دروس في علم الأصول(خلاصة الحلقة الأولى)

- محمد حسين‏ الأشكناني المزيد...
121 /
13

التمهيد التعريف بعلم الأصول‏

كلمة تمهيديّة:

1- يجب على الإنسان المؤمن بالله تعالى أن يعيّن موقفه العملي تجاه كل واقعة لأنّه ملزم بالتوفيق بين سلوكه و الشريعة الإسلاميّة.

2- لا بدّ من وضع علم يحدّد المواقف العمليّة عن طريق الاستدلال، و هذا العلم هو علم الفقه.

3- علم الفقه:

هو عمليّة استنباط الحكم الشرعي.

4- دور الفقيه:

هو إقامة الدليل على تعيين الموقف العملي في كلّ حدث من أحداث الحياة.

14

5- أنواع أدلّة تحديد الموقف العملي:

أ- الأدلّة المحرزة:

يُحرَز وَ يُعَيَّن بها الحكم الشرعي.

ب- الأصول العمليّة:

يُحَدَّد بها الوظيفة العمليّة تجاه الحكم المشكوك بعد استحكام الشك و تعذّر تعيين الحكم.

تعريف علم الأصول‏

1- علم الأصول:

هو العلم بالعناصر المشتركة في عمليّة استنباط الحكم الشرعي.

2- العناصر المشتركة:

هي القواعد العامّة التي تدخل في عمليّات استنباط أحكام عديدة في أبواب مختلفة من الفقه.

أمثلة:

أ- حجيّة الظهور العرفي.

15

ب- حجيّة خبر الثقة.

3- العناصر الخاصّة:

و هي العناصر التي تتغير من مسألة إلى أخرى، و هذه العناصر تدرس في علم الفقه.

أمثلة:

أ- رواية يعقوب بن شعيب التي دخلت في عمليّة استنباط حرمة الارتماس على الصائم.

ب- رواية علي بن مهزيار التي دخلت في عمليّة استنباط عدم وجوب الخمس على الوارث مال أبيه.

ج--- رواية زرارة التي دخلت في عملية استنباط بطلان الصلاة بالقهقهة.

4- دور علم الأصول:

أ- تحديد العناصر المشتركة.

ب- تحديد درجات استعمالها.

ج--- تحديد العلاقة بينها.

موضوع علم الأصول:

هو الأدلّة المشتركة في عملية استنباط الحكم الشرعي.

16

فعلم الأصول يدرس الأدلة المشتركة في علم الفقه لإثبات دليليتها.

علم الأصول منطق علم الفقه:

يدرس علم المنطق عملية التفكير بشكل عام حيث يحدّد النظام العام للتفكير السليم و يبيّن منهج الاستدلال الصحيح بوضع المناهج العامّة للاستدلال كالقياس و الاستقراء.

و علم الأصول يشابه علم المنطق غير أنّه يبحث عن عملية التفكير الفقهي في استنباط الأحكام حيث يدرس العناصر المشتركة التي يجب أن تدخل فيها لكي يكون الاستنباط سليماً، و يحدد المناهج العامّة لعمليّة الاستنباط.

أهمية عمل الأصول في عملية الاستنباط

1- بدون علم الأصول يواجه الشخص في الفقه ركاماً متناثراً من النصوص و الأدلة دون أن يستطيع الاستفادة منها في الاستنباط.

17

2- إنّ العناصر الخاصّة ضرورية لعملية الاستنباط، و هي التي تشمل الآيات و الروايات المتناثرة.

3- العناصر المشتركة و العناصر الخاصّة قطبان مندمجان في عملية الاستنباط.

الأصول و الفقه يمثلان النظرية و التطبيق:

1- إنّ الدقة في النظريات العامة لا تغني عن الدقة في تطبيقها.

2- إنّ الفقيه لا يجمع العناصر الخاصة تجميعاً أعمى، بل عليه أن يطبق العناصر المشتركة و النظريات العامّة على العناصر الخاصّة تطبيقاً دقيقاً.

إذن:

البحث الفقهي عن العناصر الخاصّة في عملية الاستنباط ليس مجرد عملية تجميع، بل هو مجال تطبيق النظريات الأصولية.

التفاعل بين الفكر الأصولي و الفكر الفقهي:

1- يوجد تفاعل متبادل بين الفكرين على النحو التالي:

أ- توسع بحوث التطبيق يوسع من بحوث النظرية.

ب- دقة البحث في النظريات الأصولية تؤدي إلى الدقة في بحوث التطبيق.

2- هذا التفاعل يؤكده تاريخ العلمين، فقد نشأ علم الأصول في أحضان علم الفقه، و نشأ علم الفقه في أحضان علم الحديث.

3- الحاجة إلى علم الأصول حاجة تاريخية بمعنى أنها تشتد و تتأكد كلما ابتعد الفقيه تاريخياً عن عصر النص.

18

4- ترعرع علم الأصول في نطاق الفقه السنّي قبل الفقه الإمامي لأنّ المذهب السنّي كان يزعم انتهاء عصر النصوص بوفاة النبي (صلى الله عليه و آله).

5- عند الإمامية الإمام (عليه السلام) امتداد للنبي (صلى الله عليه و آله)، فمجرّد انتهاء الغيبة الصغرى تفتحت ذهنيتهم الأصولية.

6- بذور التفكير الأصولي عند الإمامية بدأت منذ أيام الصادقين (عليهما السلام).

19

جواز عملية الاستنباط

1- سؤال:

هل سمح الشارع بممارسة عملية الاستنباط لكي يوجد مجال لوضع علم لدراسة عناصرها المشتركة؟

الجواب:

نعم، لأن عملية الاستنباط عبارة عن تحديد الموقف العملي تجاه الشريعة تحديداً استدلالياً، و الانسان المؤمن بالله تعالى ملزم بتحديد موقفه العملي منها، و من المعلوم أنّ أحكام الشريعة ليست غالباً في الوضوح بدرجة تغني عن إقامة الدليل.

2- الاجتهاد:

استعملت كلمة «الاجتهاد» للتعبير عن عملية الاستنباط، و قد مرت هذه الكلمة بمصطلحات عديدة خلال تاريخ، و قد وقع نزاع حول جواز عملية

الاستنباط و رُفِضَ علم الأصول نتيجة فهم غير دقيق للاصطلاح العلمي.

3- الاجتهاد في اللغة:

مأخوذ من «الجهد» و هو: بذل الوسع للقيام بعمل ما.

20

4- الاجتهاد في الفقه السّنّي:

استعملت هذه الكلمة لأول مرّة على الصعيد الفقهي للتعبير عن قاعدة في الفقه السّنّي هي:

«إنّ الفقيه إذا أراد أن يستنبط حكماً شرعيّاً و لم يجد نصّاً يدل عليه من الكتاب أو السنة يرجع إلى الاجتهاد بدلًا عن النص».

و الاجتهاد في هذه القاعدة يعني التفكير الشخصي و الذوق و الرأي الخاص، و كان على رأس المنادين بالرأي أبو حنيفة النعمان بن ثابت.

5- محل الاجتهاد على هذا المعنى منذ عصر الأئمّة (عليهم السلام) إلى القرن السابع، و الروايات عنهم (عليهم السلام) تذم الاجتهاد بهذا المعنى و تعارض مدرسة الرأي معارضة شديدة.

6- و سار أصحاب و فقهاء مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) على نفس الخط، فصنّفوا الكتب في الرد على الاجتهاد بهذا المعنى، منهم عبد الله الزبيري و هلال المدني و اسماعيل النوبختي و الشيخ الصدوق و الشيخ المفيد و السيد المرتضى و الشيخ الطوسي و ابن إدريس.

7- تطورت كلمة «الاجتهاد» في مصطلح فقهائنا على يد المحقّق‏

21

الحلي المتوفى سنة 676 ه-- في كتابه «المعارج» إذ كتب:

«و هو في عرف الفقهاء بذل الجهد في استخراج الأحكام الشرعية، و بهذا

الاعتبار يكون استخراج الأحكام من أدلّة الشرع اجتهاداً، لأنّها تبتني على اعتبارات نظرية ليست مستفادة من ظواهر النصوص في الأكثر ...».

8- ثم اتسع نطاق الاجتهاد ليشمل عملية استنباط الحكم من ظاهر النص أيضاً.

9- ثم شمل الاجتهاد عملية الاستنباط بكل ألوانها، فأصبح مصطلح «الاجتهاد» يرادف عملية الاستنباط.

22

الحكم الشرعي و تقسيمه‏

1- تعريف الحكم الشرعي عند الشهيد:

هو التشريع الصادر من الله تعالى لتنظيم حياة الإنسان سواء كان متعلقاً بأفعاله أو بذاته أو بأشياء أخرى داخلة في حياته.

أما الخطابات الشرعيّة في الكتاب و السنة فهي ليست الحكم الشرعي نفسه، بل هي مبرزة للحكم و كاشفة عنه.

2- تعرف الحكم الشرعي عند قدماء الأصوليين:

هو الخطاب الشرعي المتعلق بأفعال المكلفين.

3- إشكالات الشهيد على تعريف القدماء:

أ- الحكم الشرعي ليس هو الخطاب، بل هو مدلول الخطاب، فالخطاب كاشف عن الحكم.

ب- الحكم الشرعي لا يتعلّق بأفعال المكلّفين دائماً، بل قد يتعلّق بذواتهم كعقد الزوجيّة، أو بأشياء أخرى ترتبط بهم كالملكيّة المتعلّقة بالمال.

23

تقسيم الحكم الشرعي إلى تكليفي و وضعي:

1- الحكم التكليفي:

هو الحكم الشرعي المتعلّق بأفعال الإنسان و المُوَجِّه لسلوكه مباشرة في مختلف جوانب حياته الشخصيّة و العباديّة و العائليّة و الاجتماعيّة التي نظمتها الشريعة.

أمثلة:

حرمة شرب الخمر، وجوب الصلاة، وجوب الإنفاق على بعض الأقارب، إباحة إحياء الأرض، وجوب العدل على الحاكم.

2- الحكم الوضعي:

هو الحكم الشرعي الذي لا يكون مُوَجِّهاً مباشِراً للإنسان في أفعاله و سلوكه، بل يشرع وضعاً مُعَيَّناً يكون له تأثير غير مباشر في سلوك الإنسان.

مثال:

الأحكام التي تنظم العلاقات الزوجيّة.

3- الارتباط بين الحكم التكليفي و الحكم الوضعي:

لا يوجد حكم وضعي إلّا و يوجد إلى جانبه حكم تكليفي.

24

مثال:

الزوجية حكم وضعي يوجد إلى جانبه وجوب إنفاق الزوج على زوجته و وجوب التمكين على الزوجة.

الملكية حكم وضعي يوجد إلى جانبه حرمة تصرف غير المالك في المال إلّا بإذنه.

أقسام الحكم التكليفي:

1- الوجوب:

هو حكم شرعي يبعث نحو الشي‏ء الذي تعلّق به بدرجة الإلزام.

مثال:

وجوب الصلاة، وجوب إعالة المعوزين على ولي الأمر.

2- الاستحباب:

هو حكم شرعي يبعث نحو الشي‏ء الذي تعلق به بدرجة دون الإلزام، و توجد إلى جانبه رخصة من الشارع في مخالفته.

مثال:

استحباب صلاة الليل.

3- الحرمة:

هي حكم شرعي يزجر عن الشي‏ء الذي تعلّق به بدرجة الإلزام.

25

مثال:

حرمة الربا، حرمة الزنا، حرمة بيع الأسلحة من أعداء الإسلام.

4- الكراهة:

هي حكم شرعي يزجر عن الشي‏ء الذي تعلق به بدرجة دون الإلزام.

مثال:

خلف الوعد.

5- الإباحة:

هي أن يفسح الشارع المجال للمكلّف لكي يختار الموقف الذي يريده.

لذلك يتمتع المكلف بالحرية، فله أن يفعل و له أن يترك.

26

بحوث علم الأصول‏

تنويع البحث‏

يمكن تنوع عملية الاستنباط إلى نوعين:

أ- الاستنباط على أساس الأدلة المحرزة للحكم:

هو الاستنباط القائم على أساس الدليل الذي يحرز الواقع و يكشف عن نوع الحكم الشرعي، و العناصر المشتركة هنا تتمثل في الأدلة المحرزة للحكم.

مثال:

الاستنباط المستمد من نصّ دالّ على الحكم الشرعي.

ب- الاستنباط على أساس الأدلة غير المحرزة للحكم:

هو الاستنباط القائم على أساس الأصل العملي الذي لا يحرز الواقع، و إنّما يحدد الوظيفة العملية تجاه الحكم الشرعي المجهول، و العناصر المشتركة

هنا تتمثل في الأصول العملية.

مثال:

الاستنباط المستمد من أصالة البراءة، و هي القاعدة القائلة: إنّ كل إيجاب أو تحريم مجهول لم يقم عليه دليل فلا أثر له على سلوك‏

27

الإنسان، و الإنسان ليس ملزماً بالاحتياط من ناحيته و التقيّد به.

العنصر المشترك بين النوعين:

1- حجية القطع:

هي العنصر المشترك الذي يدخل في جميع عمليات استنباط الحكم الشرعي.

2- تعريف القطع:

القطع: هو انكشاف قضية بدرجة لا يشوبها شك.

3- معنى حجية القطع:

تتلخص حجية القطع في أمرين:

أ- المعذرية:

إذا خالف العبدُ المولى نتيجة لعمله بقطعه و اعتقاده فليس للمولى معاقبته، و يستطيع العبد أن يعتذر بأنّه عمل على وفق قطعه.

مثال:

إنسان يعلم أن شرب الخمر حرام، و لكن قطع أن الشراب الذي أمامه ليس خمراً، فشربه و كان الشراب خمراً في الواقع فليس للمولى معاقبته.

28

ب- المنجزية:

إذا خالف العبدُ المولى نتيجة لتركه العمل بقطعه فللمولى أن يعاقبه و يحتج عليه بقطعه.

مثال:

إذا قطع العبد بأنّ الشراب الذي أمامه خمر فشربه و كان خمراً في الواقع فإنّ من حق المولى أن يعاقبه على مخالفته.

4- عدم استغناء عمليات الاستنباط عن حجية القطع:

إنّ الفقيه يخرج من عملية الاستنباط دائماً بنتيجة، و هي العلم بالموقف العملي على أساس الدليل أو الأصل العملي.

فلو لم يكن القطع حجّة من المولى على عبده (المنجزية)، و من العبد على مولاه (المعذريّة) لكانت نتيجة الاستنباط التي خرج بها الفقيه لغواً لأنّ عمله ليس بحجّة.

- حجية القطع شرط أساس في دراسة العناصر المشتركة:

حينما يدرس الأصولي مثلًا حجية الخبر أو حجية الظهور العرفي يحاول تحصيل العلم بواقع الحال في تلك المسألة، فإذا لم يكن العلم و القطع حجة فلا فائدة في دراسة حجية الخبر و الظهور العرفي.

29

6- حجية القطع ثابتة بحكم العقل:

إنّ العقل يحكم بأنّ للمولى سبحانه حق الطاعة على الإنسان في كل ما يعلمه من تكاليف المولى و أوامره و نواهيه، و هذا هو جانب المنجزية.

ويحكم العقل أيضاً بأنّ الإنسان القاطع بعدم الإلزام من حقه أن يتصرف‏

كما يحلو له و إن كان الإلزام ثابتاً في الواقع، و هذا هو جانب المعذرية.

- استحالة تجريد القطع عن حجيته:

إنّ العقل كما يدرك حجية القطع، يدرك أيضاً أنّ الحجيّة لا يمكن أن تزول عن القطع، بل هي لازمة له، و لا يمكن حتى للمولى أن يجرد القطع من حجيته، و هذه الاستحالة عقلية.

و هذا معنى القاعدة الأصولية القائلة باستحالة صدور الردع من الشارع عن القطع.

8- هل معنى هذا المبدأ أن العبد إذا تورط في عقيدة خاطئة فليس للمولى أن ينبهه على الخطأ؟

صحيح أن المولى لا يمكن له أن يفكك بين القطع و الحجية،

30

و لكن بإمكانه التنبيه على الخطأ و إخبار العبد بأنّ الخمر- مثلًا- ليس مباحاً، و بذلك يزول القطع من نفس العبد، و بزوال القطع تزول الحجية.

31

النوع الأول لأدلة المحرزة

مبادئ عامة:

1- الدليل الذي يستند إليه الفقيه في استنباط الحكم الشرعي نوعان:

أ- الدليل القطعي:

هو الدليل الذي يؤدي إلى العلم و القطع بالحكم الشرعي، و يستمد شرعيته‏

و حجيته من حجية القطع، و القطع حجة بحكم العقل.

مثال:

القانون القائل: «كلما وجب الشي‏ء وجبت مقدمته»، فهذا القانون دليل قطعي على وجوب الوضوء بوضعه مقدمة للصلاة.

32

ب- الدليل الظني الناقص:

هو الدليل الذي لا يؤدي إلى القطع بالحكم الشرعي، و لكن إذا حكم الشارع بحجيته صار كالدليل القطعي، و إذا لم يحكم بحجيته فلا يكون حجة و لا يجوز الاعتماد عليه في الاستنباط.

مثال:

خبر الثقة، فقد جعله الشارع حجة و أمر باتباعه و تصديقه.

القياس، لم يجعله الشارع حجة فلا يجوز الاعتماد عليه في الاستنباط.

2- إذا شككنا و لم نعلم أنّ الشارع جعل للدليل الناقص حجية، فما هو موقفنا؟

الجواب:

القاعدة الأصولية تقول:

«إن كل دليل ناقص ليس حجة ما لم يثبت بالدليل الشرعي العكس».

بعبارة أخرى:

«الأصل في الظن هو عدم الحجية إلّا ما خرج بدليل قطعي».

33

3- الخلاصة:

الدليل الذي يُعتَمد عليه فقهياً هو:

أ- الدليل القطعي.

ب- الدليل الظني الناقص الذي ثبتت حجيته شرعاً بدليل قطعي.

تقسيم البحث‏

1- أقسام الدليل المحرز:

الدليل المحرز سواء كان قطعياً أم ظنياً ينقسم إلى قسمين:

أ- الدليل الشرعي:

هو كل ما يصدر من الشارع ممّا له دلالة على الحكم الشرعي.

و يشتمل على:

الكتاب، و السنة (قول المعصوم و فعله و تقريره).

ب- الدليل العقلي:

هو القضايا التي يدركها العقل و يمكن أن يُسْتَنبَط منها حكم شرعي.

مثال:

القضية العقلية:

وجوب شي‏ء يستلزم وجوب مقدمته.

34

2- أنواع الدليل الشرعي:

أ- الدليل الشرعي اللفظي:

هو كلام الشارع كتاباً و سنّة.

ب- الدليل الشرعي غير اللفظي:

هو فعل المعصوم و تقريره.

3- مباحث الدليل الشرعي:

أ- تحديد دلالة الدليل الشرعي:

و أنه على ما ذا يدل بظهوره العرفي.

ب- إثبات حجية الدلالة:

و حجية ذلك الظهور العرفي و وجوب التعويل عليه.

ج--- إثبات صدور الدليل من الشارع.

35

الدليل الشرعي‏

أ- الدليل الشرعي اللفظي‏

الدلالة

تمهيد:

دلالة الدليل اللفظي ترتبط بالنظام اللغوي العام للدلالة، لذلك نمهِّد بدراسة إجمالية لطبيعة الدلالة اللغوية و كيفية تكونها و نظرة عامة فيها.

ما هو الوضع و العلاقة اللغوية؟

1- تعريف الدلالة

الدلالة: هي الاقتران بين تصور اللفظ و تصور المعنى، و انتقال الذهن من أحدهما إلى الآخر.

ففي كل لغة يرتبط كل لفظ بمعنى خاص ارتباطاً يجعلنا كلما تصورنا اللفظ انتقال ذهننا فوراً إلى تصور المعنى.

36

مثال:

حينما نقول: كلمة «الماء» تدل على السائل الخاص، نريد بذلك أن تصور كلمة «الماء» يؤدي إلى تصور ذلك السائل الخاص.

و يسمى اللفظ: دالًّا.

و المعنى: مدلولًا.

2- علاقة السببية بين تصور اللفظ و تصور المعنى:

كما أنّ النار سبب للحرارة، و طلوع الشمس سبب للضوء، كذلك فإنّ تصور اللفظ سبب لتصور المعنى، لكن علاقة السببية في الأوَّليْنِ مجالها العالم الخارجي، و في الأخير مجالها الذهن.

3- مصدر العلاقة بين اللفظ و المعنى:

كيف تكونت علاقة السببية بين اللفظ و المعنى مع أنهما شيئان مختلفان؟

الجواب:

يذكر في علم الأصول اتجاهان:

الاتجاه الأول:

العلاقة الذاتية بين اللفظ و المعنى:

إنّ دلالة اللفظ على المعنى ذاتية و ليس مكتسبة من سبب خارجي، فالعلاقة نابعة من طبيعة اللفظ ذاته كما نبعت علاقة النار

37

بالحرارة من طبيعة

النار ذاتها.

مثال:

لفظ «الماء» له بحكم طبيعته علاقة بالمعنى الخاص الذي نفهمه.

اشكال الشهيد على الاتجاه الأول:

إذا كانت العلاقة ذاتية فلما ذا يعجز غير العربي عن الانتقال إلى تصور معنى كلمة «الماء» عند تصوره للكلمة؟ و لما ذا يحتاج إلى تعلم اللغة العربية؟

إذن:

دلالة اللفظ على المعنى ليست ذاتية.

الاتجاه الثاني:

العلاقة الوضعية

فالعلاقة بين اللفظ و المعنى نشأت من الوضع حيث إنّ العلاقات اللغوية بين اللفظ و المعنى نشأت على يد الشخص الأول أو الأشخاص الأوائل الذين استحدثوا اللغة، فهم خصصوا ألفاظاً معينة لمعان خاصة، فاكتسبت الألفاظ- نتيجة للتخصيص- علاقة بتلك المعاني، و أصبح كل لفظ يدل على معناه الخاص.

و التخصيص الذي نتجت عنه الدلالة يسمى ب--: الوضع، و الممارس له هو: الواضع، و اللفظ: هو الموضوع، و المعنى هو: الموضوع له.

38

إشكال الشهيد على الاتجاه الثاني:

كيف استطاع مؤسس اللغة أن يوجد علاقة السببية بين شيئين لا علاقة

سابقة بينهما حيث لا يكفي مجرد تخصيص المؤسس للفظ و تعيينه له سبباً لتصور المعنى لكي يصبح سبباً لتصور المعنى حقيقة؟

4- رأي الشهيد:

العلاقة الاقترانية:

علاقة السببية بين اللفظ و المعنى ناتجة من اقتران تصور المعنى بتصور اللفظ بصورة متكررة أو في ظرف مؤثر.

و هذا يحدث بسبب وجود قانون عام في الذهن البشري هو:

كل شيئين إذا اقترن تصور أحدهما مع تصور الآخر في ذهن الإنسان مراراً عديدة و لو على سبيل الصدفة أو مرة واحدة و لكن في ظرف مؤثر قامت بينهما علاقة و أصبح أحد التصورين سبباً لانتقال الذهن إلى تصور آخر.

مثال التصور المتكرر:

إذا رأينا صديقين دائماً معاً، فإننا إذا رأينا أحدهما منفرد أسرع ذهننا إلى تصور الصديق الآخر.

39

مثال الظرف المؤثر:

إذا سافر شخص إلى بلد و مرض بالملاريا الشديدة ثم شفي و رجع إلى بلده فإنّه متى ما تصور ذلك البلد انتقل ذهنه إلى تصور الملاريا.

سؤال:

كيف أنتج اقترانُ تصور اللفظ بالمعنى الخاص قيامَ علاقة لغوية بينهما؟

الجواب:

أ- بعض الألفاظ اقترنت بمعان معينة مراراً عديدة بصورة تلقائية، فنشأت بينهما العلاقة اللغوية.

مثال:

كلمة «آه» ارتبطت في ذهن الإنسان ب-- «الألم» لأنها كانت تخرج من فم الإنسان‏ بطبيعته كلما أحس بالألم، فكلما سمع كلمة «آه» انتقل ذهنه إلى «الألم».

ب- أخذ الإنسان ينشئ على منوال ما سبق علاقات جديدة بين الألفاظ و المعاني في‏ عملية واعية مقصودة لكي تقوم بينهما علاقة السببيّة.

مثال:

في الأعلام الشخصية تقرن اسم «علي» بالمولود الجديد لكي‏

40

تنشئ بينهما علاقة لغوية، و يصبح اسم «علي» «دالًّا» على وليدك، و يسمى عملك هذا ب-- «الوضع».

تعريف الوضع:

الوضع هو عملية تقرن بها لفظاً بمعنى تكون نتيجتها أن يقفز الذهن إلى المعنى دائماً عند تصور اللفظ.

من نتائج الوضع: التبادر و علامة الحقيقة:

يمكن الاستدلال على الوضع بانسباق المعنى الموضوع له و تبادره إلى الذهن بمجرّد سماع اللفظ، و جعله علامة على أنّ المعنى المتبادر هو المعنى الموضوع له لأنّ المعلول يكشف عن العلة كشفاً إنِّيّاً.

ما هو الاستعمال؟

1- حينما تنطق بلفظ و يسمعه صاحبك ينتقل ذهنه إلى معناه بحكم علاقة السببية بينهما، و يقال هنا إنك:

استعملت اللفظ لإخطار المعنى.

2- تعاريف:

الاستعمال:

هو استخدام اللفظ بقصد إخطار معناه في ذهن السامع و انتقال الذهن إلى هذا المعنى.

41

المُسْتَعْمَل:

هو اللفظ.

المُسْتَعْمَل فيه:

هو المعنى.

الإرادة الاستعمالية:

هي إرادة المُسْتَعْمِل إخطار المعنى في ذهن السامع عن طريق اللفظ.

3- تصور اللفظ على نحو اللحاظ الآلي المرآتي، و تصور المعنى على نحو اللحاظ الاستقلالي:

فاللفظ و المعنى كالمرآة و الصورة، فتلحظ اللفظ بما هو مرآة للمعنى و أنت غافل عنه، و كل نظرك إلى المعنى.

سؤال:

كيف تلحظ اللفظ و أنت غافل عنه حيث يوجد هنا تناقض بين: اللحاظ

و الغفلة عنه؟

الجواب:

يلحظ اللفظ مندكاً و فانياً في المعنى بنفس لحاظ المعنى.

و لذلك ذهب صاحب الكفاية الآخوند الخراساني إلى استحالة استعمال اللفظ في معنيين لأنه يتطلب إفناء اللفظ في معنيين في عرض واحد، و هذا لا يعقل.

42

إشكال:

بالإمكان أن نُوَحِّد بين المعنيين بأن نكوّن منهما مركباً واحداً مشتملًا عليهما معاً ثمّ نفني اللفظ في ذلك المركب.

الجواب:

هذا ممكن، و لكنه استعمال للفظ في معنى واحد، و هو المعنى الجامع لا في معنيين.

الحقيقة و المجاز:

1- ينقسم الاستعمال إلى قسمين:

أ- استعمال حقيقي.

ب- استعمال مجازي.

أ- الاستعمال الحقيقي:

هو استعمال اللفظ في المعنى الموضوع له.

المعنى الحقيقي:

هو المعنى الموضوع له.

ب- الاستعمال المجازي:

هو استعمال اللفظ في غير المعنى الموضوع له، و لكنه يشابه المعنى الموضوع له ببعض الاعتبارات.

مثال:

تستعمل كلمة «البحر» في العالم الغزير العلم.

43

المعنى المجازي:

هو المعنى المشابه للمعنى الموضوع له.

2- الحاجة إلى القرينة في المعنى المجازي دون الحقيقي:

في الاستعمال الحقيقي ينتقل ذهن السامع إلى تصور المعنى عن طريق علاقة السببية بين اللفظ و المعنى.

أما في الاستعمال المجازي فيحتاج المستعمل إلى قرينة تشرح مقصوده.

مثال:

إذا قيل: بحر في العلم.

كان الجار و المجرور «في العلم» قرينة على المعنى المجازي.

3- التبادر يكشف عن المعنى الحقيقي:

يتم تمييز المعنى الحقيقي عن المعنى المجازي بالتبادر من حاقِّ اللفظ لأن التبادر يكشف عن الوضع.

قد ينقلب المجاز حقيقة:

إذا كثر استعمال اللفظ في المعنى المجازي بقرينة و تكرر ذلك بكثرة و خرج من المجاز إلى الحقيقة و لا يحتاج بعد ذلك إلى قرينة.

44

تسمى هذه الحالة ب-- «الوضع التَّعَيُّني».

أما عملية الوضع المتصور من الواضع فيسمى ب-- «الوضع التَّعْييني».

تصنيف اللغة إلى معان اسمية و حرفية:

تنقسم كلمات اللغة إلى ثلاثة أقسام:

أ- الاسم.

ب- الحرف.

ج-- الفعل.

القسم الأول: الأسماء:

و هي تدل على معان سواء سمعنا الاسم مجرداً أم في ضمن كلام.

مثال:

زيد أو زيد مجتهد.

القسم الثاني: الحروف:

و هي ليس لها معان إلّا في ضمن كلام.

مدلول الحرف:

هو الربط بين المعاني الاسمية.

مثال:

النار في الموقد.

تدل «في» على ربط مخصوص بين مفهومين اسميين هما: النار و الموقد.

45

الدليل على أن مفاد الحروف هو الربط:

الدليل الأول:

معنى الحرف لا يظهر إذا فُصِل الحرف عن الكلام لأن مدلوله هو الربط بين معنيين.

الدليل الثاني:

بما أن الكلام مدلوله مترابط الأجزاء، و لو لم يكن هناك ربط لأتت المعاني إلى الذهن‏ متناثرة غير مترابطة.

و بما أن الدال على هذا الربط ليس هو الاسم و إلّا لما فهمنا معناه إلّا ضمن الكلام.

إذن:

يتعين أن يكون الدال على الربط هو الحرف.

النتيجة:

أ- تختلف الحروف باختلاف أنحاء الربط التي تدل عليها.

ب- الربط:

هو النسبة بين طرفين.

ج-- المعاني الحرفية:

هي معان ربطية و نسبية.

46

الحرف في علم الأصول:

هو كل ما يدل على معنى ربطي نسبي.

د- المعاني الاسمية:

هي معان استقلالية.

الاسم في علم الأصول:

هو كل ما يدل على معنى استقلالي.

القسم الثالث: الأفعال:

يتكون الفعل من شيئين:

أ- المادة.

ب- الهيئة.

أ- مادة الفعل:

هي الأصل الذي اشتق منه الفعل، و هي لا تختلف عن أي اسم من الأسماء.

مثال:

«تَشْتَعِل» مادتها «الاشْتِعَال» الذي له مدلول اسمي.

ملاحظة:

الفعل لا يساوي مدلول مادته لأنه لا يجوز أن نضع كلمة «اشتعال» موضع كلمة «تشتعل».

47

و هذا يكشف عن أن الفعل يزيد بمدلوله على مدلول المادة، و هذه الزيادة تنشأ من الهيئة.

ب- هيئة الفعل:

هي الصيغة الخاصة التي صيغت بها المادة.

ملاحظة:

هيئة الفعل موضوعة لمعنى غير استقلالي.

الدليل:

لو كانت تدل على معنى اسمي استقلالي لأمكن التعويض عن الفعل بالاسم الدال على هذا المعنى و الاسم الدال على مدلول المادة مع أن الفعل لا يمكن التعويض عنه في سياق الكلام بمجموع اسمين.

النتيجة:

مدلول الهيئة معنى ربطي نسبي، و هو يربط بين مدلول المادة و مدلول آخر في الكلام.

مثال:

تشتعل النار.

هيئة الفعل في هذا المثال تدل على ربط قائم بين مدلول المادة و الفاعل، فتربط بين‏ الاشتعال و النار.

48

هيئة الجملة:

تعريف الجملة:

الجملة: هي كل كلمتين أو أكثر بينهما ترابط.

مثال:

علي إمام‏

يوجد هنا معنيان اسميان و ارتباط خاص بينهما، و هذا الارتباط الخاص تدل عليه الجملة بتركيبها الخاص.

إذن:

هيئة الجملة تدل على معنى حرفي.

النتيجة النهائية:

يمكن تصنيف اللغة من وجهة نظر أصولية إلى فئتين:

1- المعاني الاسمية:

تشمل:

أ- الأسماء.

ب- مواد الأفعال.

2- المعاني الحرفية:

هي الروابط، و تشمل:

أ- الحروف.

49

ب- هيئات الأفعال.

ج--- هيئات الجمل.

الجملة التامة و الجملة الناقصة:

1- الجملة التامة:

هي الجملة التي تدل على معنى مكتمل يمكن للمتكلم الإخبار عنه،

و يمكن للسامع تصديقه أو تكذيبه.

مثال:

المفيدُ عالمٌ‏

50

النسبة غير الاندماجية:

هيئة الجملة التامة تدل على نسبة غير اندماجية حيث يبقى الطرفان متميزين، و يكون أمام الذهن شيئان بينهما ارتباط.

2- الجملة الناقصة:

هي الجملة التي لا تدل على معنى مكتمل، و هي في قوّة الكلمة الواحدة المفردة، و يظل السامع منتظر إتمامها.

مثال:

المفيدُ العالمُ‏

النسبة الاندماجية:

هيئة الجملة الناقصة تدل على نسبة اندماجية على نحو يصبح المجموع مفهوماً واحداً و حصة خاصة.

3- ملاحظات:

أ- قد تشتمل الجملة الواحدة على نسب اندماجية و نسب غير اندماجية.

مثال:

المفيدُ العالمُ مدرِّسٌ‏

النسبة بين الوصف و الموصوف: اندماجية.

النسبة بين المبتدأ و الخبر: غير اندماجية.

ب- مثل الجملة الناقصة الحروف تدل على نسب ناقصة لا يصح السكوت عليها.

مثال:

لا يجوز أن تقول: «السير من البصرة» و تسكت.

4- الخلاصة:

أ- هيئة الجملة التامة الاسمية أو الفعلية تدل على نسبة غير اندماجية.

51

ب- هيئة الجملة الناقصة و مفردات الحروف تدل على نسبة اندماجية.

المدلول اللغوي و المدلول التصديقي:

1- المدلول اللغوي التصوري:

دلالة اللفظ على المعنى:

هي أن يؤدي تصور اللفظ إلى تصور المعنى، و يسمى اللفظ: «دالًّا».

و المعنى الذي نتصوره عند سماع اللفظ: مدلولًا.

منشأ الدلالة التصورية:

الدلالة اللغوية التصورية تنشأ عن طريق وضع اللفظ للمعنى لأن الوضع يوجد علاقة السببية بين تصور اللفظ و تصور المعنى، و مدلول هذه العلاقة هو المعنى اللغوي للفظ.

مثال:

جملة «الحق منتصر»

إذا سمعناها انتقل ذهننا فوراً إلى مدلولها اللغوي سواء سمعناها من متحدث واع أو من نائم أو من احتكاك حجرين.

و هذه هي: الدلالة التصورية، حيث نتصور معنى كلمة «الحق»، و نتصور معنى كلمة «منتصر»، و نتصور النسبة التامة التي‏

52

وضعت هيئة الجملة لها.

2- المدلول التصديقي:

حينما نسمع أي جملة من متحدث واع فلا تتوقف الدلالة عند مستوى التصور، بل تتعدّاه إلى مستوى التصديق.

أقسام المدلول التصديقي:

أ- المدلول التصديقي الأول:

الإرادة الاستعمالية:

إن الجملة تكشف عن أشياء نفسية في نفس المتكلم، فهو لديه إرادة استعمالية أي: يريد أن يخطر المعنى اللغوي لأجزاء الجملة و هيئتها في ذهن السامع و أن يتصور هذه المعاني.

ب- المدلول التصديقي الثاني:

الإرادة الجدية:

هي الغرض الأساس الذي من أجله أراد المتكلم أن نتصور تلك المعاني.

مثال:

إذا قال المتكلم: «الحق منتصر»

فهو يريد من السامع أن يتصور المعنى اللغوي لكلمة «الحق» و كلمة

«منتصر»، بالإضافة إلى أنه يوجد غرض في نفسه، و هو في‏

53

المثال: الإخبار عن ثبوت الخبر للمبتدإ، فهو يريد أن يخبر السامع عن ثبوتها في الواقع.

ملاحظة:

تتجرد الجملة أحياناً عن المدلول التصديقي الثاني، و ذلك إذا صدرت من المتكلم في حالة الهزل، فتوجد إرادة استعمالية فقط.

إذن:

الدلالة التصديقية فيها أمران:

أ- تكشف عن إرادة المتكلم.

ب- تدعو السامع إلى التصديق بها لا إلى مجرد التصور الساذج.

منشأ الدلالة التصديقية:

تنشأ الدلالة التصديقية من:

ظاهر حال المتكلم لا من الوضع.

فإن المتكلم إذا كان في حالة وعي و انتباه و جدية و قال جملة يدل حاله على أنه لم يقل هذه الجملة ساهياً و لا هازلًا، و إنما قالها بإرادة واعية.

النتيجة النهائية:

مصادر الدلالة:

يوجد مصدران للدلالة:

54

أ- اللغة:

بما تشتمل عليها من أوضاع، و هي مصدر الدلالة التصورية.

ب- حال المتكلم:

و هو مصدر الدلالة التصديقية أي دلالة اللفظ على مدلوله النفسي التصديقي، فاللفظ يكشف عن إرادة المتكلم إذا صدر في حال يقظة و انتباه و جدية.

الجملة الخبرية و الجملة الإنشائية:

تنقسم الجملة إلى نوعين:

1- الجملة الخبرية.

2- الجملة الإنشائية.

1- الجملة الخبرية:

هي موضوعة للنسبة التامة منظوراً إليها بما هي حقيقة واقعة و شي‏ء مفروغ عنه.

2- الجملة الإنشائية:

هي موضوعة للنسبة التامة منظوراً إليها بما هي نسبة يراد تحقيقها.

مثال:

حينما يتحدث شخص عن بيع كتابه بالأمس يقول:

55

«بِعْتُكَ الكِتابَ بِدِينار»

و حينما يريد أن يعقد صفقة مع المشتري يقول:

«بِعْتُكَ الكِتابَ بِدينار»

نلاحظ فرقاً بين الجملتين:

صحيح أن الجملتين تدلان على نسبة تامة بين البيع و البائع، لكن فهمنا للجملة و تصورنا للنسبة في الجملتين فيه اختلاف.

ففي الجملة الخبرية يتصور المتكلم النسبة من حيث هي حقيقة واقعة يخبر عنها فقط.

و في الجملة الإنشائية يتصور المتكلم النسبة من حيث هي نسبة يراد تحقيقها.

رأي صاحب الكفاية:

النسبة التي تدل عليها «بِعْتُ» في حال الإخبار، و «بِعْتُ» في حال الإنشاء نسبة واحدة، و لا يوجد فرق في المدلول التصوري بين الجملتين، و إنما الفرق في المدلول التصديقي.

فالبائع يقصد إبراز اعتبار التمليك و انشاء المعاوضة.

و غير البائع يقصد الحكاية عن المضمون.

إذن:

فالمدلول التصديقي مختلف دون التصوري.

56

ردّ الشهيد:

هذا الكلام يتم في الجملة المشتركة لفظ واحد بين الإنشاء و الإخبار كما في «بعت».

و لا يمكن أن ينطبق على ما يختص به الإنشاء و الإخبار من جمل.

مثال:

افْعَلْ وَ أَفْعَلُ‏

صيغة الأمر مثل: «افْعَلْ» جملة انشائية و لا تستعمل للحكاية عن وقوع الحديث، و إنما تدل على طلب وقوعه.

و الجملة الخبرية «أَفْعَلُ» تختلف في مدلولها التصوري عن المدلول التصوري في «افْعَلْ»، و ليس الفرق في المدلول التصديقي فقط.

و الدليل على ذلك:

أننا نحس بالفرق بين الجملتين في حالة تجردهما عن المدلول التصديقي كما إذا سمعناها من لافظ لا شعور له.

الدلالة التي يبحث عنها في علم الأصول:

العناصر اللغوية في عملية الاستنباط تنقسم إلى قسمين:

1- العناصر المشتركة.

57

2- العناصر الخاصة.

1- العناصر المشتركة:

هي كل أداة لغوية تصلح للدخول في أي دليل مهما كان نوع الموضوع الذي يعالجه ذلك الدليل.

مثال:

صيغة فعل الأمر.

2- العناصر الخاصة:

هي كل أداة لغوية لا تصلح للدخول إلّا في الدليل الذي يعالج موضوعاً

معيناً.

مثال:

كلمة «الإحسان».

تدخل في دليل الحكم المرتبط بالإحسان.

بحوث علم الأصول من اللغة:

يدرس علم الأصول من اللغة العناصر المشتركة دون العناصر الخاصة.

أمثلة:

أ- مدلول صيغة فعل الأمر:

هل تدل على الوجوب أو الاستحباب؟

58

ب- أداة الشرط:

ما هو نوع الربط الذي تدل عليه؟

و ما هي نتائجه في استنباط الحكم الشرعي.

ج-- صيغة الجمع المُعَرَّف باللام:

بعض النماذج من الأدوات المشتركة:

1- صيغة الأمر:

مثال:

اذْهَبْ، صَلِّ، صُمْ، جاهِدْ

يقول الأصوليون:

صيغة فعل الأمر تدل لغة على الوجوب.

تساؤل عن قول الأصوليين:

هل صيغة فعل الأمر تدل على نفس ما تدل عليه كلمة «الوجوب» فتكونان مترادفتين مع أننا نحس بالوجدان أن كلمة «الوجوب» و صيغة فعل الأمر ليستا مترادفتين و إلّا لجاز أن نستبدل إحداهما بالأخرى.

إذن:

صيغة فعل الأمر تدل على معنى يختلف عن المعنى الذي تدل عليه كلمة «الوجوب».

59

تساؤل ثان:

إذن كيف نفهم القول السائد بين الأصوليين بأن صيغة فعل الأمر تدل على الوجوب؟

رأي الشهيد:

نحتاج إلى تحليل مدلول صيغة فعل الأمر لكي نعرف كيف تدل على الوجوب.

إن فعل الأمر يدل على نسبة بين مادة الفعل و الفاعل منظوراً إليها بما هي نسبة يراد تحقيقها و إرسال المكلف نحو إيجادها.

مثال:

الصورة التي يتصورها الصياد عن ذهاب الكلب إلى الفريسة و هو يرسله هي نفس الصورة التي يدل عليها فعل الأمر.

المدلول التصوري لصيغة فعل الأمر:

صيغة فعل الأمر وضعت للنسبة الإرسالية أو الطلبية بوصفها ناتجة عن شوق شديد و إلزام أكيد، و هو الوجوب.

و لهذا يدخل معنى الإلزام و الوجوب ضمن الصورة التي نتصور بها المعنى اللغوي للصيغة عند سماعها دون أن يصبح فعل الأمر مرادفاً لكلمة «الوجوب».

60

الاستعمال الحقيقي و المجازي لصيغة الأمر:

استعمال صيغة الأمر في موارد الوجوب استعمال حقيقي لأنه استعمال في المعنى الموضوع له.

و استعمالها في موارد الاستحباب استعمال مجازي لوجود الشبه بين الاستحباب و الوجوب.

دليل وضع صيغة الأمر للوجوب:

التبادر علامة الحقيقة

إن الآمر العرفي إذا أمر المكلف بصيغة الأمر، و لم يأت المكلف بالمأمور به معتذراً بأنه لم يكن يعرف أن هذا واجب أو مستحب لا يقبل منه العذر و يلام على تخلفه عن الامتثال.

و سبب ذلك انسباق الوجوب عرفاً من اللفظ و تبادره، و التبادر علامة الحقيقة.

2- صيغة النهي:

مثال:

لا تَذْهَبْ‏

يقول الأصوليون:

صيغة النهي تدل على الحرمة.

ملاحظة:

نفس التساؤل الذي ورد في صيغة الأمر يرد هنا و هو: أن‏

61

صيغة النهي و كلمة «الحرمة» ليستا مترادفتين.

رأي الشهيد:

الأمر إرسال و طلب، و النهي إمساك و منع و زجر.

المدلول التصوري لصيغة النهي:

صيغة النهي وضعت للنسبة الإمساكية أو الزجرية بوصفها ناتجة عن كراهة شديدة للمنهي عنه و هي الحرمة، فتدخل الحرمة ضمن الصورة التي نتصور بها المعنى اللغوي لصيغة النهي عند سماعها.

مثال:

حين نسمع جملة «لا تَذْهَبْ» نتصور نسبة بين الذهاب و المخاطب، و نتصور أن المتكلم يمسك مخاطبه عن تلك النسبة و يزجره عنها، كما لو حال كلب الصيد أن يطارد الفريسة فأمسك به الصياد.

الاستعمال الحقيقي و المجازي لصيغة النهي:

استعمال صيغة النهي في موارد الحرمة استعمال حقيقي، و استعمالها في موارد الكراهة استعمال مجازي.

دليل وضع صيغة النهي للحرمة:

التبادر علامة الحقيقة

62

3- الإطلاق:

التعريف:

الإطلاق: هو عدم ذكر القيد.

المُطْلَق: هو اللفظ الذي لم يُقَيَّد.

الناتج من الإطلاق:

يعتبر تجرد الكلمة من القيد اللفظي في الكلام دليلًا على شمول الحكم.

مثال:

قوله تعالى: «أَحَلَّ اللهُ البَيْعَ»

جاءت كلمة «البيع» مجردة عن أي قيد في الكلام، فيدل هذا الإطلاق على شمول الحكم بالحلية لجميع أنواع البيع.

مثال آخر:

إذا قال الأب لولده: أَكْرِم الجارَ.

فالأب لم يقيد كلمة «الجار» بوصف خاص، فيفهم من قوله أنّ الأمر لا يختص بالجار المسلم، بل يشمل الجار الكافر أيضاً.

فإذا أراد الأب الجار المسلم فقط لقال: أكرم الجار المسلم.