دروس في الكفاية - ج6

- غلام علي‏ المحمدي البامياني المزيد...
400 /
5

[تتمة المقصد السابع‏]

خاتمة: في شرائط الأصول (1)

أما الاحتياط فلا يعتبر في حسنه شي‏ء أصلا؛ بل يحسن على كل حال؛ ...

____________

شرائط الأصول العملية

[اما الاحتياط]

(1) و هي: الاحتياط و البراءة بقسميها و أصالة التخيير.

و قبل الخوض في البحث ينبغي بيان أمرين:

أحدهما: أن المصنف لم يتعرض في الخاتمة إلا ما يعتبر في الاحتياط و البراءة، مع إن الأصول العملية هي أربعة، و قد أهمل المصنف ما يعتبر في التخيير و الاستصحاب. و لعل الوجه في ذلك هو: أن التخيير متحد مع البراءة حكما، فيعرف ما يعتبر فيه مما يعتبر فيها.

و أما الاستصحاب: فلأن البحث عنه و عما يعتبر فيه يأتي في باب الاستصحاب.

و ثانيهما: إن شرائط الأصول على قسمين:

قسم منها شرط لأصل الجريان، و قسم آخر شرط للعمل بها.

و الأول كالفحص عن الأدلة الاجتهادية بالنسبة إلى جريان البراءة العقلية، فلا تجري قبل الفحص؛ إذ موضوعها هو عدم البيان لا يتحقق بدون الفحص عنها.

و الثاني كالفحص عن الدليل الاجتهادي بالنسبة إلى البراءة الشرعية؛ لأن موضوعها هو الشك ثابت قبل الفحص، فليس شرطا لجريانها؛ لأنها تجري قبله و لكن العمل بها يتوقف على الفحص، فالفحص شرط للعمل بالبراءة الشرعية لا لأصل جريانها.

أصل الاحتياط و شروط جريانه‏

لا شك في حسن الاحتياط لكونه مجاهدة في طريق درك الحق و العمل به، و العقل حاكم بحسنه، و لا يشترط شي‏ء سوى أمرين:

الأول: عدم كونه مستلزما لاختلال النظام فإن حفظه واجب.

الثاني: عدم مخالفته لاحتياط آخر.

و لذا قال المصنف: «فلا يعتبر في حسنه شي‏ء أصلا؛ بل يحسن على كل حال».

6

إلا (1) إذا كان موجبا لاختلال النظام.

و لا تفاوت فيه (2) بين المعاملات و العبادات مطلقا، و لو (3) كان موجبا للتكرار فيها.

____________

أي: سواء أقامت حجة غير علمية على خلافه أم لا، و سواء كان احتمال الحكم الواقعي قويا أم ضعيفا، و سواء كان قبل الفحص أم بعده؛ و سواء كان الاحتياط حقيقيا أم إضافيا كالأخذ بأحد القولين أو الأقوال في المسائل الفرعية.

توضيح بعض العبارات طبقا لما في «منتهى الدراية».

(1) هذا استثناء عن حسن الاحتياط.

و غرضه: أنه لا يعتبر في حسن الاحتياط شي‏ء إلا عدم كونه موجبا لاختلال النظام، فالاحتياط الذي ينجر إلى ذلك لا حسن فيه.

و ظاهر كلام الشيخ هنا عدم اعتبار شي‏ء في حسنه حتى عدم اختلال النظام.

و كيف كان؛ فقوله: «إلا إذا» ظاهر في كون الاختلال رافعا لحسن الاحتياط لا لنفس الاحتياط المحرز للواقع، لظهور السلب في القضايا السالبة في رجوعه إلى المحمول لا الموضوع، فالاحتياط المخل بالنظام محرز للواقع، لكنه ليس بحسن لإخلاله بالنظام.

و إن كان المحتمل رجوع الاستثناء إلى الموضوع بأن يقال: إن حقيقة الاحتياط هي إحراز الواقع عملا مع عدم مزاحمة جهة مقبحة له عقلا، و مع وجود المزاحم ينتفي موضوع الاحتياط، فتكون السالبة بانتفاء الموضوع.

لكن هذا الاحتمال ضعيف جدا؛ لأن حقيقة الاحتياط هي الإحاطة بالواقع و حسنه أو قبحه أحيانا لعارض خارج عن هويته، و ظهور قوله: «إلا إذا كان موجبا لاختلال النظام» في هذا الاحتمال و رجوع السلب إلى المحمول مما لا مجال لإنكاره؛ لأن معناه:

إلا إذا كان الاحتياط موجبا لاختلال النظام، فالاختلال الرافع لحسنه مترتب على وجود الاحتياط، لا رافع لحقيقته، فإن الحسن و القبح من المحمولات المترتبة على وجود شي‏ء.

(2) أي: حسن الاحتياط، و هذا إشارة إلى الخلاف في حسنه في العبادات كما نسب إلى جمع من الفقهاء تبعا للمتكلمين، بزعم: أن الاحتياط فيها مخل بقصد الوجه المعتبر في العبادة، و على هذا بنوا بطلان عبادة تارك طريقي الاجتهاد و التقليد مع التمكن منهما.

(3) كلمة «لو» وصلية، و بيان لوجه الإطلاق، و إشارة إلى خلاف آخر و هو: أن الاحتياط بحسن إن لم يكن مستلزما لتكرار العبادة، و إلا فلا حسن فيها؛ لما سيشير إليه، و تقدم أيضا في مباحث القطع.

7

و توهم (1): كون التكرار عبثا و لعبا بأمر المولى و هو ينافي قصد الامتثال المعتبر في العبادة فاسد (1)؛ لوضوح: أن التكرار ربما يكون بداع صحيح عقلائي (3)، مع أنه لو

____________

و قد نسب إنكار حسن الاحتياط المستلزم لتكرار العبادة إلى صاحب الحدائق، و ضمير «فيها» راجع على العبادات.

(1) هذا أحد الوجوه التي نوقش بها في حسن الاحتياط المستلزم لتكرار العبادة، و محصله: أن التكرار عبث لا يترتب عليه غرض عقلائي، و لعب بأمر المولى، و هو ينافي قصد القربة أي: امتثال أمره المعتبر في العبادة.

و عليه: فمع التكرار لا يحصل ما هو قوام العبادة من قصد القربة، و هذا الوجه يوجب امتناع الاحتياط في العبادات، و ضمير «هو» راجع على التكرار.

(2) خبر «و توهم» و دفع له بوجهين:

أحدهما: ما أشار إليه بقوله: «لوضوح»، «و حاصله: أن التكرار ليس لازما مساويا للعبثية المنافية لقصد الامتثال؛ لإمكان نشوئه عن غرض عقلائي، كما إذا كان التكرار موجبا لتعوده على العبادة أو دافعا لضرر عدو عن نفسه إذا استحيا العدوّ من الإضرار به ما دام مصليا، أو كان الفحص و السؤال للذل و المهانة، أو غير ذلك من الأغراض العقلائية الموجبة لتكرار العبادة المخرجة له عن العبثية المنافية لقصد الامتثال المعتبر في العبادة» (1).

و بالجملة: فالعبثية لا تصلح لأن تكون مانعة عن حسن الاحتياط المستلزم لتكرار العبادة؛ لكونها أخص من المدعى كما لا يخفى.

ثانيهما: ما أشار إليه بقوله: «مع أنه لو لم يكن». و محصله: أن مناط القربة المعتبرة في العبادة هو إتيان الفعل بداعي أمر المولى؛ بحيث لا يكون له داع سواه، فلو أتى بهذا الداعي فقد أدى وظيفته و إن لم يكن التكرار ناشئا من غرض عقلائي و كان لعبا في كيفية الامتثال؛ لكنه لا ينافي قصد الإطاعة، حيث إن حقيقتها كما عرفت هي الانبعاث إلى الفعل عن بعث المولى، و تحركه عن تحريكه، و المفروض تحققها.

(3) يمكن أن يريد منكر حسن الاحتياط المستلزم للتكرار عبثية هذا الاحتياط بنظر العقل مع التمكن من الامتثال العلمي التفصيلي، و أن الاحتياط ليس امتثالا عقلا، و الغرض العقلائي من التكرار لا يسوغه و لا يدرجه تحت عنوان الإطاعة أصلا. و عليه:

فلا يندفع الإشكال بوجود الغرض العقلائي من التكرار كما يقول به من يلتزم بترتب مراتب الإطاعة و طوليتها كما لا يخفى.

____________

(1) منتهى الدراية 6: 379.

8

لم يكن بهذا الداعي (1)، و كان (2) أصل إتيانه بداعي أمر مولاه بلا داع له سواه لما ينافي قصد الامتثال و إن كان لاعبا في كيفية امتثاله فافهم.

____________

(1) أي: داع صحيح عقلائي، و ضمير «أنه» راجع على التكرار أو للشأن.

لا يخفى: أن الترتيب الطبيعي يقتضي تقديم هذا الجواب على الأول؛ بأن يقال:

«فاسد أولا: بعدم منافاة التكرار لقصد الامتثال، و ثانيا: بإمكان نشوء التكرار من غرض عقلائي على تقدير منافاته له».

(2) أي: و لكن «كان أصل إتيانه بداعي أمر مولاه بلا داع سواه»؛ بأن كان داعيه إلى الصلاة أمر الشارع و لكن داعيه إلى التكرار مجرد العبث، كما لو كان داعي المأمور في إتيانه بالكتاب أمر المولى- فيما لو أمر بإحضار كتاب الشرائع مثلا- لكنه أتى بعشرة كتب فيما بينها كتاب الشرائع، فإنه يكون ممتثلا و إن كان لاعبا في طريق الامتثال، فإنه لو كان قصده من أصل العمل أمر المولى «لما ينافي» التكرار «قصد الامتثال و إن كان لاعبا في كيفية امتثاله»، فإن أصل الامتثال شي‏ء و طريق الامتثال شي‏ء آخر، فالزمان المعين كأول الظهر، و المكان المعي؛ ككون الإتيان في المسجد، و الكيفية المعينة ككونها بجماعة أو في لباس خاص أو نحو ذلك كلها من طرائق الامتثال، و ليست من أصل الامتثال، و كذلك المرة و التكرار فما طريقان للامتثال و ليسا نفس الامتثال، و ضميرا «مولاه، له» راجعان على المكلف المفهوم من الكلام، و ضمير «إتيانه» راجع على الفعل المستفاد من العبارة.

و قوله: «لما ينافى» جواب «لو» يعني: لو كان أصل الإتيان بداعي أمر المولى لم يكن التكرار غير الناشئ عن غرض عقلائي منافيا بقصد الامتثال و قادحا في حسن الاحتياط المستلزم للتكرار؛ إذ اللعب إنما هو في كيفية الإطاعة لا في نفسها؛ إذ المفروض: كون الإتيان بالمحتملات ناشئا من أمر المولى.

قوله: «فافهم» لعله إشارة إلى صحة هذا الجواب، فإنه لا يلزم اللعب في كيفية الامتثال أيضا، حيث إن كل عمل ناشئ عن داعي الأمر المحتمل، و من المعلوم: أن انبعاث العمل عن الأمر المحتمل انقياد و هو حسن عقلا، فكيف ينطبق عليه عنوان اللعب الذي هو داع شيطاني و هو مضاد لعنوان الانقياد الذي هو داع رحماني؟

و منه يظهر: عدم اللعب في الجمع بين المحتملات أيضا، بداهة: أن الجمع أيضا يكون ناشئا عن داع إلهي، و هو إطاعة أمره.

و لعل قوله: «فافهم»: إشارة إلى الإشكال في أصل حسن الاحتياط، فإن العرف لا

9

بل يحسن (1) أيضا فيما قامت الحجة (2) على البراءة عن التكليف؛ لئلا (3) يقع فيما كان في مخالفته على تقدير ثبوته من المفسدة و فوت المصلحة.

____________

يرون حسن من يأتي بأوامر المولى على نحو الاحتياط- مطلقا-

أ لا ترى أن المولى لو أمر بدق مسمار في الحائط فدق العبد في كل مكان من الحائط مسمارا؛ كان له حق العقاب؟ لا من جهة كونه تصرفا غير جائز، لغرض: كون الحائط و المسمار مباحين؛ بل من جهة أنه لعب و عبث، و كذلك لو أمر بالذهاب إلى دار زيد فذهب إلى عشر دور احتياطا مع التمكن من تحصيل الواقع بلا تكلف و حرج و هكذا.

و لعل السرّ: أن الامتثال عبارة عن إطاعة المولى في أوامره بقدره، فكما أن النقصان خلاف الأمر كذلك الزيادة، فلو أمر ولده بالإتيان بإناء فلم يعرف الولد الإناء المراد و لم يسأل مع إمكانه، ثم أتى بكل إناء في البيت، كان للأب عقابه عرفا لعمله.

أو إشارة إلى منع التكرار في العبادة، و أنه لعب في ذات العبادة لا في كيفية الامتثال؛ إذ فرق بين الزمان و المكان مما هو خارج عن حقيقة العبادة، و بين التعدد مما هو نفس العبادة.

(1) عطف على «بل يحسن على كل حال»، يعني: كما أن الاحتياط يحسن في موارد عدم قيام الحجة على نفي التكليف كالشبهات البدوية الوجوبية أو التحريمية الناشئة عن فقد الدليل على التكليف، كذلك يحسن في موارد قيام الحجة على عدم التكليف، كنهوض أمارة معتبرة على جواز شرب التتن، أو عدم وجوب السورة في الصلاة مع العلم بعدم مانعيتها.

(2) أي: الحجة غير العلمية، بقرينة قوله «(قدس سره)»: «فيما كان في مخالفته على تقدير ثبوته»، فإن فرض الثبوت و احتماله إنما يكون في الحجة غير العلمية. مضافا إلى:

أنه لا معنى للاحتياط مع العلم بالواقع.

و بالجملة: المقصود حسن الاحتياط في موارد قيام الأمارة غير العلمية على عدم التكليف.

(3) تعليل لحسن الاحتياط في موارد قيام الحجة على عدم التكليف، و حاصله: أن موضوع الاحتياط- و هو احتمال ثبوت الحكم واقعا مع قيام الحجة غير العلمية على عدم التكليف- موجود لاحتمال خطئها كاحتمال وجود الحكم مع خلوّ الواقعة عن الدليل على حكمها نفيا و إثباتا؛ إذ ملاك حسنه عقلا و هو الانقياد في كلتا الصورتين حاصل، بداهة: احتمال ثبوت الحكم مع قيام الحجة على عدمه، فلا مانع من الاحتياط بقراءة

10

و أما البراءة العقلية (1): فلا يجوز إجراؤها إلا بعد الفحص و اليأس عن الظفر

____________

[اما البراءة العقلية]

السورة مثلا في الصلاة مع قيام الدليل غير العلمي على عدم جزئيتها لها، و ترك شرب التتن مع نهوض أمارة معتبرة على عدم حرمته.

و الحاصل: أنه يحسن الاحتياط لئلا يقع في مفسدة مخالفة الحكم الواقعي على فرض ثبوته.

و قوله: «و فوت المصلحة» عطف على المفسدة، و «من» بيان ل «ما»، و ضميرا «مخالفته، ثبوته» راجعان على «التكليف»، يعني: لئلا يقع المكلف في المفسدة التي تكون في مخالفة التكليف على تقدير ثبوته هذا.

و لكن الشيخ «(قدس سره)» علل حسن الاحتياط مع قيام الحجة على عدم التكليف بقوله: «لعموم أدلة رجحان الاحتياط، غاية الأمر: عدم وجوب الاحتياط»، و لعل هذا أولى من تعليل المصنف له بقوله: «لئلا يقع»؛ لأن الاحتياط من طرق إطاعة أحكام الشارع، و أدلة حسنه ناظرة إلى كونه حافظا للأحكام و إن كان حافظا لملاكاتها أيضا؛ لكن المطلوب أولا من الاحتياط هو الأول، حيث إن اللازم علينا مراعاة الأحكام دون ملاكاتها، مع أن كفاية قصد جلب المصلحة أو دفع المفسدة في تحقق الانقياد إلى المولى لا تخلو من بحث.

في اشتراط البراءة العقلية بالفحص‏

(1) يعني: و أما ما يعتبر في الرجوع إلى البراءة العقلية- و هي قاعدة قبح العقاب بلا بيان- فهو الفحص و اليأس عن الظفر بالحجة على التكليف، لأن موضوع حكم العقل بقبح العقاب بلا بيان إنما هو عدم البيان الذي يمكن الوصول إليه و لو بالفحص عنه، فإن مجرد فقد البيان الواصل بنفسه مع احتمال وجود البيان الذي لو تفحصنا عنه لظفرنا عليه مما لا يكفي في حكم العقل بقبح العقاب بلا بيان؛ بل إذا تفحصنا عنه و لم يكن هناك بيان على التكليف فعند ذلك يستقل العقل بقبح العقاب، و إن احتمل وجود بيان لا يمكن الوصول إليه أصلا، و هذا ما أشار إليه المصنف بقوله: «و أما البراءة العقلية فلا يجوز إجراؤها لا بعد الفحص»، فجواز إجرائها في الشبهات الحكمية دون الموضوعية- التي سيأتي البحث فيها- منوط بتحقق موضوعها أعني: عدم البيان على الحكم و إحراز عدم البيان- أعني الحجة- منوط بالفحص، و بدونه لا يحكم العقل بقبح المؤاخذة؛ إذ لا بد في حكمه به من إحراز موضوعه، و لا يحرز ذلك إلا بالفحص الموجب لوصول الحجة المنصوبة من الشارع على الحكم أو اليأس عن الوصول إليها.

11

بالحجة على التكليف؛ لما مرت الإشارة إليه (1) من عدم استقلال العقل بها إلا بعدهما.

و أما البراءة النقلية (2): فقضية إطلاق أدلتها (3) و إن كان (4) هو عدم اعتبار الفحص في جريانها كما هو (5) حالها في الشبهات الموضوعية؛ ...

____________

[اما البراءة النقلية]

و عليه: فلا يستقل العقل بقبح المؤاخذة قبل الفحص؛ إذ لا يتحقق موضوع حكم العقل إلا بالفحص.

و كيف كان؛ فالعقل يقول: إن للمولى وظيفة و للعبد وظيفة أخرى، فوظيفة المولى هو بيان تكليف بنحو متعارف، و وظيفة العبد هو الفحص عن بيان المولى في مظانه، فإذا لم يجد البيان يحكم العقل بعدم العقاب على التكليف الواقعي بقاعدة قبح العقاب بلا بيان.

(1) أي: مرّ ذلك في الدليل الرابع من أدلة البراءة «من عدم استقلال العقل بها» أي:

بالبراءة «إلا بعدهما»، أي: بعد الفحص و اليأس.

هذا تمام الكلام فيما يعتبر في الرجوع إلى البراءة العقلية، فإنها لا تجري في الشبهات الحكمية إلا بعد الفحص؛ لأن موضوعها و هو عدم الدليل على الحكم لا يحرز إلا بالفحص عنه الموجب للاطمئنان بعدمه.

(2) و هي المستندة إلى الأدلة الشرعية.

(3) كأحاديث الرفع و الحجب و السعة و غيرها المتقدمة في أصل البراءة، حيث إن تلك الأدلة لم تقيد بالفحص، فمقتضى إطلاقها جواز إجراء البراءة و لو قبل الفحص و عدم اعتباره في جريانها في الشبهات الحكمية، كما هو حال البراءة النقلية في الشبهات الموضوعية.

و كيف كان؛ فمقتضى إطلاق أدلة البراءة الشرعية هو جواز إجرائها و لو قبل الفحص، فلا بد في رفع اليد عن هذا الإطلاق و تقيده بما بعد الفحص من دليل مقيد، و لذلك ذكر الأصحاب وجوها و هي: الإجماع و العقل و الآيات و الروايات، و ستأتي الإشارة إلى هذه الوجوه في كلام المصنف فانتظر.

توضيح بعض العبارات طبقا لما في «منتهى الدراية».

(4) الأولى أن يقال: «و إن كانت هي».

(5) أي: عدم الاعتبار، و ضمائر «حالها، جريانها، أدلتها» راجعة على البراءة النقلية، و ظاهر كلامه: عدم اشتراط جريان البراءة الشرعية في الشبهات الموضوعية بالفحص، و ذلك لإطلاق حديث الرفع، حيث إن ما دل على اعتبار الفحص فيها إنما هو بالنسبة

12

إلا إنه (1) استدل على اعتباره بالإجماع و بالعقل، فإنه لا مجال لها بدونه، حيث يعلم إجمالا بثبوت التكليف بين موارد الشبهات بحيث (2) لو تفحص عنه لظفر به.

____________

إلى الشبهات الحكمية، و لا مانع من بقاء إطلاقها بالنسبة إلى الموضوعية. و أما البراءة العقلية فظاهر المتن إناطتها بالفحص مطلقا، سواء في الشبهات الحكمية و الموضوعية؛ و ذلك لعدم استقلال العقل بالبراءة فيهما قبل الفحص.

(1) استدراك على قوله: «و إن كان هو عدم اعتبار الفحص»، و الضمير للشأن.

و غرضه: أن إطلاق أدلة البراءة النقلية و إن كان مقتضيا لعدم وجوب الفحص في جريانها في الشبهات الحكمية؛ إلا إنه استدل على وجوب الفحص فيها و عدم جواز الأخذ بإطلاق أدلتها بوجوه:

الوجه الأول: هو الإجماع لاتفاق جميع العلماء من الشيعة و السنة على عدم جواز إجراء البراءة قبل الفحص عن مظان البيان؛ بل عليه ضرورة الفقه.

فإنك لا تجد فقيها إذا سئل عن مسألة شرعية يفتي بالبراءة، من دون رجوع إلى الكتاب و السنة.

قال الشيخ «(قدس سره)»: «الإجماع القطعي على عدم جواز العمل بأصل البراءة قبل استفراغ الوسع في الأدلة». «دروس في الرسائل، ج 4، ص 120».

الوجه الثاني: هو العقل بتقريب: أنه يعلم إجمالا بثبوت تكاليف إلزامية بين موارد الشبهات؛ بحيث لو تفحص عنها في الأدلة لظفر بها، فالعقل بمقتضى العلم الإجمالي يمنع عن إجراء البراءة قبل الفحص، و قد أشار إلى الوجه الأول بقوله: «بالإجماع»، و إلى الوجه الثاني بقوله: و بالعقل، و قد مرّ تقريب الاستدلال بهما على وجوب الفحص، و ضمير «لها» راجع على البراءة، و ضمير «بدونه» إلى الفحص.

(2) متعلق ب «ثبوت».

غرضه: أن اعتبار الفحص في جواز إجراء البراءة إنما يكون في مورد ترتب ثمرة على الفحص، و هي الظفر بالحكم على فرض ثبوته واقعا، ففي هذه الصورة لا يجوز الرجوع إلى البراءة قبل الفحص، و يجوز بعده؛ لخروج الواقعة حينئذ عن أطراف المعلوم بالإجمال. و أما إذا لم يترتب أثر على الفحص و كان وجوده كعدمه في عدم الكشف عن الواقع، فلا يجوز الرجوع إلى البراءة لا قبل الفحص و لا بعده؛ بل يجب الاحتياط في الواقعة؛ لعدم خروجها عن أطراف العلم الإجمالي، فقوله: «بحيث لو تفحص عنه» تنبيه على أن الفحص المسوغ للرجوع إلى البراءة إنما هو فيما إذا ترتبت الثمرة المزبورة

13

و لا يخفى (1): أن الإجماع هاهنا (2) غير حاصل (3)، و نقله لوهنه (4) بلا طائل، فإن تحصيله (5) في مثل هذه المسألة مما للعقل إليه سبيل صعب (6) لو لم يكن (7) عادة

____________

عليه، و إلا فلا فائدة في الفحص؛ لبقاء الشك الموجب للاحتياط و عدم ارتفاعه بالفحص.

(1) غرضه: ردّ الوجهين المزبورين- و هما الإجماع و العقل- أما الإجماع: فبأن المحصل منه على وجه يكشف عن رأي المعصوم غير حاصل؛ إذ ليس المقام من المسائل الشرعية المحضة التي لا يتطرق إليها العقل، فلا يجوز الاتكال على الإجماع الذي يحتمل استناد المجمعين كلهم أو جلهم فيه إلى حكم العقل. و المنقول منه لا حجية فيه و لو مع فرض حجية المحصل منه الذي لا سبيل إلى تحصيله في المسائل التي للعقل إليها سبيل.

(2) أي: في مسألة وجوب الفحص في إجراء البراءة النقلية في الشبهات الحكمية.

(3) فإن كثيرا من الفقهاء لم يذكروا هذه المسألة حتى يحصل الإجماع من أقوالهم.

(4) أي: نقل الإجماع لوهن هذا النقل «بلا طائل»، يعني بلا فائدة، فلا يمكن الاعتماد على الإجماع المنقول في هذه المسألة.

(5) تعليل لقوله: «غير حاصل»، فإن تحصيل الإجماع في مثل هذه المسألة مما للعقل إليه سبيل صعب، و ذلك لاحتمال استناد المجمعين إلى دليل العقل لا إلى الدليل الشرعي حتى يكشف إجماعهم عن قول المعصوم، أو دليل معتبر، فكشف الإجماع عن دليل معتبر صعب.

(6) خبر «فإن تحصيله»، و وجه صعوبة تحصيل الإجماع الكاشف عن رأي المعصوم ما عرفته من عدم كون المسألة من المسائل الشرعية المحضة.

(7) يعني: لو لم يكن تحصيل الإجماع الكاشف عادة بمستحيل؛ إذ لا طريق إلى استكشافه بعد قوة احتمال كون مستند المجمعين جلهم بل كلهم هو حكم العقل بتنجيز العلم الإجمالي المزبور.

هذا تمام الكلام في الإشكال على الإجماع.

و أما الإشكال على العقل: فبأن الكلام هنا في الشبهة البدوية دون المقرونة بالعلم الإجمالي، ففرض العلم الإجمالي هنا أجنبي عما نحن فيه؛ و ذلك إما لانحلاله بالظفر بالمقدار المعلوم بالإجمال بالعلم التفصيلي اللاحق، و إما لعدم تنجيزه لعدم الابتلاء ببعض الأطراف و لو لغفلة المجتهد حين الاستنباط لحكم المسألة عن موارد الشبهات التي يكون‏

14

بمستحيل؛ لقوة (1) احتمال أن يكون المستند للجل لو لا الكل هو ما ذكر من حكم العقل (2). و أن (3) الكلام في البراءة فيما لم يكن هناك علم موجب للتنجز (4)؛ إما (5) لانحلال العلم الإجمالي بالظفر بالمقدار المعلوم بالإجمال، أو لعدم (6) الابتلاء إلا بما لا يكون بينها علم بالتكليف من موارد من (7) موارد الشبهات و لو (8) لعدم الالتفات إليها.

____________

بينها علم إجمالي بالتكليف؛ إذ وجوب الفحص مختص بصورة وجود العلم الإجمالي المنجز و لا يجري في الشبهات البدوية، فهذا الدليل أخص من المدعى.

(1) تعليل لصعوبة تحصيل الإجماع أو استحالته، و قد عرفت توضيحه بقولنا: «إذ ليس المقام من المسائل ...» الخ.

(2) الناشئ عن العلم الإجمالي المذكور.

(3) عطف على «أن الإجماع»، و إشارة إلى الجواب عن الوجه الثاني و هو الدليل العقلي، و قد عرفت توضيح الجواب بقولنا: «و أما العقل: فبأن الكلام»، كما عرفت جواب الوجه الأول و هو الإجماع بقولنا: «و أما الإجماع فبأن المحصل منه ...» الخ.

(4) إذ لو كان هناك علم إجمالي منجز كان أجنبيا عن الشبهات البدوية التي هي محل البحث، و اندرج في الشبهات المقرونة بالعلم الإجمالي.

(5) غرضه: أن عدم العلم الإجمالي الموجب لتنجز الحكم يستند إلى أحد وجهين، و هما انحلاله بالعلم التفصيلي بالظفر بالمقدار المعلوم بالإجمال، و عدم الابتلاء إلا بالشبهات التي لا يعلم بالتكليف بينها؛ و لو كان عدم الابتلاء لأجل الغفلة و عدم الالتفات إلى تلك الشبهات، كما إذا استنبط المجتهد حكم شرب التتن مثلا، فإنه حين استنباط حكم هذه المسألة كان غافلا عن سائر الشبهات، فهي لأجل الغفلة خارجة عن مورد ابتلائه من حيث الاستنباط، و لذا لا يكون العلم الإجمالي بالتكاليف بينها منجزا.

(6) عطف على «الانحلال»، و هو إشارة إلى ثاني وجهي عدم تنجيز العلم الإجمالي، كما أن قوله: «إما لانحلال العلم» إشارة على أول وجهي عدم تنجيزه.

(7) بيان ل «ما» الموصول و ضمير «بينها» راجع على «ما» الموصول باعتبار معناه و هو موارد الشبهات، يعني: أو لعدم الابتلاء إلا بموارد الشبهات التي لا يكون بينها علم بالتكليف.

(8) كلمة «لو» وصلية متعلقة بعدم الابتلاء، يعني: و لو كان عدم الابتلاء لأجل عدم الالتفات إلى سائر موارد الشبهات، و ضمير «إليها» راجع على موارد الشبهات.

15

فالأولى (1) الاستدلال للوجوب بما دل من الآيات (2) و الأخبار على وجوب التفقه و التعلم (3) و المؤاخذة (4) على ترك التعلم في مقام الاعتذار عن العمل بعدم العلم بقوله (5) تعالى (6) كما في ...

____________

و لا يخفى: أن الشيخ «(قدس سره)» تعرض لهذا الدليل العقلي أيضا بقوله: «الخامس:

حصول العلم الإجمالي لكل أحد قبل الأخذ في استعلام المسائل بوجود واجبات و محرمات كثيرة في الشريعة، و معه لا يصح التمسك بأصل البراءة؛ لما تقدم من أن مجراه الشك في أصل التكليف لا في المكلف به مع العلم بالتكليف». «دروس في الرسائل، ج 4، ص 125».

و صريح كلامه: كون المقام من الشك في المكلف به لا في التكليف، و لذا لا تجري فيه البراءة، و قد عرفت أن بحثنا في الشبهات البدوية دون المقرونة بالعلم الإجمالي.

و هناك كلام طويل تركناه رعاية للاختصار.

(1) هذا هو الوجه الثالث الذي استدل به على وجوب الفحص.

(2) أي: مثل آية السؤال أو النفر الذي هو في معنى الفحص.

(3) كالنبوي «طلب العلم فريضة على كل مسلم ألا إن الله يحب بغاة العلم» (1).

و قوله «(عليه السلام)»: «أيها الناس: اعلموا أن كمال الدين طلب العلم و العمل به، ألا و إن طلب العلم أوجب عليكم من طلب المال ...» (2). الحديث و غيرهما.

(4) عطف على «وجوب التفقه».

تقريب الاستدلال بما دل على وجوب التعلم و المؤاخذة على تركه: أنه لو كان إجراء البراءة قبل الفحص جائزا، و كانت المؤاخذة على خصوص الواجبات و المحرمات المعلومة لم يكن وجه لوجوب التعلم و استحقاق المؤاخذة على تركه؛ إذ المفروض: وجود المعذّر و هو البراءة، و مقتضى إطلاق أدلة البراءة لما قبل الفحص و بعده و اختصاص ما دل على وجوب التعلم و المؤاخذة بما قبل الفحص تقييد إطلاق الأول بالثاني؛ لكونه أخص من الأول كسائر المطلقات و المقيدات.

(5) متعلق ب «المؤاخذة» التي هي نوع من التوبيخ، و «على ترك» و «في مقام» متعلقان بالمؤاخذة أيضا، و «عن عدم» و «بعدم العلم» متعلقان باعتذار.

(6) فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ. الأنعام: 149.

____________

(1) المحاسن 1: 225/ 146، الكافي 1: 30/ 1، الوسائل 270: 25/ 33115

(2) الكافي 1: 30/ 4، الوسائل 27: 24/ 33111.

16

الخبر (1): «هل تعلمت؟»، فيقيد بها (2) أخبار البراءة لقوة ظهورها في أن المؤاخذة

____________

(1) و هو ما ورد في تفسير هذه الآية من «أن اللّه تعالى يقول للعبد يوم القيامة:

عبدي، أ كنت عالما؟ هل علمت، فإن قال: نعم قال له: فهلا عملت بما علمت؟ و إن لا، قال: لا، قيل له: هلا تعلمت حتى تعمل؟» (1).

(2) أي: بالآيات و الأخبار الدالة على وجوب التفقه و المؤاخذة على تركه إطلاق أخبار البراءة؛ لما مر آنفا من شمولها لما قبل الفحص و بعده.

و غرضه «(قدس سره)»: التنبيه على أن النسبة بين تلك الآيات و الأخبار و بين أدلة البراءة هي نسبة المقيد إلى المطلق، فيقيد بها إطلاق أدلة البراءة، لا أن النسبة بينهما هي التباين كما قد يتوهم، بتقريب: أن مورد أخبار البراءة عدم العلم بالتكليف لا تفصيلا و لا إجمالا، و مورد الآيات و أخبار وجوب التعلم و المؤاخذة على تركه ترك العلم فيما علم وجوبه مثلا و لو إجمالا، فتكون واردة في الشبهات المقرونة بالعلم الإجمالي، و أجنبية عن الشبهات البدوية التي هي مورد أصالة البراءة، فلا موجب لتقييد إطلاق أدلة البراءة بها مع تباين نسبتهما، فيكون هذا الوجه كالوجهين المتقدمين- و هما الإجماع و العقل- ضعيفا و غير صالح لتقييد إطلاق البراءة بلزوم الفحص، و إناطة جواز العمل بالبراءة النقلية به.

قوله: «لقوة ظهورها» تعليل لقوله: «فالأولى الاستدلال» و دفع للتوهم المزبور، و كان الأولى تقديم «لقوة ظهورها» على قوله: «فيقيد بها»؛ لأن التقييد متفرع على إثبات ظهورها في كون الاحتجاج بترك التعلم حتى يتحد موردها مع مورد أدلة البراءة و يصح التقييد، لورودهما معا في الشبهات البدوية و أخصيتها من أدلة البراءة.

و كيف كان؛ فقد دفع التوهم المزبور بما محصله: أن تلك الآيات و الروايات ظاهرة في كون المؤاخذة و الذم على ترك التعلم فيما لم يعلم، بل قوله «(عليه السلام)»: في تفسير قوله تعالى: فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ: «هلا تعلمت حتى تعمل» كالصريح في كون التوبيخ على ترك التعلم، لا على ترك العمل فيما علم وجوبه حتى يكون مورده الشبهات المقرونة بالعلم الإجمالي، دون الشبهات البدوية التي هي مورد أدلة البراءة. و أخبار المؤاخذة جلّها بل كلها في غاية الظهور في كون المؤاخذة على ترك التعلم، لا على ترك العمل بما علم حكمه، و دعوى: تواترها المعنوي قريبة جدا فلا حاجة إلى البحث عن إسنادها. فراجع الوافي بابي فرض طلب العلم و سؤال العلماء و تذاكر العلم. «منتهى الدراية، ج 6، ص 401- 402».

____________

(1) أمالي المفيد: 227، أمالي الطوسي 9/ 10، بحار الأنوار 1: 178/ 58.

17

و الاحتجاج بترك التعلم فيما لم يعلم؛ لا (1) بترك العمل فيما علم وجوبه و لو (2) إجمالا، فلا مجال (3) للتوفيق (4) بحمل هذه الأخبار على ما إذا علم إجمالا، فافهم (5).

و لا يخفى (6): اعتبار الفحص في التخيير العقلي ...

____________

(1) هذا هو التوهم المزبور بقولنا: «بتقريب: أن مورد أخبار البراءة عدم العلم».

(2) كلمة «لو» وصلية متعلقة بقوله: «علم وجوبه» يعني: و لو علم وجوبه إجمالا.

(3) هذه نتيجة ظهور الآيات و الروايات في كون الذم على ترك التعلم، لا على ترك العمل بما علم حكمه، و الإشارة إلى التوهم المذكور.

(4) بين إطلاق أدلة البراءة و بين الآيات و الأخبار المشار إليها، بحملها على ما إذا علم إجمالا بثبوت التكاليف بين المشتبهات، و أخبار البراءة على الشبهات البدوية، حتى تكون النسبة بينهما هي التباين، لا الإطلاق و التقييد، و لا يصح تقييد إطلاق أدلة البراءة بهما.

(5) لعله إشارة إلى صحة الجمع بين الآيات و الروايات، و بين أدلة البراءة؛ بتقييد إطلاق أدلة البراءة بهما، لاعتبار الروايات سندا و دلالة.

أو إشارة إلى توهم آخر و دفعه.

أما التوهم فهو: أنه يمكن أن يكون التوبيخ على ترك التعلم بالنسبة إلى العناوين الخاصة من الواجبات و المحرمات المعلومة إجمالا. فلا يكون مورد التوبيخ الشبهة البدوية حتى يقيد به إطلاق أدلة البراءة و يثبت به وجوب الفحص؛ بل مورده العلم الإجمالي بوجود واجبات و محرمات.

و أما الدفع: فهو قوله: «لقوة ظهورها في أن المؤاخذة»، و حاصله: قوة ظهور تلك الروايات، بل صراحة بعضها في كون المؤاخذة على ترك التعلم لا ترك العمل فيما علم حكمه و لو إجمالا.

أو إشارة إلى غيرهما مما يتوهم في المقام.

فتحصل مما أفاده المصنف «(قدس سره)»: أن دليل اعتبار الفحص في جريان البراءة النقلية في الشبهات الحكمية هو تقييد إطلاق أدلتها بالآيات و الأخبار الدالة على وجوب التعلم و المؤاخذة على تركه.

(6) بعد أن فرغ عن بيان ما يعتبر في جريان الأصول الثلاثة و هي الاحتياط و البراءة العقلية و النقلية، شرع في بيان ما يعتبر في جريان أصالة التخيير في دوران الأمر بين المحذورين.

18

أيضا (1) بعين ما ذكر في البراءة فلا تغفل (2).

و لا بأس (3) بصرف الكلام في بيان بعض ما للعمل بالبراءة قبل الفحص من التبعة و الأحكام.

و أما التبعة، فلا شبهة في استحقاق العقوبة على المخالفة فيما إذا كان ترك التعلم‏

____________

و محصل ما أفاده فيه هو: أن الفحص هنا معتبر بعين الوجه الذي ذكر في لزوم الفحص في البراءة العقلية، يعني: أن الفحص كما يكون محرزا لعدم البيان الذي هو موضوع البراءة العقلية، كذلك يكون محرزا لموضوع أصالة التخيير و هو تساوي الاحتمالين و عدم مرجح لأحدهما على الآخر، بداهة: أن هذا التساوي لا يحرز إلا بالفحص الموجب إما لتعيّن أحد الاحتمالين، فيتعين الأخذ به؛ لحصول الموافقة القطعية حينئذ، أو لتساويهما فيتخير في الأخذ بأحدهما؛ لعدم التمكن مع عدم رجحان أحد الاحتمالين على الآخر، كعدم استقلاله في الحكم بالبراءة العقلية إلا بعد إحراز موضوعه و هو عدم البيان، بل وجوب الفحص هنا أولى من وجوبه في البراءة العقلية؛ للعلم في المقام بجنس التكليف الموجب للفحص عن نوعه بخلاف البراءة؛ إذ موضوعها و هو عدم الحجة موجودة قبل الفحص و بعده.

(1) يعني: كوجوبه في البراءة العقلية.

(2) حتى تتوهم جواز الرجوع إلى التخيير العقلي قبل الفحص، كما توهم ذلك في البراءة العقلية ببيان: أن المراد بالبيان هناك هو الحجة الواصلة فعلا، و إن كان ذلك التوهم هناك فاسدا و لكنه مع ذلك يفترق التخيير عن البراءة بأن حسن التكليف فيه معلوم و هو موجب للفحص، بخلاف البراءة.

حكم العمل بالبراءة قبل الفحص‏

(3) لما فرغ المصنف «(قدس سره)» من بيان اشتراط العمل بالبراءة بالفحص؛ أراد أن يبين ما للعمل بها قبل الفحص من استحقاق العقوبة، و الحكم التكليفي و الوضعي فالكلام يقع في مقامين:

الأول: في استحقاق العقوبة و عدمه.

الثاني: في الحكم الوضعي.

و قد أشار إلى المقام الأول: بقوله: «التبعة»؛ إذ المراد من التبعة هو: العقاب، و إلى المقام الثاني بقوله: «و الأحكام»؛ إذ المراد من الأحكام هي: الأحكام الوضعية. و الجمع إما منطقي أو باعتبار الموارد. و كيف كان:

19

فحاصل الكلام في المقام الأول: أنه لا إشكال في ترتب العقاب على العمل بالبراءة قبل الفحص فيما إذا انكشف أنه مخالف للواقع، و إنما الكلام في أنه على ترك التعلم مطلقا و لو لم يؤدّ إلى المخالفة، أو أنه على ترك التعلم المؤدي إلى المخالفة، أو أنه على مخالفة الواقع. فالأقوال فيه ثلاثة:

الأول: استحقاق العقاب مطلقا، سواء صادف الواقع أم لا، فلو شرب العصير العنبي من غير فحص عن حكمه و لم يكن حراما واقعا استحق العقوبة عليه، و هذا القول منسوب إلى صاحب المدارك‏ (1) و شيخه المحقق الأردبيلي‏ (2) «(قدس سرهما)» استنادا إلى قبح تكليف الغافل، حيث إن الجاهل غالبا غافل عن الواقع حين فعل الحرام و ترك الواجب، فيكون العقاب على ترك التعلم، و عليه: فوجوب التعلم نفسي يترتب على مخالفته العقوبة.

الثاني: استحقاقه على ترك التعلم المؤدي إلى المخالفة، فلا يستحق العقوبة في المثال المذكور، و ذهب إليه الشيخ الأنصاري «(قدس سره)».

الثالث: استحقاق العقاب على مخالفة الواقع و لكن عند ترك التعلم و الحفص، و ذهب إليه المشهور، و المصنف «(قدس سره)» تبع المشهور، و التزم باستحقاق العقوبة على مخالفة الواقع التي أدى إليها ترك التعلم و الفحص لا على نفس ترك التعلم، فإذا شرب العصير العنبي بدون الفحص عن حكمه و كان حلالا واقعا لا يستحق العقاب و المؤاخذة لعدم مخالفة حكم إلزامي واقعي، و الوجه فيه: أن مخالفة الواقع و إن فرض وقوعها حال الغفلة عن الواقع؛ لكنها لما كانت مستندة إلى تقصيره في ترك الفحص و التعلم تنتهي إلى الاختيار، و لا يقبح العقاب على ما ينتهي إلى الاختيار. و لذا يعاقب أكثر الجهال العصاة على ارتكاب المحرمات مع غفلتهم عن احتمال حرمتها حين الارتكاب، فإن التفاتهم إجمالا قبل الارتكاب إلى احتمال حرمتها كاف في صحة العقوبة مع تمكنهم من الفحص و التعلم و تركهم له اختيارا، و الأخبار المتقدمة في مؤاخذة تارك التعلم أيضا تقتضي استحقاق العقوبة على مخالفة الواقع مع الشك فيه. هذا تمام الكلام في الأقوال.

و أما منشأ اختلاف الأقوال فهو: أن وجوب التعلم هل هو نفسي و لو كان تهيئيا أو وجوب طريقي أو إرشادي محض.

____________

(1) مدارك الأحكام 2: 344.

(2) مجمع الفائدة و البرهان 2: 110.

20

و الفحص مؤديا إليها (1)، فإنها (2) و إن كانت مغفولة حينها و بلا اختيار، إلا أنها منتهية

____________

«فعلى القول» بأنه وجوب نفسي استقلالي أو تهيئي: يكون العقاب على نفس ترك الفحص و التعلم؛ لأن الأمر النفسي المولوي مخالفته و عصيانه يوجب استحقاق العقاب.

«و على القول» بأن وجوبه وجوب نفسي طريقي: تكون مخالفته موجبة لاستحقاق العقاب أيضا على نفس ترك التعلم و الفحص، و لكن عند مخالفة الواقع.

أمّا كون العقاب على نفس ترك التعلم و الفحص: فلأنه واجب نفسي على الغرض، فمخالفته توجب استحقاق العقوبة.

و أما تقييده ب «عند مخالفة الواقع: فلأجل أن وجوبه لأجل حفظ الواقع و طريقية التعلم و الفحص إلى إدراك الواقع كوجوب الاحتياط شرعا في بعض الشبهات البدوية كما في باب الفروج و الدماء، بل الأموال، فالمطلوب بالذات هو الواقع و إنما مطلوبيته لأجل الوصول إلى الواقع و حصوله.

و كيف كان؛ فالنتيجة: أن العقاب على نفس ترك الفحص و التعلم و لكن لا مطلقا بل فيما إذا انجر إلى مخالفة الواقع، كما هو الشأن في مخالفة كل أمر طريقي نفسي كوجوب الاحتياط في بعض الشبهات البدوية.

«و على القول» بأن وجوبه إرشادي محض، فلا يكون استحقاق على نفس المخالفة للأمر الإرشادي؛ لأنه لا مولوية فيه حتى يوجب ذلك؛ بل الاستحقاق على مخالفة نفس الواقع عند ترك التعلم كما ذهب إليه المشهور.

توضيح بعض العبارات طبقا لما في منتهى الدراية.

(1) أي: إلى المخالفة، و أما إذا لم يؤد ترك التعلم إلى المخالفة، كما إذا لم يكن ما ارتكبه حراما واقعا، فلا عقاب، كما إذا شرب التتن تاركا للتعلم و الفحص و انكشف عدم حرمته، و أما صاحب المدارك و المحقق الأردبيلي «(قدس سرهما)»: فقد ذهبا إلى حسن مؤاخذته- كما تقدم- استنادا إلى كون وجوب التعلم نفسيا، و أن العقاب عليه لا على الواقع، للغفلة عنه، و قبح تكليف الغافل بديهي.

(2) هذا تقريب وجه استحقاق العقوبة، و قد مرّ آنفا بقولنا: «و الوجه فيه: أن مخالفة الواقع و إن فرض وقوعها حال الغفلة عن الواقع ...» الخ.

و ضمائر «فإنها، حينها، أنها» راجعة على «المخالفة».

21

إلى الاختيار (1)، و هو (2) كاف في صحة العقوبة؛ بل (3) مجرد تركهما كاف في صحتها و إن لم يكن (4) مؤديا إلى المخالفة، ...

____________

(1) و هو ترك التعلم و الفحص اختيارا حين التفاته إلى عدم خلو واقعة عن حكم، و بهذا يجاب عن قبح العقاب على الواقع المجهول مع الغفلة؛ لكونه حينئذ بلا اختيار.

و حاصل الجواب: أنه و إن كان فعلا لأجل الغفلة بدون الاختيار، لكنه منته إلى الاختيار، و قوله: «و إن كانت مغفولة حينها» إشارة إلى هذا.

(2) يعني: و الانتهاء إلى الاختيار كاف في صحة العقوبة عقلا.

(3) هذا تعريض بما نسب إلى المشهور من عدم استحقاق العقوبة على نفس ترك التعلم، و إضراب عن استحقاق العقوبة على الترك المؤدى إلى المخالفة، و محصله: ترتب استحقاقها على مجرد ترك التعلم و الفحص و إن لم يؤدّ تركهما إلى مخالفة الواقع فيما إذا احتمل أن تركهما يؤدي إلى ذلك.

لكن العقاب حينئذ لا يكون على ترك الواجب النفسي و هو التعلم، كما هو المنسوب إلى الأردبيلي و صاحب المدارك «(قدس سرهما)»؛ بل على التجري، حيث إنه إذا احتمل حرمة العصير العنبي أو وجوب الدعاء عند رؤية الهلال و مع ذلك ترك التعلم لقلة المبالاة بالدين، و شرب العصير أو ترك الدعاء، فإن نفس التجري على المولى يوجب عقلا استحقاق العقوبة و إن لم يخالف الواقع، لعدم حرمة العصير و عدم وجوب الدعاء واقعا.

و على هذا: فالموجب لحسن العقوبة و المؤاخذة أمران: أحدهما: الانتهاء إلى الاختيار، و الآخر: التجري، فالمصنف «(قدس سره)» قائل باستحقاق العقوبة على ترك التعلم مطلقا و إن لم يؤدّ إلى مخالفة الواقع.

و ضمير «تركهما» راجع على التعلم و الفحص، و ضمير «صحتها» راجع على «العقوبة».

(4) يعني: و إن لم يكن ترك التعلم و الفحص مؤديا إلى مخالفة الواقع، كما إذا شرب التتن من غير فحص عن حكمه و تبين عدم حرمته واقعا، فإن ترك التعلم حينئذ لم يؤدّ إلى مخالفة الحرمة، إذ المفروض: عدم حرمة شربه واقعا.

و عليه: فليس المراد بأداء ترك التعلم إلى المخالفة كون الترك مقدمة للمخالفة و لا ملازما لها، و إلا لم ينفك الترك عنها؛ بل المراد ترتب المخالفة على الترك من باب التصادف، و لذا عبّر المصنف «(قدس سره)» بالمؤدى، فما في بعض الكلمات من التعبير

22

مع احتماله (1)؛ لأجل (2) التجري و عدم (3) المبالاة بها.

نعم (4)؛ يشكل في الواجب المشروط ...

____________

عن المؤدي بالملازم مسامحة.

(1) أي: مع احتمال أداء ترك التعلم إلى المخالفة، فإن هذا الاحتمال يوجب الاحتياط بالتعلم و الفحص؛ بحيث يعدّ تركهما تجريا؛ لكونه إقداما على مخالفة حكم إلزامي محتمل تنجزه.

(2) تعليل لقوله: «بل مجرد تركهما كاف»، و قد عرفت تقريبه.

ثم إن هذا الوجه لاستحقاق العقوبة مبني على كون التجري موجبا لاستحقاق العقوبة كما اختاره المصنف في بحث التجري.

(3) عطف على «التجري» و مفسر له، و ضمير «بها» راجع على المخالفة.

فالمتحصل: أن المصنف «(قدس سره)» اختار استحقاق تارك التعلم و الفحص للعقاب مطلقا، سواء خالف الواقع أم لا أما في صورة المخالفة فواضح؛ لتحقق المعصية. و أما في صورة عدم المخالفة فلأجل التجري، فقوله: مخالف للمشهور حيث إنهم قائلون بالاستحقاق في خصوص ما إذا أدى ترك التعلم إلى مخالفة الواقع على ما نسب إليهم في عبارة الشيخ المتقدمة.

بخلاف المصنف فإنه قائل بالاستحقاق مطلقا؛ إما للعصيان و إما للتجري، فما في حاشية العلامة الرشتي من أنه تبع المشهور غير ظاهر، فراجع و تأمل.

(4) غرضه: أن ما ذكر من وجوب التعلم و الفحص في التكاليف المطلقة المنجزة تام.

إذ لو لم يجب الفحص لزم ترك الواجب المطلق.

و أما في التكاليف المشروطة بزمان كصلاة الجمعة أو زماني كالحج المشروط بالاستطاعة، فوجوب التعلم و الفحص فيها مشكل؛ إذ المفروض: عدم وجوب فعلي يوجبها لإناطة التكليف المشروط بتحقق شرطه، فقبل تحققه لا تكليف حتى يوجب التعلم.

فعليه: ينحصر وجوب الفحص بالتكاليف المطلقة الفعلية، و لا وجه لوجوبه في التكاليف المشروطة، لا قبل حصول الشرط و لا بعده.

أما الأول: فواضح؛ لعدم حكم واقعي حينئذ حتى يجب عليه التعلم لئلا يفوت عنه الواقع فيعاقب عليه. و أما الثاني: فلأجل الغفلة عن تلك التكاليف في وقتها الناشئة عن ترك التعلم قبله.

23

و الموقت (1)، و لو (2) أدى تركهما قبل الشرط و الوقت إلى المخالفة بعدهما فضلا (3) عما إذا لم يؤدّ إليها، حيث (4) لا يكون حينئذ (5) تكليف فعلي أصلا لا قبلهما، و هو واضح (6)، و لا بعدهما و هو كذلك (7)؛ لعدم التمكن منه (8) بسبب الغفلة، ...

____________

فالمتحصل: أن وجوب التعلم في التكليف المطلقة ثابت، بخلاف التكاليف المشروطة، فإنه محل إشكال، و لذا التجأ لدفع هذه الشبهة المحقق الأردبيلي و تلميذه صاحب المدارك «(قدس سرهما)» إلى الالتزام بوجوب التعلم نفسيا ليكون العقاب على تركه لا على مخالفة الواقع، و المستشكل و هو الشيخ الأنصاري «(قدس سره)» أورد هذا الإشكال على المشهور القائلين بكون العقاب على ترك الواقع.

(1) هذا من عطف الخاص على العام؛ إذ الوقت في الموقتات أيضا شرط على حدّ سائر الشروط.

(2) كلمة «لو» وصلية، و غرضه: أنه بناء على المشهور- من كون العقوبة على مخالفة الواقع- يشكل الالتزام بترتبها على التكاليف المشروطة مطلقا حتى في صورة أداء ترك التعلم و الفحص إلى مخالفة الواقع بعد الوقت و حصول الشرط؛ للغفلة كما مرّ آنفا فضلا عما إذا لم يؤدّ تركها إلى المخالفة. و ضمير «تركهما» راجع على التعلم و الفحص. و ضمير «إليها» إلى المخالفة.

(3) يعني: فضلا عما إذا لم يؤدّ ترك التعلم و الفحص إلى مخالفة الواقع مع احتمال الأداء إليها. و هذا إشارة إلى صورة التجري المتقدمة في قوله: «بل مجرد تركهما كاف في صحتها و إن لم يكن مؤديا إلى المخالفة».

(4) هذا تقريب الإشكال: و قد تقدم ذلك مفصلا بقولنا: «و حاصل الإشكال».

(5) أي: حين أداء ترك التعلم و الفحص إلى المخالفة بعد تحقق الشرط و دخول الوقت.

(6) أي: و عدم التكليف قبل الشرط و الوقت واضح لأنهما على المشهور من شرائط التكليف، فلا تكليف قبلهما حتى يترشح منه وجوب غيري على التعلم و الفحص.

(7) يعني: و عدم التكليف بعد الشرط و دخول الوقت أيضا واضح، لعدم التمكن من الواجب في ظرفه لأجل الغفلة عنه الموجبة لقبح العقاب به.

و ضميرا «قبلهما، بعدهما» راجعان على الشرط و الوقت، و ضمير «هو» راجع على ما يفهم من العبارة من عدم التكليف.

(8) أي: من الواجب المشروط و الموقت، و قوله: «لعدم التمكن» تعليل لعدم التكليف بعد الشرط و دخول الوقت، فإن تارك التعلم و الفحص عن الواجب كالحج قبل تحقق شرطه كالاستطاعة يصير غافلا عن ذلك الواجب في وقته، و بعد حصول شرطه يتركه‏

24

و لذا (1) التجأ المحقق الأردبيلي و صاحب المدارك «(قدس سرهما)» إلى الالتزام بوجوب التفقه و التعلم نفسيا تهيئيا، فتكون العقوبة على ترك التعلم نفسه (2) لا على ما أدى إليه من (3) المخالفة، فلا إشكال حينئذ (4) في المشروط و الموقت.

و يسهل بذلك (5) الأمر في غيرهما لو صعب على أحد، و لم تصدق ...

____________

للغفلة عنه، و من المعلوم: أنه في حال الغفلة يقبح تكليفه. فقوله: «لا قبلهما، و لا بعدهما» مفسران لقوله: «أصلا».

(1) يعني: و لأجل هذا الإشكال التجأ هذان العلمان «(قدس سرهما)» إلى الالتزام بكون وجوب التفقه نفسيا تهيئيا لتكون العقوبة على ترك التعلم لا على مخالفة الواقع حتى يرد عليه الإشكال المذكور.

و المراد بالواجب التهيئي: ما يجب مقدمة للخطاب بواجب آخر. و ببيان أوضح:

الواجب التهيئي هو ما وجب تهيؤا لإيجاب عمل، في قبال الواجب الغيري، و هو الذي يجب مقدمة لوجود واجب آخر، فالأول واجب مقدمة لإيجاب شي‏ء، و الثاني واجب لوجود شي‏ء ثبت وجوبه، ففرق واضح بين الوجوب النفسي التهيئي و الوجوب الغيري المقدمي، فإن كلا منهما مباين للآخر، فلا إشكال في تغايرهما مفهوما.

نعم؛ يقع الكلام في وقوع الواجب النفسي التهيئي في الخارج لقصور أدلة وجوب التعلم عن إثباته.

و يمكن أن يكون وجوب قبول الهبة للحج من قبيل الوجوب التهيئي، حيث إن وجوبه مقدمة للخطاب بواجب آخر و هو الحج، بخلاف البذل، فإنه بنفسه يوجب الحج، و أما الهبة فبنفسها لا يجب الحج، بل بقبولها الذي هو واجب تهيّأ لإيجاب الحج، فتدبر.

(2) لكون التعلم على هذا واجبا نفسيا، فتكون العقوبة على نفسه لا على مخالفة الواقع.

(3) بيان ل «ما» الموصول، و الضمير المستتر في «أدى» راجع على «ترك التعلم» يعني:

لا على مخالفة الواقع التي أدى إليها ترك التعلم.

(4) أي: حين وجوب التعلم نفسيا، إذ بعد فرض وجوبه النفسي تصح العقوبة على ترك الواقع.

(5) أي: بوجوب التفقه و التعلم نفسيا يندفع إشكال العقوبة على مخالفة الواقع مع الغفلة حين المخالفة.

25

كفاية (1) الانتهاء إلى الاختيار في استحقاق العقوبة على ما كان فعلا مغفولا عنه و ليس بالاختيار.

____________

توضيحه:- على ما في «منتهى الدراية، ج 6، ص 417»- أن هذا الإشكال- الذي دفعناه في غير الواجب المشروط و الموقت بأن العقل لا يقبح المؤاخذة على ترك الواقع إذا انتهى إلى الاختيار- يمكن دفعه أيضا بما أفاده المحقق الأردبيلي و صاحب المدارك «(قدس سرهما)» من كون وجوب التعلم نفسيا؛ إذ العقاب حينئذ: على ترك التعلم الذي هو بنفسه أمر اختياري، بخلاف المؤاخذة على نفس الواقع المغفول عنه حين المخالفة، و عدم اختياريتها للغفلة المانعة عن صحة الخطاب الموجبة لقبح العقاب، فلو لم يكتف بعض في دفع الإشكال عن صحة العقوبة على ترك الواقع بالانتهاء إلى الاختيار، فله أن يدفع الإشكال بالالتزام بوجوب التعلم نفسيا ليكون العقاب عليه.

و بهذا الجواب يندفع الإشكال في غير الواجب المشروط و الموقت أيضا، ضرورة: أن العقاب حينئذ ليس على ترك الواقع المغفول عنه حتى يقبح ذلك لأجل الغفلة عنه؛ بل العقوبة إنما هي على ترك التعلم. و ضمير «غيرهما» راجع على المشروط و الموقت.

(1) فاعل «صعب» و نائب فاعل «تصدق» بناء على كونه مجهولا.

و أما بناء على ما عن بعض النسخ من «يصدق» بصيغة الغائب المعلوم، ففاعل «صعب» ضمير راجع على الجواب المذكور، «كفاية» مفعول «يصدق» و فاعله ضمير مستتر فيه راجع على «أحد»، يعني: لو صعب الجواب المذكور- و هو الانتهاء إلى الاختيار- على شخص، و لم يصدّق كفاية الانتهاء إلى الاختيار ... الخ.

و حاصله: أنه لو استشكل بعض في حسن المؤاخذة على ترك الواقع بعدم كفاية الانتهاء إلى الاختيار في حسنها، فلا بد أن يدفع الإشكال في غير الواجب المشروط و الموقت بوجه آخر، و هو الالتزام بوجوب التعلم نفسيا ليكون العقاب على تركه، لا على ترك الواقع، و في المشروط و الموقت بهذا الوجه، أو بالالتزام بكونهما من الواجب المطلق المعلق الذي سيأتي توضيحه عند شرح كلام المصنف «(قدس سره)».

فالمتحصل: أن إشكال العقوبة على الواقع المغفول عنه يندفع في الواجب المطلق بأحد وجهين- على سبيل منع الخلو-: إما بالانتهاء إلى الاختيار، و إما بكون العقوبة على ترك التعلم الذي هو واجب نفسي تهيئي. و في الواجب المشروط و الموقت أيضا بأحد وجهين، و هما: الالتزام بالوجوب النفسي التهيئي للتعلم، و كون الواجب فيهما مطلقا لا مشروطا.

26

و لا يخفى: أنه لا يكاد ينحل هذا الإشكال (1) إلا بذلك (2) أو الالتزام بكون المشروط أو الموقت مطلقا (3) متعلّقا (4) لكنه (5) قد اعتبر على نحو لا تتصف مقدماته‏

____________

قوله: «على ما كان فعلا» أي: على الواقع الذي كان فعلا- يعني: حين المخالفة- مغفولا عنه، و لم يكن تركه حينئذ بالاختيار، حيث إن الغفلة تخرج مخالفة الواقع عن حيز الاختيار، فلا تصح المؤاخذة عليه؛ لعدم كونه اختياريا.

(1) أي: استحقاق العقوبة في الواجب المشروط و الموقت، لعدم تكليف فعلي فيهما توجب مخالفته استحقاقها لا قبل الشرط و لا بعده كما تقدم تفصيله. و ضمير «أنه» للشأن.

(2) أي: بالالتزام بالوجوب النفسي التهيئي للتعلم.

و غرضه: أن هذا الإشكال لا يندفع عن الواجب المشروط و الموقت إلا بأحد وجهين قد أشير إليهما:

أحدهما: وجوب التعلم نفسيا لتكون العقوبة على تركه لا على مخالفة الواقع.

و الآخر: كون الوجوب في الواجب المشروط و الموقت مطلقا بجعل الشرط وقتا كان أم غيره من قيود المادة لا الهيئة، فالوجوب فعلي غير مشروط بشي‏ء، و يترشح منه الوجوب على مقدماته كالتعلم، فترك الفحص و التعلم حينئذ يصحح العقوبة على ما يقع بعد ذلك غفلة من مخالفة الواقع.

و الحاصل: أنه يندفع الإشكال بجعل المشروط و الموقت واجبا مطلقا بأن يكون الوجوب فعليا و الواجب استقباليا، و هو المسمى بالواجب المعلق.

قوله: أو الالتزام عطف على «ذلك»، و هذا إشارة إلى الوجه الثاني الذي دفع به الإشكال، و قد مر تقريبه بقولنا: «و الآخر: كون الوجوب في الواجب المشروط ...» الخ.

(3) أي: غير مشروط، بمعنى: كون الشرط من قيود المادة لا الهيئة حتى يكون الوجوب مشروطا، و عطف «الموقت» على «المشروط» من عطف الخاص على العام.

(4) صفة ل «مطلقا» يعني: أن المشروط أو الموقت من قسم الواجب المطلق المعلق، و هو ما يكون الوجوب فيه حاليا و الواجب استقباليا، لا من قسم الواجب المطلق المنجز، و قد تقدم المراد بالمعلق و المنجز في بحث مقدمة الواجب.

(5) أي: «لكن الواجب المطلق المعلق ...» الخ، و هذا إشارة إلى الإشكال و دفعه.

أما الإشكال فهو: أن مقتضى كون الواجب المشروط و الموقت مطلقا معلقا هو

27

الوجودية (1) عقلا بالوجوب قبل الشرط أو الوقت غير التعلم (2)، فيكون الإيجاب حاليا (3) و إن كان الواجب استقباليا قد أخذ على نحو لا يكاد يتصف بالوجوب‏

____________

وجوب إيجاد مقدماتهما الوجودية قبل حصول الشرط و دخول الوقت؛ إذ المفروض:

إطلاق وجوبهما المقتضي لإيجاب مقدماتهما، و من المسلم عندهم: عدم وجوب تحصيل المقدمات قبل الشرط و الوقت، فليكن هذا التسالم دليلا على عدم كون الواجب المشروط مطلقا، و أن الشرط وقتا كان أو غيره قيد للهيئة كما هو مقتضى القواعد العربية، فيكون شرطا للوجوب، كما هو المشهور أيضا، فلا وجوب قبل تحقق الشرط و الوقت حتى يترشح منه وجوب على التعلم.

فالنتيجة: أن الالتزام بكون المشروط واجبا مطلقا معلقا حتى يجب به التعلم و يوجب تركه استحقاق العقوبة خارج عما تقتضيه القواعد العربية، فلا يندفع به الإشكال.

و أما الدفع: فمحصله: أن جعل هذا الوجوب في الواجب المطلق المعلق إنما يكون بمثابة لا يجب تحصيل مقدماته قبل الشرط و الوقت إلا خصوص التعلم، و دخل سائر المقدمات إنما هو بوجودها الاتفاقي، فإن الاستطاعة مثلا بوجودها الاتفاقي مقدمة، لا بوجودها التحصيلي كالطهارة بالنسبة على الصلاة. و على هذا: فيكون بين المقدمات تفاوت في ترشح الوجوب من الواجب إلى بعضها كالفحص و التعلم، و عدم ترشحه على بعضها الآخر كالاستطاعة بالنسبة إلى الحج، فإنه لا يجب تحصيلها.

و بالجملة: فإطلاق الوجوب لا يقتضي إيجاب جميع المقدمات؛ بل لا بد من ملاحظة نظر المولى في كيفية دخل المقدمات، فإن كان دخلها بوجودها الاتفاقي فلا يجب تحصيلها، و إلا وجب ذلك. و التعلم من هذا القبيل، فيجب قبل الشرط أو الوقت، و يعاقب على تركه.

(1) دون الوجوبية، لأنها شرائط نفس الوجوب و مقدمة رتبة عليه، فيمتنع ترشح الوجوب المتأخر عنها عليها، و «عقلا» قيد ل «تتصف» و «بالوجوب» متعلق به أيضا.

(2) هذا استثناء من «مقدماته»، يعني: لا تتصف مقدماته الوجودية بالوجوب إلا التعلم.

(3) يعني: لا يكون الشرط قيدا للهيئة حتى يكون الوجوب منوطا به؛ بل هو قيد للمادة، فالوجوب حالي و الواجب استقبالي، و من المعلوم: اقتضاء الوجوب الحالي لوجوب مقدماته.

28

شرطه (1)، و لا غير التعلم من مقدماته (2) قبل شرطه أو وقته (3).

و أما (4) لو قيل بعدم الإيجاب إلا بعد الشرط و الوقت كما هو (5) ظاهر الأدلة و فتاوى المشهور، فلا (6) محيص عن الالتزام بكون وجوب التعلم نفسيا؛ لتكون العقوبة- لو قيل بها (7)- على تركه لا على ما أدى إليه ...

____________

(1) أي: الشرط الذي يكون بوجوده الاتفاقي دخيلا كالاستطاعة، فإنه لا يترشح من الواجب وجوب غيري عليها، نعم؛ لو لم يكن دخله بهذا النحو كان مقتضى قيديته للواجب وجوب تحصيله.

(2) أي: الواجب المطلق المعلق، و ضميرا «مقدماته، شرطه» راجعان إليه أيضا.

(3) هذا الضمير و ضمير «شرطه» راجعان على الواجب الاستقبالي.

(4) غرضه: أنه لو نوقش في الوجه الثاني- و هو كون الواجب المشروط و الموقت مطلقا معلقا حتى يجب التعلم غيريا بعدم الوجوب إلا بعد الشرط و الوقت كما هو مقتضى كون الشرط قيدا لنفس الوجوب و فتاوى المشهور- حيث إنهم أفتوا بعدم وجوب مقدمات الواجب المشروط و الموقت قبل الشرط و الوقت- فيتعين دفع إشكال استحقاق العقوبة فيهما بكون وجوب التعلم نفسيا؛ لتكون المؤاخذة على تركه لا على ترك الواقع.

(5) أي: عدم الإيجاب ظاهر الأدلة المتضمنة للشرط و الوقت كقوله تعالى: إِذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلى‏ ذِكْرِ اللَّهِ‏ (1)، فإن النداء المراد به زوال يوم الجمعة شرط لوجوب السعي.

(6) جواب «و أما» و هو كالصريح في تعيّن دفع إشكال العقوبة في الواجب المشروط و الموقت بالالتزام بنفسية وجوب التعلم.

قوله: «نفسيا» يعني: لا غيريا ترشحيا؛ لعدم إطلاق الوجوب لذي المقدمة قبل الشرط و الوقت حتى يترشح منه وجوب غيري على التعلم، مع أن الوجوب الغيري لا توجب مخالفته استحقاق العقوبة.

(7) أي: بعقوبة، و الأولى «ليكون استحقاق العقوبة» كما عبر به قبل أسطر؛ إذ ليس الكلام في العقوبة الفعلية، بل في استحقاقها.

و قوله: «لو قيل بها» إشارة إلى أحد الأقوال الثلاثة المتقدمة في استحقاق العقوبة، و هو القول بكون استحقاقها على ترك التعلم نفسه في قبال القولين الآخرين، و هما:

____________

(1) الجمعة: 11.

29

من (1) المخالفة، و لا بأس به (2) كما لا يخفى، و لا ينافيه (3) ما يظهر من الأخبار من كون وجوب التعلم إنما هو لغيره (4) لا لنفسه، حيث (5) إن وجوبه لغيره لا يوجب‏

____________

استحقاقها على ترك الواقع، و ترك التعلم من حيث أدائه إلى ترك الواقع.

و لعل الأولى تقديم «على تركه» بأن يقال: «لتكون العقوبة على تركه لو قيل بها»، فاستحقاقها مترتب على نفس ترك الفحص و التعلم و العمل بأصالة البراءة قبلهما، سواء صادف تركهما ترك الواقع أم لا. و ضمير «تركه» راجع على التعلم. و قوله: «لا على» عطف على «تركه».

(1) بيان ل «ما» الموصول، و ضمير «إليه» راجع على الموصول، و المستتر في «أدى» راجع على «تركه».

(2) يعني: و لا بأس بالالتزام بالوجوب النفسي للتعلم في دفع الإشكال في الواجب المشروط و الموقت؛ لكون العقوبة حينئذ على الواجب النفسي.

(3) يعني: و لا ينافي وجوب التعلم نفسيا «ما يظهر من الأخبار ...» الخ.

و غرضه: تأييد مذهب الأردبيلي و صاحب المدارك «(قدس سرهما)» من كون التعلم واجبا نفسيا، و دفع ما يتوهم من منافاته لظاهر الأخبار.

و محصل تقريب التوهم هو: أن الالتزام بالوجوب النفسي للتعلم مناف لظاهر أدلة وجوب التعلم، حيث إن ظاهرها وجوبه للعمل، فيكون وجوبه للغير كوجوب سائر المقدمات، و ليس وجوبه لنفسه، فكيف التوفيق بين هذا الظاهر و الوجوب النفسي هذا؟

و ملخص دفع هذا التنافي هو: أن الوجوب للغير مغاير للوجوب بالغير، فإن الواجبات النفسية كلها واجبات للغير، بمعنى: أن وجوبها نشأ من الملاكات الداعية إلى إيجابها، فالصلاة وجبت للغير و هو ملاكها كالنهي عن الفحشاء، و الوجوب بالغير هو الوجوب المترشح من وجوب آخر، و الأول واجب نفسي، و الثاني واجب غيري كمقدمات الصلاة، و قد تقدم آنفا: أن الواجب التهيئي هو ما وجب للتهيؤ لتشريع واجب.

و بالجملة: فالوجوب الغيري المقدمي غير الوجوب النفسي التهيئي.

(4) أي: لغير التعلم و هو العمل في الرواية التي أشير إليها و هي قوله «(عليه السلام)»:

«قيل له: هلّا تعلمت حتى تعمل».

(5) هذا وجه دفع المنافاة: و قد عرفت تقريبه بقولنا: «و ملخص دفع الثاني ...» الخ.

30

كونه واجبا غيريا يترشح وجوبه من وجوب غيره، فيكون (1) مقدميا؛ بل للتهيؤ لإيجابه (2) فافهم (3).

و أما الأحكام (4): فلا إشكال في وجوب الإعادة في صورة المخالفة؛ بل في صورة

____________

(1) يعني: حتى يكون التعلم واجبا مقدميا؛ بأن ينشأ وجوبه عن وجوب غيره.

(2) أي: لإيجاب الغير، و هذا هو الوجوب النفسي التهيئي؛ لأنه كما مر سابقا عبارة عن التهيؤ لإيجاب شي‏ء على المكلف، و قوله: «بل للتهيؤ» عطف على «لا يوجب»، يعني: بل وجوبه للتهيؤ لإيجاب الغير.

(3) يمكن أن يكون إشارة إلى وجوه لعل أوجهها: إباء حمل نصوص وجوب التعلم على النفسي التهيئي الذي وجه به الشيخ «(قدس سره)» كلام العلمين الأردبيلي و صاحب المدارك «(قدس سرهما)»، ضرورة: أن قولهم «(عليهم السلام)» في بعضها: «هلّا تعلمت حتى تعمل» كالصريح في كون التعلم مقدمة للعمل في الخارج، لا مقدمة لوجوب العمل حتى يكون وجوب التعلم نفسيا تهيئيا له لا غيريا لوجوده كما لا يخفى. فإن كان وجوبه تهيئيا كان التعبير هكذا: «هلّا تعلمت حتى يجب أن تعمل».

و بالجملة: لا تدل نصوص وجوب التعلم على وجوبه النفسي التهيئي، فإما تدل على وجوبه الغيري، و إما على وجوبه الطريقي، و لا يترتب استحقاق العقوبة على شي‏ء منهما. و قد مرت الإشارة إلى الإشكال في وجوبه الغيري؛ لعدم كون التعلم مقدمة وجودية للواجب بل هو مقدمة للعلم بوجوده، فليس وجوب التعلم إلا وجوبا طريقيا.

فما أفاده الشيخ «(قدس سره)» من كون وجوبه غيريا لا يخلو من الغموض؛ لما عرفت من: عدم كون التعلم مقدمة وجودية للواجب حتى يجب بالوجوب الغيري المقدمي، مضافا إلى: عدم اقتضاء الإيجاب الغيري لاستحقاق العقوبة. هذا تمام الكلام في المقام الأول المعقود لبيان ما للعمل بالبراءة قبل الفحص من استحقاق العقوبة.

(4) هذا هو المقام الثاني المتكفل لحكم العمل بالبراءة قبل الفحص و التعلم، و قوله:

«أما الأحكام»: عطف على «أما التبعة» المذكور بعد قوله: «و لا بأس بصرف الكلام في بيان بعض ما للعمل بالبراءة قبل الفحص من التبعة و الأحكام».

و لا يخفى: أن الأولى التعبير ب «الحكم» كما عبّر به الشيخ «(قدس سره)» بقوله: «و أما الكلام في الحكم الوضعي و هي صحة العمل الصادر من الجاهل و فساده، فيقع الكلام فيه تارة في المعاملات و أخرى في العبادات ...» الخ؛ إذ المقصود هنا هو: بيان الحكم الوضعي فقط أعني: الصحة أو الفساد، و هو حكم واحد، و ليس هنا حكم تكليفي‏

31

الموافقة أيضا في العبادة (1) فيما لا تأتى منه قصد القربة (2)؛ و ذلك (3) لعدم الإتيان‏

____________

مترتب على العمل بسبب ترك الفحص غير حكمه الواقعي الثابت له مطلقا، سواء تفحص عنه أم لم يتفحص.

و كيف كان؛ فمحصل ما أفاده في حكم العمل بالبراءة قبل الفحص و التعلم: أن المعيار في صحة العمل و فساده هو الموافقة للواقع و المخالفة له مطلقا، سواء كان عبادة أم معاملة، غاية الأمر: أنه إن كان عبادة فقد اعتبر في صحته مضافا إلى المطابقة للواقع نشوؤه عن قصد القربة، فمع قصدها- و لو رجاء- صح و لا يحتاج إلى الإعادة، و بدون قصدها لا يصح و تجب إعادته و إن كان مطابقا للواقع.

و إن كان معاملة فلا يعتبر في صحتها غير الموافقة له.

فالمتحصل: أن العمل العبادي يصح في صورة واحدة و هي الموافقة للواقع مع حصول قصد القربة لغفلة أو لرجاء إدراك الواقع، و البناء على تداركه مع تبيّن الخلاف، و يفسد في صورتين: إحداهما: مخالفته للواقع، و الأخرى: موافقته له بدون قصد القربة، و إن كان رجوع كلتا الصورتين إلى صورة واحدة و هي المخالفة للواقع الذي هو في العبادات العمل مع القربة.

و خلاصة الكلام: أنه يظهر من عبارة المصنف: أن المعيار في الصحة و الفساد في المعاملة هو موافقتها مع الواقع و مخالفتها له، فإن وافقته صحت و إن خالفته بطلت، و أن المعيار في العبادة أمران: موافقتها مع الواقع و تمشّي قصد القربة، فإن وافقت العبادة مع الواقع و تمشّى قصد القربة صحت، و إلا بأن خالفت الواقع أو وافقته و لم يتمشّى قصد القربة لتردّد العامل بالبراءة قبل الفحص و عدم جزمه بأحد الطرفين بطلت. توضيح بعض العبارات طبقا لما في «منتهى الدراية».

(1) يعني: كعدم الإشكال في وجوب الإعادة في صورة المخالفة للواقع في خصوص العبادة؛ لفقدان شرط صحتها و هو قصد القربة، كما إذا احتمل جزئية السورة مثلا للصلاة، أو مانعية اللباس المشكوك لها، فإنه مع هذا الاحتمال و عدم الإتيان بالسورة رجاء و عدم البناء على الإعادة مع انكشاف الخلاف لا يتأتى منه قصد القربة للشك في صلاحية هذا العمل للمقربية. و التقييد بالعبادة لوضوح عدم اعتبار قصد القربة في التوصليات حتى يقدح عدم تمشّيه في عبادية العمل.

(2) كمثال احتمال جزئية السورة على ما عرفت آنفا، فيبطل العمل العبادي لاختلال شرطه و هو قصد القربة.

(3) تعليل لعدم الإشكال في وجوب الإعادة في صورتي المخالفة للواقع و الموافقة له‏

32

بالمأمور به (1) مع عدم دليل على الصحة و الإجزاء، إلا (2) في الإتمام في موضع القصر، أو الإجهار أو الإخفات في موضع الآخر، فورد في الصحيح (3)- و قد أفتى‏

____________

مع فقدان قصد القربة، و هذه العلة مشتركة بين صورتي الموافقة للواقع بدون قصد القربة و المخالفة له.

قوله «مع عدم دليل على الصحة» تعليل لصورة الإتيان بالعمل فاقدا لبعض شرائطه.

و حاصله: أنه إذا أتى بالمأمور به ناقصا صدق أنه لم يأت بالمأمور به على وجهه، فهو فاسد؛ إلا إذا دل دليل على صحته و عدم لزوم إعادته، و هذا الدليل مفقود إلا في موضعين؛ أحدهما: الإتمام في موضع القصر، و الآخر الجهر أو الإخفات في موضع الآخر على التفصيل الآتي إن شاء الله تعالى.

(1) الأولى إضافة «على وجهه» إليه؛ لما مر منه في بحث التعبدي و التوصلي من دخل قصد القربة في الغرض، و عدم تكفل نفس الخطاب لاعتباره في العبادة، و عليه:

فالمراد بقوله: «في صورة الموافقة» هو الموافقة لذات العبادة ما عدا قصد القربة، فلا يتوهم التهافت بين صدر الكلام و ذيله.

(2) استثناء من قوله: «مع عدم دليل على الصحة».

(3) أما الصحيح الدال على الأول فهو صحيح زرارة و محمد بن مسلم: (قالا قلنا:

لأبي جعفر «(عليه السلام)»: رجل صلى في السفر أربعا أ يعيد أم لا؟ قال «(عليه السلام)»:

«إن كان قرئت عليه آية التقصير و فسرت له فصلى أربعا أعاد و إن لم يكن قرئت عليه و لم يعلمها فلا إعادة عليه») (1).

و أما الصحيح الدال على الثاني، فهو صحيح زرارة عن أبي جعفر «(عليه السلام)»:

(في رجل جهر فيما لا ينبغي الإجهار فيه، و أخفى فيما لا ينبغي الإخفاء فيه، فقال «(عليه السلام)»: «أيّ: ذلك فعل متعمدا فقد نقض صلاته و عليه الإعادة، فإن فعل ذلك ناسيا أو ساهيا أو لا يدري، فلا شي‏ء عليه و قد تمت صلاته») (2).

فإن هذين الصحيحين يدلان على صحة الصلاة التامة في موضع القصر الذي هو المأمور به، و صحة الصلاة التي أجهر فيها في موضع الإخفات، و بالعكس، و لو لا هذان‏

____________

(1) الفقيه 1: 434/ ذيل ح 1265، تهذيب الأحكام 22603/ 568، الوسائل 8: 506/ 11300.

(2) الفقيه 1: 343/ 1002، تهذيب الأحكام 2: 162/ 635، الاستبصار 1: 313/ 1163، الوسائل 6: 86/ 7412- 7413.

33

به المشهور (1)- صحة (2) الصلاة و تماميتها في الموضعين مع الجهل مطلقا، و لو كان (3) عن تقصير موجب (4) لاستحقاق العقوبة على ترك الصلاة المأمور بها؛ لأن (5) ما أتى بها و إن صحت و تمت إلا إنها (6) ليست بمأمور بها (7).

____________

الصحيحان لكان مقتضى القاعدة البطلان؛ لعدم كونها مأمورا بها.

(1) غرضه: إثبات حجية الصحيحين المذكورين، و عدم كونهما من الصحاح المعرض عنها عند المشهور حتى يسقطا بسبب الإعراض عن الحجية؛ بل من المعمول بهما عندهم.

و بالجملة: فالمقتضي للحجية فيهما- و هو صحة السند- موجود، و المانع عنها- و هو إعراض المشهور، مفقود، و عليه: فلا إشكال في اعتبارهما و صحة الاعتماد عليهما.

و ضمير «به» راجع على «الصحيح».

(2) فاعل «فورد»، و قوله: «و تماميتها» عطف على «صحة»، و ضميرها راجع على «الصلاة».

(3) بيان لقوله: «مطلقا» يعني: و لو كان الجهل عن تقصير في الفحص و السؤال.

(4) صفة ل «تقصير» و «لاستحقاق» متعلق به.

(5) تعليل لكون استحقاق العقوبة على طبق القاعدة، و ذلك لأن ما أتى به المكلف ليس مأمورا به حتى لا يستحق العقوبة؛ إذ المأمور به هو صلاة القصر دون التمام، أو الجهر دون الإخفات، أو العكس، و ترك المأمور به و الإخلال به لا عن عذر يوجب استحقاق العقوبة، فينبغي أن لا يكون استحقاقها موردا للإشكال؛ و إن كان الدليل و هو الصحيحان المتقدمان دالا على صحتها و عدم لزوم إعادتها. و ضمير «بها» راجع على الموصول المراد به الصلاة، و كذا ضمير «إنها».

(6) يعني: إلا إن الصلاة مع صحتها بالدليل المزبور ليست بمأمور بها بأمرها الأولي؛ إذ المفروض: عدم انطباقه على المأتي به، فصحته إنما هي بالدليل الثانوي.

(7) قال في الجواهر: «وفاقا للأكثر كما في المدارك و غيرها؛ بل المشهور كما في الروض و غيره، بل في الرياض أن عليه الإجماع في الجملة في ظاهر بعض العبارات، بل حكى المقدس البغدادي الإجماع عليه صريحا. و ربما يؤيده معروفية استثناء هذه المسألة و مسألة الجهر و الإخفات من عدم معذورية الجاهل كما يومي إليه سؤال الرسي و الرضي السيد المرتضى عن وجه ذلك ... و أجاب المرتضى عنه مقرا لهما على ما يستفاد من كلامهما من كون الحكم مفروغا عنه ... تارة بأنه يجوز تغير الحكم الشرعي بسبب‏

34

إن قلت (1): كيف يحكم بصحتها مع عدم الأمر بها؟

____________

الجهل و إن كان الجاهل غير معذور ... و كأنه يريد أن الجاهل هنا أيضا غير معذور بالنسبة للإثم و عدمه إن كان فعله صحيحا للدليل». «جواهر الكلام، ج 14، ص 343».

(1) أي: إن قلت: ما هو الوجه لصحة الصلاة؟ و ما هو الوجه لاستحقاق العقوبة على تقدير الصحة؟ فإنه كيف يحكم بصحة الصلاة المخالفة مع عدم الأمر بها، فإن الأمر كان متوجها إلى القصر و إلى الإخفات في الظهرين، و إلى الجهر في الصبح و المغربين. هذا هو الإشكال الأول.

و الإشكال الثاني: كيف يصح الحكم باستحقاق العقوبة على ترك الصلاة التي أمر بها- أي: الصلاة الواقعية- حتى فيما إذا تمكن مما أمر بها، يعني: أنه لو تمكن من إعادة الصلاة موافقة للواقع فكيف يقول له الشارع: لا تصل- إذ لا إعادة عليه- ثم يعاقبه بأنه لم صلى الصلاة الناقصة؟ فإنه كالتهافت.

و كيف كان؛ فغرضه: أنه كيف يمكن الحكم بصحة العبادة بدون الأمر؟ و كيف يحكم باستحقاق العقوبة على ترك المأمور به مع عدم استناد الترك إلى المكلف و تمكنه من الإتيان به؟

و توضيح الإشكال- على ما في «منتهى الدراية، ج 6، ص 442»- أن هذا الإشكال ينحل إلى إشكالين:

أحدهما: أنه كيف يصح المأتي به بدون الأمر؟ مع أن الصحة هي انطباق المأمور به عليه، و المفروض: خلو المأتي به عن الأمر، فيمتنع انطباقه عليه، مع دلالة الصحيحين المتقدمين على الصحة. أما الصحيح الأول فلقوله: «(عليه السلام)»: «فلا إعادة عليه»، حيث إن نفي الإعادة يدل على ملزومة، و هي الصحة. و أما الصحيح الثاني: فلقوله «(عليه السلام)»: «أو لا يدري فلا شي‏ء عليه و قد تمت صلاته».

ثانيهما: أنه كيف يصح الحكم باستحقاق العقوبة على ترك المأمور به مع القدرة على الإعادة و الإتيان بالمأمور به على وجهه؟ كما إذا علم بوظيفته من القصر أو الجهر أو الإخفات في الوقت مع سعته و التمكن من فعله ثانيا، و معه لا موجب لاستحقاق العقوبة؛ إذ المطلوب في تمام الوقت هو صرف الوجود من الطبيعة المأمور بها، و المفروض:

تمكنه من ذلك مع عدم وجوب الإعادة، بل مرجوحيتها شرعا بمقتضى قوله «(عليه السلام)»: «تمت صلاته و لا يعيد»، فترك المأمور به حينئذ مستند إلى الشارع، و معه كيف تصح مؤاخذته؟ هذا تمام الكلام في الإشكال من وجهين.

35

و أما الجواب عن الإشكال الأول:- و هو الحكم بصحة العبادة مع عدم الأمر بها فتوضيحه يتوقف على مقدمة: و هي: أن الحكم بالصحة تارة: يكون لأجل الأمر، و أخرى: يكون لأجل وجود ملاك الأمر و هو المصلحة.

إذا عرفت هذه المقدمة فاعلم: أن الصحة هنا ليست بلحاظ الأمر؛ بل بلحاظ ملاكه لوفاء المأتي به بالغرض الأكمل، و الحكم باستحقاق العقاب يكون لأجل أنه فوّت على المولى مقدارا من المصلحة لا يمكن تداركها.

و المتحصل: أن الصحة إنما هي لأجل كون المأتي به واجدا لعمدة مصلحة المأمور به التي يلزم استيفاؤها، و كيف كان؛ فلاشتمال المأتي به على هذا الملاك اللازم الاستيفاء يتصف بالصحة و الإجزاء عن المأمور به؛ بحيث لو لم تجب صلاة القصر كانت الصلاة تماما مأمورا بها؛ لكن لما كانت مصلحة صلاة القصر أهم صارت هي الواجبة فعلا لا الصلاة تماما، فصحة صلاة التمام مستندة إلى المصلحة لا الأمر الفعلي كي يقال: ليس هناك أمر فعليّ فكيف يحكم بالصحة؟

و أما الجواب عن الإشكال الثاني- و هو أنه كيف يصح الحكم باستحقاق العقوبة مع تمكن المكلف من الإعادة التي تكون وافية بتمام المصلحة- فإنه لا فائدة في الإعادة؛ إذ لا مصلحة تقتضي الإعادة، حيث إن المصلحة التامة الكامنة في صلاة القصر قد فاتت بسبب الإتيان بصلاة التمام لمكان الضدية بين المصلحتين، فمصلحة صلاة التمام فوتت مصلحة صلاة القصر، فلا مصلحة لها بعد الصلاة تماما، و لم يبق شي‏ء منها قابلا للتدارك حتى تجب إعادتها لأجل تداركه.

هذا نظير ما إذا أمر المولى عبده بسقي البستان أو الزرع بماء النهر مثلا، فسقاه بماء البئر، فإن مصلحة السقي بماء النهر قد فاتت بسقيه بماء البئر و يمتنع تداركها، بل سقيه بماء النهر حينئذ مضر بالبستان أو الزرع و مفسد له، فمصلحة نفس السقي في الجملة و إن ترتبت على السقي بماء البئر؛ إلا إن كمال المصلحة- و هو النمو الزائد- لا يترتب عليه و لا يمكن تداركه بماء النهر.

فالمتحصل: أن الحكم باستحقاق العقاب إنما هو لأجل تفويت مقدار من المصلحة لا يمكن تداركها على المولى.

توضيح بعض العبارات طبقا لما في «منتهى الدراية».

36

و كيف (1) يصح الحكم باستحقاق العقوبة على ترك الصلاة التي أمر بها (2) حتى (3) فيما إذا تمكن مما أمر بها كما هو (4) ظاهر إطلاقاتهم؛ بأن علم (5) بوجوب القصر أو الجهر بعد الإتمام و الإخفات، و قد بقي من الوقت مقدار إعادتها قصرا أو جهرا؟ ضرورة (6): أنه لا تقصير هاهنا (7) يوجب استحقاق العقوبة.

و بالجملة: كيف (8) يحكم بالصحة بدون الأمر؟ و كيف يحكم باستحقاق العقوبة

____________

قوله: «كيف يحكم بحصتها مع عدم الأمر بها؟» إشارة إلى الإشكال الأول، و ضميرا «بصحتها، بها» راجعان على الصلاة.

(1) هذا إشارة إلى الإشكال الثاني الذي تقدم تقريبه.

(2) و هي: صلاة القصر، أو الجهر أو الإخفات.

(3) يعني: كيف يصح الحكم باستحقاق العقوبة على ترك المأمور به مطلقا حتى في صورة القدرة على إعادته في الوقت مع مرجوحية الإعادة؟ حيث إن ترك المأمور به حينئذ ليس مستندا إلى المكلف حتى يستحق المؤاخذة؛ بل هو مستند إلى الشارع كما هو مقتضى قوله «(عليه السلام)» في الصحيحين المتقدمين: «فلا إعادة عليه»، و «فلا شي‏ء عليه»، و «قد تمت صلاته» على التقريب المتقدم.

(4) يعني: كما أن الحكم باستحقاق العقوبة مطلقا ظاهر إطلاقات الفقهاء، حيث إنهم أطلقوا استحقاق من أتم في موضع القصر جاهلا بالحكم للعقوبة، فإن إطلاق كلامهم يشمل صورة ارتفاع الجعل في الوقت و التمكن من الإتيان بالمأمور به الواقعي فيه.

(5) هذا بيان التمكن من فعل المأمور به في الوقت. و ضمير «إعادتها» راجع على الصلاة المأمور بها.

(6) تعليل لقوله: «و كيف يصح الحكم باستحقاق العقوبة على ترك الصلاة؟»، و حاصله: أنه كيف يصح الحكم باستحقاق العقوبة على ترك المأمور به الواقعي مع عدم تقصيره في الترك، حيث إن الترك مستند إلى حكم الشارع بإجزاء غير المأمور به و عدم الإعادة، و ضمير «أنه» للشأن.

(7) أي: في صورة ارتفاع الجهل في الوقت و التمكن من الإتيان بالمأمور به فيه، فترك المأمور به الواقعي حينئذ ليس مستندا إلى تقصيره حتى يستحق العقاب؛ بل تركه مستند إلى حكم الشارع بالإجزاء و عدم الإعادة كما تقدم آنفا.

(8) هذا إشارة إلى الإشكال الأول، كما أن قوله: «و كيف يحكم باستحقاق العقوبة مع التمكن؟» إشارة إلى الإشكال الثاني، و قد تقدم تقريبهما مفصلا.

37

مع التمكن من الإعادة (1)؟ لو لا الحكم (2) شرعا بسقوطها و صحة ما أتى بها (3).

قلت: إنما حكم بالصحة (4) لأجل اشتمالها على مصلحة تامة لازمة الاستيفاء في نفسها مهمة في حد ذاتها (5)؛ و إن كانت دون مصلحة الجهر و القصر (6)، و إنما لم يؤمر (7) بها لأجل أنه أمر بما (8) كانت واجدة لتلك المصلحة (9) على النحو الأكمل‏

____________

(1) يعني: في الوقت لإدراك المصلحة الوقتية، و مع ذلك حكم الشارع بسقوط الإعادة.

(2) قيد للتمكن، يعني: أن المكلف متمكن من الإعادة، إلا إن الشارع عجّزه و سلب عنه القدرة عليها بسبب حكمه بالإجزاء و الصحة، ففوت المأمور به ناش عن حكمه بالصحة، لا عن تقصير المكلف كما مر.

(3) أي: بالصلاة، فتأنيث الضمير باعتبار ما يراد من الموصول لا باعتبار لفظه، و ضمير «سقوطها» راجع على الإعادة.

(4) هذا جواب عن الإشكال الأول، و هو اتصاف المأتي به بالصحة مع عدم الأمر به، و قد تقدم توضيح ذلك و لا حاجة إلى الإعادة.

(5) يعني: أن صلاة التمام في حد ذاتها- مع الغض عن القصر- ذات مصلحة مهمة يلزم استيفاؤها؛ لكنها ليست مساوية لمصلحة القصر، و إلا كان اللازم هو التخيير بينه و بين التمام كسائر الواجبات التخييرية، لعدم مزية حينئذ لصلاة القصر توجب الأمر بها تعيينا.

و ضمير «اشتمالها» راجع على الصلاة التامة في موضع القصر، أو الصلاة جهرا في موضع الإخفات، أو العكس و ضميرا «نفسها، ذاتها» راجعان على «مصلحة».

(6) إذ لو كانت مساوية لمصلحة الجهر و القصر لكان الحكم هو التخيير بين القصر و التمام، و الجهر و الإخفات، كما عرفت آنفا.

(7) يعني: أن صلاة التمام إن كانت ذات مصلحة فلما ذا لم يؤمر بها في عرض الأمر بالقصر؟ فقد أجاب عنه: بأن عدم الأمر بها إنما هو لأجل الاستغناء عنه بسبب أكملية مصلحة القصر؛ لاشتماله على مصلحة التمام و زيادة.

(8) أي: بالصلاة القصرية الواجدة لمصلحة الصلاة التامة على الوجه الأكمل و الأتم، و على هذا فلا موجب للأمر بالتمام.

(9) أي: المصلحة القائمة بصلاة التمام على الوجه الأكمل يعني: إنما أمر بصلاة القصر التي تكون واجدة للمصلحة القائمة بصلاة التمام على الوجه الأكمل و الأتم.

38

و الأتم (1).

و أما الحكم (2) باستحقاق العقوبة مع التمكن من الإعادة، فإنها (3) بلا فائدة؛ إذ (4) مع استيفاء تلك المصلحة لا يبقى مجال لاستيفاء المصلحة التي كانت في المأمور بها (5)، و لذا (6) لو أتى بها في موضع الآخر جهلا- مع تمكنه من التعلم- فقد قصر، و لو (7) علم بعده و قد وسع الوقت.

فانقدح (8): أنه لا يتمكن من صلاة القصر ...

____________

و بالجملة: فحاصل جواب الإشكال هو: أن اتصاف المأتي به- كالتمام في موضع القصر- بالصحة إنما هو بلحاظ المصلحة الموجودة فيه، لا بلحاظ الأمر، و عدم الأمر به مع اشتماله على المصلحة المهمة إنما هو لأجل أهمية مصلحة القصر و أكمليتها من مصلحته، و من المعلوم: تبعية التشريع لأهم المصلحتين.

(1) يعني: أن تلك المصلحة تكون بمثابة من الأهمية تمنع عن الأمر بالتخيير بين القصر و التمام و لو بنحو أفضلية القصر من التمام؛ بل أهميتها توجب الأمر بالقصر تعيينا.

(2) هذا جواب عن الإشكال الثاني و هو: أنه كيف يصح الحكم باستحقاق العقوبة على ترك المأمور به مع التمكن من إعادته.

و قد تقدم توضيح الجواب عن هذا الإشكال الثاني فلا حاجة إلى التكرار.

(3) أي: الإعادة بلا فائدة، و الأولى أن يقال: «فلأنها بلا فائدة»؛ لأنه في مقام تعليل عدم الإعادة مع التمكن منها حتى لا يستحق العقوبة.

(4) تعليل لكون الإعادة بلا فائدة، و قد عرفت توضيحه في الجواب عن الإشكال الثاني. فراجع.

(5) كصلاة القصر، فإن مصلحة صلاة التمام تفوّت مصلحة القصر.

(6) يعني: و لعدم بقاء المجال لاستيفاء مصلحة المأمور به، و عدم فائدة في الإعادة لو أتى بالتمام في موضع القصر جهلا بالحكم، فقد قصر و ليس عليه الإعادة و إن علم بالحكم في الوقت و تمكن من الإعادة فيه. و ضمير «بها» راجع على الصلاة غير المأمور بها كالتمام.

(7) كلمة «لو» وصلية يعني: و لو كان علمه بالحكم في سعة الوقت و إمكان الإعادة فيه، و ضمير «بعده» راجع على الإتيان.

(8) هذه نتيجة ما تقدم من عدم المجال للإعادة عادة لفوت المصلحة، و عدم بقاء

39

صحيحة (1) بعد فعل صلاة التمام، و لا (2) من الجهر كذلك بعد فعل صلاة الإخفات؛ و إن كان الوقت باقيا.

إن قلت (3): على هذا يكون كل منهما في موضع الآخر سببا لتفويت الواجب‏

____________

شي‏ء منها يوجب الإعادة. و عليه: فلا يتمكن من صلاة القصر صحيحة بعد الإتيان بصلاة التمام، و كذا في الجهر و الإخفات، و إن كان الوقت لإتيانها باقيا؛ لما مر آنفا من:

أن مصلحة المأتي به كالتمام تفوّت مصلحة المأمور به كالقصر، و يسقط أمره أيضا، و ضمير «أنه» للشأن.

(1) لأن الصحة موافقة الأمر، و المفروض: سقوط الأمر بصلاة القصر بقوات مصلحتها بفعل صلاة التمام.

(2) يعني: و لا يتمكن من الجهر «كذلك»، أي: صحيحة بعد الإتيان بصلاة الإخفات؛ لما مر من فوات المصلحة.

(3) هذا إشكال على ما تقدم من الحكم بصحة التمام مكان القصر، و الجهر مكان الإخفات.

و حاصل الإشكال: أن بناء على ما تقدم آنفا: من أنه مع استيفاء مصلحة الإتمام في موضع القصر، أو مصلحة كل من الجهر و الإخفات في موضع الآخر لا يبقى مجال لاستيفاء المصلحة التي هي في المأمور به يكون الإتمام في موضع القصر جهلا، و هكذا كل من الجهر و الإخفات في موضع الآخر كذلك سببا لتفويت الواجب، و السبب المفوّت للواجب حرام، و حرمة العبادة موجبة لفسادها بلا كلام، فكيف يقال: إنه صح و تم؟

و بالجملة: ملخص الكلام في تقريب الإشكال: أن ترك المأمور به- و هو القصر- حرام، و حيث إن التمام مقدمة لهذا الترك المحرم، فتسري الحرمة إليه و النهي في العبادة يقتضي الفساد. و عليه: فالصلاة التامة لحرمتها فاسدة، و مع فسادها كيف يحكم بصحتها و إجزائها عن المأمور به؟

و حاصل الجواب: أن التمام ليس مقدمة لترك الواجب الفعلي و هو القصر؛ بل التمام و القصر ضدان، و هما في رتبة واحدة، فعدم كل منهما يكون أيضا في رتبة وجود الآخر، لا في طوله حتى يصير عدم أحدهما مقدمة و من أجزاء علة وجود الآخر فلا علية بينهما؛ بل عدم أحدهما ملازم لوجود الآخر، و مع عدم التوقف و العليّة لا يكون التمام سببا لفوت المأمور به حتى يتصف لأجل المقدمية بالحرمة و يفسد، بل هو باق على‏

40

فعلا (1)، و ما هو سبب لتفويت الواجب كذلك (2) حرام، و حرمة العبادة موجبة لفسادها بلا كلام (3).

قلت (4): ليس (5) لذلك، غايته أنه (6) يكون مضادا له، و قد حققنا في محله (7): أن الضد و عدم ضده متلازمان ليس بينهما توقف أصلا.

لا يقال: على هذا (8) فلو صلى تماما أو صلى إخفاتا- في موضع القصر و الجهر.

____________

محبوبيته لاشتماله على المصلحة المهمة اللازم استيفاؤها، فيقع صحيحا، أي: واجدا للملاك و مسقطا للواجب الفعلي لكونه مفوتا لملاكه الداعي إلى الأمر به.

توضيح بعض العبارات طبقا لما في «منتهى الدراية».

(1) قيد للواجب؛ إذ الواجب الفعلي هو القصر، حيث إن ملاكه أقوى من ملاك التمام، و قد مرت الإشارة إلى أن التشريع تابع لأقوى الملاكين.

(2) أي: الفعلي، و المراد ب «ما هو السبب» هو التمام، حيث إنه مقدمة لتفويت القصر الذي هو الواجب الفعلي، و قوله: «حرام» خبر «ما» الموصول، يعني: و ما هو السبب لتفويت الواجب الفعلي حرام من باب المقدمة.

(3) لامتناع التقرّب بما هو مبغوض و حرام، و فساد العبادة بسبب النهي عنها.

(4) هذا دفع الإشكال: و قد تقدم توضيح ذلك.

و خلاصة الدفع: أن سبب ترك الواجب هو سوء الاختيار لا هذا المأتي به.

(5) أي: ليس كل منهما في موضع الآخر سببا لتفويت الواجب الفعلي، فالمشار إليه في «لذلك» هو التفويت.

(6) أي: غاية الأمر: أن كلا منهما في موضع الآخر يكون مضادا للواجب الفعلي الفائت، و ضمير «له» راجع على الواجب.

(7) أي: في مبحث الضد، حيث إن الضد كالسواد و عدم ضده كعدم البياض متلازمان، و ليس بينهما توقف و علّية أصلا.

و عليه: فلا يكون فوت الواجب الفعلي كالقصر مستندا إلى فعل التمام؛ بل هو مستند إلى تقصيره في ترك الفحص و التعلم، فصلاة التمام تقع محبوبة، لكونها واجدة للمصلحة التامة في حد ذاتها، و ليست مقدمة لترك القصر حتى تصير مبغوضة غير صالحة للمقربية و الإجزاء.

(8) أي: بناء على اشتمال المأتي به- كالتمام في موضع القصر الذي هو الواجب الفعلي، و كذا كل من الجهر و الإخفات في موضع الآخر- على مصلحة تامة لازمة

41

مع العلم بوجوبهما في موضعهما- لكانت صحيحة و إن عوقب على مخالفة الأمر بالقصر أو الجهر.

فإنه يقال (1): لا بأس بالقول به لو دل دليل على أنها تكون مشتملة على المصلحة و لو مع العلم؛ لاحتمال (2) اختصاص أن ...

____________

الاستيفاء في ذاته موجبة لفوت مصلحة الواجب يلزم الحكم بصحة صلاة التمام من العالم بوجوب القصر أيضا، مع استحقاقه العقوبة على مخالفة الواجب.

و بعبارة أخرى: أنه بناء على ما تقدم من اشتمال الإتمام في موضع القصر، و هكذا كل من الجهر و الإخفات في موضع الآخر على مصلحة تامة لازمة الاستيفاء في نفسها و أن مع استيفائها لا يبقى مجال لاستيفاء مصلحة الواجب إذا صلى المكلف تماما في موضع القصر أو صلى جهرا أو إخفاتا في موضع الآخر عالما عامدا كانت صلاته صحيحة و إن استحق العقاب على مخالفة الواجب.

و حاصل الجواب: أن ذلك ثبوتا مما لا مانع عنه، غير أنه إثباتا لا دليل لنا على الاشتمال على المصلحة مطلقا حتى في صورة العلم و العمد؛ و ذلك لاحتمال الاختصاص بصورة الجهل فقط.

(1) هذا دفع الإشكال: و قد تقدم إجمال الجواب، و أما تفصيل ذلك فيقال: إنه لو كان الدليل اشتمال المأتي به- كالتمام في موضع القصر- على المصلحة إطلاق يشمل صورتي العلم بوجوب القصر و الجهل به لقلنا بصحة التمام و إجزائه عن القصر مطلقا، كما نقول بصحة تارك إنقاذ الغريق و لو عمدا، حيث إن إطلاق دليل وجوب الصلاة يدل على مطلوبيتها المطلقة التابعة لوجود مصلحتها مطلقا حتى في حال التزاحم كإنقاذ الغريق.

و ضمير «به» راجع على كون صلاته صحيحة مع العلم بوجوب القصر و الجهر، يعني: لا بأس بالقول بكون صلاته صحيحة، مع العلم بوجوب القصر و الجهر «لو دل دليل على أنها» أي: الصلاة «تكون مشتملة على المصلحة و لو مع العلم» يعني دل دليل على أن الصلاة غير المأمور بها واجدة للمصلحة و لو مع العلم بعدم الأمر بها.

(2) تعليل لما يفهم من قوله: «لو دل دليل» من أنه لو لم يدل دليل على اشتمال غير المأمور به على المصلحة- و لو مع العلم بالمأمور به الواقعي كالقصر- لا يمكن الالتزام بالصحة؛ لاحتمال اختصاص اشتماله على المصلحة بحال الجهل بوجوب القصر؛ لقرب دعوى دخل الحالات من الجهل و غيره في المصالح و المفاسد التي هي ملاكات الأحكام،

42

يكون (1) كذلك في صورة الجهل، و لا بعد أصلا في اختلاف الحال فيها باختلاف الحال بوجوب شي‏ء و الجهل، كما لا يخفى.

و قد صار بعض الفحول (2) بصدد بيان إمكان كون المأتي به في غير ...

____________

و مع هذا الاحتمال لا دليل على اشتماله على المصلحة حتى يجزئ عن المأمور به، فقاعدة الاشتغال تقتضي لزوم الإعادة و عدم الاكتفاء بالتمام، و حق العبارة أن تكون هكذا: «و فيه بأس لو لم يدل دليل على ذلك لاحتمال اختصاص ...» الخ.

(1) يعني: أن يكون المأتي به كذلك، أي: مشتملا على المصلحة المهمة في صورة الجهل بالمأمور به الواقعي لا مطلقا حتى في صورة العلم به.

و ضمير «فيها» راجع على الصلاة، يعني: و لا بعد أصلا في اختلاف الحال في الصلاة المأتي بها بدلا عن المأمور به الواقعي، و لا بعد في اختلاف حال المصلحة باختلاف المكلف من حيث علمه بوجوب شي‏ء كالقصر و الجهل به، فإن لحالات المكلف كالسفر و الحضر و غيرهما دخلا في المصالح و المفاسد الداعية إلى تشريع الأحكام.

فالمتحصل: أن المأتي به من التمام موضع القصر أو الجهر موضع الإخفات أو العكس لا يشتمل على المصلحة التامة حتى يجزئ عن المأمور به الواقعي؛ إلا في صورة الجهل بالواجب الواقعي الفعلي.

(2) و هو فقيه عصره الشيخ جعفر كاشف الغطاء في كشف الغطاء، قال في مقدمات الكتاب ما هذا لفظه: «و تعلق الأمر بالمتضادين ابتداء غير ممكن، للزوم التكليف بالمحال. و لو تضيّقا معا بالعارض تخير مع المساواة، و قدم الراجح مع الترجيح بحقية المخلوق أو شدة الطلب، و يرجع الأول إلى الثاني؛ لأن انحصار المقدمة بالحرام بعد شغل الذمة لا ينافي الصحة و إن استلزم المعصية، و أي مانع لأن يقول الآمر المطاع لمأموره: إذا عزمت على معصيتي في ترك كذا فافعل، كما هو أقوى الوجوه في حكم جاهل الجهر و الإخفات، و القصر و الإتمام، فاستفادته من مقتضى الخطاب لا من دخوله تحت الخطاب، فالقول بالاقتضاء و عدم الفساد أقرب إلى الصواب و السداد» «كشف الغطاء، المبحث الثامن عشر من المقدمة، ص 27» على ما في «منتهى الدراية، ج 6، ص 453».

و توضيح الترتب: الذي أفاده كاشف الغطاء «(قدس سره)» هو: أن المأتي به كصلاة التمام يتعلق به الأمر بشرط العزم على عصيان الأمر بالقصر بنحو الشرط المتأخر، فالأمر بصلاة القصر مطلق، و الأمر بضدها و هو الصلاة تماما مشروط بالعزم على عصيان أمر

43

موضعه (1) مأمورا به بنحو الترتب. و قد حققنا (2) في مبحث الضد: امتناع الأمر بالضدين و لو بنحو الترتب بما لا مزيد عليه، فلا نعيد.

____________

القصر، فالعزم على عصيانه يوجب أمرين:

أحدهما: استحقاق العقوبة لتركه المأمور به اختيارا بترك الفحص و التعلم و الآخر تعلق الأمر بصلاة التمام؛ لتحقق موضوعه، و لا مانع من تعلق الأمر بالضدين بنحو الترتب، و عليه: فيكون التمام مأمورا به.

(1) يعني: التمام في موضع القصر، أو الجهر في موضع الإخفات أو العكس.

(2) هذا إشارة إلى رد الترتب المزبور و حاصله: أن الترتب مستلزم لطلب الجمع بين الضدين، و هو محال، ضرورة: أن خطاب القصر الفعلي لا يتوقف على شي‏ء، و خطاب التمام بالعزم على العصيان أيضا يصير فعليا، ففي ظرف العزم على العصيان يجتمع الطلبان بالضدين في آن واحد، و هو ممتنع.

و قد يجاب عن الترتب الذي ذكره كاشف الغطاء «(قدس سره)»: بأن المقام ليس من صغريات الترتب المعروف و أجنبي عنها حيث إن مورده الضدان اللذان يكون كل منهما واجدا للملاك في عرض الآخر؛ لا أن يكون ملاك أحدهما منوطا بعصيان خطاب الآخر كالمقام، فإن ملاك صلاة التمام منوط بعصيان خطاب صلاة القصر و ليست ذات ملاك في عرض صلاة القصر.

و قد تحصل من كلام المصنف «(قدس سره)» في حل الإشكال: أن المأتي به لاشتماله على المصلحة الوافية بمعظم مصلحة المأمور به الفائت مسقط له من دون أن يكون متعلقا للأمر؛ إذ لا يدل النص على أزيد من عدم وجوب الإعادة و هو لازم أعم لكون التمام في موضع القصر مأمورا به أو مسقطا له بلا تعلق أمر به؛ لعدم الملازمة بين صحة الشي‏ء و تماميته و بين كونه مأمورا به كما مرّ سابقا، فاستحقاق العقاب إنما هو على ترك القصر الواجب في كلتا حالتي العلم و الجهل، و عدم الإعادة يكون لسقوط الواجب بغيره.

خلاصة البحث مع رأي المصنف «(قدس سره)»

يتلخص البحث في أمور:

1- شرط الاحتياط لا يعتبر في حسن الاحتياط شي‏ء سوى عدم كونه موجبا لاختلال النظام.

و توهم: كونه عبثا و لعبا بأمر المولى فيكون منافيا لقصد الامتثال:

مدفوع: بأن تكرار العمل بالاحتياط ليس لازما- مساويا للعبثية المنافية لقصد

44

الامتثال؛ لإمكان نشوئه عن غرض عقلائي، كما إذا كان التكرار موجبا لتعوّده على العبادة أو دافعا لضرر عدوّ عن نفسه إذا كان استحى العدو من الإضرار به ما دام مصليا، أو كان الفحص و السؤال موجبا للذل و المهانة، أو كان الاحتياط لعبا في كيفية الامتثال فلا ينافي الامتثال.

قوله: «فافهم» لعله إشارة إلى الإشكال في أصل الاحتياط عرفا، فإن العرف لا يرون حسن من يأتي بأوامر المولى على نحو الاحتياط. أ لا ترى أن المولى لو أمر عبده بدق مسمار في الحائط فدق العبد في كل مكان من الحائط مسمارا كان للمولى حق العقاب؛ لأن العبد لعب و عبث بأمر المولى؟

2- يعتبر في جريان البراءة العقلية: الفحص؛ لأن موضوع حكم العقل بقبح العقاب بلا بيان إنما هو عدم البيان الذي يمكن الوصول إليه و لو بالفحص. و عليه: فلا يستقل العقل بقبح العقاب قبل الفحص؛ إذ لا يتحقق موضوع حكم العقل إلا بالفحص.

3- و أما البراءة الشرعية: فمقتضى إطلاق أدلتها و إن كان جواز إجرائها و لو قبل الفحص إلا إنه لا بد من رفع اليد عن هذا الإطلاق و تقييده بما بعد الفحص من دليل مقيد.

و لذلك ذكر الأصحاب وجوها لتقييد إطلاق أدلة البراءة الشرعية و هي: الإجماع و العقل و الآيات و الأخبار.

ثم يرد المصنف تقييد إطلاق أدلة البراءة بالإجماع و العقل.

و أما الإجماع: فالمحصل منه غير حاصل، و المنقول منه لا يكون حجة.

و أما العقل: فبأن الكلام ليس في الشبهات المقرونة بالعلم الإجمالي؛ بل في الشبهات البدوية إذ وجوب الفحص و الاحتياط مختص بصورة وجود العلم الإجمالي.

4- الأولى الاستدلال على وجوب الفحص بما دل من الآيات مثل آية السؤال أو النفر الذي هو في معنى السؤال و الأخبار: كالنبوي: «طلب العلم فريضة على كل مسلم»، و قوله «(عليه السلام)»: «أيها الناس: اعلموا: أن كمال الدين طلب العلم و العمل به، ألا إن طلب العلم أوجب عليكم من طلب المال»، و غيرهما مما دل على وجوب التعلم، فيقيد بها أخبار البراءة، لأنها بإطلاقها تشمل قبل الفحص و بعده، فبهذه الأخبار تقيد بما بعد الفحص.

45

5- و يعتبر في التخيير العقلي: الفحص كما يعتبر في البراءة العقلية؛ لأن الفحص كما يكون محرزا لعدم البيان في البراءة العقلية كذلك يكون محرز الموضوع التخيير العقلي، و هو التساوي و عدم الترجيح، فالتساوي بين الاحتمالين لا يحرز إلا بالفحص.

بقي الكلام في حكم العمل بالبراءة من دون فحص، فيقع الكلام في مقامين: الأول في استحقاق العقوبة، و الثاني: في الصحة و الفساد.

6- و أما استحقاق العقوبة ففيه أقوال:

الأول: استحقاق العقاب مطلقا أي: سواء صادف الواقع أم لا. كما يقول به المحقق الأردبيلي و صاحب المدارك.

الثاني: استحقاقه على ترك التعلم المؤدي إلى المخالفة كما يقول به الشيخ «(قدس سره)».

الثالث: استحقاقه على مخالفة الواقع؛ و لكن عند ترك التعلم و الفحص كما ذهب إليه المصنف تبعا للمشهور.

و منشأ هذا الاختلاف هو: أن وجوب التعلم هل هو نفسي أو طريقي أو إرشادي؟

فعلى الأول: يكون استحقاق العقاب على نفس ترك التعلم و الفحص. و على الثاني:

يكون استحقاق العقاب على ترك التعلم و الفحص؛ و لكن عند مخالفة الواقع. و على الثالث: يكون استحقاق العقاب على مخالفة الواقع عند ترك التعلم و الفحص.

7- الإشكال في وجوب التعلم و الفحص في الواجب المشروط و الموقت:

و حاصل الإشكال: أن ما ذكر من وجوب التعلم و الفحص في التكاليف المطلقة المنجزة تام، و أما في التكاليف المشروطة و الموقتة بزمان: فوجوب التعلم و الفحص فيها مشكل؛ إذ المفروض: عدم وجوب فعلي يوجبها لإناطة التكليف المشروط بتحقق شرطه، فقبل تحقق الشرط لا تكليف حتى يجب التعلم، فوجوب التعلم في التكاليف المشروطة محل للإشكال، و لذا التجأ لدفع هذا الإشكال المحقق الأردبيلي و صاحب المدارك إلى الالتزام بوجوب التعلم نفسيا؛ ليكون العقاب على تركه لا على مخالفة الواقع؛ إذ لا وجه لوجوب التعلم و الفحص في التكاليف المشروطة لا قبل حصول الشرط و لا بعده.

أما الأول: فواضح لعدم حكم واقعي حينئذ حتى يجب عليه التعلم لئلا يفوت عنه الواقع فيعاقب عليه.

و أما الثاني: فلأجل الغفلة عن تلك التكاليف في وقتها الناشئة عن ترك التعلم قبله.

8- دفع هذا الإشكال بوجهين: أحدهما: هو الالتزام بالوجوب النفسي التهيئي‏

46

للتعلم، لتكون العقوبة على تركه لا على مخالفة الواقع.

و الآخر: كون الوجوب في الواجب المشروط و الموقت مطلقا بجعل الشرط وقتا كان أم غيره من قيود المادة لا الهيئة، فالوجوب فعلي غير مشروط بشي‏ء، و يترشح منه الوجوب على مقدماته كالتعلم و هو الواجب المسمى بالواجب المطلق المعلق، فترك التعلم و الفحص حينئذ يصحح العقوبة على ما يقع بعد ذلك غفلة من مخالفة الواقع.

9- و أما الإشكال على الواجب المعلق: بأن يقال: إن مقتضاه وجوب إيجاد مقدماتها الوجودية قبل حصول الشرط و قبل دخول الوقت، مع أن المسلم عندهم عدم وجوب تحصيل المقدمات قبل الشرط و الوقت، فيكون هذا دليلا على أن الشرط و الوقت من قيود الهيئة لا المادة، فلا وجوب قبل الشرط و الوقت حتى يترشح منه الوجوب على التعلم: فمدفوع؛ بأن جعل هذا الواجب في الواجب المطلق المعلق إنما يكون بمثابة لا يجب تحصيل مقدماته قبل الشرط و الوقت إلا خصوص التعلم، و دخل سائر المقدمات إنما بوجودها الاتفاقي لا بوجودها التحصيلي، و على هذا فيكون بين المقدمات تفاوت في ترشيح الوجوب من الواجب على بعضها كالفحص و التعلم، و عدم ترشحه على بعضها الآخر كالاستطاعة بالنسبة إلى الحج، و الطهارة بالنسبة إلى الصلاة.

10- و أما الحكم الوضعي: فالمدار في صحة العمل هو الموافقة للواقع و المخالفة له مطلقا، أي: سواء كان عبادة أو معاملة، غاية الأمر: يعتبر في صحة العبادة- مضافا إلى الموافقة للواقع- قصد القربة و لو رجاء، فالمعيار في الصحة و الفساد بالنسبة إلى المعاملة هو موافقتها للواقع و مخالفتها له، فصحت على الأول و بطلت على الثاني.

و أما العبادة: فالمعيار في صحتها أمران: موافقتها للواقع، و تمشّي قصد القربة، فصحت عند تحققها و بطلت عند انتفاء أحدهما.

11- صحة الإتمام في موضع القصر و الجهر في موضع الإخفات و الإخفات في موضع الجهر إنما هو لدليل و هو الرواية الصحيحة.

لا يقال: إنه كيف يحكم بصحة العبادة في الموضعين مع عدم الأمر بها مع أن الصحة تتوقف على الأمر؟ و هذا أولا. و ثانيا: كيف يحكم باستحقاق العقوبة على ترك المأمور به حتى في صورة القدرة على إعادته في الوقت؟

فإنه يقال: إنما حكم بالصحة لاشتمال الصلاة تماما على مصلحة تامة لازمة الاستيفاء و إن كانت أقل من مصلحة القصر، فالحكم بالصحة إنما هو بلحاظ الملاك‏

47

و المصلحة لا بلحاظ الأمر حتى يقال بعدم الصحة لعدم الأمر.

و أما استحقاق العقوبة مع تمكن المكلف عن الإعادة: فلأنه لا فائدة في الإعادة؛ إذ لا مصلحة تقتضي الإعادة، مع أنه فوّت مقدار المصلحة على المولى لا يمكن تداركها، فاستحقاق العقاب إنما هو لأجل تفويت مقدار من المصلحة على المولى.

12- إن قلت: على ما ذكرتم من أنه لا يتمكن من الإتيان بالصلاة قصرا بعد الإتيان بالصلاة تماما، و كذلك الأمر في الجهر موضع الإخفات و بالعكس، و لازم ذلك: أن يكون التمام موضع القصر و الجهر موضع الإخفات حراما لأنه سبب و مقدمة لترك الواجب، و مقدمة الحرام حرام و النهي في العبادة يقتضي الفساد، فالإتمام موضع القصر و الجهر موضع الإخفات فاسد، فكيف يقال بصحة الإتمام موضع القصر و الجهر موضع الإخفات؟

و بعبارة أخرى: أن ترك المأمور به- و هو القصر- حرام و حيث إن إتمام الصلاة مقدمة لهذا الترك المحرم يكون حراما و منهيا عنه، و النهي في العبادة يقتضي الفساد. و عليه:

فالصلاة تماما لحرمتها فاسدة، و مع فسادها كيف حكم بصحتها و إجزائها عن المأمور به؟

و حاصل الجواب: أن التمام ليس مقدمة لترك الواجب الفعلي و هو القصر؛ بل التمام و القصر ضدان و هما في مرتبة واحدة، فعدم كل منهما يكون أيضا في رتبة وجود الآخر، فلا يكون وجود أحدهما مقدمة لعدم الآخر لاعتبار التقدم في المقدمة، فلا يكون التمام سببا لفوت المأمور به حتى يتصف لأجل المقدّمية بالحرمة و الفساد.

13- لا يقال: بناء على اشتمال الصلاة تماما في موضع القصر و الجهر في موضع الإخفات على مصلحة تامة يلزم الحكم بصحة الصلاة تماما في موضع القصر من العالم بوجوب القصر، و كذا الجهر في موضع الإخفات صح من العالم بوجوب الإخفات مع استحقاق العقوبة على مخالفة الواجب الواقعي، مع أنه مما لم يقل به أحد.

فإنه يقال: إن ذلك ثبوتا مما لا مانع عنه، غير أنه إثباتا لا دليل لنا على اشتمال المصلحة مطلقا حتى في صورة العلم و العمد؛ و ذلك لاحتمال الاختصاص بصورة الجهل فقط.

14- قال كاشف الغطاء: بكون التمام موضع القصر و الجهر موضع الإخفات مأمورا به بنحو الترتب بتقريب: أن المأتي به- كالصلاة تماما- يتعلق به الأمر بشرط العزم على عصيان الأمر بالقصر بنحو الشرط المتأخر، فالأمر بصلاة القصر مطلق، و بضدها- و هو

48

ثم إنه ذكر (1) لأصل البراءة شرطان آخران: أحدهما: أن لا يكون موجبا لثبوت حكم شرعي من جهة أخرى.

____________

[شرطان آخران للبراءة]

التمام- مشروط بالعزم على عصيان أمر القصر، فالعزم على عصيانه يوجب أمرين:

[احدهما استحقاق العقوبة لتركه‏]

أحدهما: استحقاق العقوبة لتركه المأمور به اختيارا بترك الفحص و التعلم، و الآخر: تعلق الأمر بصلاة التمام؛ لتحقق موضوعه، و لا مانع من تعلق الأمر بالضدين بنحو الترتب، و عليه: فيكون التمام مأمورا به.

و لكن الترتب باطل؛ لكونه مستلزما لطلب الضدين، فيلزم التكليف بالمحال و هو باطل.

15- نظريات المصنف «(قدس سره)»:

1- حسن الاحتياط مطلقا إلا أن يكون موجبا لاختلال النظام.

2- اعتبار الفحص في البراءة العقلية.

3- اعتبار الفحص في التخيير العقلي.

4- اعتبار الفحص في البراءة الشرعية بالآيات و الروايات.

5- استحقاق العقوبة على مخالفة الواقع عند الرجوع إلى البراءة من دون فحص.

6- المدار في صحة المعاملة عند ترك الفحص هو الموافقة للواقع.

7- المعيار في صحة العبادة الموافقة للواقع مع قصد القربة.

8- بطلان الترتب.

(1) الذاكر هو: الفاضل التوني في محكي الوافية (1)، و نسب إلى الفاضل النراقي أيضا، و لا اختصاص للبراءة بهذين الشرطين، بل يشترك فيه جميع الأصول العدمية، فإذا وقعت نجاسة في أحد الإناءين، كان إجراء أصالة الطهارة في أحدهما معناه الحكم بنجاسة الإناء الآخر و وجوب الاجتناب عنه، فالأصل هنا أوجب ثبوت حكم شرعي لغير مجراه، و هذا معنى قوله: «من جهة أخرى»، و كذا لو وقعت نجاسته في ماء مشكوك الكرية فإن إجراء أصالة عدم الكرية موجب لإثبات القلة و النجاسة، فمثل هذين الأصلين لا يجريان لأنهما موجبان لإثبات حكم شرعي آخر.

و كيف كان؛ فشأن أصالة البراءة هو نفي الحكم لا إثباته، لأن المستفاد من أدلتها هو:

أنها مسوقة للامتنان، و كون إجرائها مستلزما لثبوت حكم آخر مناف لذلك، فلا يجري في مثل ما إذا كان لشخص مال و شك في وجود الدين؛ بحيث يصير مستطيعا بذاك المال‏

____________

(1) الوافية في أصول الفقه: 21.

49

ثانيهما (1): أن لا يكون موجبا للضرر على آخر.

و لا يخفى (2): أن أصالة البراءة عقلا و نقلا في الشبهة البدوية بعد الفحص لا

____________

على فرض عدم الدين، فإذا نفي الدين بالبراءة يلزم منه ثبوت الاستطاعة و وجوب الحج.

فالمتحصل: أنه إذا كانت أصالة البراءة نافية لحكم عن موضوع و مثبتة له لموضوع آخر، كما إذا اقتضى استصحاب الطهارة أو قاعدتها عدم نجاسة أحد الإناءين اللذين علم إجمالا بنجاسة أحدهما، فإن شيئا منهما لا يجري فيه؛ لأن جريانه فيه يثبت وجوب الاجتناب عن الآخر.

و إن شئت فقل: إن أصالة البراءة عن وجوب الاجتناب عن أحد الإناءين في المثال المزبور تثبت وجوب الاجتناب عن الإناء الآخر، فلا تجري فيه؛ لأن شأن البراءة نفي الحكم فقط لا النفي من جهة و الإثبات من جهة أخرى، و لذا لم تعدّ من الأدلة؛ إذ لو كانت مثبتة لحكم شرعي لعدّت من الأدلة الشرعية.

و قيل في وجه عدم جريان أصل البراءة إذا كان مثبتا لحكم شرعي من جهة أخرى:

إنه أصل مثبت و الأصل المثبت ليس حجة.

[ثانيهما ان لا يكون موجبا للضرر على آخر]

(1) هذا هو الشرط الثاني.

و حاصل الكلام في المقام: أنه يعتبر في جريان أصالة البراءة: أن لا يكون موجبا لضرر الغير من مسلم أو من بحكمه، كما إذا فتح إنسان قفص الطير الذي هو لإنسان آخر، أو حبس شاته حتى مات ولدها، أو أمسك رجلا فهربت دابته و ضلت، فإن إجراء أصل البراءة عن الضمان في أمثال هذه الموارد موجب لضرر صاحب الطير و الشاة و الدابة، فمثل هذا الأصل لا يجري؛ لما عرفت من: أن أصالة البراءة تكون للامتنان، و كون إجرائها مستلزما لورود ضرر على الغير يكون منافيا للامتنان.

(2) هذا شروع في ردّ الشرط الأول.

توضيح الرد:- على ما في «منتهى الدراية، ج 6، ص 487»- أن موضوع الحكم الشرعي تارة: يكون أمرا ظاهريا أو أعم منه كعدم استحقاق العقوبة الذي هو مقتضى البراءة العقلية و الإباحة، و عدم الحكم الذي هو مقتضى البراءة الشرعية، كما إذا فرض أن جواز البيع مترتب على كل ما يكون حلالا و لو ظاهرا، فحينئذ إذا شك في حرمة شرب التتن و نحوه من الشبهات البدوية، و بعد الفحص جرت فيه البراءة الشرعية المثبتة لحليته ثبت جواز بيعه أيضا؛ إذ المفروض: كون موضوع جواز بيعه حليته و لو ظاهرا؛ إذ لو لم يترتب جواز بيعه على هذه الحلية لزم تخلف الحكم عن موضوعه و هو محال؛ للخلف و المناقضة.

50

محالة تكون جارية (1)، و عدم (2) استحقاق العقوبة الثابت بالبراءة العقلية و الإباحة (3) أو رفع التكليف الثابت بالبراءة النقلية، لو كان (4) موضوعا لحكم شرعي أو ملازما

____________

و أخرى: يكون أمرا واقعيا، كما إذا ترتب على عدم الحكم واقعا لا ظاهرا و لا أعم من الواقع و الظاهر، كما إذا فرض أن موضوع وجوب الحج ملكية الزاد و الراحلة مع عدم الدين واقعا، فإن إجراء البراءة عن الدين لا يثبت وجوب الحج لعدم إحراز موضوعه و هو عدم الدين واقعا، فعدم ترتب الحكم الشرعي على البراءة الشرعية في مثل هذا المثال إنما هو لعدم تحقق موضوعه و هو عدم الدين واقعا، حيث إن أصل البراءة لا يحرز الواقع.

فالمتحصل: أن موضوع الحكم الشرعي إن كان أعم من الواقع و الظاهر، فلا محالة يترتب عليه حكمه بمجرد جريان أصل البراءة فيه؛ كترتب سائر الأحكام عند تحقق موضوعاتها، و إن كان خصوص الواقع لا يترتب الحكم على البراءة، لعدم إحراز موضوعه، فلا محصل للشرط الأول الذي ذكره الفاضل التوني «(رحمه اللّه)»؛ إذ على تقدير: لا محيص عن ثبوت الحكم، لتحقق موضوعه بالبراءة، و على تقدير آخر: لا موضوع لذلك الحكم حتى يثبت بالبراءة.

فإن كان غرض الفاضل التوني «(رحمه اللّه)» عدم جريان البراءة بعد الفحص في الصورة الأولى- و هي كون موضوع الحكم الشرعي أعم من الواقع و الظاهر- فهو خلاف أدلتها، و إن كان غرضه جريانها بدون ترتب الحكم الشرعي عليها فهو خلاف دليل ذلك الحكم و طرح له بلا موجب.

(1) لإطلاق أدلة البراءة النقلية الذي لم يقيد إلا بالفحص المفروض تحققه، و لاحتمال عدم دخل شي‏ء في البراءة العقلية إلا الفحص، فبعد حصوله لا وجه للتوقف في جريانها.

(2) مبتدأ خبره «لو كان»، و الجملة مستأنفة و «الثابت» صفة ل «عدم».

(3) عطف على «عدم»، و قوله: «و رفع» عطف على «الإبادة»، و «الثابت» صفة ل «الإباحة و رفع» و الأولى تثنيته، بأن يقال: «الثابتان» و التعبير بالإباحة تارة و بالرفع أخرى، لرعاية مدلول أخبار البراءة، لظهور حديث الحل في جعل الإباحة الظاهرية، و حديث الرفع في مجرد نفي الإلزام المجهول.

(4) يعني: لو كان عدم استحقاق العقوبة و الإباحة موضوعا لحكم شرعي كإباحة شرب التتن و لو ظاهرا التي هي موضوع جواز البيع كما تقدم آنفا، أو ملازما لحكم شرعي، كما إذا دخل وقت الفريضة و شك في اشتغال ذمته بواجب فوري كأداء دين من‏

51

له، فلا محيص عن ترتبه عليه بعد إحرازه، فإن (1) لم يكن مترتبا عليه، بل على نفي التكليف واقعا فهي و إن كانت جارية إلا إن ذاك الحكم لا يترتب، لعدم (2) ثبوت ما يترتب عليه بها، و هذا (3) ليس بالاشتراط.

و أما اعتبار (4) أن لا يكون موجبا للضرر، فكل مقام تعمه قاعدة نفي الضرر و إن‏

____________

نفقة زوجته أو غيرها، فإنه بجريان البراءة في الدين يثبت وجوب الصلاة فعلا الملازم لنفي الدين ظاهرا.

توضيح بعض العبارات طبقا لما في منتهى الدراية.

قوله: «بعد إحرازه» أي: إحراز عدم استحقاق العقوبة و رفع التكليف بإجراء البراءة بعد الفحص، و ضمير «عليه» راجع على عدم استحقاق العقوبة و رفع الحكم، و ضمير «فهي» راجع على البراءة.

(1) هذا بيان للصورة الثانية، و هي: كون التكليف مترتبا على عدم الحكم واقعا، و أصالة البراءة تجري فيها، و لكن لا يترتب عليه الحكم؛ لعدم تحقق موضوعه و هو عدم الحكم واقعا، حيث إن الثابت بالبراءة عدم الحكم ظاهرا لا واقعا. و اسم «يكن» ضمير مستتر راجع على الحكم، و «بل على» عطف على «مترتبا» و قد تقدم مثال ترتب الحكم على عدم التكليف بوجوده الواقعي في مثال الحج المنوط بعدم الدين.

(2) تعليل لعدم ترتب ذلك الحكم على نفي التكليف بأصل البراءة. و حاصله: أن عدم ترتبه عليه كعدم ترتب وجوب الحج على نفي الدين بأصل البراءة إنما هو لعدم الموضوع أعني: عدم الدين واقعا؛ لا لأجل اشتراط جريان البراءة بعدم ترتب حكم شرعي عليه، فالمراد ب «ما» الموصول هو الموضوع، و الضمير المستتر في «يترتب» راجع على الحكم، و ضمير «عليه» راجع على الموصول. و ضمير «بها» راجع على البراءة.

(3) يعني: و عدم ترتب التكليف على البراءة حينئذ ليس لأجل اشتراط البراءة بعدم ترتب حكم شرعي عليه، بل إنما هو لأجل انتفاء موضوع ذلك الحكم؛ إذ موضوعه بالفرض عدم الحكم واقعا، و هو لا يثبت بالبراءة إذ الثابت بها نفي الحكم ظاهرا كما مر آنفا.

(4) هذا شروع في رد الشرط الثاني الذي ذكره الفاضل التوني «(رحمه اللّه)» و هو:

أن لا يكون جريان البراءة في مورد موجبا للضرر على آخر.

و محصل الرد- على ما في «منتهى الدراية، ج 6، ص 490»- هو: أن المورد إن كان مما تجري فيه قاعدة الضرر فلا مجال لجريان البراءة فيه، لكون القاعدة دليلا اجتهاديا،

52

لم يكن مجال فيه (1) لأصالة البراءة، كما هو (2) حالها مع سائر القواعد الثابتة بالأدلة الاجتهادية؛ إلا إنه (3) حقيقة لا يبقى لها مورد، ...

____________

و البراءة أصلا عمليا، و قد ثبت في محله عدم المجال للأصل مع الدليل، لوروده أو حكومته على الأصل كما سيأتي توضيحه إن شاء الله تعالى.

و إن كان مما لا تجري فيه قاعدة الضرر، فلا مانع من جريان البراءة فيه و مجرد احتمال صغرويته لقاعدة الضرر لا يمنع عن جريان البراءة فيه مع فرض الفحص و عدم الظفر بدليل على حكم الضرر.

و بالجملة: فمع الظفر بالدليل الاجتهادي مطلقا من دليل الضرر و غيره من الأدلة الاجتهادية لا مجال للبراءة؛ لعدم المقتضي لها، حيث إن الدليل رافع لموضوعها، فعدم جريانها مع الدليل إنما هو لعدم المقتضى، لا لعدم شرطه، ضرورة: أن الشرط متأخر رتبة عن المقتضى، فلا يطلق الشرط إلا مع إحراز المقتضي، و مع عدم المقتضي لا يطلق الشرط كالمقام.

فإن كان مراد الفاضل التوني من الاشتراط: أن جريان البراءة مشروط بعدم ترتب الضرر عليها، ففيه أولا: أن إطلاق الشرط عليه لا يخلو من المسامحة؛ لما مر آنفا من: أن عدم الجريان حينئذ مستند إلى عدم المقتضى، لا إلى عدم الشرط.

و ثانيا: أنه لا اختصاص للضرر؛ بل جريان البراءة منوط بعدم الدليل الاجتهادي مطلقا من دليل الضرر و غيره، كما أن عدم الجريان لا يختص بالبراءة، بل كل أصل عملي يتوقف جريانه على عدم دليل اجتهادي في مورده.

(1) أي: في المقام الذي تجري فيه قاعدة الضرر.

(2) يعني: كما أن عدم المجال لجريان البراءة مع قاعدة نفي الضرر حال البراءة مع سائر القواعد الثابتة بالأدلة الاجتهادية، و ضمير «حالها» راجع على أصالة البراءة.

(3) الضمير للشأن، و حاصله: أن أصالة البراءة و إن لم يكن لها مجال في موارد الضرر، إلا إن عدم جريانها فيها ليس لأجل شرطية عدم قاعدة الضرر لجريان البراءة؛ بل لعدم المقتضي لجريانها معها؛ لما مر من أن دليل قاعدة الضرر كسائر الأدلة الاجتهادية يرفع الشك الذي هو موضوع أصل البراءة و غيره من الأصول العملية، فالدليل الاجتهادي رافع لموضوع الأصل و لو ظاهرا كما هو مقتضى الأدلة غير العلمية، فمع الدليل لا مقتضي لأصالة البراءة؛ لا أن عدم الدليل شرط لجريان البراءة.

53

بداهة (1): أن الدليل الاجتهادي يكون بيانا و موجبا للعلم بالتكليف و لو ظاهرا (2)، فإن كان المراد من الاشتراط ذلك (3) فلا بد من اشتراط أن لا يكون على خلافها دليل اجتهادي، لا خصوص قاعدة الضرر (4) فتدبر، و الحمد لله على كل حال.

____________

فقوله: «إلا إنه حقيقة» إشارة إلى عدم المقتضي للبراءة، و ضمير «لها» راجع على أصالة البراءة.

(1) تعليل لقوله: «لا يبقى لها مورد»، و توضيحه ما تقدم بقولنا: «بل لعدم المقتضي لجريانها».

(2) يعني: فلا يكون موردا للبراءة العقلية و هي قبح العقاب بلا بيان و لا البراءة النقلية؛ لتحقق البيان بالدليل الاجتهادي، و معه ينتفي موضوع كلتا البراءتين، و لا يبقى مقتض لجريانهما.

(3) أي: عدم بقاء مورد لأصل البراءة مع قاعدة نفي الضرر، فإن كان هذا مراد الفاضل «(رحمه اللّه)» من الاشتراط، فلا بد من اشتراط عدم مطلق دليل اجتهادي على خلاف أصل البراءة، لا خصوص قاعدة الضرر؛ إذ الوجه في عدم جريانها مع قاعدة الضرر هو: كونها رافعة لموضوع البراءة، و هذا الوجه جار في جميع الأدلة الاجتهادية، و قد عرفت سابقا: أن إطلاق الشرط على الدليل الاجتهادي الرافع لموضوع البراءة مبني على المسامحة. و ضمير «خلافها» راجع على أصالة البراءة.

(4) لما مر من عدم الفرق بين قاعدة الضرر و بين سائر القواعد الاجتهادية في رفع الشك الذي هو موضوع البراءة.

قوله: «فتدبر» لعله إشارة إلى دقة المطلب.

هذا تمام الكلام في شرائط الأصول العمليّة. فيقع الكلام في تفصيل قاعدة نفي الضرر.

54

ثم إنه لا بأس بصرف الكلام إلى بيان قاعدة الضرر و الضرار (1) على نحو

____________

قاعدة لا ضرر و لا ضرار

(1) و قد جعل المصنف «(قدس سره)» الكلام فيها في جهات:

الأولى: في بيان مدركها.

الثانية: في شرح مفادها بحسب المادة تارة و الهيئة التركبية أخرى.

الثالثة: في بيان نسبتها مع الأدلة المتكفلة للأحكام الثابتة للموضوعات بعناوينها الأولية المعارضة لها بحسب الظاهر؛ كأدلة وجوب الصلاة و الصيام و الحج و نحوها، و كذلك نسبتها مع الأدلة الثانوية؛ كأدلة نفي العسر و الحرج و الإكراه، و نحوها من العناوين الثانوية العارضة للعناوين الأولية كالصلاة و غيرها من العبادات و المعاملات.

و أما الكلام في الجهة الأولى: فقد استدل لإثبات هذه القاعدة بالأدلة الأربعة.

أما الإجماع: فواضح لا يحتاج إلى البيان.

و أما العقل: فإنه قد يحكم مستقلا بأن الضرر و الضرار مناف للعدل و اللطف فلا يجوز.

و أما الكتاب: فقد استدل له بقوله تعالى: وَ لا تُمْسِكُوهُنَّ ضِراراً (1).

و أما السنة: فقد استدل عليها بأخبار كثيرة، و قد اكتفى المصنف «(قدس سره)» بذكر ما هو أشهرها قصة و أصحها سندا و أكثرها طرقا و أوضحها دلالة، و هي الرواية المتضمنة لقصة سمرة بن جندب مع الأنصاري.

و تفصيل القصة موجود في المتن فلا يحتاج إلى مزيد من البيان.

و قد ادعى تواترها و لو إجمالا. فلا إشكال في مدرك قاعدة لا ضرر.

و أما الكلام في الجهة الثانية: فقد أشار المصنف إليها بقوله: «و أما دلالتها ...» الخ.

و توضيحها يتوقف على شرح معاني مفردات الألفاظ الواقعة في متن الحديث من كلمات «لا»، و «ضرر»، و «ضرار».

و أما «ضرر»: فالمحكي عن جملة من كتب اللغويين كالصحاح‏ (2) و النهاية (3) الأثيرية التي هي عند العامة كمجمع البحرين عندنا- و القاموس هو: «أنه ما يقابل النفع»، كما أن المحكي عن الصحاح و المصباح: «أن الضرر اسم مصدر و المصدر الضرّ»، فالضر الذي‏

____________

(1) البقرة: 231.

(2) الصحاح 2: 719- ضرر.

(3) النهاية في غريب الحديث 3: 81- ضرر.