دروس في مسائل علم الأصول - ج1

- الميرزا جواد التبريزي المزيد...
477 /
5

المدخل‏

أمّا

المقدمة ففي بيان أمور [1].

[الأمر] الأوّل: أنّ موضوع كلّ علم [2]،

و هو الذي يبحث فيه عن عوارضه الذاتية- أي بلا واسطة في العروض- هو نفس موضوعات مسائله عينا، و ما يتّحد معها خارجا، و إن كان يغايرها مفهوما، تغاير الكلّي و مصاديقه، و الطبيعي و أفراده،

[1] قد جرت سيرة المصنّفين على ذكر مقدمة قبل الشروع في مباحث العلم و مسائله و يتعرضون فيها لأمور ترتبط بالعلم و لا تكون من مسائله، كبيان موضوع العلم و تعريفه و بيان الغرض و الغاية منه، و تبعهم على ذلك الماتن (قدّس سرّه) و جعل لكتابه هذا مقدّمة و بيّن فيها أمورا كلّها خارجة عن مسائل علم الأصول و لكنّها ترتبط بها بنحو من الارتباط، كما ستعرف إن شاء اللّه تعالى.

موضوع العلم و مسائله:

[2] المعروف عند القوم أنّه لا بدّ لكلّ علم من موضوع يبحث في مسائل العلم عن العوارض الذاتية لذلك الموضوع بأن تكون المحمولات المذكورة في‏

6

مسائل العلم عوارض ذاتية له. و ذكروا في تعريف العرض الذاتي: إنّه ما يعرض الشي‏ء بلا واسطة أو مع الواسطة المساوية داخليّة كانت أو خارجيّة.

توضيح ذلك: أن العارض (يعني المحمول على الشي‏ء بمفاد كان الناقصة) إمّا أن يكون بلا واسطة أصلا أو يكون معها، و على الثاني إمّا أن تكون الواسطة داخلية أو خارجية.

فالواسطة الداخلية بالإضافة إلى ذيها تكون أعمّ أو مساوية و لا يمكن أن تكون أخص لأنّها جزء الشي‏ء و جزئه لا يكون أخصّ منه، حيث إنّه جنسه أو فصله، فالعارض الشى‏ء بواسطة فصله مثل ادراك الكلّيات و العارض للانسان بواسطة الناطق، العارضة له بواسطة جنسه كالحركة القصدية العارضة بواسطة الحيوان.

(و لا يخفى أنّ الحركة القصديّة غير الحركة الإراديّة حيث إنّ الحركة الإراديّة لا تكون في غير الإنسان من سائر الحيوانات).

الواسطة الخارجية تكون بالإضافة إلى المعروض مساوية أو أعم أو أخصّ أو مباينة، و الأوّل كعروض الضحك للإنسان بواسطة التعجب المساوي له حيث لا يوجد في غيره من سائر الحيوان، و الثاني كعروض الحركة القصدية للمتكلم بواسطة الحيوان، و الثالث كعروض إدراك الكلّيات للحيوان بواسطة الناطق، و الواسطة المباينة كالنّار في عروض الحرارة للماء و كالسفينة في عروض الحركة لجالسها. فهذه أقسام سبعة.

و العرض الذاتي منها ما يعرض الشي‏ء بلا واسطة أو مع الواسطة المساوية داخلية كانت أو خارجية.

و الغريب منها ما يعرض له بواسطة خارجية أعمّ أو أخصّ أو مباينة و اختلفوا

7

فيما كان بالواسطة الداخلية الأعم‏ (1). و لذلك وقعوا في إشكال لزوم خروج كثير من مباحث العلوم عن كونها مسائل لها فإنّ المحمولات في مسائلها لا تكون غالبا عارضة لموضوعاتها بلا واسطة أو مع واسطة مساوية داخلية أو خارجية، مثلا المبحوث عنه في علم النحو في مسألة الفاعل رفعه، و في مسألة المفعول نصبه، و نحو ذلك مع أنّ شيئا من الرفع و النصب لا يعرضان الكلمة بنفسها بل يعرضانها بوساطة الفاعل و المفعول و كل منها أخص من الكلمة التي هي موضوع هذا العلم (على ما هو المعروف)، و كذا المبحوث عنه في علم الأصول ظهور صيغة الأمر في الوجوب مثلا مع أنّ النسبة بينها و بين صيغة الأمر في الكتاب المجيد ليست هي التساوي و هكذا.

توضيحه: إنّ في مسألة «صيغة الأمر ظاهرة في الوجوب أم لا؟» يكون المبحوث عنه فيها مطلق صيغة الأمر، و موضوع المسألة خصوص «صيغة الأمر في الكتاب» و المحمول فيها العارض له «ظاهر في الوجوب» فيعرض لموضوع المسألة الذي هو نوع بواسطة أعمّ، أي الجنس و هو مطلق صيغة الأمر المبحوث عنها و ليس هو الموضوع في المسألة لعدم كونه فردا لطبيعي موضوع العلم سواء كان الأدلة الأربعة أو ما يصلح أن يكون دليلا على الحكم الشرعي، كما لا يخفى على المتأمّل، بل الموضوع فيها صيغة الأمر في الكتاب أو السنة مثلا.

و ذكر الماتن في المقام أمرين و كأنّه يندفع الإشكال بهما من أساسه:

أحدهما: أنّ موضوع العلم عين موضوعات مسائله خارجا و لا تغاير بينهما إلّا

____________

(1) كتاب البرهان من الشفاء: الفصل الثاني من المقالة الثانية ص 131؛ الأسفار: 1/ 30.

8

تغاير الكلّي مع أفراده.

و ثانيهما: أنّ كل عرض لا يكون عروضه للشي‏ء مع الواسطة في العروض هو عرض ذاتيّ له سواء لم يكن في عروضه له واسطة أصلا أو كانت بنحو الواسطة في الثبوت، و لا يخفى أنّ الواسطة في العروض نظير ما في نسبة الحركة إلى جالس السفينة حيث إن المتحرك خارجا حقيقة هي السفينة و نسبتها إلى الجالس فيها بنحو من العناية و على ما ذكره (قدّس سرّه) تكون تمام المحمولات في مسائل العلوم عوارض ذاتية لموضوعاتها فإنّه بعد كون الموضوع في علم النحو مثلا هي الكلمة (يعني اللفظ الموضوع لمعنى) و هي عين الفاعل في الكلام، يكون الرفع المحمول على الفاعل محمولا على الكلمة بلا واسطة في العروض.

ثمّ إنّ المراد بالعارض هو المحمول لا العرض في مقابل الجوهر حيث إنّه ربّما لا يكون المحمول في المسألة عرضا كما في بعض مسائل علم الكلام «كقولهم «واجب الوجود عالم، قادر، بسيط» و كقولهم في الفقه «الماء طاهر» و «الخمر نجس» إلى غير ذلك.

و على ما ذكر يكون قوله (رحمه اللّه)(1) «هو الذي يبحث فيه عن عوارضه الذاتية» جملة معترضة لبيان تعريف موضوعات العلوم، و قوله (رحمه اللّه)(2): «بلا واسطة في العروض» تفسير للعرض الذاتي و إشارة إلى الخلل فيما ذكروه في تعريفه من تقسيمهم العارض إلى سبعة أقسام و قولهم بأنّ أربعة منها عرض غريب.

____________

(1) كفاية الأصول: ص 7.

(2) كفاية الأصول: ص 7.

9

و قوله (رحمه اللّه)(1): «نفس موضوعات مسائله» خبر «إنّ» يعني موضوع كل علم هو نفس موضوعات مسائله.

و قوله (رحمه اللّه)(2): «ما يتحد معها خارجا» معطوف على «موضوعات مسائله» يعني موضوع كل علم ما يتحد مع نفس موضوعات مسائله خارجا.

و قوله (رحمه اللّه)(3): «و الطبيعي و أفراده» معطوف على «الكلّي و مصاديقه» و المراد من المعطوف و المعطوف عليه واحد.

و قد اتضح بما تقدّم أنّ ما يذكر موضوعا لبعض العلوم مما لا تكون نسبته إلى موضوعات مسائله من قبيل الكلّي و الفرد خطأ في تشخيص الموضوع إذ لا تغاير بين موضوع العلم و موضوعات مسائله إلّا تغاير الكلي مع فرده كما مرّ (و يقتضيه البرهان المدّعى لإثبات لزوم الموضوع لكلّ علم). و عليه فما يقال من أنّ موضوع علم الطب مثلا هو بدن الإنسان و موضوعات مسائله الأعضاء المخصوصة ليس بصحيح لأن نسبة البدن إلى العضو نسبة الكلّ إلى الجزء لا الكلّي إلى الفرد فيكون الموضوع في علم الطب ما يعرضه المرض لا خصوص البدن.

ثمّ إنّ المعروف أنّ وجه التزام الماتن (رحمه اللّه) و من تبعه بلزوم الموضوع للعلوم، هو عدم إمكان صدور الواحد عن الكثير بدعوى أنّ الغرض من العلم واحد فاللازم صدوره عن واحد و هو الجامع بين موضوعات المسائل حيث إنّ الجامع بين‏

____________

(1) كفاية الأصول: ص 7.

(2) كفاية الأصول: ص 7.

(3) كفاية الأصول: ص 7.

10

محمولاتها ينتهى إليه كما هو مقتضى قولهم كل ما بالعرض لا بدّ من أن ينتهي إلى ما بالذات.

أقول: ليس في كلامه (قدّس سرّه) في المقام ما يشير إلى الموجب لالتزامه بذلك بل في كلامه ما ينافي الموجب المزبور حيث صرح في تداخل العلوم بإمكان غرضين متلازمين فيدوّن لأجلهما علم واحد، و مقتضى القاعدة المزبورة عدم إمكان غرضين في علم واحد بل و لا إمكان ترتب غرضين على بعض مسائل العلم حيث إنّه من صدور الكثير عن واحد.

ثمّ إنّه (قدّس سرّه) أضاف إلى تعريف علم الأصول «أو التي ينتهي إليها في مقام العمل» (1) و ذكر في وجهه أنّه لا موجب لخروج مباحث الأصول العلمية و حجيّة الظن الانسدادي على الحكومة من مسائل علم الأصول، و لو كان المهم الأصول هو التمكن من الاستنباط فقط لكان مقتضاه الالتزام بالاستطراد في تلك المباحث و الحاصل إنّ لعلم الأصول غرضين و مع ذلك لا يخرج عن كونه علما واحدا و إرجاعهما إلى غرض واحد غير سديد، لإمكان إرجاع الأغراض في جملة من العلوم إلى غرض واحد ككمال النفس مثلا.

و الذي يخطر بالبال أنّ تعيين الموضوع للعلوم، كذكر التعريف لمسائلها و بيان الغرض منها، إنّما هو لتبصرة طالب تلك العلوم على ما يظهر بعد ذلك.

و كيف ما كان فإنّ أريد بالكلّي، الجامع العنواني لموضوعات مسائله نظير سائر العناوين الانتزاعية حتّى من المتباينات في تمام ذواتها ببعض الاعتبارات فهذا

____________

(1) كفاية الأصول: ص 9.

11

الجامع كالحجر في جنب الإنسان في عدم دخله في كون تلك المسائل من العلم، نعم لو بيّن بنحو حصل فيه الاطراد و الانعكاس فهو يوجب معرفة موضوعات المسائل لطالب تلك المسائل.

و إن أريد به الجامع الذاتي، بأن يكون الموضوع للعلم كالجنس أو النوع لموضوعات المسائل، فلم يعلم وجه لزوم هذا الجامع، و الاستناد في لزومه إلى قاعدة عدم صدور الواحد عن كثير، غير صحيح؛ لما ظهر مما تقدم أنّ الغرض من العلم يمكن أن يكون واحدا عنوانيا أو واحدا مقوليا له حصص متعدّدة يصدر عن بعض المسائل حصة منه و عن بعض آخر حصته الاخرى من غير أن يكون فيما يصدر عنهما جامع ذاتيّ، مثلا التمكن المترتب على العلم بمسألة من مسائل علم النحو، غير التمكن المترتب على العلم بمسألة أخرى من مسائله فيكون العلم بمسألة رفع الفاعل موجبا للتمكن من حفظ اللسان عن الخطأ في التكلم بالفاعل، و بمسألة نصب المفعول التمكن من حفظه عن الخطأ في التكلم بالمفعول و هكذا، فيكون الغرض من علم النحو مستندا إلى مسائله بخصوصياتها.

و لا يخفى أنّ القاعدة المشار إليها بأصلها و عكسها (أصل القاعدة:

«الواحد لا يصدر عنه إلّا الواحد». و عكس القاعدة: «الواحد لا يصدر إلّا عن الواحد».) أسّسها أهل المعقول لإثبات وحدة الصادر الأوّل من المبدأ الأعلى.

و قد ذكر في محلّه أنها على تقدير تماميّتها لا تجري في الفعل بالإرادة، بل موردها الفعل بالايجاب، لإمكان صدور فعلين عن فاعل بالإرادة مع كونهما من مقولتين، و بما أنّ الصادر من المبدأ الأعلى يعدّ من الفعل بالإرادة فلا شهادة لها بوحدة الصادر الأوّل.

12

و المسائل عبارة عن جملة من قضايا متشتّتة جمعها اشتراكها في الداخل في الغرض الذي لأجله دوّن هذا العلم [1]. فلذا قد يتداخل بعض العلوم في بعض المسائل، ممّا كان له دخل في مهمّين، لأجل كلّ منهما دوّن علم على حدة، فيصير من مسائل العلمين.

فتحصّل من جميع ما ذكرنا أنه لا وجه للالتزام بلزوم الموضوع للعلم كما ذكر، كما لا وجه للالتزام بأنّه لا بدّ في مسائل العلم من البحث عن العوارض الذاتيّة لموضوعه فإنّه يصحّ جعل مسألة من مسائل العلم مع ترتب الغرض منه عليها حتّى و لو كان المحمول فيها من العوارض الغريبة لموضوع المسألة فضلا عن موضوع العلم، أو لم يكن المحمول فيها من العوارض أصلا، مثلا البحث عن الملازمة بين إيجاب شي‏ء و إيجاب مقدمته من مسائل علم الأصول بلا كلام مع أنّ المبحوث فيه الذي هو ثبوت الملازمة بين الايجابين ليس بحثا عن العوارض، فإنّها ما يحمل على الشي‏ء بمفاد «كان» الناقصة، و البحث عن ثبوت الملازمة بحث عنه بمفاد «كان» التامة، و كذا البحث عن اعتبار الإجماع مسألة أصولية، مع أنّ حمل الاعتبار عليه على مسلك الأصحاب- بلحاظ كشفه عن قول المعصوم (عليه السلام)- حمله مع الواسطة في العروض و هو من العرض الغريب حيث يكون الاعتبار حقيقة لقول الإمام (عليه السلام)، و إسناده إلى فتوى العلماء يكون بالعناية.

[1] في توصيف الغرض بقوله (قدّس سرّه): «الذي لأجله دوّن هذا العلم» إشارة إلى أنّه ليس المراد خصوص الثمرة المترتّبة على كل مسألة من مسائل العلم كما يترتب على مسألة جواز اجتماع الأمر و النهي التمكّن من استنباط حكم الصلاة في الدار المغصوبة، و لا يشاركها في هذه الثمرة غيرها من مسائل علم الأصول، بل المراد الغرض الملحوظ للمدوّن- بالكسر- ابتداء أو ما يكون داعيا له إلى تدوين جملة من‏

13

لا يقال: على هذا يمكن تداخل علمين في تمام مسائلهما، فيما كان هناك مهمان متلازمان في الترتّب على جملة من القضايا، لا يكاد انفكاكهما.

فإنّه يقال: مضافا إلى بعد ذلك، بل امتناعه عادة، لا يكاد يصحّ لذلك تدوين علمين و تسميتهما باسمين، بل تدوين علم واحد، يبحث فيه تارة لكلا المهمّين، و أخرى لأحدهما، و هذا بخلاف التداخل في بعض المسائل، فإنّ حسن تدوين علمين كانا مشتركين في مسألة، أو أزيد في جملة مسائلهما المختلفة، لأجل مهمّين، ممّا لا يخفى.

و قد انقدح بما ذكرنا، أنّ تمايز العلوم إنّما هو باختلاف الأغراض الداعية إلى التدوين [1] لا الموضوعات و لا المحمولات، و إلّا كان كل باب، بل كلّ مسألة من‏

المسائل و تسميتها باسم واحد، و قد تقدّم أنّ هذا الغرض ليس واحدا شخصيا بل واحد عنواني أو نوعي ذو حصص مختلفة.

تمايز العلوم‏

[1] و تقريره: لا ريب في أنّ كل مسألة من مسائل العلم لها موضوع و محمول يغاير موضوع الأخرى و محمولها، مثلا مسألة ظهور صيغة افعل في الوجوب و عدمه، و جواز اجتماع الأمر و النهي و عدمه، و حجّية خبر العدل و عدمها، كلّها من مسائل علم الأصول و الموضوع و المحمول فى كلّ منها يغاير الموضوع و المحمول فى الأخرى، و هذا الاختلاف بعينه موجود بين كل مسألتين من مسائل علمين، مثلا مسألة رفع الفاعل غير مسألة ظهور صيغة الأمر في الوجوب بحسب الموضوع و المحمول فيقع السؤال عن وجه كون مسألة رفع الفاعل، من مسائل النحو و عدم كونه مسألة ظهور صيغة افعل في الوجوب، منها.

و لا يصحّ الجواب، بأنّ ذلك لاختلاف المسألتين بحسب الموضوع أو المحمول، فإنّ لازمه كون كل مسألة من مسائل علم النحو علما على حدة لأنّها

14

كل علم، علما على حدة، كما هو واضح لمن كان له أدنى تأمّل، فلا يكون الاختلاف بحسب الموضوع أو المحمول موجبا للتعدّد، كما لا يكون وحدتهما سببا لأن يكون من الواحد.

ثم إنّه ربما لا يكون لموضوع العلم- و هو الكلّي المتّحد مع موضوعات المسائل- عنوان خاص و اسم مخصوص، فيصحّ أن يعبّر عنه بكل ما دلّ عليه، بداهة عدم دخل ذلك في موضوعيته أصلا.

مختلفة كذلك.

بل الصحيح هو القول بأنّ جامع مسائل علم النحو هو الغرض الملحوظ لمدوّن العلم ابتداء، و حيث لم يكن ذلك الغرض مترتبا على مسألة ظهور صيغة الأمر في الوجوب، فلم تجعل من مسائل علم النحو بخلاف مسألة رفع الفاعل، و قد ظهر أنّ المراد بالتمايز هو التمايز عند تدوين العلم و أمّا تمايز العلوم عند المتعلّم، فله طرق متعدّدة.

و بالجملة كلّ مسألة من مسائل العلم، و إن كانت لها خصوصية واقعية، تكون موجبة لترتّب ثمرة مخصوصة عليها إلّا أنّ تلك الخصوصية لا تكون موجبة لتمايزها عن مسائل العلم الآخر في نظر المدوّن بل المائز لها عنده هو الغرض الداعي إلى التدوين.

هذا كلّه فيما كان المهم من مسائل العلم أمرا مترتبا عليها بأن يكون العلم بتلك المسائل موجبا لحصوله و في مثل ذلك يكون المهم المزبور المعبّر عنه بغرض التدوين جامعا لمسائل العلم و مميّزا لها عن مسائل علم آخر. و أمّا إذا لم يكن المهم كذلك بل كان المهم نفس معرفة تلك القضايا، كما في علم التاريخ حيث إنّ المهم فيه معرفة أحوال الملل و البلاد و حوادثها في الماضي و الحاضر، يكون امتياز قضاياه‏

15

و قد انقدح بذلك أنّ موضوع علم الأصول هو الكلّي المنطبق على موضوعات مسائله [1] المتشتّتة، لا خصوص الأدلّة الأربعة بما هي أدلّة، بل و لا بما هي هي، ضرورة أنّ البحث في غير واحد من مسائله المهمّة ليس من عوارضها، و هو واضح لو كان المراد بالسنّة منها هو نفس قول المعصوم أو فعله أو تقريره، كما

عن قضايا غيره بالموضوع و لو كان ذلك الموضوع أمرا واحدا عنوانا و جامعا مشيرا إلى موضوعات قضاياه.

موضوع علم الأصول:

[1] لا ينفع ما ذكره (قدّس سرّه) في دفع الاشكال في المقام فانه يرد حتى بناء على ان موضوع علم الاصول ما ذكر. فإنّ البحث في مسألة مقدمة الواجب مثلا بحث في ثبوت الملازمة بين إيجاب شي‏ء و إيجاب مقدمته، و هذا بحث عن مفاد «كان» التامة، و حيث إنّ موضوع علم الأصول متّحد مع موضوعات مسائله خارجا يكون البحث المزبور بحثا عن ثبوت الموضوع و عدمه، و ليس هذا بحثا عن العوارض فضلا عن كونها ذاتية.

ثمّ إنّهم جعلوا موضوع علم الأصول الأدلّة الأربعة يعني (الكتاب، و السنّة، و الإجماع، و العقل).

و أورد الماتن عليهم بأنّ ذلك يوجب خروج مبحث حجّية الخبر و التعارض بين الخبرين من المباحث الأصولية، حيث إنّ خبر الواحد غير داخل في السنة، يعني قول المعصوم و فعله و تقريره، فلا يكون البحث عن عارض الخبر بحثا عن عوارض السنّة.

و قد أجيب عنه بأنّ المباحث المزبورة تدخل في مسائل علم الأصول بناء على أنّ المراد بالأدلّة ذواتها لا بما هي أدلّة، لأنّ مرجع البحث عن حجّية الخبر إلى‏

16

هو المصطلح فيها، لوضوح عدم البحث في كثير من مباحثها المهمّة، كعمدة مباحث التعادل و الترجيح، بل و مسألة حجّية خبر الواحد، لا عنها و لا عن سائر الأدلّة، و رجوع البحث فيهما- في الحقيقة- إلى البحث عن ثبوت السنّة بخبر الواحد، في مسألة حجّية الخبر- كما أفيد- و بأي الخبرين في باب التعارض، فإنّه أيضا بحث في الحقيقة عن حجّية الخبر في هذا الحال غير مفيد فإنّ البحث عن ثبوت الموضوع، و ما هو مفاد كان التامّة، ليس بحثا عن عوارضه، فإنّها مفاد كان النّاقصة.

لا يقال: هذا في الثبوت الواقعي، و أمّا الثبوت التعبدي- كما هو المهم في هذه المباحث- فهو في الحقيقة يكون مفاد كان الناقصة.

البحث عن ثبوت السنة بخبر الواحد، أو ثبوتها بأيّ من الخبرين عند تعارضهما.

و قد ردّ الماتن (قدّس سرّه) الجواب المزبور بأنّه غير مفيد، فإنّ البحث عن ثبوت السنّة بالخبر أو بأحد المتعارضين بحث عن مفاد «كان» التامة أي بحث عن وجود السنّة به أو بأحدهما و البحث في المسائل لا بدّ أن يكون عن العارض لموضوع المسألة و ما هو بمفاد «كان» الناقصة. هذا في الثبوت الواقعي يعني الحقيقي، و أمّا الثبوت التعبدي بمعنى جعل الحجّة، فهو و إن كان بحثا عن العارض إلّا أنّ الحجيّة لا تترتّب على السنة بل على الخبر الحاكي لها.

و بالجملة الثبوت الحقيقي ليس من العوارض، و التعبدي بمعنى وجوب العمل به و إن كان من العوارض إلّا أنّه عارض للخبر لا السنّة.

و لا يخفى أنه لم يظهر معنى معقول لثبوت السنة بالخبر، بأن يكون الخبر علّة لقول المعصوم (عليه السلام) أو فعله أو تقريره، فإنّ الخبر على تقدير صدقه، يكون كاشفا و حاكيا عنها. و لو أغمض عن ذلك فيمكن الجواب عن إشكال مفاد «كان» التامة بأنّ البحث عن معلولية السنّة للخبر بحث عن العارض و ما هو مفاد كان الناقصة.

17

فإنّه يقال: نعم، لكنّه ممّا لا يعرض السنّة، بل الخبر الحاكي لها، فإنّ الثبوت التعبدي يرجع إلى وجوب العمل على طبق الخبر كالسنّة المحكية به، و هذا من عوارضه لا عوارضها، كما لا يخفى.

و بالجملة: الثبوت الواقعي ليس من العوارض، و التعبدي و إن كان منها، إلّا أنّه ليس للسنّة، بل للخبر، فتأمّل جيّدا.

نعم، لا ينبغي التأمّل في أنّ البحث عن البراءة العقلية أو الاحتياط العقلي في الشبهة الحكمية بحث عن ثبوت الموضوع و هو حكم العقل.

و أمّا ما ذكره (قدّس سرّه) من أمر الثبوت التعبدي، فهو عارض للسنّة أيضا فإنّ الثبوت التعبدي عند الماتن (قدّس سرّه) ليس إيجاب العمل بالخبر على ما ذكره في بحث اعتبار الخبر و غيره، بل معناه تنزيل قول المخبر منزلة الواقع، يعني قول المعصوم و فعله و تقريره‏ (1)، و هذا التنزيل سنخ من الحكم يضاف إلى المنزل (أي خبر العدل)، و إلى المنزّل عليه (أي السنّة)، و كما يمكن البحث في مسألة اعتبار الخبر أن يقع في أنّ قول المخبر العدل هل نزّل منزلة السنّة؟ فيكون البحث من عوارض الخبر الحاكي لها، كذلك يمكن أن يقع البحث في أنّ السنة هل نزل عليها خبر العدل؟ فيكون البحث من عوارض السنّة.

نعم المعيار في كون المسألة من مسائل العلم، هو عنوانها المذكور في مسائله لا ما هو لازم ذلك العنوان، و إلّا كانت المسألة الأصولية فقهية، و المسألة الفقهية كلامية، فإنّ مرجع البحث عن ثبوت الملازمة بين الإيجابين إلى وجوب الوضوء و نحوه عند وجوب الصلاة، و مرجع البحث عن تعلّق التكليف الإلزامي بفعل إلى‏

____________

(1) الكفاية: ص 279.

18

و أمّا إذا كان المراد من السنّة ما يعمّ حكايتها، فلأنّ البحث في تلك المباحث و إن كان عن أحوال السنّة بهذا المعنى، إلّا أنّ البحث عن غير واحد من مسائلها كمباحث الألفاظ و جملة من غيرها، لا يخصّ الأدلّة، بل يعمّ غيرها، و إن كان المهم معرفة أحوال خصوصها، كما لا يخفى [1].

و يؤيّد ذلك تعريف الأصول [2] بأنّه (العلم بالقواعد الممهدة لاستنباط الأحكام الشّرعية).

البحث عن إيجاب المخالفة لاستحقاق العقاب، و إلى غير ذلك.

[1] لا يخفى أنّ البحث عن ظهور صيغة افعل في الوجوب، مثلا يكون بحثا عن العارض الغريب للكتاب و السنّة بناء على ما ذكروه من أنّ ما يكون عروضه بواسطة أعم فهو عرض غريب، و أمّا بناء على ما ذكره (رحمه اللّه) في العارض الغريب فالبحث المزبور بحث عن العوارض الذاتيّة للكتاب و السنّة، فالإشكال به عليهم مبنيّ على مسلكهم حيث يكون نظير بحث الملازمة بين الإيجابين في عدم اختصاصه بالواجبات الشرعيّة، و إن كان المهم معرفة حالها.

[2] و وجه التأييد أنّ مقتضى تعريفهم كون كلّ قاعدة ممهدة لاستنباط الحكم الشرعيّ مسألة أصولية و لو لم يكن المحمول فيها من العارض الذاتي للأدلّة الأربعة.

19

و إن كان الأولى تعريفه [1] بأنّه (صناعة يعرف بها القواعد التي يمكن أن تقع في طريق استنباط الأحكام، أو التي ينتهى إليها في مقام العمل)، بناء على أنّ‏

تعريف علم الأصول:

[1] و وجه العدول خروج أمرين عن التعريف المزبور:

أحدهما: مسألة حجية الظن على الحكومة، فإنّ حجيّته على المسلك المزبور لا تكون موجبة لاستنباط حكم شرعى منها، و ذلك لكون الحجية بناء عليها عبارة عن استقلال العقل بكفاية الاطاعة الظنيّة للتكاليف الواقعية، و أنّه يقبح من الشارع مطالبة العباد بأزيد منها، كما أنه لا يجوز للمكلّف الاقتصار على ما دونها من الطاعة الاحتماليّة و الوهميّة. و هذا الحكم من العقل، كحكمه بلزوم الاطاعة العلميّة حال الانفتاح لا يكون مستتبعا لحكم شرعيّ مولويّ، كما يأتي بيانه في باب الانسداد.

ثانيهما: خروج مباحث الأصول العملية الجارية في الشبهات الحكمية من النقلية و العقلية، فهي مع كونها من المسائل الأصولية لا تكون إلّا وظائف عملية بلا استنباط حكم شرعي واقعي منها بل تطبّق في الفقه، بتعيين مواردها، على صغرياتها.

و قوله (قدّس سرّه)(1): «بناء على أنّ مسألة حجية الظن ... إلخ» مفاده: أنّ أولوية العدول مبنية على كون الأمرين من المباحث الاصولية كما هو كذلك، حيث لا وجه للالتزام بالاستطراد في مثلهما من المهمات. و بما أنّ التعاريف المذكورة للعلوم من قبيل شرح اللفظ لأنّ وحدتها اعتبارية على ما تقدم من كون كل علم جملة من القضايا المتشتتة التي اعتبرت الوحدة لها باعتبار دخلها في الغرض، فذكر (قدّس سرّه) أولوية العدول‏

____________

(1) كفاية الأصول: ص 9.

20

مسألة حجّية الظنّ على الحكومة، و مسائل الأصول العملية في الشبهات الحكمية من الأصول، كما هو كذلك، ضرورة أنّه لا وجه لالتزام الاستطراد في مثل هذه المهمّات.

لا تعيّنه، و جعل التعريف السابق مؤيدا لا دليلا، حيث لا يعتبر في هذه التعاريف الاطّراد و الانعكاس.

و لا يخفى أنّ المراد بالقواعد في تعريف علم الأصول نتائج المباحث الأصولية، و أمّا الصناعة فهي نفس مباحثها، فيكون حاصل تعريفه: أنّ علم الأصول مباحث، تعرف بها القواعد التي يمكن وقوعها في طريق استنباط الأحكام الشرعية الكليّة أو الّتي ينتهي إليها الأمر في مقام العمل، أي بعد اليأس عن الظفر بالدليل على الحكم الواقعي.

و لكن يرد عليه أنّ إضافة «أو التي ينتهي ... إلخ» غير مفيد، فإنّ استنباط الحكم الشرعي الفرعي، بناء على ما اختاره (قدّس سرّه) من أنّ المجعول في الأمارات هو الحجية لها، أي المنجزيّة و المعذريّة، يعمّ انكشاف حال الحكم الواقعي من حيث التنجز و عدمه، و لا ينحصر بالعلم بنفس الحكم الواقعي، و عليه فلا فرق بين الأمارات المعتبرة و الأصول العملية في أنّه يعيّن بهما حال الحكم الواقعي من حيث تنجّزه على تقدير الإصابة و عدمه. نعم يكون تعيينه بالأصول العملية في طول التعيين بالأمارة و هذا لا يكون فارقا فإنّ بعض الأمارات أيضا يكون اعتبارها في طول بعضها الآخر، كخبر العدل، فإنّه و إن كان معتبرا إلّا أنّه لا اعتبار به في مقابل الكتاب الدال على خلافه.

فالصحيح أن يقال في تعريفه: إنّه العلم بالقواعد الممهدة لاستنباط الحكم الشرعي الكلي الفرعي أو حاله من حيث التنجيز و التعذير. و من البديهي أنّه يعتبر

21

في الاستنباط تغاير الحكم المستنبط و المستنبط منه، إمّا بأن لا يكون المستنبط منه حكما شرعيا و لكن يستخرج منه حكم شرعي فرعي، كقاعدة الملازمة بين إيجاب شي‏ء و إيجاب مقدمته التي يستخرج منها وجوب الوضوء و الغسل و تطهير الثوب أو البدن عند وجوب الصلاة في قياس استثنائي فيقال مثلا:

كلما كانت الصلاة واجبة، كان الوضوء الذي هو مقدمة للصلاة واجبا أيضا.

لكن الصلاة واجبة.

فالوضوء واجب.

و إمّا بأن يكون المستنبط منه حكما شرعيا طريقيّا يحرز به تارة نفس الحكم الشرعي العملي و أخرى حال الحكم الشرعي الفرعي لا نفسه.

فالأوّل كحجية خبر الثقة بناء على كون مفاد أدلّة الاعتبار جعل الخبر علما تعبديا فيقال مثلا: العصير العنبي بعد الغليان مما قام خبر الثقة على حرمته.

و كلّ ما قام خبر الثقة على حرمته فهو معلوم الحرمة.

فينتج: أنّ العصير العنبي بعد الغليان مما علم حرمته، و بعد إحراز الحرمة يفتي الفقيه بحرمة العصير العنبي بالغليان.

و الثاني كحجية خبر الثقة بناء على كون مفاد أدلة الاعتبار جعل المنجزيّة و المعذريّة، أو جعل المؤدّى (أي جعل الحكم الطريقي على طبق مؤدياتها) و كمباحث الأصول العملية، فالحكم الشرعي العملي لا يستنتج منها بل يستنتج من هذه المباحث حاله من المنجزيّة و المعذرية.

22

القواعد الفقهية:

و كيف ما كان فقد ظهر مما ذكرنا خروج القواعد الفقهية التي لا يستنبط منها نفس الحكم الشرعي الكلّي من حيث تنجزه و عدمه عن مسائل علم الأصول، فإنّ تلك القواعد بأنفسها أحكام شرعية عملية تكليفيّة كانت أم وضعيّة، و ضمّها إلى صغرياتها من قبيل تطبيق الكبرى الشرعية العملية على صغراها، لا من الاستنباط.

و توضيح ذلك: أنّ القواعد الفقهية على قسمين:

الأوّل: ما يكون مدلولها حكما فرعيا ثابتا لعنوان تندرج تحته الجزئيات الخارجية فقط، كما في نجاسة الخمر و حرمة شربه، و لا مورد لتوهّم النقض في هذا القسم، حيث لا يثبت بضمّها إلى صغراها إلّا الحكم الجزئي الفرعي لا الكلّي.

الثاني: ما يكون مدلولها حكما شرعيا ثابتا لعنوان تندرج تحته العناوين الكلية، كقاعدة «ما يضمن و ما لا يضمن» فإنّ موضوعها العقد، و يندرج تحته البيع و الإجارة و القرض و المصالحة و غير ذلك من أنواع العقود، فتكون النتيجة في هذا القسم بعد تطبيقها على صغرياتها ثبوت الحكم الكلي، و لكن هذا من باب التطبيق لا الاستنباط فإنّ الملازمة على تقدير ثبوتها، شرعية بمعنى أنّ الشارع قد أخذ في موضوع حكمه بالضمان في العقد الفاسد، ثبوت الضمان في صحيحه، نظير الملازمة بين وجوب القصر على المسافر و وجوب الإفطار، فإنّ مرجعها إلى أنّ الشارع قد جعل السفر الموضوع لوجوب القصر موضوعا لوجوب الإفطار أيضا، إلّا ما استثني، و هذا بخلاف الملازمة بين إيجاب شي‏ء و إيجاب مقدمته، فإنّها أمر واقعي قد كشف عنه العقل أو هي بنفسها حكم العقل، و لذا يكون القول بها مصححا لاستنباط حكم‏

23

شرعي كلّي بقياس استثنائي على ما تقدم، أو قياس حملي تكون نتيجته الملازمة بين الأمر بالصلاة في أوقاتها و الأمر بمقدماتها.

و الحاصل، تمتاز القاعدة الفقهية عن القاعدة الأصولية بأنّ مفاد القاعدة الأصولية إما أن لا يكون حكما شرعيا و لكن ينتقل منه إلى حكم شرعي كلّي، أو يكون مفادها حكما شرعيا طريقيا، و لكن تارة يحرز به حكم شرعي كلي واقعي بأن تكون نتيجة قياس الاستنباط العلم بذلك الحكم لا نفس الحكم فيتم بذلك موضوع جواز الإفتاء كما في موارد الأمارات المعتبرة، و أخرى يحرز به حال الحكم الكلّي الواقعي من حيث التنجّز و عدمه كما في موارد الأصول العملية الجارية في الشبهات الحكمية.

بخلاف القاعدة الفقهية فإنّ مفادها بنفسه حكم شرعي عملي كلّي لعنوان يكون تحته جزئيات حقيقية أو إضافية و تكون قياساتها من قبيل تطبيق الكبرى على صغرياتها و نتيجتها ثبوت نفس ذلك الحكم فيها، و إذا كان مفاد القاعدة حكما طريقيا فيحرز به حال الحكم الجزئي من حيث التنجز و عدمه، كالأصول العملية الجارية في الشبهات الموضوعية و غيرها من القواعد المجعولة عند الشك في الموضوع.

و مما ذكر يظهر أنّ قاعدة «لا حرج» أو «لا ضرر» قاعدة فقهية تطبّق على صغرياتها و يكون مفادها ثبوت نفس الحكم الشرعي أو عدمه، و لا يكون مفادها مما يستنبط منه الحكم الشرعي نفسه أو حاله من حيث التنجز و عدمه.

نعم قاعدة الطهارة الجارية في الشبهات الحكمية قاعدة أصولية، إذ يحرز بها حال الحكم الشرعي الواقعي الكلي من حيث التنجز و عدمه، و إنّما لم يبحث عنها

24

في الأصول لعدم الخلاف فيها و لاختصاصها بباب الطهارة، فتذكر في الفقه استطرادا بمناسبة الكلام في قاعدة الطهارة الجارية في الشبهات الموضوعية.

و مما ذكرنا يظهر ضعف ما عن المحقق النائيني (قدّس سرّه) في الفرق بين القاعدة الأصولية و القاعدة الفقهية من أنّ الأولى لا تنفع العامي؛ لعدم تمكّنه من تشخيص صغراها، بخلاف الثانية فإنّها تنفعه فيما إذا ألقيت إليه لتمكّنه من معرفة صغرياتها (1).

و وجه الضعف؛ أنّ الفرق غير جار في القسم الثاني من القواعد الفقهية، فإنّ العامي لا يتمكّن من تشخيص صغرياتها كما في قاعدة «الشرط جائز ما لم يكن محلّلا للحرام أو محرّما للحلال» و «الصلح جائز بين المسلمين ما لم يخالف الكتاب و السنّة» إلى غير ذلك.

الضابطة في المسألة الأصولية:

ثمّ إنّه يقع الكلام في المراد بالاستنباط من القاعدة الأصولية، هل هو الاستنباط بلا ضمّها إلى قاعدة أخرى من قواعد الأصول أو المراد به الاستنباط و لو بضمّها إليها، فإن كان المراد هو الأوّل فمن الظاهر أنّ المسائل الأصولية ليست كذلك، و إن كان المراد هو الثاني دخل في المسائل الأصولية، مسائل علم الرجال أيضا.

ذهب سيدنا الأستاذ (قدّس سرّه) إلى الأول و لكن لا بنحو كلّي، فذهب إلى أنّ القاعدة الأصولية هي التي يكون ضم صغراها إليها كافيا في استنباط الحكم الفرعي الكلي و لو في مورد واحد، بخلاف القواعد في سائر العلوم فإنّها لا تكون كذلك، بل‏

____________

(1) فوائد الأصول: 4/ 309؛ أجود التقريرات: 2/ 345.

25

دائما تحتاج إلى قاعدة أصولية لاستنباط الحكم الشرعي منها، فمثلا مسألة «ظهور صيغة الأمر في الوجوب» مسألة أصولية و إذا أحرز الأمر بفعل بصيغته في الكتاب المجيد أو السنّة القطعيّة يستنبط منه وجوب ذلك الفعل.

لا يقال: لا بدّ في الحكم بوجوب ذلك الفعل من ضمّ كبرى حجية الظواهر.

فإنّه يقال: إنّ المسألة الأصولية هي التي لا تحتاج لاستنباط الحكم الشرعي منها إلى ضمّ قاعدة أخرى من قواعد الأصول إليها، لا أنها لا تحتاج إلى ضمّ مقدمة أخرى أصلا، و حجّية الظواهر من المسلمات التي لم يقع الخلاف فيها، و باعتبار ذلك لم تجعل من مسائل علم الأصول، و إن وقع الخلاف فيها في موارد، كحجية ظواهر الكتاب المجيد، أو حجية الظاهر مع الظن بالخلاف، و حجية الظهور لغير من قصد إفهامه.

و الحاصل أنّ استنباط الحكم من قاعدة ظهور صيغة الأمر في الوجوب و إن كان يحتاج إلى مقدمة أخرى إلّا أنّ تلك المقدمة ليست من مسائل علم الأصول و لا من مسائل سائر العلوم، و هذا بخلاف مسائل سائر العلوم، فإنّه يحتاج لاستنباط الحكم منها إلى ضمّ قاعدة أصولية لا محالة.

ثمّ أردف هذا القائل الجليل (قدّس سرّه) أنّه لا يلزم أن تكون نتيجة المسألة الأصولية على كل تقدير كذلك، بل يكفي في كون المسألة أصولية كون نتيجتها كذلك، و لو على بعض التقادير. مثلا مسألة «اقتضاء الأمر بشي‏ء للنهي عن ضدّه الخاصّ» و إن كانت لا تكفي بمجردها للاستنباط على تقدير القول بالاقتضاء، بل نحتاج لاستنباط الحكم منها إلى ضمّ مسألة أصولية أخرى هي «اقتضاء النهي عن عبادة، و لو كان‏

26

غيريا فسادها» إلّا أنّه على القول بعدم اقتضاء الأمر بشى‏ء النهى عن ضده الخاص يستنبط منها بضمّ صغراها صحة العبادة المضادة للواجب، كالصلاة في أوّل الوقت مع وجوب إزالة النجاسة عن المسجد.

لا يقال: نفس ثبوت الحرمة الغيرية للضد الواجب و عدم ثبوتها له حكم شرعي يستنبط من نفس مسألة «اقتضاء الأمر بشي‏ء النهي عن ضدّه» فكيف لا تكون المسألة كافية في الاستنباط؟

فإنّه يقال: نفس الحرمة الغيرية لشي‏ء لا يعدّ أثرا عمليا و لا تكون المسألة- بهذا الاعتبار- مسألة أصولية، كما يأتي توضيحه في بحث مقدمة الواجب‏ (1).

أقول: الصحيح أنّه لا يستنبط من مسألة «اقتضاء الأمر بالشي‏ء النهي عن ضدّه» بمجرّدها الحكم الفرعي العملي، سواء التزم فيها بالاقتضاء أو عدمه. فإنّه حتّى على القول بعدم الاقتضاء نحتاج- لتصحيح العبادة المضادة- إلى ضمّ قاعدة أصولية أخرى هي قاعدة جواز الترتّب (أي جواز الأمر بالمتضادّين ترتّبا)، أو قاعدة عدم التزاحم بين الواجب الموسّع و المضيّق، أو قاعدة كشف الملاك الإلزامي في الفرد العبادي المضاد من إطلاق المتعلّق في خطاب التكليف، كما ذكروا تفصيل ذلك في بحث الضدّ.

ثمّ إنّه قد تكون مسألة من سائر العلوم بنفسها كافية في الاستنباط بضمّ صغراها إليها، و لو في بعض الموارد، كبعض مسائل علم اللغة التي يستفاد منها معنى الوجوب و الحرمة و الكراهة أو معنى النجس و الطاهر، مما يدلّ على الحكم تكليفا أو

____________

(1) المحاضرات: 1/ 12.

27

وضعا، فإنّه إذا وقعت هذه الألفاظ في الكتاب أو في الخبر المحفوف بقرينة موجبة للقطع بصدوره و جهته، استنبط منه الحكم بلا ضمّ مقدمة أصولية أخرى.

و الحاصل: يتعيّن أن يراد بالاستنباط من القواعد الأصولية ما هو الأعمّ من الاستنباط بضمّ قاعدة أخرى من مسائله (حتّى في جميع الموارد).

و إنما لم تجعل مسائل علم الرجال و بعض مسائل علم اللغة من علم الأصول، باعتبار وضوحها أو باعتبار معلوميتها في علم آخر.

نعم المباحث التي تذكر في كتب الأصول و لكن لا تكون واسطة في استنباط نفس الحكم بل يحرز بها الموضوع أو المتعلّق للحكم، كمباحث المشتق و الحقيقة الشرعية و الصحيح و الأعم و نحوها، لا تدخل في مسائل علم الأصول، بل تعتبر من المبادئ التصورية لعلم الفقه، بخلاف المسائل الأصولية فإنّها من المبادئ التصديقيّة لعلم الفقه. و لذا ينبغي تقسيم المسائل الأصولية إلى أربعة أقسام:

الأوّل: مباحث الدلالات اللّفظية على الأحكام و تعيين الظهورات فيها.

الثاني: مباحث الاستلزامات العقلية، و لو كانت غير مستقلّة، كبحث الملازمة بين إيجاب شي‏ء و إيجاب مقدمته.

الثالث: مباحث الحجج الاعتبارية و الأمارات.

الرابع: مباحث الأصول العملية.

28

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

29

الأمر الثاني‏ الوضع هو نحو اختصاص للّفظ بالمعنى‏ [1]

[الأمر الثانى‏]

حقيقة الوضع:

[1] مراده (قدّس سرّه)؛ إن اللّفظ يتّصف بكونه موضوعا فيما إذا عيّن بإزاء معنى لتفهيمه بذلك اللفظ في مقام التخاطب، و يتّصف أيضا بكونه موضوعا فيما إذا تكرّر استعماله في معنى بنصب القرينة و رعاية العلاقة إلى حدّ لا يحتاج تفهيم ذلك المعنى به إلى نصب القرينة بل يكون المعنى الأوّل مهجورا عن الأذهان و ينسبق إليها المعنى الثاني عند الإطلاق. و اتّصاف اللّفظ بكونه موضوعا في الصورتين يكشف عن كون الوضع في الألفاظ أمرا يحصل بالتعيين تارة، و بكثرة الاستعمال أخرى، و ذلك الأمر نحو علقة و ارتباط بين اللفظ و المعنى يحصل بأحد الأمرين، و على ذلك فما ذكر من أنّ الوضع عبارة عن «تعيين اللفظ بازاء المعنى» غير سديد، فإنّه بهذا التعريف غير قابل للتقسيم إلى التعييني و التعيّني.

أقول: الوضع هو تعيين اللفظ بإزاء معنى، سواء كان ابتدائيا أو مسبوقا بالاستعمال المجازي، إذ في الوضع التعيّني تلغى العناية و لحاظ العلاقة في الاستعمال و لو بعد شيوع ذلك الاستعمال لا محالة، و في أيّ زمان فرض إلغائها يحصل التعيين. و بتعبير آخر: كما يحصل التعيين بإنشائه، كذلك يحصل بالاستعمال، كما صرّح بذلك (قدّس سرّه) في أوائل البحث في الحقيقة الشرعية، فيكون إلغاء العناية في الاستعمال بعد تكرّره من التعيين.

و أمّا ما ذكره (قدّس سرّه) في حقيقة الوضع من كونه نحو اختصاص و ارتباط مخصوص بين اللفظ و المعنى، فإن أراد (قدّس سرّه) من الارتباط و الاختصاص أنس الأذهان من لفظ خاصّ، بمعنى مخصوص، بحيث ينتقل الذهن عند سماعه إلى ذلك المعنى فهذا

30

و ارتباط خاصّ بينهما، ناش من تخصيصه به تارة، و من كثرة استعماله فيه أخرى، و بهذا المعنى صحّ تقسيمه إلى التعييني و التعيّني، كما لا يخفى.

الارتباط صحيح، إلّا أنّه معلول للعلم بالوضع فيكون الوضع غير الارتباط المفروض. و إن أراد من الاختصاص أمرا آخر فلا نعرفه.

و قد يقال في المقام كما عن المحقق الأصفهاني (قدّس سرّه): إن الارتباط بين اللفظ و المعنى مما يلازم الوضع و ليس عينه، بل الوضع أمر اعتباري يشبه وضع العلم على الأرض أو الحجر على الحجر لغرض ما، غاية الأمر الوضع في المثالين حقيقي، يندرج تحت مقولة الوضع و في اللفظ اعتباري لا يندرج تحت أيّ مقولة، فلا يكون مما بإزائه شي‏ء في الخارج، و لا ممّا له منشأ انتزاع خارجي.

و يشهد لذلك أنّ الارتباط حاصل بين طبيعيّ اللفظ و طبيعيّ المعنى، و لو مع الإغماض عن وجود اللّفظ خارجا أو ذهنا، بحيث لو لم يتلفّظ أحد بلفظ الماء مثلا و لم يوجد معناه في ذهن أحد، لكان الارتباط بين لفظه و معناه موجودا، و من ذلك يظهر أنّ الوضع ليس من الأمور الاعتبارية الذهنية نظير الكليّة و الجزئيّة و النوعية و الجنسيّة، لأنّه لو كان كذلك لاحتاج إلى لحاظ اللّفظ و لكان المعروض ذهنيا مع أنّ الاختصاص الوضعي حاصل لطبيعي اللّفظ لا بما هو موجود ذهنا و لا بما هو موجود خارجا.

و دعوى أنّ قول الواضع: (وضعت هذا اللّفظ) منشأ لانتزاع الوضع فيكون من الأمور الانتزاعية- نظير ما يقال من أنّ قول البائع: (بعت المال) منشأ لانتزاع الملكية، فتوجد الملكية بمنشإ الانتزاع- لا يمكن المساعدة عليها، فإنّ الأمر الانتزاعي من منشأ يحمل العنوان الاشتقاقي المأخوذ منه، على منشئه مع أنّ العنوان الاشتقاق من الملكية و الوضع لا يحمل على صيغة بعت و لا على صيغة وضعت.

و يشهد أيضا لعدم كون اختصاص اللّفظ بالمعنى، معنى مقوليا، اختلاف أنظار

31

الأقوام و الطوائف في ارتباط لفظ بمعنى، فيرى قوم ارتباط لفظ بمعنى، و يرى آخرون ارتباطه بمعنى آخر (1).

أقول: ما ذكره (قدّس سرّه)- من كون الوضع بنفسه أمرا اعتباريا لا يندرج تحت مقولة- صحيح، و الشاهد على ذلك إمكان إلغائه، و لو كان أمرا حقيقيا لما كان يقبل الإلغاء، إلّا أنّ ما ذكره (قدّس سرّه) من كونه أمرا اعتباريا مسانخا للوضع الخارجي- كما ذكره- مما لا يمكن المساعدة عليه؛ إذ اللّفظ و إن كان يتّصف بأنّه موضوع، و المعنى لا يصحّ اتّصافه بالموضوع عليه، و إنّما يتّصف بالموضوع له، و لو كان وضع اللفظ أمرا اعتباريا من سنخ الوضع الخارجي لصحّ اتّصاف اللفظ بالموضوع عليه.

كما أنّ ما ذكره (قدّس سرّه) من أنّ الارتباط و الاختصاص لازم الوضع لا يمكن المساعدة عليه أيضا؛ و ذلك لأنّ هذا الارتباط و الاختصاص إنّما هو أنس الذهن بالمعنى من اللفظ، بحيث ينسبق المعنى إلى الذهن عند سماع اللفظ، و هذا الأنس يحصل من العلم بالوضع أو تكرار الاستعمال، لا من مجرّد الوضع و إن أريد من الارتباط و الاختصاص معنى آخر، فلا نعرفه.

و عن المحقق الايرواني (قدّس سرّه) أنّ حقيقة الوضع في الألفاظ عبارة عن تنزيل اللفظ منزلة المعنى و جعله عينه ادّعاء، و هذه العينيّة الادعائيّة يصحّحها ترتّب غرض التفهيم و التفهم عليها، و هذا الغرض المهمّ كاف في تصحيح الادّعاء فإنّه باب واسع. و ذكر قبل ذلك أنّ دلالة الألفاظ على المعاني ذاتية، و لا يحتاج في أصل دلالتها إلى الوضع، و إنّما يحتاج إلى الوضع في تعيين المعنى و تمييز المراد من‏

____________

(1) نهاية الدراية: 1/ 44.

32

المعاني من غير المراد منها، و يشهد لذلك صحّة استعمال اللفظ و حصول دلالته على نوعه أو مثله حتّى لو كان اللفظ مهملا غير موضوع لمعنى‏ (1).

أقول: لم يظهر وجه الاستشهاد، فإنّه عند إرادة النوع أو المثل لا بدّ من وجود قرينة يكون اللّفظ بها دالّا على إرادة نوعه أو مثله، و إن كانت تلك القرينة المحمول المذكور في الكلام، كما في قوله: (ضرب فعل ماض).

هذا مع الإغماض عمّا يأتي من عدم كون إرادة مثل اللّفظ أو نوعه أو شخصه من استعمال اللفظ في المعنى.

و أمّا ما ذكره (قدّس سرّه) من كون حقيقة الوضع هو الادّعاء، بأنّ هذا اللفظ عين ذلك المعنى، فيكذّبه الوجدان عند ملاحظة الوضع في الأعلام الشخصية، فإنّ حقيقته لا تختلف عن الوضع في سائر الألفاظ، مع أنّه لا تنزيل و لا ادّعاء في وضعها قطعا، فإنّ قول الوالد: (سميت ولدي محمّدا) ليس مفاده جعلته عين لفظ «محمّد» أو أنّ صورته عين ذلك اللّفظ، و يوضّح ذلك كمال الوضوح، ملاحظة أسماء ذات الحق «جلّ و علا».

و أمّا دعوى‏ (2) كون أصل الدلالة في الألفاظ ذاتية، بتقريب أنّه لو سمع شخص كلاما و كان جاهلا بوضع ألفاظه، علم أنّ المتكلّم أراد معنى ما، فيردّها أنّ علم السامع بذلك ليس ناشئا من دلالة الألفاظ ذاتا، بل من ظهور حال المتكلم العاقل بأنّه لا يفعل شيئا بلا غرض، و الغرض من الكلام عادة إرادة المعاني.

____________

(1) نهاية النهاية: 1/ 7.

(2) الدعوى منسوبة إلى عبّاد بن سليمان الصميري، قوانين الأصول: 1/ 194؛ و المحصول: 1/ 57.

33

و أمّا الالتزام بأنّ دلالة الألفاظ ليست بذاتية محضة بل بها و بالوضع معا- كما عن المحقق النائيني (قدّس سرّه)-، بدعوى أنّ كل لفظ يناسب معنى واقعا و تلك المناسبة مجهولة عندنا، و اللّه (تبارك و تعالى) عيّن كلّ لفظ لمعناه المناسب له و ألهمنا بالتكلّم بذلك اللّفظ عند إرادة ذلك المعنى، فيكون الوضع في الألفاظ أمرا متوسطا بين الأحكام الشرعية التي يحتاج إبلاغها إلى الأنام إلى إرسال الرسل و إنزال الكتب، و بين الأمور الجبلّيّة التي جبل الإنسان على إدراكها من الأمور التكوينية كالعطش و الجوع عند احتياج البدن إلى الماء و الغذاء، و لو كانت دلالة الألفاظ ذاتية محضة بلا توسيط وضع لما جهل أحد معنى لفظ، و لو عند قوم آخرين، و احتمال أنّ الواضع هو الإنسان غير صحيح؛ لأنّا نقطع بحسب التواريخ التي بأيدينا أنّه لم يكن شخص أو أشخاص وضعوا الألفاظ في لغة، فضلا عن سائر اللغات.

و مما يؤكّد ذلك أنّ جماعة لو أرادوا وضع ألفاظ جديدة في لغة بقدر الألفاظ التي في تلك اللّغة لما قدروا عليه؛ لكثرة المعاني و تعذّر تصوّرها من قبل أشخاص، فضلا عن شخص واحد. فقد ظهر أنّ حقيقة الوضع هو تعيين اللفظ لمعنى بمقتضى مناسبة له و أنّ هذا التعيين من اللّه (عزّ و جل) (1)، فغير صحيح؛ و ذلك لأنّ دعوى المناسبة الواقعيّة بين كل لفظ و معناه، مما لم يشهد بها شاهد، و ما يقال من أنّ الوضع يستلزم الترجيح بلا مرجح لو لا مناسبة واقعية، غير صحيح؛ لأنّ الغرض من الوضع- و هو التسبيب إلى تفهيم المعاني و المرادات- بنفسه كاف في تعيين أيّ لفظ لأيّ معنى، و عدم وجود اسم شخص أو أشخاص في التواريخ التي بأيدينا لا تدلّ‏

____________

(1) أجود التقريرات: 1/ 11.

34

على أنّ واضع الألفاظ هو اللّه سبحانه، إذ يحتمل أن يكون أصل الوضع في أيّ لغة قد حدث قبل التاريخ، ثمّ كملت تلك اللغة على مرّ العصور نتيجة تطوّر الأفكار و كثرة الحاجات، كما نرى بالوجدان أنّ المصنوعات و المخترعات الجديدة توضع لها الأسماء من غير أن يذكر في التاريخ من سمّاها بها، و مما ذكر يظهر الجواب عن تعذّر وضع أشخاص لغة جديدة، فضلا عن شخص واحد.

و قد ذهب سيدنا الأستاذ (قدّس سرّه) إلى أنّ وضع الألفاظ في حقيقته تعهّد و قرار من مستعمل اللفظ بأنّه كلّما أتى به أراد تفهيم المعنى الفلاني، و لا يفرّق في ذلك بين أن يكون التعهّد و القرار ابتدائيا، أو كان مسبوقا بالتعهد و الاستعمال من الآخرين فيكون مستعمل الألفاظ مع ذلك التعهّد واضعا، و لو كانت استعمالاته مسبوقة بالاستعمال من الآخرين، فإنّ عدم إعراضه عن استعمال السابقين و إقرار اللفظ على ما هو عليه إمضاء للتعهّد و القرار، فكلّ مستعمل واضع، غاية الأمر السابق- لسبقه في التعهّد و الاستعمال- يطلق عليه الواضع، و على ذلك فما يرى من خطور المعنى إلى الذهن عند سماع اللفظ و لو من غير شاعر فهو ليس من الدلالة الوضعيّة، بل منشؤه أنس الأذهان لكثرة الاستعمال‏ (1).

و لكن لا يخفى أنّه لو كان الأمر كذلك لكان الأنس حاصلا بين اللفظ و إرادة تفهيم المعنى لا نفسه.

و الصحيح أنّ الوضع في الألفاظ عبارة عن جعلها علامات للمعاني، و الغرض من جعل العلامة تفهيمها بها، فالمعنى هو الموضوع له و مسمّى اللّفظ، لا أنّ إرادة

____________

(1) محاضرات في أصول الفقه: 1/ 45.

35

ثمّ إنّ الملحوظ حال الوضع إمّا أن يكون معنى عامّا [1]، فيوضع اللّفظ له تارة، و لأفراده و مصاديقه أخرى، و إمّا يكون معنى خاصّا، لا يكاد يصحّ إلّا وضع اللفظ له دون العام، فتكون الأقسام ثلاثة، و ذلك لأنّ العام يصلح لأن يكون آلة للحاظ أفراده و مصاديقه بما هو كذلك، فإنّه من وجوهها، و معرفة وجه الشي‏ء

المعنى نفسها مسمّى اللّفظ، ثمّ إنّ هذا التعيين و جعل اللفظ علامة للمعنى قد يكون ابتدائيا، و قد يكون مسبوقا بالاستعمالات المتكررة بالعناية و ملاحظة العلاقة فيكون الوضع تعيّنيّا.

أقسام الوضع:

[1] حاصل ما ذكره (قدّس سرّه) في المقام: أنّ وضع اللفظ لمعنى يتوقّف على لحاظ ذلك المعنى، فإن كان المعنى الملحوظ عامّا يعني كليّا يكون في ذلك العامّ جهتان؛ الأولى: أنّه معنى من المعاني، و بهذا الاعتبار يكون وضع اللفظ له من الوضع العامّ و الموضوع له العامّ. و الثانية وجهة كونه عنوانا لأفراده و وجوداته و صورة لها، و بهذا الاعتبار يكون وضع اللّفظ من الوضع العامّ و الموضوع له الخاصّ فإنّ الموضوع له في الحقيقة وجوداته و أفراده غاية الأمر لم تلاحظ تلك الأفراد تفصيلا بل إجمالا، يعني بعنوانها و بالصورة المشتركة بينها.

و أمّا إذا كان المعنى الملحوظ جزئيا فبما أنّ لحاظه ليس إلّا لحاظ نفسه لا غيره من سائر الأفراد و لا للصورة المشتركة بينها حيث إنّ الجزئي لا يكون صورة لغيره فيكون وضع اللّفظ له من الوضع الخاصّ و الموضوع له الخاصّ.

نعم إذا لوحظ الجزئي فربّما ينتقل الذهن إلى أنّ له كليّا و يوضع اللفظ لذلك الكلّي، فهذا أمر ممكن إلّا أنّ الوضع في هذا الفرض كالموضوع له عامّ، فإنّه لوحظ

36

معرفته بوجه، بخلاف الخاصّ، فإنّه بما هو خاصّ، لا يكون وجها للعام، و لا لسائر الأفراد، فلا يكون معرفته و تصوّره معرفة له، و لا لها- أصلا- و لو بوجه.

نعم ربّما يوجب تصوّره تصوّر العام بنفسه، فيوضع له اللفظ، فيكون الوضع عامّا، كما كان الموضوع له عامّا، و هذا بخلاف ما في الوضع العام و الموضوع له الخاصّ، فإنّ الموضوع له- و هي الأفراد- لا يكون متصوّرا إلّا بوجهه و عنوانه،

المعنى العامّ ثانيا، بعد تصور الجزئي أوّلا، و فرق بين تصور الشي‏ء بعنوانه و صورته المرآتيّة كما في الوضع العامّ و الموضوع له الخاصّ، و بين تصوّر الشي‏ء بنفسه و لو بعد الانتقال إليه من تصوّر شي‏ء آخر كما في حالة الانتقال إلى أنّ للجزئي كليّا.

لا يقال: كون اللفظ موضوعا للجزئي أو استعماله فيه يلازم إدخال الخصوصيات الموجبة للجزئية في ذلك المعنى الموضوع له أو المستعمل فيه، و تصور العامّ في مقام الوضع أو الاستعمال لا يكون إلّا تصوّرا لنفسه و هي الجهة المشتركة بين أفراده و مع حذف خصوصيات الأفراد في الملحوظ لا يكون الموضوع له خاصا فلا بدّ من جعل الموضوع له المعنونات بذلك العنوان بأن يلاحظ ما يكون إنسانا أو غيره بالحمل الشائع و يجعل الموضوع له هو المعنون، لا العنوان، و هذا في الحقيقة انتقال إلى الجزئي، و لحاظه إجمالا بعد تصوّر العامّ و يجري ذلك في الوضع الخاصّ و الموضوع له العامّ الذي ذكر قسما رابعا للوضع بأن يلاحظ الجزئي أوّلا و يوضع اللفظ لما هو عنوان له، و بالجملة يكون في كلتا الصورتين تصور المعنى بنفسه و لو إجمالا، بعد تصور شي‏ء آخر عامّ أو خاصّ.

فإنّه يقال: إنّ إمكان الوضع العامّ و الموضوع له الخاصّ إنّما هو باعتبار أنّ لحاظ معنى بخارجيّته كاف في جزئيّته، فإنّ المعنى الكلي يمكن تصوّره بحيث يكون لحاظا لتلك الوجودات العينية، حيث إنّ الكلي عينها خارجا، كما يمكن ملاحظته بحيث‏

37

و هو العام، و فرق واضح بين تصوّر الشي‏ء بوجهه، و تصوّره بنفسه، و لو كان بسبب تصوّر أمر آخر.

و لعلّ خفاء ذلك على بعض الأعلام، و عدم تميّزه بينهما، كان موجبا لتوهّم إمكان ثبوت قسم رابع، و هو أن يكون الوضع خاصّا، مع كون الموضوع له عامّا، مع أنّه واضح لمن كان له أدنى تأمّل.

يقبل الاتصاف بالوجود و العدم. فإن كان اللّفظ قد وضع له مع الإغماض عن العينيّات الخارجيّة، بحيث يكون قابلا للاتصاف بكل من الوجود و العدم، كان الموضوع له كالوضع عامّا، و إن كان اللفظ قد وضع له بلحاظ العينيّات الخارجيّة بحيث لا يقبل الاتصاف بالوجود و العدم بل يكون الأمر فيه نظير ما في الأعلام الشخصية في عدم اتصافها بالوجود و العدم كان الموضوع له خاصّا، مثلا؛ في العنقاء يصحّ أن يقال: إنّه معدوم، و لا يصح أن يقال: زيد معدوم، بل يقال: إنّه غير باق. و الحاصل أنّ الطبيعيّ عين وجوداته خارجا، فلحاظه بجهة خارجيّته كاف في كون الموضوع له خاصا، و المراد بجهة العينيّة واقعها لا مفهوم العينيّة فإنّ مفهومها هو عين مفهوم الوجود، كما هو ظاهر.

38

ثمّ إنّه لا ريب في ثبوت الوضع الخاص و الموضوع له الخاص كوضع الأعلام، و كذا الوضع العام و الموضوع له العام، كوضع أسماء الأجناس و أمّا الوضع العام و الموضوع له الخاص، فقد توهّم أنّه وضع الحروف، و ما ألحق بها من الأسماء، كما توهّم أيضا أنّ المستعمل فيه فيها خاصّ مع كون الموضوع له كالوضع عامّا.

و التّحقيق- حسبما يؤدّي إليه النّظر الدقيق [1]- أن حال المستعمل فيه و الموضوع له فيها حالهما في الأسماء، و ذلك لأنّ الخصوصية المتوهمة، إن كانت هي الموجبة لكون المعنى المتخصّص بها جزئيا خارجيا، فمن الواضح أنّ‏

المعنى الحرفي:

[1] و بتعبير آخر إنّ مثل لفظ «من» و لفظ «الابتداء» موضوعان لمعنى واحد غاية الأمر، ذلك المعنى يلاحظ تارة بما هو هو فيستعمل فيه لفظ «الابتداء»، و أخرى يلاحظ آليّا فيستعمل فيه لفظ «من» و ليس المراد أنّ اللّحاظ الآلي أو الاستقلالي داخل في المستعمل فيه، بل هما نحوان من اللّحاظ يتعلّقان بنفس المعنى في مقام الاستعمال، و نفس ذلك المعنى- الذي يتعلّق به اللّحاظ الآلي تارة و الاستقلالي أخرى- هو الموضوع له و المستعمل فيه، فيهما.

و يدلّ على عدم كون معاني الحروف جزئيات بل كمعاني الأسماء كليّات؛ أنّ القائل بالجزئية إن أراد الخصوصية الخارجيّة الموجبة لكون المعنى جزئيا خارجيا، فمن الظاهر أنّ تلك الخصوصية غير داخلة في معاني الحروف، فإنّه كثيرا ما يكون معنى لفظ «من» كلّيا يصدق على كثيرين، كما إذا وقع تلو الأمر أو النهي، كقوله «سر من البصرة» و لذا التجأ بعض الفحول إلى جعله جزئيّا إضافيا، و هو كما ترى؛ لأنّ ما

39

كثيرا ما لا يكون المستعمل فيه فيها كذلك بل كلّيا، و لذا التجأ بعض الفحول إلى جعله جزئيا إضافيا، و هو كما ترى. و إن كانت هي الموجبة لكونه جزئيا ذهنيا، حيث إنّه لا يكاد يكون المعنى حرفيا، إلّا إذا لوحظ حالة لمعنى آخر، و من خصوصياته القائمة به، و يكون حاله كحال العرض، فكما لا يكون في الخارج إلّا في الموضوع، كذلك هو لا يكون في الذهن إلا في مفهوم آخر، و لذا قيل في تعريفه:

بأنّه ما دلّ على معنى في غيره، فالمعنى، و إن كان لا محالة يصير جزئيا بهذا اللحاظ، بحيث يباينه إذا لوحظ ثانيا، كما لوحظ أولا، و لو كان اللاحظ واحدا، إلّا أن هذا اللحاظ لا يكاد يكون مأخوذا في المستعمل فيه، و إلّا فلا بدّ من لحاظ آخر، متعلّق بما هو ملحوظ بهذا اللحاظ، بداهة أن تصوّر المستعمل فيه مما

يوجب كونه جزئيّا إضافيا غير داخل في معناها بل هو مستفاد من دالّ آخر، كمدخولها كما لا يخفى.

و إن أراد جزئيّة معاني الحروف باعتبار خصوصيّة ذهنيّة مأخوذة فيها، موجبة لكونها جزئيات ذهنيّة، بأن يكون الموضوع له نفس الوجود العرضي الذهني، بأن يقال: كما أنّ الموجود الخارجيّ قد يكون قائما بنفسه فيعبّر عنه بالجوهر و قد يكون قائما بالغير فيعبّر عنه بالعرض، كذلك الموجود الذهني فإنّ المعنى قد يلاحظ بنفسه، فيكون اسميّا، و قد يلاحظ آليّا، حالة لمعنى آخر (بأن يكون الموجود ذهنا بما هو، المعنى الآخر) فيكون حرفيا، و عليه يكون معنى الحرف باعتبار أخذ واقع اللحاظ الآلي فيه و تقوّمه بمعنى آخر، جزئيا ذهنيا.

ففيه: أن هذا اللّحاظ لا يمكن أخذه في معاني الحروف بشهادة أمور:

الأوّل: ما أشار إليه بقوله (قدّس سرّه): «و إلّا فلا بدّ من لحاظ آخر» و توضيحه: أنّه لو كان واقع اللّحاظ الآلي داخلا في معنى الحرف لزم تعدد اللّحاظ في استعماله، ضرورة

40

لا بدّ منه في استعمال الألفاظ، و هو كما ترى. مع أنه يلزم أن لا يصدق على الخارجيات، لامتناع صدق الكلّي العقلي عليها، حيث لا موطن له إلّا الذهن، فامتنع امتثال مثل (سر من البصرة) إلّا بالتجريد و إلغاء الخصوصية، هذا مع أنّه ليس لحاظ المعنى حالة لغيره في الحروف إلّا كلحاظه في نفسه في الأسماء، و كما لا يكون هذا اللحاظ معتبرا في المستعمل فيه فيها، كذلك ذاك اللحاظ في الحروف، كما لا يخفى.

أنّ الاستعمال موقوف على لحاظ المعنى و تصوّره، و قد فرضنا واقع اللحاظ الآلي دخيلا في معنى الحرف، فلا بدّ من لحاظ الابتداء آليا أوّلا، ثمّ لحاظ الملحوظ باللّحاظ الأوّل، و هذا ممّا يكذّبه الوجدان.

أقول: توقّف الاستعمال على لحاظ المستعمل فيه، و إن كان صحيحا إلّا أنّ لحاظ المستعمل فيه ليس إلّا إحضاره في أفق النفس، و إذا فرض حضور المستعمل فيه عند النفس باللّحاظ الأوّل- كما في المعلوم بالذات- فلا معنى لإحضاره فيها بلحاظ آخر و في الجملة لو كان واقع اللّحاظ الآلي مأخوذا في معاني الحروف لم يكن في استعمالها حاجة إلى أزيد من ذلك اللحاظ.

الثاني: ما ذكره (قدّس سرّه) من أنّه لو كان اللّحاظ مأخوذا في معاني الحروف لما صحّ أن تصدق معانيها على الخارجيّات؛ لأنّ الصدق عليها هو الانطباق عليها، و الانطباق هو العينيّة، و المعنى المركب و المقيد باللحاظ أمر ذهني لا ينطبق على الخارج بوجه. نعم عدم الانطباق لا يمنع الحكاية عن كثيرين فإنّ الطبيعي المقيّد بالكلّي المنطقي لا يمكن حصوله في الخارج، مع ذلك يكون كلّيا باعتبار حكايته عن كثيرين- كما في الكلي العقلي المصطلح- و على ما ذكر فيمتنع امتثال قوله «سر من البصرة» إلّا بالتجريد بإلغاء خصوصية اللّحاظ عن متعلّق الأمر.

41

و بالجملة: ليس المعنى في كلمة (من) و لفظ الابتداء- مثلا- إلّا الابتداء، فكما لا يعتبر في معناه لحاظه في نفسه و مستقلا، كذلك لا يعتبر في معناها لحاظه في غيرها و آلة، و كما لا يكون لحاظه فيه موجبا لجزئيته، فليكن كذلك فيها.

إن قلت: على هذا لم يبق فرق بين الاسم و الحرف في المعنى، و لزم كون مثل كلمة (من) و لفظ الابتداء مترادفين، صحّ استعمال كل منهما في موضع الآخر، و هكذا سائر الحروف مع الأسماء الموضوعة لمعانيها، و هو باطل بالضرورة، كما هو واضح.

قلت: الفرق بينهما إنّما هو في اختصاص كلّ منهما بوضع [1]، حيث إنّه‏

الثالث: ما أشار إليه بقوله: «مع أنّه ليس لحاظ المعنى ... إلخ» يعني ليس اللّحاظ الآلي في استعمالات الحروف إلّا نظير اللّحاظ الاستقلالي في استعمال الأسماء، و كما أنّ اللحاظ الاستقلالي غير مأخوذ في معانيها في الوضع و الاستعمال كذلك اللحاظ الآلي في استعمالات الحروف و وضعها.

ثمّ إنّ قوله (قدّس سرّه): «لامتناع صدق الكلّي العقلي عليها، أي الخارجيات» ليس كما ينبغي، فإنّ معنى الحرف بناء على تقيّده باللحاظ الآلي و إن كان كالكلّي العقلي من حيث حكايته عن كثير من الخارجيّات إلّا أنّه ليس من الكلي العقلي المصطلح عليه، و الصحيح أن يقال: لامتناع صدقه نظير امتناع صدق الكلّي العقليّ على الخارجيّات.

[1] و بتعبير آخر معنى لفظي «من و ابتداء» و إن كان أمرا واحدا يتعلّق به اللحاظ الآلي تارة، و الاستقلالي أخرى، و شي‏ء من اللحاظين غير مأخوذ في ناحية الموضوع له و المستعمل فيه إلّا أنّ الوضع في الحروف مقيّد بتعلّق اللّحاظ الآلي بمعانيها عند الاستعمال، و في الأسماء بتعلّق اللّحاظ الاستقلالي بها كذلك،

42

وضع الإسم ليراد منه معناه بما هو هو و في نفسه، و الحرف ليراد منه معناه لا كذلك، بل بما هو حالة لغيره، كما مرّت الإشارة إليه غير مرّة، فالاختلاف بين الاسم و الحرف في الوضع، يكون موجبا لعدم جواز استعمال أحدهما في موضع الآخر، و إن اتّفقا فيما له الوضع، و قد عرفت- بما لا مزيد عليه- أنّ نحو إرادة المعنى لا يكاد يمكن أن يكون من خصوصياته و مقوماته.

و اختلافهما بحسب الوضع و اختلاف شرط الوضع في كلّ منهما يوجب عدم صحّة استعمال أحدهما في موضع الآخر، و ليس المراد بالتقيد و شرط الوضع ما يرادف معنى الشرط في المعاملات، أعني الالتزام بشي‏ء في ضمن معاملة، ليقال إنّ اتّباع شروط الوضع و العمل بها غير لازم، كما لو فرضنا أنّ الواضع اشترط دفع درهم على من استعمل هذا اللفظ في هذا المعنى، بل المراد بالشرط هو ما في لسان علماء الأدب من أنّ وضع الحرف لذلك المعنى معلّق على لحاظه آليا و في الإسم على لحاظه استقلالا.

أقول: غاية ذلك عدم صحة استعمال الحرف في موضع الإسم حقيقة؛ لكونه بغير الوضع، و أمّا عدم صحته أصلا و لو بنحو المجاز، فلا موجب له، مع أنّ استعمال أحدهما موضع الآخر يعدّ غلطا، و هذا كاشف عن اختلاف المعنى في الحرف و الإسم ذاتا، و أنّ معنى الأوّل غير الآخر، لا أنّهما يختلفان باللّحاظ أو بتقيد الوضع مع اتحاد المعنى، فيبقى الكلام في ذلك الاختلاف.

و عن المحقق الاصفهاني (قدّس سرّه) أنّ الحرف موضوع للوجود الرابط الذي ذكره بعض الفلاسفة، في مقابل وجود الجوهر و العرض (الذي يعبّر عنه بالوجود الرابطيّ). و حاصل ما ذكره (قدّس سرّه) في المقام: أنّ الألفاظ الموضوعة للجواهر و الأعراض- و هي الأسماء- تكون معانيها من قبيل الماهيّات، سواء كانت متأصّلة (أي منتزعة

43

من نفس وجوداتها)، أو من الاعتبارات (أي المنتزعة من الشي‏ء باعتبار أمر آخر)، و لا يكون الوجود الخارجي أو الذهني مأخوذا في معاني الأسماء أصلا، بل تتّصف معانيها بالوجود و العدم، و في مقابل هذه الماهيّات من الجواهر و الأعراض و الانتزاعيّات وجود آخر ضعيف و دقيق في الغاية زائدا على وجود الجوهر و العرض، يظهر بالبرهان على ما استدلّوا عليه فإنّه ربّما يعلم بوجود كلّ من الجوهر (كوجود الإنسان) و العرض (كحصول الحركة)، و لكن يشكّ في قيام الحركة بالإنسان أو بغيره، و هذا دليل واضح على أنّ الحصّة الخاصّة من الحركة القائمة بالإنسان لها نحو وجود، نعبّر عنه بالوجود الرابط زائدا على أصل الحركة، و وجود الإنسان لقضاء تعلّق الشك به و تعلّق الجزم بالأخيرين و هذا الوجود الرابط لضعفه و خفائه لا يكون له ماهيّة، ليكون وضع اللّفظ لها، بل الحروف موضوعة لنفس الوجودات الروابط، و تلاحظ هذه الوجودات في مقام الوضع، و عند الاستعمال بنحو الإشارة إليها، فتكون معاني الحروف مباينة ذاتا لمعاني الأسماء؛ لأنّ الأسماء توضع للصور الذهنيّة المنطبقة على الخارج و يكون الوجود الخارجي كالوجود الذهني، خارجا عن الموضوع له و المستعمل فيه فيها، بأن يكون الموضوع له و المستعمل فيه نفس الماهيّات بخلاف الحروف، فإنّها موضوعة لما هو رابط خارجا، لا عنوان الرابط، فإنّه معنى اسمي و يلزم على ذلك أن يكون الوضع في الحروف عامّا و الموضوع له خاصّا (1).

أقول: يناقش فيما ذكره (قدّس سرّه):

____________

(1) نهاية الدراية: 1/ 51.

44

أولا: بأنّه لا سبيل إلى الجزم بأنّ في الخارج وجودا آخر غير وجود العرض و الجوهر يسمّى بالوجود الرابط، و الدليل عليل، إذ تعدّد متعلقي اليقين و الشك، لا يلزم أن يكون بتعدّد الوجود، بل يكفي فيه تعدّد الاعتبار و الجهة مع الاتحاد خارجا، فإنّه ربّما يعلم حصول الطبيعي و يشكّ في أفراده، و من الظاهر أنّ الطبيعي عين أفراده خارجا و لا وجود له غير وجودها، و على ذلك لو علم بوجود الإنسان خارجا و وجود الحركة يكون الشكّ في إضافة ما تقوم به الحركة من كونه معنونا بعنوان الإنسان أو غيره.

و ثانيا: إنّ الوجود الرّابط- على فرض تسليمه- لا يكون الموضوع له في الحروف، فإنّ الحروف تستعمل في موارد لا يكون فيها ذلك الوجود قطعا، كما يقال «الوجود للإنسان ممكن» و «لشريك الباري ممتنع» و «لذات الحق (جل و علا) واجب» مع أنّه لا رابط في شي‏ء منها بالمعنى المتقدّم أصلا.

و ثالثا: يلزم- على ما ذكر- أن لا يكون قول المخبر: (لزيد علم، و لعمرو خوف، و لبكر شجاعة) كذبا، فيما إذا لم يكن لهم شي‏ء ممّا ذكر، فإنّه في الفرض لا يكون للكلام مستعمل فيه بالإضافة إلى الحرف ليقال إنّ مدلوله غير مطابق للواقع كما هو الفرض من عدم الرابط، المدّعى كون اللّام مستعملة فيه، و يتّضح ذلك أكثر بملاحظة الحروف المستعملة في النفي و في الجواب و الاستفهام و النداء و التعجّب، إلى غير ذلك، مما لا يعقل فرض الوجود الرابط فيها.

و للمحقق النائيني (قدّس سرّه) في اختلاف معنى الإسم و الحرف كلام، ملخّصه: أنّ المعنى في الأوّل إخطاريّ، و في الثاني إيجادي، سواء كان معنى الحرف نسبيّا أو

45

غير نسبيّ، فالثاني كحروف النداء و التشبيه و الجواب و نحوها، ممّا يتحقّق باستعمالها فرد من النداء و التشبيه و الجواب أو غيرها، بخلاف الأوّل- يعني الحروف النسبيّة- فإنّه يتحقّق باستعمالها فرد من النسبة و الربط بين أجزاء الكلام بحسب معانيها.

و توضيح ذلك: أنّ الأسماء- سواء كانت معانيها من الجواهر خارجا أو من الأعراض- موضوعة لنفس المعاني التي تتّصف بالوجود الخارجيّ أو الذهنيّ تارة، و بالعدم أخرى، و هذه المعاني كلّها مستقلّة ذاتا، بمعنى أنّه يخطر عند سماع ألفاظها و معانيها في الأذهان و لو لم يكن سماعها في ضمن تركيب كلاميّ، و هذا بخلاف الحروف، فإنّه ليس لها معان استقلاليّة و إخطارية، بحيث تخطر إلى الذهن عند سماعها منفردة عن التركيب الكلامي.

ثمّ لا يخفى أنّ العرض لمّا كان لا يرتبط مفهومه و معناه- بما هو مفهوم و معنى- بمعنى المعروض و مفهومه كذلك، بل كان العرض خارجا، مرتبط بمعروضه الخارجي و ملابساته من الزمان و المكان و الآلة و المفعول و غير ذلك من الملابسات، فدعت الحاجة إلى إيجاد الربط بين معنى اللفظ الدال على العرض و معنى اللّفظ الدال على المعروض، و كذا سائر الملابسات في مقام المعاني ليقوم الربط بين المداليل في الكلام بحيث يعدّ نسبة الربط فيه إلى النسبة الخارجية مثل الظل إلى ذي الظلّ.

و ليس المراد أنّ النسبة الخارجيّة محقّقة للنسبة الكلامية، نظير فرد الإنسان خارجا، حيث إنّه يكون تحققا لطبيعيّ الإنسان، بل المراد أنّ قيام الحركة مثلا بالإنسان كاف في ارتباطها به خارجا و لكن معنى لفظ الحركة غير مرتبط بمعنى الإنسان، فوضعت الحروف لإيجاد الربط بينها في مقام التكلّم، ثمّ إنّه ربّما يكون‏

46

هذا الارتباط الكلاميّ متّفقا مع الإضافة الخارجية، توافق الظلّ و ذيه، فيكون الكلام صادقا، و ربّما لا يوافقها، فيكون كاذبا، فالمستعمل فيه في الحروف إيجادي، لكن لا كالإيجاد في إنشاء البيع و الطلب، بأن يوجد البيع و الطلب خارجا و في عالم الاعتبار، بل الإيجاد في الحروف بمعنى تحقيق الربط بين مدلول أجزاء الكلام.

نعم في الحروف غير النسبيّة يكون الموجود فردا خارجيا من النداء و التشبيه و الجواب و غير ذلك‏ (1).

أقول: يرد عليه (قدّس سرّه) أنّ دعواه بأنّ المعاني الاسمية لا يمكن لحاظها مرتبطة بنحو ارتباط بعضها ببعض إلّا بالتكلّم بالحروف، لا يمكن الالتزام بها، حيث يمكن للإنسان لحاظ شيئين مرتبطين خارجا بما هما عليه من الارتباط، فكما أنّ اللّفظ الموضوع لكلّ منهما يحكي عنهما خارجا بصورتهما المرآتيّة، كذلك الحرف بصورته المتدلّية في معناهما، يحكي عمّا هما عليه من الارتباط خارجا، فيمكن وضع لفظ للصورة المتدلّية في صورتي الشيئين المرتبطين خارجا، و يكون اللفظ بحكايته عن تلك الصورة المتدلّية (الحاكية عن الخارج) موجبا لحصول الارتباط بين معنى كلّ من الاسمين.

و بتعبير آخر: يكون الفرق بين معاني الأسماء و الحروف أنّ معاني الأسماء إخطارية، بمعنى أنّه ينسبق منها معانيها إلى الأذهان و لو عند التلفّظ بكلّ منها منفردا، بخلاف الحروف فإنّه لا ينسبق منها المعاني إلّا إذا تلفّظ بها في ضمن تركيب كلامي و مع التلفظ بمدخولها و هذا معنى كون معاني الحروف غير إخطاريّة.

____________

(1) أجود التقريرات: 1/ 16.

47

و ممّا ذكر ظهر أنّه لا مقابلة بين إخطاريّة معنى اللّفظ و بين كونه إيجاديا حتّى يكون نفي الأول مستلزما لإثبات الثاني.

ثمّ إنّه (قدّس سرّه) ذكر أنّ معاني الحروف تكون آليّة و مغفولا عنها، بخلاف الأسماء.

فهذا لا يمكن المساعدة عليه أيضا، فإنّه إن كان المراد بالآليّة عدم كون تفهيمها هو المقصود الأصلي للمتكلم، فمن الظاهر أنّه كثيرا ما يكون الغرض الأصلي من التكلّم تفهيم الارتباط بين شيئين خارجا، لعلم السامع بحصول كلّ منهما و عدم علمه بالارتباط الخاصّ بينهما، و إن كان المراد أنّ نظر المتكلّم إلى صورها المتدلّية في غيرها نظر مرآتي، فهذا النظر المرآتي حاصل في معاني الأسماء و غيرها، حيث إنّ المتكلّم عند التكلّم ينظر بالمعاني التي هي في حقيقتها صور للأشياء إلى نفس الأشياء في مواطنها.

إذن فالحقّ في المقام و الذي يقتضيه التأمّل في معاني الحروف هو أنّها موضوعة لإفادة خصوصيّة في مدلول مدخولاتها بحسب الوعاء المناسب لتلك المدخولات، فمثلا لفظة «في» موضوعة لتدخل على الإسم و تدلّ على أنّ مدخولها متّصف بكونه ظرفا بحسب الخارج.

و ليس المراد أنّ لفظة «في» ترادف لفظ «الظرف» ليكون معنى «في» ظرفا بالحمل الأوّلي أو بالحمل الشائع، بل المراد أنّ معنى لفظ «ظرف» معنى اسمي و أنّ لفظة «في» وضعت لتكون بعد دخولها على الإسم دالّة على أنّ ذلك المدخول موصوف خارجا بكونه ظرفا لشي‏ء يذكر في الكلام أو ذكر سابقا، كما أنّ «كاف التشبيه» موضوعة لتكون دالّة على أنّ المعنيّ بذلك الإسم خارجا مشبّه به، و لفظة «من» وضعت لتكون دالّة على أنّ مدلول ذلك الإسم خارجا معنون بعنوان المبدأ،

48

و كلمة «نعم» موضوعة لتدخل على الجملة و لتدلّ على أنّ مضمونها هو الجواب و لفظة «لا» موضوعة لتدخل عليها فتدل على انتفاء مضمون تلك الجملة بحسب الخارج و هكذا و هكذا، كما هو الحال في الاعراب و الهيئات الداخلة على الأسماء و الجمل.

و بتعبير آخر: كما أنّ حالات الإعراب موضوعة لتدلّ على أنّ معنى مدخولها بحسب الخارج متّصف بكونه مصداقا للفاعل أو المفعول أو غيرهما، كذلك الحروف موضوعة لتكون بدخولها على الإسم أو غيره دالّة على خصوصيّة مدخولها بحسب الخارج، فمثلا إذا قيل: (الصلاة في المسجد أفضل من الصلاة في غيره) يكون لفظ «في» دالّا على أنّ المسجد متّصف بكونه ظرفا فتكون الهيئة الكلامية دالّة على أنّ الصلاة المفروض كون المسجد ظرفا لها محكومة بما ذكر، و عليه فلفظة «في» لم توضع لتقييد معنى الصلاة و تضييقها بالظرف.

نعم بما أنّها موضوعة للدلالة على كون مدخولها ظرفا، تكون الصلاة المفروض لها الظرف الخاصّ أخصّ من طبيعيّ الصلاة، و أمّا إذا لم يكن في البين شي‏ء قابل للتضييق لم يحصل ذلك التقييد كما في قولنا (زيد كالأسد) أو (في الدار) إلى غير ذلك.

و الحاصل؛ أنّ الفرق بين الحروف و الأسماء في أنّ الأسماء موضوعة للعناوين (و لذا تكون معانيها إخطاريّة بالمعنى المتقدّم) بخلاف الحروف، فإنّها موضوعة لتدل على اتّصاف مدخولاتها بالعناوين بحسب الوعاء المناسب لتلك المدخولات (و لذا تكون معانيها في مداليل مدخولاتها).

و مما ذكر يظهر ضعف القول بأنّ الحروف موضوعة لتضييق معاني الأسماء

49

و تقييدها (1). فإنّ التقييد و التضييق و إن كان يحصل في المورد القابل له عند استعمال الحروف في معانيها إلّا أنّه لم يكن بموضوع لها، بل التضييق و التقييد لازم للمعاني الحرفية في المورد القابل.

لا يقال: ما الفرق بين لفظ «زيد» الحاكي عن مصداق خاصّ للإنسان، و بين لفظة «في» الحاكية عن مصداق الظرف، فلو كان مجرّد الحكاية عن مصداق عنوان موجبا لكونه حرفا، لزم كون معنى لفظ «زيد» أيضا حرفيا.

فإنّه يقال: معنى لفظ «زيد» إخطاري يحكي عن نفس المصداق و لو بعنوان مشير إليه و لا يحكي عن جهة كونه مصداقا لعنوان الإنسان، بل الحاكي عن هذه الجهة الهيئة التركيبية في قولنا «زيد إنسان»، و هذا بخلاف لفظة «في» حيث إنّ معناها لا يكون إخطاريا، و لفظة «في» لا تحكي عن نفس مصداق عنوان الظرف، بل الحاكي عن نفس المصداق مدخولها، و هو لفظ الدار، فيكون مدلول لفظة «في» اتّصاف مدخولها بكونه ظرفا. و بما ذكرناه من معنى الحروف تبيّن صحّة تعريف الحرف بأنّه: ما دلّ على معنى في غيره، على أن يكون المراد بالغير مدخوله كما ذكرنا ذلك في ناحية وضع الإعراب.

كما تبيّن أيضا أنّ ما اشتهر من عدم المعنى للإعراب، غير صحيح على إطلاقه، فإنّ الإعراب و إن لم يكن له معنى إخطاريّ إلّا أنّه إذا دخل على المعرب دلّ على خصوصية في معناه بحسب الوعاء المناسب له، فما قيل من أنّ الحروف لو كانت كالاعراب في عدم المعنى، لزم أن يكون معنى مفردات الكلام مساويا لمعنى‏

____________

(1) محاضرات في أصول الفقه: 1/ 75.

50

الكلام، بأن يكون معنى «زيد» «دار» مساويا لمعنى «زيد في الدار» غير صحيح؛ إذ هو يبتني على أن يكون الإعراب لا معنى له، و قد عرفت خلافه.

لا يقال: ما الفرق بين معاني أسماء الأعراض و معاني الحروف، فكما أنّ العرض يكون خصوصية بحسب الخارج لمعروضه، كذلك معاني الحروف.

فإنّه يقال: إنّ أسماء الأعراض تحكي عن نفس الخصوصية بنحو الإخطار، و لو لم تكن في ضمن تركيب كلامي، غاية الأمر تكون وجوداتها قائمة بالمعروض، و كون وجوداتها كذلك بإدراك العقل لا بدلالة اللفظ، بخلاف الحروف فإنّه ليس لها معان إخطارية، بل حيث تدخل على الأسماء تكون دالّة على أنّ مدخولاتها متّصفة بالعناوين الاسميّة في الوعاء المناسب لها، و يعبّر عن تلك العناوين الاسمية بالأعراض و الخصوصيّات.

و قد انقدح ممّا تقدّم أنّ معاني الحروف لا تتّصف بالكلّية و الجزئية؛ لكونها متدلّيات بمعاني مدخولاتها، فإن كان مدخول الحروف كلّيا أو مما يصدق على الكلّ و الأبعاض، كانت معاني الحروف الداخلة عليه كذلك، فيكون معناها قابلا للتقييد بتبع تقييد المدخول، و إن كان مدخولها جزئيّا كان معنى الحرف الداخل عليه قابلا للتعيين بحسب ما يقبله ذلك الجزئيّ من التعيين بحسب الحال و الزمان.

و بتعبير آخر: الأزمنة التي توجد فيها الدار المزبورة كحالاتها متعددة فيمكن تقييدها ببعضها، و الحرف الداخل على كلمة الدار يقبل هذا النحو من التقييد، و إن لم يكن مدخول الحرف قابلا حتّى لهذا النحو من التقييد، لم يك معنى الحرف قابلا للتقييد أصلا، كما في أوّل ساعة من يوم الجمعة من الشهر الفلاني من السنة الفلانية، فإذا قيل: (مات زيد في أوّل ساعة من ذلك اليوم) فلا يكون المعنى الحرفي قابلا

51

ثمّ لا يبعد أن يكون الاختلاف في الخبر و الإنشاء أيضا كذلك [1]، فيكون الخبر موضوعا ليستعمل في حكاية ثبوت معناه في موطنه، و الإنشاء ليستعمل في قصد تحقّقه و ثبوته، و إن اتّفقا فيما استعملا فيه، فتأمّل.

للتقييد. هذا كلّه في تقييد معاني الحروف، و أمّا تقييد معاني الهيئات فيأتي الكلام فيها في بحث الواجب المطلق و المشروط إن شاء اللّه تعالى.

الخبر و الإنشاء:

[1] يعني كما أنّ الفرق بين الإسم و الحرف لم يكن إلّا في ناحية الوضع مع كون الموضوع له و المستعمل فيه واحدا فيهما، فلا يبعد أن يكون الفرق بين الجملة الخبرية و الجملة الإنشائيّة كذلك، بأن يكون الموضوع له و المستعمل فيه فيهما واحدا، غاية الأمر الوضع في الجملة الإنشائيّة مشروط بإرادة المعنى بنحو خاصّ، و في الجملة الخبرية بإرادته بنحو آخر.

توضيح ذلك أنّ ثبوت النسبة في موطنها و انتفائها فيه على اختلاف أنحائها لها صور عند النفس، و لو كانت تلك الصور متدلّية في طرفيها، مثلا نسبة المحمول إلى الموضوع واقعها اتّحادهما وجودا بنحو خاصّ، أو مفهوما أيضا، و نسبة المبدأ إلى الفاعل عبارة عن قيام المبدأ به صدورا أو حلولا أو غيرهما، و الصور في جميع ذلك هي الموضوع لها في الهيئات و تلك الصور و إن كان لها وجودات في أفق النفس إلّا أنّ الهيئات لم توضع لتلك الوجودات بل وضعت لذواتها، و إذا خاطب المتكلم شخصا بقوله: (أطلب منك ضرب زيد) بنحو الإخبار، أو (طلبت ضربه منك)، و قال الآخر لمخاطبه: (اضرب زيدا) إنشاء، فالكلامان مترادفان في المعني، و إنما يختلفان في نحو إرادة ذلك المعنى، فإنّه في الإخبار يقصد المتكلم الحكاية عن ثبوت المضمون‏

52

في موطنه، و في الإنشاء يقصد أن يثبت ذلك المضمون و يتحقّق في موطنه.

و مما ذكرنا يظهر أنّ في عبارته (قدّس سرّه) حيث قال: «في حكاية ثبوت معناه» و «في قصد تحقّقه» تسامحا، فإنّ المناسب تبديل لفظة «في» باللّام؛ لأنّ الحكاية أو التحقّق غاية للاستعمال في الإخبار و الإنشاء كما هو المدّعى، لا أنّهما داخلان في الموضوع له أو المستعمل فيه.

و بتعبير آخر: الفرق بين مثل قول المولى لعبده (أطلب خروجك إلى السفر) بنحو الإخبار، و بين قوله لعبده الآخر: (أخرج إلى السفر) إنشاء، بعد اشتراكهما في أنّ مدلول كلّ منهما ثبوت طلب الخروج من المولى، هو أنّ الشرط في وضع هيئة فعل المضارع كون الداعي للمستعمل من نقل ثبوت الطلب إلى ذهن المخاطب، حكاية ثبوته، بينما الشرط في وضع صيغة افعل كون الداعي إرادة ثبوت الطلب بذلك الاستعمال.

و قد ظهر مما ذكرنا أنّه لا فرق عند الماتن (قدّس سرّه) بين قول القائل: (بعت داري بكذا) إخبارا، و بين قوله: (بعت داري بكذا) إنشاء، إذ الهيئة فيهما قد استعملت في معنى واحد، و هو ثبوت بيع الدار، و كذا قوله: (اضرب زيدا) إنشاء، و (أطلب منك ضرب زيد) إخبارا، فإنّهما قد استعملا في ثبوت الطلب و البيع، و إنّما الاختلاف في أنّ إنشاء البيع بقوله: (بعت داري) استعمال بغير الوضع و إنشاء الطلب في (اضرب زيدا) استعمال بالوضع. نعم ربّما لا يكون ثبوت الشي‏ء أو ثبوته لشي‏ء آخر قابلا للإنشاء، نحو: زيد أسود اللون، و هذا لا يوجب أن لا يكون المستعمل فيه ثبوت سواد اللون لزيد، بل المستعمل فيه ذاك، فلا يكون قصد الحكاية داخلا في الموضوع له و المستعمل فيه.

53

و ذكر المحقق الاصبهاني (قدّس سرّه) أنّ الأمر في مثل قوله «بعت داري» من الصيغ المشتركة بين الإخبار و الإنشاء هو كما ذكره (قدّس سرّه) من أنّ المستعمل فيه للهيئة نسبة بيع الدار إلى المتكلّم، و هذه النسبة تكون لقصد الحكاية تارة، و لقصد الإنشاء أخرى.

و أمّا في مثل قوله: (اضرب زيدا) و قوله: (أطلب منك ضرب زيد) ممّا لا اشتراك فيه بين الجملة الإنشائية و الجملة الخبرية لفظا و هيئة، فلا يتمّ ذلك؛ لأنّ الأوّل موضوع للبعث الاعتباري لا بما هو هو، بحيث يكون البعث ملحوظا بذاته، بل بما هو نسبة بين المتكلّم و المادّة و المخاطب، و لذا لا تكون لتلك النسبة واقعية لتطابقها أو لا تطابقها.

و بتعبير آخر: كما أنّه إذا حرّك شخص غيره نحو الفعل تحريكا خارجيا لا يكون ذلك التحريك الخارجي ملحوظا بذاته، بل الملحوظ هو الفعل من المحرّك، كذلك في التحريك و البعث الإنشائي الاعتباري، يكون الملحوظ بالذات نفس المادّة من المخاطب، كما في قوله: (اضرب زيدا)، و أمّا إذا قال: (أبعثك نحو ضرب زيد) أو (أحرّكك نحو ضرب زيد) أو (أطلب منك ضرب زيد) إخبارا، فليس الملحوظ بالذات ضرب زيد (بأن يكون البعث مفاد الهيئة و ملحوظا لا بذاته) حتّى يقال لا فرق في المعنى بين الهيئة الإنشائيّة و الإخباريّة؛ لأنّ البعث معنى واحد، و التفاوت باللّحاظ غير المقوّم للمستعمل فيه، بل مضمون الهيئة و مدلولها في موارد الإخبار نسبة نفس البعث إلى المتكلّم بنسبة صدوريّة، و كم فرق بين النسبة البعثيّة و بين نسبة البعث‏ (1)؟

أقول: يرد على المصنّف (قدّس سرّه) أنّه لو لم يك فرق في ناحية المستعمل فيه‏

____________

(1) نهاية الدراية: 1/ 61.

54

و الموضوع له في قوله: (اضرب زيدا) إنشاء، و (أطلب منك ضرب زيد) إخبارا؛ لكان استعمال الأوّل في مورد الثاني صحيحا، غاية الأمر لا يكون الاستعمال على طبق الوضع فيحتاج إلى القرينة، كما تقدّم في استعمال الحروف في موضع الإسم.

و يرد على ما ذكره المحقّق الأصفهاني (قدّس سرّه) أنّ ما ذكره هو بيان للفرق بين الهيئة الداخلة على المادّة المضاف إليها الطلب، كما في قوله: (اضرب زيدا) و بين الهيئة الداخلة على مادّة الطلب عند إرادة الحكاية عن نفس الطلب، كقوله: (أطلب منك ضرب زيد) و أنّه يكون الطلب في الأوّل ملحوظا آليّا، و في الثاني ملحوظا استقلالا، و هذا الفرق ممّا لا بدّ منه على مسلكهم، حيث إنّ استعمال الهيئة في الأوّل في الطلب لا يزيد على استعمال الحروف، بخلاف قوله: (أطلب منك ضرب زيد» فإنّ دلالته على الطلب بمادّته و بمدخول الهيئة، و معنى الطلب فيه لا بدّ أن يكون ملحوظا بذاته، كالمعنى الاسمي في استعمال سائر الأسماء إلّا أنّ هذا ليس فرقا بين الإنشاء و الإخبار، فإنّه لو قصد من قوله (أطلب منك ضرب زيد) الإنشاء لكان بين مدلوله و مدلول قوله (اضرب زيدا) ذلك الفرق، بمعنى أنّ المنتسب إلى المتكلّم في الثاني هو الضرب بنسبة طلبيّة و بعثيّة، و في الأوّل المنسوب إليه طلب الضرب بنسبة قياميّة، و ليس هذا محل الكلام و إنّما الكلام في المائز بين الإنشاء و الإخبار و أنّ ذلك الميز داخل في المستعمل فيه و الموضوع له، أو أنّه أمر خارج عنهما و أنّه شرط للوضع في كلّ من الجملة الإنشائيّة و الخبريّة.

و يشهد لما ذكرنا أنّه لو أراد من قوله (أطلب منك ضرب زيد) الإنشاء تارة و الإخبار أخرى، لما كان بينهما فرق في كون الطلب المتعلّق بضرب زيد ملحوظا بذاته، كما لا يخفى.