دروس في علم الأصول؛ الحلقة الثالثة( طبعة مجمع الفكر)

- السيد محمد باقر الصدر المزيد...
442 /
9

الحلقة الثالثة المجلّد الأوّل‏

مقدّمة التحقيق:

الحمد للَّه ربّ العالمين، و أفضل الصلوات و التحيّات على سيّد رُسله و أفضل بريّته (محمّد) و على آله الطيّبين الطاهرين.

و بعد، فقد كنّا- منذ أمدٍ بعيد- على موعدٍ مع أرباب العلم و الفضيلة من طلّاب هذه المرحلة الدراسيّة من علم الاصول و أساتذتها، في أن اقدّم لهم بعض التعليقات التوضيحيّة اللازمة على الحلقة الثالثة من كتاب «دروس في علم الاصول» لُاستاذنا العبقري الكبير، آية اللَّه العظمى، الشهيد السعيد، السيّد محمّد باقر الصدر (قدس سره)، و لم يحالفني التوفيق للوفاء بهذا الوعد في هذه المدّة الطويلة لأسبابٍ قاهرة، و أخيراً قد منّ اللَّه تبارك و تعالى عليّ بالتوفيق لإنجاز قسمٍ من هذه المهمّة يستوعب ما يقارب نصف الجزء الأوّل من جزأي الحلقة الثالثة من هذا الكتاب، و الباقي تحت يد الإنجاز إن شاء اللَّه تعالى.

و الآن حين اقدّم لهؤلاء الأعزّاء المقدار المنجز ممّا كنت قد وعدتهم به، أرى من الضروري جدّاً أن اشير لهم إلى بعض ما يرتبط بشئون هذا الجهد المتواضع، و ذلك ضمن النقاط التالية:

أوّلًا: إنّ اختلاف مستوى الحلقة الثالثة من هذا الكتاب عن الحلقة الاولى‏

10

و الثانية من حيث الدقّة العلميّة و العمق الفكري، و اشتمالها على كثير من الرموز و الأسرار التي تستدعي الحلّ و التوضيح، مع ملاحظة أنّها آخر حلقة يمرّ بها الطالب قبل حضوره لبحث الخارج حسب المنهجة التي وضعها استاذنا الشهيد (رحمه الله) ... هذه الامور و غيرها جعلتني أشعر بضرورة توسعة هذه التعليقات- كمّاً و كيفاً- في هذه الحلقة بأضعاف ما كنت قد صنعته سابقاً في الحلقة الاولى و الثانية، و هذا ما أدّى إلى أن تكون هذه التعليقات- في صيغتها النهائيّة- أقرب إلى اسلوب الشرح منها إلى اسلوب التعليق، كما أدّى أيضاً إلى العزم على إخراج الكتاب في أربع مجلّدات إن شاء اللَّه تعالى.

ثانياً: إنّ المستوى العلمي الذي راعيناه في هذه التعليقات من حيث المحتوى و اسلوب العرض معاً أقرب إلى السطح الفكري اللائق بأساتذة هذه المادّة من السطح الفكري اللائق بطلّابها، حيث وضعنا همّنا الرئيسي في هذه التعليقات على سدّ حاجة الاستاذ لأجل نجاحه في دور التدريس، ضرورة أنّ الاستاذ يحتاج إلى مستوى أعلى من فهم المادّة و نضجها حتّى يستطيع تفهيمها للطالب بالمقدار المتوقّع له من فهم.

و لهذا فإنّي في الوقت الذي اوصي أساتذة هذه المادّة أن يطالعوا هذه التعليقات بدقّة قبل ممارستهم للتدريس في كلّ مقطع منها، اؤكّد لهم أيضاً عدم ضرورة عرض كلّ ما فيها على الطلّاب، كما اؤكّد أيضاً لطلّاب هذه المادّة أنّ هذه التعليقات لا تغنيهم عن دراسة هذا الكتاب بدقّة على يد الاستاذ المتخصّص في هذه المادّة.

ثالثاً: إنّ هذه التعليقات- رغم التوسّع الحاصل فيها- تقتصر على توضيح ما جاء في متن الكتاب و حلّ رموزه و أسراره بالقدر الذي يساعد على الفهم‏

11

الدقيق و الدرك الناضج لنفس المطالب الواردة فيه، و لا تتعدّى ذلك عادةً إلّا بالقدر الذي تستدعيه الضرورة للتوصّل إلى نفس هذا الهدف، كالمقدّمات العلميّة الدخيلة في فهم ما جاء في المتن، و كالدفاع الضروري أحياناً عمّا جاء في المتن بدفع بعض الشبهات التي قد ترد عليها، إلى غير ذلك ممّا تقتضيه الضرورة في حدود ما يرتبط بنحوٍ و آخر بما جاء في متن الكتاب.

كما أنّي لم أتطرّق في هذه التعليقات إلى ذكر آرائي و نتائج فهمي القاصر و تصوّراتي المحدودة حول الموضوعات العلميّة الواردة في الكتاب و إن كانت على خلاف رأي استاذنا الشهيد (رحمه الله).

رابعاً: وجدنا في بعض الموارد النادرة أنّ المقدار المطلوب من البحث و التحقيق حول بعض المطالب الواردة في المتن يجرّنا إلى بحثٍ واسعٍ يخرجنا عن الطور الطبيعي لهذه التعليقات، و لأجل ذلك عزمنا على عقد فصلٍ مستقلّ في نهاية كلّ مجلّد من الكتاب تحت عنوان (الملحقات) لنبحث فيه البحث التفصيلي اللازم في أمثال هذه الموارد، و نقتصر في التعليق على الإشارة المختصرة إلى ذلك و إحالة التفصيل إلى هذا الفصل.

خامساً: حاولت جهد الإمكان في هذه التعليقات أن لا أتفرّدَ في الرأي عموماً في اسلوب العرض، و مقدار الحاجة إلى البحث و التوضيح، و تعيين مواضع الحاجة إلى التعليق، إلى غير ذلك ممّا يساهم في ارتقاء هذا المشروع العلمي نحو الكمال، فعرضت نماذج من ذلك على جملةٍ من الأساتذة الأفذاذ، و أصغيت إلى ملاحظاتهم و اقتراحاتهم، و أخيراً عمدت إلى اثنين من أفضل طلّابي الأذكياء الذين انتهوا من دراسة هذا الكتاب و أصبحوا في عداد الأساتذة الجدد لهذه المادّة في الحوزة العلميّة- و لا احرز رضاهما بذكر أسمائهما في هذا المجال-

12

و صرت أعرض عليهما كلّما انجزه من هذه التعليقات مقطعاً تلوَ مقطع، ليدقّقا فيه و يعرضا عليَّ رأيهما في مواضع الحاجة إلى الشرح و التبسيط، أو إلى التغيير و التبديل، أو إلى إضافة تعليقٍ جديد، أو غير ذلك، بوصفهما نموذجين ممّن وضعت لهم هذه التعليقات، فاجري التعديلات اللازمة في ضوء ملاحظاتهما و اقتراحاتهما، و هكذا أصبحت هذه التعليقات نتيجةَ جهدٍ جماعيّ- بالمعنى الذي ذكرنا- و المأمول أن تكون هذه النتيجة نموذجيّةً في نوعها إن شاء اللَّه تعالى.

سادساً: اعتمدنا في تحقيق متن الكتاب- من حيث تصحيح الأخطاء، و تنظيم العناوين، و رعاية الامور الفنيّة الاخرى- على ما ذكرنا تأريخَه و شرحَه و تفصيلَه في نهاية عرضنا لحياة المؤلّف (قدس سره) في الحلقة الاولى، و ما حصل بعد ذلك من تكامل جديد في هذا المجال في الطبعة التي قام بها «المؤتمر العالمي للإمام الشهيد الصدر (قدس سره)»، مع بعض التصحيحات التكامليّة الاخرى.

و على هذا الأساس يمكن التأكيد على أنّ متن الكتاب في هذه الطبعة قد حصل على أرقى مستويات التكامل الفنّي و التحقيقي التي أمكن الحصول عليها إلى يومنا هذا من دون إعمال ذوقٍ شخصي خاصّ أو نوعٍ من الفضول في تغيير العبارات، كما صنعه أخيراً- مع كلّ الأسف- بعض محقّقي هذا الكتاب في طبعاتٍ اخرى.

سابعاً: في حقل استخراج المصادر لهذا الكتاب يصحّ لي أن أقول: إنّه كان من أصعب حقول تحقيقه و أكثرها و عورةً، فقد عانيت في هذا الحقل لأجل تحصيل المصادر و المنابع الأصليّة للآراء و النظريّات المنقولة في هذا الكتاب، رغم استعانتي بالجهد المبذول في طبعة المؤتمر لاستخراج المصادر، و يمكن إيعاز هذا العناء إلى أسباب و عوامل عديدة، لعلّ أهمّها ما يلي:

13

1- إنّ النقل الوارد في الكتاب- عادةً- للآراء و النظريّات العلميّة المختلفة نقلٌ بالمعنى و ليس نقلًا باللفظ.

2- عدم انتساب جملةٍ من النظريّات و الآراء في متن الكتاب إلى شخصٍ معيّن.

3- عدم التطابق الدقيق أحياناً بين المطلب العلميّ المنقول في متن الكتاب و بين ما جاء في مظانّه من المصادر و المنابع الموجودة، الأمر الذي جعلني اعبّر أحياناً في بعض التعليقات- بعد تتبّعٍ واسع و جهدٍ جهيد- بمثل تعبير: «إنّ أقرب ما وجدته إلى هذا المعنى ما جاء في كتاب كذا ...» و نحو ذلك من التعابير.

4- كون المطلب المنقول في المتن أحياناً مركّباً من أجزاء تحليليّة متعدّدة لا بدّ من التفتيش عنها في المصادر و جمع بعضها مع بعض حتّى يستنبط منها المطلب المنقول.

5- عدم تطابق المصادر المتعدّدة فيما بينها أحياناً في التعبير عن مفاد نظريّة واحدة، أو في التعبير عن رأي شخصيّةٍ علميّةٍ واحدة في مسألةٍ معيّنة.

إلى غير ذلك من الأسباب.

ثامناً: أجدني راغباً في التأكيد على مثل ما أكّد عليه استاذنا الشهيد (رحمه الله) في المقدّمة التي وضعها لهذه الحلقات الثلاث من «أنّ تبنّي وجهة نظرٍ أو طريقة استدلالٍ أو مناقشة برهانٍ في هذه الحلقات لا يدلّ على اختيار ذلك حقّاً»، فإنّ هذا صادق بشأني أيضاً في هذه التعليقات حتّى في الحالات التي أبذل فيها كلّ الجهد للدفاع عمّا جاء في المتن، و من هنا لا يمكن التعرّف على آرائنا النهائيّة من خلال ما جاء في هذه التعليقات حتّى إذا صيغ بيان الرأي فيها صياغةً تدلّ على التبنّي و الارتضاء.

14

و أخيراً اقدّم ما بوسعي من الشكر الجزيل إلى كلّ من ساهم في إنجاز هذه المهمّة أو شارك في إنجاحها، سواء في مرحلة التحقيق و التعليق أو في مرحلة الطباعة و النشر، و أسأل الباري عزّ و جلّ أن يضعها موضع القبول بلطفه و كرمه، و ينفع بها المؤمنين الراغبين لهذا العلم، و يمنّ علينا بالتوفيق لإكمالها، إنّه سميع مجيب. و آخر دعوانا أن الحمد للَّه ربّ العالمين.

16/ جمادى الاولى/ 1423 ه

علي أكبر الحائري‏

15

الحمد للَّه ربّ العالمين، و الصلاة و السلام على‏ أشرف خلقه محمّد، و على الهداة الميامين من آله الطاهرين.

16

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

17

الحلقَة الثالثَة

تمهيد.

حجّية القطع.

الأدلّة المحرزة.

الاصول العمليّة.

الخاتمة في تعارض الأدلّة.

18

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

19

الحلقة الثالثة

-

تمهيد

تعريف علم الاصول.

موضوع علم الاصول.

الحكم الشرعي و تقسيماته.

تنسيق البحوث المقبلة.

20

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

21

صدق الله العظيم ر فصل فرد

تعريف علم الاصول‏

عُرِّف علم الاصول بأنّه «العلم بالقواعد الممهّدة لاستنباط الحكم الشرعي» (1). و قد لوحظ على‏ هذا التعريف:

أوّلًا: بأنّه يشمل القواعد الفقهيّة، كقاعدة أنّ (ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده) (2).

____________

(1) انظر القوانين 1: 5، و ورد ما يقاربه في الفصول: 9، و هداية المسترشدين 1: 97

(2) مؤدّى هذه القاعدة: أنّ المعاملة التي تستدعي- في فرض صحّتها- ضمانَ شي‏ء في مقابل شي‏ء آخر، فهي تستدعي الضمان أيضاً في فرض وقوعها فاسدة، و إن كان الضمان في فرض الصحّة بالمسمّى و في فرض الفساد بالمثل أو القيمة، و ذلك كالبيع مثلًا، فإنّه إذا وقع على الوجه الشرعي الصحيح ضمن المشتري للبائع الثمن المقرّر بينهما في مقابل السلعة، و يعبّر عن ذلك بضمان المسمّى، و بمقتضى القاعدة المذكورة لو وقع البيع على وجهٍ فاسد- كما إذا اجري العقد بغير اللغة العربيّة و اشترطنا العربيّة في صيغة العقد- كان ضمان تلك السلعة على المشتري أيضاً، بمعنى أنّه و إن لم يدخل الثمن المقرّر بينهما في ملك البائع، كما أنّ السلعة لم تدخل في ملك المشتري، لكنّ السلعة لو تلفت في يد المشتري ضمن للبائع مثلها أو قيمتها، و يعبّر عن ذلك بضمان المثل أو القيمة.

و في مقابل ذلك يقال أيضاً: إنّ ما لا يضمن بصحيحه لا يضمن بفاسده، و ذلك كالهبة مثلًا فإنّها ليس في صحيحها ضمان المسمّى فليس في فاسدها أيضاً ضمان المثل أو القيمة.

هذا هو التفسير المعروف للقاعدة المذكورة، و قد وقعت موضعاً للقبول إجمالًا لدى الأصحاب، و إن وقع الخلاف في حدودها و تفاصيلها طرداً و عكساً (راجع: القواعد الفقهيّة 2: 103- 128)

22

و ثانياً: بأنّه لا يشمل الاصول العمليّة؛ لأنّها مجرّد أدلّةٍ عمليّةٍ و ليست أدلّةً محرزة، فلا يثبت بها الحكم الشرعيّ، و إنّما تحدَّد بها الوظيفة العمليّة.

و ثالثاً: بأنّه يعمّ المسائل اللغويّة (1)، كظهور كلمة «الصعيد»- مثلًا- لدخولها في استنباط الحكم.

____________

(1) قد تقول: إنّ المسائل اللغويّة خارجة عن التعريف المذكور من أساسها، لأنّها ليست قواعد بل هي قضايا جزئيّة خاصّة، ضرورة أنّ دلالة كلّ كلمةٍ على معناها خاصّة بتلك الكلمة.

و الجواب: أنّ المقصود بالقاعدة هنا كلّ قضيّة كليّة مشتملة على موضوع عامّ، و دلالة كلّ كلمةٍ على معناها تعني أنّه «كلّما اطلقت تلك الكلمة دلّت على كذا» و هذه قضيّة كليّة مشتملة على موضوع عامّ، فهي إذاً قاعدة، و لا يمكن إخراجها عن التعريف المذكور عن هذا الطريق‏

23

أمّا الملاحظة الاولى‏ فتندفع: بأنّ المراد بالحكم الشرعيّ الذي جاء في التعريف: جعل الحكم الشرعيّ على‏ موضوعه الكلّي‏ (1)؛ فالقاعدة الاصوليّة ما يستنتج منها جعل من هذا القبيل، و القاعدة الفقهيّة هي بنفسها جعل من هذا القبيل، و لا يستنتج منها إلّا تطبيقات ذلك الجعل و تفصيلاته.

ففرق كبير بين حجّية خبر الثقة و القاعدة الفقهيّة المشار إليها؛ لأنّ الاولى‏ يثبت بها جعل وجوب السورة تارةً، و جعل حرمة العصير العنبيّ اخرى‏، و هكذا، فهي اصوليّة. و أمّا الثانية فهي جعل شرعيّ للضمان على‏ موضوعٍ كلّي‏ (2)، و بتطبيقه على‏ مصاديقه المختلفة- كالإجارة و البيع مثلًا- نثبت ضماناتٍ متعدّدةً مجعولةً كلّها بذلك الجعل الواحد (3).

____________

(1) فإنّ الأحكام الشرعيّة تجعل عادةً في مقام التشريع على موضوعات كليّة مقدّرة الوجود- على نحو القضيّة الحقيقيّة- و مهما تكاثرت مصاديق الموضوع لكلّ حكم شرعيّ يبقى جعل ذلك الحكم واحداً، فحرمة شرب الخمر مثلًا قد جعلت من قبل المولى- تبارك و تعالى- بجعلٍ واحدٍ موضوعه (الخمر) و مهما تكاثرت مصاديق هذا الموضوع بقي الجعل واحداً، و ليست حرمة هذه الخمرة أو تلك إلّا تطبيقات لذلك الجعل الواحد

(2) و هو عنوان (ما يضمن بصحيحه) مثلًا

(3) قد تقول: ما الفرق بين قاعدة (حجيّة خبر الواحد) و قاعدة (ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده)؟ فكما أنّ القاعدة الثانية مجعولة بجعل واحد و ليس الضمان الحاصل في البيع، و الضمان الحاصل في الإجارة، و الضمان الحاصل في كلّ عقد من العقود الاخرى التي يضمن بصحيحها، إلّا تطبيقات لذلك الجعل الواحد. كذلك القاعدة الاولى مجعولةٌ بجعل واحد، و ليست الحجّية الحاصلة في الخبر الدالّ على وجوب السورة، و الحجيّة الحاصلة في الخبر الدالّ على حرمة العصير العنبي، و الحجيّة الحاصلة في كلّ خبر آخر من أخبار الثقات، إلّا تطبيقات لذلك الجعل الواحد.

و الجواب: صحيحٌ أنّ الحجّيات الظاهريّة الحاصلة في صغريات القاعدة الاولى مجرّد تطبيقات للحجيّة المجعولة بجعل واحد في تلك القاعدة، فهي من هذه الناحية كالضمانات الحاصلة في صغريات القاعدة الثانية، و لكن بما أنّ كلّ تطبيق من تطبيقات القاعدة الاولى- أي كلّ حجيّة من تلك الحجيّات الظاهريّة- يشكّل إثباتاً تنجيزيّاً أو تعذيريّاً لحكم واقعيّ خاصّ بمورد ذلك التطبيق، كالحكم الواقعي بوجوب السورة، و الحكم الواقعي بحرمة العصير العنبي، إلى غير ذلك، و كلّ حكم من هذه الأحكام الواقعيّة- على فرض وجوده في الواقع- مجعول بجعل مستقلّ عن الآخر، لهذا أصبحت هذه القاعدة صالحةً لاستنباط جعول شرعيّة متعدّدة من الأحكام الواقعيّة المشكوكة، بعد تفسير الاستنباط بالإثبات التنجيزي و التعذيري. و ليست هذه الجعول الشرعيّة المتعدّدة للأحكام الواقعيّة المشكوكة مجرّد تطبيقات لذلك الجعل الواحد.

و هذا بخلاف القاعدة الثانية، فإنّ الضمانات المتعدّدة التي تحصل في صغرياتها، مجرّد تطبيقات للضمان المجعول بجعلٍ واحد في تلك القاعدة، و ليس وراءَها ضمانات واقعيّة متعدّدة مشكوكة يراد إثباتها بهذه الضمانات حتّى ينتهي إلى استنباط جعول مستقلّة كما في القاعدة الاولى‏

24

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

25

و أمّا الملاحظة الثانية فقد يجاب عليها: تارةً بإضافة قيدٍ إلى‏ التعريف، و هو (أو التي ينتهى إليها في مقام العمل‏ (1))، كما صنع صاحب الكفاية (2). و اخرى‏ بتفسير «الاستنباط» بمعنى‏ الإثبات التنجيزي و التعذيري، و هو إثبات تشترك فيه الأدلّة المحرزة و الاصول العمليّة معاً (3).

و أمّا الملاحظة الثالثة فهناك عدّة محاولاتٍ للجواب عليها:

منها: ما ذكره المحقّق النائينيّ- (قدّس اللَّه روحه)- من إضافة قيد الكبرويّة في التعريف‏ (4) لإخراج ظهور كلمة (الصعيد) فالقاعدة

____________

(1) أي القواعد التي يرجع إليها المكلّف لتحديد الوظيفة العمليّة تجاه الحكم الواقعي المشكوك- و هي المسمّاة بالاصول العمليّة- فإنّها و إن لم تكن ممهّدةً لاستنباط الحكم الشرعي و لكنّ المكلّف ينتهي إليها في مقام العمل‏

(2) كفاية الاصول: 23

(3) فإنّ الأدلّة المحرزة و الاصول العمليّة تشترك جميعاً في تنجيز الحكم الواقعي و التعذير عنه، فإذا فسّرنا كلمة (الاستنباط) الواردة في التعريف بمعنى التنجيز و التعذير سيكون التعريف شاملًا للأدلّة المحرزة و الاصول العمليّة معاً، من دون حاجة إلى إضافة جملة (أو التي ينتهى إليها في مقام العمل). و هذا ما اختاره السيّد الخوئي (رحمه الله) و إن اعترض على الأصحاب بأنّ «ظاهرهم أنّهم أرادوا بالاستنباط الإثبات الحقيقي». (راجع محاضرات في اصول الفقه 1: 9)

(4) يستفاد ذلك من تعريفه (رحمه الله) لعلم الاصول بأنّه «العلم بالقواعد التي إذا انضمّت إليها صغرياتها أنتجت نتيجةً فقهيّة» (أجود التقريرات 1: 5). كما صرّح في بحث الاستصحاب أيضاً بأنّ ملاك المسألة الاصوليّة أن تكون نتيجتها كبرى في قياس الاستنباط (نفس المصدر 4: 8)

26

الاصولية يجب أن تقع كبرى‏ في قياس الاستنباط (1)، و أمّا ظهور كلمة (الصعيد) فهو صغرى في القياس و بحاجةٍ إلى‏ كبرى‏ حجّية الظهور.

و يرد عليه: أنّ جملةً من القواعد الاصوليّة لا تقع كبرى‏ أيضاً، كظهور صيغة الأمر في الوجوب، و ظهور بعض الأدوات في العموم أو في المفهوم، فإنّها محتاجة إلى‏ كبرى‏ حجّية الظهور، فما الفرق بينها و بين المسائل اللغويّة؟ و كذلك أيضاً مسألة اجتماع الأمر و النهي؛ فإنّ‏

____________

(1) الظاهر أنّ المقصود بقياس الاستنباط هو القياس المباشر الذي لا يتوسّط بينه و بين إثبات الحكم الشرعي قياس آخر، كالقياس القائل: إنّ الثقة قد أخبر بوجوب الخمس في المعادن، و كلّما أخبر به الثقة فإخباره به حجّة، و النتيجة هي: أنّ إخبار هذا الثقة بوجوب الخمس في المعادن حجّة. فقاعدة حجيّة خبر الثقة أصبحت كبرى في القياس الذي أنتج الحكم الشرعي مباشرةً.

و هذا بخلاف المسائل اللغويّة مثل دلالة كلمة الصعيد، فإنّها و إن كانت قد تقع كبرى في بعض الأقيسة التي تقع في طريق استنباط الحكم، كالقياس القائل: إنّ كلمة الصعيد قد استعملت في آية التيمّم، و كلّما استعملت هذه الكلمة دلّت بظاهرها على المعنى الفلاني، و النتيجة أنّها دلّت في هذه الآية على المعنى الفلاني. و لكنّ هذا القياس لا ينتج الحكم الشرعي إلّا بواسطة قياس آخر، و هو القياس القائل: إنّ كلمة الصعيد دلّت بظاهرها في الآية الشريفة على معنى كذا، و كلّ دلالة ظهوريّة في الكتاب و السنّة حجّة، و النتيجة: أنّ هذه الدلالة حجّة. و هذا القياس هو الذي ينتج الحكم الشرعي- و لو تنجيزاً و تعذيراً- بدون حاجة إلى توسّط قياس آخر، و قد رأيت أنّ دلالة كلمة الصعيد لم تقع كبرى في هذا القياس و إنّما وقعت صغرى فيه‏

27

الامتناع فيها يحقّق صغرى لكبرى التعارض بين خطابَي: «صلِّ» و «لا تغصب»، و الجواز فيها يحقّق صغرى لكبرى حجّية الإطلاق‏ (1).

و منها: ما ذكره السيّد الاستاذ من استبدال قيد الكبرويّة بصفةٍ اخرى‏، و هي: أن تكون القاعدة وحدها كافيةً لاستنباط الحكم الشرعيّ بلا ضمّ قاعدةٍ اصوليّةٍ اخرى‏ (2)، فيخرج ظهور كلمة (الصعيد)؛ لاحتياجه إلى‏ ضمِّ ظهور صيغة «افعل» في الوجوب، و لا يخرج ظهور صيغة «افعل» في الوجوب و إن كان محتاجاً إلى‏ كبرى‏ حجّية الظهور؛ لأنّ هذه الكبرى‏ ليست من المباحث الاصوليّة؛ للاتّفاق عليها (3).

و نلاحظ على‏ ذلك:

أوّلًا: أنّ عدم احتياج القاعدة الاصوليّة إلى‏ اخرى‏: إن اريد به عدم الاحتياج في كلّ الحالات فلا يتحقّق هذا في القواعد الاصوليّة؛

____________

(1) توضيح ذلك: أنّنا إذا بنينا على امتناع اجتماع الأمر و النهي وقع التعارض بين (صلّ) و (لا تغصب) و لا بدّ من تطبيق بعض قواعد باب التعارض على ذلك، من التساقط أو التقييد أو نحو ذلك، فتكون تلك القاعدة هي الكبرى في قياس الاستنباط. و إذا بنينا على جواز اجتماع الأمر و النهي أصبح كلّ من الدليلين شاملًا بظهوره الإطلاقي لمورد الاجتماع، فتنطبق عليهما قاعدة حجيّة الظهور الإطلاقي، فتكون هي الكبرى في قياس الاستنباط، و مسألة اجتماع الأمر و النهي على كلا التقديرين تحقّق الصغرى في قياس الاستنباط

(2) محاضرات في اصول الفقه 1: 8- 9

(3) محاضرات في اصول الفقه 1: 6

28

لأنّ ظهور صيغة الأمر في الوجوب- مثلًا- بحاجةٍ في كثيرٍ من الأحيان إلى‏ دليل حجّية السند حينما تجي‏ء الصيغة في دليلٍ ظنّيّ السند.

و إن اريد به عدم الاحتياج و لو في حالةٍ واحدةٍ فهذا قد يتّفق في غيرها (1)، كما في ظهور كلمة «الصعيد» إذا كانت سائر جهات الدليل قطعيّة (2).

و ثانياً: أنّ ظهور صيغة الأمر في الوجوب و أيّ ظهورٍ آخر بحاجةٍ إلى‏ ضمِّ قاعدة حجّية الظهور، و هي اصوليّة؛ لأنّ مجرّد عدم الخلاف فيها لا يخرجها عن كونها اصوليّة؛ لأنّ المسألة لا تكتسب اصوليّتها من الخلاف فيها، و إنّما الخلاف ينصبّ على‏ المسألة الاصوليّة (3).

____________

(1) أي في غير القواعد الاصوليّة

(2) كجهة الصدور، وجهة سلامة الدليل عن المعارض، و غير ذلك، فسيكون ظهور كلمة الصعيد حينئذٍ وحده كافياً لاستنباط الحكم الشرعي و لا بدّ من دخوله في علم الاصول بمقتضى التعريف المذكور، و لا يمكن إخراجه عن هذا العلم بسبب حاجة هذا الاستنباط إلى قاعدة حجيّة القطع بالإضافة إلى تعيين دلالة كلمة الصعيد، و ذلك لاعتراف السيّد الخوئي (رحمه الله) بأنّ حجيّة القطع ليست اصوليّة، كما ورد ذلك في تقرير بحثه (مصباح الاصول 2: 5)

(3) بمعنى أنّ كلّ مسألة علميّة إنّما تطرح على صعيد البحث في علم الاصول- فيقع فيها الخلاف تارةً و يتمّ فيها الاتّفاق اخرى- بعد الفراغ عن كونها مسألة اصوليّة، أي بعد شمول تعريف علم الاصول لها، لا أنّها تطرح على صعيد البحث أوّلًا فإن وقع فيها الخلاف أصبحت اصوليّة و إلّا فلا. فمثلًا مسألة دلالة صيغة الأمر على الوجوب لم تصبح مسألة اصوليّة لأجل وقوع الخلاف فيها، بل إنّما وقع فيها الخلاف بوصفها مسألةً اصوليّة مطروحةً على صعيد البحث في علم الاصول‏

29

و هكذا يتّضح أنّ الملاحظة الثالثة واردة على‏ تعريف المشهور.

و الأصحّ في التعريف أن يقال: «علم الاصول هو العلم بالعناصر المشتركة لاستنباط جعلٍ شرعي‏ (1)»، و على هذا الأساس تخرج المسألة اللغويّة كظهور كلمة «الصعيد»؛ لأنّها لا تشترك إلّا في استنباط حال الحكم المتعلّق بهذه المادّة فقط، فلا تعتبر عنصراً مشتركاً.

____________

(1) أي لاستنباط جعل الحكم الشرعيّ على موضوعه الكلّي. و لا يخفى أنّ صيغة التعريف هذه و إن كانت إبداعاً جديداً من قبل استاذنا الشهيد (رحمه الله) لكنّها ليست هي الصيغة النهائيّة التي يتبنّاها هو (رحمه الله) حيث أنّه قد تبنّى في بحث الخارج صيغة مشتملة على تعديلات تكامليّة اخرى لهذه الصيغة، و هي قوله: إنّ علم الاصول هو «العلم بالعناصر المشتركة في الاستدلال الفقهي خاصّة، التي يستعملها الفقيه كدليل على الجعل الشرعيّ الكلّي» على شرح و توضيح تجدهما في الجزء الأوّل من كتاب (بحوث في علم الاصول) الصفحة 31- 35

30

صفحة جديدة

موضوع علم الاصول‏

موضوع علم الاصول- كما تقدّم في الحلقة السابقة (1)- «الأدلّة المشتركة في الاستدلال الفقهي». و البحث الاصوليّ يدور دائماً حول دليليّتها (2).

____________

(1) ضمن مباحث التمهيد، تحت عنوان: موضوع علم الاصول و فائدته‏

(2) قد يبدو للباحث أنّ موضوع علم الاصول بالنحو الذي طرحه السيّد الشهيد (رحمه الله) أصبح مساوياً للتعريف الذي مضى منه لعلم الاصول، بتخيّل أنّ الأدلّة المشتركة في الاستدلال الفقهي هي بنفسها تشكّل العناصر المشتركة لاستنباط الحكم الشرعي، فما الفرق بين تعريف هذا العلم و موضوعه؟.

و الجواب: أنّ المقصود بتعريف كلّ علمٍ ما يصلح للانطباق على كلّ قاعدة من قواعده بما فيها من موضوع و محمول و نسبة، و هذا يعني أنّ العناصر المشتركة المطروحة في صياغة تعريف هذا العلم يقصد بها أمثال القاعدة القائلة: «خبر الثقة حجّة» و القاعدة القائلة: «الظهور حجّة» إلى غير ذلك من القواعد المشتملة على موضوع و محمول و نسبة. و المقصود بموضوع كلّ علمٍ هو الجامع الكلّي القابل للانطباق على موضوعات قواعد ذلك العلم، لا على تمام القاعدة بما فيها من موضوع و محمول و نسبة، و هذا يعني أنّ الأدلّة المشتركة المطروحة في صياغة موضوع هذا العلم يقصد بها ذات (خبر الثقة) و ذات (الظهور) إلى غير ذلك من موضوعات تلك القواعد بوصفها يتوقّع أن تكون أدلّةً مشتركة لإثبات الحكم الشرعي، و يبحث في علم الاصول عن دليليّة كلّ واحد منها لإثبات الحكم الشرعي، بمعنى أنّ خبر الثقة هل هو دليل حقّاً لإثبات الحكم الشرعي أو لا؟ و أنّ الظهور هل هو دليل حقّاً لإثبات الحكم الشرعي أو لا؟ و نحو ذلك‏

31

و عدم تمكّن بعض المحقّقين من تصوير موضوع العلم على‏ النحو الذي ذكرناه أدّى‏ إلى‏ التشكّك في ضرورة أن يكون لكلّ علمٍ موضوع‏ (1)، و وقع ذلك موضعاً للبحث، فاستدلّ على‏ ضرورة وجود موضوعٍ لكلّ علمٍ بدليلين:

أحدهما: أنّ التمايز بين العلوم بالموضوعات‏ (2)، بمعنى‏ أنّ استقلال علم النحو عن علم الطبّ إنّما هو باختصاص كلٍّ منهما بموضوعٍ كلّيٍّ يتميّز عن موضوع الآخر، فلا بدّ من افتراض الموضوع لكلّ علم.

و هذا الدليل أشبه بالمصادرة (3)؛ لأنّ كون التمايز بين العلوم بالموضوعات فرع وجود موضوعٍ لكلّ علم، و إلّا تعيّن أن يكون التمييز

____________

(1) و من جملة القائلين بعدم ضرورة ذلك المحقّق العراقي (رحمه الله) في مقالات الاصول 1: 37، و السيّد الخوئي (رحمه الله) حسب ما في المحاضرات 1: 20

(2) و ينسب ذلك إلى علماء المنطق‏

(3) فإنّ المصادرة معناها: التمسّك بنفس المدّعى في مقام الاستدلال عليه، و الدليل المذكور و إن لم يكن تمسّكاً بنفس المدّعى مباشرةً، لكنّه تمسّكٌ بفرع من الفروع المترتّبة على المدّعى، فإنّ المدّعى المراد إثباته في المقام عبارة عن (ضرورة وجود موضوعٍ لكلّ علم) و قد تمسّك الدليل المذكور لإثبات ذلك بفرعٍ من الفروع المترتّبة على هذا المدّعى، و هو (كون التمايز بين العلوم بالموضوعات)

32

قائماً على‏ أساسٍ آخر، كالغرض.

و الآخر: أنّ التمايز بين العلوم إن كان بالموضوع فلا بدّ من موضوعٍ لكلّ علمٍ إذن لكي يحصل التمايز، و إن كان بالغرض على‏ أساس أنّ لكلّ علمٍ غرضاً يختلف عن الغرض من العلم الآخر فحيث إنّ الغرض من كلّ علمٍ واحد، و الواحد لا يصدر إلّا من واحدٍ (1) فلا بدّ من افتراض مؤثِّرٍ واحدٍ في ذلك الغرض. و لمّا كانت مسائل العلم متعدّدةً و متغايرةً فيستحيل أن تكون هي المؤثّرة بما هي كثيرة في ذلك الغرض الواحد، بل يتعيّن أن تكون مؤثّرةً بما هي مصاديق لأمرٍ واحد. و هذا يعني فرض قضيّةٍ كلّيّةٍ تكون بموضوعها جامعةً بين الموضوعات، و بمحمولها جامعةً بين المحمولات للمسائل، و هذه القضيّة الكلّية هي المؤثّرة، و بذلك يثبت أنّ لكلّ علمٍ موضوعاً؛ و هو موضوع تلك القضيّة الكلّية فيه‏ (2).

____________

(1) هذه قاعدة فلسفيّة حاصلها: أنّ المعلول الواحد لا يمكن أن يصدر من علل متعدّدة، فإذا وجدنا أنّ الحرارة مثلًا تصدر من النار، و من الشمس، و من الاصطكاك، نعرف أنّ هناك جامعاً مشتركاً بين هذه الامور الثلاثة هو العلّة الحقيقيّة لحصول الحرارة، فتكون الحرارة صادرةً في الحقيقة من علّة واحدة- و هي ذاك الجامع المشترك- لا من ثلاث علل مستقلّة

(2) تجد خلاصة هذا البيان مع الإيراد عليه في ألسنة جملة من الاصوليّين، منهم المحقّق الأصفهاني (رحمه الله) في نهاية الدراية 1: 34، و السيّد الخوئي (رحمه الله) في هامش كتاب أجود التقريرات 1: 7

33

و قد اجيب على‏ ذلك: بأنّ الواحد على‏ ثلاثة أقسام: واحد بالشخص‏ (1)، و واحد بالنوع و هو الجامع الذاتيّ لأفراده‏ (2)، و واحد بالعنوان، و هو الجامع الانتزاعيّ الذي قد ينتزع من أنواعٍ متخالفة (3). و استحالة صدور الواحد من الكثير تختصّ بالأوّل‏ (4)، و الغرض المفترض لكلّ‏

____________

(1) و هو الجزئي الحقيقي‏

(2) الجامع الذاتي هو الكلّي الذي يعبّر عن حقيقة ماهويّة مشتركة بين أفراده، مثل: (الإنسان) الذي يعبّر عن حقيقة ماهويّة مشتركة بين (زيد) و (عمرو) أو (الحيوان) الذي يعبّر عن حقيقة ماهويّة مشتركة بين (الإنسان) و (الفرس). و يقابله الجامع العرضي الذي يعبّر عن صفة عرضيّة مشتركة بين أفراده، مثل (الماشي) الذي يعبّر عن صفة عرضيّة مشتركة بين (الإنسان) و (الفرس)

(3) الجامع الانتزاعي يقصد به عادةً المفهوم الذهنيّ الذي يخلقه الذهن من تلقاء نفسه و يطبّقه على الخارج من دون أن يكون بإزائه شي‏ء في الخارج حقيقةً، مثل عنوان (أحدهما) الذي لا يعبّر عن صفة واقعيّة في زيد و عمرو مثلًا، لكنّ الظاهر أنّ المراد به هنا أوسع من ذلك، فيشمل الجامع العرضي الذي يوجد بإزائه شي‏ء واقعي في الخارج، مثل عنوان (الماشي) الذي يعبّر عن صفة واقعيّة عرضيّة مشتركة بين (الإنسان) و (الفرس)

(4) كما ادّعاه السيّد الخوئي (رحمه الله) في هامش كتاب أجود التقريرات 1: 7.

و توضيحه: أنّ الواحد بالشخص لا يصدر إلّا من الواحد بالشخص، أمّا الواحد بالنوع فيمكن صدوره من أنواع متعدّدة، كما أنّ الواحد بالعنوان يمكن صدوره من المتعدّد بالعنوان. ففي المثال المتقدّم يمكن صدور الحرارة- بما هي واحد بالنوع- من النار تارةً، و من الشمس تارة ثانية، و من الاصطكاك تارةً ثالثة- بما هي أنواع متعدّدة- من دون حاجة إلى افتراض كون المؤثّر الحقيقي هو الجامع المشترك بين الامور الثلاثة، نعم كلّ فرد معيّن من الحرارة بما هو جزئي حقيقي و واحد بالشخص لا يمكن أن يصدر إلّا من علّة واحدة بالشخص أيضاً، سواء كان فرداً معيّناً من النار، أو من الشمس، أو من الاصطكاك‏

34

علمٍ ليست وحدته شخصيّة، بل نوعيّةً (1) أو عنوانيّة (2)، فلا ينطبق برهان تلك الاستحالة في المقام.

و هكذا يرفض بعض المحقّقين‏ (3) الدليل على‏ وجود موضوعٍ لكلّ علم، بل قد يبرهن على‏ عدمه: بأنّ بعض العلوم تشتمل على‏ مسائل موضوعها الفعل و الوجود، و على مسائل موضوعها الترك و العدم، و تنتسب موضوعات مسائله إلى‏ مقولاتٍ ماهويّةٍ و أجناسٍ متباينة (4)،

____________

(1) كما ادّعاه السيّد الخوئي (رحمه الله) في هامش كتاب أجود التقريرات 1: 7

(2) كما ادّعاه المحقّق الأصفهاني (رحمه الله) في نهاية الدراية (ج 1، ص 34) بعد اعترافه بأنّ الواحد بالنوع لا يصدر إلّا من الواحد بالنوع، فهو يؤمن بهذه القاعدة الفلسفيّة بالنسبة إلى الواحد بالشخص و الواحد بالنوع دون الواحد بالعنوان، لكنّه يرى أنّ الغرض المفترض لكلّ علم ليس من الضروري أن يكون واحداً بالشخص أو بالنوع بل قد يكون واحداً بالعنوان فلا تنطبق عليه القاعدة المذكورة

(3) منهم المحقّق العراقي (رحمه الله) في المقالات 1: 37، و السيّد الخوئي (رحمه الله) في المحاضرات 1: 20

(4) قسّم الفلاسفة الماهيّة إلى عشر مقولات كأجناسٍ عالية تنتهي إليها جميع أنواع الماهيّات: إحداها مقولة (الجوهر) و تسع منها مقولات عرضيّة، و هي: (الكمّ) و (الكيف) و (الأين) و (متى) و (الوضع) و (الجدة) و (الإضافة) و (أن يفعل) و (أن ينفعل)

35

كعلم الفقه الذي موضوع مسائله الفعل تارةً (1) و الترك اخرى‏ (2)، و الوضع تارةً (3) و الكيف اخرى‏ (4)، فكيف يمكن الحصول على‏ جامعٍ‏

____________

(1) كما في وجوب (الصلاة)

(2) كما في وجوب (الصوم) بناءً على أنّ الصوم الواجب عبارة عن نفس التروك كما عليه المحقّق العراقي (رحمه الله) (مقالات الاصول 1: 37)

(3) عُرّفت مقولة (الوضع) بأنّها: «هيئة حاصلة من نسبة أجزاء الشي‏ء بعضها إلى بعض و المجموع إلى الخارج، كالقيام الذي هو هيئة حاصلة للإنسان من نسبة خاصّة بين أعضائه نفسها و بينها و بين الخارج، من كون رأسه إلى فوق و قدميه إلى تحت» (بداية الحكمة: 77).

و قد مثّل له السيّد الخوئي (رحمه الله) في المقام بالقيام و الركوع و السجود الواجبة في الصلاة (المحاضرات 1: 20)

(4) عرّفت مقولة (الكيف) بأنّه: (عرضٌ لا يقبل القسمة و لا النسبة لذاته) و قسّموه إلى: (الكيفيّات النفسانيّة) كالعلم و الإرادة، و (الكيفيّات المختصّة بالكمّيات) كالزوجيّة و الفرديّة، و (الكيفيّات الاستعداديّة) كاللين و الصلابة، و (الكيفيّات المحسوسة) كالصفرة و الحلاوة (انظر: بداية الحكمة: 76- 77).

و قد مثّل له السيّد الخوئي (رحمه الله) في المقام بالقراءة في الصلاة و سمّاها بالكيف المسموع (المحاضرات 1: 20)

36

بين موضوعات مسائله؟ (1).

____________

(1) و قد ردّ استاذنا الشهيد (رحمه الله) هذا البرهان بأنّه: «لا بدّ و أن يراد بالموضوع الواحد لكلّ علم وجود محور واحد تدور حوله كلّ بحوث العلم الواحد، و هذا قد لا يتطابق مع ما يجعل موضوعاً للمسائل بحسب التدوين خارجاً، لأنّ مرحلة التدوين قد تتأثّر بعوامل و مناسبات تقتضي نهجاً آخر تعرض من خلاله مسائل العلم و بحوثه ... و مثل ذلك يمكن بالنسبة إلى مسائل علم الفقه، فيقال: إنّ الموضوع العامّ الذي تدور حوله بحوث علم الفقه إنّما هو الحكم الشرعي و يكون البحث في المسائل الفقهيّة عن تعيّنات الحكم الشرعي و تَمَثُّلِه في وجوب الصلاة أو الصوم أو حرمة الكذب أو غير ذلك» (بحوث في علم الاصول 1: 41).

و حاصل المراد بهذا الردّ على البرهان المذكور أنّ مسائل علم الفقه مثلًا يمكن طرحها بنحو يكون الموضوع في بعضها فعلًا و في بعضها تركاً، أو يكون في بعضها من مقولة فلسفيّة و في بعضها من مقولة فلسفيّة اخرى، فلا جامع حينئذٍ بين تلك الموضوعات كما ذكر في البرهان. و يمكن طرحها بنحو آخر لا تختلف فيه موضوعاتها من حيث الفعل و الترك أو من حيث المقولات الفلسفيّة، فيمكن اقتناص الجامع حينئذٍ بين تلك الموضوعات.

فمثلًا: تارةً نقول: (فعل الصلاة عند الظهر واجب) و (ترك الأكل و الشرب في نهار شهر رمضان واجب) و (الركوع واجب في الصلاة) و (القراءة واجبة في الصلاة) فنجد أنّ الموضوع في المسألة الاولى من الفعل، و في المسألة الثانية من الترك، و في المسألة الثالثة من مقولة الوضع، و في المسألة الرابعة من مقولة الكيف المسموع- حسب تعبير السيّد الخوئي (رحمه الله)- و هذه لا جامع بينها حتّى يكون موضوعاً لعلم الفقه. و تارةً اخرى نصيغ هذه المسائل بنحو آخر فنقول: (إنّ حكم اللَّه تعالى عند الظهر هو وجوب فعل الصلاة) و (إنّ حكم اللَّه تعالى في نهار شهر رمضان وجوب ترك الأكل و الشرب) و (إنّ حكم اللَّه تعالى في الصلاة وجوب الركوع) و (إنّ حكم اللَّه تعالى في الصلاة أيضاً وجوب القراءة) فحينئذٍ لا نجد اختلافاً في موضوعات هذه المسائل من حيث الفعل و الترك و لا من حيث المقولات الفلسفيّة و يمكن اقتناص جامع بينها و هو (الحكم الشرعي بصورة كلّية).

و يكفي لصدق وجود موضوع واحد لكلّ علمٍ إمكان صياغة مسائله بالنحو الصالح لاقتناص جامع بين موضوعاتها و إن كانت تلك المسائل قد صيغت بالفعل في الكتب المعدّة لذلك العلم بالنحو الآخر الذي لا يمكن معه اقتناص الجامع بين موضوعاتها و ذلك لأنّ المقصود بوجود موضوع واحد لكلّ علمٍ وجود محور واحد في الواقع تدور حوله بحوث ذلك العلم سواءً طابق موضوعات مسائل ذلك العلم بحسب التدوين أو لم يطابق‏

37

و على هذا الأساس استساغوا أن لا يكون لعلم الاصول موضوع.

غير أنّك عرفت أنّ لعلم الاصول موضوعاً كلّياً على‏ ما تقدّم‏ (1).

____________

(1) في بداية هذا البحث‏

38

صفحة جديدة

الحكم الشرعيّ و تقسيماته‏

الأحكام التكليفيّة و الوضعيّة:

قد تقدَّم في الحلقة السابقة (1) أنّ الأحكام الشرعيّة على‏ قسمين: أحدهما الأحكام التكليفيّة، و الآخر الأحكام الوضعيّة، و قد عرفنا سابقاً نبذةً عن الأحكام التكليفيّة. و أمّا الأحكام الوضعيّة فهي على‏ نحوين:

الأوّل: ما كان واقعاً موضوعاً للحكم التكليفي، كالزوجيّة الواقعة موضوعاً لوجوب الإنفاق، و الملكيّة الواقعة موضوعاً لحرمة تصرّف الغير في المال بدون إذن المالك.

الثاني: ما كان منتزعاً عن الحكم التكليفي، كجزئيّة السورة للواجب المنتزعة عن الأمر بالمركّب منها، و شرطيّة الزوال للوجوب المجعول لصلاة الظهر المنتزعة عن جعل الوجوب المشروط بالزوال.

و لا ينبغي الشكّ في أنّ القسم الثاني ليس مجعولًا للمولى‏ بالاستقلال، و إنّما هو منتزع عن جعل الحكم التكليفي؛ لأنّه مع جعل الأمر بالمركّب من السورة و غيرها يكفي هذا الأمر التكليفيّ في انتزاع عنوان الجزئيّة للواجب من السورة، و بدونه لا يمكن أن تتحقّق الجزئيّة للواجب بمجرّد إنشائها و جعلها مستقلًاّ.

____________

(1) ضمن مباحث التمهيد، تحت عنوان: الحكم الشرعي و تقسيمه‏

39

و بكلمةٍ اخرى‏: أنّ الجزئيّة للواجب من الامور الانتزاعيّة الواقعيّة؛ و إن كان وعاء واقعها هو عالم جعل الوجوب، فلا فرق بينها و بين جزئيّة الجزء للمركّبات الخارجيّة من حيث كونها أمراً انتزاعيّاً واقعيّاً؛ و إن اختلفت الجزئيّتان في وعاء الواقع و منشأ الانتزاع، و ما دامت الجزئيّة أمراً واقعيّاً فلا يمكن إيجادها بالجعل التشريعيّ و الاعتبار (1).

____________

(1) توضيح ذلك: أنّ (الجزئيّة) ليست من الامور الاعتباريّة البحتة التي يمكن إيجادها بمجرّد الجعل و الاعتبار، بل هي من الامور الانتزاعيّة التي ينتزعها العقل من مناشئ انتزاعها، فلا بدّ من وجود منشأ انتزاعٍ لها مسبقاً في عالمٍ من العوالم حتّى يمكن انتزاعها منه، و هذا المنشأ تارةً يكون في عالم الخارج، كما في المركّبات الخارجيّة، حيث لا يصدق عنوان الجزئيّة على كلّ جزء منها إلّا بعد وجود ذلك المركّب في عالم الخارج. و اخرى يكون منشأ انتزاعها في عالم التشريع الاعتباري للوجوب، كما في الواجبات المركّبة من أجزاء، حيث لا يصدق عنوان الجزئيّة على كلّ جزءٍ منها إلّا بعد وجود ذلك المركّب في عالم التشريع بجعل الوجوب له من قبل المولى. و هذا يعني أنّ الواجبات المركّبة- كالصلاة مثلًا- ما لم تدخل مسبقاً في عالم التشريع بجعل الوجوب لها من قبل الشارع لا يمكن أن ينتزع منها عنوان (الجزئيّة) لكلّ جزءٍ من أجزائها، لأنّها بحاجة إلى منشأ الانتزاع، و إذا ادخلت في العالم المذكور بجعل الوجوب لها كفى ذلك لانتزاع عنوان (الجزئيّة) لكلّ جزء من أجزائها، و لا معنى حينئذٍ لجعلها من قبل المولى بجعل تشريعي مستقلّ.

و هذا البيان بمجموعه يشكّل وجهاً واحداً للبرهنة على امتناع كون الجزئيّة مجعولةً من قبل المولى بالاستقلال، و لا ينبغي إرجاعه إلى وجهين كما صنعه بعض الأفاضل‏

40

و أمّا القسم الأوّل فمقتضى‏ وقوعه موضوعاً للأحكام التكليفيّة عقلائيّاً و شرعاً هو كونه مجعولًا بالاستقلال؛ لا منتزعاً عن الحكم التكليفي؛ لأنّ موضوعيّته للحكم التكليفيّ تقتضي سبقه عليه رتبةً، مع أنّ انتزاعه يقتضي تأخّره عنه.

و قد تُثار شبهة لنفي الجعل الاستقلاليّ لهذا القسم أيضاً (1) بدعوى‏ أنّه لغو؛ لأنّه‏ (2) بدون جعل الحكم التكليفيّ المقصود لا أثر له، و معه‏ (3) لا حاجة إلى‏ الحكم الوضعي، بل يمكن جعل الحكم التكليفيّ ابتداءً على‏ نفس الموضوع الذي يفترض جعل الحكم الوضعيّ عليه‏ (4).

____________

(1) كما ذهب إليه الشيخ الأعظم الأنصاري (رحمه الله) و إن لم يصرّح بدعوى لزوم اللغويّة، حيث قال: «فهذه الامور بنفسها ليست أحكاماً شرعيّة، نعم الحكم بثبوتها شرعيّ، و حقائقها إمّا امور اعتباريّة منتزعة من الأحكام التكليفيّة- كما يقال: الملكيّة كون الشي‏ء بحيث يجوز الانتفاع به و بعوضه، و الطهارة كون الشي‏ء بحيث يجوز استعماله في الأكل و الشرب و الصلاة، نقيض النجاسة- و إمّا امور واقعيّة كشف عنها الشارع» (فرائد الاصول 3: 130)

(2) أي الجعل الاستقلالي لهذا القسم من الأحكام الوضعيّة

(3) أي مع جعل الحكم التكليفي المقصود

(4) فيقال مثلًا: إنّه لا حاجة إلى جعل عنوان (الملكيّة) أوّلًا على ما يحصل عليه الإنسان بالحيازة أو غيرها من أسباب الملكيّة ثمّ جعل الأحكام التكليفيّة عليها من جواز تصرّفه فيه و حرمة تصرّف الآخرين فيه بغير رضاه إلى غير ذلك، بل يمكن أن تُجعل هذه الأحكام التكليفيّة- ابتداءً- على ما يحصل عليه الإنسان بتلك الأسباب من دون حاجة إلى توسيط عنوان الملكيّة بينها و بينه أصلًا

41

و الجواب على‏ هذه الشبهة: أنّ الأحكام الوضعيّة التي تعود إلى‏ القسم الأوّل اعتبارات ذات جذورٍ عقلائيّة (1)؛ الغرض من جعلها تنظيم‏

____________

(1) لا يخفى أنّ مجرّد كون هذه الأحكام الوضعيّة ذات جذور عقلائيّة لا يكفي جواباً على الشبهة المذكورة ما لم نعرف الغرض من جعلها، إذ ما لم يترتّب غرضٌ معقول على جعلها- مستقلّاً عن جعل أحكامها التكليفيّة- لا موجب لمتابعة الشارع تبارك و تعالى لديدن العقلاء في جعلهم لهذه الأحكام. و لهذا لم يجعل السيّد الشهيد (رحمه الله) هذا البيان جواباً مستقلّاً عن الشبهة المذكورة- كما صنعه بعض الأفاضل- بل إنّما ذكره توطئةً لبيان الغرض من جعل تلك الأحكام، و هو تنظيم الأحكام التكليفيّة و تسهيل صياغتها التشريعيّة، فإنّ هذا الغرض عقلائي قبل أن يكون شرعيّاً.

توضيح ذلك: أنّنا لو افترضنا وجود أسباب عشرة للملكيّة مثلًا، و كانت هناك أحكام تكليفيّة عشرة أيضاً تترتّب على الملكيّة، سواء كانت تلك الأسباب و تلك الأحكام من قبل الشارع تبارك و تعالى أو من قبل العقلاء، فحينئذٍ على فرض إلغاء عنوان الملكيّة يضطرّ المولى الشرعي أو العقلائي أن يعدّد جميع تلك الأسباب لبيان كلّ واحد من تلك الأحكام التكليفيّة، فيقول مثلًا: إنّ ما حصل عليه الإنسان بالحيازة، أو بالإرث، أو بالشراء، أو ... جاز له التصرّف فيه. ثمّ يكرّر نفس هذه الأسباب عند بيان الحكم التكليفي الثاني كحرمة تصرّف الغير بدون رضاه، و كذلك عند بيان الحكم التكليفي الثالث، و هكذا. في حين أنّ بإمكانه أن يلخّص بيان تلك الأسباب بجعل حكمٍ وضعي واحد بعنوان (الملكيّة) ثمّ يكتفي بتكرار هذا العنوان عند بيان كلّ واحد من تلك الأحكام التكليفيّة، و بهذا تنتظم الأحكام التكليفيّة و تسهل صياغتها التشريعيّة

42

الأحكام التكليفيّة و تسهيل صياغتها التشريعيّة، فلا تكون لغواً.

شمول الحكم للعالم و الجاهل:

و أحكام الشريعة- تكليفيّةً و وضعيّةً- تشمل في الغالب العالم بالحكم و الجاهل على السواء، و لا تختصّ بالعالم. و قد ادّعي أنّ الأخبار الدالّة على‏ ذلك مستفيضة (1)، و يكفي دليلًا على‏ ذلك إطلاقات أدلّة تلك الأحكام. و لهذا أصبحت قاعدة اشتراك الحكم الشرعيّ بين العالم و الجاهل مورداً للقبول على‏ وجه العموم بين أصحابنا، إلّا إذا دلّ دليل خاصّ على‏ خلاف ذلك في مورد (2).

____________

(1) بل قد ادّعى الشيخ الأعظم (رحمه الله) في فرائده (1: 113) أنّها متواترة. و الظاهر أنّ المقصود بها أخبار الاحتياط الوارد جلّها في كتاب الوسائل الجزء 27 الباب 12 من أبواب صفات القاضي، و ذلك بدعوى أنّ هذه الأخبار لو لم تتمّ دلالتها على وجوب الاحتياط عند الشكّ فلا أقلّ من دلالتها على شمول الحكم الواقعي للإنسان الشاكّ و إن كان محكوماً بالبراءة ظاهراً

(2) كما في حكم الجهر و الإخفات في الصلاة، و في وجوب القصر في السفر، بناءً على رأي المشهور، حيث قالوا: إنّ وجوب الجهر في الصلوات الجهريّة و وجوب الإخفات في الصلوات الإخفاتيّة خاصّ بالعالمين بهذا الحكم، أمّا الجاهل به فحكمه الواقعي يختلف عن حكم الإنسان العالم، إذ لا يجب عليه الالتزام بالجهر و الإخفات لا على مستوى الحكم الظاهري فحسب بل على مستوى الحكم الواقعي، فتكون صلاته صحيحةً واقعاً، و لا تجب عليه الإعادة بمقتضى القاعدة و إن انكشف له الأمر بعد ذلك. و قالوا بمثل ذلك أيضاً في وجوب القصر على المسافر فتكون صلاته صحيحةً واقعاً حتّى لو أتمّ في السفر ما دام جاهلًا بالحكم‏

43

و قد يبرهن على‏ هذه القاعدة عن طريق إثبات استحالة اختصاص الحكم بالعالم؛ لأنّه يعني أنّ العلم بالحكم قد اخذ في موضوعه، و ينتج عن ذلك تأخّر الحكم رتبةً عن العلم به و توقّفه عليه وفقاً لطبيعة العلاقة بين الحكم و موضوعه‏ (1).

____________

(1) البرهان المذكور لإثبات استحالة اختصاص الحكم بالعالمين به يشتمل في الحقيقة على صغرى و كبرى:

أمّا الصغرى فهي ما جاء في المتن من أنّ اختصاص الحكم بالعالمين به يؤدّي إلى تأخّر الحكم رتبةً عن العلم به و توقّفه عليه.

و أمّا الكبرى فهي عبارة عن أنّ تأخّر الحكم رتبة عن العلم به مستحيل، و ذلك إمّا لأنّه يستلزم الدور- بدعوى تأخّر كلّ علم رتبةً عن معلومه- و إمّا لأنّه يستلزم مساهمة العلم في خلق معلومه، و هو ينافي مقتضى طبيعة العلم عقلًا، فإنّ مقتضى طبيعة العلم عقلًا أنّ وظيفته تجاه معلومه مجرّد الكشف و دوره دور المرآة، فلا يمكن له المساهمة في خلق ما يكشف عنه، كما مضى ذلك مشروحاً في بحث الدليل العقلي من الحلقة السابقة تحت عنوان (أخذ العلم بالحكم في موضوع الحكم)

44

و لكن قد مرّ بنا في الحلقة السابقة (1): أنّ المستحيل هو أخذ العلم بالحكم المجعول في موضوعه لا أخذ العلم بالجعل في موضوع الحكم المجعول فيه‏ (2).

و يترتّب على‏ ما ذكرناه من الشمول‏ (3): أنّ الأمارات و الاصول التي يرجع إليها المكلّف الجاهل في الشبهة الحكميّة أو الموضوعيّة قد تصيب الواقع، و قد تخطئ، فللشارع إذن أحكام واقعيّة محفوظة في حقّ الجميع، و الأدلّة و الاصول في معرض الإصابة و الخطأ، غير أنّ خطأها مغتفر؛ لأنّ الشارع جعلها حجّة، و هذا معنى‏ القول بالتخطئة.

____________

(1) ضمن مباحث الدليل العقلي، تحت عنوان: أخذ العلم بالحكم في موضوع الحكم‏

(2) و المقصود بالمجعول- كما مضى في الحلقة السابقة- بلوغ الحكم حدّ الفعليّة، و الحاصل: أنّ المستحيل إنّما هو اختصاص الحكم بمن حصل له العلم بفعليّة ذلك الحكم لا اختصاصه بمن حصل له العلم بمجرّد جعله، لأنّ الثاني إنّما يؤدّي إلى تأخّر فعليّة الحكم رتبةً عن العلم بجعله- لا عن العلم بتلك الفعليّة- و هذا لا يستلزم شيئاً من المحاذير السابقة. وعليه يمكن ثبوتاً اختصاص الحكم بالعالم به بمعنى اختصاصه بالعالم بجعله لا بالعالم بفعليّة المجعول، و كلّ حكمٍ ثبت- بدليل خاصّ- اختصاصه بالعالمين به لا بدّ من حمله على هذا المعنى، و كلّ حكمٍ لم يثبت فيه ذلك لا بدّ من التمسّك فيه بإطلاق دليله، فتثبت قاعدة اشتراك الأحكام بين العالم و الجاهل إلّا ما خرج بدليل خاصّ‏

(3) أي شمول الأحكام للعالم و الجاهل‏

45

و في مقابله ما يسمّى‏ بالقول بالتصويب، و هو: أنّ أحكام اللَّه تعالى‏ ما يؤدّي إليه الدليل و الأصل، و معنى ذلك أنّه ليس له من حيث الأساس أحكام، و إنّما يحكم تبعاً للدليل أو الأصل، فلا يمكن أن يتخلّف الحكم الواقعيّ عنهما.

و هناك صورة مخفَّفة للتصويب، مؤدّاها: أنّ اللَّه تعالى‏ له أحكام واقعيّة ثابتة من حيث الأساس؛ و لكنّها مقيّدة بعدم قيام الحجّة من أمارةٍ أو أصلٍ على‏ خلافها، فإن قامت الحجّة على‏ خلافها تبدّلت و استقرّ ما قامت عليه الحجّة.

و كلا هذين النحوين من التصويب باطل:

أمّا الأوّل فلشناعته و وضوح بطلانه، حيث إنّ الأدلّة و الحجج إنّما جاءت لتُخبرنا عن حكم اللَّه و تحدّد موقفنا تجاهه، فكيف نفترض أنّه لا حكم للَّه من حيث الأساس؟!.

و أمّا الثاني فلأنّه مخالف لظواهر الأدلّة (1)، و لِما دلّ على‏ اشتراك الجاهل و العالم في الأحكام الواقعيّة (2).

الحكم الواقعي و الظاهري:

ينقسم الحكم الشرعيّ- كما عرفنا سابقاً- إلى‏ واقعيٍّ لم يؤخذ في موضوعه الشكّ، و ظاهريٍّ اخذ في موضوعه الشكّ في حكمٍ شرعيٍ‏

____________

(1) أي لإطلاقات أدلّة الأحكام الشرعيّة التي تقتضي شمولها للعالم و الجاهل‏

(2) و هي الأخبار التي مضت الإشارة إليها و قيل: إنّها مستفيضة أو متواترة

46

مسبق‏ (1). و قد كنّا نقصد حتّى الآن في حديثنا عن الحكم: الأحكام الواقعيّة.

____________

(1) الظاهر أنّ هذا التعريف للأحكام الظاهريّة و الواقعيّة هو التعريف المشهور بين المحقّقين المتأخّرين، كما يبدو من التتبّع و الدقّة في موارد استعمالهم لهذين العنوانين، و لكن وقع التشويش في كلمات جملة منهم، حتّى ادّعى بعضهم وجود اصطلاحين للأحكام الظاهريّة، و اعتبر الحكم الثابت بالأمارات من الأحكام الواقعيّة بمقتضى أحد الاصطلاحين و من الأحكام الظاهريّة بمقتضى الاصطلاح الآخر (اصول الفقه 1: 228 ضمن بحث الإجزاء).

و الذي يقتضيه التعريف المذكور هنا أنّ الأمارة الحجّة شرعاً إذا دلّت على حكمٍ متعلّق بذات الشي‏ء لا بوصفه مجهول الحكم مسبقاً، كالوجوب المتعلّق بفعل الصلاة، و الحرمة المتعلّقة بشرب الخمر، و نحو ذلك، كان مدلولها هذا- أي مؤدّى الأمارة- حكماً واقعيّاً، لأنّه لم يؤخذ في موضوعه الشكّ في حكم شرعي مسبق، غاية الأمر أنّه حكم واقعي مظنون و ليس مقطوعاً به، و هذا لا ينافي كونه حكماً واقعيّاً على تقدير وجوده، لأنّه على تقدير وجوده متعلّق بذات فعل الصلاة مثلًا لا بوصفه مجهول الحكم، و هذا يعني أنّه لم يؤخذ في موضوعه شكٌّ في حكم شرعي مسبق.

و في نفس الوقت ستكون حجّية هذه الأمارة- أي الحكم بالبناء على صدقها تعبّداً عند الشكّ- حكماً ظاهريّاً، لأنّ هذه الحجّية حكمٌ شرعيّ اخذ في موضوعه الشكّ في حكم شرعي مسبق، ضرورة أنّ الشارع إنّما حكم بحجّية هذه الأمارة على من يشكّ في صدقها، أمّا العالم بصدقها أو كذبها فلا معنى لجعل الحجيّة التعبّدية بشأنه، و من الواضح أنّ مرجع الشكّ في صدقها إلى الشكّ في ثبوت الحكم الواقعي الوارد في مؤدّاها، و هذا يعني أنّ حكم الشارع بحجيّة الأمارة الدالّة على وجوب الصلاة مثلًا مرجعه إلى الحكم بالبناء على ثبوت هذا الوجوب عند الشكّ في ثبوته واقعاً، فهو إذاً حكمٌ اخذ في موضوعه الشكّ في حكمٍ شرعي مسبق.

و الحاصل: إنّ الأمارة الدالّة على وجوب الصلاة مثلًا مؤدّاها حكمٌ واقعيٌّ مظنون، و حجّيتها حكمٌ ظاهري.

و قد يكون مؤدّى الأمارة حكماً ظاهريّاً أيضاً، كما إذا دلّت الأمارة على حكمٍ متعلّق لا بذات الشي‏ء بما هو، بل بوصفه مجهول الحكم، كالأمارة الدالّة على البراءة عند الشكّ- مثل رواية (رُفع عن امّتي ما لا يعلمون)- فإنّ مؤدّى هذه الأمارة عبارة عن حكمٍ اخذ في موضوعه الشكّ في حكم شرعيّ مسبق، فهو حكمٌ ظاهريّ.

و كذلك الأمارة الدالّة على حجّية أمارة اخرى فإنّ حجّية الأمارة الاخرى التي هي مدلول الأمارة الاولى حكمٌ اخذ في موضوعه الشكّ في حكم شرعي مسبق، فيكون مؤدّى الأمارة الاولى حكماً ظاهريّاً.

و هكذا يظهر أنّ مؤدّى الأمارة تارةً يكون حكماً واقعيّاً و اخرى حكماً ظاهريّاً، و أمّا حجّيتها فهي حكم ظاهري دائماً.

و قد يتوهّم أنّ حجّية الأمارة يكون جعلها الكلّي الصادر من الشارع حكماً واقعيّاً، و مجعولاتها الفعليّة الحاصلة في صغريات تلك الأمارة أحكاماً ظاهريّة، ففي مثل حجّية خبر الثقة يكون أصل الحجّية الصادرة من الشارع كقاعدة عامّة حكماً واقعيّاً، و الحجّيات الفعليّة التي تحصل لمثل الخبر الدالّ على وجوب الصلاة و الخبر الدالّ على حرمة العصير العنبي إلى غير ذلك أحكاماً ظاهريّةً. و كذلك أيضاً بالنسبة إلى الأحكام الظاهريّة الاخرى كأصالة البراءة مثلًا، فيكون أصل جعل البراءة كقاعدة عامّة للإنسان الشاكّ حكماً واقعيّاً، و مجعولاته الفعليّة الحاصلة عند تحقّق هذا الشكّ و ذاك الشكّ أحكاماً ظاهريّة.

و السبب في هذا التوهّم أنّ ما يتقوّم بتحقّق الشكّ في الخارج إنّما هو الوجود الفعلي للحكم الظاهري، أمّا وجوده الجعلي فهو غير متقوّم بتحقّق الشكّ في الخارج، ضرورة أنّ الجعل الكلّي لما يسمّى بالحكم الظاهري قد يكون صادراً من الشارع قبل تحقّق الشكّ المأخوذ فيه في الخارج، فبناءً على أنّ الحكم الظاهري ما اخذ في موضوعه الشكّ في حكم شرعي مسبق، لا بدّ من القول بأنّ الحكم المقيّد بحال الشكّ في حكم شرعيّ مسبق ليس جعله الكلّي حكماً ظاهريّاً بل إنّ مجعوله بوجوده الفعلي حكم ظاهري.

و لكنّ هذا توهّم باطل، لأنّ ما ذكرناه من كون الحكم الظاهري هو الحكم المأخوذ في موضوعه الشكّ في حكم شرعيّ مسبق، ليس المراد منه كونه متقوّماً بتحقّق هذا الشكّ في الخارج، بل المراد من ذلك كون هذا الشكّ مأخوذاً في موضوعه و لو على طريقة الموضوع المأخوذ في القضايا الحقيقيّة، بمعنى أن يكون الشكّ مقدّر الوجود في موضوع ذلك الحكم. فكما أنّ الأحكام الواقعيّة المقيّدة بقيود اخرى غير الشكّ- كالاستطاعة و نحوها- لها جعلٌ و لها مجعول، و جعلها قد يكون صادراً قبل تحقّق تلك القيود في الخارج، و مجعولها الفعلي يتقوّم بتحقّق تلك القيود، كذلك الأحكام الظاهريّة المقيّدة بالشكّ في حكم شرعيّ مسبق، فإنّ لها أيضاً جعلٌ و لها مجعول، و جعلها قد يكون صادراً قبل تحقّق ذلك الشكّ في الخارج، و مجعولها الفعلي متقوّم بتحقّق ذلك الشكّ في الخارج، و هذا لا يعني أنّ جعلها ليس حكماً ظاهريّاً، بل هي أحكام ظاهريّة بما فيها من جعل و مجعول‏

47

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

48

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

49

و قد مرَّ بنا في الحلقة السابقة (1) أنّ مرحلة الثبوت للحكم- الحكم الواقعيّ- تشتمل على‏ ثلاثة عناصر، و هي: الملاك، و الإرادة، و الاعتبار. و قلنا: إنّ الاعتبار ليس عنصراً ضروريّاً، بل يستخدم غالباً كعملٍ تنظيميٍّ و صياغي.

و نريد أن نشير الآن إلى‏ حقيقة العنصر الثالث الذي يقوم الاعتبار بدور التعبير عنه غالباً (2).

و توضيحه: أنّ المولى‏ كما أنّ له حقَّ الطاعة على‏ المكلّف فيما يريده منه كذلك له حقّ تحديد مركز حقّ الطاعة في حالات إرادته شيئاً من المكلّف، فليس ضرورياً- إذا تمّ الملاك في شي‏ءٍ و أراده المولى‏- أن يجعل نفس ذلك الشي‏ء في عهدة المكلّف مصبّاً لحقّ الطاعة، بل يمكنه أن يجعل مقدمة ذلك الشي‏ء- التي يعلم المولى‏ بأنّها مؤدِّية إليه- في عهدة المكلّف دون نفس الشي‏ء، فيكون حقّ الطاعة منصبّاً على‏ المقدّمة ابتداءً، و إن كان الشوق المولويّ غير متعلّقٍ بها إلّا تبعاً (3). و هذا يعني أنّ حقّ الطاعة ينصبّ على‏ ما يحدّده المولى‏- عند

____________

(1) ضمن مباحث التمهيد، تحت عنوان: مبادئ الحكم التكليفي‏

(2) الظاهر أنّ قيد الغلبة هنا راجع إلى أصل قيام الاعتبار بدور التعبير عن العنصر الثالث، لا إلى كونه معبّراً عن هذا العنصر، فإنّ الاعتبار متى ما كان قائماً و صادراً من المولى فهو يؤدّي دور التعبير عن العنصر المذكور، و ليس أداؤه لهذا الدور و تعبيره عنه غالبيّاً، و إنّما أصل قيامه لأجل أداء هذا الدور غالبيّ و ليس دائميّاً، كما مضى‏

(3) فمثلًا لو تعلّق الشوق المولوي من حيث الأساس بسقي الحديقة فليس من الضروري أن يأمر بفعل السقي و يجعله في عهدة المكلّف مباشرةً، بل يمكنه أن يأمر بفتح مجرى الماء الذي يؤدّي إلى سقي الحديقة مثلًا، فيتركّز حقّ الطاعة حينئذٍ في هذه المقدّمة و إن لم يعرف العبد المركز الأصلي الذي تعلّقت به الإرادة المولويّة من حيث الأساس. و قد يكون كثير من الأحكام الشرعيّة من هذا القبيل، فمثلًا بالنسبة إلى وجوب الصلاة قد يكون المركز الأصلي للإرادة المولويّة هو بعض الآثار و النتائج المترتّبة على الصلاة- كالانتهاء عن الفحشاء و المنكر مثلًا- لكنّ اللَّه تبارك و تعالى ركّز حقّ طاعته على فعل الصلاة و اتّخذ الجعل الاعتباري للوجوب وسيلةً للكشف عن المصبّ الذي عيّنه لحقّ طاعته‏

50

إرادته لشي‏ءٍ- مصبّاً له و يدخله في عهدة المكلّف، و الاعتبار هو الذي يستخدم عادةً للكشف عن المصبّ الذي عيّنه المولى‏ لحقّ الطاعة (1)، فقد يتّحد مع مصبّ إرادته، و قد يتغاير.

[شبهات حول الحكم الظاهري:

] و أمّا الأحكام الظاهرية فهي مثار لبحثٍ واسع؛ وُجِّهت فيه عدّة اعتراضاتٍ للحكم الظاهريّ تبرهن على‏ استحالة جعله عقلًا (2)، و يمكن‏

____________

(1) و بهذا يظهر أنّ حقيقة العنصر الثالث و واقعه ليس هو اعتبار الوجوب و الحرمة و ما شابه، بل إنّما هو تحديد مركز حقّ الطاعة، و ليس الاعتبار المذكور إلّا وسيلةً للكشف عن ذلك‏

(2) اثيرت هذه الشبهة حول حجّية خبر الواحد غير القطعيّ من قبل محمّد بن عبد الرحمن المعروف بابن قبة على ما نسب إليه في المعالم: 189، كما نسبت إليه الشبهة المذكورة أيضاً حول حجّية مطلق الأمارات غير القطعيّة في كتاب أجود التقريرات 3: 109

51

تلخيص هذه البراهين في ما يلي:

1- إنّ جعل الحكم الظاهريّ يؤدّي إلى‏ اجتماع الضدّين أو المثلين؛ لأنّ الحكم الواقعيّ ثابت في فرض الشكّ بحكم قاعدة الاشتراك المتقدّمة، و حينئذٍ فإن كان الحكم الظاهريّ المجعول على‏ الشاكّ مغايراً للحكم الواقعيّ نوعاً- كالحلّيّة و الحرمة- لزم اجتماع الضدّين، و إلّا لزم اجتماع المثلين.

و ما قيل سابقاً (1) من أنّه لا تنافي بين الحكم الواقعيّ و الظاهري لأنّهما سنخان مجرّد كلامٍ صوريٍّ إذا لم يُعطَ مضموناً محدَّداً؛ لأنّ مجرّد تسمية هذا بالواقعيِّ و هذا بالظاهريِّ لا يخرجهما عن كونهما حكمين من الأحكام التكليفية (2)، و هي متضادّة.

____________

(1) في الحلقة الثانية من هذا الكتاب ضمن مباحث التمهيد، تحت عنوان: اجتماع الحكم الواقعي و الظاهري‏

(2) هذا الكلام تكميلٌ و استمرار لبيان شبهة التضادّ أو التماثل بين الحكم الواقعي و الظاهري، و حاصله: أنّه متى ما كان الحكم الواقعي المجهول واحداً من الأحكام التكليفيّة الخمسة، و قد خفي علينا شخصه، فمن المستحيل على المولى أن يجعل لنا حكماً تكليفيّاً آخر في مورد ذلك الحكم الواقعي لأجل تعيين الموقف العملي، و إن سُمّي الأوّل بالحكم الواقعي و الثاني بالحكم الظاهري، و ذلك لأنّ الأحكام التكليفيّة الخمسة متضادّة فيما بينها- كما سبق- فإن كان هذان الحكمان من نوع حكم واحد من الأحكام التكليفيّة الخمسة- كما إذا كان كلاهما عبارة عن الحكم بالوجوب- لزم اجتماع المثلين، و إن كانا من نوعين مختلفين- كما إذا كان أحدهما وجوباً و الآخر إباحةً- لزم اجتماع الضدّين، و لا يمكن علاج هذه الاستحالة بمجرّد تسمية أحدهما بالحكم الواقعي و الآخر بالحكم الظاهري ما لم نعرف حقيقة الفرق بينهما، و هل أنّهما حكمان تكليفيّان حقّاً أو أنّ الحكم الظاهري له حقيقة اخرى تختلف عن حقيقة الأحكام التكليفيّة الموجودة في الواقع؟ و هل أنّ تلك الحقيقة الاخرى إن كانت فهي كافية لحلّ مشكل التضادّ أو التماثل، أو غير كافية لذلك؟

و بهذا يظهر أنّ بداية عرض هذه الشبهة تكون مبنيّةً على أساس تفسير الحكم الظاهري بحكم تكليفي آخر مماثل في حقيقته للحكم التكليفي الواقعي المجهول، سواء كان من نوعه أو من نوع آخر- و هو ما يسمّى بنظريّة جعل الحكم المماثل- و من خلال الجواب على هذه الشبهة سننتقل إلى النظريّات الاخرى في تفسير حقيقة الحكم الظاهري، و نبحث عن أنّ أسباب التضادّ و التماثل المستحيلين عقلًا هل تبقى قائمةً في ظلّ تلك النظريات الاخرى، أو أنّها تزول في ظلّها فيرتفع الإشكال‏

52

2- إنّ الحكم الظاهريّ إذا خالف الحكم الواقعيّ فحيث إنّ الحكم الواقعيّ بمبادئه محفوظ في هذا الفرض- بحكم قاعدة الاشتراك- يلزم من جعل الحكم الظاهريّ في هذه الحالة نقض المولى‏ لغرضه الواقعي بالسماح للمكلّف بتفويته؛ اعتماداً على‏ الحكم الظاهريّ في حالات عدم تطابقه مع الواقع، و هو يعني إلقاء المكلّف في المفسدة، و تفويت المصالح الواقعية المهمّة عليه‏ (1).

____________

(1) و يمكن إرجاع هذا الاعتراض إلى شبهتين مستقلّتين:

الاولى: أنّ جعل الحكم الظاهري على خلاف الواقع يستلزم نقض الغرض، و هو مستحيل بالنسبة إلى العاقل الملتفت إلى غرضه، لأنّه يؤدّي إلى التفكيك بين العلّة الغائيّة و معلولها. و هذا يرجع إلى مدركات العقل النظري.

و الثانية: أنّه يستلزم إلقاء الناس في المفسدة و تفويت المصالح عليهم، و هو قبيح. و هذا يرجع إلى مدركات العقل العملي‏

53

3- إنّ الحكم الظاهريّ من المستحيل أن يكون منجِّزاً للتكليف الواقعيّ المشكوك و مصحّحاً للعقاب على‏ مخالفة الواقع؛ لأنّ الواقع لا يخرج عن كونه مشكوكاً بقيام الأصل أو الأمارة المثبِتَين للتكليف.

و معه يشمله حكم العقل بقبح العقاب بلا بيانٍ- بناءً على‏ مسلك قاعدة قبح العقاب بلا بيان-، و الأحكام العقلية غير قابلةٍ للتخصيص‏ (1).

____________

(1) حاصل هذا الاعتراض: أنّ القائلين بالتخطئة و بأنّ الحكم الظاهري لا يغيّر الواقع يعترفون عادةً بأنّ الأحكام الظاهريّة ليس لها تنجيز و تعذير بصورة مستقلّة عن الأحكام الواقعيّة، و إنّما هي تنجّز الحكم الواقعي المحتمل أو تعذّر عنه، و حينئذٍ يقال بأنّ الحكم الظاهري كيف يمكنه أن ينجّز الحكم الواقعي في حال كونه مشكوكاً و مشمولًا لقاعدة قبح العقاب بلا بيان، فإنّ هذه القاعدة- عند القائلين بها- قاعدة عقليّة غير قابلة للإلغاء أو التخصيص من قبل الشارع، إذ أنّ الشارع- بما هو شارع- لا يمكنه التدخّل في الأحكام العقليّة فيرفع قبح الفعل القبيح- مثلًا- في بعض الحالات.

و لا يخفى أنّ ظاهر بعض كلمات الأصحاب دالّ على أنّهم يقصدون بالبيان الذي اخذ عدمُه في موضوع هذه القاعدة ما يعمّ البيان على الحكم الواقعي و البيان على الحكم الظاهري، و بناءً على هذا متى ما وصل إلينا بيان على الحكم الظاهري انتفى به موضوع قاعدة قبح العقاب بلا بيان، و هذا لو تمّ كان مرجعه إلى ضيق دائرة هذه القاعدة العقليّة من أساسها على فرض صحّتها، و لا يستلزم تخصيص الحكم العقلي بالدليل الشرعي حتّى يقال باستحالة ذلك.

و لكن يمكن أن يقع الكلام في مدى تماميّة أصل هذه الدعوى، أعني اختصاص موضوع القاعدة من أساسها بصورة عدم وصول بيانٍ على الحكم الظاهري بالإضافة إلى الواقعي بناءً على صحّة أصل هذه القاعدة، فإنّ هذه الدعوى منوطة بمعرفة حقيقة الحكم الظاهري و تفسير الفرق الجوهري بينه و بين الحكم الواقعي، حتّى يُعرف مدى تناسب ذلك لأخذ عدمه قيداً في موضوع هذه القاعدة

54

شبهة التضادّ و نقض الغرض:

أمّا الاعتراض الأوّل فقد اجيب عليه بوجوه:

منها: ما ذكره المحقِّق النائيني (قدس سره)(1) من أنّ إشكال التضادّ نشأ من افتراض أنّ الحكم الظاهريّ حكم تكليفي، و أنّ حجّية خبر الثقة- مثلًا- معناها جعل حكمٍ تكليفيٍّ يطابق ما أخبر عنه الثقة من أحكام،

____________

(1) تجد تفصيل ذلك في كتاب (أجود التقريرات) الجزء الثالث، في بحث قيام الأمارة مقام القطع الطريقي: 19- 27، و في بحث الجمع بين الحكم الواقعي و الظاهري: 129- 131. و لا يخفى أنّ الوجه المذكور إنّما طرحه الميرزا النائيني (رحمه الله) لحلّ مشكلة التضادّ في باب الأمارات و الاصول المحرزة فحسب، و أمّا في باب الاصول العمليّة البحتة فقد دفع إشكال التضادّ بدعوى اختلاف الرتبة بين الحكم الظاهري و الواقعي، على شرح و تفصيل تجدهما في تقرير بحثه (نفس المصدر: 135- 140)

55

و هو ما يسمّى‏ ب (جعل الحكم المماثل)، فإن أخبر الثقة بوجوب شي‏ءٍ و كان حراماً في الواقع، تمثّلت حجّيته في جعل وجوبٍ ظاهريٍّ لذلك الشي‏ء وفقاً لما أخبر به الثقة، فيلزم على‏ هذا الأساس اجتماع الضدّين، و هما: الوجوب الظاهري و الحرمة الواقعية.

و لكنّ الافتراض المذكور خطأ؛ لأنّ الصحيح أنّ معنى‏ حجّية خبر الثقة- مثلًا- جعلُه عِلماً و كاشفاً تامّاً عن مؤدّاه بالاعتبار، فلا يوجد حكم تكليفيّ ظاهريّ زائداً على‏ الحكم التكليفيّ الواقعيّ ليلزم اجتماع حكمين تكليفيّين متضادّين؛ و ذلك لأنّ المقصود من جعل الحجية للخبر- مثلًا- جعله منجِّزاً للأحكام الشرعية التي يحكي عنها، و هذا يحصل بجعله علماً و بياناً تامّاً؛ لأنّ العلم منجِّز، سواء كان علماً حقيقةً كالقطع، أو علماً بحكم الشارع كالأمارة. و هذا ما يسمّى‏ بمسلك (جعل الطريقية) (1).

____________

(1) توضيح بيان المحقّق النائيني (رحمه الله): أنّ توهّم التضادّ بين الحكم الظاهري و الواقعي ينشأ من تفسير الحكم الظاهري طبقاً لنظريّة (جعل الحكم المماثل) التي تفترض أنّ جعل الحجّية ظاهراً لخبر الثقة- مثلًا- معناه جعل حكم شرعي من قبل الشارع (تبارك و تعالى) على طبق ما أخبر به الثقة، فإن لم يطابق الواقع وقع التضادّ بينه و بين الحكم الواقعي، في حين أنّ النظريّة المذكورة غير صحيحة، بل الصحيح- على ما يراه المحقّق النائيني (رحمه الله)- أنّ جعل الحجّية لخبر الثقة (أو لأيّ أمارة اخرى) معناه إعطاء صفة العلميّة و الكاشفيّة التامّة لتلك الأمارة و ذلك بجعل الظنّ الناشئ من تلك الأمارة علماً بالاعتبار و الادّعاء على طريقة المجاز العقلي- الذي يكون استعماله حقيقيّاً- فكما أنّ المتكلّم يستطيع أن يفترض الرجل الشجاع أسداً حقيقيّاً فيستعمل فيه لفظ الأسد استعمالًا حقيقيّاً، كذلك بإمكان الشارع (تبارك و تعالى) أن يفترض البيان الظنّي بياناً قطعيّاً بحيث يصحّ له استعمال لفظ العلم فيه أو نفي الشكّ عنه بالاستعمال الحقيقي، فيقول مثلًا: «لا عذر لأحدٍ من موالينا في التشكيك فيما يرويه عنّا ثقاتنا» (وسائل الشيعة 27: 150، الباب 11 من أبواب صفات القاضي، الحديث 40) فيصبح حال تلك الأمارة- حينئذٍ- حال العلم الوجداني الذي ينجّز التكليف سواء طابق الواقع أو لم يطابق، فكما أنّ العلم الوجداني بالحكم ينجّز ذلك الحكم حتّى و إن لم يطابق الواقع، و لا يقع التضادّ بينه و بين الحكم الواقعيّ المعلوم عند اللَّه، كذلك العلم الحاصل بالجعل الاعتباري و الادّعائي فإنّه ينجّز الحكم و إن لم يطابق الواقع المعلوم عند اللَّه و لا يقع التضادّ بينهما. و هذه النظريّة في تفسير الحكم الظاهري تسمّى بنظريّة (جعل الطريقيّة) أي جعل صفة العلميّة و الكاشفيّة التامّة لغير العلم.

و قد ظهر بهذا الشرح أنّ مسلك الطريقيّة الذي نادى به المحقّق النائيني (رحمه الله) و أتباعُه لا يكتفي لحلّ التضادّ بين الحكم الظاهري و الواقعي بمجرّد دعوى كون الحكم الظاهري حكماً وضعيّاً بخلاف الحكم الواقعي الذي هو حكم تكليفي- و إن جاء ذلك أيضاً في كلماته (رحمه الله)- بل إنّه يحاول حلّ التضادّ بنكتة جعل الظنّ علماً كما شرحناه‏

56

و الجواب على‏ ذلك: أنّ التضادّ بين الحكمين التكليفيّين ليس بلحاظ اعتباريهما حتى يندفع بمجرّد تغيير الاعتبار في الحكم الظاهريّ من اعتبار الحكم التكليفيّ إلى‏ اعتبار العلمية و الطريقية، بل‏

57

بلحاظ مبادئ الحكم، كما تقدّم في الحلقة السابقة (1). و حينئذٍ فإن قيل بأنّ الحكم الظاهريّ ناشئ من مصلحةٍ ملزمةٍ و شوقٍ في فعل المكلّف الذي تعلّق به ذلك الحكم، حصل التنافي بينه و بين الحرمة الواقعية مهما كانت الصيغة الاعتبارية لجعل الحكم الظاهري. و إن قيل بعدم نشوئه من ذلك- و لو بافتراض قيام المبادئ بنفس جعل الحكم الظاهريّ- زال التنافي بين الحكم الواقعيّ و الحكم الظاهري، سواء جُعِل هذا حكماً تكليفياً، أو بلسان جعل الطريقية (2).

____________

(1) ضمن بحث (الحكم الشرعي و أقسامه) من مباحث التمهيد، تحت عنوان: التضادّ بين الأحكام التكليفيّة

(2) توضيح ذلك: أنّ نظريّة (جعل الطريقيّة) لا تجدي شيئاً في حلّ مشكلة التضادّ بين الحكم الظاهريّ و الحكم الواقعيّ، إذ سواء فسّرنا الحكم الظاهريّ على طبق نظريّة (جعل الطريقيّة) أو على طبق نظريّة (جعل الحكم المماثل) فلا بدّ فيه من مبادئ و ملاكات دعت المولى إلى إصدار هذا الجعل، فإن كانت هذه المبادئ مرتكزةً في نفس ما ترتكز فيه مبادئ الحكم الواقعي- أي في فعل المكلّف الذي تعلّق به الحكم الظاهري و الحكم الواقعي المخالف له- وقع التضادّ بينهما من حيث المبادئ من دون فرق بين النظريّتين، و إن كانت هذه المبادئ مرتكزةً في غير ما ترتكز فيه مبادئ الحكم الواقعي- كما إذا قلنا بأنّ مبادئ الحكم الظاهري مرتكزة في نفس الجعل الصادر من المولى، بمعنى أنّ صدور هذا الجعل (جعل الحكم المماثل أو جعل الطريقيّة) بما هو جعلٌ يشتمل على مصلحة و إرادة بقطع النظر عن فعل المكلّف الذي تعلّق به الحكم، في حين أنّ مبادئ الحكم الواقعي مرتكزة في فعل المكلّف، كما سيأتي ذلك في الحلّ القادم لمشكلة التضادّ- فحينئذٍ ينحلّ التضادّ بين الحكم الواقعيّ و الظاهريّ من دون فرق أيضاً بين النظريّتين. و أمّا قياس الحكم المعلوم بالعلم الاعتباريّ- وفقاً لنظريّة جعل الطريقيّة- بالحكم المعلوم بالعلم الوجداني الذي لا يطابق الواقع، فجوابه: أنّ الحكم المعلوم بالعلم الوجداني غير المطابق للواقع و إن كان يتنجّز بهذا العلم لكن بما أنّه ليس مجعولًا من قبل المولى بوجه من الوجوه فليس نابعاً من مبادئ و ملاكات حتّى يقع التضادّ بينها و بين مبادئ الحكم الواقعي، و هذا بخلاف الحكم المعلوم بالعلم الاعتباري وفقاً لنظريّة جعل الطريقيّة، فإنّ نفس جعل صفة (العلميّة) و (الطريقيّة) من قبل المولى لغير العلم لا بدّ و أن يكون بدافع من مبادئ و ملاكات، فيجري فيه التفصيل الذي ذكرناه‏

58

و منها: ما ذكره السيّد الاستاذ (1) من أنّ التنافي بين الحرمة

____________

(1) ظاهر ما جاء في كتاب (مصباح الاصول 2: 108- 111) أنّ البيان المنسوب هنا إلى السيّد الخوئي (رحمه الله) إنّما صدر عنه- من حيث الأساس- لحلّ مشكلة التضادّ في باب الاصول العمليّة غير المحرزة فحسب، و أمّا في باب الأمارات و الاصول العمليّة المحرزة فقد آمن بكفاية ما ذكره الميرزا النائيني (رحمه الله) من مسلك جعل الطريقيّة (نفس المصدر: 106). و لكنّه (رحمه الله) صرّح في نهاية بحثه بما يدلّ على إيمانه بإمكان حلّ مشكلة التضادّ في باب الأمارات و الاصول المحرزة أيضاً بالبيان المنسوب إليه هنا على فرض عدم قبول مسلك الطريقيّة (نفس المصدر: 111). كما أنّ ما جاء في كتاب (دراسات في علم الاصول 3: 120- 121) واضح الدلالة على إطلاق تبنّيه (رحمه الله) للبيان المنسوب إليه هنا لحلّ مشكلة التضادّ في جميع الأحكام الظاهريّة سواء في باب الأمارات أو الاصول العمليّة