دروس في علم الأصول - ج3

- السيد محمد باقر الصدر المزيد...
254 /
5

[القسم الثاني من الحلقة الثانية]

[تتمة الادلة]

[تتمة الادلة المحرزة]

القسم الثاني من الأدلّة المحرزة الدّليل العقلي‏

و فيه فصلان:

1- إثبات القضايا العقلية.

2- حجيّة الدليل العقلي.

6

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

7

تمهيد

الدليل العقلي هو كل قضية يدركها العقل و يمكن أن يستنبط منها حكم شرعي، و البحث عن هذه القضايا العقلية تارة يقع صغرويا أي في صحة القضية العقلية و مدى إدراك العقل لها، و أخرى يقع كبرويا أي في حجيّة الإدراك العقلي لها.

و القضايا العقلية على قسمين:

أحدهما: قضايا تشكل عناصر مشتركة في عملية الاستنباط كالقضية العقلية القائلة: إن إيجاب شي‏ء يستلزم إيجاب مقدمته.

و الآخر: قضايا مرتبطة بأحكام شرعية معينة، كحكم العقل بحرمة المخدّر قياسا له على الخمر لوجود صفة مشتركة و هي إذهاب الشعور، و كحكم العقل بحرمة الكذب لأنه قبيح.

و القسم الأول يدخل بحثه الصغروي و الكبروي معا في علم الأصول، فقد يبحث عن أصل وجود إدراك عقلي، و هذا بحث صغروي، و قد يبحث عن حجيّته، و هذا بحث كبروي، و كلاهما أصولي لأنهما بحثان في العناصر المشتركة في عملية الاستنباط.

و القسم الثاني لا يدخل بحثه الصغروي في علم الأصول،

8

لأنه بحث في عنصر غير مشترك، و إنما يدخل بحثه الكبروي في هذا العلم، لكونه بحثا في عنصر مشترك، كالبحث عن حجيّة القياس (1)، و هكذا يتضح أن البحث الصغروي لا يكون أصوليا إلّا في القسم الأول، و إن البحث الكبروي أصولي في كلا القسمين.

غير أن الإدراك العقلي إذا كان قطعيا فلا موجب للبحث عن حجيّته للفراغ عن حجيّته بعد الفراغ عن حجيّة القطع، و إنما نحتاج إلى البحث عن حجيّته إذا لم يكن قطعيا كالقياس مثلا.

و سوف نصنّف البحث في القضايا العقلية إلى بحثين:

أحدهما: صغروي في إثبات القضايا العقلية التي تشكّل عناصر مشتركة.

و الآخر: كبروي في حجيّة الإدراك العقلي غير القطعي.

____________

(1) فتكون الصغرى مثلا البنج مخدّر كالخمر، و الخمر حرام، و الكبرى هي:

أن الشي‏ء يأخذ حكم مماثله (و هو مفاد القياس)، و النتيجة: البنج حرام.

فحجيّة القياس أخذت كبرى في عملية الاستنباط هذه، فهي إذن قضية أصولية يلزم أن نبحث فيها. مثال ثان: الكذب قبيح، و كل قبيح حرام بحكم العقل، و حكم العقل حجّة، هنا كبرى «حكم العقل حجّة» مسألة اصولية.

9

1- إثبات القضايا العقليّة

تقسيمات للقضايا العقلية:

القضايا العقلية التي تشكل عناصر مشتركة في عملية الاستنباط و أدلّة عقلية على الحكم الشرعي يمكن أن تقسم كما يلي:

* أولا: تنقسم إلى ما يكون دليلا عقليا مستقلا، و ما يكون عقليا غير مستقل.

و المراد بالأول ما لا يحتاج إلى إثبات قضية شرعية [مسبقا] لاستنباط الحكم [الشرعي‏] منه (1).

____________

(1) و بتعبير آخر: المراد بالدليل العقلي المستقل هو ما لا يحتاج إلى إثبات قضية شرعية لكي يستنبط منه حكم شرعي، مثل «إذا قبح فعل عقلا حرم شرعا» هذا دليل عقلي مستقل لأنك تكتفي بإدراك قبح الكذب مثلا حتى تحكم بحرمته و لا تحتاج إلى إثبات أي قضية شرعية لتستنبط حرمة الكذب.

و المراد بالثاني هو ما يحتاج إلى ذلك كقاعدة «إذا وجب شي‏ء شرعا حكم العقل بوجوب مقدّمته شرعا» كالحج و السير إليه، هذه القاعدة هي دليل عقلي غير مستقل لاحتياجها في مقام استنباط وجوب السير شرعا إلى إثبات وجوب الحج شرعا أوّلا.

10

و المراد بالثاني ما يحتاج إلى إثبات قضية شرعية (1) كذلك.

و مثال الأول: القضية القائلة: بأن كل ما حكم العقل بحسنه أو قبحه حكم الشارع بوجوبه أو حرمته، فإن تطبيقها لاستنباط حرمة الظلم مثلا لا يتوقف على إثبات قضية شرعية مسبقة.

و مثال الثاني: القضية القائلة: إنّ وجوب شي‏ء يستلزم وجوب مقدمته، فإن تطبيقها لاستنباط وجوب الوضوء يتوقف على إثبات قضية شرعية مسبقة، و هي وجوب الصلاة.

* ثانيا: تنقسم القضية العقلية إلى قضية تحليلية و قضية تركيبية، و المراد بالقضية التحليلية ما كان البحث فيها يدور حول تفسير ظاهرة معينة، كالبحث عن حقيقة الوجوب التخييري (2).

____________

(1) ... كقضية وجوب الحج فإنّه بمعونة الدليل العقلي يستنبط وجوب السير شرعا. و لاحتياج عملية الاستنباط إلى إثبات وجوب الحج شرعا سمّي هذا الدليل بالدليل العقلي غير المستقل (*).

(2) و هل هو عبارة عن تعلق الحكم بالجامع بين المصاديق أو أنّ الحكم منصبّ مباشرة على المصاديق بنحو مشروط بترك بقية المصاديق، و مثاله وجوب إحدى الخصال الثلاثة (العتق أو الاطعام أو الصيام) لمن أفطر يوما متعمّدا في شهر رمضان.

(*) أقول هذه تسمية لا فائدة منها أصلا، فالدليل العقلي ذو طبيعة واحدة سواء دخل في شرطه و موضوعه دليل شرعي كقولنا «إذا وجب شي‏ء شرعا وجبت مقدّمته شرعا» أو لا كقولنا «إذا قبح فعل عقلا حرم شرعا» إن هذا إلّا تضييع للأعمار.

11

و المراد بالقضية التركيبية ما كان البحث فيها يدور حول استحالة شي‏ء أو ضرورته بعد الفراغ عن معناه و حقيقته في نفسه، كالبحث عن استحالة الأمر بالضدين في وقت واحد (1).

* ثالثا: تنقسم الأدلة العقلية المستقلة التركيبية في دلالتها إلى سالبة و موجبة، و المراد بالسالبة: الدليل العقلي المستقل في استنباط نفي حكم شرعي. و المراد بالموجبة: الدليل العقلي المستقل في استنباط إثبات حكم شرعي.

و مثال الأول: القضية القائلة باستحالة التكليف بغير المقدور.

و مثال الثاني: القضية المشار إليها آنفا القائلة: بأن كل ما حكم العقل بقبحه حكم الشارع بحرمته.

و القضايا العقلية متفاعلة فيما بينها. فقد يتفق أن تدخل قضية عقلية تحليلية في البرهنة على قضية أخرى تحليلية أو تركيبية، كما قد تدخل قضية تركيبية في البرهنة على قضايا تحليلية، و هذا ما سنراه في البحوث الآتية إن شاء اللّه تعالى.

____________

(1) و كالبحث عن استحالة الحكم الذي يؤخذ العلم به في موضوعه.

و لك ان تقول بان القضية التحليلية هي القضية التصورية، و التركيبية هي التصديقية التي تأتي بعد التصورية. و لا فائدة من هذه الاقسام الثلاثة كلها.

12

قاعدة استحالة التكليف بغير المقدور

يستحيل التكليف بغير المقدور، و هذا له معنيان:

أحدهما: إن المولى يستحيل أن يدين المكلف بسبب فعل أو ترك غير صادر منه بالاختيار (1) و هذا واضح، لأن العقل يحكم بقبح هذه الإدانة، لأن حق الطاعة لا يمتدّ إلى ما هو خارج عن الاختيار.

و المعنى الآخر (2): إن المولى يستحيل أن يصدر منه تكليف‏

____________

(1) كدقّات القلب.

(2) يريد أن يقول في كل هذا البحث إنّ القدرة العقلية قيد في فعلية الوجوب و ليست فقط قيدا في منجّزيته.

بيان ذلك: يرد في بعض الموارد أنّ من استطاع الى الحج يجب عليه الحج، هنا القدرة شرعية، و هي قيد في فعلية الوجوب بلا شك. و لكن يرد في بعض الموارد الأخرى: أنقذ الغريق، من دون تقييده بالقدرة، هنا يعلم العقل بدخالة القدرة في وجوب الانقاذ، و لذلك تسمّى القدرة هنا بالعقلية.

و السؤال: هل هذه القدرة العقلية قيد في فعلية الحكم كالاستطاعة بالنسبة إلى الحجّ تماما، أو أنها قيد في منجزية الحكم فقط دون فعليته بمعنى أن وجوب الانقاذ ثابت حتى على العاجز في مرحلة فعلية الحكم لتمامية ملاك الانقاذ، و العجز في مرحلة الامتثال لا يضرّ بتمامية ملاك وجوب الانقاذ و الوجوب-

13

بغير المقدور في عالم التشريع، و لو لم يرتب عليه إدانة و مؤاخذة للمكلف، فليست الإدانة وحدها مشروطة بالقدرة بل التكليف ذاته مشروط بها أيضا (1).

____________

- الفعلي للانقاذ، نعم هو يؤثّر بمقداره و هو رفع منجّزية وجوب الانقاذ؟

الصحيح عند السيد الشهيد (قده) هو الأوّل، دليله انه يستحيل أن ينقدح في ذهن المولى فعلية حكم يعجز المكلف عن امتثاله حتى و إن أحب المولى هذا الفعل كثيرا كالصلاة و إنقاذ الغريق، فأيّ معنى للوجوب الفعلي لإنقاذ غريق لا نستطيع على إنقاذه؟! و نفس الكلام سيقوله في بحث «اشتراط التكليف بالقدرة بمعنى آخر» فإنه سيقول بأنه يستحيل على المولى أن يوجب الصلاة بالوجوب الفعلي على شخص مكلّف بانقاذ غريق و لم يصلّ بعد و هو في ضيق وقت الصلاة حتى و إن أحبّ الصلاة كثيرا (*).

(1) و لذلك لا يكتفي المولى تعالى برفع الادانة بقوله‏ وَ ما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا و إنما يرفع توهّم التكليف بغير المقدور فيقول‏ لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها.

(*) (أقول) الصحيح هو الرأي الثاني في كلا الموردين- أي في القدرة التكوينية و في التزاحم- دليلنا أنّ المولى تعالى لو أراد قيدية القدرة التكوينية أو عدم وجود المزاحم لذكرهما و لكنه لم يذكرهما، فإذن نقتصر في شرائط فعلية الوجوب على ما ذكره المولى، و لا يضرّ العجز التكويني أو الشرعي (كما في العجز عن الصلاة مع وجود غريق فانّ الاتيان بالصلاة ممكن تكوينا و لكنه شرعا ممنوع أي هناك عجز شرعا عن الإتيان بالصلاة) في بقاء الوجوب فعليا لتمامية ملاك وجوب الصلاة أو قل لتمامية مقدمات وجوب الصلاة التي ذكرها الشارع، و المشكلة نشأت من عالم الامتثال فيقتصر العقل بالتقييد بالقدرة على مقدار المشكلة و ترتفع المشكلة إذا قيّد العقل شرطية القدرة في مرحلة التنجيز.

14

و توضيح الحال في ذلك أن مقام الثبوت للحكم يشتمل- كما تقدم- على ملاك و إرادة و اعتبار، و من الواضح أنه ليس من الضروري أن يكون الملاك مشروطا بالقدرة (1)، كما أن بالإمكان تعلق إرادة المولى بأمر غير مقدور، لأننا لا نريد بالإرادة إلّا الحب الناشئ من ذلك الملاك. و هو مهما كان شديدا، يمكن افتراض تعلقه بالمستحيل ذاتا فضلا عن الممتنع بالغير (2)، و الاعتبار إذا لوحظ بما هو اعتبار يعقل أيضا أن يتكفّل جعل الوجوب على غير المقدور، لأن الاعتبار سهل المئونة، و ليس لغوا في هذه الحالة، إذ قد يراد به مجرد الكشف بالصياغة التشريعية التي اعتادها العقلاء عن الملاك و المبادئ (3) و لكن إذا لوحظ الجعل و الاعتبار بما هو ناشئ من داعي البعث و التحريك فمن الواضح أن القدرة على مورده‏

____________

(1) كوجوب الانقاذ فإن الملاك أي مصلحة الانقاذ غير مشروطة بالقدرة و لكن رغم هذا الملاك الالزامي لا يكلّف اللّه نفسا إلّا وسعها.

كما أن بالإمكان تعلّق حبّ المولى و إرادته بهذا الانقاذ الغير مقدور.

(2) المستحيل ذاتا كإيجاد الشي‏ء من العدم، و الممتنع بالغير كوصول الانسان إلى مرتبة الاجتهاد بلا تدخّل إلهي و لا جهد عظيم، و كحركة المفتاح من غير محرّك.

(3) كاعتبار المولى وجوب قتال المشركين أينما وجدناهم، فانه- و اللّه العالم- ناشئ لابراز شدّة المصلحة في ذلك لا لابراز وجوب التحرّك و القتال الفعلي.

15

تعتبر شرطا فيه (1)، لأن داعي تحريك العاجز يستحيل أن ينقدح في نفس العاقل الملتفت.

و حيث إن الاعتبار الذي يكشف عنه الخطاب الشرعي هو الاعتبار بهذا الداعي، كما يقتضيه الظهور التصديقي السياقي للخطاب، فلا بد من اختصاصه بحال القدرة، و يستحيل تعلقه بغير المقدور (2).

و من هنا كان كل تكليف مشروطا بالقدرة على متعلقه بدون فرق بين التكاليف الالزامية و غيرها. و كما يشترط في التكليف الطلبي (الوجوب و الاستحباب) القدرة على الفعل، كذلك يشترط الشي‏ء نفسه في التكليف الزجري (الحرمة و الكراهة) لأن الزجر عما لا يقدر المكلف على إيجاده أو عن الامتناع عنه (3) غير معقول أيضا.

____________

(1) أي في المورد يعني في الفعل.

(2) انظر الرسم: 1- داعي البعث و التحريك نحو الفعل.

/ 2- الجعل و الاعتبار بداعي البعث و التحريك.

/ 3- الخطاب الشرعي كخطاب أنقذ الغريق.

ثم طبّق الفكرة من عند قوله «و لكن إذا لوحظ الجعل و الاعتبار».

(3) كدقّات القلب، فإنه لا يعقل الزجر عنه.

16

و هكذا نعرف أن القدرة شرط ضروري في التكليف، و لكنها ليست شرطا ضروريا في الملاك و المبادئ (1). و لكن هذا لا يعني أنها لا تكون شرطا [في الملاك و المبادئ و لو في بعض الاحيان‏]، فإن مبادئ الحكم يمكن أن تكون ثابتة و فعلية في حال القدرة و العجز على السواء، و يمكن أن تكون مختصة بحالة القدرة (2)، و يكون انتفاء التكليف عن العاجز لعدم المقتضي و عدم الملاك رأسا.

و في كل حالة من هذا القبيل (3) يقال: إن دخل القدرة في التكليف شرعي. و قد تسمى القدرة حينئذ بالقدرة الشرعية بهذا الاعتبار تمييزا لذلك عن حالات عدم دخل القدرة في الملاك [كما في وجوب الإنقاذ] إذ يقال عندئذ: إن دخل القدرة في‏

____________

(1) كما في المصلحة الإلزامية في إنقاذ الغرقى و المرضى و الفقراء و المعوزين في العالم و كما في حبّ اللّه تعالى لذلك رغم امتناعه على المكلفين. إذن يمكن أن لا تكون القدرة دخيلة في الملاك و الإرادة كما في الأمثلة السابقة، و يمكن أن تكون دخيلة كما في مثال الحج و الأعمال الضررية كالغسل الذي يترتب عليه مرض، فإنّ ظاهر قوله تعالى‏ وَ لِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا أن القدرة دخيلة في مبادئ الحكم أيضا لا فقط في مرحلة التنجيز و الامتثال كما في «أنقذ» الغير مقيّدة بالقدرة مما يعني أنها غير مقيّدة بالقدرة في مرحلة الملاك نعم وجوب الإنقاذ مقيّد في مرحلة الجعل بالقدرة.

(2) كما في مثال الحج السابق.

(3) أي من قبيل مثال الحج.

17

التكليف عقلي، و قد تسمى القدرة حينئذ بالقدرة العقلية.

و لا فرق في استحالة التكليف بغير المقدور بين أن يكون التكليف مطلقا من قبيل أن يقول الآمر لمأموره (طر في السماء)، أو مقيدا بقيد يرتبط بإرادة المكلّف و اختياره من قبيل أن يقول (إن صعدت إلى السطح فطر إلى السماء)، فإن التكليف في كلتا الحالتين مستحيل.

و الثمرة في اشتراط القدرة في صحة الإدانة (و هو المعنى الأول) واضحة (1)، و أما الثمرة في اشتراط القدرة في التكليف ذاته [جعلا و فعلا] (و هو المعنى الثاني) فقد يقال إنها غير واضحة إذ ما دام العاجز غير مدان على أي حال فلا يختلف الحال، سواء افترضنا أن القدرة شرط في التكليف (2) أو نفينا ذلك (3) و قلنا بأن التكليف يشمل العاجز، إذ لا أثر لذلك بعد افتراض عدم الإدانة، و لكن الصحيح وجود ثمرة على الرّغم من أن العاجز غير مدان على أي حال، و هي تتصل بملاك الحكم إذ قد يكون من المفيد أن نعرف أن العاجز هل كان ملاك الحكم فعليا في حقه و قد فاته بسبب العجز (4) لكي يجب القضاء مثلا، أو أن الملاك لا يشمله رأسا (5)

____________

(1) و هي أنه لا إدانة مع عدم الاختيار، فلا يستحق الإنسان العقاب إذا نهي عن دقّات قلبه.

(2) كما هو رأي السيد الشهيد (رحمه اللّه).

(3) كما هو رأينا.

(4) كما في الصلاة.

(5) كما في الحج.

18

فلم يفته شي‏ء ليجب القضاء، أي أن نعرف أن القدرة هل هي دخيلة في الملاك (1) أو لا، فإذا جاء الخطاب الشرعي مطلقا و لم ينصّ فيه الشارع على قيد القدرة ظهرت الثمرة، لأننا إن قلنا باشتراط القدرة في التكليف ذاته (2) كما تقدم كان حكم العقل بذلك بنفسه قرينة على تقييد اطلاق الخطاب، فكأنه متوجه إلى القادر خاصة و غير شامل للعاجز و في هذه الحالة لا يمكن إثبات فعلية الملاك في حق العاجز، و أنه قد فاته الملاك ليجب عليه القضاء مثلا، لأنه لا دليل على ذلك نظرا إلى أن الخطاب إنما يدل على ثبوت الملاك بالدلالة الالتزامية، و بعد سقوط المدلول المطابقي للخطاب و تبعية الدلالة الالتزامية على الملاك للدلالة المطابقية على التكليف (3) لا يبقى دليل على ثبوت الملاك في حق العاجز. و إن لم نقل باشتراط القدرة في‏

____________

(1) كما في الحج، أم لا كما في الصلاة و الانقاذ فإنّ الشارع لم يقل إذا استطعت فصلّ أو فانقذ الغريق. و لذلك يكون ملاك الوجوب في الصلاة و الإنقاذ مطلقا و تتقيّد فعلية الحكم فضلا عن منجّزيته- عند السيد الشهيد- بالقدرة على الامتثال.

(2) كما هو رأي سيدنا الشهيد (رحمه اللّه)، فإنه يقول: قول الشارع: أنقذ الغريق و صلّ معناه إذا استطعت فأنقذ و صلّ، كما هو الحال في تقيد وجوب الحج بالاستطاعة. و هذا القيد يستكشفه العقل.

(3) كما هو الصحيح، فانك قد عرفت سابقا في الجزء الاوّل في بحث «تبعية الدلالة الالتزامية للدلالة المطابقية» انّ الصحيح هو ان اللازم هو المساوي فقط، فاذا تبيّن خطأ الثقة في قوله «احترق زيد بالنار تماما» فانّ المدلول‏

19

التكليف (1) أخذنا بإطلاق الخطاب في المدلول المطابقي و الالتزامي معا، و أثبتنا التكليف و الملاك على العاجز (2)، و بذلك يثبت أن العاجز قد فاته الملاك، و إن كان معذورا في ذلك، إذ لا يدان العاجز على أي حال.

____________

الالتزامي الذي هو موته بخصوص هذا الاحتراق سيسقط.

إذن يريد السيد الشهيد أن يقول: إذا سقط المدلول المطابقي (اي خطاب صلّ) عن العاجز فسوف يسقط المدلول الالتزامي (اي الملاك) لانهما متلازمان كما قلنا (اي لتبعية الدلالة الالتزامية للدلالة المطابقية) فلا يجب القضاء.

(1) كما هو رأينا، فإننا نقول بأنّ «أقيموا الصلاة» غير مقيّدة ملاكا و جعلا بالقدرة، نعم التكليف بها- في حال العجز عنها- غير منجّز، و لذلك- أي بما أن وجوب الصلاة على العاجز كان فعليا- يجب عليه القضاء.

(2) فإذا سقط المدلول المطابقي للعجز لا وجه لسقوط الملاك فقد يثبت القضاء لإدراك الملاك الفائت في الوقت.

20

قاعدة إمكان التكليف المشروط

مرّ بنا أن مقام الثبوت للحكم يشتمل على عنصر يسمى بالجعل و الاعتبار، و في هذه المرحلة يجعل الحكم على نهج القضية الحقيقية- كما تقدم- فيفترض المولى كل الخصوصيات و القيود التي يريد إناطة الحكم بها، و يجعل الحكم منوطا بها فيقول مثلا: إذا استطاع الإنسان و كان صحيح البدن مخلّى السّرب وجب عليه الحج (1).

و نحن إذا لاحظنا هذا الجعل نجد هناك شيئا قد تحقق بالفعل و هو نفس الجعل الذي يعتبر في قوة قضية شرطية شرطها القيود المفترضة و جزاؤها ثبوت الحكم، و لكن هناك شي‏ء قد لا يكون متحققا فعلا- و إنما يتحقق إذا وجد في الخارج مستطيع صحيح مخلّى- و هو الوجوب [الفعلي‏] على هذا أو ذاك الذي يمثل فعلية الجزاء في تلك القضية الشرطية، فإن فعلية الجزاء في كل قضية شرطية تابعة لفعلية الشرط، فما لم‏

____________

(1) مثّل للقضية الحقيقية بالجملة الشرطية لأنهما بمعنى واحد تماما و إن اختلفت الصياغتان، لأن صياغة الأولى تكون بنحو الحملية. و السّرب هو الطريق.

21

تتحقق تلك القيود لا يكون الوجوب فعليا، و يسمى الوجوب الفعلي بالمجعول.

و من هنا أمكن التمييز بين الجعل و المجعول، لأن الأول موجود منذ البداية، و الثاني لا يوجد إلّا بعد تحقق القيود خارجا، و القيود بالنسبة إلى المجعول بمثابة العلة، و ليست كذلك بالنسبة إلى الجعل، لأن الجعل متحقق قبل وجودها خارجا، نعم الجعل يتقوم بافتراض القيود و تصورها، إذ لو لم يتصور المولى الاستطاعة و الصحة مثلا لما أمكنه أن يجعل تلك القضية الشرطية، و بذلك تعرف أن الجعل متقوم بلحاظ القيود و تصورها ذهنا، و المجعول متقوم بوجود القيود خارجا و مترتب عليها من قبيل ترتب المعلول على علته.

و على هذا الأساس نعرف أن الحكم المشروط ممكن، و نعني بالحكم المشروط: أن يكون تحقق الحكم [الفعلي‏] منوطا بتحقق بعض القيود خارجا فلا وجود له قبلها، فقد عرفنا أن المجعول يمكن أن يكون مشروطا، سواء كان حكما تكليفيا كالوجوب و الحرمة، أو وضعيا كالملكية و الزوجية.

و بذلك يندفع ما قد يقال: من أن الحكم المشروط غير معقول، لأن الحكم فعل للمولى، و هذا الفعل يصدر و يتحقق بمجرد إعمال المولى لحاكميته، فأي معنى للحكم المشروط (1).

____________

(1) قال الشيخ الانصاري (رحمه اللّه): إن الحكم المشروط غير ممكن، فكما يوجد-

22

و وجه الاندفاع أن ما يتحقق كذلك (1) إنما هو الجعل لا المجعول، و الحكم المشروط هو المجعول دائما (2).

____________

- تلازم بين الايجاد و الوجود و هما واحد خارجا إلّا أن الأوّل يكون بلحاظ الفاعل و الوجود يكون بلحاظ الشي‏ء الموجود- تقول أوجدته فوجد- يوجد أيضا تلازم بين الإيجاب و الوجوب. فإذا قال المولى أوجبت العمل الفلاني يعني أنه صار واجبا فعلا، و لو لا ان الحج عند الاستطاعة محبوب للمولى و مراد له لما أمر به، نعم الواجب مقيّد، فمثلا الصلاة مقيّدة بالزوال و العقل و البلوغ، و الحج مقيد بالاستطاعة و الوقت، و الصيام مقيّد بمجي‏ء شهر رمضان، فأيّ معنى للوجوب المشروط؟!.

و على هذا الاساس ترى الشيخ الانصاري (رحمه اللّه) حينما يشرح قوله تعالى «و لله على الناس حجّ البيت من استطاع اليه سبيلا» يقول هذا الجعل فعلي بدليل أنه محبوب تماما و مراد تماما، و لا معنى لتعليق فعلية الجعل على قيد الاستطاعة كما لا يصح تعليق الطلاق على مجي‏ء شهر رمضان، نعم نفس الحج مقيد بالاستطاعة.

و لذلك تراه يقول: إذا قال المولى «ان استطعت فحج» فانّ الشرط قيد للحج و لا يمكن ان يكون قيدا لوجوب الحج. (راجع محاضرات في اصول الفقه للسيد الخوئي ج 2 ص 321- 332).

(1) أي بإعمال المولى لحاكميته و مولويّته.

(2) كان الأولى أن يقول بدل «و الحكم المشروط هو المجعول» و امّا الحكم المجعول فانه يحصل اذا وجدت شرائط وجوبه.

بيان ذلك: انّ قول المولى مثلا «إذا استطعت فحج» معناه أنّ وجوب الحج متوقّف على الاستطاعة، لا ان الوجوب فعلي و الحج هو المتوقف على الاستطاعة.

23

قاعدة تنوّع القيود و أحكامها

تنوع القيود:

حينما يقال «إذا زالت الشمس فصلّ متطهرا» فالجعل يتحقق بنفس هذا الإنشاء، و أما المجعول و هو وجوب الصلاة فعلا فهو مشروط بالزوال و مقيد به فلا وجوب [فعلي‏] قبل الزوال.

و نلاحظ قيدا آخر و هو الطهارة، و هذا القيد ليس قيدا للوجوب المجعول لوضوح أن الشمس إذا زالت و كان الإنسان محدثا وجبت عليه الصلاة أيضا، و إنما هو قيد لمتعلق الوجوب أي للواجب و هو الصلاة (1). و معنى كون شي‏ء [كالطهارة] قيدا للواجب أن المولى حينما أمر بالصلاة أمر بحصة خاصة منها (2) لا بها كيفما اتفقت، حيث إن الصلاة تارة تقع مع الطهارة، و أخرى بدونها، فاختار الحصة الأولى و أمر بها. و حينما نحلل الحصة الأولى نجد أنها تشتمل على صلاة و على تقيد بالطهارة، فالأمر بها أمر بالصلاة و بالتقيد [بالطهارة]. و من هنا نعرف أن معنى أخذ

____________

(1) إنما سمّي الواجب (كالصلاة) متعلق الوجوب لأنّ الأمر في «صلّ» تعلق بالصلاة فكأنك قلت افعل الصلاة أو آمرك بالصلاة.

(2) و هي الصلاة عن طهارة.

24

الشارع شيئا قيدا في الواجب تحصيص الواجب به و الأمر به بما هو مقيد بذلك القيد. و في المثال السابق حينما نلاحظ الطهارة مع ذات الصلاة لا نجد أن أحدهما علة للآخر أو جزء العلة له (1)، و لكن حينما نلاحظ الطهارة مع تقيد الصلاة بها نجد أن الطهارة علة لهذا التقيد [بالطهارة]، إذ لولاها لما وجدت الصلاة مقيدة و مقترنة بالطهارة.

و من ذلك نستخلص أن أخذ الشارع قيدا في الواجب يعني أولا: تحصيص الواجب به، و ثانيا: إن الأمر يتعلق بذات الواجب و التقيد بذلك القيد. و ثالثا: إن نسبة القيد إلى التقيد نسبة العلة إلى المعلول، و ليس كذلك نسبته إلى ذات الواجب.

و قد يؤخذ شي‏ء قيدا للوجوب و للواجب معا، كشهر رمضان الذي هو قيد لوجوب الصيام فلا وجوب للصيام بدون [دخول‏] رمضان، و هو أيضا قيد للصيام الواجب، بمعنى أن الصوم المأمور به هو الحصة الواقعة في ذلك الشهر خاصة، و بموجب كون الشهر قيدا للوجوب فالوجوب تابع لوجود هذا القيد، و بموجب كونه قيدا للواجب يكون الوجوب متعلقا بالمقيد به، أي أن الأمر متعلق بذات الصوم و بتقيده بأن يكون في شهر رمضان.

____________

(1) لانّ علّة الصلاة هي ملاكها و محبوبيتها، و علة الطهارة هي ليكون الانسان على نورانية.

25

أحكام القيود المتنوعة:

لا شك في أن الواجبات تشتمل على نوعين من القيود:

أحدهما: قيود يلزم على المكلف تحصيلها، بمعنى أنه لو لم يحصلها لاعتبر عاصيا للأمر بذلك الواجب، كالطهارة بالنسبة إلى الصلاة.

و الآخر: القيود التي لا يلزم على المكلف تحصيلها، بمعنى أنه لو لم يأت بها المكلف و بالتالي لم يأت بالواجب لا يعتبر عاصيا، كالاستطاعة بالنسبة إلى الحج.

و القضية التي نبحثها هي محاولة التعرف على الفرق بين هذين النوعين من القيود، و ما هو الضابط في كون القيد مما يلزم تحصيله أو لا؟

و الصحيح أن الضابط في ذلك أن كل ما كان قيدا لنفس الوجوب [كالاستطاعة] فلا يجب تحصيله، و لا يكون المكلف مسئولا عن إيجاده من قبل ذلك الوجوب، لأنه ما لم يوجد القيد لا وجود للوجوب، كما تقدم. و كلما كان القيد قيدا لمتعلق الوجوب- أي للواجب- [كالطهارة] فهذا يعني أن الوجوب قد تعلق بالمقيد كما تقدم، أي بذات الواجب و بالتقيد بالقيد المذكور، و حينئذ يلاحظ هذا القيد فإن كان قيدا- في نفس الوقت- للوجوب أيضا [كشهر رمضان‏] لم يكن المكلف مسئولا عقلا من قبل ذلك الوجوب عن إيجاده، و إنما هو مسئول- متى‏

26

ما وجد القيد- عن إيجاد ذات الواجب و إيجاد تقيده بذلك القيد (1). و إن لم يكن القيد قيدا للوجوب، بل كان قيدا للواجب [فقط كالطهارة]، فهذا يعني أن الوجوب فعلي [من جهة هذا القيد] حتى لو لم يوجد هذا القيد، و إذا كان الوجوب فعليا فالمكلف مسئول عن امتثاله و الإتيان بمتعلقه (و هو المقيد) و كان عليه حينئذ عقلا أن يوفر القيد لكي يوجد المقيّد (الواجب).

و نستخلص من ذلك:

أولا: إنه كلما كان القيد قيدا للوجوب فقط [كالاستطاعة بالنسبة الى الحج‏] فلا يكون المكلف مسئولا عن إيجاد القيد.

و ثانيا: إنه كلما كان القيد قيدا للواجب فقط [كالطهارة بالنسبة إلى الصلاة] فالمكلف مسئول عن إيجاد القيد.

و ثالثا: إنه كلما كان القيد قيدا للوجوب و للواجب معا [كشهر رمضان بالنسبة الى الصيام‏]، فالمكلف غير مسئول عن إيجاد القيد، و لكنه مسئول عن إيجاد التقيد حينما يكون القيد موجودا.

و إذا ضممنا إلى هذه النتائج ما تقدم من أنه لا إدانة بدون قدرة، و أن القدرة شرط في التكليف (2)، نستطيع أن نستنتج القاعدة القائلة: إن كل القيود التي تؤخذ في الواجب دون‏

____________

(1) أي ... عن إيجاد الصيام و إيجاد تقيد هذا الصيام بكونه في شهر رمضان.

(2) أي في مرحلة الجعل كشرطية القدرة في وجوب الحج.

27

الوجوب لا بد أن تكون اختيارية و مقدورة للمكلف، لأن المكلف مسئول عن توفيرها، كما عرفنا آنفا، و لا مسئولية و لا تكليف إلّا بالمقدور، فلا بد إذن أن تكون مقدورة، و هذا خلافا لقيود الوجوب فإنها قد تكون مقدورة كالاستطاعة، و قد لا تكون كزوال الشمس، لأن المكلف غير مسئول عن إيجادها.

قيود الواجب على قسمين‏

عرفنا حتى الآن من قيود الواجب القيد الذي يأخذه الشارع قيدا فيحصص به الواجب و يأمر بالحصة الخاصة (1)، كالطهارة و تسمى هذه [القيود كالطهارة للصلاة] بالقيود أو المقدمات الشرعية. و هناك قيود و مقدمات تكوينية يفرضها الواقع بدون جعل من قبل المولى، و ذلك من قبيل إيجاد واسطة نقل، فإنها مقدمة تكوينية للسفر بالنسبة إلى من لا يستطيع المشي على قدميه، فإذا وجب السفر كان توفير واسطة النقل مقدمة للواجب حتى بدون أن يشير إليها المولى أو يحصص الواجب بها، و تسمى [هذه المقدمة كالسير إلى الحج‏] بالمقدمة العقلية.

و المقدمات العقلية للواجب من ناحية مسئولية المكلف تجاهها كالقيود الشرعية، فإن أخذت المقدمة العقلية للواجب قيدا للوجوب لم يكن المكلف مسئولا عن توفيرها (2)، و إلّا كان‏

____________

(1) كالصلاة عن طهارة، و كما ترى كان الأولى أن يقول «مثال هذا القيد الطهارة».

(2) كتهيئة واسطة النقل كالسيارة و الطيارة، يعني انك يجب عليك ان تحاول‏

28

مسئولا عقلا عن ذلك، بسبب كونه ملزما بامتثال الأمر الشرعي الذي لا يتم بدون إيجادها.

و المسئولية تجاه قيود الواجب سواء (1) كانت شرعية أو عقلية إنما تبدأ بعد أن يوجد الوجوب المجعول و يصبح فعليا بفعلية كل القيود المأخوذة فيه، فالمسئولية تجاه الطهارة و الوضوء مثلا تبدأ من قبل وجوب صلاة الظهر بعد أن يصبح هذا الوجوب فعليا بتحقق شرطه و هو الزوال، و أما قبل الزوال فلا مسئولية تجاه قيود الواجب، إذ لا وجوب لكي يكون الإنسان ملزما عقلا بامتثاله و توفير كل ما له دخل في ذلك.

____________

تهيئة واسطة النقل و تأشيرة دخول إلى الحجاز فهي اذن مقدمات واجب، و لكن بما ان تهيئة واسطة النقل و تأشيرة الدخول الى الحجاز ليست باختيارك فانها تكون مقدمات وجوب ايضا، بمعنى انك إذا اعطوك تأشيرة الدخول وجب عليك الذهاب و إلّا فلا. فهي مقدمة واجب أي يجب عليك محاولة تهيئتهما و مقدمة وجوب لانها ليست اختيارية، فلعله لم يبق واسطات نقل الى الحج.

(1) يصحّ أن تقول سواء بالرفع بناء على أنها خبر مقدّم بتقدير سواء الأمر، و سواء بالفتح بناء على أنها حال، لأنه يمكن أن تقول مكانها «على أيّ حال»، تقول «أكرم زيدا قائما» ف «قائما» حال لأنه يمكن أن تقول بدل «قائما» على أي حال كان.

29

المسئولية قبل الوجوب‏

إذا كان للواجب مقدمة عقلية أو شرعية (1) و كان وجوبه منوطا بزمان معين، و افترضنا أن تلك المقدمة من المتعذر على المكلف إيجادها في ذلك الزمان، و لكن كان بإمكانه إيجادها قبل ذلك، فهل يكون المكلف مسئولا عقلا عن توفيرها أو لا؟ مثال ذلك: أن يعلم المكلف بأنه لن يتمكن من الوضوء و التيمم عند الزوال لانعدام الماء و التراب، و لكنه يتمكّن منه قبل الزوال، فهل يجب عليه أن يتوضأ قبل الزوال أو لا؟

و الجواب: ان مقتضى القاعدة هو عدم كونه مسئولا عن ذلك، إذ قبل الزوال لا وجوب للصلاة لكي يكون مسئولا من ناحيته عن توفير المقدمات للصلاة، و إذا ترك المقدمة قبل الزوال فلن يحدث وجوب عند الزوال (2) ليبتلي بمخالفته لأنه سوف يصبح عند الزوال عاجزا عن الإتيان بالواجب، و كل تكليف مشروط بالقدرة، فلا ضير عليه في ترك إيجاد المقدمة قبل الزوال، و كل مقدمة يفوت الواجب بعدم المبادرة إلى الإتيان بها

____________

(1) كالطهارة، لا كالوضوء، لأن الوضوء مقدّمة عقلية للطهارة التي هي أمر بسيط مسبّب عن الوضوء، و الصلاة مشروطة بالطهارة، و قد ذكر ذلك سيدنا المصنّف في البحث السابق فقال: «... كالطهارة و تسمّى هذه بالقيود أو المقدّمات الشرعية».

(2) بالصلاة عن طهارة.

30

قبل زمان الوجوب تسمى بالمقدمة المفوّتة. و بهذا صحّ أن القاعدة تقتضي عدم كون المكلف مسئولا عن المقدمات المفوتة.

و لكن قد يتفق أحيانا أن يكون للواجب مقدمة مفوّتة دائما على نحو لو لم يبادر المكلف إلى إيقاعها قبل الوقت لعجز عن الواجب في حينه. و مثال ذلك: الوقوف بعرفات الواجب على من يملك الزاد و الراحلة، فإن الواجب منوط بظهر اليوم التاسع من عرفة، و لكن لو لم يسافر المكلف قبل هذا الوقت لما أدرك الواجب في حينه، و في مثل ذلك لا شك فقهيا في أن المكلف مسئول عن إيجاد المقدمة المفوّتة قبل الوقت، و قد وقع البحث أصوليا في تفسير ذلك و تكييفه، و أنه كيف يكون المكلف مسئولا عن توفير المقدمات لامتثال وجوب غير موجود بعد، و ستأتي بعض المحاولات في تفسير ذلك في الحلقة المقبلة (1).

____________

(1) خلاصتها أنّ العقل يحكم في هكذا حالة بلزوم الإتيان بالمقدّمة المفوّتة حفظا للملاك من الفوات، و إلّا فإنّه سيفوت دائما.

31

القيود المتأخرة زمانا عن المقيّد

القيد تارة يكون قيدا للحكم المجعول (1)، و أخرى يكون قيدا للواجب الذي تعلق به الحكم (2) كما تقدم. و الغالب في القيود في كلتا الحالتين أن يكون المقيّد موجودا حال وجود القيد أو بعده (3)، فاستقبال القبلة قيد يجب أن يوجد حال الصلاة، و الوضوء قيد يجب أن توجد الصلاة بعده (4)، و يسمى الأول بالشرط المقارن، و الثاني بالشرط المتقدم. و لكن قد يدعى أحيانا

____________

(1) كالزوال و البلوغ فإنهما قيدان للحكم الفعلي، فلا يصير الحكم فعليا إلّا بهما.

(2) كالطهارة، و ضمير الهاء في «به» متعلق بالواجب. (و كان الأولى) حذف «الذي تعلّق به الحكم».

(3) مثال القيد المقارن لوجوب الصلاة العقل و لوجوب الحج العقل و الاستطاعة و مثال القيد المتقدّم لوجوب الصلاة الزوال و البلوغ و مثال القيد المقارن لنفس الصلاة الطهارة و استقبال القبلة و الستر، و مثال القيد المتقدّم لهما في الواجبات الضمنية الركوع بالنسبة إلى السجود، و في الواجبات الاستقلالية صلاة الظهر بالنسبة إلى صلاة العصر.

(4) قال في ح 3 ج 2 ص 195: «بناء على كون الصلاة مقيّدة بالوضوء لا بحالة مسبّبة عنه مستمرّة [و هي الطهارة]» هذا و لكنه (قده) يؤمن بأن الصلاة مقيّدة بالطهارة و هو الصحيح.

32

شرط للحكم أو للواجب و يكون متأخرا زمانا عن ذلك الحكم أو الواجب، و مثاله: ما يقال من أن غسل المستحاضة في ليلة الأحد شرط في صحة صوم نهار السبت، فهذا شرط للواجب و لكنه متأخر عنه زمانا (1) و مثال آخر: ما يقال من أن عقد الفضولي ينفذ من حين صدوره إذا وقعت الإجازة بعده، فهذا شرط للحكم و لكنه متأخر عنه زمانا (2).

____________

(1) ورد ذلك في صحيحة علي بن مهزيار قال: كتبت إليه (عليه السلام): امرأة طهرت من حيضها أو دم نفاسها في أول يوم من شهر رمضان ثم استحاضت فصلّت و صامت شهر رمضان كله من غير أن تعمل ما تعمل المستحاضة من الغسل لكل صلاتين، هل يجوز (يصحّ) صومها و صلاتها أم لا؟ فكتب (عليه السلام): «تقضي صومها و لا تقضي صلاتها، لأن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) كان يأمر (فاطمة و) المؤمنات من نسائه بذلك (الوسائل باب 1 من أبواب الاستحاضة)، و قوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) «و لا تقضي صلاتها» مخالف لما هو معروف عندنا من وجوب قضاء صلاتها أيضا، و لكن عدم صحّة بعض كلام الثقة لا يسقط سائر كلامه عن الحجيّة لاحتمال حصول خطأ فيها لوحدها، فيبقى على الحجية، على أيّ حال بما أنّ قول علي بن مهزيار «من غير ان تعمل ما تعمل المستحاضة من الغسل لكل صلاتين» مطلق فيحتمل إرادة غسل الليلة المقبلة من كلام علي بن مهزيار، و الإمام (عليه السلام) أمضى كلامه بسكوته رغم وجود هكذا احتمال في كلام ابن مهزيار.

(2) ورد ذلك في صحيحة محمد بن قيس عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «قضى أمير المؤمنين (عليه السلام) في وليدة باعها ابن سيّدها و أبوه غائب فاستولدها الذي اشتراها فولدت منه غلاما، ثم جاء سيدها الأول فخاصم سيدها الآخر فقال:

وليدتي باعها ابني بغير إذني، فقال: «الحكم أن يأخذوا وليدته و ابنها»، فناشده الذي اشتراها، فقال (عليه السلام) له: «خذ ابنه الذي باعك الوليدة حتى ينفذ-

33

و قد وقع البحث أصوليا في إمكان ذلك و استحالته، إذ قد يقال بالاستحالة لأن الشرط بالنسبة إلى المشروط بمثابة العلة بالنسبة إلى المعلول، و لا يعقل أن تكون العلة متأخرة زمانا عن معلولها.

و قد يقال بالإمكان، و يردّ على ذاك البرهان، أمّا بالنسبة إلى الشرط المتأخر للواجب (1) فإن القيود الشرعية للواجب لا يتوقف عليها وجود ذات الواجب [السابق‏]، و إنما تنشأ قيديّتها من تحصيص المولى للطبيعة بحصة عن طريق تقييدها بقيد (2)، فكما يمكن أن يكون القيد المحصّص مقارنا أو متقدما يمكن أن يكون‏

____________

- لك»، فلما أخذه قال له أبوه: أرسل ابني، قال: لا و اللّه لا أرسل إليك ابنك حتى ترسل ابني، فلما رأى ذلك سيد الوليدة أجاز بيع ابنه» الكافي ج 5 كتاب المعيشة باب شراء الرقيق ح 12 ص 211، و التهذيب ج 2 ص 138 و 250، و الاستبصار 3 ص 85 (ط النجف)، و الفقيه 3 باب البيوع (رقمه 69) ح 56 ص 140 (ط النجف). بتقريب أن الامام الباقر (عليه السلام) لم يقل فباع السيد الأول الوليدة و ابنها للسيد الثاني بنفس القيمة التي باعها بها ولده و إنما قال «أجاز بيع ابنه» و بهذه الاجازة اللاحقة ترتبت الآثار السابقة من ملكية الأمة و ابنها و هو القول بالكشف و هو محل بحثنا هنا.

(1) كغسل المستحاضة في الليلة الآتية لتصحيح الصيام السابق.

(على ايّ حال) هذه الفقرة الى آخر البحث هو توجيه لقوله «و قد يقال بالامكان». و كان الأولى- لتوضيح المطلب- أن يحذف «و يردّ على هذا البرهان».

(2) هذا توجيه صاحب الكفاية (قده) فقد قال بأن الواجب المطلوب هو «الصيام الملحوق بالغسل» و هو حصة خاصّة من الصيام، و ليس الغسل الآتي شرطا في صحّة الصيام.

34

متأخرا، و أمّا بالنسبة إلى الشرط المتأخر للحكم [كصحّة البيع‏]، فبأنّ قيود الحكم كلها قيود للحكم المجعول لا للجعل (1) كما تقدم، لوضوح أن الجعل ثابت قبل وجود قيود الحكم [اي قبل تحقق الاجازة]، و المجعول وجوده مجرد افتراض (2) و ليس وجودا حقيقيا خارجيا، فلا محذور في إناطته بأمر متأخر (3).

____________

(1) اي ان الاجازة اللاحقة قيد في صحّة البيع كما كان الزوال قيدا متقدما لفعلية وجوب الصلاة اي قيدا للحكم المجعول، فكانّ المولى تعالى يقول «اذا لحقت الاجازة البيع صحّ البيع» و لذلك كانت الاجازة اللاحقة قيدا لصحة البيع، أي قيدا للحكم المجعول.

(ملاحظة) في النسخة الاصلية قال «... الشرط المتاخّر للوجوب، فبأنّ قيود الوجوب ...» فبدّلنا لفظة الوجوب بالحكم لأشمليته من الوجوب.

فانّ صحّة البيع حكم وضعي و ليس وجوبا.

(2) أو قل وجوده وجود ذهني فرضي أي يتوقف على حصول شروطه فأي مانع عقلي بأن يقول المولى: البيع الذي يتعقّبه إجازة صحيح من حين العقد فيصير هذا الشرط المتأخّر كأنه شرط مقارن لأن المولى يشترط تعقّب الإجازة في نفس جعله.

(ملاحظة) في النسخة الاصلية قال «ثابت قبل وجودها» فوضّحناها بقولنا «ثابت قبل وجود قيود الحكم».

(3) شرحناها في ح 3 ج 2 فراجع، و نختصر هنا فنقول: أي مانع عقلي موجود في إناطة صحّة عقد الفضولي بشرط متأخّر كالإجازة؟! أ ليست صحّة هذا العقد أمرا ذهنيا و الأمور الذهنية- بخلاف الأمور الخارجية- تتحمّل القيود المتأخّرة لأن عالم الذهن واسع، فللمولى أن يقول «من صامت يوم السبت مثلا فعليها ليصحّ صيامها أن تغتسل ليلة الأحد»، و «البيع الذي يتعقّبه إجازة صحيح من حين العقد».

35

زمان الوجوب و الواجب (الواجب المعلّق) (1)

لكلّ من الوجوب (أي الحكم المجعول) و الواجب زمان، و الزمانان متطابقان عادة، فوجوب صلاة الفجر مثلا زمانه الفترة الممتدة بين الطلوعين، و هذه الفترة هي بنفسها زمان الواجب، و يستحيل أن يكون زمان الوجوب بكامله متقدما على زمان الواجب، لأن هذا معناه أنه في هذا الظرف الذي يترقب فيه صدور الواجب لا وجوب، فلا محرّك للمكلف إلى الإتيان بالواجب، و هذا واضح.

و لكن وقع البحث في أنه هل بالإمكان أن تتقدم بداية زمان الوجوب على زمان الواجب مع استمراره و امتداده و تعاصره بقاء مع الواجب؟ و مثال ذلك: الوقوف بعرفات فإنه واجب على المستطيع، و زمان الواجب هو يوم عرفة من الظهر إلى الغروب، و أما زمان الوجوب [الفعلي‏] فيبدأ من حين حدوث الاستطاعة لدى المكلف التي قد تسبق يوم عرفة بفترة طويلة، و يستمر الوجوب [الفعلي‏] من ذلك الحين إلى يوم عرفة الذي هو زمان‏

____________

(1) سمّى صاحب الفصول هذا البحث بالواجب المعلّق لأن الوجوب- كوجوب الحج- فعليّ، و الواجب- و هو نفس الحج معلّق على مجي‏ء وقته ك 9 ذي الحجة مثلا.

36

الواجب. و قد ذهب جماعة من الأصوليين (1) إلى أن هذا معقول، و سمّوا كل واجب تتقدم بداية زمان وجوبه على زمان الواجب بالواجب المعلق (2)، و حاولوا عن هذا الطريق أن يفسّروا ما سبق من مسئولية المكلف تجاه المقدمات المفوتة، و ذلك لأن الإشكال في هذه المسئولية كان يبتني على افتراض أن الوجوب [الفعلي‏] لا يحدث إلّا في ظرف إيقاع الواجب (3)، فإذا افترضنا أن الوجوب غير مشروط بزمان الواجب بل يحدث قبله و يصبح فعليا بالاستطاعة فمن الطبيعي أن يكون المكلف مسئولا عن‏

____________

(1) و هم صاحب الفصول- و هو ظاهرا أوّل من قال بهذا القول- و تبعه جمع من الاعلام كصاحب الكفاية و السيد الخوئي، و خالفهم بعض آخر كالمحقق النائيني و السيد الشهيد رحمهم اللّه جميعا و حشرنا معهم بمحمد و آله الأطهار.

(2) قصة هذا البحث: قال صاحب الفصول (رحمه اللّه): إنّ وجوب الحج فعليّ من حين الاستطاعة حتى و لو كان ذلك قبل زمان السير إلى الحج بوقت طويل، و فائدة هذا الوجوب الفعلي هو وجوب حفظ الاستطاعة و تهيئة الضروريات للسفر إلى الحج كجواز السفر ثم السفر في وقت يدرك فيه الحج، و بتعبير آخر: على قولنا- أي على قول صاحب الفصول- تجب هذه المقدّمات المفوّتة و ذلك لفعلية وجوب الحج فلا نقع في مشكلة سر وجوب المقدّمات المفوّتة قبل زمان نفس الواجب كالحج. (إذن) نحن نقول إن وجوب الحج فعلي من حين الاستطاعة و لكنه معلّق على مجي‏ء وقت الواجب بنحو الشرط المتأخر فإذا أبقانا اللّه أحياء إلى وقت الحج استكشفنا أنّ وجوب الحج كان واقعا فعليا، و إلّا علم بأنّ هذا الوجوب لم يكن فعليا و لذلك لا يجب القضاء عنّا. (هذه مقالة صاحب الفصول (رحمه اللّه).

(3) كما يحدث الوجوب الفعلي للصلاة في اول وقت الصلاة، أي ان زمان وجوب الصلاة و نفس الصلاة واحد.

37

المقدمات المفوتة قبل مجي‏ء يوم عرفة، لأن الوجوب فعلي و هو يستدعي عقلا التهيؤ لامتثاله.

و الصحيح (1) أن زمان الواجب يجب أن يكون قيدا للوجوب، و لا يمكن أن يكون قيدا للواجب فقط، لأنه أمر غير اختياري (2)، و قد تقدم أن كل القيود التي تؤخذ في الواجب يلزم‏

____________

(1) ردّ السيد الشهيد (قده) مقالة صاحب الفصول، فقال: أنت تقول ... بأنه معلّق على مجي‏ء وقت الواجب، ترى أيّه هو المعلّق على مجي‏ء زمان الواجب، الواجب أم الوجوب؟ حتما لن تقول الواجب- كالحج- هو المعلّق على مجي‏ء 9 ذي الحجة، أي لن تقول بأنّ من مقدمات الواجب هو مجي‏ء 9 ذي الحجة، و ذلك لأنّ قيود الواجب- كالطهارة للصلاة- يجب أن تكون اختيارية و مجي‏ء وقت الواجب أي بقاؤنا أحياء إلى وقت الواجب ليس أمرا اختياريا و بأيدينا.

و خلاصة هذه النقطة أن صاحب الفصول يقول: إن وجوب الحج على من استطاع في شعبان فعلي لكن الحج موقوف على مجي‏ء ذي الحجّة، فأجابه سيدنا الشهيد (رحمه اللّه): إذا كان وجوب الحجّ فعليا من شعبان فهذا معناه أنه يجب على المستطيع أن يتحرّك الآن و يحجّ الآن و هذا أمر لا يمكن له لعدم مجي‏ء 9 ذي الحجّة، إذن إذا كان هذا هو مرادك من الواجب المعلّق فهو باطل.

إذن ستقول بأنّ المعلّق على مجي‏ء ذي الحجّة هو الوجوب، ح نسألك كيف يكون الوجوب فعليا- أي المعلول حاصل- قبل مجي‏ء زمان الواجب- و هو جزء العلّة-؟! أي كيف نقول بتمامية المعلول و جزء العلّة (و هو الشرط المتأخّر) لم يحصل بعد؟! فإذن إذا كان هذا هو مرادك من الواجب المعلّق فهو أيضا باطل.

و من هنا يخرج السيد المصنّف (رحمه اللّه) بالقول باستحالة «الواجب المعلّق».

(2) معنى ان زمان الواجب يجب ان يكون قيدا للوجوب ان الوجوب الفعلي لا يحدث الّا اذا جاءت أيام الحج، و معنى ان زمان الواجب يجب ان يكون‏

38

أن تكون اختيارية، فبهذا نبرهن على أنه قيد للوجوب، و حينئذ فإن قلنا باستحالة الشرط المتأخر للحكم ثبت أن الوجوب [الفعلي للحج‏] ما دام مشروطا بزمان الواجب فلا بد أن يكون حادثا بحدوثه لا سابقا عليه لئلا يلزم وقوع الشرط المتأخر. و بهذا يتبرهن أن الواجب المعلق على مجي‏ء الوقت مستحيل (*). و إن قلنا بإمكان الشرط المتأخر (1) جاز أن يكون زمان الواجب شرطا

____________

قيدا للواجب اننا يجب أن نوقع الحج في ايامه المعهودة.

و انما قال «و لا يمكن ان يكون قيدا للواجب فقط [و انما يجب ان يكون قيدا للوجوب أيضا]» لانّ مجي‏ء ايام الحج ليس أمرا اختياريا للمكلف. إذن لا يحدث الوجوب الفعلي للحج حتى يجي‏ء وقته، إلّا أن نقول: كل من استطاع في شهر شعبان مثلا و كان ممّن سيجي‏ء عليه يوم عرفة و هو حيّ فحينئذ نستكشف الوجوب الفعلي للحج من حين الاستطاعة اي من شهر شعبان. و عليه يجب ان يأتي بمقدمات الحج احتياطا- بحكم العقل- لاحتمال ان يتبيّن فيما بعد أن الوجوب كان فعليا عليه.

(1) و لو بنحو التحصيص بأن يقول المولى «وجوب الحج الذي يأتي وقته فعليّ».

(*) أقول: ما المشكلة لو قلنا: بالاستطاعة يصير وجوب الحج فعليا لقوله تعالى‏ وَ لِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا، و أثر هذه الفعلية هو وجوب تهيئة مقدّمات الحج، و هذا أمر عقلائي جدا، و بهذا تحلّ مشكلة «كيف تجب المقدّمات المفوّتة للحج قبل مجي‏ء ايام الحج؟ و الحال انّ الانسان قد لا يبقى حيا الى ايام الحج»، فاذا بقي حيا الى ايام الحج يجب عليه الحج.

أخي الطالب، ما نظرك أنت بهذه الآراء؟

باحث ذلك مع استاذك و زملائك.

39

متأخرا للوجوب [الفعلي‏]، فوجوب الوقوف بعرفات يكون له شرطان:

أحدهما مقارن يحدث الوجوب بحدوثه و هو الاستطاعة.

و الآخر متأخر عن (1) الوجوب [الفعلي للحج‏] و هو مجي‏ء يوم عرفة على المكلف المستطيع و هو حي، فكل من استطاع في شهر شعبان مثلا، و كان ممن سيجي‏ء عليه يوم عرفة و هو حيّ فوجوب الحج يبدأ في حقه من شعبان، و بذلك يصبح مسئولا عن توفير المقدمات المفوتة له من أجل فعلية الوجوب.

____________

(1) في النسخة الأصلية قال- بدل عن- يسبقه، و ما أثبتناه أسرع فهما.

40

متى يجوز عقلا التعجيز

تارة يترك المكلف الواجب و هو قادر على إيجاده و هذا هو العصيان، و أخرى يتسبب إلى تعجيز نفسه عن الإتيان به، و هذا التسبيب له صورتان:

الاولى: أن يقع بعد فعلية الوجوب، كحال إنسان يحل عليه وقت الفريضة ولديه ماء فيريق الماء و يعجّز نفسه عن الصلاة مع الوضوء، و هذا لا يجوز عقلا لأنه معصية.

الثانية: أن يقع قبل فعلية الوجوب، كما لو أراق الماء في المثال قبل دخول الوقت، و هذا يجوز لأنه بإراقة الماء يجعل نفسه عاجزا عن الواجب عند تحقق ظرفه، و حيث إن الوجوب مشروط بالقدرة فلا يحدث الوجوب (1) في حقه، و لا محذور في أن يسبّب المكلف إلى أن لا يحدث الوجوب في حقه، و إنما المحذور في أن لا يمتثله بعد أن يحدث. و لكن قد يقال هنا (2) بالتفصيل بين ما إذا كان دخل القدرة في هذا الوجوب عقليا أو شرعيا، فإذا كان الدخل شرعيا [كالاستطاعة بالنسبة إلى الحج‏] جاز التعجيز المذكور (3)، لأنه لا يفوّت على المولى بذلك شيئا،

____________

(1) كوجوب الوضوء، و كذا الوجوب في السطر التالي، و لك أن تفسّر الوجوب فيهما بمعنى وجوب الصلاة عن وضوء.

(2) اي في هذه الصورة الثانية.

(3) كأن يعجّز نفسه عن تحصيل الاستطاعة الى الحج.

41

إذ يصبح عاجزا و لا ملاك للواجب في حق العاجز (*). و إذا كان الدخل عقليا (1) و كان ملاك الواجب ثابتا في حق العاجز أيضا- و إن اختص التكليف بالقادر بحكم العقل- فلا يجوز التعجيز المذكور لأن المكلف يعلم بأنه بهذا سوف يسبب إلى تفويت ملاك فعلي في ظرفه المقبل، و هذا لا يجوز بحكم العقل. و على هذا الأساس يمكن تخريج مسئولية المكلف تجاه المقدمات المفوّتة في بعض الحالات، بأن يقال: إن هذه المسئولية تثبت في كل حالة يكون دخل القدرة فيها عقليا لا شرعيا (2).

____________

(1) كما في الإنقاذ، فإنّ القدرة بالنسبة إلى وجوب الإنقاذ شرط عقلي.

(2) هذه نقطة مهمّة فافهم هذا التخريج لمشكلة «ما هو سرّ وجوب المقدّمات المفوّتة كالسير إلى الحج قبل فعلية الوجوب»؟.

فقد عرفت في البحث السابق جواب صاحب الفصول و هو أن وجوب الحج فعليّ قبل مجي‏ء وقت الواجب- و ذلك لحصول الاستطاعة- فتجب مقدّماته كالسير إلى الحج.

و أمّا من لم يؤمن بذلك- كالسيد الشهيد- فإنه قال بهذا الجواب هنا و هو أن الجعل إن كان مطلقا كوجوب الصلاة و الإنقاذ علمنا أن القدرة المأخوذة فيه عقلية أي أنّ المولى يحبّ الصلاة و الإنقاذ حتى في حال العجز، فلا يجوز عقلا تعجيز النفس عن الإنقاذ و لا عن الصلاة و لا عن الحج بعد الاستطاعة و هذا يعني أنه تجب المقدّمات المفوّتة عقلا.

(*) لا شك في ان هذا الوجه الثاني- بالتفصيل- هو الصحيح، و الدليل هو ان العقل يحكم- عند تمامية الملاك كوضوح قبح ترك الانسان يغرق مع علمنا بانه سيغرق بعد ساعة او ساعتين- بقبح تعجيز المكلف نفسه عن انقاذ ذاك الذي سيغرق.

طبعا العقل يحكم في بعض حالات معينة واضحة، و الّا فمع عدم وضوحها فقد لا يحكم، فمثلا:

إذا علمنا بأنّ زيدا سينتحر بعد فترة غير محدّدة و يقع المكلف في الحرج أو الضرر اذا بقي يراقبه فانّ العقل لا يحكم في هكذا حالة بحرمة تعجيز النفس عن مراقبة زيد.

42

أخذ العلم بالحكم في موضوع الحكم‏

استحالة اختصاص الحكم بالعالم به:

إذا جعل الحكم على نحو القضية الحقيقية و أخذ في موضوعه العلم بذلك الحكم اختص بالعالم به و لم يثبت للشاك أو القاطع بالعدم، لأن العلم يصبح قيدا للحكم، غير أن أخذ العلم قيدا كذلك قد يقال: إنه مستحيل، و برهن على استحالته بالدور (1)، و ذلك لأن ثبوت الحكم المجعول متوقف على وجود

____________

(1) بيان هذا البحث:

هل يمكن للّه تعالى ان يحكم بالحكم التالي: «إذا علم الشخص بوجوب التقصير في حال السفر فقد وجب عليه التقصير بنفس ذلك الوجوب المعلوم»؟ حتما لا، و ذلك لحصول الدور المبيّن أمامك:

(3) ثبوت الجعل الذي هو «إذا علمت بوجوب الصلاة فقد وجبت عليك».

/ (2) العلم بالجعل‏

/ (1) ثبوت الجعل الذي هو «إذا علمت بوجوب الصلاة فقد وجبت عليك».

نعم إذا تغاير الاوّل و الثالث أمكن هكذا توقّف لانتفاء الدور، فمثلا إذا قلنا- كما هو الصحيح- ان العلم انما يتوقّف على الصورة الذهنية للجعل، و ما يتوقّف على العلم بالجعل هو الوجود الحقيقي للجعل، امكن هكذا توقّف، و هكذا إذا قلنا إنّ ما يتوقّف على العلم هو شخص آخر من الجعل يغاير

43

قيوده، و العلم بالحكم متوقف على الحكم توقف كل علم على معلومه، فإذا كان العلم بالحكم من قيود نفس الحكم لزم توقف كل منهما على الآخر، و هو محال.

و قد أجيب على ذلك بمنع التوقف الثاني (1)، لأن العلم بشي‏ء لا يتوقف على وجود ذلك الشي‏ء و إلّا لكان كل علم مصيبا، و إنما يتوقف على الصورة الذهنية له في أفق نفس العالم (2)، أي أن العلم يتوقف على المعلوم بالذات، لا على المعلوم بالعرض فلا دور.

إلّا أن هذا الجواب لا يزعزع الاستحالة العقلية، لأن العقل قاض‏

____________

متعلق العلم، و هكذا أيضا إذا قلنا بأن المراد بمتعلق العلم هو الجعل و ما يترتب على العلم هو المجعول، أي اذا سمعت بآية التقصير في السفر (و هو العلم بالجعل) فقد وجب عليك التقصير (أي يصير الجعل بحقّك فعليا).

(1) المراد بالتوقّف الثاني توقّف العلم بالجعل على الجعل.

(2) أي في ذهن العالم.

مراده أن يقول هنا إنك إذا رأيت زيدا و حكمت بأنه زيد فأنت في الواقع حكمت على صورته الموجودة في ذهنك و لكن لتطابقهما غالبا تتوهّم أنك تحكم على هذا الخارج و تضع يدك عليه أيضا، و لكن الواقع أنك تحكم على صورته الموجودة في ذهنك بأنها زيد، و لذلك كان المعلوم بالذات هي هذه الصورة الذهنية، و المعلوم بالعرض هو زيد الخارجي. (و هنا) صار ثبوت الجعل رقم (1) في الرسم السابق هو المعلوم بالذات لأنه الصورة الذهنية، و ثبوت الجعل رقم (3) هو المعلوم بالعرض لأنه هو الثبوت الخارجي للجعل.

44

بأن العلم وظيفته تجاه معلومه مجرد الكشف و دوره دور المرآة (1) و لا يعقل للمرآة أن تخلق الشي‏ء الذي تكشف عنه فلا يمكن أن يكون العلم بالحكم دخيلا في تكوين شخص ذلك الحكم.

غير أن هذه الاستحالة إنما تعني عدم إمكان أخذ العلم بالحكم المجعول (2) قيدا له، و أما أخذ العلم بالجعل قيدا للحكم المجعول فلا محذور فيه بناء على ما تقدم من التمييز بين الجعل و المجعول فلا يلزم دور و لا إخراج للعلم عن دوره الكاشف البحت.

و الثمرة التي قد تفترض لهذا البحث هي أن التقييد بالعلم‏

____________

(1) بيان هذه الفقرة: إنكم و إن نسفتم الدور إلّا أن الاستحالة ثابتة ببيان أنه لا يمكن عقلا للعلم بالجعل أن يخلق شخص هذا الجعل، حتى و إن كان الإنسان ساحرا، لأن المعلوم بالذات كان صورة ذهنية و المخلوق بالعلم حقيقة خارجية فتغايرا، فيستحيل إذن أن يقول المولى «إذا علمت بوجوب الصلاة فقد وجبت عليك بنفس الوجوب السابق المعلوم» أي فقد خلقت نفس الوجوب السابق المعلوم. فإنه لو أمكن ذلك لكان الوجود الثاني للحكم مغايرا لحقيقة الوجود الأول له- لا شخصه- لكون الوجود الأوّل ذهنيا وهميا و الثاني خارجي حقيقي.

(2) لا يفرق الحال في كل هذا الدرس بين أن يريد بالحكم- المقيّد بالعلم به- الجعل أو المجعول فكلاهما مستحيلان، بمعنى انّ الدور يحصل سواء كان الاول و الثالث هما الجعل أم كانا المجعولين.

نعم الممكن هو أن يقال إذا علمت بجعل وجوب القصر في السفر و الجهر و التمام صار الحكم عليك فعليا، و هذا واضح.

45

بالحكم إذا كان مستحيلا فهذا يجعل الإطلاق ضروريا (1)، و يثبت بذلك أن الأحكام الشرعية مشتركة بين العالم و غيره على مبنى من يقول: بأن التقابل بين التقييد و الإطلاق الثبوتيين تقابل السلب‏

____________

(1) لعدم إمكان التقييد بالعالم، و مراده أن يقول في الثمرة إننا لو فرضنا أننا آمنّا باستحالة تقييد الأحكام بالعالم بها فستصير الأحكام كلها مشتركة بين العالم و الجاهل بها على مبنى أن التقابل بين الإطلاق و التقييد تقابل النقيضين (و هو مبنى السيد الشهيد) أي إذا استحال التقييد بالعالم صار الإطلاق ضروريا شاملا للعالم و الجاهل. و أمّا على مبنى أن التقابل بين الإطلاق و التقييد الثبوتيين تقابل الملكة و عدمها- أي أننا نتمسك بالإطلاق حيث يمكن التقييد فحيث لا يمكن التقييد بالعالم لا نعلم لعلّ المولى يريد التقييد بالعالم لكنه لا يستطيع- فإننا لا نعلم بإرادته للإطلاق فيبقى الحكم مهملا أي غير معلوم الإطلاق و التقييد، و النتيجة ان الاحكام ستتعلّق بالعالمين بها فقط لكونهم القدر المتيقّن.

(أقول) خلاصة التحقيق: أولا لا شك في استحالة اخذ العلم بجعل في موضوع نفس الجعل لما ذكره سيدنا الشهيد (رحمه اللّه) من حصول الدور، ثانيا: لو فرضنا ورود جعل قد اخذ العلم في موضوعه فاننا نحمله على إرادة جعل مماثل للمعلوم، لا ان الجعل المترتب على العلم هو عين الجعل الذي ترتّب عليه العلم، بمعنى لو وردنا مثلا «إذا علمت بوجوب الجهر في الصلاة فقد وجب عليك الجهر» فاننا نحمله على ان الوجوب الثاني هو مثل الوجوب الاول المعلوم، أو نحمله على ان المعلوم هو الجعل و الثاني هو المجعول، ثالثا: حينما يردنا مثلا «أقيموا الصلاة» و أردنا ان نعرف هل ان هذا الامر شامل للعالمين و الجاهلين أم يشمل خصوص العالمين به فقط فاننا ننظر إلى سائر الأدلّة فإن لم نر تقييدا بالعالم في جعل ثان نتمسّك بالإطلاق المقامي فيثبت الجعل على العالمين و الجاهلين.

46

و الإيجاب، و هذه النتيجة لا تحصل (1) على مبنى من يقول: إن التقابل بين التقييد و الإطلاق كالتقابل بين البصر و العمى (2)، فكما لا يصدق الأعمى حيث لا يمكن البصر، كذلك لا يمكن الإطلاق حيث يتعذّر التقييد، و من هنا تكون الأحكام على هذا القول مهملة لا هي بالمقيدة و لا هي بالمطلقة، و المهملة في قوة الجزئية.

أخذ العلم بحكم في موضوع حكم آخر:

قد يؤخذ العلم بحكم في موضوع حكم آخر، و الحكمان إما أن يكونا متخالفين أو متضادّين أو متماثلين فهذه ثلاث حالات:

أما الحالة الأولى فلا شك في إمكانها، كما إذا قال الآمر: إذا علمت بوجوب الحج عليك فاكتب وصيتك، و يكون العلم بوجوب الحج هنا قطعا موضوعيا بالنسبة إلى وجوب الوصية، و طريقيا (3) بالنسبة إلى متعلقه.

____________

(1) قال في النسخة الأصلية «و على العكس تكون استحالة التقييد موجبة لاستحالة الإطلاق» بدل «و هذه النتيجة لا تحصل» و إنما أثبتنا البدل لأن المبدل غير واضح للطالب.

(2) هذه مقالة المحقق النائيني و السيد البجنوردي و الشيخ المظفر رحمهم اللّه.

(3) عرفت سابقا في بحث «القطع الطريقي و الموضوعي» أن المراد بالقطع الطريقي هو الكاشف عن متعلقه و مرآة له، فحين تقول «أنا قاطع بأنّ هذا كتاب» فكأنك قلت «هذا كتاب» لأن هذا القطع طريق و كاشف و مرآة عن الكتاب. و القطع الموضوعي هو الدخيل في موضوع الحكم.

47

و أمّا الحالة الثانية فلا ينبغي الشك في استحالتها، و مثالها أن يقول الآمر: إذا علمت بوجوب الحج عليك فهو حرام عليك، و الوجه في الاستحالة ما تقدم من أن الأحكام التكليفية الواقعية متنافية متضادّة، و [ثانيا] لا يمكن للمكلف القاطع بالوجوب أن يتصور ثبوت الحرمة في حقه.

و أمّا الحالة الثالثة فقد يقال باستحالتها، على أساس أن اجتماع حكمين متماثلين مستحيل كاجتماع المتنافيين، فإذا قيل إن قطعت بوجوب الحج وجب عليك بنحو يكون الوجوب المجعول في هذه القضية غير الوجوب المقطوع به مسبقا كان معنى ذلك في نظر القاطع أن وجوبين متماثلين قد اجتمعا عليه (1).

____________

(1) و سيشعر المكلف بلغوية الحكم الثاني (المماثل) و إن لم يوجد دور.

(و هذه) مسألة لا فائدة منها و لذلك لا نعلّق عليها.

48

أخذ قصد امتثال الأمر في متعلّقه‏

قد يكون غرض المولى قائما بإتيان المكلف للفعل كيفما اتفق، و يسمى بالواجب التوصلي (1)، و قد يكون غرضه قائما بأن يأتي المكلف بالفعل بقصد امتثال الأمر، و يسمى بالواجب التعبدي.

و السؤال هو: أنه هل بإمكان المولى عند جعل التكليف و الوجوب في الحالة الثانية أن يدخل في متعلّق الوجوب (2) قصد امتثال الأمر أو لا؟

قد يقال بأن ذلك مستحيل، لأن قصد امتثال الأمر إذا دخل في الواجب كان نفس الأمر قيدا من قيود الواجب (3)، لأن القصد المذكور مضاف إلى نفس الأمر، و إذا لاحظنا الأمر وجدنا أنه ليس اختياريا للمكلف كما هو واضح، و حينئذ نطبق القاعدة

____________

(1) كالتطهير فإن الهدف منه إزالة النجاسة فقط.

(2) أي في الصلاة في قول المولى «صلّ».

أي هل يمكن للمولى أن يأمر ب «الصلاة بقصد امتثال الأمر بالصلاة» أم لا؟

(3) وجه الاستحالة هذا ذكره في ح 3 ج 2 ص 231، بيان الاستحالة:

1- إنّ قول المولى «صلّ بقصد امتثال الأمر بالصلاة» محال، لأنّ الأمر بالصلاة هو غير اختياري بالنسبة إلى العبد، لأنه من فعل المولى فكيف يدخل في الواجب؟! فيتعيّن أن نقول بأن قصد امتثال الأمر دخيل في الوجوب- كزوال الشمس بالنسبة إلى وجوب الصلاة- أي قيد في الأمر أي من قيود الوجوب فكيف يكون قيدا في الواجب و يجب تحصيله، هذا ما ذكره سيدنا الشهيد هنا في المتن.

49

السابقة القائلة: إن القيود المأخوذة في الواجب فقط [كالطهارة للصلاة] يجب أن تكون اختيارية (1) لنستنتج أن هذا القيد [و هو قصد امتثال الامر] إذن لا يمكن أن يكون قيدا للواجب فقط، بل لا بد أن يكون أيضا قيدا للوجوب، و هذا يعني أن الأمر مقيد بنفسه و هو محال (2). و هكذا يتبرهن بأن أخذ قصد امتثال الأمر في متعلق نفسه (3) يؤدي إلى المحال.

و ثمرة هذا البحث أن هذه الاستحالة إذا ثبتت فسوف يختلف الموقف تجاه قصد امتثال الأمر عن الموقف تجاه أي خصوصية أخرى يشك في دخلها في الواجب، و ذلك أنّا إذا شككنا في دخل خصوصية إيقاع الصلاة بالثوب الأبيض في الواجب أمكن التمسك بإطلاق كلام المولى لنفي دخل هذه الخصوصية في الواجب بحسب عالم الوجوب و الجعل (4)، و إذا ثبت عدم دخلها

____________

(1) و أمّا القيود المأخوذة في الوجوب- سواء كانت ماخوذة في الواجب أيضا كحلول شهر رمضان أم في الوجوب كالزوال بالنسبة الى وجوب الصلاة- فقد تكون اختيارية كالاستطاعة بالنسبة الى الحج و قد لا تكون اختيارية كما في الزوال و حلول شهر رمضان.

(2) فهل رأيت مولى يقول لعبده «إذا أمرتك فقد أمرتك»؟!

(3) أي في الواجب كالصلاة.

(4) هذه الفكرة الاخيرة مهمّة يلزم على الطالب الالتفات لها، فلو شككت في دخالة السورة التي بعد الفاتحة في الصلاة او في دخالة الاقامة او القنوت او جلسة الاستراحة التي بعد السجدة الثانية فانك تجري الاطلاق المقامي- و ليس اصالة البراءة- و ذلك لانّ الاطلاق المقامي دليل محرز و اصالة البراءة اصل عملي، و الدليل المحرز يقدّم على الاصل العملي. و معنى الاطلاق المقامي انّ الامام مثلا حينما بيّن الصلاة ذكرها بتمامها باجزائها و شرائطها-

50

في الواجب بحسب عالم الجعل يثبت عدم دخلها في الغرض (1)، إذ لو كانت دخيلة في الغرض لأخذت في الواجب، و لو أخذت كذلك لذكرت في الكلام (2). و هذا الأسلوب لا يمكن تطبيقه على قصد امتثال الأمر عند الشك في دخله في الغرض، لأن إطلاق كلام المولى و إطلاق أمره إنما يعني عدم أخذ هذا القصد في متعلق الوجوب، و نحن بحكم الاستحالة الآنفة الذكر نعلم بذلك بدون حاجة للرجوع إلى كلام المولى، و لكن لا يمكن أن نستكشف من ذلك عدم كون القصد المذكور دخيلا في الغرض المولوي، لأن المولى مضطر على أي حال لعدم أخذه في الواجب، سواء كان دخيلا في غرضه أو لا، فلا يدل عدم أخذه [في مرحلة الجعل‏]

____________

- و لم يذكر جلسة الاستراحة مثلا فلو كانت واجبة لذكرها، و هذا ما يطلقون عليه الاطلاق المقامي، أي ان الامام حينما كان في مقام بيان تمام العمل- كالصلاة- اطلق هذا المقدار المعيّن من الصلاة اي لم يقيده باجزاء و شرائط أخرى، فهو إذن لا يريدها.

(أقول) الواقع أن الاطلاق المقامي و اصالة البراءة واحد.

(1) كإثبات عدم النار من عدم الدخان و يعبّرون عنه بالكشف الإنّي (في مقابل الكشف اللمّي كعلمنا بكمال نظام الوجود من كمال الخالق). و بتعبير آخر:

إذا ثبت عدم وجوب الصلاة بالثوب الأبيض في مرحلة الجعل نستكشف عدم وجوب ذلك في مرحلة الغرض أي الملاك و العلّة، فاستكشفنا العلّة من طريق المعلول و هو الكشف الإنّي.

(2) لا بدّ هنا من التذكير بما ذكرناه في بحث الاطلاق من أن الماهيات المركبة كالصلاة يجري فيها الإطلاق المقامي لإثبات عدم وجوب الثوب الأبيض، و المعاني البسيطة كالعالم في قول المولى «اكرم العالم» يجري فيها الإطلاق اللفظي لاثبات عدم اشتراط هاشميته أو عدالته و نحو ذلك.

51

على عدم دخله [في مرحلة الملاك‏]، و هذا يعني أن الاستحالة المذكورة تبطل إمكان التمسك بإطلاق كلام المولى لنفي التعبدية و إثبات التوصلية (1).

و من هنا يمكن أن نصوّر الثمرة لاستحالة أخذ العلم بالحكم قيدا لنفسه على وجه آخر غير ما تقدم في ذلك البحث فنقول: إن هذه الاستحالة تبطل إمكان التمسك بإطلاق كلام المولى لنفي اختصاص أغراضه بالعالمين بالأحكام بنفس الطريقة المشار إليها في قصد امتثال الأمر (2).

____________

(1) خلاصة الثمرة: إننا إذا شككنا في لزوم الصلاة بالثوب الأبيض فإننا نتمسّك بالإطلاق المقامي لنفي ذلك. و لكن إذا شككنا في لزوم الصلاة بقصد امتثال الأمر فهل يمكن التمسك بالإطلاق المقامي لنفي ذلك؟ الجواب: لا.

و ذلك لعدم إمكان المولى- في مقام الجعل- أن يدخل هذا القيد في الصلاة لأنه يورث التسلسل، و لكن قد يوجب ذلك في مرحلة الملاك فيجب علينا ح قصد امتثال الأمر. (و بتعبير آخر) لا يمكن التمسك بالاطلاق اللفظي لكلمة «اقيموا الصلاة»- أي في مرحلة الاثبات- للاثبات الاطلاق الملاكي- أي في مرحلة الثبوت-، فانّ الامر و إن صار واضحا لكننا نعيده بتعبير آخر عادة لترسيخ المصطلحات الاصولية في ذهن الطالب.

(ملاحظة) بناء على استحالة دخالة قصد امتثال الأمر في الصلاة يمكن للمولى أن يجعل جعلا آخر و ذلك بأن يقول «صلّ» و يأمر أمرا ثانيا فيقول «أقصد بصلاتك امتثال الأمر الأوّل بالصلاة». و ح فإن لم يوجد هكذا أمر ثان- و هو ما يسمّى بمتمّم الجعل- فإننا ننفيه بالإطلاق المقامي.

(2) كان سيدنا الشهيد (قده) قد تبنّى- بناء على أن التقابل بين التقييد و الاطلاق الثبوتيين تقابل المتناقضين- فكرة أنّ التقييد بالعلم بالحكم بما أنه مستحيل إذن فمن الضروري أن تكون الأحكام شاملة للعالم و الجاهل بها. لأنه إذا وجد أحد النقيضين كان نقيضه معدوما، و اذا استحال التقييد كان الإطلاق ضروريا.-

52

اشتراط التكليف بالقدرة بمعنى آخر (1)

مرّ بنا (2) أن التكليف مشروط بالقدرة، و كنّا نريد بها القدرة التكوينية، و هذا يعني أن التكليف لا يشمل العاجز. و كذلك لا

____________

- و لكن هنا غيّر تلك النظرة فقال بعدم إمكان التمسك بالاطلاق لاثبات شمول العالمين و الجاهلين في الاحكام و بالتالي يحتمل أن يريد المولى- في مرحلة الملاك- تقييد الأحكام بخصوص العالمين كما قال في هذا البحث بإمكان أن يوجب المولى- في مرحلة الملاك- نيّة «قصد امتثال الأمر».

(1) كان الأولى أن يكون العنوان هكذا «اشتراط التكليف بعدم المزاحم» أو «بحث الترتّب».

(2) في بحث «قاعدة استحالة التكليف بغير المقدور». فقد ذكر هناك أن فعلية التكليف- و ليس فقط منجزيته- مشروطة بالقدرة، و هنا سيقول نفس ما ذكره هناك، فإنه سيقول هنا باشتراط فعلية التكليف- لا تنجيزه فقط- بعدم الاشتغال بمزاحم أهم أو مساوي في الأهمية، و بتعبير آخر: يقول السيد الشهيد (رحمه اللّه): الموجود في عالم الجعل هكذا: «إن استطاع المكلف تكوينا و لم يكن مشتغلا بامتثال مزاحم أهم أو مساوي فتجب عليه الصلاة، أمّا في حال وجود مزاحم مساو في الأهمية فالمكلّف مخيّر».

فإنّ السيد الشهيد (رحمه اللّه) يرى أن عدم المزاحم الأهم أو المساوي من شرائط فعلية التكليف كالبلوغ و العقل و دخول وقت الصلاة و الاستطاعة للحج، فإذن عدم الاشتغال بالمزاحم دخيل في مرحلة الجعل، و عليه فمع الاشتغال بالانقاذ لا وجوب فعلي للصلاة، و أمّا إن لم ترد أن تشتغل بالانقاذ فوجوب الصلاة يصير فعليا عليك لتحقق شرط فعلية الوجوب ..

53

يشمل أيضا من كان قادرا على الامتثال و لكنه مشغول فعلا بامتثال واجب آخر مضادّ لا يقلّ عن الأول أهمية (1)، فإذا وجب إنقاذ غريق فإنّ المكلّف يعذر في ترك انقاذه إذا كان عاجزا تكوينا، كما يعذر إذا كان قادرا و لكنه اشتغل بإنقاذ غريق آخر مماثل [للغريق الأول في الأهميّة] على نحو لم يبق بالإمكان إنقاذ الغريق الأول معه. و هذا يعني أن كلّ تكليف مشروط بعدم الاشتغال بامتثال [تكليف‏] مضادّ لا يقلّ عنه أهمية، و هذا القيد دخيل في [فعلية] التكليف بحكم العقل، و لو لم يصرّح به المولى في خطابه، كما هو الحال في القدرة التكوينية. و لنطلق على القدرة التكوينية اسم «القدرة بالمعنى الأخص»، و على ما يشمل هذا القيد الجديد اسم «القدرة بالمعنى الأعم» (2).

و البرهان على هذا القيد الجديد: أن المولى إذا أمر بواجب و جعل أمره مطلقا حتى لحالة الاشتغال بامتثال مضادّ لا يقلّ عنه أهمية، فإن أراد بذلك أن يجمع بين الامتثالين [كالصلاة و الانقاذ] فهو غير معقول لأنه غير مقدور للمكلف، و إن أراد بذلك أن يصرف المكلف عن ذلك الامتثال المضادّ [المساوي‏] فهذا بلا موجب بعد افتراض انهما متساويان في الأهمية، [و مستحيل إذا

____________

(1) أي و لكنه مشغول فعلا و حاليا بامتثال واجب أهم من الصلاة أو مساو لأهمية الصلاة و لا يمكنه الجمع بينهما.

(2) إذن فوجوب الصلاة في مرحلة الجعل مقيّد بالقدرة التكوينية و بعدم الاشتغال بواجب أهم من الصلاة أو بواجب مساو لها في الأهمية، فإن لم تشتغل بالأهم (كالانقاذ) او المساوي فوجوب الصلاة فعلي عليك.

54

فرضنا أن الضدّ كالانقاذ أهم من الواجب‏]، فلا بدّ إذن من أخذ القيد المذكور [في مقدّمات الحكم‏].

و من هنا يعرف أن ثبوت أمرين بالضدّين مستحيل إذا كان كل من الأمرين مطلقا لحالة الاشتغال بامتثال الأمر الآخر أيضا، و أما إذا كان كلّ منهما مقيّدا بعدم الاشتغال بالآخر (1)، أو كان أحدهما (2) كذلك فلا استحالة، و يقال عن الأمرين بالضدين حينئذ: إنهما مجعولان على وجه الترتب، و إن هذا الترتب هو الذي صحّح جعلهما على هذا الوجه، و هذا ما يحصل في كل حالة يواجه فيها المكلف واجبين شرعيين و يكون قادرا على امتثال كل منهما بمفرده و لكنه غير قادر على الجمع بينهما. فإنهما إن كانا متكافئين في الأهمية كان وجوب كل منهما مشروطا بعدم امتثال الآخر، و إن كان أحدهما أهم من الآخر ملاكا فوجوب الأهم غير مقيد بعدم الاتيان بالأقل أهمية (المهم)، و لكن وجوب المهم مقيد بعدم الإتيان بالأهم، و تسمّى هذه الحالات بحالات التزاحم.

و قد تعترض (3) و تقول إن الأمرين بالضدين على وجه الترتب‏

____________

(1) في حال التساوي في الأهمية بين الواجب و الضدّ.

(2) و هو الأقلّ أهمية.

(3) هذا الاعتراض هو لصاحب الكفاية (رحمه اللّه). و هو يقول: الموجود في اللوح المحفوظ هكذا: «الصلاة واجبة، و لكن إن وجد مزاحم أهم فلا تجب الصلاة» أي حتى و لو بنيت على ترك الانقاذ و صليت فصلاتك غير مطلوبة.

نعم هو يصحّحها لتمامية الملاك.

هذا من جهة، و من جهة اخرى- يتابع صاحب الكفاية- على فرض القول-