دروس في علم الأصول - ج3

- السيد محمد باقر الصدر المزيد...
260 /
7

الحلقة الثالثة 1

تمهيد

تعريف علم الأصول موضوع علم الأصول.

الحكم الشرعي و تقسيماته.

تقسيم بحوث الكتاب.

8

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

9

تعريف علم الأصول‏

عرف علم الأصول بأنه «العلم بالقواعد الممهدة لاستنباط الحكم الشرعي». و قد لوحظ على هذا التعريف:

أولا: بأنه يشمل القواعد الفقهية، كقاعدة ان ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده.

و ثانيا: بأنه لا يشمل الأصول العملية، لأنها مجرد أدلة عملية و ليست أدلة محرزة، فلا يثبت بها الحكم الشرعي، و انما تحدد بها الوظيفة العملية.

و ثالثا: بأنه يعم المسائل اللغوية، كظهور كلمة الصعيد مثلا لدخولها في استنباط الحكم.

اما الملاحظة الأولى: فتندفع بان المراد بالحكم الشرعي الّذي جاء في التعريف، جعل الحكم الشرعي على موضوعه الكلي، فالقاعدة الأصولية ما يستنتج منها جعل من هذا القبيل، و القاعدة الفقهية هي بنفسها جعل من هذا القبيل، و لا يستنتج منها الا تطبيقات ذلك الجعل و تفصيلاته، ففرق كبير بين حجية خبر الثقة، و القاعدة الفقهية المشار إليها، لأن الأولى يثبت بها جعل وجوب السورة تارة، و جعل حرمة العصير العنبي أخرى، و هكذا فهي أصولية. و اما الثانية فهي جعل شرعي للضمان على‏

10

موضوع كلي، و بتطبيقه على مصاديقه المختلفة، كالإجارة و البيع مثلا، نثبت ضمانات متعددة مجعولة كلها بذلك الجعل الواحد.

و اما الملاحظة الثانية، فقد يجاب عليها تارة بإضافة قيد إلى التعريف، و هو (أو التي ينتهي إليها في مقام العمل) كما صنع صاحب الكفاية، و أخرى بتفسير الاستنباط بمعنى الإثبات التنجيزي و التعذيري، و هو إثبات تشترك فيه الأدلة المحرزة، و الأصول العملية معا.

و اما الملاحظة الثالثة، فهناك عدة محاولات للجواب عليها:

منها: ما ذكره المحقق النائيني (قدس اللَّه روحه) من إضافة قيد الكبروية في التعريف لإخراج ظهور كلمة الصعيد، فالقاعدة الأصولية يجب ان تقع كبرى في قياس الاستنباط، و اما ظهور كلمة الصعيد فهو صغرى في القياس، و بحاجة إلى كبرى حجية الظهور.

و يرد عليه ان جملة من القواعد الأصولية لا تقع كبرى أيضا:

كظهور صيغة الأمر في الوجوب، و ظهور بعض الأدوات في العموم أو في المفهوم، فانها محتاجة إلى كبرى حجية الظهور، فما الفرق بينها و بين المسائل اللغوية؟ و كذلك أيضا مسألة اجتماع الأمر و النهي، فان الامتناع فيها يحقق صغرى لكبرى التعارض بين خطابي صل و لا تغصب، و الجواز فيها يحقق صغرى لكبرى حجية الإطلاق.

و منها: ما ذكره السيد الأستاذ من استبدال قيد الكبروية بصفة أخرى، و هي ان تكون القاعدة وحدها كافية لاستنباط الحكم الشرعي بلا ضم قاعدة أصولية أخرى، فيخرج ظهور كلمة الصعيد لاحتياجه إلى ضم ظهور صيغة افعل في الوجوب، و لا يخرج ظهور صيغة أفعل في الوجوب، و ان كان محتاجا إلى كبرى حجية الظهور، لأن هذه الكبرى ليست من المباحث الأصولية للاتفاق عليها.

و نلاحظ على ذلك:

11

أولا: ان عدم احتياج القاعدة الأصولية إلى أخرى، ان أريد به عدم الاحتياج في كل الحالات، فلا يتحقق هذا في القواعد الأصولية، لأن ظهور صيغة الأمر في الوجوب مثلا، بحاجة في كثير من الأحيان إلى دليل حجية السند حينما تجي‏ء الصيغة في دليل ظني السند. و ان أريد به عدم الاحتياج، و لو في حالة واحدة، فهذا قد يتفق في غيرها، كما في ظهور كلمة الصعيد إذا كانت سائر جهات الدليل قطعية.

و ثانيا: ان ظهور صيغة الأمر في الوجوب، و أي ظهور آخر بحاجة إلى ضم قاعدة حجية الظهور، و هي أصولية، لأن مجرد عدم الخلاف فيها لا يخرجها عن كونها أصولية، لأن المسألة لا تكتسب أصوليتها من الخلاف فيها، و انما الخلاف ينصب على المسألة الأصولية.

و هكذا يتضح ان الملاحظة الثالثة واردة على تعريف المشهور.

و الأصح في التعريف ان يقال: «علم الأصول هو العلم بالعناصر المشتركة لاستنباط جعل شرعي» و على هذا الأساس تخرج المسألة اللغوية كظهور كلمة الصعيد، لأنها لا تشترك الا في استنباط حال الحكم المتعلق بهذه المادة فقط، فلا تعتبر عنصرا مشتركا.

12

موضوع علم الأصول‏

موضوع علم الأصول، كما تقدم في الحلقة السابقة «الأدلة المشتركة في الاستدلال الفقهي»، و البحث الأصولي يدور دائما حول دليليتها.

و عدم تمكن بعض المحققين من تصوير موضوع العلم على النحو الّذي ذكرناه، أدى إلى التشكك في ضرورة ان يكون لكل علم موضوع، و وقع ذلك موضعا للبحث، فاستدل على ضرورة وجود موضوع لكل علم، بدليلين:

أحدهما: ان التمايز بين العلوم بالموضوعات بمعنى ان استقلال علم النحو عن علم الطب، انما هو باختصاص كل منهما بموضوع كلي يتميز عن موضوع الآخر، فلا بد من افتراض الموضوع لكل علم.

و هذا الدليل أشبه بالمصادرة لأن كون التمايز بين العلوم بالموضوعات فرع وجود موضوع لكل علم، و إلاَّ تعين ان يكون التمييز قائما على أساس آخر كالغرض.

و الآخر: ان التمايز بين العلوم ان كان بالموضوع فلا بد من موضوع لكل علم إذن، لكي يحصل التمايز، و ان كان بالغرض على أساس ان لكل علم غرضا يختلف عن الغرض من العلم الآخر، فحيث ان الغرض من كل علم واحد و الواحد لا يصدر الا من واحد، فلا بد من افتراض‏

13

مؤثر واحد في ذلك الغرض. و لما كانت مسائل العلم متعددة و متغايرة، فيستحيل أن تكون هي المؤثرة بما هي كثيرة في ذلك الغرض الواحد، بل يتعين أن تكون مؤثرة بما هي مصاديق لأمر واحد، و هذا يعني فرض قضية كلية تكون بموضوعها جامعة بين الموضوعات، و بمحمولها جامعة بين المحمولات للمسائل. و هذه القضية الكلية هي المؤثرة، و بذلك يثبت ان لكل علم موضوعا، و هو موضوع تلك القضية الكلية فيه.

و قد أجيب على ذلك، بأن الواحد على ثلاثة أقسام: واحد بالشخص، و واحد بالنوع، و هو الجامع الذاتي لأفراده، و واحد بالعنوان و هو الجامع الانتزاعي الّذي قد ينتزع من أنواع متخالفة. و استحالة صدور الواحد من الكثير تختص بالأول، و الغرض المفترض لكل علم ليست وحدته شخصية بل نوعية أو عنوانية، فلا ينطبق برهان تلك الاستحالة في المقام.

و هكذا يرفض بعض المحققين الدليل على وجود موضوع لكل علم، بل قد يبرهن على عدمه، بأن بعض العلوم تشتمل على مسائل موضوعها الفعل و الوجود، و على مسائل موضوعها الترك و العدم، و تنتسب موضوعات مسائله، إلى مقولات ماهوية و أجناس متباينة، كعلم الفقه الّذي موضوع مسائله الفعل تارة، و الترك أخرى، و الوضع تارة و الكيف أخرى، فكيف يمكن الحصول على جامع بين موضوعات مسائله؟.

و على هذا الأساس استساغوا أن لا يكون لعلم الأصول موضوع.

غير أنك عرفت أن العلم الأصول موضوعا كليا على ما تقدم.

14

الحكم الشرعي و تقسيماته‏

الأحكام التكليفية و الوضعيّة:

قد تقدم في الحلقة السابقة ان الأحكام الشرعية على قسمين: أحدهما الأحكام التكليفية، و الآخر الأحكام الوضعيّة، و قد عرفنا سابقا نبذة عن الأحكام التكليفية. و اما الأحكام الوضعيّة فهي على نحوين:

الأول: ما كان واقعا موضوعا للحكم التكليفي، كالزوجية الواقعة موضوعا لوجوب الإنفاق، و الملكية الواقعة موضوعا لحرمة تصرف الغير في المال بدون إذن المالك.

الثاني: ما كان منتزعا عن الحكم التكليفي، كجزئية السورة للواجب، المنتزعة عن الأمر بالمركب منها، و شرطية الزوال للوجوب المجعول لصلاة الظهر، المنتزعة عن جعل الوجوب المشروط بالزوال.

و لا ينبغي الشك في ان القسم الثاني ليس مجعولا للمولى بالاستقلال، و انما هو منتزع عن جعل الحكم التكليفي، لأنه مع جعل الأمر بالمركب من السورة و غيرها، يكفي هذا الأمر التكليفي في انتزاع عنوان الجزئية للواجب من السورة، و بدونه لا يمكن ان تتحقق الجزئية للواجب بمجرد إنشائها و جعلها مستقلا. و بكلمة أخرى ان الجزئية للواجب‏

15

من الأمور الانتزاعية الواقعية، و ان كان وعاء واقعها هو عالم جعل الوجوب، فلا فرق بينها و بين جزئية الجزء للمركبات الخارجية من حيث كونها أمرا انتزاعيا واقعيا، و ان اختلفت الجزئيتان في وعاء الواقع و منشأ الانتزاع، و ما دامت الجزئية امرا واقعيا، فلا يمكن إيجادها بالجعل التشريعي و الاعتبار.

و اما القسم الأول فمقتضى وقوعه موضوعا للأحكام التكليفية عقلائيا و شرعا، هو كونه مجعولا بالاستقلال لا منتزعا عن الحكم التكليفي، لأن موضوعيته للحكم التكليفي تقتضي سبقه عليه رتبة مع ان انتزاعه يقتضي تأخره عنه.

و قد تثار شبهة لنفي الجعل الاستقلالي لهذا القسم أيضا بدعوى أنه لغو، لأنه بدون جعل الحكم التكليفي المقصود لا أثر له، و معه لا حاجة إلى الحكم الوضعي، بل يمكن جعل الحكم التكليفي ابتداء على نفس الموضوع الّذي يفترض جعل الحكم الوضعي عليه.

و الجواب على هذه الشبهة ان الأحكام الوضعيّة التي تعود إلى القسم الأول اعتبارات ذات جذور عقلائية، الغرض من جعلها تنظيم الأحكام التكليفية، و تسهيل صياغتها التشريعية فلا تكون لغوا.

شمول الحكم للعالم و الجاهل:

و أحكام الشريعة تكليفية و وضعية تشمل في الغالب العالم بالحكم، و الجاهل على السواء، و لا تختص بالعالم، و قد ادعي ان الأخبار الدالة على ذلك مستفيضة، و يكفي دليلا على ذلك إطلاقات أدلة تلك الأحكام، و لهذا أصبحت قاعدة اشتراك الحكم الشرعي بين العالم و الجاهل موردا للقبول على وجه العموم بين أصحابنا، الا إذا دل دليل خاص على خلاف ذلك في مورد.

16

و قد يبرهن على هذه القاعدة عن طريق إثبات استحالة اختصاص الحكم بالعالم، لأنه يعني ان العلم بالحكم قد أخذ في موضوعه، و ينتج عن ذلك تأخر الحكم رتبة عن العلم به، و توقفه عليه وفقا لطبيعة العلاقة بين الحكم و موضوعه. و لكن قد مر بنا في الحلقة السابقة ان المستحيل هو أخذ العلم بالحكم المجعول في موضوعه لا أخذ العلم بالجعل، في موضوع الحكم المجعول فيه.

و يترتب على ما ذكرناه من الشمول ان الأمارات و الأصول التي يرجع إليها المكلف الجاهل في الشبهة الحكمية أو الموضوعية قد تصيب الواقع، و قد تخطئ. فللشارع إذن أحكام واقعية محفوظة في حق الجميع، و الأدلة و الأصول في معرض الإصابة و الخطأ، غير ان خطأها مغتفر لأن الشارع جعلها حجة، و هذا معنى القول بالتخطئة.

و في مقابلة ما يسمى بالقول بالتصويب، و هو ان أحكام اللَّه تعالى ما يؤدي إليه الدليل و الأصل، و معنى ذلك انه ليس له من حيث الأساس أحكام، و انما يحكم تبعا للدليل أو الأصل، فلا يمكن ان يتخلف الحكم الواقعي عنها.

و هناك صورة مخففة للتصويب مؤداها ان اللَّه تعالى له أحكام واقعية ثابتة من حيث الأساس، و لكنها مقيدة بعدم قيام الحجة من أمارة أو أصل على خلافها فان قامت الحجة على خلافها تبدلت و استقر ما قامت عليه الحجة.

و كلا هذين النحوين من التصويب باطل:

اما الأول فلشناعته و وضوح بطلانه، حيث ان الأدلة و الحجج، انما جاءت لتخبرنا عن حكم اللَّه و تحدد موقفنا تجاهه، فكيف نفترض انه لا حكم للَّه من حيث الأساس.

و اما الثاني فلأنه مخالف لظواهر الأدلة و لما دل على اشتراك الجاهل و العالم في الأحكام الواقعية.

17

الحكم الواقعي و الظاهري:

ينقسم الحكم الشرعي، كما عرفنا سابقا إلى واقعي لم يؤخذ في موضوعه الشك، و ظاهري أخذ في موضوعه الشك في حكم شرعي مسبق. و قد كنا نقصد حتى الآن في حديثنا عن الحكم الأحكام الواقعية.

و قد مر بنا في الحلقة السابقة ان مرحلة الثبوت للحكم- الحكم الواقعي- تشتمل على ثلاثة عناصر: و هي الملاك و الإرادة و الاعتبار، و قلنا إن الاعتبار ليس عنصرا ضروريا، بل يستخدم غالبا كعمل تنظيمي و صياغي. و نريد ان نشير الآن إلى حقيقة العنصر الثالث الّذي يقوم الاعتبار بدور التعبير عنه غالبا، و توضيحه ان المولى كما ان له حق الطاعة على المكلف فيما يريده منه، كذلك له حق تحديد مركز حق الطاعة في حالات إرادته شيئا من المكلف، فليس ضروريا إذا تم الملاك في شي‏ء و اراده المولى ان يجعل نفس ذلك الشي‏ء في عهدة المكلف مصبا لحق الطاعة، بل يمكنه ان يجعل مقدمة ذلك الشي‏ء التي يعلم المولى بأنها مؤدية إليه، في عهدة المكلف دون نفس الشي‏ء، فيكون حق الطاعة منصبا على المقدمة ابتداء، و ان كان الشوق المولوي غير متعلق بها الا تبعا، و هذا يعني ان حق الطاعة ينصب على ما يحدده المولى عند إرادته لشي‏ء مصبا له و يدخله في عهدة المكلف، و الاعتبار هو الّذي يستخدم عادة للكشف عن المصب الّذي عينه المولى لحق الطاعة، فقد يتحد مع مصب إرادته و قد يتغاير.

و اما الأحكام الظاهرية فهي مثار لبحث واسع، و جهت فيه عدة اعتراضات للحكم الظاهري، تبرهن على استحالة جعله عقلا، و يمكن تلخيص هذه البراهين فيما يلي:

1- ان جعل الحكم الظاهري يؤدي إلى اجتماع الضدين أو المثلين، لأن الحكم الواقعي ثابت في فرض الشك بحكم قاعدة الاشتراك‏

18

المتقدمة، و حينئذ فان كان الحكم الظاهري المجعول على الشاك مغايرا للحكم الواقعي نوعا، كالحلية و الحرمة، لزم اجتماع الضدين و الا لزم اجتماع المثلين. و ما قيل سابقا من انه لا تنافي بين الحكم الواقعي و الظاهري لأنهما سنخان، مجرد كلام صوري إذا لم يعط مضمونا محددا، لأن مجرد تسمية هذا بالواقعي و هذا بالظاهري، لا يخرجهما عن كونهما حكمين من الأحكام التكليفية و هي متضادة.

2- ان الحكم الظاهري إذا خالف الحكم الواقعي، فحيث ان الحكم الواقعي بمبادئه محفوظ في هذا الفرض بحكم قاعدة الاشتراك، يلزم من جعل الحكم الظاهري في هذه الحالة نقض المولى لغرضه الواقعي بالسماح للمكلف بتفويته، اعتمادا على الحكم الظاهري في حالات عدم تطابقه مع الواقع، و هو يعني إلقاء المكلف في المفسدة، و تفويت المصالح الواقعية المهمة عليه.

3- ان الحكم الظاهري من المستحيل ان يكون منجزا للتكليف الواقعي المشكوك، و مصححا للعقاب على مخالفة الواقع، لأن الواقع لا يخرج عن كونه مشكوكا بقيام الأصل أو الأمارة المثبتين للتكليف، و معه يشمله حكم العقل بقبح العقاب بلا بيان بناء على مسلك قاعدة قبح العقاب بلا بيان، و الأحكام العقلية غير قابلة للتخصيص.

شبهة التضاد و نقض الغرض:

أما الاعتراض الأول فقد أجيب عليه بوجوه:

منها: ما ذكره المحقق النائيني (قدس سره)، من ان إشكال التضاد نشأ من افتراض ان الحكم الظاهري حكم تكليفي، و ان حجية خبر الثقة مثلا، معناها جعل حكم تكليفي يطابق ما أخبر عنه الثقة من أحكام، و هو ما يسمى بجعل الحكم المماثل، فان أخبر الثقة بوجوب شي‏ء و كان‏

19

حراما في الواقع، تمثلت حجيته في جعل وجوب ظاهري لذلك الشي‏ء وفقا لما أخبر به الثقة، فيلزم على هذا الأساس اجتماع الضدين، و هما الوجوب الظاهري و الحرمة الواقعية.

و لكن الافتراض المذكور خطأ، لأن الصحيح ان معنى حجية خبر الثقة مثلا جعله علما و كاشفا تاما عن مؤداه بالاعتبار، فلا يوجد حكم تكليفي ظاهري زائدا على الحكم التكليفي الواقعي ليلزم اجتماع حكمين تكليفيين متضادين، و ذلك لأن المقصود من جعل الحجية للخبر مثلا، جعله منجزا للأحكام الشرعية التي يحكى عنها و هكذا يحصل بجعله علما و بيانا تاما، لأن العلم منجز سواء كان علما حقيقة كالقطع، أو علما بحكم الشارع كالأمارة، و هذا ما يسمى بمسلك جعل الطريقية.

و الجواب على ذلك ان التضاد بين الحكمين التكليفيين ليس بلحاظ اعتباريهما حتى يندفع بمجرد تغيير الاعتبار في الحكم الظاهري من اعتبار الحكم التكليفي، إلى اعتبار العلمية و الطريقية، بل بلحاظ مبادئ الحكم، كما تقدم في الحلقة السابقة.

و حينئذ فان قيل بان الحكم الظاهري ناشئ من مصلحة ملزمة و شوق في فعل المكلف الّذي تعلق به ذلك الحكم، حصل التنافي بينه و بين الحرمة الواقعية مهما كانت الصيغة الاعتبارية لجعل الحكم الظاهري، و ان قيل بعدم نشوئه من ذلك و لو بافتراض قيام المبادئ بنفس جعل الحكم الظاهري زال التنافي بين الحكم الواقعي و الحكم الظاهري، سواء جعل هذا حكما تكليفيا أو بلسان جعل الطريقية.

و منها: ما ذكره السيد الأُستاذ من ان التنافي بين الحرمة و الوجوب مثلاً، ليس بين اعتباريهما، بل بين مبادئهما من ناحية، لأن الشي‏ء الواحد لا يمكن ان يكون مبغوضاً و محبوباً، و بين متطلباتهما في مقام الامتثال من ناحية أخرى، لأن كلاً منهما يستدعي تصرفاً مخالفاً لما يستدعيه الآخر،

20

فإذا كانت الحرمة واقعية و الوجوب ظاهرياً، فلا تنافي بينهما في المبادئ، لأننا نفترض مبادئ الحكم الظاهري في نفس جعله، لا في المتعلق المشترك بينه و بين الحكم الواقعي. و لا تنافي بينهما في متطلبات مقام الامتثال، لأن الحرمة الواقعية غير واصلة، كما يقتضيه جعل الحكم الظاهري في موردها فلا امتثال لها، و لا متطلبات عملية، لأن استحقاق الحكم للامتثال فرع الوصول و التنجز.

و لكن نتساءَل هل يمكن ان يجعل المولى وجوباً أو حرمة لملاك في نفس الوجوب أو الحرمة؟ و لو اتفق حقاً ان المولى أحس بان من مصلحته ان يجعل الوجوب على فعل بدون ان يكون مهتما بوجوده إطلاقا، و انما دفعه إلى ذلك وجود المصلحة في نفس الجعل، كما إذا كان ينتظر مكافأة على نفس ذلك من شخص و لا يهمه بعد ذلك ان يقع الفعل أو لا يقع، أقول لو اتفق ذلك حقاً فلا أثر لمثل هذا الجعل، و لا يحكم العقل بوجوب امتثاله، فافتراض ان الأحكام الظاهرية ناشئة من مبادئ في نفس الجعل، يعني تفريغها من حقيقة الحكم و من اثره عقلاً.

فالجواب المذكور في افتراضه المصلحة في نفس الجعل غير تام، و لكنه في افتراضه ان الحكم الظاهري لا ينشأ من مبادئ في متعلقه بالخصوص تام، فنحن بحاجة إذن في تصوير الحكم الظاهري إلى افتراض ان مبادئه ليس من المحتوم تواجدها في متعلقه بالخصوص لئلا يلزم التضاد، و لكنها في نفس الوقت ليست قائمة بالجعل فقط لئلا يلزم تفريغ الحكم الظاهري من حقيقة الحكم، و ذلك بان نقول إن مبادئ الأحكام الظاهرية هي نفس مبادئ الأحكام الواقعية.

و توضيح ذلك ان كل حرمة واقعية لها ملاك اقتضائي، و هو المفسدة و المبغوضية القائمتان بالفعل، و كذلك الأمر في الوجوب. و اما الإباحة فقد تقدم في الحلقة السابقة، ان ملاكها قد يكون اقتضائياً، و قد يكون غير اقتضائي، لأنها قد تنشأ عن وجود ملاك في ان يكون المكلف مطلق‏

21

العنان، و قد تنشأ عن خلو الفعل المباح من أي ملاك. و عليه فإذا اختلطت المباحات بالمحرمات، و لم يتميز بعضها عن البعض، لم يؤد ذلك إلى تغير في الأغراض و الملاكات و المبادئ للأحكام الواقعية، فلا المباح بعدم تمييز المكلف له عن الحرام يصبح مبغوضاً، و لا الحرام بعدم تمييزه عن المباح تسقط مبغوضيته، فالحرام على حرمته واقعا و لا يوجد فيه سوى مبادئ الحرمة، و المباح على إباحته و لا توجد فيه سوى مبادئ الإباحة، غير ان المولى في مقام التوجيه للمكلف الّذي اختلطت عليه المباحات بالمحرمات بين أمرين: اما ان يرخصه في ارتكاب ما يحتمل إباحته. و اما ان يمنعه عن ارتكاب ما يحتمل حرمته، و واضح ان اهتمامه بالاجتناب عن المحرمات الواقعية يدعوه إلى المنع عن ارتكاب كل ما يحتمل حرمته، لا لأن كل ما يحتمل حرمته فهو مبغوض و ذو مفسدة، بل لضمان الاجتناب عن المحرمات الواقعية الموجودة ضمنها، فهو منع ظاهري ناشئ من مبغوضية المحرمات الواقعية و الحرص على ضمان اجتنابها، و في مقابل ذلك ان كانت الإباحة في المباحات الواقعية ذات ملاك لا اقتضائي، فلن يجد المولى ما يحول دون إصدار المنع المذكور، و هذا المنع سيشمل الحرام الواقعي و المباح الواقعي أيضاً، إذا كان محتمل الحرمة للمكلف، و في حالة شموله للمباح الواقعي لا يكون منافياً لإباحته، لأنه كما قلنا لم ينشأ عن مبغوضية نفس متعلقه، بل عن مبغوضية المحرمات الواقعية و الحرص على ضمان اجتنابها.

و اما إذا كانت الإباحة الواقعية ذات ملاك اقتضائي، فهي تدعو- خلافاً للحرمة- إلى الترخيص في كل ما يحتمل إباحته، لا لأن كل ما يحتمل إباحته ففيه ملاك الإباحة، بل لضمان إطلاق العنان في المباحات الواقعية الموجودة ضمن محتملات الإباحة، فهو ترخيص ظاهري ناشئ عن الملاك الاقتضائي للمباحثات الواقعية و الحرص على تحقيقه. و في هذه الحالة يزن المولى درجة اهتمامه بمحرماته و مباحاته، فان كان الملاك الاقتضائي في الإباحة أقوى و أهم رخص في المحتملات، و هذا الترخيص‏

22

سيشمل المباح الواقعي و الحرام الواقعي إذا كان محتمل الإباحة، و في حالة شموله للحرام الواقعي لا يكون منافياً لحرمته، لأنه لم ينشأ عن ملاك للإباحة في نفس متعلقه، بل عن ملاك الإباحة في المباحات الواقعية و الحرص على ضمان ذلك الملاك. و إذا كان ملاك المحرمات الواقعية أهم، منع من الإقدام في المحتملات ضماناً للمحافظة على الأهم.

و هكذا يتضح ان الأحكام الظاهرية خطابات تعين الأهم من الملاكات، و المبادئ الواقعية حين يتطلب كل نوع منها الحفاظ عليه بنحو ينافي ما يضمن به الحفاظ على النوع الآخر.

و بهذا اتضح الجواب على الاعتراض الثاني، و هو ان الحكم الظاهري يؤدي إلى تفويت المصلحة و الإلقاء في المفسدة، فان الحكم الظاهري و ان كان قد يسبب ذلك، و لكنه انما يسببه من أجل الحفاظ على غرض أهم.

شبهة تنجز الواقع المشكوك:

و اما الاعتراض الثالث فقد أجيب بان تصحيح العقاب على التكليف الواقعي الّذي أخبر عنه الثقة بلحاظ حجية خبره، لا ينافي قاعدة قبح العقاب بلا بيان، لأن المولى حينما يجعل خبر الثقة حجة يعطيه صفة العلم و الكاشفية اعتباراً على مسلك الطريقية المتقدم، و بذلك يخرج التكليف الواقعي عن دائرة قبح العقاب بلا بيان، لأنه يصبح معلوماً بالتعبد الشرعي، و ان كان مشكوكاً وجداناً.

و نلاحظ على ذلك ان هذه المحاولة إذا تمت فلا تجدي في الأحكام الظاهرية المجعولة في الأُصول العملية غير المحرزة كأصالة الاحتياط، على ان المحاولة غير تامة، كما يأتي إن شاء اللَّه تعالى.

و الصحيح انه لا موضوع لهذا الاعتراض على مسلك حق الطاعة لما

23

تقدم من ان هذا المسلك المختار يقتضي إنكار قاعدة قبح العقاب بلا بيان رأساً.

و قد تلخص مما تقدم ان جعل الأحكام الظاهرية ممكن.

الأمارات و الأصول:

تنقسم الأحكام الظاهرية إلى قسمين:

أحدهما: الأحكام الظاهرية التي تجعل لإحراز الواقع، و هذه الأحكام تتطلب وجود طريق ظني له درجة كشف عن الحكم الشرعي، و يتولى الشارع الحكم على طبقه بنحو يلزم على المكلف التصرف بموجبة، و يسمى الطريق بالأمارة، و يسمى الحكم الظاهري بالحجية من قبيل حجية خبر الثقة.

و القسم الآخر: الأحكام الظاهرية التي تجعل لتقرير الوظيفة العملية تجاه الحكم المشكوك، و لا يراد بها إحرازه، و تسمى بالأصول العملية.

و يبدو من مدرسة المحقق النائيني (قدس سره)، التمييز بين هذين القسمين على أساس ما هو المجعول الاعتباري في الحكم الظاهري، فان كان المجعول هو الطريقية و الكاشفية دخل المورد في الأمارات، و إذا لم يكن المجعول ذلك و كان الجعل في الحكم الظاهري متجهاً إلى إنشاء الوظيفة العملية دخل في نطاق الأصول، و في هذه الحالة إذا كان إنشاء الوظيفة العملية بلسان تنزيل مؤدى الأصل منزلة الواقع في الجانب العملي، أو تنزيل نفس الأصل أو الاحتمال المقوم له منزلة اليقين في جانبه العملي لا الإحرازي. فالأصل تنزيلي أو أصل محرز، و إذا كان بلسان تسجيل وظيفة عملية محددة بدون ذلك، فالأصل أصل عملي صرف.

و هذا يعني ان الفرق بين الأمارات و الأصول ينشأ من كيفية صياغة الحكم الظاهري في عالم الجعل و الاعتبار.

24

و لكن التحقيق ان الفرق بينهما أعمق من ذلك، فان روح الحكم الظاهري في موارد الأمارة تختلف عن روحه في موارد الأصل بقطع النّظر عن نوع الصياغة، و ليس الاختلاف الصياغي المذكور الا تعبيراً عن ذلك الاختلاف الأعمق في الروح بين الحكمين.

و توضيح ذلك انا عرفنا سابقاً ان الأحكام الظاهرية، مردها إلى خطابات تعين الأهم من الملاكات، و المبادئ الواقعية حين يتطلب كل نوع منها ضمان الحفاظ عليه بنحو ينافي ما يضمن به الحفاظ على النوع الآخر، و كل ذلك يحصل نتيجة الاختلاط بين الأنواع عند المكلف و عدم تمييزه المباحات عن المحرمات مثلاً، و الأهمية التي تستدعي جعل الحكم الظاهري وفقاً لها، تارة تكون بلحاظ الاحتمال، و أخرى بلحاظ المحتمل، و ثالثة بلحاظ الاحتمال و المحتمل معاً، فان شك المكلف في الحكم يعني وجود احتمالين أو أكثر في تشخيص الواقع المشكوك، و حينئذ فان قدمت بعض المحتملات على البعض الآخر، و جعل الحكم الظاهري وفقاً لها لقوة احتمالها و غلبة مصادفته للواقع بدون أخذ نوع المحتمل بعين الاعتبار، فهذا هو معنى الأهمية بلحاظ الاحتمال، و بذلك يصبح الاحتمال المقدم أمارة، سواء كان لسان الإنشاء و الجعل للحكم الظاهري لسان جعل الطريقية، أو وجوب الجري على وفق الأمارة. و ان قدمت بعض المحتملات على البعض الآخر لأهمية المحتمل بدون دخل لكاشفية الاحتمال في ذلك كان الحكم من الأصول العملية البحتة، كأصالة الإباحة و أصالة الاحتياط الملحوظ في أحدهما أهمية الحكم الترخيصي المحتمل. و في الآخر أهمية الحكم الإلزامي المحتمل بقطع النّظر عن درجة الاحتمال، سواء كان لسان الإنشاء و الجعل للحكم الظاهري لسان تسجيل وظيفة عملية، أو لسان جعل الطريقية، و ان قدمت بعض المحتملات على البعض الآخر بلحاظ كلا الأمرين من الاحتمال و المحتمل، كان الحكم من الأصول العملية التنزيلية أو المحرزة كقاعدة الفراغ.

25

نعم الا نسب في موارد التقديم بلحاظ قوة الاحتمال ان يصاغ الحكم الظاهري بلسان جعل الطريقية، و الأنسب في موارد التقديم بلحاظ قوة المحتمل ان يصاغ بلسان تسجيل الوظيفة، لا ان هذا الاختلاف الصياغي هو جوهر الفرق بين الأمارات و الأصول.

التنافي بين الأحكام الظاهرية:

عرفنا سابقاً ان الأحكام الواقعية المتغايرة نوعاً كالوجوب و الحرمة و الإباحة متضادة، و هذا يعني ان من المستحيل ان يثبت حكمان واقعيان متغايران على شي‏ء واحد، سواء علم المكلف بذلك أو لا؟ لاستحالة اجتماع الضدين في الواقع، و السؤال هنا هو أن اجتماع حكمين ظاهريين متغايرين نوعاً، هل هو معقول أو لا، فهل يمكن ان يكون مشكوك الحرمة حراماً ظاهراً و مباحاً ظاهراً في نفس الوقت؟

و الجواب على هذا السؤال يختلف باختلاف المبني في تصوير الحكم الظاهري، و التوفيق بينه و بين الأحكام الواقعية. فان أخذنا بوجهة النّظر القائلة بان مبادئ الحكم الظاهري ثابتة في نفس جعله لا في متعلقه، أمكن جعل حكمين ظاهريين بالإباحة و الحرمة معاً، على شرط ان لا يكونا و أصلين معاً، فانه في حالة عدم وصول كليهما معاً لا تنافي بينهما لا بلحاظ نفس الجعل لأنه مجرد اعتبار، و لا بلحاظ المبادئ لأن مركزها ليس واحداً، بل مبادئ كل حكم في نفس جعله لا في متعلقه، و لا بلحاظ عالم الامتثال و التنجيز و التعذير، لأن أحدهما على الأقل غير واصل فلا أثر عملي له، و اما في حالة وصولهما معاً فهما متنافيان متضادان لأن أحدهما ينجز و الآخر يؤمن.

و اما على مسلكنا في تفسير الأحكام الظاهرية و انها خطابات تحدد ما هو الأهم من الملاكات الواقعية المختلطة فالخطابان الظاهريان المختلفان،

26

كالإباحة و المنع متضادان بنفسيهما، سواء وصلا إلى المكلف أو لا، لأن الأول يثبت أهمية ملاك المباحات الواقعية، و الثاني يثبت أهمية ملاك المحرمات الواقعية، و لا يمكن ان يكون كل من هذين الملاكين أهم من الآخر، كما هو واضح.

وظيفة الأحكام الظاهرية:

و بعد ان اتضح ان الأحكام الظاهرية خطابات لضمان ما هو الأهم من الأحكام الواقعية و مبادئها. و ليس لها مبادئ في مقابلها، نخرج من ذلك بنتيجة، و هي ان الخطاب الظاهري وظيفته التنجيز و التعذير بلحاظ الأحكام الواقعية المشكوكة فهو ينجز تارة و يعذر أُخرى، و ليس موضوعاً مستقلاً لحكم العقل بوجوب الطاعة في مقابل الأحكام الواقعية، لأنه ليس له مبادئ خاصة به وراء مبادئ الأحكام الواقعية، فحين يحكم الشارع بوجوب الاحتياط ظاهرا يستقل العقل بلزوم التحفظ على الوجوب الواقعي المحتمل، و استحقاق العقاب على عدم التحفظ عليه لا على مخالفة نفس الحكم بوجوب الاحتياط بما هو، و هذا معنى ما يقال من أن الأحكام الظاهرية طريقية لا حقيقية فهي مجرد وسائل و طرق لتسجيل الواقع المشكوك و إدخاله في عهدة المكلف، و لا تكون هي بنفسها موضوعاً مستقلاً للدخول في العهدة لعدم استقلالها بمبادئ في نفسها، و لهذا فان من يخالف وجوب الاحتياط في مورد و يتورط نتيجة لذلك في ترك الواجب الواقعي لا يكون مستحقاً لعقابين بلحاظ مخالفة الوجوب الواقعي و وجوب الاحتياط الظاهري، بل لعقاب واحد و الا لكان حاله أشد ممن ترك الواجب الواقعي. و هو عالم بوجوبه، و اما الأحكام الواقعية فهي أحكام حقيقية لا طريقية، بمعنى ان لها مبادئ خاصة بها، و من أجل ذلك تشكل موضوعاً مستقلاً للدخول في العهدة، و لحكم العقل بوجوب امتثالها و استحقاق العقاب على مخالفتها.

27

التصويب بالنسبة إلى بعض الأحكام الظاهرية:

تقدم ان الأحكام الواقعية محفوظة و مشتركة بين العالم و الجاهل، و اتضح ان الأحكام الظاهرية تجتمع مع الأحكام الواقعية على الجاهل دون منافاة بينهما، و هذا يعني ان الحكم الظاهري لا يتصرف في الحكم الواقعي، و لكن هناك من ذهب إلى ان الأصول الجارية في الشبهات الموضوعية كأصالة الطهارة تتصرف في الأحكام الواقعية، بمعنى ان الحكم الواقعي بشرطية الثوب الطاهر في الصلاة مثلا، يتسع ببركة أصالة الطهارة، فيشمل الثوب المشكوكة طهارته الّذي جرت فيه أصالة الطهارة حتى لو كان نجساً في الواقع، و هذا نحو من التصويب الّذي ينتج ان الصلاة في مثل هذا الثوب تكون صحيحة واقعاً. و لا تجب إعادتها على القاعدة، لأن الشرطية قد اتسع موضوعها، و تقريب ذلك ان دليل أصالة الطهارة بقوله: «كل شي‏ء طاهر حتى تعلم انه قذر» يعتبر حاكماً على دليل شرطية الثوب الطاهر في الصلاة لأن لسانه لسان توسعة موضوع ذلك الدليل و إيجاد فرد له، فالشرط موجود اذن، و ليس الأمر كذلك لو ثبتت طهارة الثوب بالأمارة فقط، لأن مفاد دليل حجية الأمارة ليس جعل الحكم المماثل، بل جعل الطريقية و المنجزية فهو بلسانه لا يوسع موضوع دليل الشرطية لأن موضوع دليلها الثوب الطاهر، و هو لا يقول هذا طاهر، بل يقول هذا محرز الطهارة بالأمارة فلا يكون حاكماً.

و على هذا الأساس فصَّل صاحب الكفاية بين الأمارات و الأصول المنقحة للموضوع، فبنى على ان الأصول الموضوعية توسع دائرة الحكم الواقعي المترتب على ذلك الموضوع دون الأمارات، و هذا غير صحيح و سيأتي بعض الحديث عنه إن شاء اللَّه تعالى.

القضية الحقيقية و الخارجية للأحكام:

مرَّ بنا في الحلقة السابقة ان الحكم تارة يجعل على نهج القضية

28

الحقيقية، و أخرى يجعل على نهج القضية الخارجية. و القضية الخارجية هي القضية التي يجعل فيها الحاكم حكمه على افراد موجودة فعلاً في الخارج في زمان إصدار الحكم، أو في أي زمان آخر، فلو أُتيح لحاكم ان يعرف بالضبط من وجد و من هو موجود، و من سوف يوجد في المستقبل من العلماء، فأشار إليهم جميعاً و أمر بإكرامهم، فهذه قضية خارجية.

و القضية الحقيقية هي القضية التي يلتفت فيها الحاكم إلى تقديره و ذهنه بدلاً عن الواقع الخارجي فيشكل قضية شرطية شرطها هو الموضوع المقدر الوجود و جزاؤها هو الحكم فيقول: إذا كان الإنسان عالماً فأكرمه، و إذا قال أكرم العالم قاصداً هذا المعنى فالقضية- روحاً- شرطية و ان كانت- صياغة- حملية.

و هناك فوارق بين القضيتين: منها ما هو نظري، و منها ما يكون له مغزى عملي.

فمن الفوارق اننا بموجب القضية الحقيقية نستطيع ان نشير إلى أي جاهل، و نقول لو كان هذا عالما لوجب إكرامه، لأن الحكم بالوجوب ثبت على الطبيعة المقدرة، و هذا مصداقها، و كلما صدق الشرط صدق الجزاء خلافاً للقضية الخارجية التي تعتمد على الإحصاء الشخصي للحاكم، فان هذا الفرد الجاهل ليس داخلاً فيها، لا بالفعل و لا على تقدير ان يكون عالماً، اما الأول فواضح، و اما الثاني فلأن القضية الخارجية ليس فيها تقدير و افتراض، بل هي تنصب على موضوع ناجز.

و من الفوارق ان الموضوع في القضية الحقيقية وصف كلي دائماً يفترض وجوده فيرتب عليه الحكم سواء كان وصفاً عرضياً كالعالم أو ذاتياً كالإنسان، و اما الموضوع في القضية الخارجية فهو الذوات الخارجية، أي ما يقبل ان يشار إليه في الخارج بلحاظ أحد الأزمنة، و من هنا استحال التقدير و الافتراض فيها لأن الذات الخارجية و ما يقال عنه (هذا) خارجاً لا معنى لتقدير وجوده، بل هو محقق الوجود، فان كان وصف ما دخيلا

29

في ملاك الحكم في القضية الخارجية تصدى المولى نفسه لإحراز وجوده، كما إذا أراد ان يحكم على ولده بوجوب إكرام أبناء عمه و كان لتدينهم دخل في الحكم فانه يتصدى بنفسه لإحراز تدينهم، ثم يقول: أكرم أبناء عمك كلهم أو إلا زيدا تبعاً لما أحرزه من تدينهم كلا أو جلا.

و اما إذا قال: أكرم أبناء عمك ان كانوا متدينين، فالقضية شرطية و حقيقية من ناحية هذا الشرط لأنه قد افترض و قدر.

و من الفوارق المترتبة على ذلك، ان الوصف الدخيل في الحكم في باب القضايا الحقيقية إذا انتفى ينتفي الحكم لأنه مأخوذ في موضوعه. و ان شئت قلت لأنه شرط، و الجزاء ينتفي بانتفاء الشرط، خلافاً لباب القضايا الخارجية، فان الأوصاف ليست شروطاً، و انما هي أمور يتصدى المولى لإحرازها فتدعوه إلى جعل الحكم، فإذا أحرز المولى تدين أبناء العم فحكم بوجوب إكرامهم على نهج القضية الخارجية ثبت الحكم و لو لم يكونوا متدينين في الواقع، و هذا معنى ان الّذي يتحمل مسئولية تطبيق الوصف على افراده هو المكلف في باب القضايا الحقيقية للأحكام، و هو المولى في باب القضايا الخارجية لها.

و ينبغي أن يعلم ان الحاكم- سواء كان حكمه على نهج القضية الحقيقية أو على نهج القضية الخارجية و سواء كان حكمه تشريعياً كالحكم بوجوب الحج على المستطيع، أو تكوينياً و إخبارياً كالحكم بان النار محرقة أو انها في الموقد- انما يصب حكمه في الحقيقة على الصورة الذهنية لا على الموضوع الحقيقي للحكم، لأن الحكم لما كان امراً ذهنياً فلا يمكن ان يتعلق الا بما هو حاضر في الذهن، و ليس ذلك الا الصورة الذهنية، و هي و ان كانت مباينة للموضوع الخارجي بنظر، و لكنها عينه بنظر آخر، فأنت إذا تصورت النار ترى بتصورك ناراً، و لكنك إذا لاحظت بنظرة ثانية إلى ذهنك وجدت فيه صورة ذهنية للنار لا النار نفسها، و لما كان ما في الذهن عين الموضوع الخارجي بالنظر التصوري و بالحمل الأولي صح ان يحكم‏

30

عليه بنفس ما هو ثابت للموضوع الخارجي من خصوصيات كالإحراق بالنسبة إلى النار، و هذا يعني انه يكفي في إصدار الحكم على الخارج إحضار صورة ذهنية تكون بالنظر التصوري عين الخارج و ربط الحكم بها و ان كانت بنظرة ثانوية فاحصة و تصديقية- أي بالحمل الشائع- مغايرة للخارج.

تنسيق البحوث المقبلة:

و سوف نتحدث فيما يلي- وفقاً لما تقدم في الحلقتين السابقتين- عن حجية القطع أولا باعتباره عنصراً مشتركا عاماً، ثم عن العناصر المشتركة التي تتمثل في أدلة محرزة، و بعد ذلك عن العناصر المشتركة التي تتمثل في أصول عملية، و في الخاتمة نعالج حالات التعارض إن شاء اللَّه تعالى.

31

العناصر المشتركة في عمليةِ الاسْتِنباط

حجية القطع.

الأدلة المحرزة.

الأصول العملية.

حالات التعارض.

32

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

33

حجية القَطع‏

تقدم في الحلقة السابقة ان للمولى الحقيقي سبحانه و تعالى حق الطاعة بحكم مولويته. و المتيقن من ذلك هو حق الطاعة في التكاليف المقطوعة، و هذا هو معنى منجزية القطع، كما ان حق الطاعة هذا لا يمتد إلى ما يقطع المكلف بعدمه من التكاليف جزماً، و هذا معنى معذرية القطع. و المجموع من المنجزية و المعذرية هو ما نقصده بالحجية. كما عرفنا سابقاً ان الصحيح في حق الطاعة شموله للتكاليف المظنونة و المحتملة أيضاً، فيكون الظن و الاحتمال منجزاً أيضاً، و من ذلك يستنتج ان المنجزية موضوعها مطلق انكشاف التكليف و لو كان انكشافاً احتمالياً لسعة دائرة حق الطاعة، غير ان هذا الحق و هذا التنجيز يتوقف على عدم حصول مؤمن من قبل المولى نفسه في مخالفة ذلك التكليف، و ذلك بصدور ترخيص جاد منه في مخالفة التكليف المنكشف. إذ من الواضح انه ليس لشخص حق الطاعة لتكليفه، و الإدانة بمخالفته إذا كان هو نفسه قد رخص بصورة جادة في مخالفته.

اما متى يتأتى للمولى ان يرخص في مخالفة التكليف المنكشف بصورة جادة؟

فالجواب على ذلك أن هذا يتأتى للمولى بالنسبة إلى التكاليف المنكشفة بالاحتمال أو الظن، و ذلك بجعل حكم ظاهري ترخيصي في‏

34

موردها، كأصالة الإباحة و البراءة و لا تنافي بين هذا الترخيص الظاهري و التكليف المحتمل أو المظنون، لما سبق من التوفيق بين الأحكام الظاهرية و الواقعية، و ليس الترخيص الظاهري هنا هزلياً، بل المولى جادٌّ فيه ضماناً لما هو الأهم من الأغراض و المبادئ الواقعية، و اما التكليف المنكشف بالقطع فلا يمكن ورود المؤمِّن من المولى بالترخيص الجاد في مخالفته، لأن هذا الترخيص اما حكم واقعي حقيقي، و اما حكم ظاهري طريقي، و كلاهما مستحيل. و الوجه في استحالة الأول انه يلزم اجتماع حكمين واقعيين حقيقيين متنافيين في حالة كون التكليف المقطوع ثابتاً في الواقع، و يلزم اجتماعهما على أي حال في نظر القاطع، لأنه يرى مقطوعه ثابتاً دائماً فكيف يصدق بذلك، و الوجه في استحالة الثاني ان الحكم الظاهري ما يؤخذ في موضوعه الشك و لا شك مع القطع فلا مجال لجعل الحكم الظاهري، و قد يناقش في هذه الاستحالة بان الحكم الظاهري كمصطلح متقوم بالشك لا يمكن ان يوجد في حالة القطع بالتكليف، و لكن لما ذا لا يمكن ان نفترض ترخيصا يحمل روح الحكم الظاهري و لو لم يسم بهذا الاسم اصطلاحاً، لأننا عرفنا سابقاً ان روح الحكم الظاهري هي انه خطاب يجعل في موارد اختلاط المبادئ الواقعية، و عدم تمييز المكلف لها لضمان الحفاظ على ما هو أهم منها، فإذا افترضنا ان المولى لاحظ كثرة وقوع القاطعين بالتكاليف في الخطأ و عدم التمييز بين موارد التكليف و موارد الترخيص، و كانت ملاكات الإباحة الاقتضائية تستدعي الترخيص في مخالفة ما يقطع به من تكاليف ضماناً للحفاظ على تلك الملاكات، فلما ذا لا يمكن صدور الترخيص حينئذ؟

و الجواب على هذه المناقشة، ان هذا الترخيص لما كان من أجل رعاية الإباحة الواقعية في موارد خطأ القاطعين فكل قاطع يعتبر نفسه غير مقصود جداً بهذا الترخيص، لأنه يرى قطعه بالتكليف مصيباً، فهو بالنسبة إليه ترخيص غير جاد، و قد قلنا فيما سبق ان حق الطاعة و التنجيز متوقف على عدم الترخيص الجاد في المخالفة.

35

و يتلخص من ذلك.

أولاً: ان كل انكشاف للتكليف منجز و لا تختص المنجزية بالقطع لسعة دائرة حق الطاعة.

و ثانياً: ان هذه المنجزية مشروطة بعدم صدور ترخيص جاد من قبل المولى في المخالفة.

ثالثاً: ان صدور مثل هذا الترخيص معقول في موارد الانكشاف غير القطعي. و مستحيل في موارد الانكشاف القطعي، و من هنا يقال: إن القطع لا يعقل سلب المنجزية عنه بخلاف غيره من المنجزات.

هذا هو التصور الصحيح لحجية القطع و منجزيته، و لعدم إمكان سلب هذه المنجزية عنه. غير ان المشهور لهم تصور مختلف، فبالنسبة إلى أصل المنجزية، ادعوا انها من لوازم القطع بما هو قطع، و من هنا آمنوا بانتفائها عند انتفائه، و بما أسموه بقاعدة قبح العقاب بلا بيان، و بالنسبة إلى عدم إمكان سلب المنجزية و ردع المولى عن العمل بالقطع، برهنوا على استحالة ذلك بان المكلف إذا قطع بالتكليف حكم العقل بقبح معصيته، فلو رخص المولى فيه لكان ترخيصاً في المعصية القبيحة عقلاً، و الترخيص في القبيح محال و مناف لحكم العقل.

اما تصور هم بالنسبة إلى المنجزية فجوابه ان هذه المنجزية انما تثبت في موارد القطع بتكليف المولى لا القطع بالتكليف من أي أحد، و هذا يفترض مولى في الرتبة السابقة، و المولوية معناها حق الطاعة و تنجزها على المكلف فلا بد من تحديد دائرة حق الطاعة المقوم لمولوية المولى في الرتبة السابقة، و هل يختص بالتكاليف المعلومة أو يعم غيرها؟

و اما تصور هم بالنسبة إلى عدم إمكان الردع، فجوابه ان مناقضة الترخيص لحكم العقل و كونه ترخيصاً في القبيح، فرع ان يكون حق الطاعة غير متوقف على عدم ورود الترخيص من قبل المولى، و هو متوقف‏

36

حتماً لوضوح ان من يرخص بصورة جادة في مخالفة تكليف لا يمكن ان يطالب بحق الطاعة فيه، فجوهر البحث يجب ان ينصب على انه هل يمكن صدور هذا الترخيص بنحو يكون جاداً و منسجماً مع التكاليف الواقعية أو لا؟ و قد عرفت انه غير ممكن.

و كما ان منجزية القطع لا يمكن سلبها عنه كذلك معذريته، لأن سلب المعذرية عن القطع بالإباحة، اما ان يكون بجعل تكليف حقيقي، أو بجعل تكليف طريقي، و الأول مستحيل للتنافي بينه و بين الإباحة المقطوعة، و الثاني مستحيل لأن التكليف الطريقي ليس الا وسيلة لتنجيز التكليف الواقعي كما تقدم، و المكلف القاطع بالإباحة لا يحتمل تكليفاً واقعياً في مورد قطعه لكي يتنجز فلا يرى للتكليف الطريقي أثراً.

العلم الإجمالي:

كما يكون القطع التفصيليّ حجة، كذلك القطع الإجمالي و هو ما يسمى عادة بالعلم الإجمالي، كما إذا علم إجمالاً بوجوب الظهر أو الجمعة، و منجزية هذا العلم الإجمالي لها مرحلتان: الأولى مرحلة المنع عن المخالفة القطعية بترك كلتا الصلاتين في المثال المذكور، و الثانية مرحلة المنع حتى عن المخالفة الاحتمالية المساوق لا يجاب الموافقة القطعية، و ذلك بالجمع بين الصلاتين.

اما المرحلة الأولى فالكلام فيها يقع في أمرين:

أحدهما: في حجية العلم الإجمالي بمقدار المنع عن المخالفة القطعية.

و الآخر: في إمكان ردع الشارع عن ذلك و عدمه.

اما الأمر الأول فلا شك في ان العلم الإجمالي حجة بذلك المقدار، لأنه مهما تصورناه فهو مشتمل حتماً على علم تفصيلي بالجامع بين التكليفين، فيكون مدخلاً لهذا الجامع في دائرة حق الطاعة، اما على رأينا

37

في سعة هذه الدائرة فواضح، و اما على مسلك قاعدة قبح العقاب بلا بيان، فلأن العلم الإجمالي يستبطن انكشافاً تفصيلياً تاماً للجامع بين التكليفين فيخرج هذا الجامع عن دائرة قاعدة قبح العقاب بلا بيان.

و اما الأمر الثاني فقد ذكر المشهور ان الترخيص الشرعي في المخالفة القطعية للعلم الإجمالي غير معقول، لأنها معصية قبيحة بحكم العقل، فالترخيص فيها يناقض حكم العقل، و يكون ترخيصاً في القبيح و هو محال. و هذا البيان غير متجه، لأننا عرفنا سابقاً ان مردَّ حكم العقل بقبح المعصية و وجوب الامتثال إلى حكمه بحق الطاعة للمولى، و هذا حكم معلق على عدم ورود الترخيص الجاد من المولى في المخالفة، فإذا جاء الترخيص ارتفع موضوع الحكم العقلي فلا تكون المخالفة القطعية قبيحة عقلا. و على هذا فالبحث ينبغي ان ينصب على أنه: هل يعقل ورود الترخيص الجاد من قبل المولى على نحو يلائم مع ثبوت الأحكام الواقعية؟

و الجواب انه معقول، لأن الجامع و ان كان معلوماً، و لكن إذا افترضنا ان الملاكات الاقتضائية للإباحة كانت بدرجة من الأهمية تستدعي لضمان الحفاظ عليها الترخيص حتى في المخالفة القطعية للتكليف المعلوم بالإجمال، فمن المعقول ان يصدر من المولى هذا الترخيص، و يكون ترخيصاً ظاهرياً بروحه و جوهره، لأنه ليس حكماً حقيقياً ناشئاً من مبادئ في متعلقه، بل خطاباً طريقياً من أجل ضمان الحفاظ على الملاكات الاقتضائية للإباحة الواقعية، و على هذا الأساس لا يحصل تناف بينه و بين التكليف المعلوم بالإجمال. إذ ليس له مبادئ خاصة به في مقابل مبادئ الأحكام الواقعية ليكون منافياً للتكليف المعلوم بالإجمال.

فان قيل ما الفرق بين العلم الإجمالي و العلم التفصيليّ إذ تقدم ان الترخيص الطريقي في مخالفة التكليف المعلوم تفصيلاً مستحيل، و ليس العلم الإجمالي الا علماً تفصيلياً بالجامع؟

38

كان الجواب على ذلك أن العالم بالتكليف بالعلم التفصيليّ لا يرى التزامه بعلمه مفوتاً للملاكات الاقتضائية للإباحة لأنه قاطع بعدمها في مورد علمه، و الترخيص الطريقي انما ينشأ من أجل الحفاظ على تلك الملاكات، و هذا يعني أنه يرى عدم توجه ذلك الترخيص إليه جداً، و هذا خلافاً للقاطع في موارد العلم الإجمالي، فانه يرى ان إلزامه بترك المخالفة القطعية قد يعني إلزامه بفعل المباح لكي لا تتحقق المخالفة القطعية. و على هذا الأساس يتقبل توجه ترخيص جاد إليه من قبل المولى في كلا الطرفين لضمان الحفاظ على الملاكات الاقتضائية للإباحة.

و يبقى بعد ذلك سؤال إثباتي و هو: هل ورد الترخيص في المخالفة القطعية للعلم الإجمالي؟ و هل يمكن إثبات ذلك بإطلاق أدلة الأصول؟

و الجواب هو النفي لأن ذلك يعني افتراض أهمية الغرض الترخيصي من الغرض الإلزامي حتى في حالة العلم بالإلزام و وصوله إجمالاً أو مساواته له على الأقل، و هو و إن كان افتراضاً معقولاً ثبوتاً، و لكنه على خلاف الارتكاز العقلائي لأن الغالب في الأغراض العقلائية عدم بلوغ الأغراض الترخيصية إلى تلك المرتبة، و هذا الارتكاز بنفسه يكون قرينة لُبية متصلة على تقييد إطلاق أدلة الأصول، و بذلك نثبت حرمة المخالفة القطعية للعلم الإجمالي عقلاً.

و يسمى الاعتقاد بمنجزية العلم الإجمالي لهذه المرحلة على نحو لا يمكن الردع عنها عقلاً أو عقلائياً بالقول بعلية العلم الإجمالي لحرمة المخالفة القطعية، بينما يسمى الاعتقاد بمنجزيته لهذه المرحلة مع افتراض إمكان الردع عنها عقلاً و عقلائياً بالقول باقتضاء العلم الإجمالي للحرمة المذكورة.

و اما المرحلة الثانية فيقع الكلام عنها في مباحث الأصول العملية ان شاء اللَّه تعالى.

39

حجية القطع غير المصيب (و حكم التجري):

هناك معنيان للإصابة:

أحدهما: إصابة القطع للواقع بمعنى كون المقطوع به ثابتاً.

و الآخر: إصابة القاطع في قطعه، بمعنى انه كان يواجه مبررات موضوعية لهذا القطع، و لم يكن متأثرا بحالة نفسية و نحو ذلك من العوامل.

و قد يتحقق المعنى الأول من الإصابة دون الثاني، فلو ان مكلفاً قطع بوفاة إنسان لإخبار شخص بوفاته و كان ميتاً حقاً غير ان هذا الشخص كانت نسبة الصدق في إخباراته عموماً بدرجة سبعين في المائة، فقطع المكلف مصيب بالمعنى الأول، و لكنه غير مصيب بالمعنى الثاني، لأن درجة التصديق بوفاة ذلك الإنسان يجب ان تتناسب مع نسبة الصدق في مجموع إخباره.

و نفس المعنيين من الإصابة يمكن افتراضهما في درجات التصديق الأخرى أيضاً، فمن ظن بوفاة إنسان لإخبار شخص بذلك و كان ذلك الإنسان حياً، فهو غير مصيب في ظنه بالمعنى الأول، و لكنه مصيب بالمعنى الثاني إذا كانت نسبة الصدق في إخبارات ذلك الشخص أكثر من خمسين في المائة، و نطلق على التصديق المصيب بالمعنى الثاني اسم التصديق الموضوعي و اليقين الموضوعي، و على التصديق غير المصيب بالمعنى الثاني اسم التصديق الذاتي و القطع الذاتي.

و انحراف التصديق الذاتي عن الدرجة التي تفترضها المبررات الموضوعية، له مراتب، و بعض مراتب الانحراف الجزئية مما ينغمس فيه كثير من الناس، و بعض مراتبه يعتبر شذوذاً، و منه قطع القطَّاع، فالقطَّاع إنسان يحصل له قطع ذاتي و ينحرف غالباً في قطعه هذا انحرافاً كبيراً عن الدرجة التي تفترضها المبررات الموضوعية.

40

و حجية القطع من وجهة نظر أصولية، و بما هي معبرة عن المنجزية و المعذرية، ليست مشروطة بالإصابة بأي واحد من المعنيين.

اما المعنى الأول فواضح إذ يعتبر القطع بالتكليف تمام الموضوع لحق الطاعة، كما ان القطع بعدمه تمام الموضوع لخروج المورد عن هذا الحق، و من هنا كان المتجري مستحقاً للعقاب كاستحقاق العاصي، لأن انتهاكهما لحق الطاعة على نحو واحد (و نقصد بالمتجري من ارتكب ما يقطع بكونه حراماً و لكنه ليس بحرام في الواقع) و يستحيل سلب الحجية أو الردع عن العمل بالقطع غير المصيب للواقع، لأن مثل هذا الردع يستحيل تأثيره في نفس أي قاطع لأنه يرى نفسه مصيباً و الا لم يكن قاطعاً. و كما يستحق المتجري العقاب كالعاصي، كذلك يستحق المنقاد، الثواب بالنحو الّذي يفترض للممتثل لأن قيامهما بحق المولى على نحو واحد (و نقصد بالمنقاد من أتى بما يقطع بكونه مطلوباً للمولى فعلاً أو تركاً رعاية لطلب المولى، و لكنه لم يكن مطلوباً في الواقع).

و اما المعنى الثاني فكذلك أيضاً، لأن عدم التحرك عن القطع الذاتي بالتكليف يساوي عدم التحرك عن اليقين الموضوعي في تعبيره عن الاستهانة بالمولى و هدر كرامته، فيكون للمولى حق الطاعة فيهما على السواء. و التحرك عن كل منهما وفاء بحق المولى و تعظيم له.

و قد يقال إن القطع الذاتي و ان كان منجزاً لما ذكرناه و لكنه ليس بمعذر، فالقطَّاع إذا قطع بعدم التكليف و عمل بقطعه و كان التكليف ثابتاً في الواقع، فلا يعذر في ذلك لأحد وجهين:

الأول: ان الشارع ردع عن العمل بالقطع الذاتي أو ببعض مراتبه المتطرفة على الأقل، و هذا الردع ليس بالنهي عن العمل بالقطع بعد حصوله، بل بالنهي عن المقدمات التي تؤدي إلى نشوء القطع الذاتي للقطاع أو الأمر بترويض الذهن على الاتزان، و هذا حكم طريقي يراد به‏

41

تنجيز التكاليف الواقعية التي يخطئها قطع القطَّاع و تصحيح العقاب على مخالفتها، و هذا أمر معقول غير انه لا دليل عليه إثباتاً.

الثاني: إن القطاع في بداية أمره إذا كان ملتفتا إلى كونه إنساناً غير متعارف في قطعه، كثيراً ما يحصل له العلم الإجمالي، بان بعض ما سيحدث لديه من قطوع نافية غير مطابقة للواقع لأجل كونه قطاعاً، و هذا العلم الإجمالي منجز.

فان قيل إن القطاع حين تتكون لديه قطوع نافية يزول من نفسه ذلك العلم الإجمالي، لأنه لا يمكنه ان يشك في قطعه و هو قاطع بالفعل.

كان الجواب ان هذا مبني على ان يكون الوصول كالقدرة، فكما انه يكفي في دخول التكليف في دائرة حق الطاعة كونه مقدوراً حدوثاً و ان زالت القدرة بسوء اختيار المكلف، كذلك يكفي كونه و أصلاً حدوثاً، و ان زال الوصول بسوء اختياره.

42

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

43

الأدِلّةُ المُحرزَة

44

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

45

مَبَادِئ عَامَّة

تأسيس الأصل عند الشك في الحجية:

الدليل إذا كان قطعياً فهو حجة على أساس حجية القطع، و إذا لم يكن كذلك فإن قام دليل قطعي على حجيته أخذ به، و اما إذا لم يكن قطعياً و شك في جعل الحجية له شرعاً مع عدم قيام الدليل على ذلك، فالأصل فيه عدم الحجية. و نعني بهذا الأصل ان احتمال الحجية ليس له أثر عملي و ان كل ما كان مرجعاً لتحديد الموقف بقطع النّظر عن هذا الاحتمال يظل هو المرجع معه أيضاً، و لتوضيح ذلك نطبق هذه الفكرة على خبر محتمل الحجية يدل على وجوب الدعاء عند رؤية الهلال مثلاً، و في مقابلة البراءَة العقلية- قاعدة قبح العقاب بلا بيان- عند من يقول بها و البراءَة الشرعية و الاستصحاب و إطلاق دليل اجتهادي تفرض دلالته على عدم وجوب الدعاء. اما البراءَة العقلية فلو قيل بها كانت مرجعاً مع احتمال حجية الخبر أيضاً، لأن احتمال الحجية لا يكمل البيان و الا لتمَّ باحتمال الحكم الواقعي. و لو أنكرناها و قلنا إن كل حكم يتنجز بالاحتمال ما لم يقطع بالترخيص الظاهري في مخالفته، فالواقع منجز باحتماله من دون أثر لاحتمال الحجية. و اما البراءَة الشرعية فإطلاق دليلها شامل لموارد احتمال الحجية أيضاً، لأن موضوعها عدم العلم بالتكليف الواقعي و هو ثابت مع احتمال الحجية أيضاً، بل حتى مع قيام الدليل على الحجية. غير

46

انه في هذه الحالة يقدم دليل حجية الخبر على دليل البراءَة لأنه أقوى منه و حاكم عليه مثلاً، و اما مع عدم ثبوت الدليل الأقوى فيؤخذ بدليل البراءة، و كذلك الكلام في الاستصحاب، و اما الدليل الاجتهادي المفترض دلالته بالإطلاق على عدم الوجوب فهو حجة مع احتمال حجية الخبر المخصص أيضاً، لأن مجرد احتمال التخصيص لا يكفي لرفع اليد عن الإطلاق. و نستخلص من ذلك ان الموقف العملي لا يتغير باحتمال الحجية، و هذا يعني ان احتمالها يساوي عملياً القطع بعدمها.

و نضيف إلى ذلك ان بالإمكان إقامة الدليل على عدم حجية ما يشك في حجيته بناء على تصورنا المتقدم للأحكام الظاهرية حيث مرَّ بنا انه يقتضي التنافي بينها بوجوداتها الواقعية، و هذا يعني ان البراءة عن التكليف المشكوك و حجية الخبر الدال على ثبوته، حكمان ظاهريان متنافيان، فالدليل الدال على البراءَة دالٌّ بالدلالة الالتزامية على نفي الحجية المذكورة فيؤخذ بذلك ما لم يقم دليل أقوى على الحجية.

و قد يقام الدليل على عدم حجية ما يشك في حجيته من الأمارات بما اشتمل من الكتاب الكريم على النهي عن العمل بالظن و غير العلم، فان كل ظن يشك في حجيته يشمله إطلاق هذا النهي.

و قد اعترض المحقق النائيني (قدس اللَّه روحه) على ذلك، بان حجية الأمارة معناها جعلها علماً، لأنه بني على مسلك جعل الطريقية، فمع الشك في الحجية يشك في كونها علماً فلا يمكن التمسك بدليل النهي عن العمل بغير العلم حينئذ، لأن موضوعه غير محرز.

و جواب هذا الاعتراض ان النهي عن العمل بالظن ليس نهياً تحريمياً، و انما هو إرشاد إلى عدم حجيته، إذ من الواضح ان العمل بالظن ليس من المحرمات النفسيّة، و انما محذوره احتمال التورط في مخالفة الواقع فيكون مفاده عدم الحجية، فإذا كانت الحجية بمعنى اعتبار الأمارة علماً، فهذا يعني ان مطلقات النهي تدل على نفي اعتبارها علماً، فيكون مفادها في رتبة مفاد حجية الأمارة، و بهذا تصلح لنفي الحجية المشكوكة.

47

مقدار ما يثبت بدليل الحجية:

و كلما كان الطريق حجة ثبت به مدلوله المطابقي، و اما المدلول الالتزامي فيثبت في حالتين بدون شك و هما:

أولا: فيما إذا كان الدليل قطعياً.

و ثانياً: فيما إذا كان الدليل على الحجية يرتب الحجية على عنوان ينطبق على الدلالة المطابقية و الدلالة الالتزامية على السواء، كما إذا قام الدليل على حجية عنوان الخبر و قلنا: إن كلاً من الدلالة المطابقية و الدلالة الالتزامية مصداق لهذا العنوان.

و اما في غير هاتين الحالتين فقد يقع الإشكال، كما في الظهور العرفي الّذي قام الدليل على حجيته، فانه ليس قطعياً، كما ان دلالته الالتزامية ليست ظهوراً عرفياً. فقد يقال: إن أمثال دليل حجية الظهور لا تقتضي بنفسها الا إثبات المدلول المطابقي ما لم تقم قرينة خاصة على إسراء الحجية إلى الدلالات الالتزامية أيضاً.

و لكن المعروف بين العلماء التفصيل بين الأمارات و الأصول، فكل ما قام دليل على حجيته من باب الأمارية ثبتت به مدلولاته الالتزامية أيضاً، و يقال حينئذ: إن مثبتاته حجة، و كل ما قام دليل على حجيته بوصفه أصلاً عملياً فلا تكون مثبتاته حجة، بل لا يتعدى فيه من إثبات المدلول المطابقي الا إذا قامت قرينة خاصة في دليل الحجية على ذلك.

و قد فسر المحقق النائيني ذلك- على ما تبناه من مسلك جعل الطريقية في الأمارات- بان دليل الحجية يجعل الأمارة علماً فيترتب على ذلك كل آثار العلم، و من الواضح ان من شئون العلم بشي‏ء العلم بلوازمه، و لكن أدلة الحجية في باب الأصول ليس مفادها إلا التعبد بالجري العملي على وفق الأصل، فيتحدد الجري بمقدار مؤدى الأصل، و لا يشمل الجري العملي على طبق اللوازم الا مع قيام قرينة.

48

و اعترض السيد الأستاذ على ذلك بان دليل الحجية في باب الأمارات، و ان كان يجعل الأمارة علماً، و لكنه علم تعبدي جعلي، و العلم الجعلي يتقدر بمقدار الجعل، فدعوى ان العلم بالمؤدى يستدعي العلم بلوازمه، انما تصدق على العلم الوجداني لا العلم الجعلي، و من هنا ذهب إلى ان الأصل في الأمارات أيضاً عدم حجية مثبتاتها و مدلولاتها الالتزامية، و ان مجرد جعل شي‏ء حجة من باب الأمارية لا يكفي لإثبات حجيته في المدلول الالتزامي.

و الصحيح ما عليه المشهور من ان دليل الحجية في باب الأمارات يقتضي حجية الأمارة في مدلولاتها الالتزامية أيضاً، و لكن ليس ذلك على أساس ما ذكره المحقق النائيني من تفسير، فانه فسر ذلك بنحو يتناسب مع مبناه في التمييز بين الأمارات و الأصول، و قد مر بنا سابقاً انه (قدس اللَّه روحه) يميز بين الأمارات و الأصول بنوع المجعول و المنشأ في أدلة حجيتها، فضابط الأمارة عنده كون مفاد دليل حجيتها جعل الطريقية و العملية، و ضابط الأصل كون دليله خالياً من هذا المفاد، و على هذا الأساس أراد أن يفسر حجية مثبتات الأمارات بنفس النكتة التي تميزها عنده عن الأُصول، أي نكتة جعل الطريقية، مع اننا عرفنا سابقاً ان هذا ليس هو جوهر الفرق بين الأمارات و الأُصول، و انما هو فرق في مقام الصياغة و الإنشاء، و يكون تعبيراً عن فرق جوهري أعمق، و هو ان جعل الحكم الظاهري على طبق الأمارة بملاك الأهمية الناشئة من قوة الاحتمال، و جعل الحكم الظاهري على طبق الأصل بملاك الأهمية الناشئة من قوة المحتمل، فكلما جعل الشارع شيئا حجة بملاك الأهمية الناشئة من قوة الاحتمال كان أمارة. سواء كان جعله حجة بلسان انه علم أو بلسان الأمر بالجري على و فقه، و إذا اتضحت النكتة الحقيقية التي تميز الأمارة، أمكننا ان نستنتج ان مثبتاتها و مدلولاتها الالتزامية حجة على القاعدة، لأن ملاك الحجية فيها حيثية الكشف التكويني في الأمارة الموجبة لتعيين الأهمية وفقاً لها، و هذه الحيثية نسبتها إلى المدلول المطابقي، و المداليل الالتزامية نسبة واحدة، فلا

49

يمكن التفكيك بين المداليل في الحجية ما دامت الحيثية المذكورة هي تمام الملاك في جعل الحجية كما هو معنى الأمارية، و هذا يعني انا كلما استظهرنا الأمارية من دليل الحجية، كفى ذلك في البناء على حجية مثبتاتها بلا حاجة إلى قرينة خاصة.

تبعية الدلالة الالتزامية للدلالة المطابقية:

إذا كان اللازم المدلول عليه من قبل الأمارة بالدلالة الالتزامية من قبيل اللازم الأعم، فهو محتمل الثبوت حتى مع عدم ثبوت المدلول المطابقي، و حينئذ إذا سقطت الأمارة عن الحجية في المدلول المطابقي لوجود معارض أو للعلم بخطئها فيه، فهل تسقط حجيتها في المدلول الالتزامي أيضاً أو لا؟ قد يقال: إن مجرد تفرع الدلالة الالتزامية على الدلالة المطابقية وجوداً، لا يبرر تفرعها عليها في الحجية أيضاً، و قد يقرب التفرع في الحجية بأحد الوجهين التاليين:

الأول: ما ذكره السيد الأستاذ من ان المدلول الالتزامي مساو دائماً للمدلول المطابقي، و ليس أعم منه. فكل ما يوجب إبطال المدلول المطابقي أو المعارضة معه يوجب ذلك بشأن المدلول الالتزامي أيضاً، و الوجه في المساواة، مع ان ذات اللازم قد يكون أعم من ملزومه، ان اللازم الأعم له حصتان:

إحداهما: مقارنة مع الملزوم الأخص.

و الأخرى غير مقارنة، و الأمارة الدالة مطابقة على ذلك الملزوم، انما تدل بالالتزام على الحصة الأولى من اللازم و هي مساوية دائماً.

و نلاحظ على هذا الوجه ان المدلول الالتزامي هو طرف الملازمة، فإن كان طرف الملازمة هو الحصة، كانت هي المدلول الالتزامي، و ان كان طرفها الطبيعي و كانت مقارنته للملزوم المحصصة له من شئون‏

50

الملازمة و تفرعاتها، كان المدلول الالتزامي ذات الطبيعي.

و مثال الأول اللازم الأعم المعلول بالنسبة إلى إحدى علله، كالموت بالاحتراق بالنسبة إلى دخول زيد في النار، فإذا أخبر مخبر بدخول زيد في النار، فالمدلول الالتزامي له حصة خاصة من الموت، و هي الموت بالاحتراق، لأن هذا هو طرف الملازمة للدخول في النار.

و مثال الثاني الملازم الأعم بالنسبة إلى ملازمه كعدم أحد الأضداد بالنسبة إلى وجود ضد معين من أضداده، فإذا أخبر مخبر بصفرة ورقة، فالمدلول الالتزامي له عدم سوادها لا حصة خاصة من عدم السواد و هي العدم المقارن للصفرة، لأن طرف الملازمة لوجود أحد الأضداد ذات عدم ضده لا العدم المقيد بوجود ذاك، و انما هذا التقيد يحصل بحكم الملازمة نفسها و من تبعاتها، لا انه مأخوذ في طرف الملازمة و تطرأُ الملازمة عليه.

الثاني: ان الكشفين في الدلالتين قائمان دائماً على أساس نكتة واحدة من قبيل نكتة استبعاد خطأ الثقة في إدراكه الحسي للواقعة، فإذا أخبر الثقة عن دخول شخص للنار ثبت دخوله و احتراقه و موته بذلك بنكتة استبعاد اشتباهه في رؤية دخول الشخص إلى النار، فإذا علم بعدم دخوله و ان المخبر اشتبه في ذلك، فلا يكون افتراض ان الشخص لم يمت أصلاً متضمناً لاشتباه أزيد مما ثبت، و بذلك يختلف المقام عن خبرين عرضيين عن الحريق من شخصين إذا علم باشتباه أحدهما في رؤية الحريق فان ذلك لا يبرر سقوط الخبر الآخر عن الحجية، لأن افتراض عدم صحة الخبر يتضمن اشتباهاً وراءَ الاشتباه الّذي علم.

فالصحيح ان الدلالة الالتزامية مرتبطة بالدلالة المطابقية في الحجية، و اما الدلالة التضمنية فالمعروف بينهم انها غير تابعة للدلالة المطابقية في الحجية.

51

وفاء الدليل بدور القطع الطريقي و الموضوعي:

إذا كان الدليل قطعياً فلا شك في وفائه بدور القطع الطريقي و الموضوعي معاً، لأنه يحقق القطع حقيقة.

و اما إذا لم يكن الدليل قطعياً، و كان حجة بحكم الشارع، فهناك بحثان:

الأول: بحث نظري في تصوير قيامه مقام القطع الطريقي مع الاتفاق عملياً على قيامه مقامه في المنجزية و المعذرية.

و الثاني: بحث واقعي في ان دليل حجية الأمارة هل يستفاد منه قيامها مقام القطع الموضوعي أو لا؟

اما البحث الأول فقد يستشكل تارة في إمكان قيام غير القطع مقام القطع في المنجزية و المعذرية بدعوى انه على خلاف قاعدة قبح العقاب بلا بيان. و يستشكل أخرى في كيفية صياغة ذلك تشريعاً، و ما هو الحكم الّذي يحقق ذلك.

اما الاستشكال الأول فجوابه:

أولاً: اننا ننكر قاعدة قبح العقاب بلا بيان رأساً.

و ثانياً: انه لو سلمنا بالقاعدة فهي مختصة بالاحكام المشكوكة التي لا يعلم بأهميتها على تقدير ثبوتها، و اما المشكوك الّذي يعلم بأنه على تقدير ثبوته مما يهتم المولى بحفظه و لا يرضى بتضييعه فليس مشمولاً للقاعدة من أول الأمر، و الخطاب الظاهري- أي خطاب ظاهري- يبرز اهتمام المولى بالتكاليف الواقعية في مورده على تقدير ثبوتها و بذلك يخرجها عن دائرة قاعدة قبح العقاب بلا بيان.

و اما الاستشكال الثاني، فينشأ من ان الّذي ينساق إليه النّظر ابتداء

52

ان إقامة الأمارة مقام القطع الطريقي في المنجزية و المعذرية تحصل بعملية تنزيل لها منزلته من قبيل تنزيل الطواف منزلة الصلاة و من هنا يعترض عليه بان التنزيل من الشارع، انما يصح فيما إذا كان للمنزل عليه أثر شرعي، بيد المولى توسيعه و جعله على المنزل كما في مثال الطواف و الصلاة، و في المقام القطع الطريقي ليس له أَثر شرعي بل عقلي، و هو حكم العقل بالمنجزية و المعذرية فكيف يمكن التنزيل؟

و قد تخلص بعض المحققين عن الاعتراض برفض فكرة التنزيل و استبدالها بفكرة جعل الحكم التكليفي على طبق المؤدى، فإذا دل الخبر على وجوب السورة حكم الشارع بوجوبها ظاهراً، و بذلك يتنجز الوجوب، و هذا هو الّذي يطلق عليه مسلك جعل الحكم المماثل.

و تخلص المحقق النائيني بمسلك جعل الطريقية قائلاً: إن إقامة الأمارة مقام القطع الطريقي لا تتمثل في عملية تنزيل لكي يرد الاعتراض السابق، بل في اعتبار الظن علماً، كما يعتبر الرّجل الشجاع أسداً على طريقة المجاز العقلي، و المنجزية و المعذرية ثابتتان عقلاً للقطع الجامع بين الوجود الحقيقي و الاعتباري.

و الصحيح ان قيام الأمارة مقام القطع الطريقي في التنجيز و إخراج مؤداها عن قاعدة قبح العقاب بلا بيان- على تقدير القول بها- انما هو بإبراز اهتمام المولى بالتكليف المشكوك على نحو لا يرضى بتفويته على تقدير ثبوته كما تقدم، و عليه فالمهم في جعل الخطاب الظاهري ان يكون مبرزاً لهذا الاهتمام من المولى، لأن هذا هو جوهر المسألة، و اما لسان هذا الإبراز و صياغته و كون ذلك بصيغة تنزيل الظن منزلة العلم أو جعل الحكم المماثل للمؤدى أو جعل الطريقية فلا دخل لذلك في الملاك الحقيقي، و انما هو مسألة تعبير فحسب، و كل التعبيرات صحيحة ما دامت وافية بإبراز الاهتمام المولوي المذكور، لأن هذا هو المنجز في الحقيقة.

و اما البحث الثاني فان كان القطع مأخوذاً موضوعاً لحكم شرعي‏

53

بوصفه منجزاً و معذراً، فلا شك في قيام الأمارة المعتبرة شرعاً مقامه، لأنها تكتسب من دليل الحجية صفة المنجزية و المعذرية فتكون فرداً من الموضوع، و يعتبر دليل الحجية في هذه الحالة وارداً على دليل ذلك الحكم الشرعي المرتب على القطع لأنه يحقق مصداقاً حقيقياً لموضوعه.

و اما إذا كان القطع مأخوذا بما هو كاشف تام، فلا يكفي مجرد اكتساب الأمارة صفة المنجزية و المعذرية من دليل الحجية لقيامها مقام القطع الموضوعي، فلا بد من عناية إضافية في دليل الحجية، و قد التزم المحقق النائيني (قدس سره) بوجود هذه العناية بناء على ما تبناه من مسلك جعل الطريقية فهو يقول: إن مفاد دليل الحجية جعل الأمارة علماً، و بهذا يكون حاكماً على دليل الحكم الشرعي المرتب على القطع لأنه يوجد فرداً جعلياً و تعبدياً لموضوعه فيسري حكمه إليه.

غير انك عرفت في بحث التعارض من الحلقة السابقة ان الدليل الحاكم انما يكون حاكماً إذا كان ناظراً إلى الدليل المحكوم، و دليل الحجية لم يثبت كونه ناظراً إلى أحكام القطع الموضوعي، و انما المعلوم فيه نظره إلى تنجيز الأحكام الواقعية المشكوكة خاصة إذا كان دليل الحجية للأمارة هو السيرة العقلائية، إذ لا انتشار للقطع الموضوعي في حياة العقلاء لكي تكون سيرتهم على حجية الأمارة ناظرة إلى القطع الموضوعي و الطريقي معاً.

إثبات الأمارة لجواز الإسناد:

يحرم اسناد ما لم يصدر من الشارع إليه لأنه كذب و يحرم أيضاً اسناد ما لا يعلم صدوره منه إليه و ان كان صادراً في الواقع، و هذا يعني ان القطع بصدور الحكم من الشارع طريق لنفي موضوع الحرمة الأولى فهو قطع طريقي و موضوع لنفي الحرمة الثانية، فهو من هذه الناحية قطع موضوعي و عليه فإذا كان الدليل قطعياً انتفت كلتا الحرمتين لحصول‏

54

القطع، و هو طريق إلى أحد النفيين و موضوع للآخر، و إذا لم يكن الدليل قطعياً بل أمارة معتبرة شرعاً فلا ريب في جواز اسناد نفس الحكم الظاهري إلى الشارع لأنه مقطوع به، و اما اسناد المؤدى فالحرمة الأُولى تنتفي بدليل حجية الأمارة لأن القطع بالنسبة إليها طريقي و لا شك في قيام الأمارة مقام القطع الطريقي. غير أن انتفاء الحرمة الأُولى كذلك مرتبط بحجية مثبتات الأمارات، لأن موضوع هذه الحرمة عنوان الكذب و هو مخالفة الخبر للواقع، و انتفاء هذه المخالفة مدلول التزامي للأمارة الدالة على ثبوت الحكم، لأن كل ما يدل على شي‏ء مطابقة، يدل التزاماً على ان الاخبار عنه ليس كذباً.

و اما الحرمة الثانية فموضوعها و هو عدم العلم ثابت وجدانا، فانتفاؤها يتوقف إما على استفادة قيام الأمارة مقام القطع الموضوعي من دليل حجيتها، أو على إثبات مخصص لما دل على عدم جواز الإسناد بلا علم- من إجماع أو سيرة- يخرج موارد قيام الحجة الشرعية.

إبطال طريقة الدليل:

كل نوع من أنواع الدليل حتى لو كان قطعياً يمكن للشارع التدخل في إبطال حجيته، و ذلك عن طريق تحويله من الطريقية إلى الموضوعية بأن يأخذ عدم قيام الدليل الخاصّ على الجعل الشرعي في موضوع الحكم المجعول في ذلك الجعل فيكون عدم قيام دليل خاص على الجعل الشرعي قيداً في الحكم المجعول، فإذا قام هذا الدليل الخاصّ على الجعل الشرعي، انتفى المجعول بانتفاء قيده، و ما دام المجعول منتفياً فلا منجزية و لا معذرية، و ليس ذلك من سلب المنجزية عن القطع بالحكم الشرعي، بل من الحيلولة دون وجود هذا القطع، لأن القطع المنجز هو القطع بفعلية المجعول لا القطع بمجرد الجعل، و لا قطع في المقام بالمجعول، و ان كان القطع بالجعل ثابتاً، غير ان هذا القطع الخاصّ بالجعل بنفسه يكون‏

55

نافياً لفعلية المجعول نتيجة لتقيد المجعول بعدمه، و قد سبق في أبحاث الدليل العقلي في الحلقة السابقة انه لا مانع من أخذ علم مخصوص بالجعل شرطاً في المجعول أو أخذ عدمه قيداً في المجعول و لا يلزم من كل ذلك دور.

و قد ذهب جملة من العلماء إلى ان العلم المستند إلى الدليل العقلي فقط ليس بحجة، و قيل في التعقيب على ذلك: إنه ان أُريد بهذا تحويله من طريقي إلى موضوعي الطريقة التي ذكرناها بان يكون عدم العلم العقلي بالجعل قد أخذ قيداً في المجعول فهو ممكن ثبوتاً، و لكنه لا دليل على هذا التقييد إثباتاً. و ان أُريد بهذا سلب الحجية عن العلم العقلي بدون التحويل المذكور فهو مستحيل، لأن القطع الطريقي لا يمكن تجريده عن المنجزية و المعذرية، و سيأْتي الكلام عن ذلك في مباحث الدليل العقلي ان شاءَ اللَّه تعالى.

تقسيم البحث في الأدلة المحرزة:

و سنقسم البحث في الأدلة المحرزة وفقاً لما تقدم في الحلقة السابقة إلى قسمين:

أحدهما: في الدليل الشرعي.

و الآخر: في الدليل العقلي.

كما ان القسم الأول نوعان:

أحدهما: الدليل الشرعي اللفظي.

و الآخر: الدليل الشرعي غير اللفظي.

و البحث في الدليل الشرعي تارة في تحديد ضوابط عامة لدلالته‏

56

و ظهوره. و أخرى في ثبوت صغراه- أي في حيثية الصدور- و ثالثة في حجية ظهوره.

و على هذا المنوال تجري البحوث في هذه الحلقة.