دروس في مسائل علم الأصول - ج5

- الميرزا جواد التبريزي المزيد...
416 /
5

[تتمة المقصد السابع الاصول العملية]

[فصل أصالة الاحتياط]

[المقام الثانى‏]

و ينبغي التنبيه على أمور:

الأوّل: أنه ظهر مما مرّ حال دوران الأمر بين المشروط بشي‏ء و مطلقه و بين الخاص كالانسان و عامّه كالحيوان [1].

[و ينبغي التنبيه على أمور:]

[الأوّل: دوران الأمر بين المشروط بشي‏ء و مطلقه‏]

[1] يقع الكلام في دوران أمر الواجب بين كونه مطلقا بالإضافة إلى المشكوك أو مشروطا به، و لا يخفى أن الشك في شرطية شي‏ء و دخل خصوصية في متعلق الأمر يكون على أنحاء: فإنه قد يكون لما يطلق عليه الشرط وجود منحاز خارجا، كما إذا تردّد في تقيّد الصلاة بالستر، و اخرى لا يكون لما يطلق عليه الشرط وجود منحاز خارجا، بل تكون من قبيل خصوصية قائمة بمتعلق متعلق التكليف عرضا، كما إذا تردد الواجب بين عتق رقبة أو عتق رقبة مؤمنة، بأن يكون الشرط من قبيل العرض لمتعلق متعلق التكليف، و ثالثة لا تكون الخصوصية فعلا ممتازا في الخارج و لا من قبيل العرض لمتعلق متعلق التكليف، بل من قبيل المقوم الداخل في المتعلق أو اللازم له، كما إذا دار الأمر بين كون الواجب بين المجي‏ء بالإنسان أو مطلق الحيوان، أو كون الواجب عتق الرقبة الشامل للذكر و الانثى، أو خصوص عتق العبد، و يطلق على النحو الثالث دوران الأمر بين وجوب العام أو الخاص، و على النحوين الأولين دوران الأمر بين المطلق و المشروط، و التزم الماتن (قدّس سرّه) بعدم انحلال العلم الإجمالي في الصور الثلاث عقلا و لو التزم بالانحلال العقلي في موارد الشك في الجزئية، نعم تجري البراءة الشرعية في موارد الشك في الشرطية في ناحية شرطية المشكوك،

6

و لكن لا مجرى لها في موارد دوران الواجب بين العام و الخاص، و أشار إلى عدم الانحلال العقلي في مورد الشك في الشرطية حتى بناء على الانحلال عقلا في موارد الشك في الجزئية بما تقريبه أنه لو كان الستر مثلا شرطا في الصلاة و لوحظ فيها عند الأمر بها، يكون ما في الخارج مع رعايته عين المأمور به، و إذا لم يراع في الإتيان بها يكون ما في الخارج مباينا لما تعلق الأمر به، بخلاف موارد الشك في جزئية شي‏ء فإنه لو لم يراع لم يكن المأتي به مباينا على تقدير تعلق الأمر بالأكثر، بل كان بعضه، و لذا قيل بأن تعلق الوجوب بالأقل في تلك المسألة يقيني، نفسيا أو غيريا، و لكن هذا لا يجري في الشك في الشرطية حيث لا يمكن الالتزام بالوجوب الغيري عند الشك في كون الواجب هو المطلق أو المشروط، حيث إن انحلال المشروط إلى الطبيعي و تقيده بما يسمى شرطا عقلى، و الأجزاء العقلية لا يتعلق بها الوجوب، بخلاف انحلال الكلي إلى الأجزاء، فإن الانحلال فيه إليها خارجي فيتعلق الوجوب بكل منها غيريا أو ضمنيا على ما تقدم.

ثم ذكر (قدّس سرّه) أنه يمكن الأخذ بالبراءة الشرعية في موارد الشك في شرطية شي‏ء، حيث إن شرطيته مما لا يعلم فيمكن رفعها بحديث الرفع، بخلاف دوران الأمر بين العام و الخاص فإنه لا مجرى للبراءة الشرعية في ناحية خصوصية الخاص.

و تقريبه، أن في اشتراط الصلاة بالستر مثلا نفس الصلاة ملحوظة في مقام الأمر لا محالة، و الشك في لحاظ أمر زائد على لحاظ نفسها، بخلاف تردد المأمور به بين العام و الخاص، فإنّ الملحوظ في مقام الأمر إما مجي‏ء الحيوان أو الإنسان، و ليس بينهما أمر متيقن بحسب اللحاظ في ذلك المقام، فيدور المتعلق بحسب اللحاظ بين أمرين، و إن كان بين الملحوظين مورد تصادق خارجا، ففي النتيجة تكون شرطية

7

الستر أمرا مجعولا قابلا للوضع و الرفع زائدا على ذات المشروط، بخلاف العموم و الخصوص فإنه لا يزيد على ذات الملحوظ في تعلق الأمر بالخاص.

و المتحصل أنه لا مجرى للبراءة العقلية في شي‏ء من الأقسام الثلاثة المتقدمة حتى بناء على انحلال العلم الإجمالي عقلا في موارد الشك في الجزئية، و أما البراءة الشرعية فلا بأس بجريانها عند الشك في شرطية شي‏ء بكلا قسميه الأول و الثاني؛ لأنّ الشرط فيهما منتزع عن أخذ شي‏ء و لحاظه في متعلق الأمر زائدا على لحاظ ذات المشروط فتكون مجعولة بالأمر بالمشروط لا محالة، بخلاف خصوصية الخاص فإن لحاظها لا يكون أمرا زائدا على لحاظ العام في مقام الأمر، بل يتردد الملحوظ فيه بين أمرين مختلفين على ما تقدم، أقول: فيما ذكره (قدّس سرّه) للمناقشة مجال بوجهين.

الأول: أن التفرقة بين الشك في جزئية شي‏ء للمأمور به أو شرطيته بإمكان الالتزام بالانحلال عقلا في الأول دون الثاني لا تتم فيما إذا كان المشكوك على تقدير كونه جزء يؤتى في محل خاص، أو اعتبر الموالاة بينه و بين سائر الأجزاء، و إلّا فلا يكون الأقل المأتي به القدر المعلوم من تعلق التكليف به نفسيا أو ضمنيا، بل يدور أمره بين أن يكون عين متعلق التكليف مصداقا أو مباينا له، كما في دوران الأمر بين المتباينين.

الثاني: أنه إنما يفترق الجزء المشكوك و الشرط المشكوك عن العام و الخاص إذا كان الانحلال في الجزء أو الشرط حقيقيا، و أما بناء على كونه انحلالا حكيما، بأن قلنا بجريان البراءة في ناحية الأمر بالأكثر أو المشروط لكون رفعه الظاهري من ناحية جزئية المشكوك أو شرطيته بعدم إيجاب الاحتياط من أجلهما موافقا للامتنان بخلاف جريان البراءة في ناحية وجوب الأقل لا بشرط، أو ذات المشروط، فإن رفعه‏

8

خلاف الامتنان فيجري هذا الانحلال الحكمي في مورد دوران الأمر بين وجوب العام أو الخاص بعين البيان في الفرق.

في دوران الواجب بين كونه تعيينيا أو تخييريا

ثم إن المحقق النائيني (قدّس سرّه) قد أدخل دوران الأمر بين كون الواجب هو العام أو الخاص في دوران الأمر بين كون الواجب فعلا واحدا تعيينيا أو متعددا تخييريا، و ذلك فإن الجنس لا يمكن أن يتعلق به الأمر فإنه لا تحصّل له في الخارج إلّا في ضمن الفصل فيتعلق به الأمر متميزا بالفصل، فإن كان الفصل المتميز به فصلا معينا يكون الواجب تعيينيا، أو كان فصلا ما (أيّ فصل) كان الواجب تخييريا، و عليه يكون المقام من دوران الأمر بين كون الواجب تعيينيا أو تخييريا لا من دوران الأمر بين كون الواجب هو الأقل أو الأكثر؛ لأنه لا يعقل أن يقال إن تعلق التكليف بالجنس متيقن و الشك في تقيد الجنس بالفصل، بل لا بد من القول بأنّ تقيّده بالفصل يقيني و الأمر دائر بين كونه فصلا معينا أو فصلا ما، و يكون المقام من موارد قاعدة الاشتغال، و لا مجال للرجوع إلى البراءة عن كلفة التعيين، و ذلك لأنه لا يمكن أن يقال إن تعلق التكليف فيه بالجامع بين الفعلين أو الأفعال معلوم و الشك في تعيّن فعل خاص، ثم إنه (قدّس سرّه) قد تعرض لجميع أقسام دوران الأمر بين التعيين و التخيير مع الالتزام بأن الحكم في جميعها الاشتغال، و لا بأس في المقام من التعرض لما ذكره من الأقسام و الحكم بالاشتغال الذي ذكره فيها، فالقسم الأول: و هو الذي يدور الأمر فيه بين جعل الحكم على نحو التخيير أو التعيين في مقام جعل التكليف، و له فروض.

الأول: أن يعلم التكليف في كل واحد منهما و لكن يتردد التكليف في كل منها

9

بين أن يكون تعيينيا أو تخييريا كما في الإفطار بالمحرم، حيث يدور أمر التكليف بين وجوب كل واحد من الخصال تعيينا أو تخييرا.

و الفرض الثاني: ما إذا علم كون فعل مسقطا للواجب و دار الأمر فيه بين أن يكون عدلا للواجب بنحو الواجب التخييري أو أنه غير واجب، بل هو فعل مسقط للواجب فقط، نظير السفر في شهر رمضان حيث يسقط وجوب الصوم بالسفر فيه.

في دوران امر الفعل بين كونه مسقطا للواجب أو عدلا له‏

و الثمرة بين كون شي‏ء عدلا للواجب مسقطا له، و بين كونه مجرد مسقط، تظهر فيما إذا تعذر ذلك الواجب، فإن كان الفعل الآخر عدلا مسقطا يتعين الإتيان به، و أما مع كونه مجرد مسقط لا يجب الإتيان به، و ربما مثلوا لذلك بالايتمام في الصلاة فإنه مسقط للقراءة عن المأموم، فيدور الأمر بين كون الايتمام عدلا للقراءة المعتبرة في الصلاة أو أن الايتمام مستحب مسقط لاعتبار القراءة، و إذا لم يتمكن المكلف من القراءة الصحيحة في صلاته فمع كون الايتمام عدلا مسقطا يتعين الايتمام، بخلاف ما إذا كان فعلا مستحبا مسقطا لها فإنه لا يجب الايتمام، بل يكفي الإتيان بالقراءة التي يحسنها المكلف و يأتي الكلام في المثال مفصلا.

الفرض الثالث: ما إذا علم بوجوب فعل و دار الأمر بين كون وجوبه تعيينيا لا يكفي الإتيان بفعل آخر في سقوط التكليف به، و بين كون وجوبه تخييريا يكفي الإتيان بفعل آخر في سقوطه، كما في المظاهر، حيث يعلم بوجوب شهرين متتابعين عليه، و لكن يحتمل كونه تخييريا بينه و بين إطعام ستين مسكينا فيسقط بالإطعام، و يحتمل أن يكون وجوبه تعيينيا فلا يكفي في سقوطه الإطعام، و قد التزم (قدّس سرّه) في الفروض الثلاثة بأن كلا منها مورد لقاعدة الاشتغال، نعم ذكر في الفرض الثاني أنه إذا

10

دار أمر الفعل بين كونه مباحا أو مستحبا مسقطا للواجب، أو كونه عدلا مسقطا للواجب فمقتضى الاشتغال الإتيان مع التمكن من الواجب الإتيان به لا بذلك الفعل؛ لأنه يحتمل أن تكون مسقطيته للواجب من باب تفويت ملاكه و مانعيته عن استيفائه، و إذا لم يتمكن مما علم بتعلق الوجوب به فمقتضى أصالة البراءة عدم لزوم الإتيان بذلك الفعل الآخر، و ذكر (قدّس سرّه) قبل التعرض للفروض الثلاثة فرضا آخر، و هو الشك في أصل ثبوت التكليف المردد بين كونه تعيينيا أو تخييريا، كما إذا شك في كون الارتماس في نهار شهر رمضان هل يقتضي وجوب الكفارة أم لا، و على تقدير اقتضائه هل يقتضي كفارة معينة أو المخيرة بين الخصال، و أنه لا ينبغي التأمل في رجوعه إلى أصالة البراءة؛ لأنّ الشك في أصل جعل التكليف على المرتمس في نهاره، و التزام الشيخ (قدّس سرّه) بأن الاشتغال ليس راجعا إلى هذا الفرض، فما نسبه بعض إلى ظاهر كلام الشيخ من الرجوع إلى قاعدة الاشتغال في هذا الفرض أيضا لا أساس له، و الوجه في كون المرجع قاعدة الاشتغال في الفروض المتقدمة هو أن التعيين في التكليف و إن كان ضيقا.

و بتعبير آخر الصفة التعيينية في التكليف تقتضي الضيق على المكلّف، و لذا التزم بعض بجريان البراءة عن التكليف التعييني بالفعل، و لكن هذه الصفة ليست أمرا مجعولا مرتبطا بالتكليف المتعلق بالفعل، بل التعيينية تنتزع للتكليف من عدم التكليف بالفعل الآخر عدلا، فإن تعلق التكليف بالفعل الآخر عدلا يكون التكليف المعلق بالفعل تخييريا و إن لم يتعلق التكليف بالفعل الآخر كذلك يكون وجوبه تعيينيا، فلو فرض جريان البراءة عن التكليف بالآخر و إن لم يجر لكونها على خلاف المنّة، كان مقتضاها كون الوجوب المتعلق بهذا الفعل وجوبا تعيينيا.

11

و على الجملة كما أن الوجوب التخييري في مقام الإثبات يحتاج إلى مزيد بيان غير بيان وجوب الفعل، و البيان المزيد هو بيان العدل للواجب، كذلك الأمر في مقام الثبوت فنفس التكليف المتعلق بفعل لا يختلف من ناحية نفسه في التعييني و التخييري، و إنما يختلف من وجوب فعل آخر عدلا له، فليس في ناحية التكليف بالفعل أمر زائد في موارد التعيينية لتجري في نفي ذلك الزائد البراءة.

أقول: لا ينبغي التأمل في جريان أصالة البراءة في الفرض الأول و الثالث في ناحية احتمال الوجوب التعييني، و ذلك فإنّ التخييرية في الواجب ثبوتا ليس تعلق الوجوب بالفعل الآخر أيضا، فإن الأمر بفعل آخر أيضا لا يوجب كون وجوب الفعل الأول تخييريا، و ليس للأمر بالفعل الآخر عدلا واقعيا بحسب مقام الجعل، إلّا تعلق التكليف في ذلك المقام بالجامع بينهما، سواء كان ذلك لحصول الملاك الملحوظ بحصول أي منهما أو لعدم إمكان اجتماع الملاكين في الخارج للتضاد بينهما بحسب ملاكهما، و لا يدخل الفعلان مع تضادهما في الملاك في المتزاحمين، فإن التزاحم بين التكليفين إنما ينشأ عن عجز المكلف اتفاقا من الجمع بين التكليفين في الامتثال مع تمكنه من امتثال كل منهما مع قطع النظر عن الآخر، و أن كلا من التكليفين مجعول في حق المتمكن على الإتيان بمتعلقه، فالتخيير عقلا في مقام التزاحم بين التكليفين في الامتثال مع تساوي التكليفين و عدم المرجح لتقديم أحدهما في الامتثال غير التخيير في التكليف في مقام الجعل للتضاد بين الفعلين ذاتا أو بحسب الملاك، فإنه لا معنى لهذا التكليف و جعل الوجوب التخييري إلّا بتعلق التكليف ثبوتا بالجامع بينهما، كما أنه ليس للواجب التعييني في مقام الثبوت واقعية إلّا تعلق التكليف بالفعل بعنوانه الخاصّ، نعم في مقام الإثبات و إبراز كون وجوب الفعل ثبوتا تخييريا

12

يتعلق الوجوب بكل منهما مع عطف أحدهما على الآخر ب (أو) أو ما يرادفه، فاحتياج الوجوب التخييري في مقام الإثبات بذلك يكشف عن تعلق التكليف ثبوتا بالجامع بينهما، لا أنه تعلق بكل منهما نحو تعلق و التكليف في نفسه أمر اعتباري يمكن تعلقه بالجامع و لو كان ذلك الجامع أيضا اعتباريا لا جامعا ذاتيا، بل لو كان التكليف عرضا فهو عرض للآمر لا لمتعلق الأمر، ليقال: إن العرض لا يقوّم بشي‏ء اعتباري، و على ذلك فمع تردد تعلق التكليف بخصوص فعل أو الجامع بينه و بين غيره، كما في الفرض الثالث تجري البراءة عن تعلق التكليف بخصوص ذلك الفعل و لا يعارض بأصالة البراءة عن تعلقه بالجامع بينهما؛ لأنّ رفع التكليف عن الجامع ظاهرا على تقدير تعلقه به واقعا خلاف المنة، بخلاف رفعه ظاهرا إذا تعلق بخصوص أحدهما فإن في الوجوب التعييني ضيقا على المكلف فيناسب الامتنان رفعه، و لا مجال للقول بجريان الاستصحاب في التكليف الواقعي بعد الإتيان بالعدل المحتمل، و ذلك لما تقدم من أنّ الاستصحاب فيه لا يثبت تعلق التكليف ثبوتا بالفعل المتروك، بل مع جريان البراءة عن تعلق التكليف به ثبوتا يكون مفادها عدم وجوب الاحتياط في التكليف المحتمل تعلقه به، و عدم استحقاق العقاب على مخالفته فلا يبقى للاستصحاب في ناحية الكلي أثر عقلي حتى يجري فيه بلحاظ ذلك الأثر العقلي على قرار ما تقدم.

و كذلك الحال في الفرض الأول حيث تجري أصالة البراءة في ناحية الوجوب التعييني المحتمل في كل من الأفعال و لا تعارض بأصالة البراءة عن تعلقه بالجامع بينهما.

و اما ما ذكره (قدّس سرّه) في الفرض الثاني من أنه مع تمكن المكلف من فعل الواجب‏

13

لا يجوز له الإتيان بالمسقط لاحتمال أن تكون مسقطيته من تفويت ملاك الواجب و مانعيته عن استيفائه، نعم مع عدم التمكن تجري البراءة في احتمال وجوب الإتيان بذلك الفعل فلا يمكن المساعدة عليه، فإنه إذا كان شي‏ء رافعا لوجوب فعل لانتفاء الملاك في ذلك الواجب مع وجوده يؤخذ ذلك الفعل شرطا في نفس وجوب الواجب، كاشتراط وجوب الصوم بعدم كون المكلف مسافرا، و إذا كان موجبا لتفويت ملاكه و مانعيته عن استيفائه يؤخذ ذلك الفعل في متعلق الواجب مانعا بأن يكون تركه قيدا للواجب، و إذا دار أمر شي‏ء بين كون عدمه شرطا لوجوب الواجب أو عدمه قيدا لنفس الواجب، فأصالة البراءة عن وجوبه مع وجوده، مقتضاها عدم التكليف بذلك الواجب مع وجوده على ما هو المقرر في دوران أمر شي‏ء بين كونه قيدا للوجوب أو للواجب، و كذا تجري أصالة البراءة في احتمال وجوب ذلك المسقط عند سقوط ذلك الواجب من جهة اخرى هذا بحسب الكبرى.

حكم الايتمام ممن لا يتمكن من القراءة الصحيحة

و أما ما ذكره في مسألة القراءة و الايتمام في الصلاة من أنه يستفاد مما ورد في كون سين بلال شينا، أن الايتمام مجرد مسقط للقراءة و ليس عدلا للواجب حتى أن المكلف عند عدم تمكنه من القراءة التامة يصلي بما يحسن من القراءة، فقد أورد عليه بأنه لا دلالة في الرواية على ذلك، أولا: أن الرواية نبوية ضعيفة بالإرسال، و ثانيا:

أن ما يتحمله الإمام من القراءة ليس فيها حرف الشين ليتعين الايتمام عند عدم التمكن منها، بل حرف الشين واقع في تشهد الصلاة و لا فرق فيها بين صلاة المنفرد و الايتمام، و إذا كانت القراءة الصحيحة معتبرة في الصلاة مطلقا نظير اعتبار الطهارة من الحدث فيسقط التكليف بالصلاة عمن لا يتمكن من قراءتها، فغاية ما تدل عليه‏

14

و أنه لا مجال هاهنا للبراءة عقلا، بل كان الأمر فيهما أظهر، فإن الانحلال المتوهم في الأقل و الأكثر لا يكاد يتوهم هاهنا، بداهة أن الأجزاء التحليلية لا يكاد يتصف باللزوم من باب المقدمة عقلا، فالصلاة- مثلا- في ضمن الصلاة المشروطة أو الخاصة موجودة بعين وجودها، و في ضمن صلاة أخرى فاقدة لشرطها

الرواية عدم سقوط التكليف بالصلاة مع القراءة التامة، أضف إلى ذلك أن مدلولها تنزيل السين منزلة الشين لا التنزيل في مطلق ألفاظ القراءة، و ثانيا: أن التمثيل للمقام بمسألة القراءة و الايتمام غير صحيح، فإن الواجب على المكلف طبيعي الصلاة، فللمكلف أن يوجد الطبيعي في ضمن أي فرد، و كما أن الإتيان بالصلاة في أول الوقت أو في المسجد و غير ذلك من أفراد الطبيعي كذلك الصلاة فرادى أو الإتيان بها جماعة، و كما أنّه مع عدم التمكن من بعض الأفراد يتعين الإتيان بالطبيعي و لو في ضمن الفرد المتمكن منه، كذلك مع عدم التمكن من الفرادى يتعين الإتيان بالايتمام؛ لأنّ الامام يتحمل القراءة فيكون متمكنا من الفرد الصحيح من الطبيعي، هذا مع الإغماض عن نصوص كثيرة واردة تدل على جواز اكتفاء المكلف في قراءته في الصلاة بما يحسن و ما يتيسر من القرآن، و لو لا هذه النصوص كان مقتضى القاعدة لمن لا يتمكن من القراءة الصحيحة تعين الايتمام.

أقول: لو كانت صلاة الفرادى فردا و صلاة الجماعة فردا آخر من الواجب، كالصلاة في البيت و المسجد و أول الوقت و غير ذلك لكان ما ذكر صحيحا، و لكن ظاهر ما ورد في الصلاة جماعة أنها فعلان، صلاة و تبعية، و اختلاف الصلاة فرادى مع الصلاة جماعة، بأن الأول فعل واحد و الثاني فعلان، أحدهما: واجب تعبدي، و الثاني: مستحب توصلي، غاية الأمر الفعل الثاني مسقط للقراءة المعتبرة في الصلاة، و عليه فأصالة البراءة عن وجوب الايتمام لغير المتمكن من القراءة لا موجب لرفع‏

15

و خصوصيتها تكون متباينة للمأمور بها، كما لا يخفى.

نعم لا بأس بجريان البراءة النقلية في خصوص دوران الأمر بين المشروط و غيره، دون دوران الأمر بين الخاص و غيره، لدلالة مثل حديث الرفع على عدم شرطية ما شك في شرطيته، و ليس كذلك خصوصية الخاص، فإنها إنما تكون‏

اليد عنها، فإن المفروض أن من لا يتمكن من القراءة التامة لا تسقط الصلاة عنه، و على الجملة لو لم يكن في البين الروايات المشار إليها لقلنا أيضا بعدم وجوب الايتمام على العاجز من القراءة التامة، هذا فيما لم يكن العجز ناشئا من ترك التعلم، و أما مع العجز الناشئ عن تركه فيتعين عليه الايتمام حتى بلحاظ تلك الروايات؛ لأن الشخص التارك للتعلم مكلف بالصلاة مع القراءة التامة أو مأخوذ بملاك الصلاة التامة على ما هو المقرر في بحث وجوب تعلم الدين، و عدم معذوريته في مخالفة التكليف بنفسه أو بملاكه، فيما إذا كانت المخالفة ناشئة عن ترك التعلم، و عليه فعلى العاجز المزبور الايتمام في صلاته مع تمكنه من الايتمام، و أورد العراقي (قدّس سرّه) على ما ذكره النائيني (قدّس سرّه) من عدم الفرق بين الوجوب التعييني المتعلق بفعل و الوجوب التخييري المتعلق به، و أن الوجوب التعييني لا يزيد على التخييري بشي‏ء ليقال بنفي الزائد بأصالة البراءة، بأنه في مورد الأمر التعييني يكون طلب الفعل بحيث يطرد تمام فروض تركه، بخلاف الأمر التخييري فإن الطلب فيه لا يطرد تمام فروض تركه، بل يطرد بعضها، و إذا شك في الأمر بفعل أنه يحرم تمام فروض تركه أم لا، أو لا يحرم بعض فروض تركه فأصالة البراءة جارية في ناحية هذه الزيادة، كما إذا تردد الوجوب المتعلق بكل من الأفعال المتعددة تعيينيا أو تخييريا فتجري البراءة في الناحية التعيينية.

ثم قال: نعم لو فرض وجوب فعل و شك في وجوب فعل آخر، و أنه يكون بديلا أم لا فلا بأس بالالتزام بالاشتغال للعلم الإجمالي بأن على المكلف إما أن يأتي‏

16

منتزعة عن نفس الخاص، فيكون الدوران بينه و (بين) غيره من قبيل الدوران بين المتباينين، فتأمل جيدا.

الثاني: إنه لا يخفى أن الأصل فيما إذا شك في جزئية شي‏ء أو شرطيته في حال نسيانه عقلا و نقلا ما ذكر في الشك في أصل الجزئية أو الشرطية [1].

بالواجب بعد وجود ما يحتمل كونه بديلا، أو أن عليه الإتيان بذلك البديل المحتمل عند ترك ذلك الواجب، فهذا العلم الإجمالي منجز يوجب الإتيان بذلك الواجب و عدم جواز تركه.

أقول: يرد على ما ذكره بأنّ الأمر بالشي‏ء لا يطرد جميع فروض تركه إلّا بتعلق الوجوب بنفس ذلك الفعل بعنوانه ثبوتا و لا يطرد بعض فروض تركه إلّا بتعلق الوجوب بالجامع ثبوتا، و لو كان ذلك الجامع اعتباريا أو كونه واجبا مشروطا، و إذا فرض عدم الاشتراط في ناحية الوجوب المتعلق بالفعل بترك الفعل الآخر كما هو المقرر في بحث الواجب التخييري، فيدور الأمر بين تعلق الوجوب بالفعل بعنوانه الخاص أو بالجامع، فأصالة البراءة تجري في ناحية تعلقه بالفعل بعنوانه الخاص و لا يعارضها أصالة البراءة في تعلق الوجوب بالجامع، و تصوير العلم الإجمالي في فرض احتمال العدل للواجب، فرض لعلم إجمالي غير منجز، فإن العلم الإجمالي إما أن يتعلق بتكليف فعلي بين أطراف فعلية أو بين أطراف تدريجية يعلم المكلف بابتلائه بها، و في المفروض مع التمكن من الواجب متمكن أيضا من الفعل المحتمل كونه بديلا و أطراف هذا العلم تعلق التكليف به أو بالجامع، و الابتلاء بواقعة لا يتمكن فيها إلّا بالمحتمل كونه عدلا واقعة محتملة غير داخلة في أطراف العلم الإجمالي لعدم علمه بالابتلاء بها.

الأصل فيما إذا شك في جزئية شي‏ء أو شرطيته‏

[1] إذا أحرز كون شي‏ء جزءا أو شرطا للمأمور به و شك في كون جزئيته أو

17

شرطيته مطلقة أم لا، تكون الجزئية أو الشرطية فيه مطلقة، و لا يخفى أن الإطلاق في الجزئية و الشرطية تلاحظ تارة بالإضافة إلى حالتي الذكر و النسيان، بمعنى أن دخالته في تمام متعلق التكليف لا يختص بحال الذكر، و نتيجة ذلك أن المكلف إن نسيه في تمام الوقت لا يكون في حقه تكليف لا بالإضافة إلى الكل أو المشروط، و لا بالإضافة إلى الخالي عن المنسي كما أنه لو نسيه بعض الوقت لا يكون الفاقد لما هو المنسي مصداقا لمتعلق التكليف، بل التكليف بالكل أو المشروط باق، فعليه الإتيان بالمأمور به عند تذكره، و هذا بخلاف ما إذا كانت الجزئية أو الشرطية مختصة بحال الذكر فإنه يتعلق التكليف بالباقي في حال النسيان سواء فيما كان النسيان مستوعبا في تمام الوقت أم في بعضه، و يترتب على ذلك عدم لزوم القضاء و الإعادة، و اخرى يلاحظ الإطلاق في الجزئية و الشرطية بالإضافة إلى زمان التمكن منه و عدمه، فإن كان شي‏ء جزء أو شرطا بنحو الإطلاق يكون لازمه سقوط التكليف عن الكل و المشروط إذا استوعب عدم التمكن تمام الوقت و عدم الأمر بالباقي، و إذا كان في بعض الوقت يتعين امتثال التكليف بالكل أو المشروط عند تجدد تمكنه منه، بخلاف ما إذا كانت الجزئية أو الشرطية مختصة بحال الاختيار فقط، فإنه يتعين عليه الإتيان بالباقي مع استيعاب عجزه تمام الوقت، و يتخيّر بين الإتيان بالباقي حال عدم تمكنه أو الإتيان بالكل أو المشروط عند تجدد تمكنه قبل خروج الوقت مع عدم استيعابه، و الكلام في هذا التنبيه في الإطلاق أو الاختصاص في الجزئية و الشرطية بلحاظ حال النسيان، و أنه إذا ثبت كون شي‏ء جزء أو شرطا للمأمور به، و لكن شك في إطلاقهما أو اختصاصهما بحال الذكر.

و ربما يقال بعدم إمكان اختصاص جزئية شي‏ء أو شرطيته بحال الذكر، فإن‏

18

ثبت فيه إحداهما تكون الشرطية أو الجزئية مطلقة، و إلّا فلا يكون له جزئية و لا شرطية أصلا، و ذلك فإن ثبوت الجزئية لشي‏ء أو الشرطية له يكون بالتكليف بالكل أو المشروط فهما مجعولتان بتبع التكليف لا محالة، و لو أراد المولى اختصاص الجزئية لشي‏ء أو شرطيته لمتعلق الأمر بحال الذكر، فعليه أن يعتبر تكليفين أحدهما، التكليف: بالكل أو المشروط، و ثانيهما: التكليف بالخالي عن الجزء المنسي أو الشرط المنسي في حق الناسي، و اعتبار التكليف بالباقي كذلك غير معقول لعدم إمكان التفات المكلف حال عمله إلى كونه ناسيا، و ألّا يتذكر فلا يكون التكليف المزبور قابلا للبعث، و إمكان كون التكليف بحيث لا يمكن كونه داعيا لغو لا يصدر عن الحكيم، و عليه فإن ثبت في مورد الإجزاء و كفاية الباقي في سقوط التكليف بالكل أو المشروط فهو بالإتيان بالمسقط و لو لوفائه بالملاك في هذا الحال، كما في موارد نسيان ما لا يدخل في المستثنى في حديث «لا تعاد» من الاخلال بالجزء أو الشرط نسيانا، و على ما ذكر فإن احرز كون شي‏ء جزءا لمتعلق الأمر أو شرطا فيه تكون جزئيته أو شرطيته مطلقة، و لا يبقى مجال لدعوى أن الشك في كون جزئية شي‏ء أو شرطيته مطلقة أو مختصة بحال الذكر من صغريات دوران أمر الواجب الارتباطي بين الأقل و الأكثر، و أنه يكون مقتضى البراءة في جزئيته أو شرطيته حال نسيانه جواز الاكتفاء بالإتيان بالباقي، فللقائل بالبراءة في المقام إثبات إمكان الأمر على الناسي بالباقي، و إثبات إمكان اختصاص جزئية شي‏ء أو شرطيته للواجب بحال الذكر، و قد وجه الماتن (قدّس سرّه) إمكان الأمر بالباقي كذلك بوجهين كما يأتي، و لكن لا بد من فرض الكلام فيما إذا لم يثبت بالأدلة الاجتهادية إجزاء المأتي به أو عدم إجزائه، فإنه مع ثبوت أحدهما لا تصل النوبة إلى التمسك بالأصل العملي و لا تترتب‏

19

ثمرة عملية على البحث في إمكان اختصاص التكليف بالكل أو المشروط للذاكرين و التكليف على الناسي بالخالي عن المنسي، حيث إنّه مع قيام الدليل على الإجزاء لا حاجة إلى التدارك بعد التذكر سواء أمكن الاختصاص المذكور أم لم يمكن، بأن كان السقوط من باب الوفاء بالملاك و مع قيام الدليل على عدم الإجزاء لزم التدارك من غير فرق بين القولين، و على ذلك فإن كان لخطاب الأمر بالكل أو المشروط إطلاق، و كذلك لما دل على اعتبار الجزء أو الشرط إطلاق تكون النتيجة الالتزام بالجزئية المطلقة أو الشرطية المطلقة، و كذا إذا لم يكن لخطاب الأمر بالكل أو الشرط إطلاق، و لكن كان للخطاب الدال على جزئية المنسي أو شرطيته إطلاق، فإنه يحكم أيضا بإطلاق الشرطية و الجزئية، و أما إذا انعكس الأمر بأن كان لخطاب الأمر بالكل و المشروط إطلاق بالإضافة إلى المنسي، و لكن لم يكن إطلاق في ناحية ما دل على جزئيته و شرطيته، كما إذا قام الإجماع على اعتبار شي‏ء جزءا أو شرطا و شك في جزئيته و شرطيته حال النسيان، فإنه بناء على إمكان تخصيص الجزئية و الشرطية بحال الذكر يؤخذ بإطلاق خطاب الأمر بالكل و المشروط، فيحكم بعدم اعتبار جزئيته حال النسيان أو عدم شرطيته فيه.

لا يقال: لا يمكن الأخذ بالخطاب الدال على جزئية شي‏ء أو شرطيته حال نسيانه؛ لأن تكليف الناسي بالمنسي أمر غير ممكن، فلا فرق بين الفرض الأخير و الفرضين السابقين في الالتزام بوجوب الباقي على تقدير إمكان الاختصاص.

فإنه يقال: ليس مدلول الخطاب الدال على جزئية شي‏ء أو شرطيته هو الأمر و التكليف بالإتيان به، ليقال إن التكليف المنسيّ على الناسي غير ممكن، بل مدلوله الإرشاد إلى الجزئية و عدم تحقق الكل أو المشروط بدونه، و لازم ذلك سقوط الأمر

20

بالكل أو المشروط فيما إذا استوعب النسيان جميع الوقت و الإعادة مع عدمه.

و على الجملة ليس مدلول الخطاب الدال على الجزء أو الشرط هو التكليف بهما حتى فيما إذا كان بلسان الأمر بالجزء أو الشرط، بل الأمر بهما إرشاد إلى كون متعلقه دخيلا في متعلق الأمر النفسي، و أن ذلك المتعلق لا يتحقق بدونه. و لذا لا تعتبر قدرة المكلف على متعلقه و التفاته إليه، و إنما تعتبر القدرة في متعلق الأمر النفسي المتعلق بالكل أو المشروط، و على ذلك فلو كان لما دل على جزئية شي‏ء أو شرطيته إطلاق يحكم بسقوط التكليف عن الكل و المشروط مع استيعاب النسيان لتمام الوقت، و إن لم يستوعب يحكم ببقاء التكليف بالكل أو المشروط فعليه الإعادة، كما أنه لو لم يكن للدال على جزئيته أو شرطيته إطلاق يؤخذ بإطلاق الأمر بالكل و ذات المشروط، فيحكم بعدم اعتبار الجزئية و الشرطية حال نسيانهما، و أما إذا لم يكن إطلاق في ناحية الأمر بالكل و المشروط و لا في ناحية الدال على الجزئية و الشرطية يكون المورد من دوران أمر الواجب بين الأقل و الأكثر بناء على إمكان اختصاص الجزئية و الشرطية ثبوتا بغير حال النسيان، نعم مع عدم إمكانه يكون المورد من موارد الاشتغال للعلم بالواجب و الشك في كون غيره مسقطا له أم لا، نعم هذا بالإضافة إلى الإعادة، و أما بالإضافة إلى القضاء فيرجع إلى أصالة البراءة عن وجوب القضاء، حيث إن الاستصحاب في عدم جعل الفاقد مسقطا لا يثبت فوت الفريضة في وقتها إذا كان التذكر بعد خروج وقت العمل، نعم مع التذكر في الوقت و عدم الإعادة يجب القضاء، و مما ذكرنا يظهر أن ما صنعه المصنف (قدّس سرّه) من الجمع بين التمسك بحديث الرفع، و حديث «لا تعاد» غير صحيح، فإن حديث «لا تعاد» دليل اجتهادي حاكم على إطلاق أدلة الأجزاء و الشرائط للصلاة و ليس مدلوله في ناحية

21

المستثنى أو ناحية المستثنى منه حكما ظاهريا، بخلاف حديث الرفع بفقرة «ما لا يعلمون» و احتمال كون مراده فقرة رفع النسيان غير صحيح؛ لأنّ رفع النسيان رفع واقعي لا يجري إلّا مع نسيان الجزء أو الشرط في تمام الوقت، و لكن لا يثبت وجوب الباقي في الوقت و لا يجري مع نسيان الجزء حال العمل فضلا عن إثباته الأمر بغير المنسي في ذلك الحال.

و قد تحصل من جميع ما ذكرنا أن كون المقام من دوران الأمر الواجب الارتباطي بين الأقل و الأكثر مبني على امكان اختصاص الجزئية أو الشرطية بحال الذكر، و إلّا بأن لم يمكن هذا الاختصاص، بل كان ثبوت الجزئية أو الشرطية في شي‏ء ملازما لجزئيته أو شرطيته مطلقة، و كان سقوط التكليف بالكل أو المشروط بدون الجزء أو الشرط من أجل الوفاء بالغرض، و إلّا فسوف يكون المرجح عند الشك هو الاشتغال على ما تقدم، فالعمدة صرف الكلام إلى إمكان الاختصاص و عدمه، و قد وجّه الماتن (قدّس سرّه) هذا الإمكان بوجهين.

الأول: أن يوجه الخطاب المتضمن للتكليف إلى جميع المكلفين بغير المنسي من الأجزاء و الشرائط، و وجه خطابا آخر على دخل المنسي في متعلق الأمر بالإضافة إلى الذاكر، أو وجه خطابا بإيجاب الإتيان بتمام الأجزاء مع شرائطه، ثم وجه خطابا يتضمن الأمر على الناسي بالإتيان بغير المنسي من سائر الأجزاء و الشرائط حال نسيانه، غاية الأمر لا يكون الموضوع في خطاب الأمر بالخالي الأمر به بعنوان الناسي، بل بعنوان آخر خاص أو عام بحيث لا يشمل الذاكر حال العمل.

أقول: ما ذكر على تقدير تماميته إنما يكون علاجا بالإضافة إلى مقام الإثبات، و أما في مقام الثبوت فلا بد من تصوير الأمر بتمام الأجزاء و الشرائط بالإضافة إلى‏

22

فلو لا مثل حديث الرفع مطلقا و لا تعاد في الصلاة لحكم عقلا بلزوم إعادة ما أخل بجزئه أو شرطه نسيانا، كما هو الحال فيما ثبت شرعا جزئيته أو شرطيته مطلقا نصا أو إجماعا.

الذاكرين، بأن يكون في حق كل واحد من الذاكرين وجوب يتعلق بتمام الأجزاء و الشرائط، و وجوب آخر بالإضافة إلى كل من الأفراد الناسين يتعلق الوجوب بغير منسيه من الأجزاء و الشرائط حال العمل، حيث إن المفروض أن الواجب في حق كل من الذاكرين و الناسين ارتباطي يتعلق ذلك الوجوب الواحد بتمام العمل الواجب في حقه ثبوتا، و ما ذكر الماتن (قدّس سرّه) من الوجهين راجع إلى تصحيح مقام الإثبات و هو فرع إمكان ثبوت تكليف آخر للناسي ثبوتا غير التكليف في حق الذاكر اللهم إلّا أن يقال إنه يمكن أن يلاحظ الشارع الصلاة بتمام أجزائها و شرائطها ثم يوجبها كذلك على من يتمكن من الاتيان بها كذلك في كل جزء من أجزاء الوقت المضروب لوجوبها، و أما من يتمكن من الأجزاء الرئيسية كالأركان و لو في بعض الوقت فيجب عليه على نحو التخيير بين الإتيان بالصلاة بتمام أجزائها و شرائطها في وقت التمكن منها، و بين الإتيان بالأجزاء الرئيسة مع ما يتمكن منه من سائر الأجزاء حال عدم تمكنه من جميعها، و هذا العنوان يشمل الناسي أيضا كسائر أفراد العاجز، غاية الأمر لا يكون الأمر بهذا العنوان داعيا للناسي إلى العمل إلّا بنحو الخطأ في التطبيق بأن يرى الناسي نفسه أنه يأتي بالعمل بداعوية الأمر المتعلق بالصلاة بتمامها على المتمكن منها بتمامها، و لا يضر هذا التخلف و الخطأ في صحة جعل الوجوب كما ذكر، حيث يمكن كونه داعيا لغير المتمكن إذا كان عدم تمكنه من غير ناحية النسيان، أو كان لنسيان نفس ما يطلق عليه الجزء أو الشرط، كما إذا نسي المكلف نفس السورة بعد الحمد مع التفاته بأن قراءتها جزء من الصلاة بحيث لو كان عنده المصحف و كان‏

23

ثم لا يذهب عليك أنه كما يمكن رفع الجزئية أو الشرطية في هذا الحال بمثل حديث الرفع، كذلك يمكن تخصيصهما بهذا الحال بحسب الأدلة الاجتهادية، كما إذا وجه الخطاب على نحو يعم الذاكر و الناسي بالخالي عما شك في دخله مطلقا،

عارفا بالكتابة لقرأها في المصحف في صلاته، و إنما لا يلتفت إلى نسيانه فيما كان منشأ تركه الجزء أو الشرط نسيان الجزئية أو الشرطية حال العمل أو بعده أيضا، و المقدار المذكور من إمكان الداعوية في حق غير المتمكن كاف في جعل الوجوب التخييري المذكور، و إذا شك في كون الجزئية أو الشرطية في شي‏ء مطلقة أو ساقطة حال النسيان عن الجزئية و الشرطية، فمقتضى البراءة عن الوجوب التعييني المتعلق بالعمل الواجد به، مقتضاه جواز الاقتصار على المأتي به حال النسيان.

و بتعبير آخر يدور الأمر في المقام بين كون التكليف تعيينيا أو تخييريا، و مقتضى أصالة البراءة عدم التعيين، و بهذا يظهر أنه لا مجال في المقام لأصالة الاشتغال أو استصحاب بقاء التكليف بعد احتمال كون الوجوب في حق من يكون ناسيا للجزء أو الشرط في بعض الوقت تكليفا تخييريا، نعم لو لم يمكن التكليف التخييري فرضا بل ثبوت الجزئية أو الشرطية لشي‏ء ملازما للاطلاق في الجزئية و الشرطية كان مقتضى الأصل في عدم جعل المسقط للتكليف لزوم الإعادة في الوقت، فإن تركها يجب القضاء، بخلاف ما لم يتذكر إلّا بعد خروج الوقت، و كان لفائته قضاء، حيث لا يجب القضاء لعدم إحراز فوت الواجب لكون ما أتى به حال النسيان مسقطا و وافيا بالملاك، حيث إن الاستصحاب في عدم كونه مسقطا لا يثبت الفوت الموضوع لوجوب القضاء.

في أن مقتضى أصالة البراءة عدم إطلاق جزئية الشي‏ء أو شرطيته‏

ينبغي التنبه في المقام لأمر و هو أن ما ذكرناه من أن مقتضى الأصل العملي فيما

24

و قد دلّ دليل آخر على دخله في حق الذاكر، أو وجه إلى الناسي خطاب يخصه بوجوب الخالي بعنوان آخر عام أو خاص، لا بعنوان الناسي كي يلزم استحالة إيجاب ذلك عليه بهذا العنوان، لخروجه عنه بتوجيه الخطاب إليه لا محالة، كما توهم لذلك استحالة تخصيص الجزئية أو الشرطية بحال الذكر و إيجاب العمل الخالي عن المنسي على الناسي، فلا تغفل.

إذا شك في أصل جزئية شي‏ء أو شرطيته أو فيما إذا شك في إطلاق الجزئية أو الشرطية يكون مقتضى الأصل هو عدم الاشتراط و عدم الجزئية أو عدم إطلاقهما يختص بأجزاء المأمور به و شرائطه، و أما إذا كان الشك في جزئية شي‏ء أو شرطيته في المعاملة فلا مجرى لأصالة البراءة في شي‏ء منها، بل يكون مقتضى الأصل بطلانها بدونه؛ لأنّ أدلة الإمضاء انحلالية يحرز ثبوت الإمضاء في المعاملة الواجدة لذلك القيد المحتمل و ثبوت الإمضاء في غيره مشكوك، فالأصل عدمها بخلاف التكليف المتعلق بالكل أو المشروط، فإنّه مع ثبوت جزء أو شرط فيه يكون مقتضى حديث الرفع عدم الاحتياط فيه.

في الشك في مانعية الزيادة في الجزء و الشرط

ذكر الماتن (قدّس سرّه) أنه إذا شك في اعتبار عدم زيادة الجزء في متعلق الأمر سواء كان المحتمل أخذ عدم الزيادة في متعلق الأمر جزءا أو شرطا يكون المقام من صغريات دوران أمر الواجب الارتباطي بين الأقل و الأكثر، و مقتضى حكم العقل بالاشتغال، و إن كان ترك الزيادة لإحراز سقوط التكليف المعلوم بالإجمال على ما تقدم من عدم انحلال العلم الإجمالي في دوران الأمر الواجب الارتباطي بينهما، إلّا أن مقتضى حديث «رفع ما لا يعلمون» عدم لزوم الاحتياط بترك زيادة الجزء بل يجوز الاتيان بالمأمور به معها، و حيث إن في اعتبار عدم زيادة الجزء خفاء؛ لأنّ جزء متعلق الأمر

25

الثالث: إنه ظهر- مما مر- حال زيادة الجزء إذا شك في اعتبار عدمها شرطا أو شطرا في الواجب- مع عدم اعتباره في جزئيته، و إلّا لم يكن من زيادته بل من نقصانه- و ذلك لاندراجه في الشك في دخل شي‏ء فيه جزءا أو شرطا، فيصح لو أتى به مع الزيادة عمدا تشريعا أو جهلا قصورا أو تقصيرا أو سهوا، و إن استقل العقل لو لا النقل بلزوم الاحتياط، لقاعدة الاشتغال.

إما أن يكون لا بشرط بالإضافة إلى زيادتها، أو يكون بشرط لا، و لو كان الجزء هو لا بشرط بالإضافة إلى زيادة نفسه فلا يكون تكراره من الزيادة، و إن تكراره و عدمه سيان بالإضافة إلى تحقق ذلك الجزء فلا يخل التكرار، و إن اخذ بشرط لا بالإضافة إلى تكراره فمع التكرار لا يتحقق الجزء أصلا، فيكون الإخلال بعدم تحقق الجزء و نقصه، فأوضح (قدّس سرّه) بأن الجزء المأخوذ في متعلق الأمر يكون لا بشرط و مع ذلك يحتمل اعتبار عدم تكراره في نفس متعلّق الأمر النفسي بنحو لو حصل تكراره حصل جزئه، و لكن لا يحصل شرط متعلّق الأمر أو جزئه الآخر؛ لاحتمال اعتبار عدم تكراره في متعلق الأمر النفسي جزءا أو شرطا، و يترتب على جريان البراءة في ناحية احتمال اعتبار عدم زيادته بأحد النحوين جواز الاتيان بمتعلق الأمر النفسي مع تكراره، بل يصح العمل حتى فيما كان تكراره بقصد كون الزيادة جزءا من العمل تشريعا أو جهلا قصورا كان أو تقصيرا، أو مع عدم الالتفات و الغفلة، نعم لو كان متعلق الأمر النفسي عبادة يحكم ببطلانها مع تلك الزيادة فيما إذا لم يكن الأمر النفسي داعيا له إلى العمل لو لا تلك الزيادة، أما مطلقا أو في صورة عدم دخل تلك الزيادة في متعلق الأمر النفسي واقعا، و أما لو فرض دخل تلك الزيادة في متعلق الأمر واقعا فرضا فتصح تلك العبادة لعدم قصور في الامتثال في هذا الفرض، فقوله (قدّس سرّه): «لعدم قصد الامتثال في هذه الصورة» تعليل لصحة عبادته لو اتفق اعتبار تلك الزيادة واقعا

26

نعم لو كان عبادة و أتى به كذلك، على نحو لو لم يكن للزائد دخل فيه لما يدعو إليه وجوبه، لكان باطلا مطلقا أو في صورة عدم دخله فيه، لعدم قصد الامتثال في هذه الصورة، مع استقلال العقل بلزوم الإعادة مع اشتباه الحال لقاعدة الاشتغال.

المفهوم من قوله: «أو في صورة عدم دخله» واقعا فيكون المتحصّل من كلامه أنه لو كان متعلق الأمر عبادة و كرر فيها الجزء و لم يقصد الامتثال إلّا على فرض تعلق الأمر بها، كما أتى بها من زيادة الجزء تشريعا أو جهلا أو قصورا يكون العمل المزبور محكوما بالبطلان إما مطلقا أي سواء كان الأمر النفسي في الواقع كما قصده أم لا، أو يختص البطلان بما إذا كان الأمر النفسي في الواقع متعلقا بالمركب بنحو اللابشرط بالإضافة إلى تلك الزيادة، و وجه البطلان في هذه الصورة أن الأمر النفسي الواقعي لم يقصد امتثاله، و ما قصد امتثاله من الأمر غير ثابت في الواقع. و يعبّر عن قصده كذلك بتقييد الامتثال، و أما الصحة فيما كان الأمر الواقعي متعلقا بالمركب مع تلك الزيادة فلعدم قصور في قصد امتثاله، نعم مع عدم العلم بأخذ الزيادة في متعلق الأمر كذلك وجب إعادة العمل بغير زيادة قصد الجزئية لإحراز امتثال التكليف.

أقول: صحة العمل مع اتفاق اعتبار الزيادة واقعا في متعلق الأمر النفسي تنحصر بما إذا كان حين العمل معتقدا باعتبارها، و أما مع التشريع و جهله باعتبارها حال العمل فيحكم ببطلانها، لعدم قصد التقرب بعدم الحسن الفاعلي في العمل فإنه لا يتحقق مع التشريع في أصل العمل، و الحاصل إذا أتى المكلّف بالعبادة بزيادة الجزء و كان قصده موافقة الأمر المتعلق بالمأتي به خاصة مع جزمه أو جهله حال العمل بأن المأتي به زائد عن متعلق الأمر النفسي المتعلق بالعبادة لا يحصل التقرب المعتبر في صحة العمل عبادة، حتى لو فرض تصادف بنائه الواقع بكون الزائد جزءا

27

و أما لو أتى به على نحو يدعوه إليه على أيّ حال كان صحيحا، [1] و لو كان مشرعا في دخله الزائد فيه بنحو مع عدم علمه بدخله فان تشريعه في تطبيق المأتي مع المأمور به.

أيضا، فإن القصور في الامتثال لأجل عدم كون العمل بداعوية الأمر بها شرعا، بل الإتيان بها وقع بداعوية الأمر البنائي المفروض كونه بنحو التشريع، و لا فرق في عدم جواز التشريع و الافتراء بين كون ما نسبه إلى الشارع مع عدم علمه به أو مع اعتقاده بعدمه حقا أو باطلا و المعيار هو النسبة بغير علم.

في مبطلية الزيادة في الصلاة و نحوها

[1] مراده (قدّس سرّه) أنه إذا زاد المكلّف في المأتي به جزءا، و لكن كان قصده امتثال الأمر المتعلق بالعبادة واقعا و لكن بنى أنه ينطبق على المأتي به بتمامه فيحكم بصحة العمل؛ لأنّ الداعي إلى الإتيان هو الأمر النفسي الواقعي، غاية الأمر أنه غير خال من التشريع في تطبيق متعلق ذلك الأمر النفسي على المأتي به، و التشريع في التطبيق و إن كان غير جائز، إلّا أنّه لا يوجب بطلان أصل العبادة التي أتى بها بداعوية الأمر الشرعي الواقعي المتعلق بها.

أقول: هذا إذا لم يكن عدم زيادة الجزء مأخوذا في العبادة، و إلّا يحكم بفسادها ثم لا يخفى أن المركب المفروض في المقام اعتباري فيكون زيادة شي‏ء فيها بعنوان زيادة الجزء بقصد الجزئية فقط، و لو تكرّر الجزء من المركب لا بقصد الجزئية من ذلك العمل، بل بقصد كونه عملا آخر فلا يكون ذلك من زيادة الجزء، و كذا ما إذا كان الزائد من غير جنس الأجزاء، نعم ربما يرد التعبد بكون نفس الإتيان بشي‏ء عند الاشتغال بالمركب زيادة فيه حتى ما لم يقصد كونه جزءا، كما في السجود لقراءة آية العزيمة أو لاستماعها، حيث ورد أن سجودها أثناء الصلاة زيادة في الفريضة

28

و يتعدى منه إلى الركوع أيضا، فإنه إذا كان السجود لا للصلاة زيادة، فلا يحتمل أن يكون الأمر في الركوع على خلاف ذلك، و يترتب على ذلك عدم جواز إقحام صلاة في صلاة، و لكن هذا خارج عن زيادة الجزء، فإن الكلام في المقام في زيادة الجزء في الصلاة و غيرها مع الإغماض عن نظير التعبد في السجود و الركوع، و على ذلك فلا ينحصر احتمال مانعية الجزء على ما ذكر الماتن من إمكان كون شي‏ء جزءا للواجب لا بشرط، و مع ذلك يمكن أخذ عدم تكراره شرطا أو جزءا لنفس المركب، بل يمكن كون شي‏ء بصرف وجوده جزءا للمركب و يكون المركب أيضا لا بشرط بالإضافة إلى تكراره، و لكن إذا كان تكراره بقصد كون المكرر أيضا جزءا من المركب تصدق على تكراره كذلك زيادة الجزء، و مثلها ما لو كان الزائد من غير جنس الأجزاء و قصد كونه من الأجزاء، و على ذلك كلما صح العمل من جهة قصد التقرب المعتبر فيه و لم يؤخذ عدم الزيادة أو عدم التكرار قيدا للعمل يحكم بصحته، بخلاف ما إذا أخذ عدم الزيادة قيدا كما في الصلاة و الطواف و نحوهما، فإنه يحكم بالبطلان على تفصيل مذكور في الفقه، و ملخصه على نحو الإجمال أنه لا ينبغي التأمل في أن الزيادة عمدا إذا كانت قبل إتمام الصلاة توجب بطلانها مطلقا، سواء كان الزائد من الأركان أو من غيرها، مع كون غير الأركان بقصد كونه جزءا من الصلاة أخذا بقوله (عليه السلام): «من زاد في صلاته فعليه الإعادة» (1) فإن هذا كأدلّة سائر الأجزاء و الشرائط و الموانع ناظر إلى بيان مانعية الزيادة، بخلاف حديث لا تعاد فإنه ناظر إلى تحديد اعتبار الأجزاء من حيث الجزئية و شرطية الشرائط و مانعية الموانع، و لكن الحديث‏

____________

(1) وسائل الشيعة 8: 231، الباب 19 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة، الحديث 2.

29

لا يشمل صورة الإخلال بالجزء و الشرط و المانع عمدا؛ لأنّ العامد حين العمل مكلف بالإتيان بالعمل و ترك الزيادة و عدم الإخلال في العمل، و كذا لا يشمل صورة الإخلال بالجزء أو الشرط أو المانع حال العمل مع جهله تقصيرا، فإنه لو أخذ بحديث «لا تعاد» في صورة الجهل تقصيرا يلزم حمل أدلة الأجزاء و الشرائط مما يكون لسانها إيجاب الإعادة مع الإخلال على صورة الإخلال مع العلم و العمد، و هذا من قبيل حمل تلك الخطابات على الفرد النادر من مدلولاتها و على ذلك فالداخل في مدلول حديث لا تعاد صورة الإخلال عن نسيان أو عن جهل قصورا و نحوهما، و مقتضاه أن الإخلال كذلك لا يوجب بطلان الصلاة في غير الأركان و يوجبه إذا كان الإخلال بها سواء كان الإخلال بالزيادة أو بالنقيصة و عدم تصوير الزيادة في بعض المذكورات في المستثنى لا يوجب اختصاص الحكم في المستثنى و المستثنى منه بصورة الإخلال بالنقيصة، و نظائر ذلك في الخطابات كثيرة، ثم حديث «لا تعاد» حاكم على تمام ما دل على اعتبار شي‏ء في الصلاة جزءا أو شرطا أو مانعا حتى بالإضافة إلى قوله (عليه السلام) «من زاد في صلاته فعليه الإعادة» و مقتضى حكومته عليه أن الزيادة إذا كانت في مثل الركوع و السجدتين معا تبطل الصلاة حتى فيما كانت الزيادة سهويا، و أما في غيرهما مما يدخل تحت المستثنى فلا تبطل الصلاة فيما كانت الزيادة عن عذر و غفلة فلا تلاحظ النسبة بين الحديث و قوله (عليه السلام) من زاد في صلاته فعليه الإعادة، أو من استيقن أنه زاد في صلاته فعليه الإعادة؛ لأنّ حديث «لا تعاد» حاكم بالإضافة إليهما.

لا يقال: قوله (عليه السلام): «من زاد في صلاته فعليه الاعادة»، أو من استيقن انه زاد في صلاته فعليه الاعادة، مع حديث «لا تعاد» بلسان واحد و اختلافهما بالنفي و الإثبات‏

30

و هو لا ينافي قصده الامتثال و التقرب به على كل حال.

ثم إنه ربما تمسك لصحة ما أتى به مع الزيادة باستصحاب الصحة [1] و هو

فكيف يكون حديث «لا تعاد» حاكما عليهما.

فإنه يقال: الأمر بالإعادة قد يقع في بيان أصل الجزئية أو الشرطية أو المانعية، و ربما يقع أو ينفي الإعادة بعد فرض ثبوت أصل الجزئية و الشرطية و المانعية فيكون حاكما على ما ورد في مقام بيان أصل الجزئية و الشرطية و المانعية، فيفيد الأمر بالإعادة إطلاقها و نفي الإعادة انحصار الجزئية و الشرطية و المانعية بغير صورة نفي الإعادة كما هو الحال بالإضافة إلى حديث «لا تعاد».

التمسك باستصحاب الصحة عند الشك في مانعية الزيادة

[1] ذكر الشيخ (قدّس سرّه) أنه قد يتمسك في إثبات عدم مانعية زيادة الجزء في المركب سواء كان الزائد من مثل أجزائه أو غيرها بالاستصحاب في صحة الأجزاء السابقة بعد تحقق الزائد، و ردّه بأن المستصحب إن كان الصحة الفعليّة فهذه لا يحصل إلّا بعد الإتيان بمتعلق الأمر بتمامه، و مع الإتيان ببعضه لم تكن حاصلا حتى يستصحب بعد الإتيان بما يحتمل كونه زيادة مانعة، و إن كان المستصحب صحة الأجزاء السابقة بمعنى كونها موافقة للأمر الغيري أو الضمني المتعلق بها المعبر عن ذلك بالصحة التأهليّة و الشأنيّة، و هي كون الأجزاء بحيث لو انضم إليها سائر الأجزاء بشرائطها حصل متعلّق التكليف، فهذه الصحة مقطوع بقاؤها، و لكن لا يفيد العلم ببقائها حصول سائر الأجزاء بشرائطها التي يحتمل كون عدم الزيادة منها، و استشكل العراقي (قدّس سرّه) بأن ما ذكر من عدم الحالة السابقة للصحة الفعلية مبني على كون تلك الصحة تحدث دفعة بحصول الجزء الأخير من المركّب، و أما إذا كان حصولها كحصول المركّب تدريجيا في مراتبها بحيث تحصل مرتبتها الأخيرة بتمام‏

31

العمل، فحصولها ببعض مراتبها كاف في استصحابها نظير الاستصحاب في بقاء سائر الامور التدريجية.

و مما ذكر يظهر أنه لو كان المراد من الصحة موافقة الأمر فهي أيضا قابلة للاستصحاب؛ لأنّ موافقة الأمر بالكلّ و إن تحصل تمامها بتمام العمل، إلّا أن الإتيان بالمركب تدريجي فتكون موافقة الأمر بها تدريجيا و تكون فعلية الأمر بالجزء اللاحق عند الفراغ عن الجزء السابق، و على ذلك يشك في بقاء تلك الموافقة الفعلية التي كانت قبل الإتيان بالزيادة المحتملة مانعيتها.

أقول: لا يخفى ما فيه، فإنه قد تقدم في تصوير زيادة الجزء و اعتبار عدمها، بأنّ زيادته و مانعيتها بأخذ عدمها في المركب الذي هو عين الأجزاء خارجا، فعدمه على تقدير اعتبار عدم زيادته مأخوذ في ناحية الأجزاء بأسرها، و عليه فلا يمكن إثبات صحة المركب مع تلك الزيادة المحتملة اعتبار عدمها بالاستصحاب في صحة الأجزاء السابقة؛ لأنّ المتيقن حصوله بالإتيان ببعض الأجزاء هي الصحة المهملة أي المردّدة بين كونها صحة فعلية كما إذا لم تكن عدم زيادة الجزء مأخوذا في المركب أو تعليقية، كما إذا كان عدم تلك الزيادة قيدا للمركب المفروض كونه عين الأجزاء السابقة مع اللاحقة، و الاستصحاب في الصحة المهملة لا يفيد الموافقة الفعلية اللازم إحرازها عقلا بعد تنجز التكليف، نعم لو جرت أصالة البراءة في ناحية عدم تعلّق التكليف بالمركب المأخوذ فيه عدم الزيادة تحرز الموافقة الفعلية اللازمة بعد بيان الشارع عدم لزوم الاحتياط من ناحية احتمال اعتبار عدم الزيادة، كما هو مفاد حديث الرفع عند دوران أمر الواجب بين الأقل و الأكثر و مع إحرازها لا موضوع للاستصحاب و لا حاجة إليه.

32

و العجب أنه (قدّس سرّه) أورد على نفسه بأن الصحة بالمعنى المذكور غير داخل في الحكم الشرعي، بل حكم عقلي فكيف يستصحب؟ و أجاب بأن الصحة قابلة للتعبد حيث إن منشأها أمر الشارع و تكليفه، و وجه العجب أنه إذا كان المنشأ أمر الشارع و تكليفه و جرى الأصل في نفس التكليف يعنى تعلقه بالأكثر فلا يبقى في الناشئ عنه شك، ليكون مورد الاستصحاب.

و قد يقال: في المقام أنه لو أتى المكلّف بالزيادة المحتمل مانعيتها أو ترك المشكوك في شرطيته، يكون مقتضى العلم الإجمالي بوجوب إتمام المأتي به أو وجوب إعادته الجمع بين الاتمام و الإعادة؛ لأنّ هذا العلم الإجمالي متعلق بالمتباينين لا بوجوب الأقل أو الأكثر، و لكن هذا أيضا غير صحيح؛ لأنه لا يحرم القطع في غير صلاة الفريضة من الواجبات، و ليس الكلام في المقام منحصرا على صلاة الفريضة، و ثانيا: أن مقتضى جريان البراءة في التكليف بالأكثر ينفي العقاب على ترك الأكثر، فكيف يجب إعادة العمل مع أن المكلف لا يعاقب على تركه من ناحية الجزء أو القيد المحتمل.

التمسك باستصحاب الصحة في موارد الشك في القاطعية

ثم إن الشيخ (قدّس سرّه) قد فصّل في استصحاب الصحة بين موارد الشك في مانعية الشي‏ء، و موارد الشك في القاطعية، إذ إن التعبير عن وقوع شي‏ء أثناء العمل بالقاطعية ظاهره اعتبار الهيئة الاتصالية بين أجزائه كما في القهقهة أثناء الصلاة، أو البكاء لامور الدنيا، إذ بوقوع أحدهما أثناء الصلاة تنقطع الهيئة الاتصالية المعتبرة بين أجزائها كالفصل الطويل بين أجزائها التي تنتفي به تلك الهيئة الاتصالية وجدانا،

33

الرابع: أنّه لو علم بجزئية شي‏ء أو شرطيته في الجملة، و دار الأمر بين أن يكون جزءا أو شرطا مطلقا [1]، و لو في حال العجز عنه.

ففيما شك في كون شي‏ء قاطعا للعمل و مزيلا لتلك الهيئة المعتبرة فلا بأس بالاستصحاب في بقائها، حيث يمكن أن تخرج الأجزاء السابقة بحصول ذلك الشي‏ء عن قابليتها للحوق الأجزاء اللاحقة، و هذا بخلاف موارد الشك في مانعية الشي‏ء، فإن الاستصحاب في بقاء صحة الأجزاء السابقة لا يفيد شيئا في إحراز الصحة الفعلية.

أقول: لا يخفى ما فيه فإن كون شي‏ء قاطعا أو مانعا في الحقيقة اختلاف في التعبير و إلّا لا يكون الشي‏ء مبطلا للعمل إلّا و يؤخذ عدمه فيه عند الأمر به، و إلّا كيف يكون الشي‏ء قاطعا مع عدم أخذ عدمه فيه، أو اعتبار الموالاة بين أجزائه. و على ذلك فلو جرت أصالة البراءة عن تعلق الأمر بالأكثر يعنى بما هو مقيد بعدم المشكوك فلا يبقى شك في إجزاء المأتي به و لو كان هو الأقل فتدبّر.

لو علم بجزئية شي‏ء أو شرطيته في الجملة

[1] قد تقدم أن الشك في إطلاق جزئية الجزء أو إطلاق شرطية الشرط يلاحظ تارة بالإضافة إلى حال الذكر و النسيان و اخرى بالإضافة إلى حال التمكن منهما و حال العجز منهما، و إذا علم جزئية الشي‏ء أو شرطيته لمتعلق الأمر و دار بين كونه جزءا أو شرطا حتى في حال عدم التمكن منه بأن يكون الأمر بالكل أو المشروط ساقطا مع عدم التمكن منه من غير أن يتعلق بالباقي أو ذات المشروط وجوب، و بين كونه جزءا أو شرطا حال التمكن منه و مقتضاه تعلق الأمر مع عدم التمكن منه بالباقي أو بنفس المشروط، فإن وصلت النوبة إلى الأصل العملي، كما إذا لم يكن للخطاب الدالّ على اعتباره جزءا أو شرطا إطلاق يقتضي اعتباره مطلقا، و لم يكن أيضا في ناحية الأمر بذلك المركب أو المشروط إطلاق يقتضي عدم اعتبار المشكوك جزءا أو شرطا فيه،

34

و بين أن يكون جزءا أو شرطا في خصوص حال التمكن منه، فيسقط الأمر بالعجز عنه على الأول، لعدم القدرة حينئذ على المأمور به، لا على الثاني فيبقى متعلقا بالباقي، و لم يكن هناك ما يعين أحد الأمرين، من إطلاق دليل اعتباره‏

حيث إنه لو كان لدليل اعتبار الجزء أو الشرط إطلاق يقتضي عدم تحقق المركب أو نفس المشروط بدونه يؤخذ به، و يحكم بسقوط الأمر النفسي مع عدم التمكن منه، فإن تقديم خطاب الجزء على إطلاق خطاب الأمر النفسي من قبيل رفع اليد عن إطلاق المتعلق بالخطاب الدالّ على القيد له، هذا مع الإطلاق في الخطاب الدال على الأمر النفسي، و مع عدم الإطلاق له بأن يكون مجملا كما في الأمر بالعبادات على القول الصحيحي أو مهملا كما في أكثر خطاباتها بناء على الأعمي، فالأمر أوضح، و كذا إذا لم يكن في الدليل الدالّ على جزئية الشي‏ء أو شرطيته إطلاق، و كان في ناحية الخطاب الدال على الأمر النفسي بالمركب إطلاق، حيث يدفع به اعتبار جزئية غير المقدور أو شرطيته عند الاضطرار إلى تركه فيثبت بالإطلاق المزبور الأمر بالباقي و ذات المشروط، و إذا لم يكن إطلاق في شي‏ء من ناحية الأمر النفسي بالمركب و لا من ناحية الدليل الدال على الجزئية أو شرطية الشي‏ء له، و وصلت النوبة إلى الأصل العملي تجري أصالة البراءة عن وجوب الباقي، و ذات المشروط هذا مع استيعاب العجز جميع الوقت، و لا يقاس المقام بدوران الواجب بين الأقل و الأكثر الارتباطيين، حيث تقدم في دوران الأمر بينهما جريان البراءة عن وجوب الأكثر من غير معارضتها بالبراءة عن وجوب الأقل، و ذلك فإن التكليف في تلك المسألة كان معلوما بالإجمال، بخلاف هذه المسألة حيث يحتمل عدم التكليف رأسا بعد تعذر الجزء أو الشرط، نعم إذا كان العجز غير مستوعب للوقت فيبقى الأمر بالكل و المشروط بحاله لتمكن المكلف من صرف وجوده و لو في آخر الوقت، نعم‏

35

جزءا أو شرطا، أو إطلاق دليل المأمور به مع إجمال دليل اعتباره أو إهماله، لاستقل العقل بالبراءة عن الباقي، فإن العقاب على تركه بلا بيان و المؤاخذة عليه بلا برهان.

لا يقال: نعم، و لكن قضية مثل حديث الرفع عدم الجزئية أو الشرطية إلّا في حال التمكن منه [1].

لو لو يكن لدليل الجزء أو الشرط إطلاق بحيث يحتمل إجزاء الفاقد للجزء أو الشرط في فترة عدم التمكن بأن يسقط اعتبار الجزء أو الشرط المتعذر في تلك الفترة، فيدور الأمر بين كون الواجب التام تعيينيا إلى آخر الوقت أو تخييريا في تلك الفترة بين الناقص فيها و بين الاتيان بالتام في غيرها و لو في آخر الوقت، و قد تقدم أن مقتضى البراءة عن الوجوب التعييني كفاية الفاقد.

[1] لا يخفى أنه لا مجال في المقام لهذا الكلام، حيث إنه مع استيعاب عدم التمكن من الجزء أو الشرط لا علم بثبوت أصل التكليف في الوقت، بخلاف مسألة دوران أمر الواجب بين الأقل و الأكثر الارتباطيين، و مع عدم إحراز أصل التكليف يرجع فيه إلى البراءة، و مع عدم استيعاب عدم التمكن لجميع الوقت يكون أصل التكليف محرزا فتجري البراءة عن وجوب الأكثر تعيينيا، و نتيجة ذلك كفاية الفاقد في فترة عدم التمكن من الجزء أو الشرط على ما تقدم.

و ما ذكر الماتن في المقام من أنه لا مجال في المقام للرجوع إلى رفع الجزئية و الشرطية إلّا في حال التمكن منه؛ لأنه ورد في مقام الامتنان فيختص بما يوجب نفي التكليف لا إثباته لا يخفى ما فيه، فإن حديث الرفع لا يثبت التكليف في موارد الشك حتى مع قطع النظر عن كونه واردا مقام الامتثال، سواء كان المراد فقرة «رفع ما لا يعلمون» أو فقرة «ما اضطروا إليه» أما فقرة «ما لا يعلمون» فان «ما لا يعلمون» مع‏

36

فإنه يقال: إنه لا مجال هاهنا لمثله، بداهة أنه ورد في مقام الامتنان، فيختص بما يوجب نفي التكليف لا إثباته.

نعم ربما يقال: بأن قضية الاستصحاب في بعض الصور وجوب الباقي في حال التعذر أيضا [1].

استيعاب عدم التمكن نفس التكليف بالباقي، و مع عدم الاستيعاب أصل التكليف معلوم بالوجدان.

و بتعبير آخر الرفع فيما لا يعلمون رفع ظاهري في مقابل الوضع الظاهري و الرفع الظاهري لجزئية المشكوك عبارة عن عدم إيجاب الاحتياط فيه، و نفيه فرع ثبوت أصل التكليف، و أما فقرة رفع الاضطرار فهو رفع واقعي إذا كان الاضطرار مستوعبا لجميع الوقت و يكون مقتضاه انتفاء أصل الأمر بالكل، و الأمر بالباقي يحتاج إلى الدليل، و مع عدم استيعاب الاضطرار لا تجري فقرة رفع الاضطرار أصلا كما لا يخفى.

[1] يمكن أن يراد من بعض الصور ما إذا كان المكلّف متمكنا على التام في الأول ثم طرأ العجز عن بعض الأجزاء مما يشك في جزئيته مطلقا أو في خصوص حال التمكن، بأن يقال في الفرض: إن كل واحد من الأجزاء كان على الوجوب الضمني قبل طرو العجز، و يحتمل بقاء كل منها على الوجوب الضمني أيضا لعدم إطلاق لما دل على جزئية المتعذر حال تعذره.

و فيه أن الوجوب الضمني الثابت لكل منها في الأول متيقن الارتفاع بارتفاع الوجوب المتعلق بالكل المتعذر بعض اجزائه و لو ثبت بعده وجوب ضمني لكل من الأجزاء المقدورة، كان هذا في ضمن وجوب استقلالي متعلق بالباقي الميسور من الكل، فيدخل الاستصحاب في الوجوب الضمني لكل منها في الاستصحاب الكلي‏

37

من القسم الثالث، حيث إن المستصحب طبيعي الوجوب الضمني لكل من الأجزاء لا شخص الوجوب الضمني الثابت في الأول فإنه مقطوع الارتفاع، أضف إلى ذلك أن الاستصحاب المذكور من الاستصحاب في الشبهة الحكميّة و لا اعتبار به على ما تقرر في محله.

و مما ذكرنا يظهر الحال في الاستصحاب في الوجوب الاستقلالي الثابت سابقا، حيث يقال: يحتمل بقاؤه و لو لتعلق الوجوب بقاء بالباقي، و وجه الظهور أن المستصحب و هو طبيعي الوجوب الاستقلالي و الفرد المتيقن السابق قد ارتفع بتعذر الجزء، و يشك في حدوث فرد آخر عند طرو العجز على بعض الأجزاء، و يحتمل أن يكون المراد من بعض الصور طرو العجز بالجزء أو الشرط بحيث لم يكن التعذر مقوما للعنوان المتعلق به الوجوب عرفا، بأن يصح أن يقال بنظرهم الوجوب مع بقائه هو نفس ذلك الوجوب و نفس ذلك الواجب، فيكون الاستصحاب في الشخص حيث يتسامح العرف في تعيين الموضوع.

أقول: يمكن أن يقال مع الغمض عن كون الاستصحاب في الشبهة الحكمية إن تسامح العرف محرز في ناحية الموضوع لا في ناحية متعلق التكليف، مثلا إذا حكم الشارع على الماء الكر المتغير بالنجاسة، فالعرف يرى أن الموضوع للنجاسة نفس الماء و أن تغيره سبب للحكم عليه بالنجاسة، و بعد زوال التغير من قبل نفسه يشك في بقاء تلك النجاسة الثابتة من قبل، بخلاف المتعلق فهو يرى متعلق الطلب السابق من المأمور به الاختياري، و المطلوب عند الاضطرار المأمور به الاضطراري، و أن متعلق تكليف المتمكن غير متعلق تكليف العاجز، و هذا بناء على أن الصلاة أو نحوها عنوان للمركب أو المشروط ظاهر، و أما بناء على أنها بسائط ينطبق عليها

38

و لكنه لا يكاد يصح إلّا بناء على صحة القسم الثالث من استصحاب الكلي، أو على المسامحة في تعيين الموضوع في الاستصحاب، و كان ما تعذر مما يسامح به عرفا، بحيث يصدق مع تعذره بقاء الوجوب لو قيل بوجوب الباقي، و ارتفاعه لو قيل بعدم وجوبه، و يأتي تحقيق الكلام فيه في غير المقام.

كما أن وجوب الباقي في الجملة ربما قيل بكونه مقتضى ما يستفاد من‏

بلحاظ الأثر و تختلف مصاديق ذلك العنوان بحسب الحالات فإنه و إن يمكن الاستصحاب في وجوبها، إلّا أنه لا يثبت اعتبار الفاقد مصداقا، بل عدم اعتباره مصداقا يكون حاكما، و لا أقل من كونه معارضا في الاستصحاب في وجوبها.

ثم إنه كما ذكرنا يختص هذا الاستصحاب في ناحية التكليف بما إذا كان المكلف متمكنا من التام في أول الوقت، و أما إذا كان التعذر مقارنا لدخول الوقت أو قبله فلا مورد للاستصحاب أيضا، و لكن المحكي عن النائيني (قدّس سرّه) الالتزام بجريان الاستصحاب، و لو كان العجز عن الأول بدعوى أن جريان الاستصحاب في الأحكام الكلية غير موقوف على فعلية الموضوع خارجا، فإن إجرائه في الشبهات الحكمية وظيفة المجتهد، و من ثم يتمسك الفقيه بالاستصحاب في حرمة وطء الحائض بعد انقطاع الدم و قبل اغتسالها، و فيه أن الاستصحاب في الشبهات الحكمية يتوقف على فرض فعليتها قبل زمان الشك حتى يجري الاستصحاب فيه بلحاظ ذلك الزمان، و كون الاستصحاب في الشبهة الحكمية وظيفة المجتهد لا ينافي أن يفرض الفعلية في التكليف المتوجه إلى الغير حتى يمكن الاستصحاب في ذلك التكليف في حقه، نعم في موارد الشك في بقاء جعل الحكم لاحتمال فسخه لا يحتاج إلى فرض الفعلية في الحكم المجعول، و لكن هذا أجنبي عن مورد الكلام فإن المقام عند الشك في كون جزئية شي‏ء أو شرطيته مطلقة، أم أنها مختصة بحال التمكن.

39

قوله (صلّى اللّه عليه و آله): «إذا أمرتكم بشي‏ء فأتوا منه ما استطعتم» [1].

في قاعدة الميسور

[1] كان ما تقدم بحسب الأصل العملي عند الشك في إطلاق جزئية الشي‏ء أو شرطيته أو اختصاصهما بحال التمكن منه، و لكن قد يقال في البين بعض الروايات يستفاد منها قاعدة كلية، و هي انتقال الوظيفة إلى الإتيان بالمقدار المتمكن من الواجب في أي مورد فيما إذا عد ذلك المقدار ميسورا فيؤخذ بتلك القاعدة، إلّا إذا قام الدليل في مورد على خلافها، و يعبّر عن تلك القاعدة بقاعدة الميسور، و يذكر في المدرك لها ثلاث روايات.

الاولى: ما روى عن أبي هريرة بطرق العامة قال: «خطبنا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) فقال أيها الناس إن اللّه عزّ و جلّ قد فرض عليكم الحج فحجوا، فقال رجل: أ كلّ عام يا رسول اللّه؟ فسكت (صلّى اللّه عليه و آله) حتى قالها ثلاثا، فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): لو قلت نعم لوجب، و لما استطعتم ثم قال: ذروني ما تركتكم فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم و اختلافهم على أنبيائهم، فإذا امرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم، و إذا نهيتكم عن شي‏ء فدعوه» (1)، و نقل في المتن ما يختلف عما نقلناه في الجملة، و كيف كان فالرواية ضعيفة سندا، و قد تصدى بعض لإثبات أن الراوي من المتعمدين في الكذب على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و قد نقل هذه الرواية عن كتاب عوالي اللآلي، و قد ناقش فيه و في مؤلفه من ليس عادته القدح في كتب الاخبار كصاحب الحدائق (قدّس سرّه) فلا مجال في المقام لدعوى انجبار ضعفها بعمل الأصحاب، فإنه كما ياتي لم يعلم عمل بعض الأصحاب بها فضلا عن عمل المشهور.

أضف إلى ذلك أنها في صحيح النسائي مروية بوجه آخر، و هو قوله (صلّى اللّه عليه و آله): «فإذا

____________

(1) مسند أحمد 2: 508، و السنن الكبرى 4: 326.

40

و قوله: الميسور لا يسقط بالمعسور

(1)

و قوله: ما لا يدرك كله لا يترك كله‏

(2)

و دلالة الأول مبنية على كون كلمة (من) تبعيضية، لا بيانية، و لا بمعنى الباء، و ظهورها في التبعيض و إن كان مما لا يكاد يخفى، إلّا أن كونه بحسب الأجزاء غير واضح، لاحتمال أن يكون بلحاظ الأفراد، و لو سلم فلا محيص عن أنه- هاهنا- بهذا اللحاظ يراد، حيث ورد جوابا عن السؤال عن تكرار الحجّ بعد أمره به، فقد روي أنه خطب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، فقال: (إن اللّه كتب عليكم الحجّ، فقام عكاشة

أمرتكم بشي‏ء فخذوا به ما استطعتم، و إذا نهيتكم عن شي‏ء فاجتنبوه» و لفظة (ما) بحسب هذا النقل زمانية فيكون مدلولها كون المكلف مأخوذا بالأمر بالشي‏ء زمان تمكّنه منه، و مع الإغماض عن ذلك و سندها لا دلالة لها على قاعدة الميسور، لا لأن لفظة (من) بمعنى الباء أو بيانية كما قيل، فإن ظهورها حيث ما تطلق في كونها تبعيضية مما لا ينكر، و لكن يقال كون التبعيض بحسب الأجزاء غير ظاهر، بل الظاهر بمناسبة المورد كونه بحسب الأفراد، فمدلولها أن الحكم الثابت للعام و الطبيعي لا يسقط بعدم التمكن من سائر الأفراد، بل يبقى مع التمكن في بعض أفراده بحاله، و هذا الميسور، و لكن لا يخفى كما أن التبعيض بحسب الأجزاء لا يناسب مورد الخبر كذلك التبعيض بحسب الأفراد، فإنه لا يجب الحج إلّا مرة واحدة حتى فيما إذا كان المكلف مستطيعا في السنوات المتوالية، بل الظاهر من الخبر على تقدير صحته كون المراد بالاستطاعة ما يتحمله نوع الناس كلفة التكليف بنحو لا يكون شاقا لنوعهم بقرينة قوله «و لو قلت نعم لوجب»، و «ما استطعتم» فإنه لو كان بمعنى العجز فكيف يجب على مكلف يعجز عن الإتيان بمتعلق التكليف.

____________

(1) عوالى اللآلي 4: 58.

(2) عوالى اللآلي 4: 58.

41

- و يروى سراقة بن مالك- فقال: في كل عام يا رسول اللّه؟ فأعرض عنه حتّى أعاد مرتين أو ثلاثا، فقال: ويحك، و ما يؤمنك أن أقول: نعم، و اللّه لو قلت: نعم، لوجب، و لو وجب ما استطعتم، و لو تركتم لكفرتم، فاتركوني ما تركتم، و إنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم، و اختلافهم إلى أنبيائهم، فإذا أمرتكم بشي‏ء فأتوا منه ما استطعتم، و إذا نهيتكم عن شي‏ء فاجتنبوه).

و من ذلك ظهر الإشكال في دلالة الثاني أيضا، حيث لم يظهر في عدم سقوط الميسور من الأجزاء بمعسورها، لاحتمال ارادة عدم سقوط الميسور من أفراد

و حاصل معنى الخبر إذا أمرتكم بشي‏ء يجب منه، أي بحسب وجوداته ما يتحمله نوع الناس، و حدد ذلك في الحج بالمرة الواحدة طول زمان التكليف.

الاستدلال لقاعدة الميسور بحديث الميسور لا يسقط بالمعسور

الثانية: ما رواه في عوالي اللآلي أيضا، و هو قوله على ما في الرواية: الميسور لا يسقط بالمعسور (1)، و قد اورد على الاستدلال بذلك بوجهين.

الأول: أنه يمكن أن يكون المراد بالميسور، الميسور من أفراد العام بمعنى أن عدم التمكن من امتثال التكليف في بعض أفراد العام و سقوطه عن المكلف فيه لا يوجب السقوط فيما يتمكن فيه من الامتثال من سائر الأفراد فلا موجب لحمل الميسور على الميسور من أجزاء المركب بأن يكون مفاده تعلق التكليف بسائر الأجزاء المقدورة.

الوجه الثاني، من الاشكال هو أنه لو كان المراد الميسور من أجزاء المركب و شرائطه فلا بد من الالتزام بعدم كون الحكم المستفاد من الحديث حكما إلزاميا، بل‏

____________

(1) عوالي اللآلي 4: 58. مع اختلاف يسير.

42

العام بالمعسور منها.

هذا مضافا إلى عدم دلالته على عدم السقوط لزوما، لعدم اختصاصه بالواجب، و لا مجال معه لتوهم دلالته على أنه بنحو اللزوم، إلّا أن يكون المراد عدم سقوطه بماله من الحكم وجوبا كان أو ندبا، بسبب سقوطه عن المعسور، بأن يكون قضية الميسور كناية عن عدم سقوطه بحكمه، حيث إن الظاهر من مثله هو ذلك، كما أن الظاهر من مثل (لا ضرر و لا ضرار) هو نفي ما له من تكليف أو وضع، لا أنها عبارة عن عدم سقوطه بنفسه و بقائه على عهدة المكلف كي لا يكون له دلالة على جريان القاعدة في المستحبات على وجه، أو لا يكون له دلالة على وجوب‏

مدلوله كون الإتيان بالمقدار الميسور أولى، حيث إنه لا يمكن الالتزام مع شمول الحديث للمستحبات أن الاتيان بالميسور منها واجب أو يقيد الميسور و المعسور فيه بالواجبات فلا يبقى فيه دلالة على جريان القاعدة في المستحبات، و يدفع هذا الإشكال بأن المراد من عدم السقوط ليس وجوب الميسور، بل المراد عدم سقوطه عن حكمه السابق، فإن كان في السابق واجبا لا يسقط ميسوره عن الوجوب، و إن كان مستحبا يستحب الإتيان بميسوره، فالالتزام بأن الحديث ناظر إلى المركب و المشروط الذي عسر الإتيان بجميع أجزائه و شرائطه لا يوجب الالتزام بشي‏ء من الأمرين كما هو الحال في المراد من نفي الضرر، حيث إن المنفي فيه الحكم السابق في الفعل لو لا الضرر من تكليف أو وضع.

و أما الوجه الأول، من الإشكال فيجاب عنه بأنه إن حمل الحديث على تعذر بعض الموافقة في بعض أفراد العام، و أن التكليف لا يسقط في أفراده الميسورة يكون مدلوله حكما إرشاديا محضا، حيث لا حاجة في إثبات بقاء التكليف في الأفراد الميسورة إلى خطاب شرعي، بخلاف ما إذا كان المراد هو الميسور من المركب‏

43

الميسور في الواجبات على آخر، فافهم.

و أما الثالث، فبعد تسليم ظهور كون الكل في المجموعي لا الأفرادي، لا دلالة له إلّا على رجحان الإتيان بباقي الفعل المأمور به- واجبا كان أو مستحبا- عند تعذر بعض أجزائه، لظهور الموصول فما يعمهما، و ليس ظهور (لا يترك) في الوجوب- لو سلم- موجبا لتخصيصه بالواجب، لو لم يكن ظهوره في الأعم قرينة على إرادة خصوص الكراهة أو مطلق المرجوحية من النفي، و كيف كان فليس ظاهرا في اللزوم هاهنا، و لو قيل بظهوره فيه في غير المقام.

ثم إنه حيث كان الملاك في قاعدة الميسور هو صدق الميسور على الباقي عرفا، كانت القاعدة جارية مع تعذر الشرط أيضا، لصدقه حقيقة عليه مع تعذره عرفا، كصدقه عليه كذلك مع تعذر الجزء في الجملة، و إن كان فاقد الشرط مباينا للواجد عقلا، و لأجل ذلك ربما لا يكون الباقي- الفاقد لمعظم الاجزاء أو لركنها-

الاعتباري يعنى الكل، فإن لزوم الإتيان بالباقي في الواجبات و استحبابه في المستحبات يحتاج إلى قيام الدليل عليه، و إذا دار أمر الخطاب الصادر عن المعصوم كونه إرشادا إلى حكم العقل أو بيانا للحكم الشرعي يحمل على الثاني، و قد يورد على ذلك بأن الحمل على المولوية ينحصر على موارد العلم بالمراد من المتعلق، و دوران الأمر بين كون طلبه حكما شرعيا أو إرشاديا كالروايات الواردة في الأمر و الترغيب في أكل بعض الثمار و شرب بعض المائعات، و أما إذا لم يعلم المراد من المتعلق و دار الأمر بين أن يراد منه شي‏ء قابل للطلب المولوي أو ما يقبل الإرشاد فقط فلم يثبت ظهور الخطاب في كون المراد ما هو قابل للطلب المولوي.

أقول: الميسور من الشي‏ء يعم الميسور من أفراد العام، و الأجزاء الميسورة من المركب الاعتباري و ظهور الطلب في المولوي إن كان مقتضاه اختصاص الحديث‏

44

موردا لها فيما إذا لم يصدق عليه الميسور عرفا، و إن كان غير مباين للواجد عقلا.

نعم ربما يلحق به شرعا ما لا يعد بميسور عرفا بتخطئته للعرف، و إن عدم العد كان العدم الاطلاع على ما هو عليه الفاقد، من قيامه في هذا الحال بتمام ما قام عليه الواجد، أو بمعظمه في غير الحال، و إلّا عد أنه ميسوره، كما ربما يقوم الدليل بمورد الكل الاعتباري و أنه لا يسقط ميسوره بتعسّر معسوره فهو، و إلا يلتزم بعموم الطلب حتى بالإضافة إلى موارد العام الاستغراقي، غاية الأمر يكون الطلب بالإضافة إلى موارد تعسّر بعض أجزاء المركب حكما مولويا و بالإضافة إلى موارد تعذر بعض أفراد العام إرشاديا، نظير ما ذكرنا في‏ أَوْفُوا بِالْعُقُودِ و أنه بالإضافة إلى مثل البيع إرشاد إلى لزومه، و بالإضافة إلى العهد و النذر تكليف، فإن المستعمل فيه في كل منهما شي‏ء واحد، و اختلاف التكليف عن الإرشاد إنما هو في الغرض الداعي إلى البعث الاعتباري، و نظير ذلك في الأمر بالوفاء بالشرط فإنه بالإضافة إلى موارد شرط الفعل تكليف، و بالإضافة إلى شرط الخيار إمضاء، ثم إن متعلق السقوط لا يكون حكم الفعل لو لا تعذر بعض أجزائه ليقال بأن الالتزام بالتقدير أو العناية في الإسناد خلاف الظاهر، و مع سقوط الوجوب النفسي عن الكل المعسور يكون الثابت للميسور حكما جديدا لم يكن له ثبوت سابقا، و لا المراد بعد سقوطه عن عهدة المكلف بتعذر الكل، بل المراد عدم سقوط الميسور من الكل عن مقام الجعل في فرض تعذر الكل، فيجزي هذا المفاد في الواجبات و المستحبات بخلاف كون المراد عدم سقوط عن عهدة المكلف فإنه معه يختص مدلوله بالواجبات و لا يجري في المستحبات، حيث لا يكون المستحب على عهدة المكلف، و لا يخفى أن صدق الميسور من الشي‏ء و مطلوبيته عند تعذر الكل لحصول الملاك فيه و لو ببعض مراتبه، و إذا قام دليل في مورد على عدم مطلوبية ميسور الشي‏ء فيه يعلم أن الميسور فاقد

45

على سقوط ميسور عرفي لذلك- أي للتخطئة- و أنه لا يقوم بشي‏ء من ذلك.

و بالجملة: ما لم يكن دليل على الإخراج أو الإلحاق كان المرجع هو الإطلاق، و يستكشف منه أن الباقي قائم بما يكون الأمور به قائما بتمامه، أو بمقدار يوجب إيجابه في الواجب و استحبابه في المستحب، و إذا قام دليل على أحدهما فيخرج أو يدرج تخطئة أو تخصيصا في الأول، و تشريكا في الحكم، من دون الاندراج في الموضوع في الثاني، فافهم.

للملاك، كما أنه إذا أمر الشارع ببعض العمل مع عدم صدق أنه ميسور عرفا يعلم بحصول الملاك فيه ببعض مراتبه فيكون الأمر في الثاني، و بيان عدم مطلوبية الباقي في الأول من التخطئة لنظر العرف، و ذلك فإنه إذا كان الحكم في الحديث متعلقا على الميسور الشرعي لكان مدلوله مجملا بالإضافة إلى موارد الكل و الجزء، فما في كلام الماتن من التردد بين التخطئة و التخصيص لا وجه له، و في غير ذلك يؤخذ بالإطلاق، و لكن هذا كله مع الغمض عن ضعف السند فيه، و فيما رواه أيضا في كتاب «عوالي اللآلي» من قوله: ما لا يدرك كله لا يترك كله‏ (1)، و لا يبعد ظهور هذا في الإرشاد إلى نظير موارد العام الاستغراقي و موارد العلم بمطلوبية الفعل بجميع مراتبه كما يأخذون في العرف بالكلام المزبور في نظير هذه الموارد دون موارد، مثل المعجون الذي لا يدرك تمام ما هو معتبر فيه في معالجة الأمراض كما لا يخفى.

____________

(1) عوالي اللآلي 4: 85. مع اختلاف يسير.

46

تذنيب: لا يخفى أنه إذا دار الأمر بين جزئية شي‏ء أو شرطيته و بين مانعيته أو قاطعيته لكان من قبيل المتباينين [1].

في دوران الأمر بين جزئية الشي‏ء أو شرطيته و بين مانعيته أو قاطعيته‏

[1] إذا دار الأمر بين جزئية شي‏ء أو شرطيته و بين مانعيته أو قاطعيته لا يدخل الفرض في دوران أمر الواجب الارتباطي بين الأقل و الأكثر و لا في دوران أمر التكليف بين المحذورين، بل يكون من موارد تردد الواجب بين المتباينين، كما إذا دار أمر المكلف بين كون الصلاة الواجبة عليه جهرا أو صلاة إخفاتية أو كونه مكلفا بالصلاة عاريا أو في ثوب نجس، و عدم كونه من قبيل تردد الواجب بين الأقل و الأكثر ظاهر، فإن متعلق التكليف في موارد تردده بين الأقل و الأكثر مردد بين كونه الأقل بنحو اللابشرط أو الأكثر بشرط، و في مفروض الكلام أمر الواجب مردّد بين كونه بشرط بالإضافة إلى شي‏ء أو بنحو بشرط لا بالإضافة إليه، نظير دوران أمر الصلاة الواجبة بين كونها قصرا أو تماما، و أما عدم كونه من قبيل دوران الأمر بين المحذورين، فلأن الجهر في القراءة أو لبس الثوب النجس و إن يكن أمره مرددا بين كونه شرطا أو مانعا إلّا أنه ليس بمتعلق التكليف، و إنما يتعلق التكليف بالصلاة المقيدة بالجهر أو المقيدة بعدمه، و كذا متعلقه، إما الصلاة عاريا أو الصلاة في الثوب النجس، و إذا تمكن المكلف من الصلاة في الوقت جهرا و إعادتها إخفاتا أو الصلاة عاريا و إعادتها في الثوب النجس يكون متمكنا من إحراز الموافقة القطعية و المخالفة القطعية، و إذا لم يتمكن على التكرار لضيق الوقت و نحوه، فهو متمكن من المخالفة القطعية، و المعيار في دوران الأمر بين المحذورين عدم التمكن من شي‏ء من الموافقة القطعية و المخالفة القطعية، ففي صورة التمكن من كلتا المرتبتين من التنجيز يجب إحراز الموافقة القطعية و مع عدم التمكن من الموافقة القطعية تعيّن الموافقة الاحتمالية.

47

و لا يكاد يكون من الدوران بين المحذورين، لإمكان الاحتياط بإتيان العمل مرتين، مع ذاك الشي‏ء مرة و بدونه أخرى، كما هو أوضح من أن يخفى.

و من العجب عن الشيخ (قدّس سرّه) أنه أدخل المقام في دوران الأمر بين المحذورين مع التزامه في دوران الواجب بين القصر و التمام بأنه من دوران أمر الواجب بين المتباينين مع وضوح عدم الفرق بينه و بين المفروض في المقام، ثم إنه إذا لم يكن المكلف متمكنا من إحراز الموافقة القطعية و أتى بإحدى الصلاتين في الوقت لم يجب عليه الإتيان بالمحتمل الآخر، كما إذا قام من النوم في وقت و لم يبق إلى آخر الوقت إلّا بمقدار ثمانية ركعات و لم يصل الظهرين، و دار أمره في كل منهما بين الصلاة عاريا أو في ثوب نجس، فإنه في الفرض يلزم عليه الموافقة الاحتمالية إما بالإتيان بهما عاريا أو في الثوب النجس، و إذا أتى بما يحتمل معه الموافقة الاحتمالية لم يجب عليه الإتيان بالمحتمل الآخر خارج الوقت قضاء؛ لأنّ الموضوع للقضاء فوت الواجب في الوقت، و لا يمكن إحراز الفوت بالاستصحاب في عدم امتثال التكليف بما أتى به لسقوط التكليف بالإتيان بأحد المحتملين إما للامتثال أو خروج الوقت، و لا يقاس بما إذا شك المكلف في وقت الصلاة في الإتيان بها فإن مع جريان الاستصحاب في عدم الإتيان، و تركه بعد ذلك الإتيان بها مع تمكنه يعلم وجدانا فوت الواجب المحرز بالاستصحاب.

و قد يقال: إن المكلف المزبور الذي تردد أمر الواجب عليه بين الصلاة عاريا أو في ثوب نجس إذا كان متمكنا من الموافقة القطعية في الوقت و مع ذلك اقتصر على الموافقة الاحتمالية يلزم عليه قضاء الواجب الآخر في خارج الوقت، و لكن فيه أيضا إشكال؛ لأنّ الاستصحاب بعد الإتيان بأحد المحتملين في بقاء التكليف الثابت في حقه من قبل لا يثبت أن الفائت عند خروج الوقت هو المحتمل الآخر، فأصالة البراءة

48

خاتمة في شرائط الاصول العملية أما الاحتياط: فلا يعتبر في حسنه شي‏ء أصلا

، بل يحسن على كل حال [1].

[خاتمة في شرائط الاصول العملية]

[أما الاحتياط: فلا يعتبر في حسنه شي‏ء أصلا]

بعد خروجه عن وجوب المحتمل الآخر جارية و معها لا موجب للإتيان به.

[1] لا ينبغي التأمل في حسن الاحتياط عقلا و شرعا، بمعنى أنه إذا أصاب التكليف الواقعي يكون موافقة و امتثالا له، و إن لم يصب يحسب انقيادا، بل يظهر من بعض الروايات في كونه مستحبا نفسيا لترتب الملاك عليه و إن لم يصادف التكليف الواقعي بلا فرق بين موارد الشبهات الحكمية و الموضوعية، بل في مطلق موارد احتمال التكليف الواقعي حتى مع قيام دليل معتبر على نفيه في تلك الموارد و بلا فرق بين كونه موجبا لتكرار العمل أم لا، سواء كان في المعاملات أو في العبادات، نعم ما لم يستلزم اختلال النظام و معه لا يكون احتياطا كما لا يخفى، و قد تقدم في بحث العلم الإجمالي جواز ترك تحصيل العلم التفصيلي و الاقتصار بالامتثال بالعلم الإجمالي حتى في العبادات مع استلزامه تكرار العمل، و ان يورد على ذلك بأن الامتثال الإجمالي بتكرار العمل مع التمكن من الامتثال التفصيلي يعد عبثا و لعبا بأمر المولى فينا في قصد التقرب المعتبر في العبادة، و أجاب الماتن (قدّس سرّه) عن ذلك بوجهين.

الأول: أنه ربما يكون التكرار لداع عقلائي معه لا يعدّ التكرار لعبا و عبثا بأمر المولى.

و الثاني: أنّ اللازم في العبادة صدور متعلق الأمر بداع أمر الشارع، و أما ما هو خارج عن متعلق التكليف فلا يعتبر فيه قصد التقرب، و إذا كان المكلف بحيث لو لا أمر الشارع بأحد العملين أو الأعمال لم يكن يأتي به، فيكون الإتيان لتعلق الأمر بالامتثال.

49

إلّا إذا كان موجبا لاختلال النظام، و لا تفاوت فيه بين المعاملات و العبادات مطلقا و لو كان موجبا للتكرار فيها، و توهم كون التكرار عبثا و لعبا بأمر المولى- و هو ينافي قصد الامتثال المعتبر في العبادة- فاسد، لوضوح أن التكرار ربما يكون بداع صحيح عقلائي، مع أنه لو لم يكن بهذا الداعي و كان أصل إتيانه بداعي أمر مولاه بلا داع له سواه لما ينافي قصد الامتثال، و إن كان لاغيا في كيفية امتثاله، فافهم.

بل يحسن أيضا فيما قامت الحجة على البراءة عن التكليف لئلا يقع فيما كان في مخالفته على تقدير ثبوته، من المفسدة و فوت المصلحة.

و على الجملة كون الخصوصيات الخارجة عن متعلق الأمر صادرة بداع آخر لا يضر بصحة العمل و لو كان ذلك الداعي النفسانية، نعم قد تكون الخصوصية الصادرة بداع آخر موجبة لبطلان العمل، كما إذا أتى بصلاته في أول الوقت أو في مكان خاص كالمسجد رياء، و هذا البطلان ثبت بخطاب شرعي ورد في بطلان العبادة بالرياء فيها و لا يجري في سائر الدواعي النفسانية، ثم إن المستفاد من الخطاب الوارد في الرياء هل هو خصوص الرياء فيما يتحد مع العبادة خارجا كالمثالين، أو يجري حتى فيما كانت للخصوصية تحقق آخر كالقنوت في الصلاة و نحوها فموكول إلى بحث النية في بحث الفقه.

و كيف كان فما ذكرنا من جواز الاحتياط و حسنه حتى في العبادات مع استلزامه تكرار العمل فضلا عن عدم استلزامه له يوجب أن يأخذ المكلف في الوقائع التي يبتلى بها بالاحتياط فيها و لو مع تمكنه من الاجتهاد أو التقليد فيها، نعم يعتبر معرفته بطريق الاحتياط فيها و إلّا لا يكون احتياطا، كما أنه إذا استلزم ذلك الإخلال بمعاشه لا يكون من الاحتياط على ما تقدم.

50

و أما البراءة العقلية: فلا يجوز إجراؤها إلّا بعد الفحص و اليأس عن الظفر بالحجة على التكليف [1].

لما مرت الإشارة إليه من عدم استقلال العقل بها إلّا بعدهما.

و اما البراءة النقلية: فقضية اطلاق أدلتها و إن كان هو عدم اعتبار الفحص في جريانها [2] كما هو حالها في الشبهات الموضوعية إلّا أنه.

[1]

[و أما البراءة العقلية]

فلا يجوز الأخذ بها إلّا بعد الفحص و اليأس عن الظفر بالحجة على التكليف و لزوم الفحص و اليأس عن الظفر بها يكونان معتبرين في جريان قاعدة قبح العقاب بلا بيان، باشتراط داخلي لا شرطان خارجيان؛ لأن الموضوع لقبح العقاب و هو عدم البيان للتكليف لا يحصل بمجرد الجهل به و لو كان في البين ما يمكن مع الوصول إليه محرزا للتكليف لكفى ذلك في البيان، فإن المراد بالبيان في قاعدة قبح العقاب هو ما يكون مصححا للعقاب لا خصوص العلم و الإحراز هذا في الشبهة الحكمية و لا يبعد أن يكون الأمر كذلك حتى في الشبهة الموضوعية أيضا، بمعنى لا استقلال للعقل بالبراءة و قبح العقاب بلا بيان، إلّا مع عدم إمكان إحراز حال الموضوع للتكليف بالفحص و السؤال، بل قد يقال بأنه لا سبيل لجريان قاعدة قبح العقاب بلا بيان في الشبهة الموضوعية حتى بعد الفحص، فإن العلم بالكبرى الكلية و إحرازها، بيان بالإضافة إلى التكليف فيجب موافقتها في مصاديقها المحتملة كالمصاديق المحرزة، و لكن لا يخفى ما فيه فإن الكبرى إذا كانت منحلّة إلى التكاليف باعتبار انحلال الموضوع الوارد فيها فما دام لم يحرز و لو بعد الفحص تحققه لم يكن مجرد إحراز الكبرى بيانا للتكليف في ذلك المورد على ما تقدم في البحث‏

[في البراءة العقلية.]

[2] قد تقدم أن العمدة من أدلة البراءة الشرعية رفع ما لا يعلمون في حديث‏

51

الرفع، و ذكر أن المراد من الرفع بالإضافة إلى ما لا يعلمون مقابل وضعه، و الوضع فيما لا يعلمون يكون بالأمر بالاحتياط فيه طريقيا فيكون الرفع عدم الأمر به كذلك، و ما لا يعلمون يعم الإلزام و الوضع في الشبهات الموضوعيّة و الحكميّة، و مقتضى إطلاق الرفع فيهما عدم لزوم الفحص، إلّا أنه يتعين رفع اليد عن الإطلاق بالإضافة إلى الشبهات الحكمية، بخلاف الشبهات الموضوعية فإنه يؤخذ فيها بالإطلاق إلّا في موارد خاصة يعلم فيها باهتمام الشارع بالواقع حيث يجب الاحتياط فيها، و يستدل على رفع اليد عن الإطلاق في الشبهات الحكميّة و الالتزام بلزوم الفحص فيها عن التكليف أو الوضع الملزوم للتكليف بوجوه منها، الإجماع، و منها حكم العقل، حيث يعلم إجمالا بثبوت التكاليف الواقعية في الشبهات بنحو يمكن الوصول إليها بالفحص، و لازم ذلك عدم جواز الرجوع إلى أصالة البراءة في شبهة قبل إحراز خروجها عن أطراف العلم الإجمالي المزبور بالفحص، و لكن لا يخفى أن دعوى الإجماع التعبدي في مثل المسألة مما يحتمل أو يعلم مدرك القائلين بلزوم الفحص غير ممكن، و الإجماع المدركي محصله لا يكون دليلا فضلا عن منقوله، و أما دعوى العلم الإجمالي فقد أورد الماتن عليه بما حاصله انه يفرض الشبهة الحكمية قبل الفحص في موارد يلاحظها المجتهد بعد انحلال العلم الإجمالي بالظفر بالتكاليف الواقعيّة في جل الوقائع التي فحص فيها عن التكليف الواقعي بحيث لا يبقى له علم إجمالي بتكاليف اخرى في سائر الوقائع أو كانت الشبهات التي يعلم بثبوت التكاليف فيها إجمالا جلّها خارجة عن ابتلاء المكلف و لو لعدم الالتفات إليها، فإنّه مع عدم الالتفات إليها تكون أصالة البراءة في الواقعة الملحوظة جارية لفعلية الشك في التكليف فيها، بخلاف سائر الوقائع فإن الشك التقديري فيها بحيث‏

52

استدلّ على اعتباره بالإجماع و بالعقل، فإنه لا مجال لها بدونه، حيث يعلم إجمالا بثبوت التكليف بين موارد الشبهات، بحيث لو تفحص عنه لظفر به.

و لا يخفى أن الإجماع هاهنا غير حاصل، و نقله لوهنه بلا طائل، فإن تحصيله‏

لو التفت إليها صار شكه فيها فعليا لا أثر له لعدم كون الشك التقديري بموضوع في شي‏ء من الاصول العملية.

و فيه أن فرض الانحلال بدعوى عدم الالتفات إلى سائر الوقائع حين إجراء أصالة البراءة في شبهة حكمية لا يمكن المساعدة عليها، فإنه و إن فرض كون سائر الوقائع من المجتهد مغفولا عنها في مقام ملاحظة واقعة يشك في التكليف فيها، لكن مع ملاحظة سائر الوقائع و الابتلاء بها تدريجيا في البحث عن أحكامها يكون الأصل الجاري فيها معارضا بالأصل الجاري النافي الذي أجراه في مسألة سابقة، و هذا نظير ما إذا لاقى شي‏ء أحد أطراف العلم بالنجاسة و حكم للملاقي بالكسر بالطهارة بأصالة الطهارة، و بعد زمان لاقى شي‏ء آخر سائر الأطراف فإنه مع بقاء الملاقي الأول تكون أصالة الطهارة الجارية فيه معارضة بأصالة الطهارة في الملاقى الآخر، نعم إذا لم يبق الملاقى الأول و لم يكن لطهارته و نجاسته سابقا أثر شرعي فعلا، فيمكن الرجوع في الملاقى الآخر بأصالة الطهارة، و بهذا أمكن الجواب عما يمكن أن يقال: إنه كيف يجوز للمكلف الرجوع إلى الاصول النافية للتكليف أو الوضع الملزوم له في الشبهات الموضوعية مع أنه قد يحصل له بعد برهة من الزمان من الابتلاء بالشبهات الموضوعية أن التكليف كان في بعضها واقعا، و وجه ظهور الجواب أنه لا يكون أثر لهذا العلم الإجمالي بالاضافة إلى الوقائع السابقة فعلا بخلاف الواقعة المشكوكة التي ابتلى بها فعلا فيجرى فيها الأصل النافي و أما الوقائع الكلية التي يفتي فيها المجتهد بالوظائف الفعلية، فلكون فتواها بنحو القضية

53

في مثل هذه المسألة مما للعقل إليه سبيل صعب لو لم يكن عادة بمستحيل، لقوة احتمال أن يكون المستند للجل- لو لا الكل- هو ما ذكر من حكم العقل، و أن الكلام في البراءة فيما لم يكن هناك علم موجب للتنجز، إما لانحلال العلم الإجمالي بالظفر بالمقدار المعلوم بالإجمال، أو لعدم الابتلاء إلّا بما لا يكون‏

الحقيقية تكون كلها ذا أثر فعلا، و مع العلم بمخالفة فتواها بنفي التكليف في بعض الوقائع للواقع فثبوته فيها يسقط عن الاعتبار كل ما افتى بنفي التكليف أخذا بالأصل النافي فيها.

الاستدلال على اعتبار الفحص في الشبهات الحكمية بالعلم الإجمالي بالتكاليف فيها

و ذكر المحقق النائيني (قدّس سرّه) أن العمدة في عدم جريان أصالة البراءة في الشبهات الحكمية قبل الفحص هو العلم الإجمالي بثبوت التكاليف في الموارد التي يكون المدرك فيها بالتكليف بين أيدينا، و المعلوم بالإجمال المعنون بهذا العنوان من قبيل ما إذا علم بحرمة بعض الغنم البيض في قطيع غنم مركب من البيض و السود، و دار الأمر في البيض من الغنم بين الأقل و الأكثر فإنه يجب في الفرض البحث عن سائر الغنم، و أنه من أفراد البيض أو السود و مجرد الظفر بمقدار من البيض يحتمل انحصار الحرام منها في ذلك المقدار لا يؤثر في انحلال العلم الإجمالي لاندراج المعلوم بالإجمال في كل ما يندرج في عنوان البيض، و وجه كون المقام من هذا القبيل. لا من قبيل العلم بحرمة بعض الغنم من قطيع جميعه من السود و دار الحرام فيها بين عشرة أو أكثر ظاهر؛ لأنّ العلم بالتكاليف إجمالا في الوقائع التي فيها مدرك لها حاصل لكل من تصدى للاجتهاد، فلا بد من الفحص عن تلك الوقائع، نظير ما إذا علم المكلف بكونه مديونا للأشخاص الذين ضبط أسماءهم في دفتره فإنه لا يمكن له الرجوع إلى أصالة البراءة بعد أداء دين جملة من الأشخاص الذين يحتمل منه ضبط اسمه في‏

54

بينها علم بالتكليف من موارد الشبهات، و لو لعدم الالتفات إليها.

الدفتر منحصر عليهم.

أقول: مع احتمال التطابق بين المعلوم بالإجمال و المعلوم بالتفصيل ينحل العلم الإجمالي لا محالة من غير فرق بين أن يكون للمعلوم بالإجمال عنوان خاص أم لا، و سواء كان ذلك العنوان أيضا مرددا بين الأقل و الأكثر كما في مسألة العلم بحرمة بعض البيض من الغنم أم لم يكن، كما إذا علم بنجاسة إنا زيد المردد بين الأواني المعلوم بالإجمال نجاسة بعضها، و إذا علم تفصيلا بنجاسة بعض الأواني و احتمل أن يكون إناء زيد بعض ذلك المعلوم بالتفصيل بحيث يحتمل طهارة جميع الباقي فلا موجب لرفع اليد عن أصالة الطهارة في الباقي، فإن الموجب لتساقط الاصول النافية في أطراف العلم هو لزوم الترخيص القطعي في مخالفة التكليف الواصل، و هذا المحذور يختص بما قبل الفحص و قبل انحلال العلم بالظفر بالتكاليف في الوقائع بمقدار يحتمل انطباق المعلوم بالإجمال و لو بالعنوان عليها، و إذا انحل بعد الفحص بحيث احتمل خلو الوقائع الباقية عن التكليف و المدرك له فيرجع فيها إلى أصالة البراءة.

و مما ذكر يظهر أنه لا وجه لدعوى أن لازم العلم الإجمالي عدم جواز الرجوع إلى الأصل النافي في الواقعة المشتبهة حتى بعد الفحص و عدم الظفر بالمدرك للتكليف فيها لبقاء العلم الإجمالي بحاله، و وجه الظهور هو أن المفروض ثبوت العنوان للمعلوم بالإجمال و هو التكليف في الوقائع التي مداركها ممكنة الوصول بالفحص، و مع عدم الظفر بالمدرك في واقعة بعد الفحص يعلم خروجها عن أطراف المعلوم بالإجمال، فيكون احتمال التكليف فيها من قبيل الشك في الشبهة البدوية بعد الفحص.