دروس في علم الأصول - ج4

- السيد محمد باقر الصدر المزيد...
269 /
5

الحلقة الثالثة 2

الأصول العملية

1- التمهيد.

2- الوظيفة العملية عند الشك.

3- الاستصحاب.

6

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

7

التمهيد

8

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

9

الأصول العملية 1 1- خصائص الأصول العملية.

2- الأصول العملية الشرعية و العقلية.

3- الأصول التنزيلية و المحرزة.

4- مورد جريان الأصول.

10

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

11

خصائص الأصول العملية:

عرفنا فيما تقدم ان الأصول العملية نوع من الأحكام الظاهرية الطريقية المجعولة بداعي تنجيز الأحكام الشرعية أو التعذير عنها و هو نوع متميز عن الأحكام الظاهرية في باب الأمارات و قد ميز بينهما بعدة وجوه:

الأول:- ان الفرق بينهما ينشأ من اختلافهما في سنخ المجعول في دليل حجية الأمارة و دليل الأصل، فالمجعول في الأول الطريقية مثلا و في الثاني الوظيفة العملية أو التنزيل منزلة اليقين بلحاظ الجري العملي بدون تضمن لجعل الطريقية، و قد تقدم الكلام عن ذلك و مر بنا ان هذا ليس هو الفرق الحقيقي. و حاصل فذلكة الموقف انه لم يرد عنوانا (الأمارة) و (الأصل) في دليل ليتكلم عن تمييز أحدهما عن الآخر بأي نحو اتفق، و انما نعبر بالأمارة عن تلك الحجة التي لها آثارها المعهودة بما فيها إثباتها للأحكام الشرعية المترتبة على اللوازم العقلية لمؤداها، و نعبر بالأصل عن ذلك الحكم الظاهري الّذي ليس له تلك الآثار، و قد عرفنا سابقاً ان مجرد كون المجعول في دليل الحجية الطريقية لا يفي بإثبات تلك الآثار للأمارة.

الثاني:- ان الفرق بينهما ينشأ من أخذ الشك موضوعاً للأصل العملي و عدم أخذه كذلك في موضوع الحجية المجعولة للأمارة و هذا الفرق مضافاً إلى انه لا يفي بالمقصود غير معقول في نفسه لأن الحجية حكم ظاهري فان‏

12

لم يكن الشك مأخوذاً في موضوعها عند جعلها لزوم إطلاقها لحالة العلم و جعل الأمارة حجة على العالم غير معقول. و من هنا قيل بان الشك مأخوذ في حجية الأمارة مورداً، لا موضوعاً غير اننا لا نتعقل بحسب عالم الجعل و مقام الثبوت نحوين من الأخذ.

الثالث:- ان الفرق بينهما ينشأ من ناحية أخذ الشك في لسان دليل الأصل و عدم أخذه في لسان دليل حجية الأمارة بعد الفراغ عن كونه مأخوذاً في موضوعهما ثبوتاً معاً. و هذا الفرق لا يفي أيضاً بالمقصود، نعم قد يثمر في تقديم دليل الأمارة على دليل الأصل بالحكومة. هذا مضافاً إلى كونه اتفاقياً فقد يتفق أخذ عدم العلم في موضوع دليل الحجية كما لو بني على ثبوت حجية الخبر بقوله تعالى: فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ* فهل يقال بان الخبر يكون أصلا حينئذ؟

الرابع:- ما حققناه في الجزء السابق من ان الأصل العملي حكم ظاهري لوحظت فيه أهمية المحتمل عند التزاحم بين الملاكات الواقعية في مقام الحفظ التشريعي عند الاختلاط و الاشتباه. بينما لو حظت في أدلة الحجية الأهمية الناشئة من قوة الاحتمال محضاً، و قد عرفنا سابقاً ان هذه النكتة تفي بتفسير ما تتميز به الأمارة على الأصل من حجية مثبتاتها ..

الأصول العملية الشرعية و العقلية:

و تنقسم الأصول العملية إلى شرعية و عقلية. فالشرعية: هي ما كنا نقصده آنفاً و مردُّها إلى أحكام ظاهرية شرعية نشأت من ملاحظة أهمية المحتمل. و العقلية: وظائف عملية عقلية و مردها في الحقيقة إلى حق الطاعة إثباتاً و نفياً، فحكم العقل مثلا بان الشغل اليقيني يستدعي الفراغ اليقيني، مرجعه إلى ان حق الطاعة للمولى الّذي يستقل به العقل انما هو حق الطاعة القطعية فلا تفي الطاعة الاحتمالية بحق المولى، و حكم العقل‏

13

بقاعدة قبح العقاب بلا بيان- على مسلك المشهور- مرجعه إلى تحديد دائرة حق الطاعة في التكاليف المعلومة خاصة، بينما يرجع حكم العقل بمنجزية التكاليف المحتملة عندنا إلى توسعة دائرة حق الطاعة و هكذا.

و للقسمين مميزات يمكن ذكر جملة منها فيما يلي:

أولاً:- ان الأصول العملية الشرعية أحكام شرعية، و الأصول العملية العقلية ترجع إلى مدركات العقل العملي فيما يرتبط بحق الطاعة.

ثانياً: انه ليس من الضروري ان يوجد أصل عملي شرعي في كل مورد و انما هو تابع لدليله فقد يوكل الشارع امر تحديد الوظيفة العملية للشاك إلى عقله العملي، و هذا خلافاً للأصل العملي العقلي فانه لا بد من افتراضه بوجه في كل واقعة من وقائع الشك في حد نفسها.

ثالثاً:- ان الأصول العملية العقلية قد ترد إلى أصلين لأن العقل ان أدرك شمول حق الطاعة للواقعة المشكوكة، حكم بأصالة الاشتغال، و ان أدرك عدم الشمول، حكم بالبراءة. و لكن قد يفرض أصل عملي عقلي ثالث و هو أصالة التخيير في موارد دوران الأمر بين المحذورين. و قد يعترض على افتراض هذا الأصل بان التخيير ان أريد به دخول التكليف في العهدة و اشتغال الذّمّة و لكن على وجه التخيير فهو غير معقول لأن الجامع بين الفعل و الترك في موارد الدوران بين المحذورين ضروري الوقوع، و ان أريد به انه لا يلزم المكلف عقلا بفعل و لا ترك و لا يدخل شي‏ء في عهدته فهذا عين البراءة و سيأتي تفصيل الكلام حول ذلك في بحث دوران الأمر بين المحذورين إن شاء اللَّه تعالى.

و اما الأصول العملية الشرعية فلا حصر عقلي لها في البراءة أو الاشتغال بل هي تابعة لطريقة جعلها فقد تكون استصحاباً مثلا.

رابعاً:- ان الأصول العملية العقلية لا يعقل التعارض بينها لا ثبوتاً كما هو واضح و لا إثباتاً لأن مقام إثباتها هو عين إدراك العقل لها و لا

14

تناقض بين إدراكين عقليين. و اما الأصول العملية الشرعية فيعقل التعارض بينها إثباتاً بحسب لسان أدلتها و لا بد من علاج ذلك وفقاً لقواعد باب التعارض بين الأدلة.

خامساً:- انه لا يعقل التصادم بين الأصول العملية الشرعية و الأصول العملية العقلية، فإذا كانا مختلفين في التنجيز و التعذير، فان كان الأصل العملي العقلي معلقاً على عدم ورود أصل عملي شرعي على الخلاف، كان هذا وارداً، و الا امتنع ثبوت الأصل العملي الشرعي في مورده.

الأصول التنزيلية و المحرزة:

الأصول العملية الشرعية تارة تكون مجرد وظائف عملية بلسان إنشاء حكم تكليفي ترخيصي أو إلزاميّ بدون نظر بوجه إلى الأحكام الواقعية، و هذه أصول عملية بحتة .. و أخرى تبذل فيها عناية إضافية إذ تطعم بالنظر إلى الأحكام الواقعية، و هذه العناية يمكن تصويرها بوجهين:

أحدهما:- ان يجعل الحكم الظاهري بلسان تنزيله منزلة الحكم الواقعي كما قد يقال في أصالة الحل و أصالة الطهارة، إذ يستظهر ان قوله (كل شي‏ء لك حلال) أو (كل شي‏ء لك طاهر حتى تعلم) ... يتكفل تنزيل مشكوك الحلية و مشكوك الطهارة منزلة الحلال الواقعي و منزلة الطاهر الواقعي، خلافاً لمن يقول: ان دليل هذين الأصلين ليس ناظراً إلى الواقع بل ينشئ بنفسه حلية أو طهارة بصورة مستقلة.

و يسمى الأصل في حالة بذل هذه العناية التنزيلية بالأصل التنزيلي، و قد تترتب على هذه التنزيلية فوائد، فمثلا إذا قيل بان أصل الإباحة تنزيلي ترتب عليه حين تطبيقه على الحيوان مثلا طهارة مدفوعة ظاهراً لأنها مترتبة على الحلية الواقعية و هي ثابتة تنزيلا فكذلك حكمها، و اما إذا قيل بان‏

15

أصل الإباحة ليس تنزيلياً بل إنشاء لحلية مستقلة فلا يمكن ان ننقح بها طهارة المدفوع و هكذا.

و الآخر:- ان ينزل الأصل أو الاحتمال المقوم له منزلة اليقين بان تجعل الطريقية في مورد الأصل، كما ادعي ذلك في الاستصحاب من قبل المحقق النائيني و السيد الأستاذ على فرق بينهما، حيث ان الأول اختار: ان المجعول هو العلم بلحاظ مرحلة الجري العملي فقط، و الثاني اختار: ان المجعول هو العلم بلحاظ الكاشفية، فلم يبق على مسلك جعل الطريقية فرق بين الاستصحاب و الأمارات في المجعول على رأي السيد الأستاذ.

و يسمى الأصل في حالة بذل هذه العناية بالأصل المحرز و هذه المحرزية قد يترتب عليها بعض الفوائد في تقديم الأصل المحرز على غيره باعتباره علماً و حاكماً على دليل الأصل العملي البحت على ما يأتي في محله ان شاء اللَّه تعالى.

و هناك معنى آخر للأصول العملية المحرزة ينسجم مع طريقتنا في التمييز بين الأمارات و الأصول، و هو انه كلما لوحظ في جعل الحكم الظاهري ثبوتاً أهمية المحتمل فهو أصل عملي فان لوحظ منضماً إليه قوة الاحتمال أيضاً فهو أصل عملي محرز كما في قاعدة الفراغ و الا فلا.

و المحرزية بهذا المعنى في قاعدة الفراغ لا تجعلها حجة في مثبتاتها الا ان استظهارها من دليل القاعدة يترتب عليه بعض الآثار أيضاً من قبيل عدم شمول دليل القاعدة لموارد انعدام الأمارية و الكشف نهائياً. و من هنا يقال بعدم جريان قاعدة الفراغ في موارد العلم بعدم التذكر حين العمل.

مورد جريان الأصول العملية:

لا شك في جريان الأصول العملية الشرعية عند الشك في الحكم التكليفي الواقعي لتنجيزه كما في أصالة الاحتياط أو للتعذير عنه كما في‏

16

أصالة البراءة، و لكن قد يشك في التكليف الواقعي و يشك في قيام الحجة الشرعية عليه بنحو الشبهة الموضوعية- كالشك في صدور الحديث- أو بنحو الشبهة الحكمية- كالشك في حجية الأمارة المعلوم وجودها- فهل يوجد في هذه الحالة موردان للأصل العملي فنجري البراءة عن التكليف الواقعي المشكوك و نجري براءة أخرى عن الحجية أي الحكم الظاهري المشكوك ..

أو تكفي البراءة الأولى؟. و بكلمة أخرى ان الأصول العملية هل يختص موردها بالشك في الأحكام الواقعية أو يشمل مورد الشك في الأحكام الظاهرية نفسها؟.

قد يقال بأننا في المثال المذكور نحتاج إلى براءتين إذ يوجد احتمالان صالحان للتنجيز فنحتاج إلى مؤمن عن كل منهما، أحدهما: احتمال التكليف الواقعي و لنسمه بالاحتمال البسيط، و الآخر: احتمال قيام الحجة عليه، و حيث ان الحجية معناها إبراز شدة اهتمام المولى بالتكليف الواقعي المشكوك كما عرفنا سابقاً عند البحث في حقيقة الأحكام الظاهرية ..

فاحتمال الحجة على الواقع المشكوك يعني احتمال التكليف واقعي متعلق واقعي متعلق لاهتمام المولى الشديد و عدم رضائه بتفويته، و لنسم هذا بالاحتمال المركب. و عليه فالبراءة عن الاحتمال البسيط لا تكفي بل لا بد من التأمين من ناحية الاحتمال المركب أيضاً ببراءة ثانية.

و قد يعترض على ذلك بان الأحكام الظاهرية كما تقدم في الجزء السابق متنافية بوجوداتها الواقعية، فإذا جرت البراءة عن الحجية المشكوكة و فرض انها كانت ثابتة يلزم اجتماع حكمين ظاهريين متنافيين.

و جواب الاعتراض: ان البراءة هنا نسبتها إلى الحجية المشكوكة نسبة الحكم الظاهري إلى الحكم الواقعي لأنها مترتبة على الشك فيها، فكما لا منافاة بين الحكم الظاهري و الواقعي كذلك لا منافاة بين حكمين ظاهريين طوليين من هذا القبيل، و ما تقدم سابقاً من التنافي بين الأحكام الظاهرية بوجوداتها الواقعية ينبغي ان يفهم في حدود الأحكام الظاهرية العرضية أي‏

17

التي يكون الموضوع فيها نحو واحد من الشك.

و قد يعترض على إجراء براءة ثانية بأنها لغو إذ بدون إجراء البراءة عن نفس الحكم الواقعي المشكوك لا تنفع البراءة المؤمنة عن الحجية المشكوكة و مع إجرائها لا حاجة إلى البراءة الثانية إذ لا يحتمل العقاب الا من ناحية التكليف الواقعي و قد أمن عنه.

و الجواب على ذلك: ان احتمال ذات التكليف الواقعي شي‏ء و احتمال تكليف واقعي و أصل إلى مرتبة من الاهتمام المولوي التي تعبر عنها الحجية المشكوكة شي‏ء آخر، و التأمين عن الأول لا يلازم التأمين عن الثاني، ألا ترى ان بإمكان المولى ان يقول للمكلف: كلما احتملت تكليفاً و أنت تعلم بعدم قيام الحجة عليه فأنت في سعة منه، و كلما احتملت تكليفاً و احتملت قيام الحجة عليه فاحتط بشأنه.

و لكن التحقيق مع ذلك: ان إجراء البراءة عن التكليف الواقعي المشكوك يغني عن إجراء البراءة عن الحجية المشكوكة و ذلك بتوضيح ما يلي:

أولاً:- ان البراءة عن التكليف الواقعي و الحجية المشكوكة حكمان ظاهريان عرضيان لأن موضوعهما معاً الشك في الواقع، خلافاً للبراءة عن الحجية المشكوكة فانها ليست في درجتها كما عرفت.

ثانياً:- ان الحكمين الظاهريين المختلفين متنافيان بوجوديهما الواقعيين سواء وصلا أو لا كما تقدم في محله.

ثالثاً:- ان البراءة عن التكليف الواقعي منافية ثبوتاً للحجية المشكوكة على ضوء ما تقدم.

رابعاً:- ان مقتضى المنافاة انها تستلزم عدم الحجية واقعاً و نفيها.

خامساً:- ان الدليل الدال على البراءة عن التكليف الواقعي يدل‏

18

بالالتزام على نفي الحجية المشكوكة.

و هذا يعني: اننا بإجراء البراءة عن التكليف الواقعي سنثبت بالدليل نفي الحجية المشكوكة فلا حاجة إلى أصل البراءة عنها و ان كان لا محذور فيه أيضا.

و يمكن تصوير وقوع الأحكام الظاهرية مورداً للأصول العملية في الاستصحاب، إذ قد يجري استصحاب الحكم الظاهري لتمامية أركان الاستصحاب فيه و عدم تماميتها في الحكم الواقعي كما إذا علم بالحجية و شك في نسخها فان المستصحب هنا نفس الحجية لا الحكم الواقعي.

19

الوظيفة العملية في حالة الشك‏

20

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

21

الأصول العملية 2 1- الوظيفة في حالة الشك البدوي.

2- الوظيفة في حالة العلم الإجمالي.

3- الوظيفة عند الشك في الوجوب و الحرمة معاً.

4- الوظيفة عند الشك في الأقل و الأكثر.

22

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

23

الوظيفة العملية في حالة الشك 1

الوظيفة في حالة الشك البدوي‏

1- الوظيفة الأولية في حالة الشك.

2- الوظيفة الثانوية في حالة الشك.

24

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

25

الوظيفة الأولية في حالة الشك‏

كلما شك المكلف في تكليف شرعي و لم يتأت له إقامة الدليل عليه إثباتاً أو نفياً فلا بد له من تحديد الوظيفة العملية تجاهه، و يقع الكلام أولا في تحديد الوظيفة العملية تجاه التكليف المشكوك بقطع النّظر عن أي تدخل من الشارع في تحديدها، و هذا يعني التوجه إلى تعيين الأصل الجاري في الواقعة بحد ذاتها و ليس هو الا الأصل العملي العقلي. و يوجد بصدد تحديد هذا الأصل العقلي مسلكان:

1- مسلك قبح العقاب بلا بيان:

إن مسلك قاعدة قبح العقاب بلا بيان هو المسلك المشهور. و قد يستدل عليه بعدة وجوه:

الأول:- ما ذكره المحقق النائيني (رحمه اللَّه) من انه لا مقتضي للتحرك مع عدم وصول التكليف فالعقاب حينئذ عقاب على ترك ما لا مقتضي لإيجاده و هو قبيح. و قد عرفت في حلقة سابقة ان هذا الكلام مصادرة لأن عدم المقتضي فرع ضيق دائرة حق الطاعة و عدم شمولها عقلا للتكاليف المشكوكة لوضوح انه مع الشمول يكون المقتضي للتحرك موجوداً

26

فينتهي البحث إلى تحديد دائرة حق الطاعة.

الثاني:- الاستشهاد بالأعراف العقلائية و قد تقدم أيضاً الجواب بالتمييز بين المولوية المجعولة و المولوية الحقيقية.

الثالث:- ما ذكره المحقق الأصفهاني (رحمه اللَّه) من ان كل أحكام العقل العملي مردها إلى حكمه الرئيسي الأولى بقبح الظلم و حسن العدل، و نحن نلاحظ ان مخالفة ما قامت عليه الحجة خروج عن رسم العبودية و هو ظلم من العبد لمولاه فيستحق منه الذم و العقاب و ان مخالفة ما لم تقم عليه الحجة ليست من افراد الظلم إذ ليس من زي العبودية ان لا يخالف العبد مولاه في الواقع و في نفس الأمر فلا يكون ذلك ظلماً للمولى، و عليه فلا موجب للعقاب بل يقبح و بذلك يثبت قبح العقاب بلا بيان.

و التحقيق ان ادعاء كون حكم العقل بقبح الظلم هو الأساس لأحكام العقل العملي بالقبح عموماً و انها كلها تطبيقات له .. و ان كان هو المشهور و المتداول في كلماته و كلمات غيره من المحققين الا انه لا محصل له، لأننا إذا حللنا نفس مفهوم الظلم وجدنا أنه عبارة عن الاعتداء و سلب الغير حقه، و هذا يعني افتراض ثبوت حق في المرتبة السابقة، و هذا الحق بنفسه من مدركات العقل العملي، فلو لا ان للمنعم حق الشكر في المرتبة السابقة لما انطبق عنوان الظلم على ترك شكره، فكون شي‏ء ظلماً و بالتالي قبيحاً مترتب دائماً على حق مدرك في المرتبة السابقة و هو في المقام حق الطاعة. فلا بد أن يتجه البحث إلى ان حق الطاعة للمولى هل يشمل التكاليف الواصلة بالوصول الاحتمالي أو يختص بما كان و أصلاً بالوصول القطعي بعد الفراغ عن عدم شموله للتكليف بمجرد ثبوته واقعاً و لو لم يصل بوجه.

الرابع:- ما ذكره المحقق الأصفهاني أيضاً تعميقاً لقاعدة قبح العقاب بلا بيان على أساس مبنى له في حقيقة التكليف حاصله: ان التكليف إنشائي و حقيقي فالإنشائي: ما يوجد بالجعل و الإنشاء و هذا لا

27

يتوقف على الوصول، و التكليف الحقيقي: ما كان إنشاؤه بداعي البعث و التحريك و هذا متقوم بالوصول إذ لا يعقل ان يكون التكليف بمجرد إنشائه باعثاً و محركاً و انما يكون كذلك بوصوله فكما ان بعث العاجز غير معقول كذلك بعث الجاهل و كما يختص التكليف الحقيقي بالقادر كذلك يختص بمن وصل إليه ليمكنه الانبعاث عنه فلا معنى للعقاب و التنجز مع عدم الوصول لأنه يساوق عدم التكليف الحقيقي فيقبح العقاب بلا بيان لا لأن التكليف الحقيقي لا بيان عليه بل لأنه لا ثبوت له مع عدم الوصول.

و يرد عليه:

أولاً:- ان حق الطاعة ان كان شاملاً للتكاليف الواصلة بالوصول الاحتمالي فباعثية التكليف و محركيته مولوياً مع الشك معقولة أيضاً، و ذلك لأنه يحقق موضوع حق الطاعة، و ان لم يكن حق الطاعة شاملاً للتكاليف المشكوكة فمن الواضح انه ليس من حق المولى ان يعاقب على مخالفتها لأنه ليس مولى بلحاظها بلا حاجة إلى هذه البيانات و التفصيلات. و هكذا نجد مرة أخرى ان روح البحث يجب ان يتجه إلى تحديد دائرة حق الطاعة.

و ثانياً:- ان التكليف الحقيقي الّذي ادعي كونه متقوماً بالوصول ان أراد به الجعل الشرعي للوجوب مثلا الناشئ من إرادة ملزمة للفعل و مصلحة ملزمة فيه فمن الواضح ان هذا محفوظ مع الشك أيضاً حتى لو قلنا بأنه غير منجز و ان المكلف الشاك غير ملزم بامتثاله عقلا لأن شيئاً من الجعل و الإرادة و المصلحة لا يتوقف على الوصول، و ان أراد به ما كان مقروناً بداعي البعث و التحريك فلنفترض ان هذا غير معقول بدون وصول الا ان ذلك لا ينهي البحث، لأن الشك في وجود جعل بمبادئه من الإرادة و المصلحة الملزمتين موجود على أي حال حتى و لو لم يكن مقروناً بداعي البعث و التحريك، و لا بد ان يلاحظ انه هل يكفي احتمال ذلك في التنجيز أو لا؟ و عدم تسمية ذلك بالتكليف الحقيقي مجرد اصطلاح و لا يغني عن بحث واقع الحال.

28

2- مسلك حق الطاعة:

و هكذا نصل إلى المسلك الثاني و هو مسلك حق الطاعة المختار، و نحن نؤمن في هذا المسلك بان المولوية الذاتيّة الثابتة للَّه سبحانه و تعالى لا تختص بالتكاليف المقطوعة بل تشمل مطلق التكاليف الواصلة و لو احتمالا، و هذا من مدركات العقل العملي و هي غير مبرهنة فكما ان أصل حق الطاعة للمنعم و الخالق مدرك أولي للعقل العملي غير مبرهن كذلك حدوده سعة و ضيقاً، و عليه فالقاعدة العملية الأولية هي أصالة الاشتغال بحكم العقل ما لم يثبت الترخيص الجاد في ترك التحفظ على ما تقدم في مباحث القطع، فلا بد من الكلام عن هذا الترخيص و إمكان إثباته شرعاً و هو ما يسمى بالبراءة الشرعية.

29

الوظيفة الثانوية في حالة الشك‏

و القاعدة العملية الثانوية في حالة الشك التي ترفع موضوع القاعدة الأولى هي البراءة الشرعية و يقع الكلام عن إثباتها في مبحثين: أحدهما: في أدلتها. و الآخر: في الاعتراضات العامة التي قد توجه إلى تلك الأدلة بعد افتراض دلالتها:

1 أدلة البراءة الشرعية

و قد استدل عليها بالكتاب الكريم و السنة.

أدلة البراءة من الكتاب:

اما من الكتاب الكريم فقد استدل بعدة آيات:

منها: قوله سبحانه و تعالى: لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا ما آتاها (1)

____________

(1) سورة الطلاق- 7.

30

بدعوى ان اسم الموصول يشمل التكليف بالإطلاق كما يشمل المال و الفعل فيدل على انه لا يكلف بتكليف الا إذا أتاه و إيتاء التكليف معناه عرفاً وصوله إلى المكلف فتدل الآية على نفي الكلفة من ناحية التكاليف غير الواصلة.

و قد اعترض الشيخ الأنصاري (رحمه اللَّه) على دعوى إطلاق اسم الموصول باستلزامه استعمال الهيئة القائمة بالفعل و المفعول في معنيين لأن التكليف بمثابة المفعول المطلق و المال و الفعل بمثابة المفعول به و نسبة الفعل إلى مفعوله المطلق مغايرة لنسبته إلى المفعول به فكيف يمكن الجمع بين النسبتين في استعمال واحد؟

و هناك جوابان على هذا الاعتراض:

الأول:- ما ذكره المحقق العراقي (رحمه اللَّه) من أخذ الجامع بين النسبتين. و يرد عليه انه ان أريد الجامع الحقيقي بينهما فهو مستحيل لما تقدم في مبحث المعاني الحرفية من امتناع انتزاع الجامع الحقيقي بين النسب، و ان أريد بذلك افتراض نسبة ثالثة مباينة للنسبتين الا انها تلائم المفعول المطلق و المفعول به معاً فلا معين لإرادتها من الكلام على تقدير تصور نسبة من هذا القبيل.

الثاني:- و هو الجواب الصحيح. و حاصله: ان مادة الفعل في الآية هي الكلفة بمعنى الإدانة و لا يراد بإطلاق اسم الموصول شموله لذلك بل لذات الحكم الشرعي الّذي هو موضوع للإدانة فهو إذن مفعول به فلا إشكال.

ثم ان البراءة التي تستفاد من هذه الآية الكريمة ان كانت بمعنى نفي الكلفة بسبب التكليف غير المأتي فلا ينافيها ثبوت الكلفة بسبب وجوب الاحتياط إذا تم الدليل عليه فلا تنفع في معارضة أدلة وجوب الاحتياط، و ان كانت البراءة بمعنى نفي الكلفة في مورد التكليف غير المأتي فهي تنفي وجوب الاحتياط و تعارض مع ما يدعى من أدلته، و الظاهر هو الحمل على‏

31

الموردية لا السببية لأن هذا هو المناسب بلحاظ الفعل و المال أيضاً فالاستدلال بالآية جيد.

و بالنسبة إلى مدى الشمول فيها لا شك في شمولها للشبهات الوجوبية و التحريمية معاً بل للشبهات الحكمية و الموضوعية معاً لأن الإيتاء ليس بمعنى إيتاء الشارع بما هو شارع ليختص بالشبهات الحكمية بل بمعنى الإيتاء التكويني لأنه المناسب للمال و للفعل. كما ان الظاهر عدم الإطلاق في الآية لحالة عدم الفحص لأن إيتاء التكليف تكفي فيه عرفاً مرتبة من الوصول و هي الوصول إلى مظان العثور بالفحص.

و منها: قوله سبحانه و تعالى: وَ ما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا (1) و تقريب الاستدلال واضح بعد حمل كلمة رسول على المثال للبيان. و قد يعترض على ذلك تارة بأن الآية الكريمة إنما تنفي العقاب لا استحقاقه و هذا لا ينافي تنجز التكليف المشكوك إذ لعله من باب العفو ...

و أخرى بأنها ناظرة إلى العقاب الرباني في الدنيا للأمم السالفة و هذا غير محل البحث.

و الجواب على الأول: ان ظاهر النفي في الآية انه هو الطريقة العامة للشارع التي لا يناسبه غيرها كما يظهر من مراجعة أمثال هذا التركيب عرفاً و هذا معناه عدم الاستحقاق، و منه يظهر الجواب على الاعتراض الثاني لأن النكتة مشتركة مضافاً إلى منع نظر الآية إلى العقوبات الدنيوية بل سياقها سياق استعراض عدة قوانين للجزاء الأخروي إذ وردت في سياق‏ لا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى‏ فان هذا شأن عقوبات اللَّه في الآخرة لا في الدنيا، و لا منشأ لدعوى النّظر المذكور الا ورود التعبير بصيغة الماضي في قوله (و ما كنا) و هذا بنكتة إفادة الشأنية و المناسبة و لا يتعين ان يكون بلحاظ النّظر إلى الزمان الماضي خاصة.

____________

(1) الإسراء- 15.

32

و لكن يرد على الاستدلال بالآية الكريمة ما تقدم في الحلقة السابقة من ان الرسول انما يمكن أخذه كمثال لصدور البيان من الشارع لا للوصول الفعلي فلا تنطبق الآية في موارد صدوره و عدم وصوله. ثم ان البراءة إذا استفيدت من هذه الآية فهي براءة منوطة بعدم قيام دليل على وجوب الاحتياط لأن هذا الدليل بمثابة الرسول أيضاً.

و منها: قوله تعالى: قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلى‏ طاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَ لا عادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ‏ (1) إذ دل عَلى ان عدم الوجدان كاف في إطلاق العنان. و يرد عليه:

أولاً: ان عدم وجدان النبي فيما أوحي إليه يساوق عدم الحرمة واقعاً.

و ثانياً:- انه ان لم يساوق عدم الحرمة واقعاً فعلى الأقل يساوق عدم صدور بيان من الشارع إذ لا يحتمل صدوره و اختفاؤه على النبي، و أين هذا من عدم الوصول الناشئ من احتمال اختفاء البيان.

و ثالثاً:- ان إطلاق العنان كما قد يكون بلحاظ أصل عملي قد يكون بلحاظ عمومات الحل التي لا يرفع اليد عنها الا بمخصص و أصل.

و منها: قوله تعالى: وَ ما كانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَداهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ ما يَتَّقُونَ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْ‏ءٍ عَلِيمٌ‏ (2).

و تقريب الاستدلال كما تقدم في الحلقة السابقة، و ما يتقى ان أريد به ما يتقى بعنوانه انحصر بالمخالفة الواقعية للمولى فتكون البراءة المستفادة من‏

____________

(1) الأنعام 145.

(2) التوبة 114.

33

الآية الكريمة منوطة بعدم بيان الواقع، و ان أريد به ما يتقى و لو بعنوان ثانوي ظاهري كعنوان المخالفة الاحتمالية كان دليل وجوب الاحتياط وارداً على هذه البراءة لأنه بيان لما يتقى بهذا المعنى.

أدلة البراءة من السنة:

و استدل من السنة بروايات:

منها: ما روي عن الصادق (عليه السلام) من قوله: «كل شي‏ء مطلق حق يرد فيه نهي» (1). و في الرواية نقطتان لا بد من بحثهما:

الأولى: ان الورود هل هو بمعنى الوصول ليكون مفاد الرواية البراءة بالمعنى المقصود أو الصدور لئلا يفيد في حالة احتمال صدور البيان من الشارع مع عدم وصوله؟.

الثانية: ان النهي الّذي جعل غاية هل يشمل النهي الظاهري المستفاد من أدلة وجوب الاحتياط أو لا؟. فعل الأول تكون البراءة المستفادة ثابتة بدرجة يصلح دليل وجوب الاحتياط للورود عليها، و على الثاني تكون بنفسها نافية لوجوب الاحتياط.

اما النقطة الأولى: فقد يقال بتردد الورود بين الصدور و الوصول و هو موجب للإجمال الكافي لإسقاط الاستدلال و قد تعين إرادة الوصول بأحد وجهين:

الأول:- ما ذكره السيد الأستاذ من ان المغيا حكم ظاهري فيتعين ان تكون الغاية هي الوصول لا الصدور لأن كون الصدور غاية يعني ان الإباحة لا تثبت الا مع عدم الصدور واقعاً و لا يمكن إحرازها الا بإحراز عدم الصدور و مع إحرازه لا شك فلا مجال للحكم الظاهري. فان قيل:

____________

(1) جامع أحاديث الشيعة: أبواب المقدمات- الباب الثامن- ح 15.

34

لما ذا لا يفترض كون المغيا إباحة واقعية. كان الجواب منه ان الإباحة الواقعية و النهي الواقعي الّذي جعل غاية متضادان فان أريد تعليق الأولى على عدم الثاني حقيقة فهو محال لاستحالة مقدمية عدم أحد الضدين للضد الآخر، و ان أريد مجرد بيان ان هذا الضد ثابت حيث لا يكون ضده ثابتاً فهذا لغو من البيان لوضوحه.

و يرد على هذا الوجه: ان النهي عبارة عن الخطاب الشرعي الكاشف عن التحريم و ليس هو التحريم نفسه، و القضاء نفسه لا يقتضي تعليق أحد الضدين على عدم الضد الآخر و لا على عدم الكاشف عن الضد الآخر، و لكن لا محذور في ان توجد نكتة. أحياناً تقتضي إناطة حكم بعدم الكاشف عن الحكم المضاد له و مرجع ذلك في المقام إلى ان تكون فعلية الحرمة بمبادئها منوطة بصدور الخطاب الشرعي الدال عليها نظير ما قيل من ان العلم بالحكم من طريق مخصوص يؤخذ في موضوعه.

الثاني:- ان الورود يستبطن دائماً حيثية الوصول و لهذا لا يتصور بدون مورود عليه، و لكن هذا المقدار لا يكفي أيضاً إذ يكفي لإشباع هذه الحيثية ملاحظة نفس المتعلق موروداً عليه، فالاستدلال بالرواية إذن غير تام، و عليه فلا أثر للحديث عن النقطة الثانية.

و منها: حديث الرفع المروي عن النبي (صلى اللَّه عليه و آله). و نصه «رفع عن أمتي تسعة: الخطأ، و النسيان، و ما أكرهوا عليه، و ما لا يعلمون، و ما لا يطيقون، و ما اضطروا إليه، و الحسد، و الطيرة، و التفكر في الوسوسة في الخلق، ما لم ينطق بشفة» (1). و البحث حول هذا الحديث يقع على ثلاث مراحل:

المرحلة الأولى: في فقه الحديث على وجه الإجمال، و النقطة المهمة في هذه المرحلة تصوير الرفع الوارد فيه فانه لا يخلو عن إشكال لوضوح ان‏

____________

(1) جامع أحاديث الشيعة: أبواب المقدمات- الباب الثامن- ح 3.

35

كثيراً مما فرض رفعه في الحديث أمور تكوينية ثابتة وجداناً، و من هنا كان لا بد من بذل عناية في تصحيح هذا الرفع، و ذلك اما بالتقدير بحيث يكون المرفوع امراً مقدراً قابلاً للرفع حقيقة كالمؤاخذة مثلا، و اما بجعل الرفع منصباً على نفس الأشياء المذكورة و لكن بلحاظ وجودها في علم التشريع بالنحو المناسب من الوجود لموضوع الحكم و متعلقه في هذا العالم، فشرب الخمر المضطر إليه يرفع وجوده التشريعي بما هو متعلق للحرمة و روح ذلك رفع الحكم، و اما بصب الرفع على نفس الأشياء المذكورة بوجوداتها التكوينية و لكن يفترض ان الرفع تنزيلي و ليس حقيقياً فالشرب المذكور نزل منزلة العدم خارجاً فلا حرمة و لا حد. و لا شك في ان دليل الرفع على الاحتمالات الثلاثة جميعاً يعتبر حاكماً على أدلة الأحكام الأولية باعتبار نظره إليها، و هذا النّظر اما ان يكون إلى جانب الموضوع من تلك الأدلة كما هو الحال على الاحتمال الثالث فيكون على وزان (لا ربا بين الوالد و ولده)، أو يكون إلى جانب المحمول أي الحكم مباشرة كما هو الحال على الاحتمال الأول إذا قدرنا الحكم فيكون على وزان (لا ضرر)، أو يكون إلى جانب المحمول و لكن منظوراً إليه بنظر عنائي كما هو الحال على الاحتمال الثاني لأن النّظر فيه إلى الثبوت التشريعي للموضوع و هو عين الثبوت التشريعي للحكم فيكون على وزان (لا رهبانية في الإسلام).

و الظاهر ان أبعد الاحتمالات الثلاثة الاحتمال الأول لأنه منفي بأصالة عدم التقدير. فان قيل: كما ان التقدير عناية كذلك توجيه الرفع إلى الوجود التشريعي مثلا. كان الجواب: ان هذه عناية يقتضيها نفس ظهور حال الشارع في ان الرفع صادر منه بما هو شارع و بما هو إنشاء لا اخبار بخلاف عناية التقدير فانها خلاف الأصل حتى في كلام الشارع بما هو مستعمل، كما ان الظاهر ان الاحتمال الثاني اقرب من الثالث لأن بعض المرفوعات مما ليس له وجود خارجي ليتعقل في شأنه رفعه بمعنى تنزيل وجوده الخارجي منزلة العدم كما في (ما لا يطيقون). فالمتعين إذن هو الاحتمال الثاني.

36

و تترتب بعض الثمرات على هذه الاحتمالات الثلاثة، فعلى الأول يكون المقدر غير معلوم و لا بد من الاقتصار فيه على القدر المتيقن من الآثار، خلافاً للآخرين إذ يتمسك بناء عليهما بإطلاق الرفع لنفي تمام الآثار، كما انه على الثالث قد يستشكل في شمول حديث الرفع لما إذا اضطر إلى الترك مثلا لأن نفي الترك خارجاً عبارة عن وضع الفعل و حديث الرفع يتكفل الرفع لا الوضع، و خلافاً لذلك ما إذا أخذنا بالاحتمال الثاني إذ لا محذور حينئذ في تطبيق الحديث على الترك المضطر إليه لأن المرفوع ثبوته التشريعي فيما إذا كان موضوعاً أو متعلقاً لحكم، و رفع هذا النحو من ثبوته ليس عبارة عن وضع الفعل إذ ليس معناه الا عدم كونه موضوعاً أو متعلقاً للحكم و هذا لا يعني جعل الفعل موضوعاً كما هو واضح.

و على أي حال فحديث الرفع يدل على ان الإنسان إذا شرب المسكر اضطراراً أو أكره على ذلك فلا حرمة و لا وجوب للحد، كما انه إذا أكره على معاملة فلا يترتب عليها مضمونها نعم يختص الرفع بما إذا كان في الرفع امتنان على العباد لأن الحديث مسوق مساق الامتنان، و من أجل ذلك لا يمكن تطبيق الحديث على البيع المضطر إليه لإبطاله لأن إبطاله يعين إيقاع المضطر في المحذور و هو خلاف الامتنان، بخلاف تطبيقه على البيع المكره عليه فان إبطاله يعني تعجيز المكره عن التوصل إلى غرضه بالإكراه.

المرحلة الثانية: في فقرة الاستدلال و هي رفع ما لا يعلمون، و كيفية الاستدلال بها. و توضيح الحال في ذلك: ان الرفع هنا اما واقعي و اما ظاهري، و قد يقال: ان الاستدلال على المطلوب تام على التقديرين لأن المطلوب إثبات إطلاق العنان و إيجاد معارض لدليل وجوب الاحتياط لو تم و كلا الأمرين يحصل بإثبات الرفع الواقعي أيضاً كما يحصل بالظاهري.

و لكن الصحيح عدم اطراد المطلوب على تقدير حمل الرفع على الواقعي إذ كثيراً ما يتفق العلم أو قيام دليل على عدم اختصاص التكليف المشكوك على تقدير ثبوته بالعالم ففي مثل ذلك يجب الالتزام بتخصيص حديث الرفع مع الحمل على الواقعية خلافاً لما إذا حمل على الرفع الظاهري. نعم يكفي‏

37

للمطلوب عدم ظهور الحديث في الرفع الواقعي إذ حتى مع الإجمال يصح الرجوع إلى حديث الرفع في الفرض المذكور لعدم إحراز وجود المعارض أو المخصص لحديث الرفع حينئذ.

و على أي حال فقد يقال: ان ظاهر الرفع كونه واقعياً لأن الحمل على الظاهري يحتاج إلى عناية اما بجعل المرفوع وجوب الاحتياط تجاه ما لا يعلم لا نفسه- و هو خلاف الظاهر جداً- و اما بتطعيم الظاهرية في نفس الرفع بان يفترض ان التكليف له وضعان و رفعان واقعي و ظاهري فوجوب الاحتياط وضع ظاهري للتكليف الواقعي و نفي هذا الوجوب رفع ظاهري له. و كل ذلك عناية فيتعين الحمل على الرفع الواقعي.

و الجواب على ذلك بوجهين:

الوجه الأول: ما عن المحقق العراقي (قدس اللَّه روحه) من ان الحديث لما كان امتنانيا و الامتنان يرتبط برفع التكليف الواقعي المشكوك ببعض مراتبه أي برفع وجوب الاحتياط من ناحيته سواء رفعت المراتب الأخرى أو لا فلا يكون الرفع في الحديث شاملاً لتلك المراتب فالامتنان قرينة محددة للمقدار المرفوع.

و يمكن الاعتراض على هذا الوجه بان الامتنان و ان كان يحصل بنفي إيجاب الاحتياط و لا يتوقف على نفي الواقع و لكن لما كان نفي إيجاب الاحتياط بنفسه قد يكون بنفي الواقع رأساً أمكن أن تكون التوسعة الممتن بها مترتبة على نفي الواقع و لو بالواسطة، و لا يقتضي ظهور الحديث في الامتنان سوى كون مفاده منشأ للتوسعة و الامتنان و لو بالواسطة.

الوجه الثاني: ان الرفع إذا كان واقعياً فهذا يعني أخذ العلم بالتكليف فيه، فان كان بمعنى أخذ العلم بالتكليف المجعول قيداً فيه فهو مستحيل ثبوتاً كما تقدم، و ان كان بمعنى أخذ العلم بالجعل قيداً في المجعول فهو ممكن ثبوتاً و لكنه خلاف ظاهر الدليل جداً لأن لازم ذلك ان يكون المرفوع غير المعلوم لأن الأول هو المجعول و الثاني هو الجعل مع ظهور

38

الحديث في أن العلم و الرفع يتبادلان على مصب واحد، و هذا بنفسه كاف لجعل الحديث ظاهراً في الرفع الظاهري و بذلك يثبت المطلوب.

المرحلة الثالثة: في شمول فقرة الاستدلال للشبهات الموضوعية و الحكمية، إذ قد يتراءى انه لا يتأتى ذلك لأن المشكوك في الشبهة الحكمية هو التكليف و المشكوك في الشبهة الموضوعية الموضوع فليس المشكوك فيهما من سنخ واحد ليشملهما دليل واحد. و التحقيق ان الشمول يتوقف على امرين: أحدهما: تصوير جامع مناسب بين المشكوكين في الشبهتين ليكون مصباً للرفع، و الآخر: عدم وجود قرينة في الحديث على الاختصاص.

اما الأمر الأول: فقد قدم المحققون تصويرين للجامع:

التصوير الأول:- ان الجامع هو الشي‏ء باعتباره عنواناً ينطبق على التكليف المشكوك في الشبهة الحكمية و الموضوع المشكوك في الشبهة الموضوعية.

و قد اعترض صاحب الكفاية على ذلك بأن اسناد الرفع إلى التكليف حقيقي و اسناده إلى الموضوع مجازي و لا يمكن الجمع بين الإسنادين الحقيقي و المجازي.

و حاول المحقق الأصفهاني ان يدفع هذا الاعتراض بان من الممكن ان يجتمع وصفا الحقيقة و المجازية في اسناد واحد باعتبارين فبما هو اسناد للرفع إلى هذه الحصة من الجامع حقيقي و بما هو اسناد له إلى الأخرى مجازي.

و هذه المحاولة ليست صحيحة، إذ ليس المحذور في مجرد اجتماع هذين الوصفين في اسناد واحد، بل يدعى ان نسبة الشي‏ء إلى ما هو له مغايرة ذاتاً لنسبة الشي‏ء إلى غير ما هو له، فان كان الإسناد في الكلام مستعملا لإفادة إحدى النسبتين اختص بما يناسبها، و ان كان مستعملا لإفادتهما معاً فهو استعمال لهيئة الإسناد في معنيين و لا جامع حقيقي بين‏

39

النسب لتكون الهيئة مستعملة فيه. و الصحيح ان يقال: ان اسناد الرفع مجازي حتى إلى التكليف لأن رفعه ظاهري عنائي و ليس واقعياً.

التصوير الثاني:- ان الجامع هو التكليف و هو يشمل الجعل بوصفه تكليفاً للموضوع الكلي المقدر الوجود و يشمل المجعول بوصفه تكليفاً للفرد المحقق الوجود، و في الشبهة الحكمية يشك في التكليف بمعنى الجعل و في الشبهة الموضوعية يشك في التكليف بمعنى المجعول و هذا تصوير معقول أيضا بعد الإيمان بثبوت جعل و مجعول كما عرفت سابقاً.

و اما الأمر الثاني: فقد يقال: بوجود قرينة على الاختصاص بالشبهة الموضوعية من ناحية وحدة السياق كما قد يدعى العكس و قد تقدم الكلام عن ذلك في الحلقة السابقة و اتضح انه لا قرينة على الاختصاص فالإطلاق تام.

و هناك روايات أخرى استدل بها للبراءة تقدم الكلام عن جملة منها في الحلقة السابقة و عن قصور دلالتها أو عدم شمولها للشبهات الحكمية فلاحظ.

كما يمكن التعويض عن البراءة بالاستصحاب و ذلك بإجراء استصحاب عدم جعل التكليف أو استصحاب عدم فعلية التكليف المجعول، و زمان الحالة السابقة بلحاظ الاستصحاب الأول بداية الشريعة و بلحاظ الاستصحاب الثاني زمان ما قبل البلوغ مثلا، بل قد يكون زمان ما بعد البلوغ أيضاً كما إذا كان المشكوك تكليفاً مشروطاً و تحقق الشرط بعد البلوغ فبالإمكان استصحاب عدمه الثابت قبل ذلك.

40

الاعتراضات العامة

و يعترض على أدلة البراءة المتقدمة باعتراضين أساسيين:

أحدهما: انها معارضة بأدلة تدل على وجوب الاحتياط بل هذه الأدلة حاكمة عليها لأنها بيان للوجوب و تلك تتكفل جعل البراءة في حالة عدم البيان.

و الاعتراض الآخر: ان أدلة البراءة تختص بموارد الشك البدوي و الشبهات الحكمية ليست مشكوكات بدوية بل هي مقرونة بالعلم الإجمالي بثبوت تكاليف غير معينة في مجموع تلك الشبهات.

اما الاعتراض الأول فنلاحظ عليه عدة نقاط:

الأولى:- ان ما استدل به على وجوب الاحتياط ليس تاماً كما يظهر باستعراض الروايات التي ادعيت دلالتها على ذلك و قد تقدم في الحلقة السابقة استعراض عدد مهم منها مع مناقشة دلالتها، نعم جملة منها تدل على الترغيب في الاحتياط و الحث عليه و لا كلام في ذلك.

الثانية:- ان أدلة وجوب الاحتياط المدعاة ليست حاكمة على أدلة البراءة المتقدمة لما اتضح سابقاً من ان جملة منها تثبت البراءة المنوطة بعدم وصول الواقع فلا يكون وصول وجوب الاحتياط رافعاً لموضوعها بل يحصل التعارض حينئذ بين الطائفتين من الأدلة.

41

الثالثة:- إذا حصل التعارض بين الطائفتين فقد يقال بتقديم أدلة وجوب الاحتياط لأن ما يعارضها من أدلة البراءة القرآنية الآية الأولى على أساس الإطلاق في اسم الموصول فيها للتكليف و هذا الإطلاق يقيد بأدلة وجوب الاحتياط، و ما يعارضها من أدلة البراءة في الروايات حديث الرفع و هي أخص منه أيضاً لورودها في الشبهات الحكمية و شموله للشبهات الحكمية و الموضوعية فيقيد بها.

و لكن التحقيق ان النسبة بين أدلة وجوب الاحتياط و الآية الكريمة هي العموم من وجه، لشمول تلك الأدلة موارد عدم الفحص و اختصاص الآية بموارد الفحص كما تقدم عند الكلام عن دلالتها، فهي كما تعتبر أعم بلحاظ شمولها للفعل و المال كذلك تعتبر أخص بلحاظ ما ذكرناه و مع التعارض بالعموم من وجه يقدم الدليل القرآني لكونه قطعياً. كما ان النسبة بين أدلة وجوب الاحتياط و حديث الرفع العموم من وجه أيضاً، لعدم شموله موارد العلم الإجمالي و شمول تلك الأدلة لها، و يقدم حديث الرفع في مادة الاجتماع و التعارض لكونه موافقاً لا طلاق الكتاب و مخالفة معارض له.

و لو تنزلنا عما ذكرناه مما يوجب ترجيح دليل البراءة و افترضا التعارض و التساقط أمكن الرجوع إلى البراءة العقلية على مسلك قاعدة قبح العقاب بلا بيان و أمكن الرجوع إلى دليل الاستصحاب كما أوضحنا ذلك في الحلقة السابقة.

و اما الاعتراض الثاني: بوجود العلم الإجمالي فقد أجيب عليه بجوابين:

الجواب الأول:- ان العلم الإجمالي المذكور منحل بالعلم الإجمالي بوجود التكاليف في دائرة اخبار الثقات وفقاً لقاعدة انحلال العلم الإجمالي الكبير بالعلم الإجمالي الصغير لتوفر كلا شرطي القاعدة فيها فان أطراف العلم الصغير بعض أطراف الكبير و لا يزيد عدد المعلوم بالعلم الكبير على‏

42

عدد المعلوم بالعلم الصغير، و مع الانحلال تكون الشبهة خارج نطاق العلم الصغير بدوية فتجري البراءة في كل شبهة لم يقم على ثبوت التكليف فيها أمارة معتبرة من اخبار الثقات و نحوها و هذا هو المطلوب.

و هذا الجواب ليس تاماً إذ كما يوجد علم إجمالي صغير بوجود التكاليف في نطاق الأمارات المعتبرة من اخبار الثقات و نحوها .. كذلك يوجد علم إجمالي صغير بوجود التكاليف في نطاق الأمارات غير المعتبرة إذ لا يحتمل عادة و بحساب الاحتمالات كذبها جميعاً فهناك إذن علمان إجماليان صغيران، و النطاقان و ان كانا متداخلين جزئياً لأن الأمارات المعتبرة و غير المعتبرة قد تجتمع و لكن مع هذا يتعذر الانحلال لأن المعلومين بالعلمين الإجماليين الصغيرين ان لم يكن من المحتمل تطابقهما المطلق فهذا يعني ان عدد المعلوم من التكاليف في مجموع الشبهات أكبر من عدد المعلوم بالعلم الإجمالي الصغير المفترض في دائرة اخبار الثقات و بذلك يختل الشرط الثاني من الشرطين المتقدمين لقاعدة انحلال العلم الإجمالي الكبير بالصغير، و ان كان من المحتمل تطابقهما المطلق فشرطا القاعدة متوفران بالنسبة إلى كل من العلمين الإجماليين الصغيرين في نفسه فافتراض ان أحدهما يوجب الانحلال دون الآخر بلا موجب.

الجواب الثاني:- ان العلم الإجمالي الّذي تضم أطرافه كل الشبهات يسقط عن المنجزية باختلال الركن الثالث من الأركان الأربعة التي يتوقف عليها تنجيزه و قد تقدم شرحها في الحلقة السابقة، و ذلك لأن جملة من أطرافه قد تنجزت فيها التكاليف بالأمارات و الحجج الشرعية المعتبرة من ظهور آية و خبر ثقة و استصحاب مثبت للتكليف و في كل حالة من هذا القبيل تجري البراءة في بقية الأطراف و يسمى ذلك بالانحلال الحكمي كما تقدم.

و قد قيل في تقريب فكرة الانحلال الحكمي في المقام- كما عن السيد الأستاذ- بان العلم الإجمالي متقوم بالعلم بالجامع و الشك في كل طرف،

43

و دليل حجية الأمارة المثبتة للتكليف في بعض الأطراف لما كان مفاده جعل الطريقية فهو يلغي الشك في ذلك الطرف و يتعبد بعدمه، و هذا بنفسه إلغاء تعبدي للعلم الإجمالي.

و يرد على هذا التقريب: ان الملاك في وجوب الموافقة القطعية للعلم الإجمالي هو التعارض بين الأصول في أطرافه كما تقدم و ليس هو العلم الإجمالي بعنوانه فلا أثر للتعبد بإلغاء هذا العنوان و انما يكون تأثيره عن طريق رفع التعارض و ذلك بإخراج موارد الأمارات المثبتة للتكليف عن كونها مورداً لأصالة البراءة لأن الأمارة حاكمة على الأصل فتبقى الموارد الأخرى مجرى لأصل البراءة بدون معارض، و بذلك يختل الركن الثالث و يتحقق الانحلال الحكمي من دون فرق بين ان نقول بمسلك جعل الطريقية و إلغاء الشك بدليل الحجية أولا.

تحديد مفاد البراءة:

و بعد ان اتضح ان البراءة تجري عند الشك لوجود الدليل عليها و عدم المانع .. يجب ان نعرف ان الضابط في جريانها ان يكون الشك في التكليف لأن هذا هو موضوع دليل البراءة، و اما إذا كان التكليف معلوماً و الشك في الامتثال فلا تجري البراءة و انما تجري أصالة الاشتغال لأن الشغل اليقيني يستدعي الفراغ اليقيني و هذا واضح على مسلكنا المتقدم القائل بان الامتثال و العصيان ليسا من مسقطات التكليف بل من أسباب انتهاء فاعليته، إذ على هذا المسلك لا يكون الشك في الامتثال شكاً في فعلية التكليف فلا موضوع لدليل البراءة بوجه، و اما إذا قيل بان الامتثال من مسقطات التكليف فالشك فيه شك في التكليف لا محالة. و من هنا قد يتوهم تحقق موضوع البراءة و إطلاق أدلتها لمثل ذلك، و لا بد للتخلص من ذلك اما من دعوى انصراف أدلة البراءة إلى الشك الناشئ من غير ناحية الامتثال أو التمسك بأصل موضوعي حاكم و هو استصحاب عدم الامتثال.

44

ثم بعد الفراغ عن الفرق بين الشك في التكليف و الشك في الامتثال- أي المكلف به- باتخاذ الأول ضابطاً للبراءة و الثاني ضابطاً لأصالة الاشتغال .. يقع الكلام في ميزان التمييز الّذي به يعرف كون الشك في التكليف لكي تجري البراءة، و هذا الميزان انما يراد في الشبهات الموضوعية التي قد يحتاج التمييز فيها إلى دقة دون الشبهات الحكمية التي يكون الشك فيها عادة شكاً في التكليف كما هو واضح.

و توضيح الحال في المقام: ان الشبهة الموضوعية تستبطن دائماً الشك في أحد أطراف الحكم الشرعي، إذ لو كانت كلها معلومة فلا يتصور شك الا من أصل حكم الشارع و تكون الشبهة حينئذ حكمية، و هذه الأطراف هي عبارة عن قيد التكليف و متعلقه و متعلق المتعلق له المسمى بالموضوع الخارجي، فحرمة شرب الخمر المشروطة بالبلوغ قيدها (البلوغ) و متعلقها (الشرب) و متعلق متعلقها (الخمر)، و خطاب (أكرم عالماً إذا جاء العيد) قيد الوجوب فيه (مجي‏ء العيد) و متعلقه (الإكرام) و متعلق متعلقه (العالم).

فان كان الشك في صدور المتعلق مع إحراز القيود و الموضوع الخارجي فهذا شك في الامتثال بلا إشكال و تجري أصالة الاشتغال، لأن التكليف معلوم و لا شك فيه لبداهة أن فعلية التكليف غير منوطة بوجود متعلقه خارجاً و انما الشك في الخروج عن عهدته فلا مجال للبراءة.

و اما إذا كان الشك في الموضوع الخارجي، كما إذا لم يحرز كون فرد ما مصداقاً للموضوع الخارجي، فان كان إطلاق التكليف بالنسبة إليه شمولياً جرت البراءة لأن الشك حينئذ يستبطن الشك في التكليف الزائد، كما إذا قيل (لا تشرب الخمر) و (أكرم الفقراء) و شك في ان هذا خمر و في أن ذاك فقير. و ان كان إطلاق التكليف بالنسبة إليه بدلياً لم تجر البراءة، كما إذا ورد (أكرم فقيراً) و شك في ان زيداً فقير فلا يجوز الاكتفاء بإكرامه لأن الشك المذكور لا يستبطن الشك في تكليف زائد بل في سعة

45

دائرة البدائل الممكن امتثال التكليف المعلوم ضمنها.

و على هذا الضوء يعرف أن لجريان البراءة اذن ميزانان:

أحدهما: ان يكون المشكوك من قيود التكليف الدخيلة في فعليته.

و الآخر: ان يكون إطلاق التكليف بالنسبة إليه شمولياً لا بدلياً.

فان قيل: ان مرد الشك في الموضوع الخارجي إلى الشك في قيد التكليف لأن الموضوع قيد فيه فحرمة شرب الخمر مقيدة بوجود الخمر خارجاً فمع الشك في خمرية المائع يشك في فعلية التكليف المقيد و تجري البراءة و بهذا يمكن الاقتصار على الميزان الأول فقط كما يظهر من كلمات المحقق النائيني (قدس اللَّه روحه).

كان الجواب: انه ليس من الضروري دائماً ان يكون متعلق المتعلق مأخوذاً قيداً في التكليف سواء كان إيجاباً أو تحريماً و انما قد تتفق ضرورة ذلك فيما إذا كان امراً غير اختياري كالقبلة مثلا، و عليه فإذا افترضنا ان حرمة شرب الخمر لم يؤخذ وجود الخمر خارجاً قيداً فيها على نحو كانت الحرمة فعلية حتى قبل وجود الخمر خارجاً .. صح مع ذلك إجراء البراءة عند الشك في الموضوع الخارجي لأن إطلاق التكليف بالنسبة إلى المشكوك شمولي.

و لكن بتدقيق أعمق نستطيع ان نرد الشك في خمرية المائع إلى الشك في قيد التكليف لا عن طريق افتراض تقيد الحرمة بوجود الخمر خارجاً، بل بتقريب: ان خطاب (لا تشرب الخمر) مرجعه إلى قضية شرطية مفادها: كلما كان مائع ما خمراً فلا تشربه، فحرمة الشرب مقيدة بان يكون المائع خمراً سواء وجد خارجاً أو لا، فإذا شك في ان الفقاع خمر أو لا مثلا جرت البراءة عن الحرمة فيه، و بهذا صح القول بان البراءة تجري كلما كان الشك في قيود التكليف و ان قيود التكليف تارة تكون على وزان مفاد كان التامة بمعنى إناطته بوجود شي‏ء خارجاً فيكون الوجود الخارجي قيداً،

46

و أخرى يكون على وزان مفاد كان الناقصة بمعنى إناطته باتصاف شي‏ء بعنوان فيكون الاتصاف قيداً، فإذا شك في الوجود الخارجي على الأول أو في الاتصاف على الثاني جرت البراءة و الا فلا.

و على هذا الضوء نستطيع ان نعمم فكرة قيود التكليف التي هي على وزان مفاد كان الناقصة على عنوان الموضوع و عنوان المتعلق معاً، فكما ان حرمة الشرب مقيدة بأن يكون المائع خمراً كذلك الحال في حرمة الكذب فان ثبوتها لكلام مقيد بان يكون الكلام كذباً فإذا شك في كون كلام كذباً كان ذلك شكاً في قيد التكليف.

و هكذا نستخلص: ان الميزان الأساسي لجريان البراءة هو الشك في قيود التكليف، و هي تارة على و زان مفاد كان التامة كالشك في وقوع الزلزلة التي هي قيد لوجوب صلاة الآيات .. و أخرى على وزان مفاد كان الناقصة بالنسبة إلى عنوان الموضوع كالشك في خمرية المائع، و ثالثة على و زان كان الناقصة بالنسبة إلى عنوان المتعلق كالشك في كون الكلام الفلاني كذباً.

استحباب الاحتياط:

عرفنا سابقاً عدم وجوب الاحتياط، و لكن ذلك لا يحول دون القول بمطلوبيته شرعاً و استحبابه، لما ورد في الروايات من الترغيب فيه، و الكلام في ذلك يقع في نقطتين:

النقطة الأولى: في إمكان جعل الاستحباب المولوي على الاحتياط ثبوتاً، إذ قد يقال بعدم إمكانه فيتعين حمل الأمر بالاحتياط على الإرشاد إلى حسنه عقلا، و ذلك لوجهين:

الأول:- انه لغو لأنه ان أريد باستحباب الاحتياط الإلزام به فهو غير معقول و ان أريد إيجاد محرك غير إلزاميّ نحوه فهذا حاصل بدون جعل الاستحباب، إذ يكفي فيه نفس التكليف الواقعي المشكوك بضم استقلال‏

47

العقل بحسن الاحتياط و استحقاق الثواب عليه فانه محرك بمرتبة غير إلزامية.

الثاني:- ان حسن الاحتياط كحسن الطاعة و قبح المعصية واقع في مرحلة متأخرة عن الحكم الشرعي و قد تقدم المسلك القائل بان الحسن و القبح الواقعين في هذه المرحلة لا يستتبعان حكماً شرعياً.

و كلا الوجهين غير صحيح.

اما الأول:- فلان الاستحباب المولوي للاحتياط اما ان يكون نفسياً لملاك وراء ملاكات الأحكام المحتاط بلحاظها و اما ان يكون طريقياً بملاك التحفظ على تلك الأحكام. و على كلا التقديرين لا لغوية اما على النفسيّة فلان محركيته مغايرة سنخاً لمحركية الواقع المشكوك فتتأكد إحداهما بالأخرى، و اما على الطريقية فلأن مرجعه حينئذ إلى إبراز مرتبة من اهتمام المولى بالتحفظ على الملاكات الواقعية في مقابل إبراز نفي هذه المرتبة من الاهتمام أيضاً، و من الواضح ان درجة محركية الواقع المشكوك تابعة لما يحتمل أو يحرز من مراتب اهتمام المولى به.

و اما الوجه الثاني:- فلو سلم المسلك المشار إليه فيه لا ينفع في المقام، إذ ليس المقصود استكشاف الاستحباب الشرعي بقانون الملازمة و استتباع الحسن العقلي للطلب الشرعي ليرد ما قيل، بل هو ثابت بدليله و انما الكلام عن المحذور المانع عن ثبوته و لهذا فان متعلق الاستحباب عبارة عن تجنب مخالفة الواقع المشكوك و لو لم يكن بقصد قربي و العقل انما يستقل بحسن التجنب الانقيادي و القربي خاصة.

النقطة الثانية: ان الاحتياط متى ما أمكن فهو مستحب كما عرفت و لكن قد يقع البحث في إمكانه في بعض الموارد. و توضيح ذلك: انه إذا احتمل كون فعل ما واجباً عبادياً فان كانت أصل مطلوبيته معلومة أمكن الاحتياط بالإتيان به بقصد الأمر المعلوم تعلقه به و ان لم يعلم كونه وجوباً

48

أو استحباباً فان هذا يكفي في وقوع الفعل عبادياً و قربياً، و اما إذا كانت أصل مطلوبيته غير معلومة فقد يستشكل في إمكان الاحتياط حينئذ، لأنه ان أتى به بلا قصد قربي فهو لغو جزماً و ان أتى به بقصد امتثال الأمر فهذا يستبطن افتراض الأمر و البناء على وجوده مع ان المكلف شاك فيه و هو تشريع محرم فلا يقع الفعل عبادة لتحصل به موافقة التكليف الواقعي المشكوك.

و قد يجاب على ذلك بوجود أمر معلوم و هو نفس الأمر الشرعي الاستحبابي بالاحتياط فيقصد المكلف امتثال هذا الأمر، و كون الأمر بالاحتياط توصلياً لا تتوقف موافقته على قصد امتثاله لا ينافي ذلك لأن ضرورة قصد امتثاله في باب العبادات لم تنشأ من ناحية عبادية نفس الأمر بالاحتياط بل من عبادية ما يحتاط فيه.

و لكن التحقيق عدم الحاجة إلى هذا الجواب، لأن التحرك عن احتمال الأمر بنفسه قربي كالتحرك عن الأمر المعلوم فلا يتوقف وقوع الفعل عبادة على افتراض امر معلوم بل يكفي الإتيان به رجاء.

49

الوظيفة في حالة العلم الإجمالي‏

50

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

51

الوظيفة العملية في حالة الشك 2 1- قاعدة منجزية العلم الإجمالي.

2- أركان منجزية العلم الإجمالي.

3- تطبيقات منجزية العلم الإجمالي.

52

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

53

كل ما تقدم كان في تحديد الوظيفة العملية في حالات الشك البدوي. و الآن نتكلم عن الشك في حالات العلم الإجمالي. و البحث حول ذلك يقع في ثلاثة فصول:

الأول: في أصل قاعدة منجزية العلم الإجمالي.

و الثاني: في أركان هذه القاعدة.

و الثالث: في بعض تطبيقاتها كما يأتي تباعاً إن شاء اللَّه تعالى.

54

1 قاعدة مُنجزيَّةِ العِلْمِ الإِجْمالي‏

و الكلام في هذه القاعدة يقع في ثلاثة أمور:

الأمر الأول: في أصل منجزية العلم الإجمالي و مقدار هذه المنجزية بقطع النّظر عن الأصول الشرعية المؤمنة.

و الأمر الثاني: في جريان الأصول في جميع أطراف العلم الإجمالي و عدمه ثبوتاً أو إثباتاً.

و الأمر الثالث: في جريانها في بعض الأطراف و مرجع البحث في الأمرين الأخيرين إلى مدى مانعية العلم الإجمالي بذاته أو بتنجيزه عن جريان الأصول بإيجاد محذور ثبوتي أو إثباتي يحول دون جريانها في الأطراف كلاً أو بعضاً. و سنبحث هذه الأمور الثلاثة تباعاً:

1- منجزية العلم الإجمالي بقطع النّظر عن الأصول المؤمنة الشرعية:

و البحث في أصل منجزية العلم الإجمالي انما يتجه بناء على مسلك قاعدة قبح العقاب بلا بيان، حيث ان كل شبهة من أطراف العلم مؤمن عنها بالقاعدة المذكورة فيحتاج تنجز التكليف فيها إلى منجز و لا بد من البحث حينئذ عن حدود منجزية العلم الإجمالي و مدى إخراجه لأطرافه عن موضوع القاعدة. و اما بناء على مسلك حق الطاعة فكل شبهة منجزة في‏