حتى تكون الإطاعة موردا للحكم المولوي؛ و ذلك لأن القاعدة تجري في مورد قابل للحكم المولوي؛ كحسن رد الوديعة

7

و قبح الظلم؛ و لا تجري في مورد غير قابل للحكم المولوي كالمقام أعني: الإطاعة الظنية، فإنها غير قابلة للحكم المولوي، فلا تجري القاعدة فيها.

وجه عدم قابليتها له: أن الحكم المولوي متقوم بشرطين مفقودين في المقام.

أحدهما: أن يكون متعلقه فعل العبد لا فعل المولى؛ إذ الأحكام الشرعية لا تتعلق بفعل الشارع، و إنما تتعلق بأفعال العباد، و فعل الشارع لا يتعلق به إلا حكم العقل.

ثانيهما: أن يترتب على تعلقه بالفعل فائدة غير الفائدة التي تترتب على نفس الفعل عقلا أو تكوينا، حيث إن الحكم الشرعي من الأفعال الاختيارية التي لا تصدر من العاقل فضلا عن الحكيم إلّا بداع عقلائي، و حيث إن هذين الشرطين مفقودان فيما نحن فيه- أعني: الإطاعة الظنية- فلا يكون قابلا للحكم المولوي حتى تجري فيه قاعدة الملازمة؛ لتثبت بها شرعية الإطاعة الظنية.

وجه عدم تحققهما فيه: أن الإطاعة الظنية تنحل إلى أمرين:

أحدهما: عدم وجوب الإطاعة العلمية؛ لعدم التمكن منها، و لازم عدم وجوبها: قبح مؤاخذة الشارع على تركها.

ثانيهما: عدم جواز الاكتفاء بما دون الإطاعة الظنية أعني الإطاعة الشكية و الوهمية، و لازم عدم جوازه: حسن الإطاعة الظنية.

و شي‏ء من هذين الأمرين لا يصلح لأن يتعلق به الحكم المولوي.

أما الأول: فلأن المؤاخذة فعل الشارع، و قد عرفت: أن فعل الشارع لا يكون موردا لحكم نفس الشارع، فلا يتعلق به حكمه، و إنما يتعلق به حكم العقل، فالحاكم بقبح المؤاخذة هو العقل دون الشرع.

و أما الثاني: فلأنه و إن كان في نفسه قابلا لحكم الشرع من جهة أن الموضوع فيه- أعني: الإطاعة الظنية أو الإطاعة الشكية و الوهمية- فعل العبد، لكن لا يترتب على تعلق الحكم الشرعي بهذا الموضوع فائدة لم يكن أيضا قابلا للحكم المولوي.

توضيح ذلك: أن الاكتفاء بما دون الإطاعة الظنية يكون بنفسه منشأ لاستحقاق العقاب، كما أن الإطاعة الظنية تكون بنفسها منشأ لاستحقاق الثواب، فلا حاجة إلى أمر المولى بها و لا إلى نهيه عن الاكتفاء بما دونها؛ لعدم ترتب فائدة على هذا الأمر أو النهي؛ إذ لو كان الغرض منهما إيجاد الداعي في نفس العبد إلى العمل بالظن و ترك‏

8

من حكم العقل؛ لقاعدة الملازمة، ضرورة: أنها إنما تكون في مورد قابل للحكم الشرعي، و المورد هاهنا غير قابل له، فإن (1) الإطاعة الظنية التي يستقل العقل بكفايتها (2) في حال الانسداد إنما هي بمعنى: عدم جواز مؤاخذة الشارع بأزيد منها (3)، و عدم اقتصار المكلف بدونها (4)، و مؤاخذة الشارع غير قابلة لحكمه (5)، و هو

____________

الاكتفاء بما دونه، فهو من قبيل طلب الحاصل المحال؛ لفرض حصول هذا الغرض بحكم العقل بحسن الأول و قبح الثاني، و إن كانا بدون غرض فهو قبيح على العاقل فضلا عن الحكيم.

و خلاصة الكلام في المقام: فالمورد- أعني باب الإطاعة و المعصية الذي منها الإطاعة الظنية فيما نحن فيه- غير قابل للحكم المولوي حتى تجري فيه قاعدة الملازمة، كي تثبت بها حجية الظن حال الانسداد شرعا أيضا؛ إما لانتفاء الشرط الأول المعتبر فيه و هو كون موضوعه فعل العبد؛ لما عرفت من: أن الموضوع هنا هو المؤاخذة و هي فعل الشارع، فلا يتعلق بها حكم نفس الشارع، و إما لانتفاء الشرط الثاني، و هو ترتب الفائدة على تعلقه غير أصل الفائدة التكوينية أو العقلية كما عرفت توضيح ذلك؛ كما في «منتهى الدراية، ج 5، ص 14» مع توضيح و تصرف منا.

قوله: «من حكم العقل» متعلق ب «استكشاف»، يعني: أنه لا مجال لأن يستكشف من حكم العقل نصب الشارع.

«لقاعدة» متعلق ب «استكشاف» و تعليل له.

«ضرورة» تعليل لقوله: «لا مجال»، فهو تقريب لدفع التوهّم، و ضمير «أنها» راجع على قاعدة الملازمة، «و المورد هاهنا» أي: في باب الإطاعة و المعصية.

توضيح بعض العبارات طبقا لما في «منتهى الدراية».

(1) تعليل لعدم قابلية المورد للحكم المولوي.

(2) أي: بكفاية الإطاعة الظنية.

(3) أي: من الإطاعة الظنية، و المراد بالأزيد هو: الإطاعة العلمية، و هذا إشارة إلى الأمر الأول مما تنحل إليه الإطاعة الظنية.

(4) أي: بأقل من الإطاعة الظنية هذا إشارة إلى الأمر الثاني مما تنحل إليه الإطاعة الظنية، و المراد من «بدونها» هو: الإطاعة الشكية و الوهمية.

(5) هذا هو الشرط الأول المعتبر في الحكم المولوي، و قد تقدم بقولنا: «أحدهما أن يكون متعلقه فعل العبد ...» الخ.

9

واضح، و اقتصار (1) المكلف بما دونها لما كان بنفسه موجبا للعقاب مطلقا (2)، أو فيما أصاب الظن (3)، كما (4) أنها بنفسها موجبة للثواب أخطأ (5)، أو أصاب (6) من (7) دون حاجة (8) إلى أمر بها أو نهي عن مخالفتها، كان (9) حكم الشارع فيه مولويا بلا ملاك يوجبه، كما لا يخفى، و لا بأس به إرشاديا كما هو شأنه في حكمه بوجوب الإطاعة و حرمة المعصية.

____________

(1) مبتدأ خبره «لما كان ...» الخ. و ضمير «دونها» راجع على الإطاعة الظنية و هذا إشارة إلى بيان انتفاء الشرط الثاني مما يعتبر في الحكم المولوي هنا أي: في الإطاعة الظنية. فقوله: «بنفسه» إشارة إلى وجه عدم الفائدة في النهي المولوي عن الاكتفاء بما دون الإطاعة الظنية؛ إذ الفائدة- و هي إحداث الداعي للعبد إلى الترك- موجودة في ذاته، من دون حاجة إلى نهي الشارع، حيث إن العقل كاف في إحداث الداعي إلى ترك ما دون الإطاعة الظنية، فالنهي حينئذ يكون من تحصيل الحاصل.

(2) يعني: سواء أصاب الظن و أخطأ ما دونه- أعني: الشك و الوهم- فالعقاب يكون على تقويت الواقع أم أخطأ الظن و أصاب ما دونه، فالعقاب حينئذ: يكون على التجري.

و قوله: «أو فيما أصاب الظن» يعني: أن يكون الاقتصار على ما دون الظن موجبا للعقاب في خصوص ما إذا أصاب الظن و أخطأ ما دونه؛ ليكون العقاب على تفويت الواقع.

(3) لتفويته الواقع عن اختيار بترك العمل بالظن المفروض كونه مصيبا.

(4) عدل لقوله: «موجبا»، و ضمير «أنها، بنفسها» راجعان على الإطاعة الظنية.

(5) و الثواب يترتب حينئذ: على الانقياد.

(6) و الثواب حينئذ: على الإطاعة الحقيقية.

(7) متعلق بكل من «موجبا للعقاب» و «موجبة للثواب»، و ضميرا «بها» مخالفتها راجعان على الإطاعة الظنية.

(8) يعني: أن الحكم المولوي يكون لغوا، لعدم ترتب فائدة عليه كما عرفت.

(9) هذا جزاء الشرط في قوله: «لما كان» و جملة الشرط و الجزاء خبر «و اقتصار»، «و لا بأس به إرشاديا»، يعني: و لا بأس بحكم الشارع- في عدم جواز الاكتفاء بما دون الظن- إرشادا إلى حكم العقل به؛ إذ الممتنع جعل الحكم المولوي لوجوب الإطاعة الظنية لا الحكم الإرشادي.

و ضمير «هو» راجع إلى الإرشاد المستفاد من قوله: «إرشاديا». و ضميرا «شأنه، حكمه» راجعان على الشارع، يعني: كما أن الإرشاد شأن الشارع في حكمه بوجوب الإطاعة.

10

و صحة (1) نصبه الطريق و جعله في كل حال بملاك يوجب نصبه و حكمة داعية

____________

(1) إشارة إلى دفع ما يمكن أن يتوهم في المقام من: أنه إذا كان العقل هو الحاكم في باب الإطاعة و المعصية حتى إنه لا يصح للشرع نصب الطريق، فكيف يمكن نصبه للطريق في حال الانفتاح، و أي فرق بين حال الانسداد و حال الانفتاح؟ و هذا ينافي ما تقدم آنفا من كون الظن طريقا عند الانسداد عقلا لا شرعا.

و حاصل الدفع: أن صحة نصب الطريق غير منافية لكون العقل مستقلا في باب الإطاعة؛ إذ ربما ينصب الشارع طريقا للتسهيل بما ليس للعقل نصبه كما لو نصب الشارع الشهرة طريقا، فإن العقل لا يرى للشهرة كشفا عن حكم المولى.

فقوله: «لا تنافي» خبر لقوله: «صحة نصبه». و الحاصل: أن العقل لا يمنع نصب الشارع للطريق، و إنما يمنع عن كون الطريق الذي عينه العقل مجعولا للشارع مولويا، فالعقل يستقل بلزوم الإطاعة «بنحو» الظن «حال الانسداد، كما يحكم بلزومها» أي:

الإطاعة «بنحو آخر» كالقطع «حال الانفتاح ...» الخ.

توضيح التوهم- على ما في «منتهى الدراية، ج 5، ص 16»-: أن عدم قابلية الإطاعة الظنية للحكم المولوي إنما هو فيما إذا لوحظ الظن طريقا لإحراز الواقع بالظن، ضرورة:

أنه لا فائدة حينئذ في هذا الحكم المولوي؛ بعد حكم العقل بلزوم إحراز الحكم الواقعي بالظن، دفعا للعقوبة المحتملة في صورة ترك العمل به.

و أما إذا لوحظ الظن موضوعيا بحيث يترتب المثوبة على موافقته و العقوبة على مخالفته مع قطع النظر عن الواقع كسائر الأحكام الظاهرية، فلا وجه لمنع تعلق الحكم المولوي بالعمل بالظن و استكشاف حكمه من حكم العقل بقاعدة الملازمة.

فالمتحصل: أنه يمكن استكشاف حجية الظن شرعا بقاعدة الملازمة.

و أما الدفع فتوضيحه: أن نصب الطريق لا بملاك إحراز الواقع و إن كان جائزا؛ لكن لا يمكن استكشافه بقاعدة الملازمة، و ذلك لاعتبار وحدة الموضوع في الحكم الشرعي و العقلي في هذه القاعدة كالظلم، حيث إنه موضوع لحكم العقل- أعني: القبح- و هو بنفسه موضوع أيضا لحكم الشرع- أعني: الحرمة- و هذا بخلاف المقام، فإن الظن الملحوظ طريقا صرفا لإحراز الواقع- و هو الموضوع للحجية العقلية- غير الظن الملحوظ طريقا شرعا؛ إذ على التقدير الأول: يكون الفعلي هو الحكم الواقعي، و على الثاني:

يكون الفعلي هو الحكم الظاهري؛ لامتناع فعلية حكمين واقعي و ظاهري معا لموضوع واحد؛ كما عرفت في الجمع بين الحكم الواقعي و الظاهري.

11

إليه لا تنافي استقلال العقل بلزوم الإطاعة بنحو حال الانسداد، كما يحكم بلزومها بنحو آخر حال الانفتاح، من دون استكشاف حكم الشارع بلزومها مولويا؛ لما عرفت (1).

فانقدح بذلك (2): عدم صحة تقرير المقدمات إلا علي نحو الحكومة دون الكشف. و عليها (3): فلا إهمال في النتيجة أصلا سببا و موردا ...

____________

و بالجملة: لا مانع من تعلق الحكم المولوي بالظن؛ لكن لا بنحو حكم العقل به؛ بل بملاك آخر كالتسهيل على المكلف، فإن نصب طريق خاص لامتثال الأحكام ربما يوجب ضيقا عليه، فيرفعه الشارع بجعل الحجية لمطلق الظن بالحكم الشرعي.

و ضمير «جعله» راجع إلى الشارع «بملاك» أي: لا بملاك حكم العقل به؛ بل بملاك التسهيل مثلا. و قوله «و حكمة» عطف تفسيري للملاك.

(1) يعني: من عدم قابلية باب الإطاعة للحكم المولوي بقوله: «و المورد هاهنا غير قابل له ...» الخ، فهو تعليل لقوله: «من دون استكشاف». و «من دون» متعلق بقوله: «يحكم».

(2) أي: باستقلال العقل بالإطاعة الظنية حال الانسداد، و عدم استكشاف الحكم المولوي بها بقاعدة الملازمة ظهر: أن نتيجة المقدمات هي الحكومة دون الكشف، و قد عرفت سابقا: مبنى الكشف و الحكومة.

و المتحصل: أن التقرير على وجه الكشف باطل؛ لأن المقدمات المذكورة لا تستلزم جعل الشارع للظن مطلقا أو بشرط حصوله من أسباب خاصة حجة؛ لجواز أن لا يجعل الشارع طريقا للامتثال بعد تعذر العلم أصلا.

عدم الإهمال في النتيجة على الحكومة

(3) أي: على الحكومة. هذا شروع في بيان ثمرة الحكومة و الكشف و ما يترتب عليهما من إهمال النتيجة و عدم إهمالها. فيقال: إنه بناء على الحكومة لا إهمال في النتيجة أصلا لا سببا و لا موردا و لا مرتبة؛ بل معينة، لكنها من حيث الأسباب كلية، و من حيث الموارد و المرتبة جزئية، إذ الإهمال في النتيجة يكون في صورة الشك و الترديد في الحكم، و لا يتصور الشك و الترديد من الحاكم- و هو هنا العقل- في حكمه الفعلي؛ لأنه إذا أحرز مناط حكمه بشي‏ء حكم به، و إلا لم يحكم أصلا، لا أنه يحكم مع الشك و الترديد.

أما عدم الإهمال من حيث الأسباب- بمعنى: كلية النتيجة و عدم اختصاص حجية الظن الانسدادي بحصوله من سبب دون سبب- فلأن المناط في حكم العقل بلزوم‏

12

و مرتبة (1) لعدم تطرق الإهمال و الإجمال في حكم العقل كما لا يخفى.

و أما بحسب الأسباب فلا تفاوت بنظره فيها (2).

و أما بحسب الموارد (3) فيمكن أن يقال: بعدم استقلاله بكفاية الإطاعة الظنية؛ إلا فيما ليس للشارع مزيد اهتمام فيه بفعل الواجب و ترك الحرام، ...

____________

العمل بالظن هو أقربيته إلى الواقع من الشك و الوهم، و هذا المناط لا يختلف باختلاف أسباب الظن، فالنتيجة كلية- و هي معينة- لا مهملة.

و أما عدم الإهمال بحسب الموارد- المسائل الفقهية- و كون النتيجة بحسبها جزئية معينة: فلأن المتيقن من حكم العقل بكفاية الإطاعة الظنية هو: ما إذا لم يكن للشارع مزيد اهتمام به؛ إذ لو كان كذلك- كما في النفوس و الأعراض و الأموال- لم يستقل العقل بكفاية الظن فيه؛ بل حكم بوجوب الاحتياط فيه، و حيث كان لحكم العقل بكفاية الإطاعة الظنية حال الانسداد قدر متيقن بحسب الموارد كانت نتيجة مقدمات الانسداد جزئية معينة أيضا، و ليست مهملة.

و أما عدم الإهمال بحسب المرتبة: فلأن النتيجة هي: حجية خصوص الظن الاطمئناني إن كان وافيا؛ و إلا فيتعدى عنه إلى غيره بمقدار الكفاية؛ بحيث لا يلزم من الاحتياط في سائر الموارد- التي لم يقم ظن اطمئناني على الحكم الشرعي فيها- عسر أو حرج، فإن استلزم الاحتياط فيها عسرا أو حرجا: لم يقتصر على الظن الاطمئناني؛ بل يتعدى إلى غيره بمقدار ارتفاع الحرج.

و كيف كان؛ فالنتيجة بحسب المرتبة أيضا معينة جزئية لا أنها مهملة.

(1) قوله: «سببا، موردا، مرتبة» بيان لقوله: «أصلا»، و «لعدم» تعليل لعدم الإهمال، كما في «منتهى الدراية، ج 5، ص 19- 21».

(2) أي: في الأسباب يعني: فلا تفاوت بنظر العقل بين الأسباب، فكل من الظن الاطمئناني الحاصل من خبر العدل، و القوي الحاصل من خبر الثقة، و الضعيف الناشئ من الشهرة الفتوائية حجة بحكم العقل- في حال الانسداد- بوزان واحد، فالنتيجة من حيث الأسباب على الحكومة كلية، هي حجية الظن مطلقا من دون تفاوت بين أسبابه.

(3) أي: الموارد التي يتعلق بها الظن كمورد الطهارة و الصلاة و الزكاة و غيرها- من المسائل الفقهية- فقد عرفت كون النتيجة بحسها جزئية معينة و ليست بمطلقة؛ و ذلك لعدم استقلال العقل «بكفاية الإطاعة الظنية ...» الخ.

13

و استقلاله (1) بوجوب الاحتياط فيما فيه مزيد الاهتمام، كما في الفروج و الدماء؛ بل (2) و سائر حقوق الناس مما لا يلزم من الاحتياط فيها العسر.

و أما بحسب المرتبة: فكذلك (3) لا يستقل إلا بلزوم التنزل إلى مرتبة الاطمئنان من الظن بعدم التكليف؛ إلا على تقدير عدم كفايتها في دفع محذور العسر (4).

____________

(1) عطف على «عدم» في قوله: «بعدم»، يعني: فيمكن أن يقال باستقلال العقل بوجوب الاحتياط. و ضمير «فيه» في الموضعين راجع على الموصول في «فيما»، المراد به المورد في الموضعين.

(2) إضراب عن استقلال العقل بوجوب الاحتياط في الفردين إلى استقلاله بوجوبه في الفرد الخفي أيضا مما يمكن القول بوجوب الاحتياط فيها؛ ما لم يوجب عسرا أو حرجا، و أما في الموارد الثلاثة: فيجب فيها الاحتياط مطلقا، من غير تقييد بعدم استلزامه للحرج.

(3) أي: فكالمورد فيما ذكرناه من التفصيل بين الظن الاطمئناني و غيره كما عرفت.

و حاصله: أن حكم العقل في المقام معيّن و هو الاكتفاء بالإطاعة الظنية فما ليس للشارع مزيد اهتمام، و لزوم الاحتياط فيما علم للشارع مزيد اهتمام فيه. فالنتيجة من حيث الموارد معيّنة أيضا و لكنها ليست كلية بل هي حجية الظن في غير ما علم مزيد اهتمام الشارع فيه.

(4) و الحرج، فيتنزل إلى مرتبة الأقوى فالأقوى. هذا مبني على كون النتيجة التبعيض في الاحتياط بأن يقال: إن مقتضى العلم الإجمالي بالأحكام هو الاحتياط التام؛ لكنه- لإخلاله بالنظام، أو لإيجابه للعسر و الحرج- يرفع اليد عنه، و يقتصر فيه على المقدار غير الموجب للعسر، فإن ارتفع العسر برفع اليد عن الاحتياط في موهومات التكليف فقط اقتصر عليه، و وجب الاحتياط في غيرها من المظنونات و المشكوكات، إذا ارتفع العسر بتركه في بعض موهومات التكليف- و إن كان مما ظن اطمئنانا عدم التكليف فيه- اقتصر عليه، و وجب الاحتياط في البعض الآخر من موهومات التكليف؛ و إن كان من المظنون اطمئنانا عدم التكليف فيه.

و بالجملة: لا بد في رفع اليد عن الاحتياط التام من الاقتصار على ما يرتفع به محذور الاختلال أو العسر، و هذا هو المراد بقوله: «في رفع محذور العسر»؛ كما في «منتهى الدراية، ج 5، ص 22».

14

و أما على تقدير الكشف (1): فلو قيل بكون النتيجة هو نصب الطريق الواصل بنفسه؛ فلا إهمال فيها أيضا بحسب الأسباب؛ بل يستكشف حينئذ: أن الكل حجة

____________

التفصيل في إهمال النتيجة و تعيينها على الكشف‏

(1) لما كان معنى حجية الظن على الكشف هو: نصب الشارع الظن- حال الانسداد طريقا، فالوجوه المتصورة في نصب الطريق الظني ثلاثة:

الأول: أن يستكشف بمقدمات الانسداد أن المنصوب هو الطريق الواصل بنفسه، بمعنى: كون المقدمات الجارية في الأحكام موجبة للعلم بجعل الشارع طريقا معينا و أصلا بنفسه، فلا حاجة في تعيين ذلك الطريق إلى غير المقدمات الجارية في نفس الأحكام، و عليه: فالطريق الظني الذي يكشف عنه دليل الانسداد هو كل ما يورث الظن بالحكم مما وصل بنفسه إلى المكلف إذا لم يكن بعض أفراده متيقن الاعتبار بالنسبة إلى بعضها الآخر، فيكون مثل هذا الظن حجة مطلقا يعني: سواء حصل من الخبر الصحيح أم الموثق أم الحسن أم الضعيف المنجز بعمل المشهور، أم الإجماع المنقول أم غيرها، فلو كان بينها تفاوت فالواصل إلى المكلف هو الظن الحاصل من ذلك السبب الخاص كخبر العدل الإمامي دون غيره؛ لتعلق غرض الشارع بوصول الطريق و تعينه لديه، فلو لم يكن هذه المزية موجبة لتعينه لزم نقض الغرض، و سيأتي لازم هذا الوجه من إهمال النتيجة أو تعينها.

الثاني: أن يستكشف بمقدمات الانسداد أن المنصوب هو الطريق الواصل لو بطريقه، بمعنى: كون المقدمات موجبة للعلم بنصب الشارع طريقا معينا إلى الأحكام؛ و لو فرض تعينه لنا بغير هذه المقدمات مما يوجب العلم بطريقيته و تعينه؛ كإجراء مقدمات الانسداد مرة ثانية في نفس الطريق للكشف عنه، بأن يقال: إن مطلق الظن صار حجة بدليل الانسداد، و لم يعلم رضا الشارع بخصوص طريق دون آخر، و الاحتياط في الطرق باطل، و ترجيح المرجوح على الراجح قبيح، و يستكشف منها حينئذ: نصب طريق خاص، و الفرق بين الانسداد الكبير الجاري في نفس الأحكام، و بين الجاري في الطرق هو: أن الأول يثبت رضا الشارع بتحصيل المكلف الظن بالحكم الشرعي، و أن الحجة عنده طبيعة الظن بلا نظر إلى الخصوصيات، و أما الثاني: فيتكفل تعين تلك الطرق الظنية التي اقتضتها مقدمات الانسداد الجارية في الأحكام.

و بالجملة: فالمنصوب على هذا الوجه ما عينته المقدمات و لو بإجرائها مرة ثانية، و سيأتي لازم هذا الوجه أيضا من إهمال النتيجة أو تعينها.

15

الثالث: أن يستكشف بالمقدمات نصب طريق إلى الأحكام واقعا؛ بمعنى: كون المقدمات موجبة للعلم بنصب الشارع طريقا إلى الأحكام؛ و لو لم يصل إلينا، و لم يتعين لنا لا بنفسه و لا بطريق يؤدي إليه كانسداد آخر جار في نفس الطريق. و عليه: فالثابت بمقدمات الانسداد هو حجية ظن بنحو الفرد المنتشر بين الظنون، مع فرض عدم سبيل إلى إحراز اعتبار واحد منها بالخصوص- كالمستفاد من خبر الثقة مثلا- مع فرض اختلافها قوة و ضعفا، و سيأتي لازم هذا الوجه أيضا؛ كما في «منتهى الدراية، ج 5، ص 23- 24»-.

توضيح بعض العبارات طبقا لما في «منتهى الدراية».

قوله: «فلا إهمال فيها أيضا»: أي فلا إهمال في النتيجة، كما لا إهمال فيها بحسب الأسباب، بناء على الحكومة. و هذا شروع في بيان لازم الوجه الأول، و حاصله: أنه- بناء على كون نتيجة مقدمات الانسداد على الكشف هو نصب الطريق الواصل بنفسه- لا إهمال فيها بحسب الأسباب، فالنتيجة حينئذ: معينة، و هي إما كلية، يعني أن الظن حجة من أي سبب حصل، و إما جزئية؛ و ذلك لأنه إن كان بين الأسباب ما هو متيقن الاعتبار كخبر العادل المزكى بعدلين مثلا، و كان وافيا بمعظم الفقه فهو حجة معينا دون سائر المظنون، أما أن المتيقن الاعتبار حجة معينا: فلفرض أقوائية سببه من سائر الأسباب المفيدة للظن الموجبة لتيقن اعتباره، و أما أن غيره- مما لم يتيقن باعتباره من سائر الظنون- لا يكون بحجة: فلعدم المجال لاستكشاف حجية غير متيقن الاعتبار بعد فرض أن الحجة هو خصوص الطريق الواصل بنفسه، و أنه المتيقن اعتباره دون غيره.

و إن لم يكن بين الأسباب ما هو متيقن الاعتبار، أو كان و لكن لم يف بمعظم الفقه:

كانت الحجة هو الظن الحاصل من أي سبب، عدا ما نهى الشارع عن اتباعه كالقياس.

هذا كله بحسب الأسباب.

و كذا بحسب الموارد- و هي الأحكام الفرعية من الطهارة و الصلاة و غيرهما من أحكام النفوس و الأعراض و الأموال- فإن النتيجة كلية أيضا؛ إذ لو لم تكن كلية و لو لأجل التردد في بعض الموارد لزم خلاف الفرض، و هو وصول الحجة بلا واسطة، يعني:

يلزم عدم وصول الحجة بنفسها إلينا؛ و لو كان عدم وصولها كذلك لأجل التردد في مواردها.

و أما بحسب المرتبة: فالنتيجة مهملة؛ لاحتمال كون الطريق المنصوب خصوص الظن‏

16

لو لم يكن بينها ما هو المتيقن. و إلّا فلا مجال لاستكشاف حجية غيره و لا (1) بحسب الموارد؛ بل يحكم بحجيته في جميعها؛ و إلا (2) لزم عدم وصول الحجة و لو لأجل التردد في مواردها كما لا يخفى.

و دعوى الإجماع على التعميم بحسبها (3) في مثل هذه المسألة المستحدثة مجازفة جدا.

____________

الاطمئناني عند وفائه بالمعظم، فيقتصر عليه؛ إذ مع فرض الكفاية لا حاجة إلى غير الاطمئناني حتى يتعدى إليه.

قوله: «حينئذ» أي: حين تقرير المقدمات، على نحو يستنتج منها نصب الطريق الواصل بنفسه يستكشف منها أن كل ظن من أي سبب حصل حجة.

و ضمير «بينها» راجع على الظنون «و إلا» يعني: و إن كان بين الظنون ما هو متيقن الاعتبار «فلا مجال لاستكشاف حجية غيره» أي: غير متيقن الاعتبار.

(1) عطف على «بحسب الأسباب»، و ضمير «بحجيته» راجع على الظن، و ضمير «في جميعها» راجع على الموارد.

(2) أي: و إن لم يحكم بحجية الظن في جميع الموارد و المسائل الشرعية لزم الخلف، أي: خلاف ما فرضناه من كون النتيجة هي الحجة الواصلة، يعني: حجية الطريق الواصل بنفسه، فيلزم من عدم الالتزام بحجية ما وصل إلينا من الطرق في جميع الموارد:

عدم كون النتيجة حجية جميع ما وصل إلينا، و معنى ذلك: عدم وصول الحجة إلينا؛ و لو لأجل تردد ذلك الظن بين ظنون متعددة، للشك في اعتبار أي واحد منها.

(3) أي: بحسب الموارد. هذا دفع لما يدعيه الشيخ الأنصاري «(قدس سره)» من قيام الإجماع على التعميم بحسب الموارد، بتقريب: أن النتيجة ليست إلا الحجية في بعض الموارد، و أما سائر الموارد المشكوكة: فحجية الظن فيها إنما هو بالإجماع، فالمقدمات إنما تفيد الحجية في بعض الموارد غير المهمة. و الإجماع يفيد الحجية في الموارد المهمة؛ لأنه قام على التعميم.

و أما دفع دعوى الإجماع على التعميم: فحاصله: أن دعوى الإجماع على التعميم بحسب الموارد مجازفة جدا؛ إذ هذه المسألة ليست معنونة في كتب القدماء حتى يثبت الإجماع فيها، فالنتيجة بحسب الموارد و إن كانت كلية؛ و لكن لا للإجماع كما يدعيه الشيخ «(قدس سره)»؛ بل لمنافاة الإهمال فيها لفرض وصول الطريق بنفسه بناء على الكشف؛ إذ التردد في الطريق مناف لوصوله و تعينه، فلا يحصل الإجماع كي‏

17

و أما بحسب المرتبة: ففيها (1) إهمال؛ لأجل حجية خصوص الاطمئناني منه إذا كان وافيا، فلا بد من الاقتصار عليه (2).

و لو قيل بأن النتيجة هو نصب الطريق الواصل و لو بطريقه: فلا إهمال فيها (3)

____________

يستكشف به رأي الإمام «(عليه السلام)».

و بالجملة: أن المفروض وصول الطريق المنصوب شرعا بنفسه، و قيام الإجماع عليه ينافي الوصول بنفسه.

(1) أي: ففي النتيجة إهمال؛ «لأجل احتمال حجية خصوص الاطمئناني منه»، أي:

من الظن إذا كان وافيا بجميع الأحكام أو معظمها.

(2) أي: على الظن الاطمئناني.

و حاصل الكلام في المقام: أنه لو قلنا بكون النتيجة على الكشف هي الطريق الواصل بنفسه فهل يكون كل ظن حجة، سواء كان ظنا ضعيفا أو ظنا قويا، أم تختص بالظن القوي فقط؟ و لازم ذلك: عدم الإهمال في النتيجة؛ و ذلك لإن الظن القوي لو كان وافيا بالفقه فلا إهمال من جهة أنه الحجة فقط دون الظن الضعيف؛ لأنّه وصل الطريق- بسبب الظن القوي- و إن لم يكن وافيا: فلا إهمال أيضا من جهة أن الجميع حجة؛ و إلا فليس الطريق واصلا بنفسه، و هو خلاف الفرض. فحينئذ: ما ذكره المصنف بقوله: «ففيها إهمال» لا يخلو عن إشكال؛ إذ لا فرق بين المرتبة و السبب، فما قلنا في السبب يجري هنا أيضا.

هذا كله الأقسام الثلاثة السبب، و المورد، و المرتبة بناء، على كون الطريق واصلا بنفسه- و هو القسم الأول بناء على الكشف- و أما القسم الثاني بناء على الكشف، و هو ما أشار إليه بقوله: «لو قيل بأن النتيجة» لمقدمات الانسداد «هو نصب الطريق الواصل و لو بطريقه»، بمعنى: أن الطريق المكشوف من المقدمات يصل إلينا بواسطة مقدمات أخرى، فليس الطريق واصلا بنفسه، بل واصلا بطريقه.

(3) أي: فلا إهمال في النتيجة بحسب الأسباب، هذا شروع في بيان لازم الوجه الثاني من الوجوه المحتملة في نتيجة المقدمات بناء على الكشف، و هو كون النتيجة حجية الطريق الواصل و لو بطريقه.

و توضيح ما أفاده فيه بالنسبة إلى السبب- على ما في «منتهى الدراية، ج 5، ص 28». هو: أن الظن بالحكم حجة إن كان سببه واحدا، و كذا إن كان متعددا؛ لكن مع التساوي في اليقين بالاعتبار أو الظن به.

18

بحسب الأسباب؛ لو لم يكن فيها تفاوت (1) أصلا لو لم يكن بينها إلا ...

____________

أما الأول: فلأن الوحدة في السبب توجب التعين الذاتي، فلا إهمال في النتيجة.

و أما الثاني: فلأن تعين بعض الأفراد مع فرض التساوي بينها، و عدم التفاوت بين أسبابها يكون من الترجيح بلا مرجح و هو قبيح، فلا بد من الالتزام بحجية الجميع.

و إن كان سبب الظن بالحكم متعددا؛ كما إذا نشأ من خبر الواحد و الإجماع و الشهرة، و كانت الظنون متفاوتة من حيث الاعتبار، فإن كان التفاوت بينها باليقين بالاعتبار و الظن به: فالمتيقن اعتباره حجة دون غيره؛ إذ الواصل إلى المكلف هو معلوم الاعتبار، نعم؛ مع عدم الكفاية يتعدى عنه إلى غيره.

و إن كان التفاوت بينها لأجل التفاوت في نفس الظن بالاعتبار؛ بأن يكون بعض الظنون المتعلقة بالواقع مظنون الاعتبار كخبر الإمامي الممدوح بما لا يفيد العدالة، و بعضها مشكوك الاعتبار كالشهرة و بعضها معلوم الاعتبار كالظن الحاصل من الخبر الصحيح: احتيج في تعيين الحجة الشرعية إلى إجراء مقدمات الانسداد في الطريق المستكشف نصبه في الجملة من مقدمات الانسداد الجارية في الأحكام الواقعية؛ بأن يقال: إن باب العلم و العلمي بالنسبة إلى الطرق المنصوبة شرعا منسد، و إهمالها غير جائز، و الاحتياط فيها غير ممكن أو غير واجب، فيدور الأمر بين العمل بمظنون النصب أو مشكوكه أو موهومه و العقل يحكم- بمقتضى قبح ترجيح المرجوح على الراجح- بتقديم مظنون الاعتبار على مشكوكه و موهومه. هذا كله بحسب السبب.

و أما بحسب المورد: فالنتيجة- بناء على الكشف و كون الطريق واصلا و لو بطريقه- عامة بالنسبة إلى الموارد كالواصل بنفسه؛ و إلا لزم عدم وصوله و لو للتردد في مواردها؛ كما تقدم في الواصل بنفسه.

و أما بحسب المرتبة: فهي مهملة؛ لما تقدم أيضا من احتمال حجية خصوص الظن الاطمئناني إذا كان وافيا، و التعدي إلى غيره مع عدم الوفاء.

(1) يعني: لو لم يكن في الأسباب تفاوت في تيقن الاعتبار و عدمه كما عرفت توضيحه، و عليه: فلا إهمال في صورتين:

الأولى: إذا لم يكن بين الأسباب الموجبة للظن تفاوت في تيقن الاعتبار؛ بل كانت متساوية من حيث الاعتبار؛ كخبر العدل و الإجماع و الشهرة مثلا.

الثانية: إذا لم يكن سبب للظن إلا واحد نوعي، فالنتيجة جزئية، و هي حجية خصوص خبر الواحد مثلا بأقسامه المتعددة، و عدم حجية غيره.

19

واحد (1)، و إلا (2) فلا بد من الاقتصار على متيقن الاعتبار منها (3) أو مظنونه بإجراء مقدمات دليل الانسداد حينئذ (4) مرة أو مرات في تعيين الطريق المنصوب، حتى ينتهي إلى ظن واحد، أو إلى ظنون متعددة (5) لا تفاوت بينها، فيحكم بحجية كلها،

____________

توضيح بعض العبارات طبقا لما في «منتهى الدراية».

(1) أي: واحد نوعي، كخبر الواحد في مقابل الإجماع المنقول و الشهرة و غيرهما.

(2) أي: و إن كان بينها تفاوت في اعتبار بعضها دون الآخر، «فلا بد من الاقتصار على متيقن الاعتبار» إذا كان التفاوت بين الظنون في اليقين بالاعتبار.

(3) أي: من الأسباب المتعددة، و الحاصل: أنه لا إهمال أصلا بحسب الأسباب.

أما في صورة وحدة السبب: فلأنها موجبة للتعيين بالذات، فلا مجال للإهمال و التردد.

و أما في صورة التعدد مع التساوي: فلأن التساوي مانع من تعيين البعض؛ إذ لا وجه لتعيين الخبر دون الإجماع مثلا، مع فرض تساويهما من جميع الجهات.

(4) أي: حين التعدد و التفاوت بالظن باعتبار بعضها دون بعض «مرة: أو مرات».

توضيحه: إن كان بعضها مظنون الاعتبار دون ما سواه: جرى دليل الانسداد في تعيين الحجة على الاعتبار، فيقال: الظن بالواقع منه مظنون الاعتبار، و منه مشكوك الاعتبار، و منه موهوم الاعتبار.

ثم يقال: الظن بالاعتبار بعض الظنون المتعلقة بالواقع إما أن يكون واحدا فهو الحجة على الاعتبار أو متعددا، و كلها متساوية في تيقن الاعتبار أو الظن به كما تقدم، فكلها حجة أيضا، أو بعضها متيقن الاعتبار دون غيره، فهو الحجة دون غيره، و إن كان متعددا متفاوتا في الظن بالاعتبار: فلا بد من إجراء الدليل ثالثا لتعيين الحجة على اعتبار الظن بالاعتبار، فيقال كما ذكر، و هكذا حتى ينتهي الأمر إلى ظن واحد أو ظنون متساوية، أو بعضها متيقن الاعتبار فيكون ذلك هو الحجة، ثم ينتقل منه إلى إثبات غيره حتى يتعين الظن الذي هو حجة على الواقع، و يكون واصلا إلى المكلف بطريقه لا بنفسه؛ كما في «حقائق الأصول، ج 2، ص 193».

(5) كما عرفت أيضا في الطريق الواصل بنفسه، غاية الأمر: أن تعيين هذين القسمين- أعني الظن الواحد و الظنون المتعددة التي لا تفاوت بينها- كان في الطريق الواصل بنفسه بإجراء مقدمات الانسداد في نفس الأحكام، و في المقام- و هو الطريق الواصل و لو بطريقه- بإجرائها ثانيا في الطريق إلى الأحكام، و ثالثا و هكذا.

20

أو متفاوتة يكون بعضها الوافي متيقن الاعتبار، فيقتصر عليه (1).

و أما بحسب الموارد و المرتبة: فكما إذا كانت النتيجة هي الطريق الواصل بنفسه (2)، فتدبر جيدا.

و لو قيل: بأن النتيجة (3) هو الطريق و لو لم يصل أصلا، فالإهمال فيها يكون من‏

____________

(1) أي: فيقتصر على متيقن الاعتبار.

(2) قد عرفت توضيحه بقولنا: «و كذا بحسب الموارد فالنتيجة ...» الخ، فالظن في جميع الموارد حجة- سواء كان من الأمور المهمة، كالنفوس أم لا كالطهارة- و ذلك لأنه لو لم يكن في بعضها حجة كان خلاف الغرض و إنه لم يصل الطريق و لو بطريقه؛ لكن النتيجة مهملة بالنسبة إلى المرتبة؛ لاحتمال حجية الظن الاطميناني فقط إذا كان وافيا.

(3) أي: نتيجة دليل الانسداد «هو الطريق و لو لم يصل أصلا»، بمعنى: أن المقدمات تنتج أن الشارع جعل طريقا لكنه غير معلوم و مشتبه بين الطرق التي بأيدينا، «فالإهمال فيها» أي: في النتيجة «يكون من الجهات» أي: الموارد و الأسباب و المراتب؛ لأنه لم يعلم- بعد الإهمال- خصوصية و تعيين بالنسبة إلى إحدى الجهات، و لا طريق إلى التعيين.

و كيف كان؛ فهذا الكلام من المصنف تعرض للازم الوجه الثالث من الوجوه المحتملة في نتيجة المقدمات بناء على الكشف، و هي كون النتيجة حجية الطريق إجمالا، يعني:

و لو لم يصل أصلا لا بنفسه و لا بطريقه.

و توضيح ما أفاده في ذلك- على ما في «منتهى الدراية، ج 5، ص 31»-: أن النتيجة مهملة من الجهات الثلاث، و تتعين الوظيفة حينئذ بالاحتياط التام في أطراف العلم الإجمالي بالطريق؛ بأن يؤخذ بكل ما يحتمل كونه طريقا إن لم يلزم منه محذور عقلا كاختلال النظام، أو شرعا كالعسر.

و إن لزم منه ذلك: فلا بد من التنزل من الكشف إلى حكومة العقل، بما يظن طريقيته فقط إذا لم يكن بين الظنون ما هو متيقن الاعتبار؛ و إلا فالمتعين الأخذ به كشفا.

و الوجه في تعين الحكومة في صورة تساوي الظنون: أنه لا سبيل لاستكشاف الطريق المنصوب، و المفروض: عدم وجوب الاحتياط أو عدم جوازه، فيتعين المصير إلى الحكومة.

و بالجملة: فمع إمكان الاحتياط لا كشف و لا حكومة، و مع عدمه تتعين الحكومة؛ لفرض: عدم وصول الطريق المنصوب و لو بالواسطة.

و لا يخفى: أن ما أفاده المصنف «(قدس سره)»- من ابتناء إهمال النتيجة و تعيينها على أن تكون نتيجة المقدمات بناء على الكشف نصب الطريق الواصل بنفسه أو بطريقه أو

21

الجهات، و لا محيص حينئذ إلا من الاحتياط في الطريق بمراعاة أطراف الاحتمال لو لم يكن بينها متيقن الاعتبار، لو لم يلزم منه محذور؛ و إلّا (1) لزم التنزل إلى حكومة العقل بالاستقلال، فتأمل فإن المقام من مزال الأقدام.

وهم (2) و دفع:

لعلك تقول: أن القدر المتيقن الوافي لو كان في البين لما كان مجال لدليل الانسداد، ضرورة: أنه من مقدماته: انسداد باب العلمي أيضا.

____________

الطريق و لو لم يصل أصلا- تعريض بشيخنا الأعظم و غيره؛ إذ الظاهر من كلامه «(قدس سره)»: أن لازم القول بالكشف هو الإهمال، فيحتاج تعميم النتيجة حينئذ إلى الوجوه التي ذكروها للتعميم.

قال الشيخ: «أما على تقدير كون العقل كاشفا عن حكم الشارع بحجية الظن في الجملة، فقد عرفت: أن الإهمال بحسب الأسباب و بحسب المرتبة، و يذكر للتعميم من جهتهما وجوه»، و ظاهره: أن الإهمال لازم للكشف و هو ملزوم له، و لم يكن للتفصيل بين الاحتمالات الثلاثة عين و لا أثر في كلماتهم، فأورد المصنف على ذكر ذلك: بأن تعميم النتيجة بما ذكروه على الاحتمال الأول: يتوجه التعيين بالوجهين الأولين، كما أنه يتم التعميم بالوجه الثالث بناء على الاحتمال الثالث فقط، و لا يخفى: أن المصنف قد أوضح ذلك بعبارة وافية في حاشيته على الرسائل.

توضيح بعض العبارات طبقا لما في منتهى الدراية.

«الجهات» الثلاث و هي: الأسباب و الموارد و المرتبة «و لا محيص حينئذ» أي: حين كون الإهمال من جميع الجهات. «لو لم يكن بينها» أي: بين أطراف الاحتمال، و المراد بالأطراف: الطرق.

«متيقن الاعتبار»؛ إذ لو كان، كان هو الحجة دون غيره.

(1) أي: و إن لزم المحذور من الاحتياط فلا بد من التنزل من الكشف إلى حكومة العقل مطلقا.

وهم و دفع‏

(2) و هذا الوهم إشكال على ما تقدم على الكشف من التفصيل بين وجود القدر المتيقن الوافي بمعظم الفقه المتعين في الحجية و بين عدمه، فالنتيجة على الأول: جزئية، و على الثاني: كلية، فلا بد أولا: من تقريب هذا الإشكال، و ثانيا: من الجواب عنه.

22

لكنك غفلت (1) عن أن المراد (2): ما إذا كان اليقين بالاعتبار من قبله (3) لأجل‏

____________

و أما تقريب الوهم- و هو الإشكال على التفصيل المزبور- فيقال: إنه لا مجال لدليل الانسداد مع وجود القدر المتيقن؛ إذ لو كان في الظنون ظن متيقن الاعتبار بمقدار واف لمنع ذلك عن دليل الانسداد من أصله، كيف؟ و من مقدماته انسداد باب العلمي بمعظم الأحكام، و هو الظن المعلوم اعتباره المعبر عنه بالظن الخاص.

و عليه: فينهدم أساس الانسداد بناء على وجود المتيقن الوافي؛ لما عرفت من: أن العمدة هو انسداد باب العلمي، و على تقدير وجود الطريق المتيقن الاعتبار- كخبر العدل أو الثقة- يفتح باب العلمي، فلا بد من رفع اليد إما عن هذا التفصيل يبقى الكلام على الانسداد سليما عن الإشكال، و إما من الخروج عن فرض الانسداد إلى الانفتاح و هو خلف. هذا تمام الكلام في تقريب الوهم.

و أما الدفع: فحاصله: أن وجود القدر المتيقن إنما ينافي الانسداد إذا لم يكن للانسداد دخل فيه، و أما إذا كان القدر المتيقن مستندا إلى الانسداد و معلولا له: فلا ينافيه؛ لامتناع أن يكون المعلول منافيا لعلته.

توضيح استناد القدر المتيقن إلى الانسداد: أن نتيجة الانسداد هي اليقين بنصب الطريق. و هناك يقين آخر و هو القطع بالملازمة بين نصب الطريق، و بين كون الطريق المنصوب هو القدر المتيقن، و هذا اليقين و إن لم يكن مستندا إلى دليل الانسداد؛ لكن اليقين الأول مستند إليه و هو كاف في دخالته في حصول القدر المتيقن؛ لأن اليقين بأحد المتلازمين دليل على الملازم الآخر، فاليقين بنصب الطريق شرعا- الذي هو نتيجة دليل الانسداد و أحد المتلازمين- دليل على حجية خبر العادل مثلا و هو الملازم الآخر.

توضيح بعض العبارات طبقا لما في «منتهى الدراية».

قوله: «أيضا» أي: كانسداد باب العلم، و ضمير «مقدماته» راجع على دليل الانسداد.

(1) هذا دفع الإشكال، و قد تقدم توضيح ذلك.

(2) أي: المراد بقوله: فيما تقدم: «لو لم يكن بينها متيقن الاعتبار ...».

(3) أي: من قبل دليل الانسداد، يعني: أن اليقين بالاعتبار ينشأ من ناحية دليل الانسداد لا غيره حتى ينافيه، و من المعلوم: أن اليقين بالاعتبار الذي هو معلول الانسداد لا ينافي عليته أصلا.

23

اليقين (1) بأنه لو كان شي‏ء حجة شرعا كان هذا الشي‏ء حجة قطعا، بداهة: أن (2) الدليل على أحد المتلازمين إنما هو الدليل على الآخر؛ لا الدليل على الملازمة.

____________

(1) تعليل لحصول اليقين بالاعتبار من دليل الانسداد، يعني: أن الوجه في حصول اليقين باعتبار طريق مخصوص كخبر العادل من دليل الانسداد هو أن دلالة دليل الانسداد- الكاشف عن نصب طريق فرض كونه أحد المتلازمين- على الملازم الآخر و هو اعتبار المتيقن كخبر العادل أو الثقة إنما هي بواسطة اليقين بالملازمة المزبورة، الذي هو واسطة ثبوتية للدلالة المذكورة، فقوله: «لأجل اليقين» معناه: لأجل اليقين بالملازمة.

الضمير في قوله «بأنه» للشأن يعني: لو كان طريق حجة شرعا كان خبر الثقة حجة قطعا، و هذه القضية هي تقريب الملازمة المذكورة، و منشأ القطع باعتباره غلبة مطابقته للواقع، فالمراد من «شي‏ء» الفرد المنتشر من الطريق، و من «الشي‏ء» خصوص فرد معين كخبر العدل مثلا، و التقييد بقوله: «شرعا» لأجل ابتناء أصل التوهم على حجية الظن على نحو الكشف لا الحكومة.

(2) تعليل لكون المراد ما إذا كان اليقين بالاعتبار من قبل دليل الانسداد، فهو في الحقيقة إشارة إلى دفع ما يمكن أن يتوهم في المقام من أن الإشكال المزبور- و هو كون القدر المتيقن الوافي منافيا لدليل الانسداد، لفرض: انفتاح باب العلمي حينئذ- لم يندفع بما تقدم من أن اليقين بالاعتبار مستند إلى دليل الانسداد، و هو كاف في انسداد باب العلمي أي: الظن الخاص.

وجه عدم الاندفاع: أن القطع بحجية ظن و إن كان مستندا إلى دليل الانسداد؛ لكن اليقين بالملازمة بينه و بين حجية خبر العادل مثلا مستند إلى الخارج لا إلى دليل الانسداد، فيعود المحذور و هو عدم انسداد باب العلمي و الظن الخاص.

توضيح دفع التوهم- على ما في «منتهى الدراية، ج 5، ص 38»- أن الدليل على التلازم بين شيئين ليس دليلا على وجود المتلازمين أو أحدهما حتى يعود المحذور، أعني:

انفتاح باب العلمي؛ و ذلك لأن دليل التلازم لا يثبت إلا الملازمة بين شيئين، و أما وجود نفس الشيئين المتلازمين، أو وجود أحدهما: فيحتاج إلى دليل آخر.

و في المقام نقول: إن الدليل على التلازم بين حجية طريق و حجية خصوص خبر العادل مثلا- كقوله: لو نصب الشارع طريقا لكان خبر العادل حجة- لا يستفاد منه إلا وجود العلقة بينهما واقعا، و أنه إذا ثبت أحدهما- و هو حجية الطريق- ثبت الآخر، أعني: حجية خبر العادل أيضا، و أما أن الطريق حجة فعلا؛ حتى يكون العادل حجة

24

فعلا لكونها لازمة لحجية الطريق: فلا يتكفله الدليل على التلازم المذكور؛ بل إنما يتكفله دليل الانسداد، و قد تقرر في محله: أن الدليل على وجود أحد المتلازمين دليل على وجود الآخر، و أما الدليل على أصل الملازمة بينهما: فلا يكون دليلا على وجودهما أو وجود أحدهما.

و السر فيه واضح، فإن صدق القضية الشرطية لا يتوقف على وجود الطرفين أو أحدهما، أ لا ترى أن قوله «(عليه السلام)»: في حديث «و إذا قصرت أفطرت و إذا أفطرت قصرت» (1) إنما يدل على أصل الملازمة بين التقصير و الإفطار، و لا يكون دليلا على ثبوت الإفطار فعلا؟ بل ثبوته كذلك يحتاج إلى دليل آخر، و هو الدليل على وجوب القصر، فإن دل على وجوبه دليل: ثبت فعلا و ثبت وجوب الإفطار كذلك أيضا بمقتضى الملازمة بينهما؛ و إلا لم يثبت لعدم ثبوت القصر، و لا تنافي بين عدم ثبوته فعلا- لعدم ثبوت القصر كذلك- و بين ثبوت الملازمة بينهما واقعا؛ لما عرفت من: عدم توقف صدق الشرطية على ثبوت طرفيها.

و بهذا البيان ظهر: أن مقصود المصنف «(قدس سره)» بقوله: «إنما هو الدليل ...» الخ.

هو: أن الدليل على ثبوت الملازمة بين شيئين لا يكون دليلا على وجودهما أو وجود أحدهما، بل الدليل على وجود أحدهما يكون هو الدليل على وجود الآخر، و كان هذا- أعني: تخيل أن ثبوت الملازمة دليل على ثبوت أحد المتلازمين- هو منشأ التوهم المزبور، فزعم أن المقصود حصول القدر المتيقن الوافي بمجرد ثبوت الملازمة، مع قطع النظر عن دليل الانسداد.

و ليس كما توهم؛ بل المقصود حجية المتيقن الاعتبار الثابت بدليل الانسداد المثبت لحجية طريق ما، فلا بد أولا من ملاحظة دليل الانسداد ليثبت شرعا حجية طريق ما حتى تثبت- بمقتضى الملازمة- حجية المتيقن الاعتبار، و عليه: فالدليل على الملازمة ليس دليلا على حجية خبر العادل المفروض كونه متيقن الاعتبار؛ بل الدليل على حجيته هو دليل الانسداد؛ لأنه دليل على ملازمة و هو اعتبار طريق ما.

و بالجملة: فتيقن الاعتبار إنما نشأ من دليل الانسداد بضميمة دليل الملازمة.

و إن شئت قلت: حجية القدر المتيقن- كخبر العادل في المثال- مستندة إلى الملازمة،

____________

(1) الفقيه 1: 437/ ذيل ح 1269، تهذيب الأحكام 3: 22/ ذيل ح 551، الوسائل 8:

503/ ذيل ح 11291.

25

ثم لا يخفى (1): أن الظن باعتبار ظن بالخصوص يوجب اليقين باعتباره من باب‏

____________

و دليل الملازمة مستند إلى الانسداد، فحجية القدر المتيقن مستندة إلى الانسداد.

طرق تعميم النتيجة على الكشف‏

(1) هذا شروع من المصنف «(قدس سره)» في مناقشة المعمم الأول، و غرض المصنف فعلا: هو التعرض لما أفاده الشيخ الأنصاري «(قدس سره)». و من تقدم عليه؛ من جعل النتيجة بناء على الكشف مهملة بحسب الأسباب و الموارد و المرتبة، و تعميمها بحسب الموارد بالإجماع، بلا تفصيل بين ما للشارع فيه مزيد اهتمام و غيره. و أما بحسب الأسباب و المرتبة: فقد نقلت عنهم طرق ثلاثة لتعميم النتيجة.

فلا بد أولا: من الإشارة إلى تلك الطرق، و ثانيا: من بيان مناقشة المصنف و إشكاله عليها. و قد أشار المصنف إلى المعمم الأول و الثالث دون المعمم الثاني، و نذكر جميع المعممات الثلاثة قبل إشكال المصنف على الأول و الثالث منها.

فنقول: طرق تعميم النتيجة على الكشف هي ثلاثة:

الأول: أن الشيخ الأنصاري «(قدس سره)» لما اختار أن النتيجة على الكشف كلية بحسب الموارد، يعني بها: المسائل الفقهية، بدعوى: الإجماع القطعي على أن العمل بالظن لا يفرق فيه بين أبواب الفقه، و أنها مهملة بحسب الأسباب و المرتبة- إلى أن قال- «و يذكر للتعميم من جهتهما وجوه:

الأول: عدم المرجح لبعضها على بعض، فيثبت التعميم لبطلان الترجيح بلا مرجح، و الإجماع على بطلان التخيير، و التعميم بهذا الوجه يحتاج إلى ذكر ما يصلح أن يكون مرجحا و إبطاله- إلى أن قال- فنقول: ما يصلح أن يكون معينا أو مرجحا أحد أمور ثلاثة.

الأول: كون بعض الظنون متيقنا بالنسبة إلى الباقي، بمعنى: كونه واجب العمل على كل تقدير، فيؤخذ به و يطرح الباقي للشك في حجيته.

الثاني: كون بعض الظنون أقوى من بعض فتعين العمل عليه.

الثالث: كون بعض الظنون مظنون الحجية، فإنه في مقام دوران الأمر بينه و بين غيره يكون أولى من غيره؛ إما لكونه أقرب إلى الحجية من غيره، و إما لكونه أقرب إلى إحراز مصلحة الواقع» (1). انتهى مورد الحاجة من بعض عبارات الشيخ «(قدس سره)»، و تركنا

____________

(1) فرائد الأصول 1: 472- 473.

26

مناقشته على المرجحات الثلاثة رعاية للاختصار. هذا ما أشار إليه بقوله: «إن الظن باعتبار ظن بالخصوص».

أما الثاني من طرق التعميم فحاصله: أنهم اعترفوا بعد تقسيم الظنون إلى مظنون الاعتبار و مشكوكه و موهومه بأن مقتضى القاعدة بعد إهمال النتيجة و إن كان هو الاقتصار على مظنون الاعتبار، ثم على المشكوك، ثم يتعدى إلى الموهوم؛ إلا إن الظنون التي هي مظنونة الاعتبار غير كافية إما بأنفسها بناء على انحصارها في الأخبار الصحيحة، و إما لأجل العلم الإجمالي بمخالفة كثير من ظواهرها للمعاني المرادة منها، و وجود مخصصاتها و مقيداتها و القرائن لمجازاتها في ظنون مشكوكة الاعتبار، فلا بد بمقتضى قاعدة الانسداد، و لزوم المحذور من الرجوع إلى الأصول: من التعدي إلى ظنون مشكوكة الاعتبار، التي دلت على إرادة خلاف الظاهر من ظواهر ظنون مظنونة الاعتبار، فيعمل بما هو مشكوك الاعتبار مما هو مخصص لعمومات مظنون الاعتبار و مقيد لاطلاقاته، و قرائن لمجازاته، فإذا وجب العمل بهذه الطائفة من مشكوك الاعتبار ثبت وجوب العمل لغيرها مما ليس فيها معارضة لظواهر الأمارات التي هي مظنونة الاعتبار بالإجماع المركب؛ بل بالأولوية القطعية؛ لأنه إذا وجب العمل بمشكوك الاعتبار الذي له معارضة لظاهر مظنون الاعتبار: فالعمل بما ليس له معارض أولى، ثم يقال بعين ذلك كله في التعدي إلى موهوم الاعتبار أيضا طابق النعل بالنعل.

و أما المعمم الثالث: فقد أشار إليه بقوله: «و أما تعميم النتيجة و حاصله: أنه بناء على الكشف يكون مقتضى العلم الإجمالي بنصب الطريق هو الاحتياط في جميع الأطراف، فالمعمم هو العلم الإجمالي الذي يقتضي الاحتياط.

و بالجملة: إن مقتضى قاعدة الاشتغال بناء على أن الثابت من دليل الانسداد و إن كان هو وجوب العمل بالظن في الجملة إلّا إنه إن لم يكن هناك قدر متيقن واف في الفقه وجب العمل بكل ظن، سواء كان مظنون الاعتبار أو مشكوكه أو موهومه.

هذا تمام الكلام في طرق ثلاثة لتعميم النتيجة على الكشف.

و أما مناقشة المصنف على المعمم الأول و الثالث: فحاصل ردّه على المعمم الأول: أنه يكون مبتنيا على صحة المرجحات الثلاثة كلا أو بعضا؛ لما عرفت من: أن التعميم بالوجه الأول مما يتبنى على إبطال المرجحات الثلاثة، فردّه يكون متبنيا على صحتها كلا أو بعضا.

27

و المصنف لم يتعرض إلى المرجح الأول في المقام، نعم؛ أشار إليه في ضمن كلماته السابقة بقوله: «لو لم يكن بينها ما هو المتيقن ...» الخ، أو بقوله: «فلا بد من الاقتصار على متقين الاعتبار منها ...» الخ.

و أما المرجح الثاني- و هو كون بعض الظنون أقوى من بعض- فهو مما يوجب اليقين بالاعتبار على الطريق الواصل بنفسه، فلا يكون باطلا، و إليه أشار بقوله: «و من هنا ظهر حال القوة ...» الخ.

و أما المرجح الثالث- و هو الظن باعتبار بعض الظنون كما أشار إليه بقوله: «أن الظن باعتبار ظن بالخصوص ...» الخ.

فحاصل الكلام فيه: أنه مما يوجب اليقين بالاعتبار على الطريق أو الواصل بنفسه؛ و إلا يلزم عدم الوصول، و هو خلف.

و قد تقدم منه: أنه على الطريق الواصل بنفسه لا إهمال في النتيجة بحسب الأسباب، فالكل حجة لو لم يكن بينها متيقن الاعتبار، فإذا ادعي في المقام أن الظن بالاعتبار مما يوجب اليقين بالاعتبار فقهرا تكون النتيجة على الطريق الواصل بنفسه جزئية بحسب الأسباب لا كلية، بمعنى: أنه تختص الحجية بمتيقن الاعتبار دون غيره و لو من ناحية الانسداد، و كذلك في المرجح الثاني، فتكون النتيجة على الطريق الواصل بنفسه جزئية أيضا بحسب المرتبة لا كلية، بمعنى: أنه تختص الحجية بالمرتبة القوية من الظن دون غيرها.

هذا تمام الكلام في رد المعمم الأول.

و أما الرد على المعمم الثالث فحاصله: أن التعميم بقاعدة الاحتياط إنما يتم على القول بكون النتيجة هي نصب الطريق و لو لم يصل أصلا إذ لو كانت هي الطريق الواصل بنفسه كان الجميع حجة، و لو كان هي الطريق الواصل و لو بطريقه أمكن تعيينه بما تقدم من الترجيح بالظن بالاعتبار أو بالقوة، فلا وجه للأخذ بالجميع من باب الاحتياط. هذا هو الوجه الأول.

و أما الوجه الثاني من الرد على المعمم الثالث: فقد أشار إليه بقوله: «مع أن التعميم بذلك» أي بالعلم الإجمالي توضيح ذلك إن هذا التعميم لا يوجب العمل إلا بالطرق المثبتة للتكليف لموافقتها للاحتياط، و لا يقتضي العمل بالنافيات؛ لأنها مع الشك في حجيتها لا تصلح للمؤمنية، فلا يمكن الاعتماد عليها في رفع اليد عن الواقعيات؛ إلا إذا

28

دليل الانسداد على تقرير الكشف، بناء على كون النتيجة هو الطريق الواصل بنفسه، فإنه حينئذ: يقطع بكونه حجة، كان غيره حجة أو لا.

و احتمال (1) عدم حجيته بالخصوص لا ينافي القطع بحجيته بملاحظة الانسداد،

____________

كان هناك ناف من جميع الأصناف، كما إذا قام خبر العادل و الإجماع المنقول و غيرهما على عدم وجوب الدعاء عند رؤية الهلال مثلا، حيث إن الحجة قامت على نفي التكليف، فتصلح للمؤمنية.

و بهذا أجاب الشيخ الأنصاري عن المعمم الثالث، حيث قال‏ (1): «و لكن فيه أن قاعدة الاشتغال في مسألة العمل بالظن معارضة في بعض الموارد بقاعدة الاشتغال في المسألة الفرعية، كما إذا اقتضى الاحتياط في الفرع وجوب السورة و كان ظن مشكوك الاعتبار على عدم وجوبها، فإنه يجب مراعاة قاعدة الاحتياط في الفروع و قراءة السورة؛ لاحتمال وجوبها ...»؛ كما في «منتهى الدراية ج 5، ص 49».

توضيح بعض العبارات طبقا لما في «منتهى الدراية».

و الضمير في «باعتباره» راجع على «ظن بالخصوص»، و الضمير في قوله: «فإنه» للشأن. «حينئذ» أي: حين كون النتيجة الطريق الواصل بنفسه. و الضمير في قوله:

«بكونه، و غيره» راجع إلى ظن بالخصوص كخبر العدل.

(1) إشارة إلى توهم، و هو: أن الظن باعتبار بعض الظنون- كالظن الحاصل من خبر العدل- لا يصلح لأن يوجب القطع باعتباره دون سائر الظنون الحاصلة من أسباب أخر؛ إذ المفروض: إن الظن الخبري مثلا لم يكن بنفسه حجة لو لا دليل الانسداد؛ لعدم تمامية أدلة حجية الخبر؛ و إلا لكان باب العلمي مفتوحا، فدليل حجية الخبر ليس إلا دليل الانسداد، و من المعلوم: أن شأنه اعتبار الظن مطلقا من أي سبب حصل عدا ما نهي عنه كالقياس؛ لا اعتبار خصوص الظن الخبري، و عليه: فقيام الظن على اعتبار بعض الظنون يكون بلا أثر، و لا يوجب اختصاص الحجية بالمظنون اعتباره.

قوله: «بالخصوص» يعني: من باب الظن الخاص لا بدليل الانسداد.

قوله: «لا ينافي» خبر لقوله: «و احتمال» و دفع للتوهم، توضيحه: أنه لا منافاة بين احتمال عدم حجيته بالخصوص و بين القطع بحجيته بملاحظة دليل الانسداد؛ إذ المفروض: أن هذا الفرد الخاص واجد لمزية لم تكن في سائر الأفراد، و هذه المزية- و هي الظن بالاعتبار- توجب اليقين باعتباره.

____________

(1) فرائد الأصول 1: 497.

29

ضرورة (1): أنه على الفرض (2) لا يحتمل أن يكون غير حجة (3) بلا نصب قرينة؛ و لكنه من المحتمل أن يكون هو الحجة دون غيره، لما فيه (4) من خصوصية الظن بالاعتبار.

و بالجملة: الأمر يدور (5) بين حجية الكل و حجيته، فيكون مقطوع الاعتبار.

و من هنا (6) ظهر حال القوة، و لعل نظر من رجح بها (7) إلى هذا ...

____________

قوله: «بملاحظة الانسداد» متعلق ب «القطع»، و ضمير «بحجيته» راجع على «ظن بالخصوص».

(1) تعليل لقوله: «لا ينافي»، و حاصله: أنه مع فرض كون نتيجة دليل الانسداد نصب الطريق الواصل بنفسه لا يحتمل أن يكون غير الظن المظنون اعتباره حجة بدون القرينة؛ لكن يحتمل أن يكون مظنون الاعتبار حجة بدونها؛ لخصوصية الظن باعتباره.

و ضمير «أنه» للشأن.

(2) و هو كشف دليل الانسداد عن الطريق الواصل بنفسه.

(3) أي: لا يحتمل حجية غير هذا الظن الخبري مثلا بلا نصب قرينة، أي: دليل يخصص الحجية به؛ لتساوي جميع الظنون في الحجية بدليل الانسداد، و قبح الترجيح بلا مرجح.

(4) تعليل لقوله: «و لكنه ...»، و ضمير «فيه» راجع على «ظن بالخصوص»، و «من خصوصية» بيان للموصول.

(5) يعني: يدور الأمر- بملاحظة دليل الانسداد- بين حجية جميع الظنون فيكون الظن المظنون اعتباره حجة؛ لكونه من جملتها، و بين حجية خصوص الظن المظنون اعتباره- دون سائر الظنون- لكونه ذا مزية، و هي قيام الظن على اعتباره، فبدليل الانسداد يكون الظن المظنون اعتباره مقطوع الاعتبار؛ لكونه حجة على كلا التقديرين.

فالضمير المستتر في «فيكون» راجع على الظن المظنون اعتباره.

(6) أي: و من صيرورة ظن مقطوع الاعتبار لقيام ظن على اعتباره: ظهر حال الترجيح بالقوة، و صحة الاتكال عليها في تعيين الطريق و حاصله: أنه إذا كان بعض الظنون أقوى من بعض كالظن الحاصل من الخبر بالنسبة إلى الشهرة الفتوائية مثلا أمكن الترجيح به؛ كالترجيح بالظن بالاعتبار؛ لصحة الاعتماد عليه في تعيين الطريق، فيكون الظن القوي لاشتماله على خصوصية القوة متيقن الاعتبار، و غيره مشكوك الاعتبار.

(7) أي: بالقوة و بناء على تثنية الضمير كما في بعض النسخ، فالضمير راجع على القوة و الظن بالاعتبار، و الصحيح هو تثنية الضمير؛ كما في «منتهى الدراية، ج 5، ص 44».

30

الفرض (1)، و كان منع شيخنا العلامة «أعلى الله مقامه» عن الترجيح بهما (2) بناء على كون النتيجة هو الطريق الواصل و لو بطريقه أو الطريق و لو لم يصل أصلا، و بذلك (3) يوفق بين كلمات الأعلام في المقام، و عليك بالتأمل التام.

____________

(1) أي: فرض كون النتيجة الطريق الواصل بنفسه، و هذا إشارة إلى ما وقع من الخلاف- في جواز الترجيح بكل من الظن بالاعتبار و بالقوة- بين المحقق القمي و الفاضل النراقي و غيرهما المجوزين للترجيح بهما على ما نسب إليهم، و بين الشيخ المانع عن الترجيح بهما، فإنه «(قدس سره)» بعد بيان المرجحات المتقدمة ناقش فيه، فقال معترضا على الترجيح بالقوة: «إن ضبط مرتبة خاصة له متعسر أو متعذر ... إلى أن قال: مع أن كون القوة معينة للقضية المجملة محل منع؛ إذ لا يستحيل أن يعتبر الشارع في حال الانسداد ظنّا يكون أضعف من غيره؛ كما هو المشاهد في الظنون الخاصة، فإنها ليست على الإطلاق أقوى من غيرها بالبديهة ... إلى أن قال: فلا يلزم من كون بعضها أقوى كونه هو المجعول ...».

و قال معترضا على الترجيح بالظن بالاعتبار ما لفظه: «إن الترجيح على هذا الوجه يشبه الترجيح بالقوة و الضعف في أن مداره على الأقرب إلى الواقع، و حينئذ: فإذا فرضنا كون الظن الذي لم يظن بحجيته أقوى ظنا بمراتب من الظن الذي ظن حجيته فليس بناء العقلاء على ترجيح الثاني ...».

و المصنف «(قدس سره)» يريد أن يجمع بين تجويز الترجيح و المنع عنه بجعل النزاع لفظيا، بأن يقال: إن مراد الشيخ المانع من الترجيح هو: عدم الترجيح فيما إذا كانت النتيجة الطريق الواصل؛ و لو بطريقه أو حجية الطريق و لو لم يصل أصلا، و مقصود المجوزين هو: الترجيح به إذا كانت النتيجة الطريق الواصل بنفسه؛ إذ لو لم يكن الظن بالاعتبار و القوة معينين لما نصبه الشارع مع تقدم المظنون اعتباره، و الظن القوي على غيره من الظنون لم يكن الطريق واصلا بنفسه، و هو خلاف الفرض.

(2) أي: بالظن بالاعتبار و بالقوة، أو بالقوة بناء على النسخة الثانية.

(3) أي: «و بالتوجيه الذي ذكرناه من احتمال اختلاف المباني ربما يوفق ...» الخ.

و قد عرفت توضيح التوجيه بقولنا: «و المصنف يريد أن يجمع بين تجويز الترجيح و المنع عنه بجعل النزاع لفظيا ...» الخ.

و كيف كان؛ فقد تحصّل من مجموع ما أفاده المصنف: أن الترجيح بالظن بالاعتبار و بالقوة إن تم فلازمه كون النتيجة معينة و هي جزئية؛ إذ المفروض: عدم حجية الظن‏

31

ثم لا يذهب عليك: أن الترجيح بها (1) إنما هو على تقدير كفاية الراجح (2)، و إلا فلا بد من التعدي إلى غيره بمقدار (3) الكفاية، فيختلف الحال باختلاف الأنظار (4)؛ بل الأحوال.

و أما تعميم النتيجة (5) بأن قضية العلم الإجمالي بالطريق هو الاحتياط في أطرافه:

____________

الفاقد للمزية، و إن نوقش في الترجيح بهما- كما أفاده الشيخ الأعظم حيث ناقش في جميع المرجحات الثلاثة- كانت النتيجة كلية بمعنى حجية كل ظن، و هذا هو المراد بالتعميم.

(1) أي: بالقوة، و كان الأولى تثنية الضمير حتى يرجع إلى كل من الظن بالاعتبار و القوة؛ بأن يقال: «إن الترجيح بهما»؛ كما في بعض النسخ.

(2) بحيث يجوز الرجوع في غير مورد الراجح إلى الأصول النافية للتكليف من دون محذور، و أما على تقدير عدم كفاية الظن الراجح: فلا بد من التعدي عنه إلى غيره، فيكون عدم كفاية الظن الراجح معمما للنتيجة، و موجبا لحجية كل ظن، و هذا معنى قوله: «و إلا فلا بد من التعدي ...» الخ.

و هذا أعني: عدم كفاية الظن الراجح هو: المعمم الثاني ذكره الشيخ الأعظم بقوله:

«الثاني من طرق التعميم ما سلكه غير واحد من المعاصرين من عدم الكفاية، حيث اعترفوا بعد تقسيم الظنون إلى مظنون الاعتبار و مشكوكه و موهومه: بأن مقتضى القاعدة- بعد إهمال النتيجة- الاقتصار على مظنون الاعتبار، ثم على المشكوك، ثم التعدي إلى الموهوم؛ لكن الظنون المظنون اعتبارها غير كافية ...» الخ.

(3) متعلق ب «التعدي»، و ضمير «غيره» راجع على الراجح.

(4) فبنظر يكفي مظنون الاعتبار، و بنظر آخر لا يكفي.

و بعبارة أخرى: ربما يكون الظن بالاعتبار الموجب للترجيح حاصلا بنظر شخص دون غيره، أو الظن الراجح كافيا بنظر شخص دون نظر آخر؛ بل يختلف ذلك باختلاف الأحوال أيضا؛ بأن يكون شخص واحد يكفي عنده الظن الراجح بمعظم المسائل أو جميعها في حال، و لا يكفي في حال آخر، أو يكون الظن راجحا في حال و غير راجح في حال آخر.

(5) هذا هو الطريق الثالث من طريق تعميم النتيجة، و قد ذكره الشيخ بقوله:

«الثالث من طرق التعميم: ما ذكره بعض مشايخنا «طاب ثراه» من قاعدة الاشتغال، بناء على أن الثابت من دليل الانسداد وجوب العمل بالظن في الجملة، فإذا لم يكن قدر

32

فهو (1) لا يكاد يتم إلا على تقدير كون النتيجة هو نصب الطريق و لو لم يصل أصلا.

مع إن التعميم بذلك (2) لا يوجب العمل إلا على وفق المثبتات من الأطراف دون النافيات (3)؛ إلا فيما كان هناك ناف من جميع الأصناف (4)، ضرورة (5): إن‏

____________

متيقن كاف في الفقه وجب العمل بكل ظن ...». و حاصله: أنه بناء على الكشف يكون مقتضى العلم الإجمالي بنصب الطريق هو الاحتياط في جميع الأطراف، فالمعمم هو العلم الإجمالي.

(1) أي: فتعميم النتيجة، و هذا جواب قوله: «و أما تعميم النتيجة»، و ردّ للمعمم الثالث بوجهين: أحدهما: ما أفاده هنا و في حاشية الرسائل من اختصاص هذا المعمم بما إذا كانت النتيجة بناء على الكشف الطريقي و لو لم يصل أصلا؛ إذ لو كانت هي الطريق الواصل بنفسه كان الجميع حجة، و لو كانت هي الطريق الواصل و لو بطريقه أمكن تعيينه بما تقدم من الترجيح بالظن بالاعتبار أو بالقوة، فلا وجه للأخذ بالجميع من باب الاحتياط؛ كما في «منتهى الدراية، ج 5، ص 48».

(2) أي: بالعلم الإجمالي، و هذا ثاني وجهي رد المعمم الثالث.

توضيحه:- على ما في «منتهى الدراية، ج 5، ص 49»- أن هذا التعميم لا يوجب العمل إلا بالطرق المثبتة للتكليف؛ لموافقتها للاحتياط، و لا يقتضي العمل بالنافيات؛ لأنها مع الشك في حجيتها لا تصلح للمؤمّنية، فلا يمكن الاعتماد عليها في رفع اليد عن الواقعيات؛ إلا إذا كان هناك ناف من جميع الأصناف؛ كما إذا قام خبر العادل و الإجماع المنقول و غيرهما على عدم وجوب الدعاء عند رؤية الهلال مثلا، حيث إن الحجة قامت على نفي التكليف فتصلح للمؤمّنية.

(3) إذ هي لا تقتضي الترك، و لا تؤمّن من العقوبة مع الشك في اعتبارهما.

(4) للعلم حينئذ بقيام الحجة على نفي التكليف، فيحصل الأمن من تبعة التكليف.

(5) هذا تعليل للمستثنى- أعني: جواز العمل بالنافي إذا كان من جميع الأصناف-.

و توضيحه: أنه إنما جاز العمل بالنافي إذا كان من جميع الأصناف: لأنه حينئذ:

حجة صالحة للمؤمنية كما تقدم، و لا ينافي مع ذلك حسن الاحتياط بالفعل حتى يتوهم أن الحجة المثبتة للتكليف مقدمة في هذا الفرض أعني: قيام الحجة على نفيه أيضا، نظرا إلى موافقتهما للاحتياط.

وجه عدم المنافاة: أن النافي ليس مقتضيا للعمل به؛ حتى يكون مزاحما للاحتياط في المسألة الفرعية من باب تزاحم المقتضيين حتى يقدم الاحتياط في المسألة الفرعية، أعني:

33

الاحتياط فيها لا يقتضي رفع اليد عن الاحتياط في المسألة الفرعية إذا (1) لزم حيث (2) لا ينافيه كيف (3)؟ و يجوز الاحتياط فيها مع قيام الحجة النافية كما لا يخفى، فما ظنك بما لا يجب الأخذ بموجبه (4) إلا من باب الاحتياط؟ ...

____________

المثبت للتكليف، بأن يقال: إن الاحتياط في المسألة الفقهية يقتضي الفعل، و الاحتياط في المسألة الأصولية يقتضي الترك، فيتزاحم المقتضيان، و يقدم الأول أعني: الاحتياط في المسألة الفقهية.

وجه عدم المزاحمة: ما عرفت من: أن الحجة النافية لا ترفع حسن الاحتياط بالفعل، كما إذا قامت أمارة معتبرة على عدم وجوب السورة في الصلاة، فإنها لا تزاحم حسن الاحتياط بفعلها؛ إذ موضوع الاحتياط هو احتمال المطلوبية، و هو باق في صورة قيام معلوم الحجة على نفي التكليف فضلا عن مشكوكها، و حيث كانت مطلوبية الاحتياط بالفعل باقية حتى بعد قيام الحجة النافية للتكليف جاز العمل بالنافية، مع بقاء حسن العمل بالمثبتة أيضا.

(1) ظرف للاحتياط في المسألة الفرعية، و الضمير المستتر في «لزم» راجع على الاحتياط، و ضمير «فيها» إلى النافيات، يعني: أنه إذا كان التكليف الإلزامي محتملا في المسألة الفرعية لزم الاحتياط فيها؛ و إن قام مشكوك الاعتبار على نفيه، كما إذا قلنا بوجوب الاحتياط في الأقل و الأكثر الارتباطيين على ما هو مذهب جمع.

و وجه عدم اقتضاء النافيات: رفع اليد عن الاحتياط في المسألة الفرعية ما عرفته من:

أن النافيات لا تقتضي الترك و لا الأمن من العقوبة.

(2) تعليل لقوله: «لا يقتضي»، و الأولى إبداله ب «لأنه لا ينافيه» دفعا لاحتمال كونه ظرفا يعني: أن النافي للتكليف لا ينافي الاحتياط في المسألة الفرعية كما عرفت توضيحه.

(3) أي: كيف ينافي مشكوك الاعتبار الاحتياط في المسألة الفرعية؟ و الحال أن النافي المعلوم اعتباره لا ينافي الاحتياط في المسألة الفرعية، فغرضه من قوله: «كيف؟» هو: أن مشكوك الحجية ليس بأقوى من معلوم الحجية، فكما أن معلوم الاعتبار لا ينافي حسن الاحتياط بالفعل فكذلك مشكوك الاعتبار لا ينافيه بطريق أولى. و ضمير «فيها» راجع على المسألة الفرعية.

(4) بفتح الجيم أي: مقتضاه، و ضميره راجع على الموصول في «بما» المراد به النافي، و حاصله- على ما في «منتهى الدراية، ج 5، ص 51»- أنه إذا جاز الاحتياط مع قيام‏

34

فافهم (1).

____________

الحجة على نفي التكليف فكيف لا يجوز مع ما لا يجب الأخذ بمقتضاه إلا من باب الاحتياط لكونه مشكوك الاعتبار؟

(1) لعله إشارة إلى ضعف الجواب الثاني؛ لأن دليل الانسداد يقتضي حجية الطرق المثبتة للأحكام على ما هو مقتضى العلم الإجمالي بثبوت الأحكام في الشريعة المقدسة، و ليس حجية الطرق النافية للتكليف نتيجة له حتى يتم ما ذكر في الجواب الثاني، فالعمدة في الجواب عن المعمم الثالث هو الوجه الأول.

خلاصة البحث مع رأي المصنف «(قدس سره)»

يتلخص البحث في أمور:

1- بيان معنى الكشف و الحكومة قبل بيان ما هو المقصود بالأصالة،- أعني: إهمال النتيجة و كليتها- فيقال: إنه لا ريب في أن مقتضى مقدمات دليل الانسداد هو حكم العقل بجواز العمل بالظن مطلقا.

و إنما الخلاف في أن حكمه هذا هل هو من باب الكشف، بمعنى: أن العقل يكشف جعل الشارع الظن حجة حال الانسداد أم من باب الحكومة بمعنى: أن العقل بعد تمامية مقدمات الانسداد يحكم بحجية الظن حال الانسداد كحكمه بحجية العلم حال الانفتاح.

إذا عرفت معنى الكشف و الحكومة فنقول: أن غرض المصنف من هذا الفصل بيان أمرين: أحدهما: أن نتيجة مقدمات الانسداد هل هي حجية الظن من باب الكشف أم الحكومة؟

و ثانيهما: بيان ما يترتب على الكشف و الحكومة من إهمال النتيجة و تعيينهما.

و كيف كان؛ فحاصل الكلام في المقام: إن مقتضى مقدمات الانسداد هل هو استكشاف كون الظن حال الانسداد طريقا منصوبا من قبل الشارع للوصول إلى التكاليف المعلومة بالإجمال، أو أن مقتضاها استقلال العقل في الحكم بحجية الظن حال الانسداد؛ كحكمه بحجية العلم حال الانفتاح، و مختار المصنف هو: الحجية من باب الحكومة.

استدلال المصنف على الحكومة:

إن مقدمات الانسداد لا تنتج حجية الظن شرعا من باب الكشف؛ بل تنتج حجية الظن عقلا من باب الحكومة؛ إذ بعد تمامية مقدمات الانسداد- و منها بطلان الاحتياط-

35

تصل النوبة إلى المقدمة الخامسة- و هي: قبح ترجيح المرجوح على الراجح،- المقتضية لتعين الإطاعة الظنية عقلا.

و مع هذا الحكم العقلي في مقام الإطاعة لا حاجة إلى حكم الشارع بحجية الظن.

فالمتحصل: أن النتيجة هي حجية الظن في مقام الإطاعة بمعنى: حكم العقل بعدم جواز مطالبة المولى من العبد بأزيد من الإطاعة الظنية، و عدم جواز اقتصار العبد على ما دون الإطاعة الظنية من الإطاعة الشكية و الوهمية.

3- توهم: إثبات حجية الظن شرعا بقاعدة الملازمة بين حكم العقل و حكم الشرع، بمعنى: أن العقل قد حكم باعتبار الظن حال الانسداد، فيستكشف من حكمه هذا بقاعدة الملازمة: أن الشارع قد حكم باعتباره في هذا الحال أيضا؛ مدفوع: بأن قاعدة الملازمة أجنبية عن المقام- أعني: الإطاعة الظنية التي هي من مراتب الإطاعة- لأن الإطاعة غير قابلة للحكم المولوي، فلا تجري القاعدة فيها.

وجه عدم القابلية: أن الحكم المولوي متقوم بشرطين مفقودين في المقام.

أحدهما: أن يكون متعلقه فعل العبد لا فعل المولى.

ثانيهما: أن يترتب على تعلقه بالفعل فائدة غير الفائدة التي تترتب على نفس الفعل عقلا أو تكوينا، و حيث إن هذين الشرطين مفقودان فيما نحن فيه- أعني: الإطاعة الظنية، و وجه عدم تحققهما فيه: أن الإطاعة الظنية تنحل إلى أمرين: أحدهما: عدم وجوب الإطاعة العلمية لعدم تمكن العبد منها فلا يجوز العقاب على تركها.

ثانيهما: عدم جواز الاقتصار بما دون الإطاعة الظنية. و شي‏ء من هذين الأمرين لا يصلح أن يتعلق به الحكم المولوي؛ لأن الأول- أعني مطالبة الإطاعة الظنية و عدم المؤاخذة على تركها- من أفعال الشارع، و فعل الشارع لا يكون موردا لحكمه، فالحكم بقبح المؤاخذة على الترك هو من العقل لا من الشارع.

و أما الثاني: فلأنه و إن كان قابلا لحكم الشرع في نفسه من جهة أن الإطاعة الظنية أو الشكية و الوهمية من العبد؛ لكن لا يترتب على تعلق الحكم به شرعا فائدة لم يكن أيضا قابلا للحكم المولوي؛ لأن الفائدة- و هو إيجاد الداعي في نفس العبد إلى العمل- حاصل بحكم العقل، فلا يكون إيجاد الداعي من الشارع بالأمر إلا طلب الحاصل المحال.

نعم؛ لا بأس بأن يكون حكم الشارع إرشادا إلى ما حكم به العقل.

36

أما توهم: عدم قابلية الإطاعة الظنية للحكم الظنية للحكم المولوي إنما هو فيما إذا لوحظ الظن طريقا لإحراز الواقع. و أما إذا لوحظ الظن موضوعيا؛ بحيث يترتب الثواب على موافقته و العقاب على مخالفته، مع قطع النظر عن الواقع كسائر الأحكام الظاهرية:

فلا وجه لمنع تعلق الحكم المولوي بالعمل بالظن، و استكشاف حكمه من حكم العقل بقاعدة الملازمة فمدفوع: بأن نصب الطريق لا بملاك إحراز الواقع و إن كان جائزا؛ و لكن لا يمكن استكشافه بقاعدة الملازمة؛ و ذلك لاعتباره وحدة الموضوع في الحكم العقلي و الشرعي في هذه القاعدة كالظلم مثلا.

و هذا بخلاف المقام، فإن الظن الملحوظ طريقا صرفا لإحراز الواقع- و هو الموضوع للحجية العقلية- غير الظن الملحوظ طريقا شرعا؛ إذ على التقدير الأول: يكون الفعلي هو الحكم الواقعي، و على التقدير الثاني: يكون الفعلي هو الحكم الظاهري، و من المعلوم:

امتناع فعلية حكمين، أعني: الواقعي و الظاهري معا لموضوع واحد.

فالمتحصل: أنه لا يمكن استكشاف حجية الظن شرعا بقاعدة الملازمة.

عدم الإهمال في النتيجة على الحكومة: هذا ثمرة الحكومة و الكشف، فيقال: في بيان ثمرتهما: إنه لا إهمال في النتيجة على الحكومة أصلا لا مسببا و لا موردا و لا مرتبة؛ بل هي معنية؛ لكنها من حيث الأسباب كلية، و من حيث الموارد و المرتبة جزئية.

أما عدم الإهمال من حيث الأسباب- بمعنى: كلية النتيجة و عدم اختصاص حجية الظن الانسدادي بحصوله من سبب دون سبب- فلأن المناط في حكم العقل بلزوم العمل بالظن هو: أقربيته إلى الواقع من الشك و الوهم، و هذا المناط لا يختلف باختلاف الأسباب، فالنتيجة هي كلية معينة لا مهملة.

أما عدم الإهمال بحسب الموارد- أعني: المسائل الفقهية- فلأن المتيقن من حكم العقل بكفاية الإطاعة الظنية هو: ما إذا لم يكن للشارع مزيد اهتمام به؛ إذ لو كان كذلك- كما في النفوس و الأعراض و الأموال- لم يستقل العقل بكفاية الظن فيه، و حيث كان لحكم العقل بكفاية الإطاعة الظنية حال الانسداد قدر متيقن بحسب الموارد كانت النتيجة جزئية معينة أيضا لا مهملة.

و أما عدم الإهمال بحسب المرتبة: فلأن النتيجة هي حجية خصوص الظن الاطمئناني إن كان وافيا؛ و إلا فيتعدى عنه إلى غيره بمقدار الكفاية.

37

فالمتحصل: أن النتيجة بحسب المرتبة أيضا معينة جزئية؛ لا أنها مهملة. هذا تمام الكلام على الحكومة.

6- أما على تقرير الكشف: فتختلف النتيجة من حيث الإهمال و التعيين باختلاف الوجوه المتصورة في نصب الطريق الظني، و هي ثلاثة:

الوجه الأول: أن المنصوب هو الطريق الواصل بنفسه، بمعنى: كون المقدمات الجارية في الأحكام موجبة للعلم بجعل الشارع طريقا معينا واصلا بنفسه، فلا حاجة في تعيين ذلك الطريق إلى غير المقدمات الجارية في نفس الأحكام.

الوجه الثاني: أن المنصوب هو الطريق الواصل بطريقه، بمعنى: كون المقدمات موجبة للعلم بنصب الشارع طريقا معينا إلى الأحكام؛ و لو فرض تعينه لنا بغير هذه المقدمات مما يوجب العلم بتعينه كإجراء مقدمات الانسداد مرة ثانية في نفس الطريق للكشف عنه.

الوجه الثالث: أن يستكشف بالمقدمات نصب طريق إلى الأحكام واقعا، بمعنى:

كون المقدمات موجبة للعلم بنصب الشارع طريقا إلى الأحكام، و لو لم يصل إلينا، و لم يتعين لنا لا بنفسه و لا بطريق يؤدي إليه كانسداد آخر جار في نفس الطريق.

إذا عرفت هذه الوجوه الثلاثة فاعلم: أنه لا إهمال في النتيجة على الوجه الأول بحسب الأسباب، و هي إما كلية و إما جزئية.

أما الأول: فهو ما إذا لم يكن بينها ما هو متيقن الاعتبار، أو كان و لكن لم يف بمعظم الفقه، فحينئذ: تكون النتيجة هي حجية الظن الحاصل من أي سبب؛ عدا ما نهى الشارع عن اتباعه كالقياس.

و أما الثاني: فهو ما إذا كان بين الأسباب متيقن الاعتبار، كخبر العادل مثلا؛ و على كلا التقديرين: تكون النتيجة معينة غير مهملة. و كذلك تكون النتيجة كلية معينة بحسب الموارد.

و أما بحسب المرتبة: فالنتيجة مهملة؛ لاحتمال كون الطريق المنصوب هو خصوص الظن الاطميناني، و مع هذا الاحتمال يتردد الطريق المنصوب بين مطلق الظن و الظن الاطميناني، فتكون النتيجة مهملة.

و أما على الوجه الثاني: فلا إهمال في النتيجة بحسب الأسباب لو لم يكن بينها تفاوت، أو لم يكن هناك إلا سبب واحد.

38

و أما على تقدير التفاوت بينها: فلا بد من الأخذ بما هو متيقن الاعتبار، و لا إهمال فيها.

و أما بحسب الموارد: فهي عامة بالنسبة إلى الموارد؛ كالطريق الواصل بنفسه.

و أما بحسب المرتبة: فهي مهملة؛ لما تقدم في الطريق بنفسه من احتمال حجية خصوص الظن الاطميناني، أو التعدي منه إلى غيره إذا لم يكن وافيا. و أما على الوجه الثالث: فالنتيجة مهملة من جميع الجهات، أعني: الأسباب و الموارد و المرتبة.

- توهم: الإشكال على التفصيل- بين وجود القدر المتيقن و غيره، بمعنى: أن تكون النتيجة كلية على الأول و جزئية على الثاني، بتقريب: أنه لا مجال لدليل الانسداد مع القدر المتيقن؛ لكونه مستلزما لانفتاح باب العلمي. و عليه: فينهدم أساس الانسداد؛ إذ العمدة هو انسداد باب العلمي، فلا بد من رفع اليد عن هذا التفصيل المذكور- مدفوع بأن وجود القدر المتيقن مستند إلى الانسداد و معلول له، فلا ينافيه لامتناع أن يكون المعلول منافيا لعلته.

8- قد أشار المصنف إلى طريقين من طرق تعميم النتيجة على الكشف ثم أورد عليهما.

أما الطريق الأول: فحاصله: عدم المرجح بحسب الموارد؛ إذ ليس هناك مرجح لبعضها على بعض؛ لأن ما يصلح أن يكون مرجحا أحد أمور:

الأول: كون بعض الظنون متيقن الاعتبار، بمعنى: كونه واجب العمل على كل تقدير فيؤخذ به، و يطرح غيره للشك في حجيته.

الثاني: كون بعض الظنون أقوى من بعض، فيتعين العمل به.

الثالث: كون بعض الظنون مظنون الحجية، فهو أولى من غيره فيؤخذ به؛ لكونه أقرب إلى إحراز مصلحة الواقع.

و حاصل إيراد المصنف: أن هذا المعمم مبني على بطلان المرجحات الثلاثة، فيكون باطلا مع صحة المرجحات المذكورة كلا أو بعضا.

أما الطريق الثاني: فهو التعميم بقاعدة الاحتياط، و مقتضاها هو: الأخذ بجميع أطراف العلم الإجمالي.

و حاصل إيراد المصنف عليه: أن التعميم بقاعدة الاحتياط إنما يتم على القول بكون النتيجة هي الطريق و لو لم يصل أصلا؛ إذ لو كانت هي الطريق الواصل بنفسه كان‏

39

الجميع حجة. و لو كانت هي الطريق الواصل و لو بطريقه: أمكن تعيينه بما تقدم من الترجيح بالظن بالاعتبار أو بالقوة، فلا وجه للأخذ بالجميع من باب الاحتياط. هذا مع أن هذا التعميم لا يوجب العمل إلا بالطرق المثبتة للتكليف لموافقتها للاحتياط، دون الطرق النافية لأنها مع الشك في حجيتها لا تصلح للمؤمنيّة، فلا يمكن الاعتماد عليها في رفع اليد عن الواقعيات إلا إذا كان هناك ناف من جميع الأصناف.

9- رأي المصنف «(قدس سره)»:

1- إن حجية الظن على فرض تمامية مقدمات الانسداد إنما هي من باب الحكومة لا من باب الكشف.

2- عدم الإهمال في النتيجة على الحكومة؛ لا من حيث الأسباب و لا الموارد و لا المرتبة.

40

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

41

فصل‏

قد اشتهر الإشكال بالقطع بخروج القياس (1) عن عموم نتيجة دليل الانسداد

____________

[فصل‏] إشكال خروج القياس من عموم النتيجة

(1) و قبل الخوض في الإشكال ينبغي بيان ما هو مورد للإشكال، فنقول: إنه قد عرفت احتمالين في نتيجة مقدمات الانسداد، و هما حجية الظن من باب الحكومة أو الكشف، فمورد الإشكال هو خروج الظن الحاصل من القياس عن عموم حجية الظن بدليل الانسداد بناء على الحكومة؛ إذ لا إشكال في خروجه بناء على الكشف؛ إذ المفروض: أن حجية الظن حينئذ تكون بجعل الشارع، فله إثبات الحجية لبعض الظن، و نفيها عن الآخر حسبما تقتضيه المصلحة في نظره.

و عليه: فالعقل لا يستكشف حينئذ عن حجية ظن نهي الشارع عنه كالقياس، فلا يكون الظن القياسي طريقا منصوبا من قبل الشارع لإثبات الأحكام أو نفيها؛ بل الحجة هو ما عداه من الظنون.

و كيف كان؛ فالغرض من عقد هذا الفصل: بيان خروج الظن القياسي من عموم حجية الظن بدليل الانسداد على الحكومة لا على الكشف.

و أما توضيح الإشكال: فيتوقف على مقدمة و هي أمور:

الأول: بيان الفرق بين الأحكام العقلية و بين غيرها، و هو: أن الأحكام العقلية غير قابلة للتخصيص، فلا يصح أن يقال: إن العقل يحكم باستحالة اجتماع النقيضين إلا في مورد فلان. هذا بخلاف غيرها من الأحكام غير العقلية، حيث يصح أن يقال: إن شرب الخمر حرام شرعا إلا إذا كان لأجل التداوي. و كل فاعل مرفوع إلا الفاعل في «و كفى بالله شهيدا».

الثاني: استقلال العقل بكون الظن في حال الانسداد كالعلم- في حال الانفتاح- مناطا للإطاعة و المعصية.

الثالث: أن القياس مفيد للظن بالحكم.

الرابع: منع الشارع عن العمل بالظن الحاصل من القياس.

42

بتقرير الحكومة، و تقريره (1) على ما في الرسائل (2): أنه كيف يجامع حكم العقل‏

____________

الخامس: أنه لو جاز المنع عن العمل بالظن القياسي لجاز المنع عن العمل بسائر الظنون؛ لما هو المعروف من: أن حكم الأمثال فيما يجوز و لا يجوز واحد. فلا يستقل العقل حينئذ بالعمل بالظن أصلا؛ لاحتمال النهي عن غير الظن القياسي من الظنون أيضا.

إذا عرفت هذه الأمور من باب المقدمة فاعلم: أنه يمكن أن يقال في توضيح الإشكال: إنه مع استقلال العقل بكون مطلق الظن حال الانسداد كالعلم حال الانفتاح مناطا للإطاعة و العصيان- كما هو مقتضى الأمر الثاني- كيف يمكن منع الشارع عن بعض أفراد الظن- و هو القياس- مع أن الحكم العقلي غير قابل للتخصيص- كما هو مقتضى الأمر الأول؟ إذ لو صح هذا المنع لزم أحد محذورين:

الأول: التخصيص في حكم العقل و هو باطل.

الثاني: الخلف بتقريب: أنه لو صح منع الشارع عن الظن القياسي لصح منعه عن غيره من الظنون أيضا؛ بمقتضى وحدة حكم الأمثال في الجواز و المنع، و مع قيام احتمال المنع عن غير الظن القياسي لا يستقل العقل بحجية الظن أصلا و هو الخلف؛ لأنه على خلاف ما فرضناه من استقلال العقل باعتبار الظن حال الانسداد.

و كيف كان؛ فالحاصل: أن خروج القياس عن عموم نتيجة مقدمات الانسداد ينافي استقلال العقل بحجية الظن مطلقا حال الانسداد، و قد فرضنا استقلاله بها كذلك.

هذا غاية ما يمكن أن يقال: في توضيح إشكال خروج القياس عن عموم نتيجة دليل الانسداد بتقرير الحكومة.

توضيح بعض العبارات طبقا لما في «منتهى الدراية».

قوله: «بالقطع» متعلق بالإشكال، و الباء للسببية، يعني: أن الإشكال ينشأ من القطع بخروج القياس عن عموم النتيجة.

(1) أي: تقرير الإشكال، و المستفاد من هذا التقرير: أمور تقدم ذكرها في المقدمة لتوضيح الإشكال.

(2) للشيخ الأنصاري «(قدس سره)»، و هذا الإشكال إنما هو على تقرير الحكومة.

فحاصل ما أفاده الشيخ في تقرير الإشكال: أنه كيف يخرج عن تحت عمومه؟ مع أن حكم العقل مما لا يقبل التخصيص و رفع حكمه عن موضوعه مما لا يمكن إلا إذا

43

بكون الظن كالعلم مناطا للإطاعة و المعصية، و يقبح على الآمر و المأمور التعدي عنه، و مع ذلك يحصل الظن أو خصوص الاطمئنان من القياس، و لا يجوّز (1) الشارع العمل به؟ فإن المنع (2) عن العمل بما يقتضيه العقل من الظن أو خصوص الاطمئنان لو فرض ممكنا جرى (3) في غير القياس، فلا يكون (4) العقل مستقلا (5)؛ إذ لعله نهى عن أمارة مثل ما نهى عن القياس و اختفى علينا، و لا دافع لهذا الاحتمال إلا قبح ذلك (1)

____________

انتفى الموضوع، فينتفى الحكم بانتفائه، و السر في عدم جواز تخصيص حكم العقل هو لزوم التناقض؛ بتقريب: أن العقل إذا حكم حكما عاما بنحو يشمل هذا الفرد بعينه، ثم خصصنا حكمه و رفعناه عن هذا الفرد لزم التناقض بين حكمه و بين التخصيص.

و هذا بخلاف التخصيص في العمومات اللفظية، فإن التناقض فيها صوري لا جدي، و حكم العقل ليس من قبيل اللفظ كي يعقل فيه التناقض.

قوله: «حكم العقل بكون الظن كالعلم مناطا للإطاعة و المعصية» إشارة إلى الأمر الثاني من الأمور المذكورة في المقدمة. و ضمير «عنه» راجع على الظن. يعني: فلا يجوز للآمر- و هو الشارع- مطالبة العبد بأكثر من الإطاعة الظنية، كما لا يجوز للمأمور الاقتصار بما دونها من الإطاعة الشكية و الوهمية.

قوله: «و مع ذلك» إشارة إلى الأمر الثالث. أي و مع كون الظن مناطا للإطاعة و المعصية «يحصل الظن من القياس ...».

(1) إشارة إلى الأمر الرابع، و هذه الجملة في موضع المفعول لقوله: «كيف يجامع» فالأولى أن يقال: «كيف يجتمع حكم العقل ... مع نهي الشارع عن العمل به ...؟».

(2) إشارة إلى الأمر الخامس. و تعليل للإنكار المستفاد من قوله: «كيف يجامع حكم العقل؟» و بيان للمحذور المترتب على نهي الشارع، يعني: لا يجتمع حكم العقل بكون الظن مناطا للإطاعة و المعصية مع نهي الشارع عنه.

(3) جواب «لو فرض»، و جملة الشرط و جوابها خبر لقوله: «فإن المنع» أي: فإن المنع عن العمل بالقياس لو فرض ممكنا لجرى في غير القياس أيضا، و مقتضى جريانه: عدم استقلال العقل بحجية الظن، و هو خلاف الفرض.

(4) هذا نتيجة جواز المنع عن العمل بظن خاص كالقياس.

(5) تعليل لعدم استقلال العقل بحجية الظن مطلقا فيما إذا جاز النهي عن العمل ببعض أفراده كالقياس، و ضمير «لعله» راجع على الشارع. و الضمير في «اختفى» راجع على النهي عن أمارة.

44

على الشارع؛ إذ (2) احتمال صدور ممكن بالذات عن الحكيم لا يرتفع إلا بقبحه، و هذا (3) من أفراد ما اشتهر من أن الدليل العقلي لا يقبل التخصيص‏

(*)

. انتهى موضع الحاجة من كلامه «زيد في علو مقامه».

و أنت خبير بأنه لا وقع لهذا الإشكال (4) بعد وضوح كون حكم العقل بذلك‏

____________

(1) هذا إشارة إلى النهي يعني: و لا دفع لاحتمال نهي الشارع عن أمارة مثل ما نهى عن القياس إلا قبح النهي عليه الموجب لامتناعه حال الانسداد فإن احتمال صدور أمر ممكن ذاتا عن الحكيم من قبيل مؤاخذة من لا ذنب له و نحوه؛ مما لا يرتفع إلا بقبحه عليه، فيستحيل صدوره منه و وقوعه في الخارج.

(2) تعليل لانحصار دافع احتمال النهي في قبحه على الشارع؛ لأنه الموجب لامتناعه.

(3) إشارة إلى الأمر الأول من الأمور المذكورة في المقدمة، يعني: و حكم العقل بحجية الظن في حال الانسداد على الحكومة من أفراد القاعدة الكلية و هي: أن الحكم العقلي غير قابل للتخصيص.

(4) هذا إشارة إلى جواب إشكال خروج القياس عن عموم نتيجة الانسداد.

توضيح ما أفاده المصنف في الجواب عن الإشكال المذكور بتقرير الحكومة: يتوقف على مقدمة و هي إن للعقل حكمين: أحدهما: تنجيزي و الآخر تعليقي، و هو ما يكون حكم العقل معلقا على عدم نهي الشارع عن ظن بالخصوص، فلو نهى الشارع عن العمل به لم يبق موضوع الحكم العقل بحجية مطلق الظن، فينتفي حكمه حينئذ من باب السالبة بانتفاء الموضوع، فيكون خروج ما نهى عنه الشارع من باب التخصص لا من باب التخصيص، بمعنى: بقاء موضوع حكمه مع ارتفاع حكمه حتى يقال: إن حكم العقل غير قابل للتخصيص.

إذا عرفت هذه المقدمة فاعلم: أن خروج الظن القياسي شرعا لا ينافي استقلال العقل بالحكم بحجية الظن؛ لأن حكمه هذا يكون تعليقيا لا تنجيزيا، و المنافاة إنما تكون في الحكم التنجيزي دون التعليقي؛ لأن حكم العقل في كيفية الإطاعة لما كان لأجل تحصيل الأمن من تبعات تكاليف الشارع فهو معلق على عدم حكم الشارع نصبا و ردعا، فإذا أمر بالعمل بطريق لا يفيد الظن فلا إشكال في عدم حكم العقل بقبح الأخذ به مع حكمه بالقبح في صورة عدم أمر الشارع به، فكما يكون حكم العقل معلقا على عدم‏

____________

(*) فرائد الأصول 1: 516- 517.

45

معلقا على عدم نصب الشارع طريقا واصلا، و عدم حكمه به فيما كان هناك منصوب و لو كان أصلا.

بداهة (1): أن من مقدمات حكمه عدم وجود علم و لا علمي، فلا موضع لحكمه مع أحدهما (2)، و النهي (3) عن ظن حاصل من سبب ليس إلا كنصب شي‏ء؛ بل‏

____________

نصب الشارع فكذلك يكون معلقا على عدم ردعه عن ظن، فلا منافاة بين خروج بعض الظنون- لنهي الشارع عنه- و بين استقلال العقل باعتبار الظن في حال الانسداد.

فالمتحصل: أن خلاصة القول في جواب الإشكال أن يقال: إن حكم العقل بلزوم اتباع الظن في حال الانسداد ليس إلا على نحو التعليق بعدم المنع عنه شرعا، فلا مجال له مع المنع.

و المشار إليه في قوله: «بذلك» هو: اعتبار الظن بدليل الانسداد، فمعنى العبارة: أن حكم العقل «بذلك» أي: باعتبار الظن بدليل الانسداد يكون «معلقا على عدم نصب الشارع طريقا واصلا».

و ضمير «حكمه» راجع على العقل، و ضمير «به» إلى اعتبار الظن.

و «كان» في قوله: «فيما كان» تامة بمعنى: وجد، يعني: و بعد وضوح عدم حكم العقل باعتبار الظن في صورة نصب الشارع طريقا؛ و لو كان ذلك الطريق أصلا.

(1) تعليل لكون حكم العقل باعتبار الظن حال الانسداد تعليقيا.

(2) أي: فلا موضع لحكم العقل بحجية الظن مع وجود العلم أو العلمي.

(3) يعني: أن حكم العقل معلق على عدم الردع كتعليقه على عدم النصب.

و هذا الكلام إشارة إلى وهم و دفعه، فلا بد من توضيح الوهم قبل الدفع.

و توضيحه: أن تعليق حكم العقل بحجية الظن على عدم نصب الشارع طريقا في محله، حيث إن النصب يهدم انسداد باب العلمي الذي هو من مقدمات دليل الانسداد، و يوجب انفتاحه.

و أما تعليقه على عدم نهي الشارع عن العمل بظن كالقياس: فلا مجال له؛ لأنه ليس كنصب الطريق موجبا لانفتاح باب العلمي حتى يصح تعليق حكم العقل عليه.

و حاصل الدفع: الذي أشار إليه بقوله:- «ليس إلا ...» الخ- أن النهي عن ظن ناش عن سبب خاص كالقياس ليس إلا كنصب طريق، حيث إنه بعد النهي عنه لا يصلح لأن يقع به الامتثال، فلا يكون مؤمّنا؛ بل يمكن أن يقال: إن النهي عن ظن يستلزم نصب طريق لامتثال الحكم الواقعي حتى لا تفوت مصلحته، فعليه: يكون النهي عن‏

46

هو (1) يستلزمه فيما كان في مورده (2) أصل شرعي، فلا يكون (3) نهيه عنه رفعا لحكمه عن موضوعه؛ بل به (4) يرتفع موضوعه. و ليس حال النهي عن سبب مفيد للظن إلا كالأمر (5) بما لا يفيده، و كما لا حكومة معه (6) للعقل لا حكومة له معه، و كما لا يصح بلحاظ حكمه الإشكال فيه، لا يصح الإشكال فيه بلحاظه.

____________

نصب طريق في إناطة حكم العقل بحجية الظن بعدمه.

(1) أي: بل النهي عن ظن يستلزم نصب طريق.

(2) الضمير راجع على الموصول في «فيما» المراد به الواقعة التي ليست من دوران الأمر بين المحذورين، و أما فيه فلا أصل شرعي؛ لأنه فاعل تكوينا أو تارك كذلك.

(3) هذا نتيجة ما أفاده من أن حكم العقل بحجية الظن تعليقي، يعني: بعد ما كان حكمه معلقا على ما ذكر، فلو نهى الشارع عن بعض الظنون لم يكن ذاك رافعا لحكم العقل عن موضوعه حتى يستشكل فيه بعدم تعقّل التخصيص في الأحكام العقلية؛ بل يكون رافعا لموضوع حكمه، فضمير «نهيه» راجع على الشارع، و ضمير «عنه» إلى الظن الحاصل من القياس مثلا، و ضمير «لحكمه» راجع على العقل، و ضمير «موضوعه» إلى «حكمه».

(4) أي بل بالنهي الشرعي يرتفع موضوع حكم العقل، فيكون تخصصا لا تخصيصا حتى يكون محالا.

(5) خبر «و ليس» و الضمير البارز في «لا يفيده» راجع على الظن، و المستتر راجع على الموصول في «بما» المراد به السبب و الطريق، يعني: أنه لا فرق في عدم استقلال في الحكم- لعدم بقاء موضوع حكمه- بين الأمر بشي‏ء لا يفيد الظن؛ كالأمر باتّباع خبر العادل غير المفيد للظن فضلا عن الاطمئنان، و بين النهي عما يفيد الظن كالقياس؛ لما عرفت من: كون حكم العقل في باب الإطاعة معلقا على عدم نهي الشارع عن طريق مخصوص إلى الإطاعة؛ و إلا سقط ذلك الطريق عن الحجية العقلية.

(6) أي: مع الأمر «للعقل» بمعنى: أنه كما ليس للعقل أن يقول: حيث لم يحدث الظن فلا تكليف، فكذلك لا حكومة للعقل مع النهي عن ظن خاص، فليس له أن يقول: حيث حدث الظن وجب الاتّباع.

و الحاصل: كما أنه ليس للعقل الحكم بعدم حجية ما لا يفيد الظن إذا أمر الشارع باتّباعه كذلك ليس له الحكم بحجية ما يفيد الظن إذا نهى الشارع عن اتّباعه.

47

نعم (1)؛ لا بأس بالإشكال فيه في نفسه، كما أشكل فيه برأسه، بملاحظة توهم استلزام النصب لمحاذير تقدم الكلام في تقريرها ما هو التحقيق في جوابها في جعل الطرق، غاية الأمر: تلك المحاذير- التي تكون فيما إذا أخطأ الطريق المنصوب- كانت (2) في الطريق المنهي عنه في مورد الإصابة؛ و لكن من الواضح، أنه لا دخل‏

____________

(1) استدراك على قوله: «و أنت خبير بأنه لا وقع لهذا الإشكال».

و غرضه: أن الإشكال في النهي عن القياس يكون من جهتين:

الأولى: من جهة حكم العقل بالإطاعة الظنية، و قد تقدم دفعه.

الثانية: من جهة نفس نهي الشارع عن العمل بالظن الحاصل من القياس؛ إذ لو فرض إصابته للواقع لم يصح النهي عنه؛ لأنه موجب لفوات الواقع.

توضيح ذلك- على ما في «منتهى الدراية، ج 5، ص 60»- أنه إذا قام ظن قياسي على وجوب شي‏ء أو حرمته، و كان مصيبا للواقع، فالنهي عن العمل به يستلزم المحذور الملاكي من فوات المصلحة أو الوقوع في المفسدة و المحذور الخطابي، لكونه واجبا بحسب الواقع، و حراما بسبب النهي عنه، فكما أن الأمر بالطريق غير المصيب مستلزم لترتب المحاذير المذكورة عليه فكذلك النهي عن الطريق المصيب- و هو هنا القياس- مستلزم لترتب تلك المحاذير، نعم؛ لا يترتب شي‏ء منها على القياس المخطئ، كما إذا أفاد القياس الظن بوجوب صلاة الجمعة مثلا و كان مخطئا، فإن مقتضى النهي عن القياس هو حرمة البناء على وجوب صلاة الجمعة، و المفروض: عدم وجوبها أيضا. هذا كله فيما عدا اجتماع المثلين من المحاذير الخطابية، و أما هو ففي الأمر بالطرق مترتب على الطريق المصيب، و هنا مترتب على القياس المخطئ، كما إذا أدى القياس إلى جواز تناول العصير العنبي مع حرمته واقعا، فإنه يجتمع فيه الحرمة الواقعية مع حرمة العمل بالقياس.

و بالجملة: فدفع إشكال النهي عن القياس من الجهة الأولى- كما تقدم- لا يغني عن دفعه من الجهة الثانية.

و ضمير «فيه» و «نفسه» راجعان على النهي، و الضمير في «فيه» و «برأسه» راجعان على الأمر.

و غرضه: أن إشكال المحاذير المتقدمة في كلام ابن قبة. وارد في النهي عن القياس؛ كوروده في الأمر بالطريق، و قد عرفت توضيح ذلك. و المراد بالمحاذير في قوله: «لمحاذيره هي المحاذير الخطابيّة و الملاكية كما عرفت.

(2) خبر «تلك المحاذير»، و الجملة خبر «غاية الأمر»، و «في مورد الإصابة» خبر

48

لذلك (1) في الإشكال على دليل الانسداد ...

____________

«كانت»، و الأولى سوق العبارة هكذا: «غاية الأمر: أن تلك المحاذير التي كانت في صورة خطأ الطريق المنصوب تكون في الطريق المنهي عنه في مورد الإصابة مثلا: إذا أدى القياس إلى وجوب شي‏ء، و هو واجب واقعا، فإنه يجتمع مصلحة الواقع مع المفسدة المفروضة في العمل بالقياس.

و كيف كان؛ فحاصل الإشكال- على ما في «الوصول إلى كفاية الأصول، ج 4، ص 182»- أن يقال: كيف يصح للشارع النهي عن الظن، و الحال أن الظن قد يصادف الواقع؟ فلو صادف الظن القياسي بوجوب الدعاء عند رؤية الهلال الواقع- بأن كان الدعاء واجبا واقعا- كان نهي الشارع عن العمل بهذا الظن تفويتا للواقع. و هذا الإشكال لا يرتبط بالظن القياسي فقط؛ بل هو جار في مطلق المنع عن الظن سواء كان قياسا أم لا.

و هذا الإشكال في باب النهي عن الظن يشبه إشكال ابن قبة في باب جعل الحجية للطرق الظنية مثل خبر الواحد بأنه كيف يمكن للشارع أن يجعل الطريق الظني حجة، مع أنه قد يخالف الواقع؟ فلو قال الشارع بحجية خبر الواحد، و أدى الخبر إلى عدم وجوب الدعاء عند رؤية الهلال- و كان الدعاء واجبا واقعا- كان جعل الحجية لخبر الواحد مفوتا للواقع، فكما أن نصب الطريق موجب للإشكال في صورة المخالفة للواقع، كذلك النهي عن الظن موجب للإشكال في صورة الموافقة للواقع.

و الحاصل: أن إشكال الأمر يختص بصورة الخطأ، و إشكال النهي يختص بصورة الإصابة. هذا حاصل الإشكال في المنع عن الظن، «و لكن من الواضح: أنه لا دخل لذلك» الإشكال المتقدم في الطرق- و هو المحذور الخطابي و الملاكي- في إشكال خروج القياس عن عموم نتيجة دليل الانسداد بتقرير الحكومة؛ بل هو إشكال عام متوجه على منع الشارع عن العمل بالظن.

توضيح بعض العبارات طبقا لما في «منتهى الدراية».

(1) يعني: لا دخل للإشكال المتقدم في الطرق- و هو المحذور الخطابي و الملاكي- في إشكال خروج القياس عن عموم نتيجة دليل الانسداد بناء على الحكومة؛ و ذلك لأن إشكال خروج القياس إشكال في صحة النهي عنه من ناحية حكم العقل المنافي لهذا النهي؛ لا من ناحية صحة النهي في نفسه؛ و من المعلوم: أن اختلاف الجهتين واضح، فلا يرتبط إحداهما بالأخرى؛ لأن تصحيح النهي من الجهة الأولى- و هي حكم العقل‏

49

بخروج (1) القياس، ضرورة: أنه (2) بعد الفراغ عن صحة النهي عنه في الجملة (3) قد أشكل في عموم النهي لحال الانسداد بملاحظة حكم العقل (4)، و قد عرفت (5): أنه بمكان من الفساد.

و استلزام (6) إمكان المنع عنه لاحتمال المنع عن أمارة أخرى قد اختفى علينا، و إن‏

____________

بحجية الظن مطلقا أو معلقا على عدم نهي الشارع- لا يغني عن تصحيحه بلحاظ الجهة الثانية و هي نهي الشارع عن العمل بالظن الحاصل من القياس.

(1) متعلق بالإشكال.

(2) الضمير للشأن، و هذا تعليل لعدم دخل إشكال النهي في نفسه في الإشكال على دليل الانسداد بخروج القياس؛ لأن هذا الإشكال إنما يكون بعد الفراغ عن صحة النهي في نفسه.

(3) يعني: مع قطع النظر عن حكم العقل بحجية الظن، و ضمير «عنه» راجع على القياس.

(4) بما تقدم تقريره عن «الرسائل»، و «بملاحظة» متعلق ب «أشكل».

(5) في قوله: «و أنت خبير بأنه لا وقع لهذا الإشكال».

(6) غرضه من هذا الكلام: دفع ما ذكره الشيخ «(قدس سره)» في تقرير الإشكال بقوله: «فإن المنع عن العمل بما يقتضيه العقل ...».

و توضيح الدفع: أن احتمال المنع عن أمارة أخرى لا دافع له إذا كان غيرها من سائر الأمارات كافيا، و مع كفايتها لا يحكم العقل باعتبار تلك الأمارة المحتمل منعها كالأولوية الظنية؛ لعدم استقلاله بحكم مع احتمال وجود مانعة، و عدم حاجة إلى اعتبارها لوفاء غيرها من الأمارات التي لا يحتمل المنع عنها بمعظم الفقه؛ بل يحكم العقل حينئذ باعتبار غير تلك الأمارة من سائر الأمارات الوافية بالفقه.

و أما إذا لم تكن تلك الأمارات وافية: فباب احتمال النهي عنها منسد؛ لما تقدم من اهتمام الشارع بالأحكام، و قبح تفويتها بلا تدارك، و عدم الترخيص في مخالفة الظن حينئذ.

و بالجملة: ففي الصورة الأولى و إن كان احتمال النهي عن بعض الأمارات موجودا؛ لكنه لا يضر بحكم العقل بحجية غيرها، و في الصورة الثانية باب الاحتمال منسد؛ لما عرفت من اهتمام الشارع بالأحكام.

و المتحصل: أن احتمال منع الشارع عن بعض الظنون غير قادح في استقلال العقل‏

50

كان (1) موجبا لعدم استقلال العقل إلا إنه يكون (2) بالإضافة إلى تلك الأمارة (3) لو كان غيرها (4) مما لا يحتمل فيه المنع بمقدار الكفاية؛ و إلا (5) فلا مجال لاحتمال المنع فيها مع فرض (6) استقلال العقل، ضرورة (7): عدم استقلاله بحكم مع احتمال وجود مانعة، على ما يأتي تحقيقه في الظن المانع و الممنوع.

و قياس (8) حكم العقل بكون الظن مناطا للإطاعة في هذا الحال على حكمه بكون العلم مناطا لها في حال الانفتاح: لا يكاد يخفى على أحد فساده؛ لوضوح: أنه مع‏

____________

بحجية الظن، إما للوفاء بالفقه، و إما لاهتمام الشارع بها.

قوله: «لاحتمال المنع» متعلق ب «و استلزام».

(1) خبر «و استلزام» يعني: و إن كان الاستلزام موجبا لعدم استقلال العقل، و ضمير «اختفى» راجع على المنع.

(2) الضمير المستتر فيه و ضمير «أنه» راجعان على عدم استقلال العقل بحجية الظن.

(3) أي: التي احتمل المنع عنها كالأولوية الظنية.

(4) أي: غير تلك الأمارة التي يحتمل المنع عنها، فكلمة «غيرها» اسم «كان» و «بمقدار الكفاية» خبره، و «مما» بيان ل «غيرها»، يعني: لو كان غير الأمارة التي يحتمل المنع عنها وافيا بالأحكام؛ كخبر الواحد و الإجماع المنقول و الشهرة الفتوائية، فإنه لا يستقل العقل حينئذ باعتبار مثل الأولوية الظنية مما يحتمل المنع عنه، و لا مانع من عدم استقلال العقل بحجيته حينئذ مع وفاء غيرها مما لا يحتمل المنع عنها بمعظم الفقه.

(5) يعني: و إن لم يكن غير تلك الأمارة المحتمل فيها المنع كافيا: فلا مجال لاحتمال المنع في تلك الأمارة التي يحتمل النهي عنها؛ و ذلك للاهتمام.

(6) متعلق ب «لا مجال»، و وجه استقلال العقل هو: أن اهتمام الشارع بالأحكام، و عدم كفاية سائر الظنون مما لا يحتمل المنع عنه يوجبان استقلال العقل بحجية الظن المحتمل منعه.

(7) تعليل لقوله: «فلا مجال» يعني: أن احتمال المنع مناف لاستقلال العقل؛ لوضوح:

أنه مع احتمال المنع لا يحرز جميع ما له دخل في موضوع حكمه، و من المعلوم: أن عدم المانع مما له دخل في ذلك، فلا يحكم العقل إلا بعد إحرازه، كما هو واضح.

(8) الغرض منه: دفع ما ذكره الشيخ «(قدس سره)»، في تقرير إشكال خروج القياس بقوله: «كيف يجامع حكم العقل». و حاصل ما ذكره: قياس حجية الظن في حال الانسداد على حجية العلم في حال الانفتاح، فكما إن حكم العقل باعتبار العلم حال‏

51

الفارق، ضرورة (1): أن حكمه في العلم على نحو التنجز، و فيه على نحو التعليق.

ثم لا يكاد ينقضي تعجبي لم خصصوا الإشكال (2) بالنهي عن القياس، مع جريانه في الأمر بطريق غير مفيد للظن، بداهة (3): انتفاء حكمه في مورد الطريق قطعا، مع‏

____________

الانفتاح لا يقبل التخصيص ببعض أفراده دون بعض، فكذا حجية الظن حال الانسداد غير قابل للتخصيص؛ لمنافاته لما استقل به العقل.

و قد دفعه المصنف بما حاصله: أن هذا القياس مع الفارق؛ لأن حكم العقل في العلم تنجيزي، و في الظن تعليقي بالتقريب المتقدم.

قوله: «على حكمه» متعلق ب «و قياس»، و ضمير «حكمه» راجع على العقل. و المراد ب «هذا الحال»: حال الانسداد أي: انسداد باب العلم و العلمي، و ضمير «لها» راجع على الإطاعة.

قوله: «لا يكاد» خبر «و قياس» و دفع له، و ضمير «فساده» راجع على القياس.

قوله: «لوضوح» تعليل لفساد قياس الظن على العلم، و ضمير أنه راجع على القياس، يعني: أن قياس الظن حال الانسداد على العلم حال الانفتاح قياس مع الفارق.

(1) تعليل لكون هذا القياس مع الفارق، و ضمير «حكمه» راجع على العقل، و ضمير «فيه» إلى الظن.

(2) غرضه: أنه لا وجه لتخصيص الإشكال على دليل الانسداد- بناء على الحكومة- بالنهي عن القياس، المفروض إفادته للظن مع وحدة الملاك فيه و في الأمر بما لا يفيد الظن كاليد و السوق؛ إذ كما يكون النهي منافيا لحكم العقل و موجبا لارتفاعه، كذلك الأمر، فإن العقل حاكم بقبح الاكتفاء بما دون الظن؛ لكنه فيما إذا لم يأمر الشارع بالعمل بما لا يفيد الظن، فلو أمر بالعمل بما لا يفيده: لم يحكم العقل بقبحه، فلا فرق في انتفاء حكم العقل بين النصب و الردع، لأن حكمه معلق على عدم النصب و الردع.

و الحاصل: أن نصب الطريق و النهي عنه من واد واحد في أن حكم العقل معلق على عدم تصرف الشارع، فلا مجال لتقرير الإشكال بالنسبة إلى خصوص النهي عن القياس كما عرفت.

(3) بيان لوجه اشتراك الإشكال بين الأمر بطريق غير مفيد للظن كاليد و السوق، و بين النهي عن مثل القياس، فيقال في تقريب الإشكال: كيف يأمر الشارع بالعمل بما يفيد الظن كاليد و السوق، فإنهما أمارتان اعتبرهما الشارع و إن لم يفيدا الظن مع حكم العقل باعتبار الظن فقد و قبح العمل بما لا يفيده؟ و حكم العقل غير قابل للتخصيص.

52

أنه لا يظن بأحد أن يستشكل بذلك (1)، و ليس (2) إلا لأجل أن حكمه به معلق على عدم النصب (3)، و معه لا حكم له، كما هو كذلك (4) مع النهي عن بعض أفراد الظن. فتدبر جيدا.

و قد انقدح بذلك (5): أنه لا وقع للجواب عن الإشكال تارة: بأن (6) المنع عن‏

____________

(1) أي: بالأمر بطريق لا يفيد الظن، بأن يقول: كيف يأمر الشارع بطريق لا يفيد الظن، مع استقلال العقل بعدم كفاية الإطاعة بما دون الظن؟

(2) أي: و ليس عدم الإشكال في مورد الأمر بالطريق إلا لأجل أن حكم العقل بالظن معلق على عدم نصب الشارع طريقا خاصا و لو لم يفد الظن، و عليه: فليكن حكمه باعتبار مطلق الظن حال الانسداد معلقا أيضا على عدم نهي الشارع عن طريق مخصوص كالقياس في المقام، و ضمير «معه» راجع على النصب و «له» العقل.

(3) أي: عدم نصب الشارع، فإذا نصب الشارع لم يكن للعقل حكم أصلا؛ لانتفاء موضوعه، إذ موضوعه فيما لم يكن هناك علم و لا علمي، و من المعلوم: أن مع النصب يوجد العلمي.

(4) أي: كما أن حكم العقل معلق مع النهي عن بعض الظنون.

هذا تمام الكلام في جواب المصنف عن إشكال خروج القياس، و قد أجاب الشيخ «(قدس سره)» عن الإشكال بجوابين آخرين، جعلهما سادس الأجوبة و سابعها، و قد أشار المصنف إليهما و إلى غيرهما من الوجوه المذكورة لدفع الإشكال ثم ناقش فيها الوجوه المذكورة لدفع الإشكال و المناقشة فيها.

(5) أي: بما ذكرناه من أن إشكال القياس إنما هو بعد الفراغ عن صحة النهي في نفسه، فتصحيح النهي بأحد الوجوه الآتية لا يرفع إشكال خروجه عن نتيجة دليل الانسداد بملاحظة حكم العقل، فإن هذين الجوابين اللذين ذكرهما الشيخ «(قدس سره)» يدفعان الإشكال من الجهة الأولى دون الثانية، و هي بملاحظة حكم العقل، و على هذا فلا ربط لهما بالإشكال من الجهة التي نحن فيها.

(6) هذا هو الوجه السابع الذي اختاره الشيخ «(قدس سره)» في دفع الإشكال حيث قال: «الوجه السابع هو: أن خصوصية القياس من بين سائر الأمارات هي غلبة مخالفتها للواقع، كما يشهد به قوله «أن السنة إذا قيست محق الدين» (1)، و قوله: «كان ما يفسده‏

____________

(1) المحاسن 1: 314/ ذيل ح 97، الكافي 1: 57/ ذيل ح 15، الفقيه 4: 118/ ذيل ح 5219، الوسائل 27: 41/ ذيل ح 33160.

53

القياس لأجل كونه غالب المخالفة، و أخرى (1): بأن العمل به يكون ذا مفسدة غالبة على مصلحة الواقع الثابتة عند الإصابة؛ و ذلك (2) لبداهة: أنه إنما يشكل بخروجه‏

____________

أكثر مما يصلحه» (1) و قوله: «ليس شي‏ء أبعد من عقول الرجال من دين الله» (2)، و غير ذلك‏ (3).

و هذا المعنى لما خفي على العقل الحاكم بوجوب سلوك الطرق الظنية عند فقد العلم، فهو إنما يحكم بها لإدراك أكثر الواقعيات المجهولة، فإذا كشف الشارع عن حال القياس، و تبين عند العقل حال القياس، فيحكم حكما إجماليا بعدم جواز الركون إليه ...» الخ.

(1) و هو الوجه السادس الذي أفاده الشيخ، و لكن أورد عليه بعد ذلك حيث قال:

«إن النهي يكشف عن وجود مفسدة غالبة على المصلحة الواقعية المدركة على تقدير العمل به، فالنهي عن الظنون الخاصة في مقابلة حكم العقل بوجوب العمل بالظن مع الانفتاح ...» (4) الخ.

و حاصل هذين الوجهين: أن العقل إنما يحكم بلزوم اتباع الظن لكونه أقرب إلى الواقع، و عدم مزاحمته بالمفسدة الغالبة، و كونه غالب الإيصال إليه؛ لأجل استيفاء مصلحته، فإذا كشف نهي الشارع عن أن الظن الحاصل من القياس غير مصيب للواقع غالبا، أو أن المفسدة المترتبة على الأخذ به أكثر من مصلحته: فلا محالة يحكم العقل بعدم جواز الركون إليه تخصيصا لحكمه بلزوم مراعاة الظن.

(2) أي: و ذلك الذي ذكرنا من أنه لا وقع لهذين الجوابين، «لبداهة» أن الجوابين يفيدان صحة النهي عن القياس، و أنه إنما نهي عنه- مع أن النهي مفوت لمصلحة الواقع- لكونه كثير المخالفة، أو لكون مفسدته مزاحمة لمصلحة الواقع المحرزة بسببه.

أما الجواب عن إشكال أنه كيف يمنع عنه في حال الانسداد الذي يحكم العقل بحجية مطلق الظن فيه؟ فليس هذان الجوابان دافعين عنه.

و إن شئت قلت: إن الإشكال في صحة النهي عن القياس من جهتين من حيث نفسه، و من حيث منافاته لحكم العقل بحجية الظن في حال الانسداد، و هذان الجوابان‏

____________

(1) عوالي اللآلي 4: 6/ 22، مستدرك الوسائل 17: 248/ 21247.

(2) الوارد في كتب الحديث: «ليس شي‏ء أبعد من عقول الرجال من تفسير القرآن»: المحاسن 2:

300/ ذيل ح 5، الوسائل 27: 192/ ذيل ح 33572. أو «ليس شي‏ء أبعد من عقول الرجال منه»: تفسير العياشي 1: 11/ 2، الوسائل 27: 204/ 33605.

(3) فرائد الاصول 1: 529.

(4) فرائد الأصول 1: 528.

54

بعد الفراغ عن صحة المنع عنه في نفسه بملاحظة (1) حكم العقل بحجية الظن، و لا يكاد يجدي صحته كذلك (2) في الذّب عن الإشكال في صحته (3) بهذا اللحاظ، فافهم (4) فإنه لا يخلو عن دقة.

____________

إنما يدفعان الإشكال من الجهة الأولى، أما الجهة الثانية: فلا ربط لهذين الجوابين بها.

و كيف كان؛ فقوله: «لبداهة» تعليل لقوله: «لا وقع للجواب».

و توضيح ذلك بعد مقدمة و هي: أن إشكال النهي عن العمل بالقياس يقع في جهتين:

الأولى: في صحة النهي عنه في نفسه مع الغض عن دليل الانسداد.

الثانية: في صحة النهي عنه بملاحظة الانسداد بناء على الحكومة، و أنه كيف يصح تخصيص الشارع حكم العقل بلزوم مراعاة الظن، مع فرض استقلاله في حكمه؟

إذا عرفت هذه المقدمة فنقول: إنه من المعلوم: أن الوجهين المتقدمين عن الشيخ «(قدس سره)» يصححان النهي عنه باعتبار الجهة الأولى، و لا يصححانه باعتبار الجهة الثانية، يعني: حتى مع استقلال العقل بحجية الظن حال الانسداد.

(1) متعلق ب «يشكل» أي: يشكل خروج القياس «بملاحظة حكم العقل ...» الخ.

و ضمير «أنه» للشأن، و ضميرا «بخروجه، عنه» راجعان على القياس.

(2) أي: في نفسه يعني: لا يجدي صحة المنع عن القياس «كذلك» أي في نفسه بلحاظ كونه غالب المخالفة للواقع، أو لأن في العمل به مفسدة غالبة على مصلحة الواقع عند الإصابة في دفع الإشكال عن صحة المنع عنه بلحاظ حكم العقل بحجية مطلق الظن، و الظرف متعلق ب «يجدي»، و قد مر غير مرة: أن الصواب في ذب الإشكال هو:

كون حكم العقل بحجة الظن الانسدادي معلق على عدم نهي الشارع عن ظن خاص كالقياس.

(3) أي: صحة المنع «بهذا اللحاظ»، أي: لحاظ حكم العقل في حال الانسداد.

(4) لعله إشارة إلى أن الجوابين صحيحان حتى بالنسبة إلى إشكال خروج الظن القياسي عن حكم العقل في حال الانسداد؛ لأن العقل إنما يحكم بحجية الظن في حال الانسداد؛ لما يرى من قربه إلى الواقع بدون مفسدة، فإذا استكشف- من نهي الشارع عن القياس بقول مطلق- عدم قرب القياس إلى الواقع؛ لكثرة الخطأ، أو استكشف وجود مفسدة فيه تزاحم مصلحة الواقع لم يحكم بحجيته، و ليس ذلك تخصيصا؛ بل تخصصا.