دروس في مسائل علم الأصول - ج3

- الميرزا جواد التبريزي المزيد...
445 /
5

[تتمه المقصد الثانى النواهى‏]

[تتمه اجتماع امر و نهى‏]

و ينبغي التنبيه على أمور:

الأول: إن الاضطرار إلى ارتكاب الحرام‏

،

و إن كان يوجب [1] ارتفاع حرمته، و العقوبة عليه مع بقاء ملاك وجوبه- لو كان- مؤثرا له، كما إذا لم يكن بحرام بلا كلام، إلّا أنه إذا لم يكن الاضطرار إليه بسوء الاختيار، بأن يختار ما يؤدي إليه لا محالة، فإن الخطاب بالزجر عنه حينئذ، و إن كان ساقطا، إلّا أنه حيث يصدر عنه مبغوضا عليه و عصيانا لذاك الخطاب و مستحقا عليه العقاب، لا يصلح لأن يتعلق به الإيجاب، و هذا في الجملة مما لا شبهة فيه و لا ارتياب.

و إنما الإشكال فيما إذا كان ما اضطر إليه بسوء اختياره، مما ينحصر به التخلص عن محذور الحرام، كالخروج عن الدار المغصوبة فيما إذا توسطها بالاختيار في كونه منهيا عنه، أو مأمورا به، مع جريان حكم المعصية عليه، أو بدونه، فيه أقوال، هذا على الامتناع.

و أما على القول بالجواز، فعن أبي هاشم أنه مأمور به و منهي عنه، و اختاره الفاضل القمي، ناسبا له إلى أكثر المتأخرين و ظاهر الفقهاء.

الاضطرار إلى ارتكاب الحرام‏

[1] كان الأولى للماتن (قدّس سرّه) تغيير هذه العبارة فإنّها لا تخلو عن التعقيد و دأبه (قدّس سرّه) في الكتاب هو الإيجاز بلا تعقيد.

و قوله: «مؤثرا له» راجع إلى بقاء ملاك وجوبه، يعني يبقي ملاك وجوبه مؤثرا في الوجوب لو كان فيه ملاكه.

فمراده أنّه لا كلام و لا تأمّل في ارتفاع حرمة الفعل و ارتفاع استحقاق العقاب‏

6

و الحق أنه منهي عنه بالنهي السابق الساقط بحدوث الاضطرار إليه، و عصيان له بسوء الاختيار، و لا يكاد يكون مأمورا به، كما إذا لم يكن هناك توقف عليه، أو بلا انحصار به، و ذلك ضرورة أنه حيث كان قادرا على ترك الحرام رأسا، لا يكون عقلا معذورا في مخالفته فيما اضطر إلى ارتكابه بسوء اختياره، و يكون معاقبا عليه، كما إذا كان ذلك بلا توقف عليه، أو مع عدم الانحصار به، و لا يكاد يجدي توقف انحصار التخلص عن الحرام به، لكونه بسوء الاختيار.

إن قلت: كيف لا يجديه، و مقدمة الواجب واجبة؟

قلت: إنما يجب المقدمة لو لم تكن محرمة، و لذا لا يترشح الوجوب من الواجب إلّا على ما هو المباح من المقدمات دون المحرمة مع اشتراكهما في المقدمية.

عليه في مورد الاضطرار إليه و مع ارتفاع حرمته و العقاب على ارتكابه لو كان فيه ملاك الوجوب يؤثر ذلك الملاك في وجوبه فعلا كتأثير ملاك الوجوب في وجوب فعل لم يكن بحرام أصلا.

و لكن هذا ينحصر بما إذا لم يكن الاضطرار إلى- الفعل الذي فيه ملاك الوجوب- بسوء الاختيار و أمّا لو كان بسوء الاختيار كما إذا اضطر إليه بارتكاب محرم آخر، أو ارتكاب فعل يعلم بأنّ ارتكابه ينجرّ إلى ارتكاب الحرام فحرمته الفعلية و إن كانت ترتفع أيضا إلّا أنّ مبغوضيته و استحقاق العقوبة عليه يبقيان على حالهما و لا يمكن أن يؤثر ملاك الوجوب في وجوبه و لا شبهة في ارتفاع الحرمة و بقاء المبغوضية و عدم تأثير ملاك الوجوب في وجوبه في الموارد التي لا ينحصر التخلّص عن الحرام الأهمّ في ارتكاب الحرام المضطرّ إليه بسوء الاختيار.

و أمّا في مورد انحصار التخلّص عنه في ارتكابه، ففيه خلاف كما في الخروج عن الدار المغصوبة فيما إذا توسّطها بسوء الاختيار فهل التصرف الخروجي فيها

7

و إطلاق الوجوب بحيث ربما يترشح منه الوجوب عليها مع انحصار المقدمة بها، إنما هو فيما إذا كان الواجب أهم من ترك المقدمة المحرمة، و المفروض هاهنا و إن كان ذلك إلّا أنه كان بسوء الاختيار، و معه لا يتغير عما هو عليه من الحرمة و المبغوضية، و إلّا لكانت الحرمة معلّقة على إرادة المكلف و اختياره لغيره، و عدم حرمته مع اختياره له، و هو كما ترى، مع أنه خلاف الفرض، و أن الاضطرار يكون بسوء الاختيار.

إن قلت: إن التصرف في أرض الغير بدون إذنه بالدخول و البقاء حرام، بلا إشكال و لا كلام، و أما التصرف بالخروج الذي يترتب عليه رفع الظلم، و يتوقف عليه التخلص عن التصرف الحرام، فهو ليس بحرام في حال من الحالات، بل حاله حال مثل شرب الخمر، المتوقف عليه النجاة من الهلاك في الاتصاف بالوجوب في جميع الأوقات.

منهي عنه، أو مأمور به مع جريان حكم المعصية عليه، أو لا يجري عليه حكم المعصية وجوه، هذا على القول بامتناع اجتماع الأمر و النهي.

و أمّا بناء على جواز الاجتماع قيل إنّه مأمور به و منهي عنه و اختاره الفاضل القمي (قدّس سرّه) ناسبا له إلى أكثر المتأخرين و ظاهر الفقهاء و قد اختار (قدّس سرّه) أنّ التصرف الخروجي فيها منهي عنه بالنهي السابق الساقط بالاضطرار و يستحق العقاب عليه لكونه عصيانا بالنهي السابق و لا يمكن أن يكون مأمورا به شرعا كما إذا لم يكن في البين توقف عليه للتخلّص عنه أو لم ينحصر التخلّص به؛ لأنّ المكلف كان متمكنا من تركه بترك الدخول و لا يكون عند العقل معذورا في مخالفة النهي حتى مع اضطراره إلى ارتكابه بسوء اختياره، و أنّ توقف انحصار التخلّص عن الحرام عليه لا يجدي في وجوبه لكونه بسوء الاختيار هذا بالإضافة إلى مراد الماتن (قدّس سرّه).

لا يقال: إذا كان الحرام مضطرا إليه بحيث لا بدّ للمكلف من ارتكابه فلا يكون ملاك وجوبه مؤثرا في وجوبه فإنّ ايجابه مع الاضطرار إليه من طلب الحاصل.

8

و منه ظهر المنع عن كون جميع انحاء التصرف في أرض الغير مثلا حراما قبل الدخول، و أنه يتمكن من ترك الجميع حتّى الخروج، و ذلك لأنه لو لم يدخل لما كان متمكّنا من الخروج و تركه، و ترك الخروج بترك الدخول رأسا ليس في الحقيقة إلّا ترك الدخول، فمن لم يشرب الخمر، لعدم وقوعه في المهلكة التي يعالجها به مثلا، لم يصدق عليه إلّا أنه لم يقع في المهلكة، لا أنه ما شرب الخمر فيها، إلّا على نحو السالبة المنتفية بانتفاء الموضوع، كما لا يخفى.

و بالجملة لا يكون الخروج- بملاحظة كونه مصداقا للتخلص عن الحرام أو سببا له- إلّا مطلوبا، و يستحيل أن يتصف بغير المحبوبية، و يحكم عليه بغير المطلوبية.

فإنّه يقال: الاضطرار إلى الارتكاب لا يخرج الفعل عن الاختيار بل يمكن عقلا تركه مع ارتفاع حرمته عقلا كما إذا توقف حياته على أكل الميتة فإنّ إيجاب أكلها لا يكون من طلب الحاصل.

أضف إلى ذلك أنّ الحرام الساقط حرمته بالاضطرار كثيرا ما لا يكون تمام الواجب بل بعضه فيكون الأمر بذلك الواجب بعد سقوط الحرمة بالاضطرار إلى الحرام أمرا ممكنا كما في الأمر بالصلاة مع الركوع و السجود الاختياريين للمحبوس في الدار المغصوبة ظلما و نظير ذلك ما إذا أكره على التصرف في الماء المملوك للغير و دار الأمر بين أن يستعمله في وضوئه أو في تصرف آخر فإنّه يتعين عليه صرفه في وضوئه و بتعبير آخر يخرج بالإكراه عن عنوان فاقد الماء.

حكم الصلاة حال الخروج‏

ثمّ يقع الكلام في التصرف في الدار المغصوبة بالخروج عن الغصب و التخلّص عنه فيما إذا توسّطها بسوء الاختيار فهل هو واجب شرعا حيث التزم صاحب الفصول (قدّس سرّه) أنّه واجب شرعا مع جريان حكم المعصية عليه، و التزم الشيخ‏

9

قلت: هذا غاية ما يمكن أن يقال في تقريب الاستدلال على كون ما انحصر به التخلص مأمورا به، و هو موافق لما أفاده شيخنا العلامة (أعلى اللّه مقامه)، على ما في تقريرات بعض الأجلّة، لكنه لا يخفى أن ما به التخلص عن فعل الحرام أو ترك الواجب، إنما يكون حسنا عقلا و مطلوبا شرعا بالفعل، و إن كان قبيحا ذاتا إذا لم يتمكن المكلف من التخلص بدونه، و لم يقع بسوء اختياره، إما في الاقتحام في ترك الواجب أو فعل الحرام، و إما في الإقدام على ما هو قبيح و حرام، لو لا أن به التخلص بلا كلام كما هو المفروض في المقام، ضرورة تمكنه منه قبل اقتحامه فيه بسوء اختياره.

و بالجملة كان قبل ذلك متمكنا من التصرف خروجا، كما يتمكن منه دخولا، غاية الأمر يتمكن منه بلا واسطة، و منه بالواسطة، و مجرد عدم التمكن منه إلّا بواسطة لا يخرجه عن كونه مقدورا، كما هو الحال في البقاء، فكما يكون تركه مطلوبا في جميع الأوقات، فكذلك الخروج، مع أنه مثله في الفرعية على الدخول، فكما لا تكون الفرعية مانعة عن مطلوبيته قبله و بعده، كذلك لم تكن مانعة عن مطلوبيته، و إن كان العقل يحكم بلزومه إرشادا إلى اختيار أقل المحذورين و أخف القبيحين.

الأنصاري (قدّس سرّه) بوجوبه من غير جريان حكم المعصية عليه، و اختاره المحقق النائيني (قدّس سرّه)، أو أنّه غير مأمور به شرعا بل منهي عنه بالنهي السابق الساقط فيقع عصيانا و لكن العقل يرشد إلى اختياره من باب ارشاده إلى ارتكاب أقل المحذورين كما عليه الماتن (قدّس سرّه).

فالصحيح هو قول الماتن (قدّس سرّه) بتقريب: أنّ الحركة في الدار المغصوبة و لو للتخلّص عن الغصب داخل في التصرف في مال الغير بلا رضاه و كان المكلّف متمكّنا عن تركه و لو بتركه الدخول فيها و لذلك كان منهيا عنه كالتصرف بالدخول فيها، و كما أنّ الدخول كان عصيانا للنهي عن التصرف فيها كذلك الخروج عنها بعد

10

و من هنا ظهر حال شرب الخمر علاجا و تخلصا عن المهلكة، و أنه إنما يكون مطلوبا على كل حال لو لم يكن الاضطرار إليه بسوء الاختيار، و إلّا فهو على ما هو عليه من الحرمة، و إن كان العقل يلزمه إرشادا إلى ما هو أهم و أولى بالرعاية من تركه، لكون الغرض فيه أعظم، [ف‏] من ترك الاقتحام فيما يؤدي إلى هلاك النفس، أو شرب الخمر، لئلا يقع في أشد المحذورين منهما، فيصدق أنه تركهما، و لو بتركه ما لو فعله لأدّى لا محالة إلى أحدهما، كسائر الأفعال التوليدية، حيث يكون العمد إليها بالعمد إلى أسبابها، و اختيار تركها بعدم العمد إلى الأسباب، و هذا يكفي في استحقاق العقاب على الشرب للعلاج، و إن كان لازما عقلا للفرار عما هو أكثر عقوبة.

و لو سلم عدم الصدق إلّا بنحو السالبة المنتفية بانتفاء الموضوع، فهو غير ضائر بعد تمكنه من الترك، و لو على نحو هذه السالبة، و من الفعل بواسطة تمكنه مما هو من قبيل الموضوع في هذه السالبة، فيوقع نفسه بالاختيار في المهلكة، أو يدخل الدار فيعالج بشرب الخمر و يتخلص بالخروج، أو يختار ترك الدخول و الوقوع فيهما، لئلا يحتاج إلى التخلص و العلاج.

الدخول، عصيان لذلك النهي السابق و مع وقوع الحركة المزبورة عصيانا لا يتعلّق بها الوجوب، فإنّ الشارع لا يأمر بما نهى عنه و لا بعصيان نهيه.

لا يقال: كيف يكون التصرف فيها بالخروج كالتصرف فيها بالدخول عصيانا مع أنّ التصرف الخروجي فيها مقدمة للواجب و هو ترك الغصب و كونه خارج الدار المغصوبة، فالمفروض في المقام نظير ما إذا اضطرّ إلى شرب الماء المتنجس حفاظا على نفسه عن الهلاك حتى فيما كان اضطراره إلى شربه بسوء اختياره كما إذا علم قبل دخوله في المكان أنّه يضطرّ إلى شرب الماء المتنجس فيه إذا دخل فيه، و لو بني على أنّ الحركة الخروجية عصيان للنهي السابق المتعلّق بالدخول فكيف يجب إفراغ‏

11

إن قلت: كيف يقع مثل الخروج و الشرب ممنوعا عنه شرعا و معاقبا عليه عقلا؟ مع بقاء ما يتوقف عليه على وجوبه، و وضوح سقوط الوجوب مع امتناع المقدمة المنحصرة، و لو كان بسوء الاختيار، و العقل قد استقل بان الممنوع شرعا كالممتنع عادة أو عقلا.

قلت: أولا: إنما كان الممنوع كالممتنع، إذا لم يحكم العقل بلزومه إرشادا إلى ما هو أقل المحذورين، و قد عرفت لزومه بحكمه، فإنه مع لزوم الإتيان بالمقدمة عقلا، لا بأس في بقاء ذي المقدمة على وجوبه، فإنه حينئذ ليس من التكليف بالممتنع، كما إذا كانت المقدمة ممتنعة.

دار الغير عن نفسه حيث إنّ الواجب لا ينحصر مقدمته على الحرام و مع الانحصار إمّا أن يسقط وجوب الواجب أو يرتفع حرمة المقدمة، و لو فرض بقاء الواجب على وجوبه فيكون ارتكاب تلك المقدمة حسنا عقلا و واجبا غيريا بالفعل شرعا و مع قطع النظر عن توقّف الواجب عليها يكون قبيحا ذاتا و محرّما شرعا.

و الحاصل أنّ الالتزام بوقوع الحركة الخروجية في الدار المغصوبة عصيانا للنهي السابق الساقط مساوق للالتزام بسقوط التكليف عن إفراغ نفسه عن الغصب.

فإنّه يقال: يلتزم بفعليّة التكليف بالأهمّ و هو إفراغ نفسه عن الغصب، و يكفي في وجوبه فعلا سقوط حرمة مقدّمته بالفعل و إرشاد العقل إلى اختيارها اقتصارا على أقلّ المحذورين، و ليس المراد أنّ الحركة الخروجية لم تكن محرّمة أصلا أو لم تصدر عن المكلّف مبغوضا فإنّ ذلك ينافي حرمة الغصب مطلقا، بل لا يمكن الالتزام بعدم حرمة التصرّف الخروجي على تقدير الدخول بأن تكون تلك الحركة على تقدير الدخول غير محرّم لا يستحقّ المكلّف عليها عقابا فإنّ هذا بمعنى تحريم الشي‏ء على تقدير تركه، فالحركة الخروجية محرّمة على تقدير ترك الدخول، و هذا من قبيل‏

12

و ثانيا: لو سلم، فالساقط إنما هو الخطاب فعلا بالبعث و الإيجاب لا لزوم إتيانه عقلا، خروجا عن عهدة ما تنجز عليه سابقا، ضرورة أنه لو لم يأت به لوقع في المحذور الأشد و نقض الغرض الأهم، حيث إنه الآن كما كان عليه من الملاك و المحبوبية، بلا حدوث قصور أو طروء فتور فيه أصلا، و إنما كان سقوط الخطاب لأجل المانع، و إلزام العقل به لذلك إرشادا كاف، لا حاجة معه إلى بقاء الخطاب بالبعث إليه و الإيجاب له فعلا، فتدبر جيدا.

طلب الحاصل، و المفروض أنّ الحركة الخروجية و الاضطرار إليها بسوء الاختيار و معه لا ينتفي العقاب عليها و تقع مبغوضا عليها لا محالة.

غاية الأمر يسقط النهي الفعلي عنها لعدم كونه رادعا عنها لاضطراره إلى التصرّف في الدار المغصوبة. و مع إرشاد العقل إلى اختيارها لكونها أقلّ محذورا لا مانع عن أمر الشارع بما يتوقّف عليها أو نهيه عمّا يتوقّف تركه على ارتكابها.

و لا يكون أمره بذلك الواجب إيجابا غيريا للحركة الخروجية، فإنّ الوجوب الغيري لا يتعلّق بالمنهي عنه من المقدّمة، هذا أوّلا.

و ثانيا: لو سلّم أنّ الأمر بذلك الواجب الأهم أيضا يسقط لعدم إمكان إيجاب مقدّمته لكن سقوط إيجابه أيضا كسقوط النهي عن الحركة الخروجية بسوء الاختيار حيث إنّه لو لم يدخل في الدار المغصوبة لكان متمكّنا من ترك الغصب بأقسامه، كما أنّه لو لم يذهب إلى المكان المزبور لم يرتكب شرب النجس و لم يوقع نفسه في المهلكة، و العقل في مثل ذلك يرشد إلى شرب الماء المتنجّس اقتصارا على أقل المحذورين، فالساقط إيجاب ذي المقدّمة بالبعث إليه فعلا لا لزوم رعايته عقلا، حيث كان وجوب التحفّظ على النفس من الهلكة و حرمة إيقاعها في الهلكة منجّزين قبل الدخول في المكان المزبور.

13

و قد ظهر مما حققناه فساد القول بكونه مأمورا به، مع إجراء حكم المعصية عليه [1] نظرا إلى النهي السابق، مع ما فيه من لزوم اتصاف فعل واحد بعنوان واحد بالوجوب و الحرمة، و لا يرتفع غائلته باختلاف زمان التحريم و الإيجاب، قبل الدخول و بعده، كما في الفصول، مع اتحاد زمان الفعل المتعلق لهما، و إنما المفيد اختلاف زمانه و لو مع اتحاد زمانهما، و هذا أوضح من أن يخفى، كيف؟ و لازمه وقوع الخروج بعد الدخول، عصيانا للنهي السابق، و إطاعة للأمر اللاحق فعلا، و مبغوضا و محبوبا كذلك بعنوان واحد، و هذا مما لا يرضى به القائل بالجواز، فضلا عن القائل بالامتناع.

[1] ذكر فى الفصول أنّ التصرّف في الدار بالحركة الخروجية موجب لاستحقاق العقاب عليها لكونها مخالفة للنهي السابق عنه الساقط بالدخول فعلا للاضطرار إليها، و لكنّها مقدّمة للتخلّص عن الغصب فتكون واجبة بالفعل و لا منع عن كون الفعل الواحد متعلّقا لكلّ من الحرمة و الوجوب بحسب زمانين‏ (1).

و أورد على ذلك الماتن (قدّس سرّه) بأنّ الفعل الواحد لا يمكن أن يتعلّق به تكليفان و لو في زمانين و لا يرتفع محذور التكليف المحال بتعدّد زماني التكليفين مع وحدة المتعلّق، و إنّما ترتفع الغائلة بتعدّد المتعلّق و إن كان زمان التكليفين واحدا، و المفروض في المقام وحدة المتعلّق و عدم التعدّد فيه حتّى من جهة العنوان حيث إنّ عنوان المقدّمة عنوان تعليلي يتعلّق الوجوب الغيري بذات المقدّمة لا بعنوانها، كما تقرّر في بحث المقدّمة.

أقول: يستفاد من كلامه (قدّس سرّه) أنّ الحركة الخروجية منهيّ عنها بالنهي السابق‏

____________

(1) الفصول: 111.

14

كما لا يجدي في رفع هذه الغائلة، كون النهي مطلقا و على كل حال، و كون الأمر مشروطا بالدخول، ضرورة منافاة حرمة شي‏ء كذلك، مع وجوبه في بعض الأحوال.

و أما القول بكونه مأمورا به و منهيا عنه، ففيه- مضافا إلى ما عرفت من امتناع الاجتماع فيما إذا كان بعنوانين، فضلا عما إذا كان بعنوان واحد كما في المقام، حيث كان الخروج بعنوانه سببا للتخلص، و كان بغير إذن المالك، و ليس التخلص إلّا منتزعا عن ترك الحرام المسبب عن الخروج، لا عنوانا له- أن الاجتماع هاهنا لو سلم أنه لا يكون بمحال، لتعدد العنوان، و كونه مجديا في رفع غائلة التضاد، كان محالا لأجل كونه طلب المحال، حيث لا مندوحة هنا، و ذلك لضرورة عدم صحة تعلق الطلب و البعث حقيقة بما هو واجب أو ممتنع، و لو كان الوجوب أو الامتناع بسوء الاختيار، و ما قيل إن الامتناع أو الإيجاب بالاختيار لا ينافي الاختيار، إنما هو في قبال استدلال الأشاعرة للقول بأن الأفعال غير اختيارية، بقضية أن الشي‏ء ما لم يجب لم يوجد.

الساقط و لا تجب شرعا مع كونها مقدّمة منحصرة للواجب الأهمّ تكليفا أو ملاكا، و إنّما يرشد العقل إلى اختيارها للابتلاء بأقلّ المحذورين فيعاقب عليها كما يعاقب على الدخول.

أمّا ما ذكره من كون الحركة الخروجيّة كانت قبل الدخول في الدار منهيا عنها و يسقط النهي عنها بالدخول للاضطرار إليها و لو بسوء الاختيار و كون السقوط بسوء الاختيار موجبا لاستحقاق العقاب عليها لاستحقاقه على الدخول فيها، فهو أمر صحيح، لأنّ بقاء النهي عن تلك الحركة بعد الدخول في الدار لغو محض، فإنّ التكليف إنّما يصحّ فيما إذا صحّ عند وصوله إلى المكلف أن ينضمّ إليه حكم العقل بلزوم رعايته و موافقته، و هذا الانضمام كان قبل الدخول في الدار، و أمّا بعده فالعقل يرشد إلى اختيار تلك الحركة لا بلزوم رعاية النهي عنها الذي كان قبل الدخول،

15

فانقدح بذلك فساد الاستدلال لهذا القول، بأن الأمر بالتخلص و النهي عن الغصب دليلان يجب إعمالهما، و لا موجب للتقييد عقلا، لعدم استحالة كون الخروج واجبا و حراما باعتبارين مختلفين، إذ منشأ الاستحالة: إما لزوم اجتماع الضدين و هو غير لازم، مع تعدد الجهة، و إما لزوم التكليف بما لا يطاق و هو ليس بمحال إذا كان مسببا عن سوء الاختيار، و ذلك لما عرفت من ثبوت الموجب للتقييد عقلا و لو كانا بعنوانين، و أن اجتماع الضدين لازم و لو مع تعدد الجهة، مع عدم تعددها هاهنا، و التكليف بما لا يطاق محال على كل حال، نعم لو كان بسوء الاختيار لا يسقط العقاب بسقوط التكليف بالتحريم أو الإيجاب.

و سقوط النهي عنها بعد الدخول في الدار ليس معناه تعليق تحريم الحركة الخروجية على ترك الدخول في الدار ليقال إنّ النهي المعلّق على ترك الدخول من قبيل طلب الحاصل، بل سقوطه نظير سقوطه بالإضافة إلى الدخول لكون الغاية من النهي عنها تركها بترك الدخول فيها و كون بقائه بعد الدخول فيها لغوا مع إرشاد العقل إلى اختيارها لدفع الأفسد على ما تقدّم.

و أمّا الالتزام بكونها مقدّمة منحصرة للواجب الأهمّ و مع ذلك لا يتعلّق بها الوجوب الغيري لعدم إمكان الأمر بالمنهي عنه و لو كان النهي و الأمر في زمانين، فلا يمكن المساعدة عليه.

أمّا أوّلا، فلأنّ الدخول في الدار و الخروج عنها و البقاء فيها كلّها محرّمة بعنوان التصرّف في ملك الغير و ما له بلا طيب نفسه، حيث إنّ التصرّف كذلك في ملك الغير ظلم و عدوان عليه، فكون المكلّف تاركا للتصرف في ملك الغير و ماله ليس واجبا شرعيا و إنّما يكون ترك التصرّف تركا للحرام، و لكن الحركة الخروجية ملازمة لترك فرد آخر من الحرام و هو التصرّف البقائي لا أنّها مقدّمة لترك فرد آخر حتّى يقال بأنّ‏

16

الواجب لا يمكن أن تنحصر مقدّمته على المحرّم فعلا.

و بالجملة سقوط النهي الفعلي عن الحركة الخروجية لكون بقاء النهي عنها لغوا مع إرشاد العقل إلى اختيارها.

و من هنا يظهر أنّه لا مجال لما ذكره (قدّس سرّه) من سقوط التكليف خطابا بالإضافة إلى الواجب الأهمّ، فإنّ تحريم التصرّف المكثى في الدار المغصوبة لا يسقط، لأنّ بقاء النهي بالإضافة إليه ليس بلغو، بل ينضمّ إليه حكم العقل بلزوم رعايته.

و أمّا ثانيا، لو أغمضنا عمّا ذكرنا و فرضنا المقدّمية في حرام سقطت حرمته بالعصيان أو بالاضطرار اليه، فالفعل الواحد لا يمكن أن يكون منهيا عنه في زمان و مأمورا به في زمان آخر فيما إذا كان الأمر به نفسيّا كالنهي عنه في السابق، لأنّ النهي عن الحركة الخروجية نفسيا ينشأ عن مفسدة غالبة فيها و مع حفظ هذا الفساد الغالب كما هو المفروض لا يمكن الأمر بها نفسيا لاقتضائه الصلاح الغالب و لو كان الأمر بها بعد الدخول في الدار.

بخلاف ما إذا كان الأمر بها غيريا كما هو الحال في وجوب المقدّمة، فلا بأس بالأمر بها لسقوط النهي عنها، فإنّ النهي عنها قبل الدخول كان يستدعى تركها بترك الدخول و مع سقوطه فلا بأس بالأمر الغيري بها الذي ملاكه توقّف الواجب الأهمّ عليها.

و بالجملة كما ذكرنا مرارا أنّ المنافاة بين الأمر بالشي‏ء و النهي عنه تنشأ إمّا عن ملاك التكليفين أو عن مقتضاهما، و المفروض أنّ النهي السابق قد سقط عن الاقتضاء بعد الدخول فلا مانع من الأمر بها و لو مع صدورها مبغوضة لأنّ هذا الأمر غيري يقتضي الفعل، و لكن لم ينشأ عن الصلاح في المتعلّق.

17

و بتعبير آخر: منافاة التكليف النفسي للغيري تنشأ عن الاقتضاء، و إذا فرض سقوط التكليف النفسي عن الاقتضاء فلا بأس بالأمر الغيري.

لا يقال: قد ذكر في مبحث كون الاجازة كاشفة أو ناقلة في العقد الفضولي إمكان جعل المبيع ملكا لشخصين من حين العقد إلى زمن الاجازة، فبناء على الكشف يكون المبيع ملكا للبائع واقعا قبل الاجازة و بعدها ملكا للمشتري واقعا، و لا منافاة بينهما لتعدّد زمانهما، و كما يمكن اعتبار المال الواحد ملكا لاثنين بحسب اختلاف زمان الجعلين كذلك يمكن جعل تكليفين و تعلّقهما بفعل واحد في زمانين.

فإنّه يقال: ما ذكر في مثل الملكية من أحكام الوضع مما يكون الصلاح في نفس اعتبارها لا بأس به، حيث يمكن الصلاح في اعتبار الملكية للمالك الأصلي إلى زمان إجازته البيع الفضولي و يكون اعتبارها بعد إجازته للمشتري صلاحا، و هذا بخلاف الأحكام التكليفية التي يكون الغرض منها الانبعاث أو الزجر عن المتعلّق، فلو كان الزجر عن فعل في زمان فالغرض منه المنع عن إيجاده، و مع هذا الفرض كيف يمكن البعث إلى نفس ذلك الفعل المنهي عنه في زمان آخر أو على تقدير.

نعم إذا أمكن اختصاص النهي بغير ذلك التقدير فيمكن الأمر بذاك الفعل على التقدير الآخر، و المفروض أنّ اختصاص النهي عن الحركة الخروجية على تقدير عدم الدخول في الدار المغصوبة غير ممكن لأنّ لازمه النهي عن الشي‏ء مشروطا بتركه، فيدخل في طلب الحاصل في كون النهي لغوا، و هذا بخلاف الأحكام الوضعية التي يكون الصلاح في نفس جعلها و لو لخصوصية في موضوعها، فيمكن اختصاص تلك الخصوصية ما لم يحصل تقدير آخر، و مع حصوله يكون الصلاح في تغيير الاعتبار.

18

نعم لا بأس بذلك عند سقوط النهي بعد الدخول لكون بقائه لغوا بالأمر الغيري بالحركة الخروجية.

بقي الكلام فيما ذكره المحقّق النائيني (قدّس سرّه) لتأييد ما اختاره الشيخ الأنصاري (قدّس سرّه) من عدم كون الحركة الخروجية محرّمة أصلا، حيث قال: الحركة الخروجية حتّى بعد الدخول في الدار لا تكون من الاضطرار إلى الحرام بسوء الاختيار، بل تكون واجبة من جهة ردّ المال إلى مالكه فإنّ ردّه إليه في غير المنقول بالتخلية بينه و بين مالكه و يشهد لكونها من ردّ المال إلى مالكه لا من الاضطرار إلى الحرام بسوء الاختيار أمور:

الأوّل: أنّ في موارد الاضطرار إلى الحرام بسوء الاختيار لا بدّ من أن يكون الفعل خارجا عن سلطان العبد و اختياره، و بما أنّ الخروج لم يخرج عن الاختيار فلا يكون موجبا لسقوط العقاب، بخلاف ترك الحج بتركه المسير إليه في زمان لا يتمكّن مع المسير في غير ذلك الزمان من إدراك الحج، فيكون ترك الحج مع ترك المسير إليه في الزمان المزبور ضروريا، و أمّا الحركة الخروجية فإنّه بعد الدخول في الدار تكون تلك الحركة في اختيار العبد لتمكنه من ترك الخروج بالمكث.

نعم يكون مع الدخول مضطرا إلى مقدار ما من التصرّف في تلك الدار بالمكث أو بالحركة الخروجية، و هذا غير الاضطرار إلى الحركة الخروجية فالجامع مضطر اليه لا الخصوصية، بل هذه الحركة تدخل في ردّ المال إلى مالكه نظير ردّه اليه في المنقولات في عدم كونه غصبا و تعدّيا على المالك في ماله ليكون منهيا عنه قبل الدخول في الدار، و تسقط حرمتها بالدخول بخطابها، لا بملاكها ليوجب استحقاق العقاب عليها (1).

____________

(1) أجود التقريرات 1/ 376.

19

و ربّما يجاب عن هذا الوجه بأنّ الاضطرار إلى الحركة الخروجية من الاضطرار إلى الحرام بسوء الاختيار، فإنّ مع حرمة التصرّف في الدار المغصوبة بالبقاء و المكث بغير الحركة الخروجية يكون على المكلّف اختيار الحركة الخروجية حسب إرشاد العقل، و هذا كاف في صدق الاضطرار إليها، و لذا لو كان الدخول لا بسوء الاختيار كما إذا دخل جهلا أو نسيانا أو إكراها كان المضطر إليه هي الحركة الخروجية لا البقاء و المكث بغيرها، و لا يعتبر في الاضطرار بسوء الاختيار أو بغيره خروج الشي‏ء إلى الامتناع، و إنّما يعتبر ذلك في الاضطرار إلى ترك الواجب، حيث إنّ المكلّف إذا ترك ما يتوقّف عليه فعل الواجب يكون تركها مع ترك مقدّمتها ضروريا، بخلاف الاضطرار إلى الحرام.

أقول: قد أشرنا إلى اختلاف الاضطرار و أنّه قد لا يوجب خروج الشي‏ء إلى الامتناع، بلا فرق بين الواجب و الحرام، كما إذا أحرز المكلف في نهار شهر رمضان أنّه لو وقف في مكان حارّ يضطر إلى شرب الماء لدفع عطشه العارض عليه، فإنّ مع وقوفه في المكان المزبور لا يكون إفطاره ضروريا و إنّما يترك صومه للتحفظ على نفسه الذي وجوب حفظها أهمّ فيكون ترك الصوم من باب دفع الأفسد بالفاسد و لذا لو أمر الشارع بالصوم و ترك الإفطار حتّى في هذه الحال لم يكن من التكليف بالممتنع.

نعم لا يمكن الأمر بالصوم فعلا مع الأمر بالتحفّظ على النفس فإنّه من التكليف بما لا يطاق، و مع ذلك لتفويته ملاك الصوم الواجب يعاقب عليه.

و إذا تبيّن عدم الملازمة بين الاضطرار إلى الشي‏ء بسوء الاختيار و خروجه إلى الامتناع فنقول التصرّف في الدار بالدخول فيها و الحركة الخروجية و البقاء فيها كلّها من التصرّف في ملك الغير بلا رضا صاحبه و مقتضى كون حرمة التصرّف انحلاليا

20

حرمة كلّ منهما.

غاية الأمر التكليف المستفاد من الخطاب مع انحلاله يسقط بالإضافة إلى الدخول فيها بالعصيان، و كذا بالإضافة إلى الحركة الخروجية فإنّه بعد إرشاد العقل إلى اختيارها دفعا للأفسد بالفاسد يكون نهي الشارع بالفعل لغوا و لكن يكون المكلف معاقبا على ارتكاب الفاسد و إيقاع نفسه في فساده.

و ردّ المال إلى مالكه يجب شرعا فيما لم يكن الاستيلاء عليه عدوانا كما في ردّ الأمانات و الاستيلاء على مال الغير غفلة أو إكراها أو جهلا. و أمّا إذا كان عدوانا و ظلما فالفعل يرشد إليه لتعنونه- ما لم يصل إلى يد المالك- بالعدوان عليه لا الإحسان إليه.

و بالجملة يجري على التصرّف في مال الغير زمن الردّ إلى مالكه- فيما كان وضع اليد عليه عدوانا- ما ذكر في الحركة الخروجية فيما إذا كان الدخول في دار الغير عدوانا من كونه من دفع الأفسد بالفاسد و أنّه يسقط النهي عن التصرّف المزبور لإرشاد العقل إلى اختياره مع أنّ المكلّف يعاقب على التصرّف المزبور بالنهي السابق الساقط، نعم لا بأس بالأمر به غيريا بناء على كونه مقدّمة للتخلّص عن الحرام الأشد، و لكن قد تقدّم منع المقدّمية.

الثاني: أنّ الموجب للدخول في قاعدة الامتناع بالاختيار المسقط للتكليف دون سقوط العقاب، أن يكون في الفعل ملاك ملزم على تقدير القدرة عليه بالإتيان بمقدّمته الإعدادية و عدم القدرة عليه بترك مقدّمتها كالحج في الموسم، فإنّ بعد تحقّق الاستطاعة للمكلّف يكون في حجّه ملاك ملزم، سواء خرج إليه المكلّف أم ترك الخروج إليه حتّى امتنع إدراك الموقفين في زمانهما فيكون المكلّف معاقبا على ترك الحج بسوء الاختيار و هذا بخلاف الحركة الخروجية فإنّها لا يمكن أن تتحقّق‏

21

بدون الدخول في الدار المغصوبة ليتعلّق بها التكليف فعلا أو تركا أو يكون فيها ملاك ملزم قبل الدخول‏ (1).

و فيه أنّ كلا من الدخول في دار الغير بلا رضا مالكها و الحركة الخروجية فيها و التصرّف البقائي فيها محرّم بعنوان الغصب أو التصرّف في مال الغير و يكون ملاك تحريمها المفسدة الكامنة في كلّ منها و لو مع الاختلاف في الأشدّية و عدمها، و يكفي ذلك في النهي عن جميعها قبل الدخول لتمكّن المكلّف من الاجتناب عن جميعها بترك الدخول فيها و بعد الدخول فيها لا بدّ من أحد الأمرين إمّا التصرّف البقائي أو الحركة الخروجية فقد أوقع نفسه في الفساد باختيار الدخول فيها فيعاقب على ما يختاره من الحركة الخروجية أو التصرّف البقائي، و لكن بما أنّ محذور الثاني أشدّ يرشد العقل إلى اختيار الأوّل لكون فساده أقلّ، و مع إرشاده إليه يسقط النهي عنه بالدخول فيها كما تقدّم، فالعقاب على ارتكابه الفاسد الذي كان منهيا عنه، بلا فرق بين أن يكون سقوطه بامتناع الترك كمن ألقى نفسه من شاهق يموت بوقوعه على الأرض لا محالة، فإنّ النهي عن قتل النفس يسقط بعد الإلقاء لامتناع تركه، أو أن يكون سقوطه لإرشاد العقل إلى اختياره حتّى لا يبتلي بالمحذور الأشد المعبّر عن ذلك بالاضطرار بسوء الاختيار.

و بتعبير آخر: الامتناع بسوء الاختيار و إن كان يوجب سقوط التكليف و ثبوت العقاب إلّا أنّ سقوط التكليف و ثبوت العقاب لا ينحصران بصورة امتناع الترك حتّى يقال إنّ الأمر في الحركة الخروجية ليس كذلك فإنّها لا تمتنع بعد الدخول بل يتمكّن‏

____________

(1) أجود التقريرات 1/ 377.

22

المكلّف من اختيارها.

و الثالث: أنّ في مورد قاعدة الامتناع بالاختيار يكون الشي‏ء مقدورا بالإتيان بمقدّمته كالحج في الموسم حيث يتمكّن المكلّف منه بالسير في زمان يدرك الموقفين بالخروج في ذلك الزمان، و فيما نحن فيه تخرج الحركة الخروجية عن الاختيار بالإتيان بمقدّمتها يعني الدخول في الدار المغصوبة (1).

و فيه: أوّلا: ما تقدّم من عدم انحصار سقوط التكليف و ثبوت العقاب على صورة الامتناع بسوء الاختيار.

و ثانيا: المطلوب في النواهي ترك الفعل، و ترك الفعل لا يحتاج إلى المقدّمة، بل ربّما يكون تركه بترك مقدّمته كما في ترك الحركة الخروجية، فإنّه يكون بترك الدخول.

و ثالثا: أنّ ما ذكره من أنّ في موارد الامتناع بالاختيار يكون الشي‏ء مقدورا بالإتيان بمقدّمته غير صحيح، بل يكون الواجب مقدورا بالتمكّن على مقدّمته و لذا يثبت التكليف به قبل الإتيان بمقدّمته.

و الرابع: أنّ الحركة الخروجية واجبة في الجملة و لو عقلا، و هذا يكشف عن مقدوريتها، و معه لم يكن ما يوجب سقوط خطابه شرعا من باب الاضطرار (2).

و فيه: أنّه قد تقدّم عدم ملاك وجوب نفسي و لا غيري فيها و ردّ المال إلى مالكه في الفرض ليس واجبا شرعيا زائدا على دفع حرمة الغصب و التصرّف في مال الغير عدوانا بالغصب و التصرّف الأشدّ.

____________

(1) أجود التقريرات 1/ 377.

(2) أجود التقريرات 1/ 378.

23

ثمّ إنّه كما أشرنا سابقا إلى عدم اختصاص الاضطرار بسوء الاختيار بموارد ارتكاب محرّم أو ترك واجب يضطرّ معهما إلى محرّم آخر أو ترك واجب آخر بل يجري في ارتكاب محلّل يعلم أنّ مع ارتكابه يضطرّ إلى ترك الواجب أو فعل الحرام، فإنّ هذا أيضا يعني ارتكاب المحلّل في نفسه من الاضطرار بسوء الاختيار فيما كان التكليف بذلك الواجب أو النهي عن ذلك الحرام فعليا كما مثّلنا في الوقوف في مكان حار في نهار شهر رمضان يضطرّ معه إلى شرب الماء؛ لأنّ مع فعلية التكليف بهما يكون مقتضى حكم العقل رعايتهما.

نعم، إذا لم يكن التكليف في زمان ارتكاب المحلّل فعليا فلا بأس بالارتكاب، فإنّ مقتضى حديث رفع الاضطرار ارتفاع التكليف في ظرفه إلّا إذا كان في البين دليل على وجوب التحفظ على القدرة على امتثالهما في ظرف التكليف بهما.

لا يقال: يمكن التمسّك في عدم حرمة الحركة الخروجية بحديث الرفع‏ (1)، و كذا ما دلّ على أنّ كلّ شي‏ء ممّا حرّم اللّه يكون حلالا بطريان الاضطرار عليه و لو كان بسوء الاختيار كموثقتي سماعة و أبي بصير (2).

فإنّه يقال: رافعيّة الاضطرار المستفادة من الحديث تختصّ بغير موارد سوء الاختيار، و صورة إدخال النفس في الاضطرار يعدّ اختيارا لا اضطرارا، فلا يعمّه حديث الرفع الوارد في مقام الامتنان.

و أمّا قوله (عليه السلام): «و ليس شي‏ء ممّا حرّم اللّه إلّا و قد أحلّه لمن اضطرّ إليه»

____________

(1) الوسائل: ج 11، باب 56 من أبواب جهاد النفس، الحديث 1.

(2) الوسائل: ج 4، باب 1، من أبواب القيام، ح 6 و 7.

24

فمنصرف عن صورة إيقاع النفس في الاضطرار متعمّدا في مثل الحركة الخروجية التي تكون حلّيتها بعد الدخول في الدار المغصوبة موجبة للغوية حرمتها قبل الدخول على ما مرّ.

الاضطرار إلى الجزء أو الشرط

و ينبغي في المقام التعرّض لأمر، و هو أنّه إذا ثبت كون شي‏ء جزءا أو شرطا أو مانعا لمتعلّق الأمر و اضطرّ المكلّف إلى ترك الجزء أو الشرط أو الإتيان بالمانع فإن كان لدليل الجزئية أو الشرطية أو المانعية إطلاق بأن كان الدالّ على الجزئية و القيدية خطابا لفظيا مثل قوله (عليه السلام) «لا صلاة إلّا بطهور» (1) أو قوله تعالى: إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ‏ (2) فبالاضطرار إلى ترك الجزء أو الشرط أو فعل المانع يحكم بسقوط الأمر بذلك الواجب لحصول الاضطرار إلى ترك الواجب الذي مقتضى خطاب الجزء أو القيد عدم حصوله بدونهما، إلّا إذا قام دليل خاص على سقوط اعتبار الجزء أو القيد لا أصل وجوب الفعل كما هو الحال في الصلاة و نحوها، و كذا يجب الإتيان بأصل الواجب إذا لم يكن لدليل اعتبار الجزء أو القيد إطلاق و كان للأمر بذلك الفعل إطلاق، و وجوب أصل الفعل في الفرض ليس لدليل رفع الاضطرار بل للأخذ بإطلاق خطاب وجوبه حيث لم يثبت له تقييد بذلك الجزء أو القيد في هذه الحال.

و إذا لم يكن لشي‏ء من دليل وجوب الفعل و دليل اعتبار الجزء أو القيد إطلاق‏

____________

(1) الوسائل: ج 1، باب 1 من أبواب الوضوء، الحديث 1.

(2) سورة المائدة: الآية 6.

25

يحكم بسقوط الواجب كما هو مقتضى أصالة البراءة عن وجوبه، و هذا بناء على عدم جريان الاستصحاب في الشبهة الحكمية. و أمّا بناء على جريانه فيها ففي المقام تفصيل يذكر في محلّه.

و قد ظهر مما تقدّم أنّه لو وجب التكفير بعتق رقبة مؤمنة و لم يتمكّن المكلّف إلّا من عتق رقبة كافرة لا يجب عليه عتقها، حيث إنّ حديث الرفع يرفع ما لا يتمكّن على امتثاله و هو عتق رقبة مؤمنة و لا يثبت وجوب غيره.

لا يقال: ما ذكر ينافي المستفاد من موثّقتي سماعة و أبي بصير، ففي الأولى «سألته عن الرجل يكون في عينيه الماء فينتزع الماء منها فيستلقي على ظهره الأيام الكثيرة أربعين يوما أو أقل أو أكثر فيمتنع من الصلاة الأيام إلّا إيماء و هو على حاله فقال: لا بأس بذلك و ليس شي‏ء ممّا حرّم اللّه إلّا و قد أحلّه لمن اضطرّ إليه» (1)، و في الثانية: «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن المريض هل تمسك له المرأة شيئا فيسجد عليه؟

فقال: لا، إلّا أن يكون مضطرّا ليس عنده غيرها و ليس شي‏ء ممّا حرّم اللّه إلّا و قد أحلّه لمن اضطرّ إليه» (2)، فإنّ مقتضى الاستشهاد برفع الاضطرار سقوط ما يضطرّ إلى تركه من الجزء أو القيد عن الاعتبار دون وجوب أصل الواجب.

فإنّه يقال: مقتضى الاستشهاد سقوط وجوب الصلاة الاختيارية عن المضطرّ إلى تركها و وجوب مقدار الممكن من الصلاة لأهمّية الصلاة و عدم سقوطها بحال، و لذا لا يتمسّكون في اعتبار قاعدة الميسور بالحديثين، و لو فرض أنّ ظاهرهما

____________

(1) الوسائل: ج 4، باب 1 من أبواب القيام، الحديث 6.

(2) الوسائل: ج 4، باب 1 من أبواب القيام، الحديث 7.

26

ثم لا يخفى أنه لا إشكال في صحة الصلاة مطلقا في الدار المغصوبة على القول بالاجتماع [1]، و أما على القول بالامتناع، فكذلك، مع الاضطرار إلى‏

استشهاد الإمام (عليه السلام) برفع الاضطرار على وجوب المقدار الممكن فهو من قبيل التقريب لا الاستشهاد حقيقة.

الاضطرار في الوضعيّات‏

و مما ذكرنا يظهر الحال في الاضطرار إلى عدم رعاية القيد في الموضوع للحكم الوضعي كما إذا اضطرّ إلى ترك رعاية قيد في المعاملة و نحوها مثل الاضطرار إلى طلاق زوجته بلا استشهاد عدلين، فإنّه لا يحكم بصحّة الطلاق المفروض أو اضطرّ المدعي إلى الإتيان بشاهدين غير عدلين، حيث إنّ الاضطرار إلى ذلك لا يوجب اعتبار شهادة غير العدلين، أو اضطرّ وليّ المسلمين إلى نصب قاض فاقد للوصف المعتبر في القاضي النافذ قضائه، فإنّ الاضطرار في أمثال ذلك لا يوجب ترتّب أثر واجد القيود على فاقده، و ذلك لأنّ ظاهر ما دلّ على رافعية الاضطرار أنّ الاضطرار إذا طرأ على الفعل أو الترك يرفع المنع الذي كان في ذلك الفعل أو الترك، و في الموارد المزبورة لم يثبت مع قطع النظر عن الاضطرار منع عن الفعل أو الترك بل الثابت فيهما عدم الإمضاء و النفوذ، و عنوان الاضطرار رافع لا أنّه مثبت للحكم و النفوذ، و المانعية للشي‏ء عن الفعل تحصل من الأمر بالفعل المقيّد بعدم ذلك الشي‏ء، و بالاضطرار إلى الإتيان به مع ذلك الشي‏ء يرتفع وجوب أصل الفعل كما تقدّم، لأنّ ثبوت المانعية له كان بذلك الأمر فيرتفع، و لكن لا يثبت الأمر بغير المقيّد إلّا بدليل آخر.

الصلاة في الدار المغصوبة

[1] تعرّض (قدّس سرّه) لحكم الصلاة في الدار المغصوبة.

27

الغصب، لا بسوء الاختيار أو معه و لكنها وقعت في حال الخروج، على القول‏

أقول: ينبغي صرف الكلام في حكم الصلاة في الدار المغصوبة على القول بامتناع الاجتماع في موارد التركيب الاتحادي و تقديم جانب النهي فيها و أنّ حكم الصلاة فيها هل يختلف في موردي الاضطرار إلى الغصب لا بسوء الاختيار، و الاضطرار بسوء الاختيار، و كذا في سعة الوقت أو في ضيقه أم لا يختلف؟

بعد الفراغ من أنّ الصلاة في الدار المغصوبة محكومة بالصحّة بناء على جواز اجتماع الأمر و النهي بلا فرق بين صورتي الاختيار و الاضطرار و بلا فرق بين كون الاضطرار بسوء الاختيار أو من غير سوء الاختيار كما تقدّم ذلك في الأمر العاشر، و الذي يتعيّن عند التأمّل و القول بعدم جواز الاجتماع و تقديم جانب النهي هو الحكم بصحّة الصلاة في الدار المغصوبة عند الاضطرار لا بسوء الاختيار بلا فرق بين سعة الوقت و ضيقه، و التمكّن من الإتيان بها خارج تلك الدار و لو في آخر الوقت أو عدمه، كلّ ذلك لسقوط النهي بالاضطرار فتدخل الصلاة المأتي بها في تلك الدار في إطلاق متعلّق الأمر، فيعمّه الترخيص في التطبيق حتّى في صورة تمكّن المكلّف من الإتيان بها قبل خروج الوقت عند ارتفاع اضطراره إلى الغصب لما ذكر من شمول إطلاق المتعلّق و ثبوت الترخيص في التطبيق.

و لكن مع ذلك فقد التزم المحقّق النائيني (قدّس سرّه) من لزوم تأخيرها إلى خارج الغصب مع سعة الوقت و التمكّن من الإتيان بها خارجه، و إن لم يتمكّن من التأخير كذلك يصلي في الغصب موميا للركوع و السجود، لكون الركوع و السجود الاختياريين من التصرّف الزائد على التصرّف المضطرّ إليه عرفا، فيدخل الهوي إلى الركوع و السجود في التصرّف المنهي عنه و إن كان كلّ منهما بحسب النظر العقلي غير زائد على ما يضطرّ إليه من التصرّف في تلك الدار، فإنّ إشغال الجسم للمكان لا يختلف‏

28

بالزيادة و النقيصة بحسب اختلاف هيئاته، و لكنّ هذا عقلا، لا بحسب النظر العرفي المتّبع في أمثال المقام‏ (1).

و فيه: أنّه كما إذا دخل في تلك الدار و هو قائم لا يكون جلوسه فيها تصرّفا زائدا على الكون فيها، و المفروض اضطراره إلى الكون المزبور كذلك كونه السجوديّ أو الركوعيّ لا يكون زائدا عليه، و قد ذكر في الجواهر أنّ من أوجب على المضطرّ أن يصلّي في الحالة التي كان عليها حين الدخول في الغصب أظلم على المحبوس ممن حبسه فيه.

هذا كلّه فيما إذا كان الاضطرار إلى الدار المغصوبة لا بسوء الاختيار.

و أمّا مع سوء الاختيار فمع سعة الوقت و التمكّن من الصلاة خارج الغصب قبل خروج وقتها يتعيّن عليه التأخير، و مع عدم تمكّنه من الصلاة خارج الغصب و لو في آخر الوقت يتعيّن عليه الصلاة في الغصب و لكن موميا لسجوده، بل لركوعه بناء على أنّ الهوي إلى الركوع يدخل في الصلاة فإنّ مع وقوع السجود و الهوي إلى الركوع مبغوضا لا يمكن الأمر بالصلاة مع الركوع و السجود الاختياريّين و لا يمكن الترخيص فيها لا مطلقا و لا بنحو الترتّب كما ذكرنا استحالة الترتّب في موارد التركيب الاتحادي لمضادّة الأمر و النهي بحسب منشأهما حتّى مع سقوط النهي عن اقتضائه فتنتقل الوظيفة إلى الصلاة الاضطرارية التي لا تتحد مع الغصب بوجه.

و يتفرّع على ذلك تأخير الصلاة مع سعة الوقت و التمكّن من الإتيان بها خارج الغصب قبل خروج الوقت و لا يجوز الإتيان بها حتّى فيما أراد المكلف الإتيان بها في حركتها الخروجية و لو قلنا بأنّ الحركة الخروجية لا يعمّها خطاب النهي عن الغصب‏

____________

(1) أجود التقريرات 1/ 381.

29

بكونه مأمورا به بدون إجراء حكم المعصية عليه، أو مع غلبة ملاك الأمر على النهي مع ضيق الوقت [1]، أما مع السعة فالصحة و عدمها مبنيان على عدم اقتضاء الأمر

أصلا كما عليه الشيخ الأنصاري (قدّس سرّه) و ذلك فإنّه لو كانت الصلاة حال الحركة الخروجية مع الركوع و السجود الاختياريين فالبطلان من جهة أنّ المكث و الاستقرار للركوع و السجود غير داخلين في الحركة الخروجيّة فيكون السجود أو الركوع مكثا محرّما غير صالح للتقرّب به، و إن كان الركوع أو السجود بالإيماء بلا استقرار فالبطلان من جهة فقد الصلاة جزئها و شرطها الاختياريين مع تمكّنه عليهما و لو في آخر الوقت.

نعم مع ضيق الوقت و عدم تمكّن المكلّف من إدراك الصلاة قبل خروج وقتها يتعيّن عليه الصلاة حال الخروج بلا استقرار و مع الإيماء إلى الركوع و السجود. هذا بناء على مبغوضية الحركة الخروجية كما بنينا عليها.

و أمّا بناء على عدم حرمتها أصلا فإن تمكّن المكلف من الركوع و السجود الاختياريين بلا استقرار كما إذا كان متمكّنا عند خروجه من ركوب عربة و نحوها و يصلي عليها حال حركتها بالركوع و السجود فهو، و إلّا يصلي إيماء حال الحركة، فإنّ الهوي إلى الركوع و لا أقلّ السجود غير داخل في الحركة الخروجية مع الوقوف لهما. و أمّا سائر أفعال الصلاة كالركوع و السجود بالإيماء التي لا تتحد مع الغصب، فلا مانع عن الأمر بها.

و قد ظهر مما ذكرنا أنّ تسوية الماتن (قدّس سرّه)(1) بين الصلاة في الغصب عند الاضطرار لا بسوء الاختيار و بين الصلاة حال الخروج بناء على أنّ الحركة الخروجية مأمور بها من غير جريان حكم المعصية عليها، غير صحيح.

[1] مراده أنّه لو قيل بعدم جواز اجتماع الأمر و النهي و بعدم حرمة المجمع من‏

____________

(1) الكفاية: 174.

30

بالشي‏ء للنهي عن الضد و اقتضائه، فإن الصلاة في الدار المغصوبة، و إن كانت مصلحتها غالبة على ما فيها من المفسدة، إلّا أنه لا شبهة في أن الصلاة في غيرها تضادها، بناء على أنه لا يبقي مجال مع إحداهما للأخرى، مع كونها أهم منها، لخلوها من المنقصة الناشئة من قبل اتحادها مع الغصب، لكنه عرفت عدم الاقتضاء بما لا مزيد عليه، فالصلاة في الغصب اختيارا في سعة الوقت صحيحة، و إن لم تكن مأمورا بها.

جهة تقديم خطاب الأمر فيه على خطاب النهي لقوّة ملاك الأمر و ضعف ملاك النهي تكون الصلاة الاختيارية في الدار المغصوبة صحيحة بلا فرق بين كونها حال الخروج أو غيره، و هذا مع ضيق وقت الصلاة. و أمّا مع سعة الوقت فكذلك بناء على عدم اقتضاء الأمر بشي‏ء للنهي عن ضدّه.

أقول: الصلاة في غير المجمع مع سعة الوقت و تقديم جانب الأمر لا تكون بخصوصها مأمورا بها ليقتضي الأمر بها النهي عن الصلاة في الغصب لأنّ مع الإتيان بالصلاة في المجمع لا يبقى مورد للصلاة بغيره، بل الصلاة بغير المجمع فرد من الطبيعي المأمور به و الواجب على المكلف الطبيعي حصل بالمجمع أو بغيره فالصلاة بالمجمع لا يحسب ضدّا للطبيعي الواجب.

و بالجملة بناء على تقديم جانب الأمر تكون الصلاة في الدار المغصوبة صحيحة مع سعة الوقت و ضيقها، سواء قيل باقتضاء الأمر بالشي‏ء للنهي عن ضدّه أم لا، و لكن هذا مجرّد فرض و لا وجه لتقديم الأمر بالصلاة على خطاب تحريم الغصب، من غير فرق بين سعة الوقت أو ضيقه كما يأتي. و بناء على تقديم خطاب النهي فلا تصحّ الصلاة في الغصب إلّا في موارد سقوط النهي للاضطرار أو الإكراه أو الغفلة و النسيان أو شمول حديث «لا تعاد» كما في موارد الجهل عن قصور، و مع كون‏

31

الاضطرار بسوء الاختيار يتعيّن الصلاة على المضطرّ كذلك بالإيماء إلى ركوعه و سجوده بناء على العلم بعدم سقوط التكليف بالصلاة عنه، كما لا يبعد ذلك، لأنّ التكليف بالصلاة الاختيارية مع حرمة الغصب من المتزاحمين في مقام الامتثال و يتعيّن الصلاة بالإيماء لأنّها بدل اضطراري فيقدّم في مقام الامتثال ما ليس له بدل على ما له البدل، بل تحريم الغصب مع وجوب الصلاة الاختيارية متزاحمان في مقام الجعل، فلا بدّ من أن لا يجعل الحرمة للغصب المنطبق عليه و لو عنوان بعض الصلاة ليجب- على المضطرّ إلى البقاء في الغصب- الصلاة الاختيارية من حيث الركوع و السجود أو لا يجب عليه الصلاة الاختيارية لامتناع تعلّق الأمر النفسي بما يكون بتمامه أو بجزئه أو قيده مبغوضا و لو بالنهي السابق الساقط كما في الاضطرار إلى البقاء في الغصب بسوء الاختيار.

لا يقال: القيام و القعود و إن لم يدخلا في الصلاة جزءا إلّا أنّهما شرطان لأجزاء الصلاة من التكبيرة و القراءة و الذكر و التشهد و لا فرق عندهم في امتناع اجتماع الأمر و النهي بين كون المجمع للعنوانين تمام الواجب أو جزئه أو قيده.

و كيف يمكن الحكم على المضطر بسوء الاختيار بوجوب الصلاة الاختيارية من غير ناحية سجوده و ركوعه بأن يعتبر في تكبيرته و قراءته و ركوعه بالإيماء القيام و في تشهده و سلامه الجلوس؟ مع أنّ كلا من القيام و القعود كون غصبي مبغوض منهي عنه بالنهي السابق فلا يصلحان قيدا للواجب على ما هو مسلك الامتناع؟

فإنّه يقال: القيام المعتبر في الصلاة بمعنى استواء الأعضاء و القعود المعتبر فيها عدم استواء الساقين فلا يتّحد شي‏ء منهما مع الغصب حيث إنّ الغصب ينتزع عن‏

32

[الأمر الثاني: تعارض الدليلين‏]

الأمر الثاني: قد مرّ- في بعض المقدمات- أنه لا تعارض بين مثل خطاب (صلّ) و خطاب (لا تغصب) [1] على الامتناع، تعارض الدليلين بما هما دليلان حاكيان، كي يقدم الأقوى منهما دلالة أو سندا، بل إنما هو من باب تزاحم المؤثرين و المقتضيين، فيقدم الغالب منهما، و إن كان الدليل على مقتضى الآخر أقوى من دليل مقتضاه، هذا فيما إذا أحرز الغالب منهما، و إلّا كان بين الخطابين تعارض، فيقدم الأقوى منهما دلالة أو سندا، و بطريق الإنّ يحرز به أن مدلوله أقوى مقتضيا، هذا لو كان كل من الخطابين متكفلا لحكم فعلي، و إلّا فلا بد من الاخذ بالمتكفل لذلك منهما لو كان، و إلّا فلا محيص عن الانتهاء إلى ما تقتضيه الأصول العملية.

وضع الرجلين على الأرض المغصوبة و تحيّز البدن من فضاء المغصوب، فالتركيب بين الغصب و القيام و القعود المعتبرين في أجزاء الصلاة انضمامي بخلاف التركيب بين الغصب و السجود الاختياري فإنّه اتحادي.

و بالجملة الأمر بالصلاة مع الركوع و السجود إيماء بالاضافة إلى النهي عن الغصب من المتزاحمين في مقام الامتثال مع عدم المندوحة كما هو الفرض، فيمكن الأمر بالصلاة مترتبا على مخالفة حرمة الغصب.

[1] تعرّض (قدّس سرّه) في هذا التنبيه إلى أمور ثلاثة:

الأوّل: أنّ المفروض في باب اجتماع الأمر و النهي في موارد التركيب الاتحادي تحقّق ملاك كلّ من الأمر و النهي في المجمع و عدم ثبوت كلا الحكمين في المجمع لعدم إمكان تعلّق حكمين بواحد، فيكون الثابت فيه فعلا الحكم الذي ملاكه أقوى من ملاك الحكم الآخر.

و الثاني: أنّ تخصيص خطاب الحكم الذي ملاكه مغلوب ليس من قبيل تخصيص العام أو تقييد المطلق في بعض أفراده في أن لا يثبت حكم العام أو المطلق‏

33

في ذلك الفرد أصلا، بل تخصيص أحد الخطابين في المجمع يختصّ بموارد فعلية الحكم الأقوى ملاكا، و مع عدم فعليّته و سقوطه لمانع يؤثّر الملاك الذي كان مغلوبا في الحكم الذي اقتضاه، كما إذا سقط النهي عن الغصب في المجمع للاضطرار أو النسيان، فيجوز الإتيان بالمجمع صلاة فيكون امتثالا للأمر بالصلاة.

الثالث: المرجحات التي ذكرت لتقديم خطاب النهي على خطاب الأمر في المجمع.

فأشار إلى الأمر الأول بقوله «قد مرّ في بعض المقدّمات أنّه لا تعارض بين مثل خطاب «صلّ» و خطاب «لا تغصب» على الامتناع تعارض الدليلين بما هما دليلان حاكيان ... (1) الخ».

و حاصله حيث كان المفروض تحقّق ملاك كلّ من الحكمين في المجمع و عدم ثبوت كلا الحكمين فيه كما هو مقتضى مسلك الامتناع، فلا بدّ من ملاحظة الأهم من الملاكين و أقواهما فيكون حكم المجمع تابعا للملاك الغالب، و مع عدم غلبة شي‏ء من الملاكين لا يثبت الوجوب و الحرمة، بل يثبت حكم ثالث، هذا مع إحراز الغلبة أو التساوي، حيث لا ينظر مع إحراز أحدهما إلى قوّة الدلالة في ناحية أحد الخطابين و ضعفها في ناحية الآخر، كما إذا كان الدليل على ما فيه الملاك الغالب مفهوما و على ما فيه الملاك المغلوب منطوقا، حيث لا قيمة لمقام الإثبات مع إحراز مقام الثبوت.

نعم إذا لم يحرز الغلبة في ناحية أحدهما أو تساويهما فإن كان مدلول أحد الخطابين الحكم الفعلي و مدلول الآخر حكما آخر اقتضائيا أو كان مدلول كلّ منهما

____________

(1) الكفاية: 174.

34

ثم لا يخفى أن ترجيح أحد الدليلين و تخصيص الآخر به في المسألة لا يوجب خروج مورد الاجتماع عن تحت الآخر [1] رأسا، كما هو قضية التقييد و التخصيص في غيرها مما لا يحرز فيه المقتضي لكلا الحكمين، بل قضيته ليس إلّا خروجه فيما كان الحكم الذي هو مفاد الآخر فعليا، و ذلك لثبوت المقتضي في كل واحد من الحكمين فيها، فإذا لم يكن المقتضي لحرمة الغصب مؤثرا لها،

الحكم الفعلي و لكن كانت الدلالة في ناحية أحدهما أقوى يثبت للمجمع الحكم الفعلي أو الحكم الذي دلالة خطابه أقوى، حيث إنّ قوّة الدليل تكشف عن كون مدلوله فعليا و ثبوت الحكم الفعلي كاشف عن قوة ملاكه بطريق الإنّ، و إذا لم يكن أحد الخطابين أقوى دلالة أو كان مدلول كلّ منهما هو الحكم الاقتضائي فلا بدّ في تعيين الحكم الفعلي للمجمع من الرجوع إلى أمر آخر و لو كان ذلك الأمر أصلا عمليّا.

أقول: قد تقدّم عدم دلالة خطاب الحكم على ثبوت الحكم الاقتضائي بالمعنى الذي ذكره، يعني الملاك، إلّا عن طريق ثبوت الحكم الفعلي بالمعنى الذي ذكرنا، و إذا سقطت دلالته على الحكم فلا موجب لدعوى ثبوت ملاكه.

نعم، الموجب لسقوط دلالته عن الاعتبار معارضته بخطاب الحكم الآخر، و إذا لم يشمل الخطاب الآخر لبعض الموارد فلا مانع من شمول خطاب الحكم الأوّل، فلا مورد للأصل العملي في هذه المقامات مع تقديم خطاب النهي المتعلّق بعنوان على خطاب الأمر المتعلّق بعنوان آخر فيما إذا كان التركيب بين العنوانين اتحاديا على ما يأتي.

[1] هذا بيان للأمر الثاني من الأمور الثلاثة.

و حاصل ما ذكره (قدّس سرّه) أنّ تقييد أحد الخطابين أو تخصيصه في مورد شمول الخطاب الآخر لا يوجب خروج مورد الاجتماع عن تحت الخطاب الوارد عليه التقييد أو التخصيص رأسا، كما هو الحال في تقييد المطلق أو تخصيص العام في‏

35

لاضطرار أو جهل أو نسيان، كان المقتضي لصحة الصلاة مؤثرا لها فعلا، كما إذا لم يكن دليل الحرمة أقوى، أو لم يكن واحد من الدليلين دالا على الفعلية أصلا.

فانقدح بذلك فساد الإشكال في صحة الصلاة في صورة الجهل أو النسيان و نحوهما، فيما إذا قدم خطاب (لا تغصب) كما هو الحال فيما إذا كان الخطابان من أول الأمر متعارضين، و لم يكونا من باب الاجتماع أصلا، و ذلك لثبوت المقتضي في هذا الباب كما إذا لم يقع بينهما تعارض، و لم يكونا متكفلين للحكم الفعلي، فيكون وزان التخصيص في مورد الاجتماع وزان التخصيص العقلي الناشئ من جهة تقديم أحد المقتضيين و تأثيره فعلا المختص بما إذا لم يمنع عن تأثيره مانع المقتضي، لصحة مورد الاجتماع مع الأمر، أو بدونه فيما كان هناك مانع عن تأثير المقتضي للنهي له، أو عن فعليته، كما مرّ تفصيله.

بعض أفراده في غير ما نحن فيه مما لا يكون فيه المقتضي لكلا الحكمين، بل مقتضى التخصيص و التقييد في مسألة اجتماع الأمر و النهي خروج المجمع عن أحد الخطابين فيما كان الحكم الذي مفاد الخطاب الآخر في المجمع فعليا، و إذا لم يكن الحكم الذي ملاكه أقوى فعليا من جهة المانع، كما في مورد الاضطرار أو الغفلة و النسيان و الجهل، يثبت للمجمع الحكم الآخر المفروض ضعف ملاكه، فمثلا إذا لم يؤثّر ملاك حرمة الغصب في المجمع لأجل الغفلة عن الغصب أو جهل المكلّف تكون الصلاة صحيحة لتأثير ملاكها، فيكون الفرض كما إذا لم يكن ملاك الحرمة أقوى، أو لم يكن في البين معيّن لفعليّة أحد الحكمين كما إذا كان خطاب كل من الحكمين اقتضائيا، و كما تكون الصلاة مع عدم رجحان ملاك حرمة الغصب أو عدم المعيّن لفعليّة أحدهما صحيحة فكذلك عند وجود المانع عن تأثير ملاك الحرمة تكون صحيحة.

36

فانقدح مما ذكرنا فساد الإشكال في صحة الصلاة في الدار المغصوبة في صورة الجهل بالغصب أو الغفلة عنه مع فرض تقديم خطاب النهي عن الغصب على خطاب الأمر بالصلاة، و وجه الظهور أنّ تخصيص خطاب الأمر في مورد الاجتماع وزان التخصيص العقلي الناشئ من تقديم أحد المقتضيين و تأثيره فعلا، و تأثيره الفعلي مختصّ بما إذا لم يمنع عن تأثيره مانع، و هذا الاختصاص في التأثير يقتضي صحّة مورد الاجتماع مع الأمر به كما في صورة الغفلة و النسيان أو بدون الأمر، كما إذا كان المانع عن تأثيره موجبا لانتفاء الفعلية عن الحكم الممنوع، أي النهي، كما في صورة الجهل و التردّد في الغصب.

فقوله (قدّس سرّه) «المقتضي لصحّة مورد الاجتماع» (1) وصف للمختصّ في قوله «من جهة تقديم أحد المقتضيين و تأثيره فعلا المختص بما إذا لم يمنع ... (2) إلخ».

أقول: قد تقدّم أنّ مع تعلّق النهي بالتصرّف في ملك الغير و لو كان المكلّف معذورا في مخالفة النهي لا يمكن الترخيص في تطبيق متعلّق الأمر بالمنهي عنه، و لذا لا تكون الصلاة في الدار المغصوبة داخلة في متعلق الأمر بالصلاة في صورة الجهل و التردّد في الغصب، و إذا لم يمكن دخولها فيه فلا كاشف عن ثبوت ملاك طبيعي الصلاة المأمور بها في تلك الصلاة حتّى يحكم بصحتها.

نعم، هذا مع قطع النظر عن دلالة حديث «لا تعاد» كما ذكرنا سابقا.

و بالجملة الحكم بصحة المجمع و كون الإتيان بالطبيعي بتطبيقه على المجمع‏

____________

(1) الكفاية: 176.

(2) الكفاية: 175.

37

و كيف كان، فلا بد في ترجيح أحد الحكمين من مرجح، و قد ذكروا لترجيح النهي وجوها:

منها: إنه أقوى دلالة، لاستلزامه انتفاء جميع الأفراد [1]، بخلاف الأمر.

كافيا، يختصّ بموارد الغفلة و النسيان و نحوهما مما يسقط فيها النهي عن المجمع واقعا، و مع سقوطه يعمّ الأمر بالطبيعي تطبيقه على المجمع.

و بالجملة، فدعوى الماتن (قدّس سرّه) و غيره من تحقّق ملاك الواجب في المجمع في صورة تعلّق النهي به واقعا و لو مع جهل المكلّف به لا يمكن المساعدة عليها فضلا عن موارد تنجّز النهي المتعلّق به.

و أمّا ما ذكره (قدّس سرّه) من عدم كون وزان التخصيص في مسألة الاجتماع و تقديم جانب النهي وزان التخصيص في خطاب الأمر بالصوم و النهي عن صوم يوم العيدين، و أنّه لا يصحّ صومهما حتّى مع غفلة المكلّف عن كون اليوم يوم عيد، فهو لأنّ النهي عن صوم يوم العيدين إرشاد إلى عدم مشروعية الصوم فيهما بلا فرق بين الغافل و غيره، بخلاف النهي عن السجود في الدار المغصوبة، فإنّه نهي عنه بعنوان التصرّف في ملك الغير بلا رضاه، و هذا النهي لا يعمّ الغافل عن كون الدار ملك الغير، و مع عدم عمومه فيؤخذ بالإطلاق في متعلّق الأمر كما مرّ.

الأوّل: ترجيح النهي في المجمع لأقوائيّة دلالة النهي‏

[1] هذا شروع لبيان الأمر الثالث، و هو أنّه بناء على امتناع الاجتماع يقدّم خطاب النهي في مورد الاجتماع على إطلاق متعلّق الأمر، و ذلك لوجوه:

أوّلها: أنّ دلالة النهي على حرمة المجمع أقوى من دلالة إطلاق متعلّق الأمر على اندراجه تحت المتعلّق، و ذلك فإنّ مدلول النهي عن الطبيعي طلب تركه‏

38

و قد أورد عليه بأن ذلك فيه من جهة إطلاق متعلقه بقرينة الحكمة، كدلالة الأمر على الإجتزاء بأي فرد كان.

و قد أورد عليه بأنه لو كان العموم المستفاد من النهي بالاطلاق بمقدمات الحكمة، و غير مستند إلى دلالته عليه بالالتزام، لكان استعمال مثل (لا تغصب) في بعض أفراد الغصب حقيقة، و هذا واضح الفساد، فتكون دلالته على العموم من جهة أن وقوع الطبيعة في حيز النفي أو النهي، يقتضي عقلا سريان الحكم إلى جميع الأفراد، ضرورة عدم الانتهاء عنها أو انتفائها، إلّا بالانتهاء عن الجميع أو انتفائه.

و لا يتحقّق ترك الطبيعي عقلا إلّا بترك جميع أفراده، فالمدلول الوضعي للنهي عن الطبيعي يستلزم عقلا ترك أفراده، بخلاف الأمر بالطبيعي الذي يكفي في الامتثال و سقوط التكليف به صرف وجوده خارجا و لكن إجزاء فرد ما عن صرف الوجود لا يستفاد من الأمر بالطبيعي إلّا أنّه بعد جريان مقدّمات الحكمة في ناحية متعلّق الأمر.

و قد يورد على هذا الفرق بأنّ النهي عن الطبيعي و إن استلزم ترك جميع أفراده إلّا أنّه أيضا بعد جريان مقدّمات الحكمة في ناحية متعلّق النهي و يتعيّن أنّ المنهي عنه هو الطبيعي بلا قيد، كما أنّ مقتضى إطلاق متعلّق الأمر بعد جريان مقدّماتها الاكتفاء بأيّ فرد منه.

و بالجملة العموم في ناحية كلّ من الأمر و النهي و إن اختلف- لأنّه في الأول بدلي، و في الثاني شمولي- إلّا أنّ كلّا منهما إطلاقي يتوقّف على تمامية مقدّمات الإطلاق في ناحية المتعلّق لهما فلا موجب لتقديم أحدهما على الآخر عند دوران الأمر في رفع اليد عن أحدهما.

و ربّما يجاب عن هذا الإيراد بالفرق بين النهي عن الطبيعي و الأمر به، فإنّه لو لم‏

39

قلت: دلالتها على العموم و الاستيعاب ظاهرا مما لا ينكر، لكنه من الواضح أن العموم المستفاد منهما كذلك، إنما هو بحسب ما يراد من متعلقهما، فيختلف سعة و ضيقا، فلا يكاد يدلّ على استيعاب جميع الافراد، إلّا إذا أريد منه الطبيعة مطلقة و بلا قيد، و لا يكاد يستظهر ذلك مع عدم دلالته عليه بالخصوص، إلّا بالإطلاق و قرينة الحكمة، بحيث لو لم يكن هناك قرينتها بأن يكون الإطلاق في غير مقام البيان، لم يكد يستفاد استيعاب أفراد الطبيعة، و ذلك لا ينافي دلالتهما على استيعاب أفراد ما يراد من المتعلق، إذ الفرض عدم الدلالة على أنه المقيد أو المطلق.

يكن دلالة النهي عن الطبيعي بترك جميع أفراده عقلا بالاستلزام لدلّ على ترك بعض أفراده، و لكن لمّا كانت إرادة ترك البعض مجازا، فكان ذلك دليلا على أنّ العموم فيه ليس بالإطلاق، بل باستلزام طلب ترك الطبيعي- الذي هو المدلول الوضعي للنهى- عقلا لترك جميع أفراده.

و ناقش الماتن (قدّس سرّه) في هذا الجواب بأنّ دلالة وقوع الطبيعة في حيز النفي أو النهي و إن كان يستلزم العموم و الاستيعاب إلّا أنّ الاستيعاب و العموم إنّما هو بحسب ما يراد مما وقع في حيزهما، فإن كان المراد منه- أي من متعلّق النهي أو النفي- الطبيعي بلا قيد، فيقتضيان انتفاء جميع أفراده أو الانتهاء عنها، و لا بدّ من استظهار كون المتعلّق لهما كذلك من ملاحظة الإطلاق الموقوف على مقدّمات الحكمة، بحيث لو لم يكن في البين قرينة الحكمة- بأن لم يكن المتكلّم في مقام البيان بالإضافة إلى قيود المتعلّق- لا يمكن أن يستفاد منهما استيعابهما لجميع أفراد متعلّقهما.

إلّا أن يدّعى كما أنّ لفظة «كل» و سائر أدوات العموم متكفّلة وضعا لإفادة عدم القيد لمدخولها و استيعاب الحكم الوارد في الخطاب لجميع أفراد مدخولها و هو

40

اللّهمّ إلّا أن يقال: إن في دلالتهما على الاستيعاب كفاية و دلالة على أن المراد من المتعلق هو المطلق، كما ربما يدعى ذلك في مثل (كل رجل)، و إن مثل لفظة (كل) تدلّ على استيعاب جميع أفراد الرجل من غير حاجة إلى ملاحظة إطلاق مدخوله و قرينة الحكمة، بل يكفي إرادة ما هو معناه من الطبيعة المهملة و لا بشرط في دلالته على الاستيعاب و إن كان لا يلزم مجاز أصلا، لو أريد منه خاص بالقرينة، لا فيه لدلالته على استيعاب أفراد ما يراد من المدخول، و لا فيه إذا كان بنحو تعدد الدال و المدلول، لعدم استعماله إلّا فيما وضع له، و الخصوصية مستفادة من دالّ آخر، فتدبر.

الطبيعة المهملة و لا بشرط مع قطع النظر عن دخولها و لا يحتاج في إحراز أنّ المراد من مدخولها الطبيعي مطلقا إلى إحرازه بمقدّمات الحكمة، كذلك النفي أو النهي بالإضافة إلى الطبيعي الواقع في حيزهما.

و بتعبير آخر: النفي أو النهي كأداة العموم بالإضافة إلى الطبيعة الواقعة في حيزهما، و لكن بناء على هذه الدعوى أيضا لا يلزم المجاز لو أريد من المدخول، الخاص، بالقرينة لا في ناحية كلّ، لدلالته على استيعاب الحكم لمدخوله و لا في ناحية مدخوله إذا كان إرادة الخاص بنحو تعدّد الدال و المدلول، لعدم استعمال اللفظ الموضوع للطبيعي إلّا في معناه و الخصوصية مستفادة من دالّ آخر.

أقول: الرجوع إلى المتفاهم عند أهل المحاورة كاف في الإذعان بالفرق بين مثل قول الشارع «كلّ بيع حلال» و بين قوله تعالى‏ أَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ‏ فإنّه و إن كان يستفاد منهما حليّة جميع البيوع إلّا أنّ الاستفادة في الثاني يكون بعناية أمر خارجي يعبّر عنه بمقدّمات الإطلاق بخلاف الأوّل، فإنّ لفظ «كلّ» بمقتضى الوضع يفيد استيعاب الحلّية لجميع أفراد البيع، و إذا ثبت هذا الفرق بين الأمر بالشي‏ء و النهي عنه بأنّ الأمر بالشي‏ء لا دلالة له بنفسه على أنّ المتعلّق للطلب نفس الطبيعي من غير

41

دخالة قيد بل يحتاج استفادة ذلك إلى ملاحظة مقدّمات الإطلاق في ناحيته بخلاف النهي عن الشي‏ء أو نفيه، فإنّ النهي أو النفي المتعلّق بشي‏ء بنفسه كاف في عدم دخالة قيد في المنهي أو المنفي، لا يصحّ أيضا تقديم خطاب النهي على خطاب الأمر في مسألة الاجتماع؛ لأنّ المفروض في باب الاجتماع وجود خطابين، خطاب الأمر بالصلاة مثلا، و خطاب النهي عن الغصب، فالعموم و لو كان في الأوّل بالإطلاق و في الثاني بالوضع إلّا أنّه لا يوجب مجرّد ذلك تقديم خطاب النهي و إنّما ذلك يوجب التقديم إذا ذكر الأمر بها و النهي عنه في خطاب واحد ليمنع الثاني عن تمامية مقدّمات الإطلاق في ناحية الأمر بالصلاة.

و أمّا كون النهي في خطاب منفصل فلا يمنع عند الماتن و أمثاله من انعقاد الاطلاق في ناحية خطاب الأمر بالصلاة، كما أصرّ على ذلك في باب تعارض الاطلاق مع العام الوضعي‏ (1).

نعم، لو كان من مقدّمات الاطلاق عدم ورود القيد و لو في خطاب منفصل صحّ تقديم خطاب النهي على خطاب الأمر، و سيأتي في محلّه البحث عنه و بيان الصحيح من المسلكين.

أضف إلى ذلك عدم ثبوت النفي أو النهي من أداة العموم فيما وقع في حيزهما الطبيعي، بل لا بدّ في إثبات كون الطبيعي مطلقا من ملاحظة مقدّمات الاطلاق كما هو الحال في الأمر بالطبيعي.

نعم، ذكر المحقّق النائيني (قدّس سرّه) أنّه و إن كان العموم في ناحية كلّ من الأمر بالصلاة

____________

(1) كفاية الأصول: 247 و 450.

42

و منها: إنّ دفع المفسدة أولى من جلب المنفعة [1].

و قد أورد عليه في القوانين، بأنه مطلقا ممنوع، لان في ترك الواجب أيضا مفسدة إذا تعين.

و النهي عن الغصب إطلاقيا إلّا أنّه لا بدّ من تقديم الاطلاق الشمولي على البدلي؛ لأنّ الاطلاق البدلي المقتضي للاكتفاء في الامتثال بأيّ فرد يحتاج إلى مقدّمة زائدة و هي إحراز تساوي أفراد الطبيعي في الوفاء بالغرض، و مع الإطلاق الشمولي على خلافه لا تتمّ هذه المقدّمة (1).

و لكن لا يخفى ما فيه، فإنّه يكفي في إحراز التساوي في الملاك عدم ذكر القيد للمتعلّق و إلّا كان على المولى تقييده بذلك القيد، و مجرّد إمكان اختلاف أفراد المنهي عنه في الملاك بالشدّة و الضعف و لزوم تساوي أفراد الطبيعي في الوفاء بالملاك اللازم لا يوجب فرقا بينهما.

و بتعبير آخر: كما أنّ مع شمول النهي لمورد لا يمكن أن يتعلّق به الأمر كذلك مع شمول الأمر لمورد لا يمكن أن يتعلّق به النهي، فالاطلاقان من الخطابين ينتفيان بناء على أنّ مقدّمات الاطلاق عدم ورود البيان للقيد و لو منفصلا أو يتعارضان بناء على أنّ من مقدّمات الإطلاق عدم بيان القيد في مقام التخاطب بخطاب المطلق.

[1] ثانيها: أنّ دفع المفسدة أولى من جلب المنفعة، يعني لو أخذ في المجمع بمقتضى خطاب النهي لكان هذا رعاية لدفع المفسدة و لو أخذ فيه بمقتضى خطاب الأمر بالطبيعي، لكان هذا تقديما لرعاية المصلحة، و كلّما دار الأمر بين رعاية المفسدة بدفعها و رعاية المصلحة بجلبها يكون الأوّل متعيّنا في بناء العقلاء، بل في‏

____________

(1) أجود التقريرات 1/ 162.

43

و لا يخفى ما فيه، فإن الواجب و لو كان معينا، ليس إلّا لأجل أن في فعله مصلحة يلزم استيفاؤها من دون أن يكون في تركه مفسدة، كما أن الحرام ليس إلّا لأجل المفسدة في فعله بلا مصلحة في تركه.

و لكن يرد عليه أن الأولوية مطلقا ممنوعة، بل ربما يكون العكس أولى، كما يشهد به مقايسة فعل بعض المحرمات مع ترك بعض الواجبات، خصوصا مثل الصلاة و ما يتلو تلوها.

و لو سلم فهو أجنبي عن المقام، فإنه فيما إذا دار بين الواجب و الحرام.

و لو سلم فإنما يجدي فيما لو حصل به القطع.

حكم العقل، فيؤخذ به في الشرعيات أيضا.

و أورد على ذلك في القوانين بأنّ في ترك الواجب أيضا مفسدة فلا يحرز بتقديم جانب الحرمة أولوية دفع المفسدة فيها.

و لكن لا يخفى ما في هذا الإيراد فإنّه إن أريد بالمفسدة في ترك الواجب العقاب على تركه فمن الظاهر أنّ العقاب أثر تنجّز الوجوب المحرز بوجه معتبر، و مع تعارض الخطابين في المجمع لا يحرز الوجوب، كما لا يحرز خصوص الحرمة. و إن أريد الأثر المترتب و الفساد الكامن في العمل فلا ينبغي التأمّل في أنّ ترك الفعل حتّى الواجب ليس فيه فساد، بل الأثر يكون في حصول الشي‏ء صلاحا أو فسادا.

نعم، ربّما ينطبق على ترك الفعل عنوان حسن أو قبيح، و لكنّه خلاف الفرض في المقام من تعلّق كلّ من الوجوب أو الحرمة بالفعل، و على ذلك بنينا سابقا من أنّ الأمر بالشي‏ء لا يقتضي النهي عن ضدّه العام، و إنّ في ترك الواجب لا يكون فسادا ليحرم نفسيا، بل يفوت بالترك الصلاح اللازم في الفعل.

44

و لو سلم أنه يجدي و لو لم يحصل، فإنما يجري فيما لا يكون هناك مجال لأصالة البراءة أو الاشتغال، كما في دوران الأمر بين الوجوب و الحرمة التعيينيين، لا فيما تجري، كما في محل الاجتماع، لأصالة البراءة عن حرمته فيحكم بصحته، و لو قيل بقاعدة الاشتغال في الشك في الأجزاء و الشرائط فإنه لا مانع عقلا إلّا فعليّة الحرمة المرفوعة بأصالة البراءة عنها عقلا و نقلا.

نعم لو قيل بأن المفسدة الواقعية الغالبة مؤثرة في المبغوضية و لو لم يكن الغلبة بمحرزة، فأصالة البراءة غير جارية، بل كانت أصالة الاشتغال بالواجب لو كان عبادة محكمة، و لو قيل بأصالة البراءة في الأجزاء و الشرائط، لعدم تأتّي قصد القربة مع الشك في المبغوضية، فتأمل.

و الصحيح في ردّ الأولوية أنّه لم يظهر أولوية لرعاية دفع المفسدة من جلب المصلحة مطلقا، و الشاهد لذلك ما نراه من إقدام العقلاء على أمور يترتّب عليها الفساد لجلب المصالح التي تكون أهمّ فيسافرون في الحرّ و البرد و يتحمّلون المشاق و المتاعب لجلب الأرباح، و كذا الحال في الشرع في موارد تزاحم الواجب و الحرام كتزاحم وجوب حفظ النفس و حرمة الغصب و التصرّف في مال الغير.

و لو سلّم تماميّة قاعدة أولوية دفع المفسدة من جلب المنفعة فمفادها أنّ الفاعل في كلّ مورد دار أمره بين جلب المنفعة إلى نفسه أو دفع المفسدة عنه يختار دفع المفسدة عن نفسه، و المقام لا يدخل في صغرى تلك القاعدة، لأنّ الكلام في المقام في دوران أمر الفعل بين الواجب و الحرام و الواجب لا يلازم الصلاح للفاعل كما أنّ الحرام لا يلازم المفسدة له بل الشارع في مقام جعل الأحكام يلاحظ صلاح الفعل و فساده نوعا و إن لم يكن شي‏ء منهما راجعا إلى شخص الفاعل، و إلى ذلك أشار الماتن (قدّس سرّه) بقوله: «و لو سلّم فهو أجنبي عن المقام» فإنّ الكلام في المقام فيما دار

45

الأمر بين كون الفعل واجبا أو حراما، و الشارع مع كون الفعل واحدا- يجعل الحكم الذي ملاكه أقوى.

و مع تسليم أنّ القاعدة تعمّ موارد رعاية المكلف الواجب و الحرام، فلا تفيد في المقام أيضا؛ لأنّ عمومها يشمل ما إذا كان فعل واجبا على المكلف و فعل آخر حراما بأن يكون الصلاح و الفساد في كلّ من الواجب و الحرام معلومين، و لكن لعدم تمكّنه على الجمع بينهما في الامتثال دار أمره بين أن يراعي الواجب و صلاحه أو أن يراعي الحرام بتركه لدفع مفسدته.

و لا يشمل المقام الذي لا يعلم بثبوت الصلاح و الفساد اللازم رعايتهما معا بل يعلم بثبوت أحدهما اجمالا، و إلى ذلك يشير بقوله «و لو سلّم فإنما يجدي ما لو حصل القطع».

ثمّ قال (قدّس سرّه): «و لو سلم» يعنى لو قلنا بعموم قاعدة أولوية دفع المفسدة عن جلب المنفعة، و لصورة عدم العلم بالواجب و الحرام معا بأن يحتمل وجوب الفعل أو حرمته، فتجري القاعدة فيه إذا لم يكن في البين مرجعا عند الشكّ في حكمه من أصالة البراءة أو الاشتغال، كما في دوران أمر الفعل بين المحذورين من الوجوب و الحرمة على التعيين، لا مثل المقام مما يكون جريان أصالة البراءة عن حرمة المجمع موجبا لصحّته عبادة، حيث إنّ المانع عن عباديته الحرمة الفعلية المنتفية بأصالة البراءة، و مع انتفائها و إحراز الصلاح في المجمع يحصل بالإتيان به ما هو المعتبر في كون شي‏ء فردا للواجب، و لذا يثبت صلاحية للمجمع للتقرّب و وقوعه عبادة حتى بناء على الاشتغال في مسألة دوران أمر الواجب بين الأقلّ و الأكثر الارتباطيين.

46

نعم لو قيل بأنّ المفسدة الغالبة على صلاح الفعل- على تقديرها- توجب مبغوضية الفعل و عدم كونه صالحا للتقرّب به، لتعيّن في المقام على المكلّف الاحتياط و الإتيان بغير المجمع ليحرز صحة صلاته و عبادته حتّى بناء على البراءة في دوران أمر الواجب بين الأقل و الأكثر الارتباطيين، إذ مع احتمال المبغوضية الواقعية للمجمع لغلبة مفسدته لا يمكن للمكلّف التقرّب به، و أصالة البراءة عن الحرمة الواقعية للمجمع بمعنى عدم كون المكلف مأخوذا بتلك الحرمة على تقديرها، لا تنفى المبغوضية الواقعية على تقديرها.

أقول: الحرمة الواقعية للمجمع- على تقديرها- هي التي توجب تضييق دائرة متعلّق الوجوب لأنّ تقييده بغيره لازم ثبوت الحرمة للمجمع واقعا على ما تقدّم من عدم إمكان إطلاق متعلّق الوجوب مع تعلّق الحرمة بالمجمع سواء كانت تلك الحرمة منجّزة أم لا.

إلّا أنّ أصالة البراءة عن حرمة المجمع لا يثبت إطلاق متعلّق الوجوب، فاللازم في اثبات إطلاقه و عدم تقييد الطبيعي إجراء البراءة عن وجوب الطبيعي المقيّد بغير ذلك المجمع، و لا يعارض بأصالة البراءة عن وجوب الطبيعي بنحو اللابشرط، كما هو المقرّر في بحث دوران أمر الواجب بين المطلق و المشروط و لو كان مجرّد احتمال المفسدة الغالبة موجبا لأصالة الاشتغال لجرى ذلك في الشبهة الموضوعية أيضا، و لم يجز الصلاة في مكان يحتمل كونه ملك الغير و هو غير راض بالتصرّف فيه مع أنّه تجري أصالة البراءة عن تقييد الصلاة بغير ذلك المكان؛ لأنّ الشك في الشبهة الحكمية و الموضوعية من صغريات الشك في مانعية المكان.

47

و منها: الاستقراء، فإنّه يقتضي ترجيح جانب الحرمة على جانب الوجوب، كحرمة الصلاة في أيام الاستظهار، و عدم جواز الوضوء من الإناءين المشتبهين [1].

و فيه: أنه لا دليل على اعتبار الاستقراء، ما لم يفد القطع.

و لو سلم فهو لا يكاد يثبت بهذا المقدار.

و لو سلم فليس حرمة الصلاة في تلك الأيام، و لا عدم جواز الوضوء منهما مربوطا بالمقام، لأن حرمة الصلاة فيها إنما تكون لقاعدة الإمكان و الاستصحاب المثبتين لكون الدم حيضا، فيحكم بجميع أحكامه، و منها حرمة الصلاة عليها لا لأجل تغليب جانب الحرمة كما هو المدعى، هذا لو قيل بحرمتها الذاتية في أيام الحيض، و إلّا فهو خارج عن محل الكلام.

[1] ثالثها: الاستقراء، و لو تمّ هذا الوجه لكان مقتضاه تقديم احتمال الحرمة في موارد دوران أمر الفعل بين كونه واجبا أو حراما، سواء كان الدوران لتعارض الخطابين أم لغيره، و رعاية التكليف التحريمي في موارد دوران الأمر بين امتثال التكليف الوجوبي و بين ترك الحرام.

و يقال في تقريب هذا الوجه: إنّ مقتضى الاستقراء أنّ الشارع قد قدّم رعاية احتمال الحرمة على احتمال الوجوب، و هذا مستفاد من مثل حكمه على المرأة بالاستظهار بترك عبادتها في فرض استمرار الدم بعد أيام عادتها و قبل انقضاء عشرة أيام إذا احتملت تجاوز دمها العشرة، و حكمه بإراقة الماءين و التيمّم للصلاة إذا انحصر أمر المكلّف في التوضؤ من أحدهما مع علمه إجمالا بنجاسة أحدهما و غيرهما مما لا يخفى على المتتبع.

و أورد على ذلك الماتن (قدّس سرّه) بوجهين:

الأوّل: أنّ الاستقراء المعتبر ما يوجب الجزم بتقديم الشارع رعاية احتمال‏

48

و من هنا انقدح أنه ليس منه ترك الوضوء من الإناءين، فإن حرمة الوضوء من الماء النجس ليس إلّا تشريعيا، و لا تشريع فيما لو توضأ منهما احتياطا، فلا حرمة في البين غلب جانبها، فعدم جواز الوضوء منهما و لو كذلك، بل إراقتهما كما في النص، ليس إلّا من باب التعبد، أو من جهة الابتلاء بنجاسة البدن ظاهرا بحكم الاستصحاب، للقطع بحصول النجاسة حال ملاقاة المتوضئ من الإناء الثانية، إما بملاقاتها، أو بملاقاة الأولى، و عدم استعمال مطهر بعده، و لو طهر بالثانية مواضع الملاقاة بالأولى.

نعم لو طهرت على تقدير نجاستها بمجرد ملاقاتها، بلا حاجة إلى التعدد و انفصال الغسالة لا يعلم تفصيلا بنجاستها، و إن علم بنجاستها حين ملاقاة الأولى أو الثانية إجمالا، فلا مجال لاستصحابها بل كانت قاعدة الطهارة محكمة.

الحرمة على احتمال الوجوب في جميع موارد تردّد حكم الفعل بينهما، و لو بني أنّه لا يعتبر الجزم أو الوثوق بل يكفي مجرّد الظن بالكبرى فلا يحصل الظنّ بها من مثل مورد أو موردين.

ثانيا: أنّ المثالين ليسا من تقديم احتمال الحرمة على احتمال الوجوب، فإنّ الحكم على المرأة بترك عبادتها إنّما هو لقاعدة الإمكان في الدم المفروض و استصحاب بقاء حيضها، و هذا بناء على كون حرمة الصلاة على الحائض ذاتية، و أمّا بناء على كونها تشريعية فلا بأس بالصلاة، لاحتمال طهرها بالاستحاضة و لا تكون في صلاتها كذلك احتمال الحرمة أصلا، و بذلك يظهر الحال في الوضوء بماءين اشتبه طاهرهما بنجسهما حيث لا حرمة في الوضوء بالماء المتنجّس إلّا تشريعا، و لا تشريع في الوضوء مع احتمال طهارة الماء، كما إذا توضّأ بأحدهما أوّلا ثمّ غسل أعضاء وضوئه بالماء الثاني و توضّأ به ثانيا، فإنّه يحرز وضوئه بالماء الطاهر، فالحكم عليه بإراقة الماءين و التيمّم لصلاته إنّما لأجل التعبّد أو لئلّا يبتلى في بدنه‏

49

بالنجاسة المحكوم عليها بالبقاء حتى بعد التوضؤ بالماء الثاني إذ بوصول الماء الثاني إلى عضوه يعلم تفصيلا بنجاسته إمّا بالماء الثاني أو بالماء الأول قبل ذلك، و مقتضى الاستصحاب بقائه على نجاسته بعد تمام الغسل بالماء الثاني.

نعم لو كان الماء الثاني على نحو يطهّر العضو المتنجس- على فرض طهارته- بمجرّد وصوله إليه بلا حاجة إلى التعدّد و انفصال الغسالة كما إذا كان كرّا، فلا يعلم بنجاسة العضو تفصيلا، و لكن يعلم بنجاسته إجمالا، و لا يكون في هذه الصورة لاستصحاب نجاسة العضو مورد، بل تجري فيه قاعدة الطهارة.

أقول: ما ذكره (قدّس سرّه) من عدم كون الحكم في الموردين من تقديم احتمال الحرمة على احتمال الوجوب لأنّ حرمة الصلاة على الحائض و كذا حرمة الوضوء بالماء المتنجّس تشريعية لا ذاتية متين جدّا، و نذكر في المسألة الآتية أنّ النهي عن عبادة أو معاملة ظاهره الإرشاد إلى عدم التشريع أو عدم الإمضاء.

و أمّا ما ذكره من أنّ الحكم على المرأة بالاستظهار لقاعدة الإمكان و استصحاب بقاء الحيض فغير تامّ، فإنّ الحكم بترك عبادتها مع استمرار الدم بعد أيام عادتها قبل تمام العشرة لا يكون مقتضى قاعدة الإمكان و لا الاستصحاب، حيث إنّ الاستصحاب مقتضاه كون الدم المزبور استحاضة فيجب عليها أعمالها، و ذلك فإنّ الشارع قد حكم على ذات العادة مع استمرار دمها إلى ما بعد العشرة بحيضها مقدار عادتها و الدم بعده استحاضة، و مقتضى الاستصحاب بقاء دمها إلى ما بعد العشرة، كما هو الصحيح من اعتبار الاستصحاب في الأمور الاستقبالية كالأمور الماضية، فالاستصحاب في بقاء حيضها أصل مسبّبي لا تصل النوبة إليه مع جريان الأصل السببي.

50

و مفاد قاعدة الإمكان على ما هو الصحيح هو كون الدم حيضا إذا اجتمع فيه ما هو المعتبر في كونه حيضا، و مما يعتبر فيه عدم تجاوزه عن العشرة و هذا الشرط مفقود بمقتضى الاستصحاب في بقاء الدم و استمراره إلى ما بعدها.

و الحاصل أنّ الحكم على الحائض بالاستظهار وجوبا أو ندبا أو جوازا مستفاد من الروايات من غير أن يرتبط بتقديم جانب احتمال الحرمة.

و أمّا الأمر بالتيمّم فهو تعبّد محض فيلتزم بوقوع التقييد في دليل اعتبار الوضوء للصلاة و ذلك لتمكّن المكلّف في الفرض من الصلاة بالطهارة المائية بل و مع طهارة بدنه بأن يصلي بعد الوضوء بأحد الماءين و يعيد تلك الصلاة بعد الوضوء بالماء الثاني مع تطهير الأعضاء قبله.

و دعوى ابتلائه باستصحاب الخبث بالإضافة إلى الصلوات الآتية لا يمكن المساعدة عليها، فإنّه يجوز الابتلاء بالخبث القطعي بالإضافة إلى الصلاة التي لم يدخل وقتها فضلا عن الخبث الاستصحابي، و لا فرق في الصورتين المتقدّمتين- أي كون الماء الثاني أيضا قليلا كالماء الأوّل أو كثيرا يطهر العضو بمجرّد وصوله إلى الماء- من جهة جريان الاستصحاب في نجاسة العضو في كلّ منهما، غاية الأمر النجاسة المستصحبة في صورة كرّية الثاني تكون محرزة بالإجمال و لا يضرّ ذلك باستصحابها.

و ما ذكره الماتن (قدّس سرّه) من عدم جريان الاستصحاب في صورة كونها محرزة إجمالا بل تكون قاعدة الطهارة محكمة مبني على مسلكه في تعاقب الحالتين و الشكّ في المتقدّم و المتأخّر منهما.

نعم، قد يقال: إنّ الاستصحاب في نجاسة العضو مع إحراز نجاسته إجمالا معارض باستصحاب طهارة الأعضاء عند استعمال الماء الطاهر الواقعي، حيث‏

51

الأمر الثالث: الظاهر لحوق تعدد الإضافات، بتعدد العنوانات [1] و الجهات، في أنه لو كان تعدد الجهة و العنوان كافيا مع وحدة المعنون وجودا، في جواز الاجتماع، كان تعدد الإضافات مجديا، ضرورة أنه يوجب أيضا اختلاف المضاف بها بحسب المصلحة و المفسدة و الحسن و القبح عقلا، و بحسب الوجوب و الحرمة شرعا، فيكون مثل (أكرم العلماء و لا تكرم الفساق) من باب الاجتماع (كصلّ و لا تغصب) لا من باب التعارض، إلّا إذا لم يكن للحكم في أحد الخطابين في مورد الاجتماع مقتض، كما هو الحال أيضا في تعدد العنوانين، فما يتراءى منهم من المعاملة مع مثل (أكرم العلماء و لا تكرم الفساق) معاملة تعارض العموم من وجه، إنما يكون بناء على الامتناع، أو عدم المقتضي لأحد الحكمين في مورد الاجتماع.

يحتمل بقائها على تلك الطهارة لاحتمال كون الطاهر هو الماء الثاني و بعد تساقط الاستصحابين يرجع إلى قاعدة الطهارة فيها و جريان الاستصحاب في الطهارة كما ذكر، و إن نوقش فيه بدعوى أنّه من الاستصحاب الفرد المردّد بين الطهارة السابقة قبل استعمال الماءين المعلوم زوالها بعد ذلك و بين الطهارة الحادثة بعد ذلك المشكوك حدوثها، إلّا أنّا ذكرنا في بحث الاستصحاب أنّ خطاب النهي عن نقض اليقين بالشك يعمّ هذا القسم كما يعمّ الاستصحاب في القسم الثاني من استصحاب الكلي و تمام الكلام في بحث الاستصحاب.

التنبيه الثالث: تعدّد الإضافات‏

[1] قد ذكرنا فيما تقدّم أنّ الخلاف في مسألة الاجتماع في موارد التركيب الاتحادي ينحصر فيما كانت النسبة بين نفس عنواني الفعلين العموم من وجه بحيث يكون الإتيان بمتعلّق الأمر بالمجمع موجبا لتحقّق العنوان المحرّم من غير عكس، بأن يكون ارتكاب المحرّم في المجمع بنفسه لا يوجب انطباق عنوان متعلّق الأمر

52

عليه، بل يحتاج انطباقه على المجمع إلى ضمّ فعل و لو كان ذلك الفعل قصد عنوان الواجب كالأمر بالصلاة مع خطاب النهي عن الغصب أو الأمر بالوضوء مع خطاب النهي عنه، فإنّ مقتضى كون خطاب النهي عن الغصب انحلاليا مبغوضية نفس السجود في المكان المغصوب، سواء انضمّ إليه بقية الصلاة أم لا. و الأمر بالصلاة مقتضاه مطلوبية السجود المزبور فيما إذا انضمّ إليه بقيّة الصلاة، و كذا النهي عن الغصب فيما كان الماء ملك الغير مع الأمر بالوضوء، فإنّ النهي عن الغصب يقتضي مبغوضية استعمال الماء المغصوب و لو بغسل الوجه و اليدين، فالفساد و المبغوضية في نفس استعماله بخلاف الأمر بالوضوء فإنّه يدلّ على مطلوبية الغسل إذا انضمّ إليه قصد الوضوء، ففي نظائره يمكن دعوى عدم المنافاة بين مطلوبية الكلّ و مبغوضية الجزء.

و أمّا إذا كان عنوان المحرّم بحيث لو طبّق على المجمع كان عنوان الواجب موجودا لا محالة فالتكاذب و التنافي بين الخطابين في الحكم و الملاك ظاهر كما إذا كانت النسبة بين متعلّقي الأمر و النهي العموم من وجه و كانت النسبة بينهما كذلك ناشئة عن الموضوع للوجوب و الحرمة، كما في قوله: أكرم العلماء، و قوله: لا تكرم الفساق، أو قوله: أكرم عالما، و قوله: لا تكرم الفاسق‏ (1)، فالاطلاق في ناحية كل من الخطابين ينفي عن مورد اجتماعهما الحكم الوارد في الخطاب الآخر و ملاكه، فكيف يلتزم فيهما بثبوت الحكمين و الملاكين في المجمع.

____________

(1) لا يخفى أن المثال الأول هو المثال المذكور في الكفاية: 180، لكن اريد التمثيل للأمر بالاطلاق البدلي حتى يكون مثالا للترخيص في التطبيق فالأولى التمثيل له بما مثل به شيخنا الأستاذ (دام ظله) و هو «اكرم عالما».

53

و ما عن المصنّف (قدّس سرّه) من أنّ معاملة المتعارضين معهما مبني على الامتناع أو إحراز الملاك لأحد الحكمين لا يخفى ما فيه.

نعم، لا يبعد تقديم خطاب لا تكرم الفاسق على إطلاق خطاب أكرم عالما بالوجه المتقدّم بين الحكم الترخيصي‏ (1) و الإلزامي.

و قد فرغنا عن بحث الاجتماع في الدورة السابقة في شهر شعبان المعظم سنة 1406 ه. ق و في هذه الدورة سنة ذى الحجّة الحرام 1414 ه. ق و الحمد للّه ربّ العالمين.

____________

(1) إنّ المقصود من الحكم الترخيصي هو الترخيص في التطبيق لا الاستحبابي.

54

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}