رسائل أصولية

- الشيخ جعفر السبحاني المزيد...
269 /
3

-

4

[مقدمة المؤلف‏]

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏

(فَلَوْ لا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَ لِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ)

التوبة: 122

5

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏

الحمد لله خالق النعم، و بارئ النسم، حمداً يليق بعزّ جلاله، و عظمة كبريائه.

و الصلاة و السلام، على من أتمّ به النعمة، و أكمل به الدين محمد أشرف الرسل، و الهادي إلى أفضل السبل.

و على آله المخصوصين بالولاية، خير أئمّة وسادة.

أمّا بعد: فهذه رسائل في تحقيق قسم من المسائل الأُصولية، الّتي لها دور مهم في استنباط المسائل الفقهية، أفردتها بالبحث و الدراسة إمّا استيفاء لحقّها، حيث إنّ القوم لم يُعيروا لها أهمية لائقة بها (1) أو إيضاحاً لمقاصد القوم. (2) أو نقداً لبعض الآراء (3)، أو ردّاً على ما ذهب إليه أكثر الأُصوليين. (4)

و رائدي فيها، هو قوله سبحانه: (وَ الَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا) (5)، فإن أصبت الحق فهو من الله سبحانه و إن أخطأت فهو من قصوري‏

____________

(1). كالبحث عن حجّية العقل و مجالاتها، أو دور العرف و سيرة العقلاء في استنباط الأحكام.

(2). كالبحث عن الجمع بين الحكمين: الواقعي و الظاهري.

(3). نظرية مسلك حق الطاعة.

(4). دلالة الظواهر على معانيها قطعية.

(5). العنكبوت: 69.

6

أو تقصيري استلهاماً من قوله: (قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّما أَضِلُّ عَلى‏ نَفْسِي وَ إِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِما يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ‏) (1).

و خصّصنا الرسالة السادسة، بعدم حجّية الظن أو الخبر الواحد في العقائد، كما درسنا في الرسالة السابعة تاريخ علم الأُصول بشكل موجز، و ألمعنا إلى التطوير الّذي أحدثه فيه أصحابنا الإمامية في الأعصار الأخيرة.

كما طرحنا في الرسالة الثامنة الظنون غير المعتبرة عندنا كالقياس و الاستحسان و غيرهما و هي مصادر التشريع عند أهل السنّة في ما لم يكن فيه دلالة قرآنية أو سنّة نبويّة أو إجماع الفقهاء.

و لئن ترتّب على جهدي هذا ثوابٌ فإنّي أُهديه إلى روح مَنْ بذر وجودي، و ربّاني في حِجْره، و فتح عيوني على العلوم الدينية و المعارف الإلهية، ذلك هو الشيخ الوالد آية الله الحاج محمد حسين السبحاني التبريزي (1299- 1392 ه-).

و قد حُك على صخرة قبره هذان البيتان:

إنّ الّذي صنع العلوم مخلدٌ* * * لا سيّما في العلم و العرفان‏

فإذا انقضت أيام مدّة عمره‏* * * فجميل صنع المرء عمر ثان‏

المؤلف‏

____________

(1). سبأ: 50.

7

الرسالة الأُولى دور العقل في استنباط الحكم الشرعي‏

8

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

9

دور العقل في استنباط الحكم الشرعي‏

[الأدلة الشرعية الأربعة عند الأصوليين‏]

المشهور عند الأُصوليّين من أصحابنا انحصار الأدلّة في أربعة، أعني: الكتاب و السنّة و الإجماع و العقل، و يعبّر عنها في كلماتهم بالأدلّة الأربعة الّتي ربما يقال: إنّها الموضوع لعلم الأُصول و أنّه يبحث فيه عن عوارضها.

و لأجل ذلك تَرى أنّهم عقدوا لكلّ واحد منها باباً أو فصلًا مستقلًا بحثوا فيه عن عوارضه و خصوصيّاته.

فهذا هو المحقّق القمي (1151- 1231 ه-)، الّذي نهج في تأليف كتابه «القوانين المحكمة» منهج «مقدّمة معالم الدين» للشيخ حسن بن زين الدين العاملي (959- 1011 ه-)، قد عقد لكلّ من الأدلّة الأربعة باباً و استقصى الكلام عليها، و إليك الإشارة إلى عناوينها:

قال: «الباب السادس في الأدلّة الشرعية، و فيه مقاصد:

المقصد الأوّل: في الإجماع ... (1) المقصد الثاني: في الكتاب ... (2)، المقصد

____________

(1). القوانين المحكمة: 1/ 364، 392.

(2). القوانين المحكمة: 1/ 393- 408.

10

الثالث: في السنّة، و هو قول المعصوم أو فعله‏ (1)، المقصد الرابع: في الأدلّة العقلية، و المراد من الدليل العقلي هو حكم عقلي يتوصل به إلى الحكم الشرعي، و ينتقل من العلم بالحكم العقلي إلى الحكم الشرعي».

و قد طرح فيه قاعدة التحسين و التقبيح العقليّين، و إن خلط بين الحكم العقلي القطعي كالقاعدة، و الحكم العقلي الظنّي كالاستصحاب على طريقة القدماء.

و هذا هو المحقّق محمد حسين المعروف بصاحب الفصول (المتوفّى 1255 ه-) قد مشى في كتابه في ضوء «القوانين المحكمة»، فخصّ كلًا من الأدلّة الأربعة بالبحث و أفرد لكلّ باباً، و إليك عناوينها:

«المقالة الثانية في الأدلّة السمعية:

القول في الكتاب. (2) القول في الإجماع. (3) الكلام في الخبر (السنّة). (4) المقالة الثالثة في الأدلّة العقلية». (5)

و قد خلط في المقالة الثالثة كصاحب القوانين الدليل العقلي القطعي بالعقلي الظني، و جعل الجميع في مصاف واحد، و لكنّه أشبع الكلام في القسم القطعي.

كما أنّ الشيخ الأنصاري (1214- 1281 ه-) خصّ الأدلّة العقلية في «مطارح الأنظار» بالبحث و أفردها عن غيرها، و أفاض في الكلام في التحسين‏

____________

(1). القوانين المحكمة: 1/ 409- 496.

(2). الفصول: 240- 242.

(3). الفصول: 242- 264.

(4). الفصول: 264- 316.

(5). الفصول: 317- 384.

11

و التقبيح العقلي و غيرهما. (1)

هذا هو ديدن الأُصوليّين المتأخّرين و قريب منه ديدن القدماء.

مثلًا عقد الشيخ الطوسي (385- 460 ه-) باباً للأخبار. (2) كما عقد باباً خاصاً للإجماع. (3) و أفرد فصلًا لما يعلم بالعقل و السمع. (4)

و لمّا وصلت النوبة للمحقّق الخراساني (1255- 1329 ه-)، حاول تلخيص علم الأُصول، فغيّر إطار البحث، فلم يعقد لكلّ دليل من الأدلّة الأربعة باباً خاصاً واضحاً، فقد أدخل البحث عن حجّية الكتاب، في فصل حجّية الظواهر كتاباً كانت أو سنّة، كما أدرج البحث عن الإجماع في البحث عن حجّية الإجماع المنقول بخبر الواحد، و أدغم البحث عن السنّة في حجّية الخبر الواحد، و ترك البحث عن حجّية العقل بتاتاً، بل ركّز على نقد مقال الأخباريّين في عدم حجّية القطع الحاصل من الدليل العقلي، دون أن يبحث في حجّية العقل في مجال الاستنباط و تحديد مجاريه، و تمييز الصحيح عن الزائف، و صار هذا سبباً لاختفاء الموضوع على كثير من الدارسين.

و قد كان التركيز على الأدلّة الأربعة بما هي هي أمراً رائجاً بين الأُصوليّين، سواء أصحّ كونها موضوع علم الأُصول أم لا.

و هذا هو فقيه القرن السادس محمد بن إدريس الحلّي (543- 598 ه-) يذكر الأدلّة الأربعة في ديباجة كتابه و يحدّد موضع كلّ فيها، و يقول: فإنّ الحقّ لا يعدو أربع طرق: إمّا كتاب اللّه سبحانه، أو سنّة رسوله (صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم) المتواترة المتفق عليها،

____________

(1). لاحظ مطارح الأنظار: 233- 239.

(2). عدة الأُصول: 1/ 63- 155.

(3). عدة الأُصول: 2/ 601- 639.

(4). عدة الأُصول: 2/ 759- 762.

12

أو الإجماع، أو دليل العقل؛ فإذا فقدت الثلاثة فالمعتمد في المسائل الشرعية عند المحقّقين الباحثين عن مأخذ الشريعة، التمسّك بدليل العقل فيها، فإنّها مبقاة عليه و موكولة إليه، فمن هذا الطريق يوصل إلى العلم بجميع الأحكام الشرعية في جميع مسائل أهل الفقه، فيجب الاعتماد عليها و التمسّك بها، فمن تنكّب عنها عسف و خبط خبط عشواء و فارق قوله من المذهب. (1)

إذا عرفت ذلك فلنقدم أمام البحث عن حجّية العقل أُموراً تسلط الضوء على الموضوع.

____________

(1). السرائر: 1/ 46.

13

[أمور تسلط الضوء على الموضوع‏]

1

العقل كاشف و ليس بمشرّع‏

إنّ الشيعة الإمامية أدخلت العقل في دائرة كشف الحكم، حيث يُستكشف به الحكم الشرعي في مجالات خاصة كما يُستكشف بسائر الأدلّة من الكتاب و السنّة و الإجماع.

و ليس معنى ذلك إطلاق سراحه في جميع المجالات بحيث يُستغنى به عن الشرع، بل للعقل مجالات خاصة لا يصلح له الكشف إلّا فيها، و سيوافيك بيان تلك المجالات.

و يراد من حجّيّة العقل كونه كاشفاً لا مشرّعاً، فإنّ العقل حسب المعايير الّتي يقف عليها، يقطع بأنّ الحكم عند اللّه سبحانه هو ما أدركه، و أين هذا من التشريع أو من التحكُّم و التحتم على اللّه سبحانه، كما ربّما نسمعه من بعض الأشاعرة، حيث يزعمون أنّ القائلين بحجّية العقل في مجالات خاصة يُحكِّمون العقل على اللّه، و لكنّهم غفلوا عن الفرق بين الكشف و الحكم، فإنّ موقف العقل في هذه المسائل هو نفس موقفه في الإدراكات الكونية، فإذا حكم بأنّ زوايا المثلث تساوي مائة و ثمانين درجة، فمعناه: أنّه يكشف عن واقع محقّق و محتّم قبل حكم‏

14

العقل، فهكذا المورد فلو حكم بأنّ العقاب بلا بيان قبيح، فليس معناه: أنّه يحكم على اللّه سبحانه بأن لا يُعذّب الجاهلَ غير المقصّر، بل المراد: أنّ العقل من خلال التدبّر في صفاته سبحانه- أعني: العدل و الحكمة- يستكشف أنّ لازم ذينك الوصفين الثابتين للّه سبحانه، هو عدم عقاب الجاهل.

و كنّا نسمع من روّاد منهج التفكيك بين العقل و الشرع أنّ روّاد الفلسفة يحتّمون على اللّه أن يحكم بالوجوب و اللزوم و ... و أنّ عمل الفيلسوف هو الحكم على اللّه، غافلين عن أنّ عمله هو الاستكشاف، فلو قال: «واجب الوجود بالذات واجب من جميع الجهات» إنّما يخبر عن تلك الحقيقة بالبرهان الّذي أرشده إليها، فيستنتج من ذلك أنّه سبحانه واجب في علمه و قدرته كما أنّه واجب في فعله و خلقه.

و ليس الإشكال أمراً جديداً فقد سبقهم الرازي و قال: لا يجب على اللّه تعالى شي‏ء عندنا- خلافاً للمعتزلة- فانّهم يوجبون اللطف و العوض و الثواب. و البغداديّون خاصّة يوجبون العقاب، و يوجبون الأصلح في الدنيا.

بين الإيجاب المولوي و الإيجاب الاستكشافي‏

لا شكّ أنّه ليس لأحد أن يكلّف اللّه سبحانه بشي‏ء ويحكم عليه باللزوم و الوجوب، لأنّه سبحانه فوق كلّ مكلّف، و لا فوقه أحد، و مع ذلك كلّه فربما يأتي في كلام المتكلّمين بأنّه يجب على اللّه سبحانه أن لا يعذّب البري‏ء. غير أنّ أهل الحديث و اتباع السلفية لم يفرّقوا بين الإيجاب المولوي و الإيجاب الاستكشافي، فالذي هو باطل لا يتفوّه به أيّ إنسان موحّد، هو الإيجاب المولوي، فإنّه سبحانه مولى الجميع و الناس عباد له، و أمّا الإيجاب الاستكشافي بمعنى أنّ العقل‏

15

يستكشف من خلال صفاته سبحانه ككونه حكيماً عادلًا قادراً، أنّه سبحانه لا يعذّب البري‏ء، فالقول بأنّه يجب على اللّه سبحانه بمعنى الملازمة بين حكمته و عدله و عدم تعذيب البري‏ء، و ليس استكشاف العقل في المقام بأقلّ من استكشاف الأحكام الكونية حيث يحكم بأنّ زوايا المثلث تساوي زاويتين قائمتين، فزوايا المثلث في الخارج موصوفة بهذا المقدار و الكميّة، و لكن العقل يستكشف ذلك.

و بذلك يظهر أنّ ما أطنب به أتباع السلفية حول الأحكام العقلية إطناب بلا طائل، و تفسير بما لا يرضى به صاحبه، فقالوا:

أوجب العدلية على اللّه تعالى أشياء بمحض عقولهم، و إن لم ترد بها الشريعة.

بل أوجبوا على اللّه أشياء مخالفة للصحيح الصريح من نصوص الكتاب و السنّة، و لا شكّ أنّ هذا الإيجاب العقلي من المعتزلي على اللّه باطل، لأنّه يلزم عليه أن يكون هناك موجب فوق اللّه أوجب عليه شيئاً، و لا موجب عليه سبحانه و تعالى، كما يلزم عليه أن لا يكون تعالى فاعلًا مختاراً، و هو باطل. (1)

و قد أجاب عنه المحقّق نصير الدين الطوسي و قال: ليس هذا الوجوب بمعنى الحكم الشرعي كما هو المصطلح عند الفقهاء، بل هذا الوجوب بمعنى كون الفعل بحيث يستحقّ تاركه الذمّ، كما أنّ القبيح بمعنى كون الفعل بحيث يستحقّ فاعله الذمّ. و الكلام فيه هو الكلام في الحسن و القبح بعينه و يقولون إنّ القادر العالم الغني لا يترك الواجب ضرورة. (2)

____________

(1). مدارج السالكين: 1/ 66.

(2). نقد المحصل: 342.

16

و العجب أنّ بعض أتباع السلفيّة يحكم على اللّه سبحانه بنفس ما يحكم به العدليّة و كأنّه غفل عمّا عليه سلفه.

قال: و الحقّ أنّ الظلم ممكن مقدور عليه و اللّه تعالى منزّه عنه، لا يفعله لعلمه و عدله، لا لكونه مستحيلًا عليه كما تقوله الأشاعرة، و لا لمجرّد القبح العقلي كما تقوله المعتزلة، فهو لا يحمل على أحد ذنب غيره، كما قال تعالى: (وَ لا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى‏*) (1)، و قال: (وَ مَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحاتِ وَ هُوَ مُؤْمِنٌ فَلا يَخافُ ظُلْماً وَ لا هَضْماً). (2)

فعقوبة الإنسان بذنب غيره ظلم ينزّه عنه اللّه تعالى. (3)

____________

(1). الإسراء: 15.

(2). طه: 112.

(3). منهاج السنّة: 2/ 309.

17

2

تضافر الروايات على حجّيّة العقل‏

تضافرت الروايات عن أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) على حجّيّة العقل، نأتي بنصّين و نحيل الباقي إلى مصادرها. (1)

قال الإمام الصادق (عليه السلام): «حجة اللّه على العباد النبي، و الحجّة في ما بين العباد و بين اللّه العقل». (2)

و قال الإمام موسى بن جعفر (عليه السلام) مخاطباً هشام بن الحكم: «يا هشام إنّ للّه على الناس حجّتين: حجّة ظاهرة، و حجّة باطنة؛ فأمّا الظاهرة فالرسل و الأنبياء و الأئمّة، و أمّا الباطنة فالعقول» (3). و تخصيص ما دلّ على حجّية العقل بالمعارف و العقائد، تخصيص بلا وجه.

و أمّا الآيات الدالّة على حجّية العقل في مجالات خاصّة فسيوافيك نقل قسم منها عند البحث عن التحسين و التقبيح العقليّين.

____________

(1). الكافي: 1/ 10- 29، كتاب العقل و الجهل.

(2). الكافي: 1/ 25، الحديث 22.

(3). الكافي: 1/ 16، الحديث 12.

18

3

الإدراك النظري و الإدراك العملي‏

قسّم الحكماء الإدراك العقلي إلى: إدراك نظري، و إدراك عملي.

فالأوّل: إدراك ما ينبغي أن يُعلم، كإدراك وجود الصانع و صفاته و أفعاله.

و الثاني: إدراك ما ينبغي أن يُعمل، كإدراكه حسن العدل و قبح الظلم، و حسن رد الوديعة و قبح الخيانة فيها، و حسن العمل بالميثاق و قبح نقضه، إلى غير ذلك من العلوم الإدراكية الّتي يستعملها العقل في حياته و معاشه.

فبذلك يعلم أنّ المقسّم إلى قسمين (النظري و العملي) هو إدراك العقل لا نفس العقل، فليس لنا عقلان أحدهما نظري و الآخر عملي، بل عقل واحد تارة يدرك ما من شأنه أن يُعلم، و أُخرى ما من شأنه أن يعمل.

فالفيلسوف و المتكلّم يعتمدان على العقل النظري في المسائل النظرية الّتي يعبّر عنها بالإلهيّات، فبالعقل يَعرفُ العبدُ إلهه و صفاته و أفعاله، كما أنّ الفقيه و الأخلاقي يعتمدان على العقل العمليّ في موارد من الفقه و الأخلاق.

و من العجائب أنّ طائفة من المسلمين ألغوا دور العقل في العقائد و الأحكام و اعتمدوا في كلا الموردين على النقل، مع أنّه ما لم تثبت حجّية النقل عن‏

19

طريق العقل كيف يمكن الاعتماد على النقل؟!

إنّ أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) أعطوا للعقل أهمية كبيرة، فهذا هو الإمام أبو جعفر الباقر (عليه السلام) يقول: «إنّ اللّه لمّا خلق العقل استنطقه- إلى أن قال:- و عزّتي و جلالي ما خلقت خلقاً هو أحبّ إليّ منك، و لا أكملتك إلّا في مَن أُحب، أما إنّي إيّاك آمر و إيّاك أنهى، و إيّاك أُعاقب و إيّاك أُثيب». (1)

إذا علمت هذه الأُمور الثلاثة فلندخل في صلب الموضوع و هو تحديد مساحة حجّية العقل و البرهنة على حجّيته فيها.

أقول: إنّ‏

للعقل مجالات خاصة

هو فيها حجّة بلا كلام، منها:

____________

(1). الكافي: 1/ 10، كتاب العقل و الجهل، الحديث 1.

20

1

مجال التحسين و التقبيح‏

إذا استقلّ العقل بحسن فعل بما هو فعل صادر عن الفاعل المختار أو قبحه، و تجرّد في قضائه عن كلّ شي‏ء (عن أمر الشارع و نهيه و حتّى الآثار الّتي تترتب على الشي‏ء، كقوام النظام الإنساني بالعدل و انهياره بممارسة الظلم) إلّا النظر إلى نفس الفعل، فهل يكون حكم العقل كاشفاً عن حكم الشرع؟ نظير استقلال العقل بقبح العقاب بلا بيان، و حسنه معه، فهل يستكشف منه أنّ حكم الشرع كذلك؟ و الجواب: نعم، و ذلك لأنّ الحكم المزبور من الأحكام البديهيّة للعقل العملي.

فإذا عرض الإنسان العدلَ و الظلم على وجدانه و عقله، يجد في نفسه نزوعاً إلى العدل و تنفرّاً من الظلم، و هكذا كلّ فعل يصدق عليه أحد العنوانين، و هذا من الأحكام العقلية النابعة من صميم العقل و ليس متأثراً بالجوانب اللاشعورية أو الغرائز الحيوانية أو العواطف الإنسانية، أو الآثار البنّاءة أو الهدامة لهما، يقول العلّامة الحلّي:

«إنّا نعلم بالضرورة حسن بعض الأشياء و قبح بعضها من غير نظر إلى‏

21

شرع، فإنّ كلّ عاقل يجزم بحسن الإحسان و يمدح عليه، و يُقبِّح الإساءة و الظلم و يذمّ عليه، و هذا حكم ضروري لا يقبل الشكّ و ليس مستفاداً من الشرع لحكم البراهمة و الملاحدة به من غير اعتراف منهم بالشرائع». (1)

و يقول أيضاً في كتاب آخر: إنّ من الأفعال ما هو معلوم الحُسن و القبح بضرورة العقل، كعلمنا بحسن الصدق النافع، و قبح الكذب الضار، فكلّ عاقل لا يشكّ في ذلك، و ليس جزمه بهذا الحكم بأدون من الجزم بافتقار الممكن إلى السبب، و أنّ الأشياء المساوية لشي‏ء واحد متساوية. (2)

و من حسن الحظ انّ الذكر الحكيم يشير إلى موقف العقل من إدراك تحسين الأشياء و تقبيحها، فترى أنّه يحتج في موارد بقضاء فطرة الإنسان بحسن بعض الأفعال، و في الوقت نفسه يقبّح بعضها على وجه يسلِّم بأنّ الفطرة الإنسانية صالحة لهذين الإدراكين، و لذلك يتخذ وجدان الإنسان قاضياً صادقاً في قضائه و يقول:

1. (أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ). (3)

2. (أَ فَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ* ما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ‏). (4)

3. (هَلْ جَزاءُ الْإِحْسانِ إِلَّا الْإِحْسانُ‏). (5)

ففي هذه الطائفة من الآيات يوكل الذكرُ الحكيم القضاءَ إلى وجدان‏

____________

(1). كشف المراد المطبوع مع تعاليقنا: 59.

(2). نهج الحق و كشف الصدق: 83.

(3). سورة ص: 28.

(4). القلم: 35- 36.

(5). الرحمن: 60.

22

الإنسان، و انّه هل يسوّي بين المفسدين و المتّقين، و المسلمين و المجرمين، كما يتّخذ من الوجدان قاضياً، و يقول: (ما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ‏)، و يقول أيضاً: (هَلْ جَزاءُ الْإِحْسانِ إِلَّا الْإِحْسانُ‏).

و هناك آيات أُخرى تأمر بالمعروف كالعدل و الإحسان، و إيتاء ذي القربى، و تنهى عن الفحشاء و المنكر و البغي على نحو تسلِّم أنّ المخاطب يعرفهما معرفة ذاتية، و لا يحتاج في تعرفهما إلى الشرع، و كأنّ الشرع يؤكد ما يجده الإنسان بفطرته.

و يقول سبحانه:

1. (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَ الْإِحْسانِ وَ إِيتاءِ ذِي الْقُرْبى‏ وَ يَنْهى‏ عَنِ الْفَحْشاءِ وَ الْمُنْكَرِ وَ الْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ‏). (1)

2. (قُلْ إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَ ما بَطَنَ‏). (2)

3. (يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَ يَنْهاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ). (3)

نظرية الأشاعرة

ثمّ إنّ الأشاعرة عطَّلوا دور العقل في درك الحسن و القبح، فقالوا: إنّ المرجع في الحسن و القبح هو الشرع، فما حسّنه الشارع فهو حسن، و ما أخبر عن قبحه فهو قبيح، و ليس للعقل المقدرة على تمييز الحسن عن القبيح.

هذا، و قد ذهلوا عن أنّ القول بكون الحسن و القبح شرعيين، و أنّهما لا يثبتان إلّا بالشرع، يستلزم عدم ثبوتهما حتّى بالشرع أيضاً، و ذلك لأنّه إذا كان العقل عاجزاً عن درك محاسن الأفعال و مساوئها و من ثمّ «عن حسن الصدق»

____________

(1). النحل: 90.

(2). الأعراف: 33.

(3). الأعراف: 157.

23

و «قبح الكذب»، فمن أين نعلم أنّ الشارع صادق في إخباره؟ لأنّه لم يثبت بعدُ حسن الصدق و لا قبح الكذب، فإذا أخبرنا عن شي‏ء أنّه حسن، لم نجزم بحسنه حتّى عند الشرع، لتجويز الكذب عليه.

و الحاصل: أنّه لو لم نعرف حسن الأفعال و قبحها شرعاً إلّا عن طريق إخبار الأنبياء، فإذا قالوا: الصدق حسن و الكذب قبيح، لا يحصل لنا العلم بصدق القضية، إذ نحتمل أن يكون المخبر كاذباً.

و لو قيل: إنّه سبحانه شهد على صدق مقالة أنبيائه، فنقول: إنّ شهادته سبحانه لم تصل إلينا إلّا عن طريقهم، فمن أين نعلم صدقهم في كلامهم هذا؟

أضف إلى ذلك من أين نعلم أنّه سبحانه- و العياذ باللّه- لا يكذب؟

فهذه الاحتمالات لا تندفع إلّا باستقلال العقل- قبل كلّ شي‏ء- بحسن الصدق و قبح الكذب، و أنّه سبحانه منزّه عن القبح .... (1)

و ربّما يعترض عليه بأنّ ما ذكر من التالي (عدم ثبوت الحسن و القبح مطلقاً حتّى بالشرع لو كان الطريق منحصراً بالسماع من الشرع) إنّما يصحّ إذا انحصر الطريق بإخباره المحتمل فيه الصدق و الكذب، و أمّا لو كان الطريق هو أمره و نهيه فلا يتطرّق إليه احتمال الكذب، لأنّه و الصدق من أوصاف الإخبار لا الإنشاء.

و هذا هو ما ذكره القوشجي معترضاً به على المحقّق الطوسي و قال: إنّ الحسن و القبح عبارة عن كون الحسن متعلّق الأمر و المدح، و القبيح متعلق النهي و الذمّ. (2)

و يلاحظ عليه: أنّ احتمال الكذب في الإنشاء و إن كان منتفياً، لكنّ هنا

____________

(1). لاحظ كشف المراد: 59، المطبوع مع تعاليقنا.

(2). شرح التجريد للقوشجي: 442، طبعة تبريز.

24

احتمالًا أو احتمالات تمنع من استكشاف الحسن و القبح، من مجرّد سماع الأمر بشي‏ء و النهي عنه، إذ من المحتمل أن يكون الشارع عابثاً في أمره و نهيه، و لو قال: إنّه ليس بعابث، لا يثبت به نفي احتمال العبث عن فعله و كلامه؛ لاحتمال كونه هازلًا أو كاذباً في كلامه.

فلأجل ذلك يجب أن يكون بين الإدراكات العقلية شي‏ء لا يتوقّف درك حسنه و قبحه على شي‏ء، و أن يكون العقل مستقلًا في دركه، و هو حسن العدل و قبح الظلم و حسن الصدق و قبح الكذب، حتّى يستقلّ العقل في ظلِّه بإدراك أنّ كلّ ما حكم به الشرع فهو صادق في إخباره أو مريد لا هازل في إنشائه، فيثبت عندئذ أنّ ما تعلّق به الأمر حسن شرعاً، و ما تعلّق به النهي قبيح شرعاً، و هذا ما يهدف إليه المحقّق الطوسي من أنّه لو لا استقلال العقل بإدراك حسن أو قبح بعض الأفعال ما ثبت حسن و لا قبح بتاتاً.

بعض الأحكام المستنبطة من هذا الأصل‏

إنّ هذا الأصل الّذي عليه العدلية، يحتجّ به في الأُصول في الموارد التالية:

1. البراءة من التكليف المحتمل؛ لقبح العقاب بلا بيان.

2. الاشتغال بالتكليف عند العلم الإجمالي و تردّد المكلّف فيه بين أمرين، لحكمه بأنّ الاشتغال اليقيني يستدعي البراءة اليقينية و حسن عقوبة من لم يخرج عن عهدة التكليف القطعي على وجه اليقين.

3. الإتيان بالمأمور به مُجز عن الإعادة و القضاء، لقبح بقاء الأمر بعد الامتثال.

4. مرجّحات باب التزاحم.

25

إنّ مرجّحات باب التزاحم كلّها من باب تقديم الأهمّ على المهم، و إليك عناوينها:

أ. تقديم ما لا بدل له على ما له بدل.

ب. تقديم المضيّق على الموسّع.

ج. تقديم أحد المتزاحمين على الآخر لأهميته.

د. سبق امتثال أحد الحكمين زماناً.

ه-. تقديم الواجب المطلق على المشروط.

إلى غير ذلك من الموارد الّتي يستقل العقل فيها بحسن الفعل و قبح ضدّه، فيستكشف منه كونه كذلك عند الشارع.

ثمّ إنّ الحكم الشرعي المستنبط من حسن الأفعال أو قبحها، يكون حكماً إلزامياً دائراً بين الإلزام بالفعل أو الإلزام بالترك، و لذلك تكون الأحكام المستنبطة بالعقل منحصرة في حكمين: الوجوب أو الحرمة.

و ذلك لأنّ العناوين المحسنة أو المقبحة- بحكم وجوب انتهاء كلّ ما بالعرض إلى ما بالذات- تنتهي إلى العدل و الظلم، فإذا كان الفعل حسناً عند العقل فانّما هو لانطباق عنوان العدل عليه، فيكون خلافه ظلماً، و معه كيف يكون جائز الترك (المستحب) أو كان الفعل قبيحاً، فإنّما هو لانطباق عنوان الظلم عليه، و معه كيف يكون جائز الفعل (المكروه) و لذلك حصر المتكلّمون الأحكام الشرعية المستنبطة من العقل في حكمين: الوجوب و الحرمة.

و أمّا تقسيم الأحكام الشرعية إلى أقسام خمسة، فهو و إن كان صحيحاً لكن لا بملاك الحسن و القبح، بل بملاك المصلحة أو المفسدة الملزمة و غيرها، و هذا لا يمنع أن يكون في مورد الوجوب و الحرمة ملاكان: الحسن العقلي و المصلحة الملزمة،

26

أو القبح العقلي و المفسدة.

و هناك إجابة أُخرى نشير إليها و هي:

إنّ الأحكام المستنبطة من الحسن و القبح حسب الثبوت و إن كانت أربعة؛ لاختلاف درجات الحسن و القبح، فالدرجة العالية من الحسن تقتضي الوجوب و المتوسطة تقتضي الاستحباب، و هكذا القبح فالدرجة القوية منه تلازم الحرمة و الدرجة الضعيفة تلازم الكراهة، إلّا أنّ هذا صحيح حسب الثبوت، و أمّا حسب الإثبات فلا؛ لأنّ الحسن و القبح من المستقلات العقلية، و العقل لا يدرك إلّا ما كان لازم الفعل أو لازم الترك، و أمّا ما وراء ذلك فهو و إن صحّ واقعاً، لكن ليس للعقل إليه سبيل.

و الحاصل: أنّ الضيق: إنّما هو في إدراك العقل للحسن و القبح، و العقل لا يدرك إلّا ما كان لازم الفعل أو لازم الترك، كالإحسان لمن أحسن و عدم الإساءة إليه، و العمل بالميثاق و عدم نقضه، إلى غير ذلك من العناوين التي يقف عليها العقل، فلا يستنبط منه إلّا الحكم الإلزامي.

27

2

في مجال الملازمات‏

إنّ باب الملازمات هو المجال الثاني لحكم العقل، فإذا أدرك العقل الملازمة بين الوجوبين أو الحرمتين و ورد أحد الوجوبين في الشرع دون الآخر، يحكم العقل بالوجوب الثاني بناء على وجود الملازمة بين الحكمين، فاستكشاف الحكم الشرعي رهن ثبوت الملازمة بين الحكمين، و إليك نماذج من هذا:

1. الملازمة بين الوجوبين، كوجوب الشي‏ء و وجوب مقدّمته.

2. الملازمة بين الحرمتين، كحرمة الشي‏ء و حرمة مقدّمته.

3. الملازمة بين وجوب الشي‏ء و حرمة ضدّه، كوجوب المضيق و حرمة الموسّع عند التزاحم.

4. الملازمة بين النهي عن العبادة و فسادها.

5. الملازمة بين النهي عن المعاملة و فسادها.

6. الملازمة بين وجود الحكم لدى وجود الشرط و الوصف و ... و الانتفاء لدى الانتفاء.

إلى غير ذلك ممّا يدخل في أبواب الملازمة الموصوفة عندهم بالملازمات غير

28

المستقلة، فانّ الحكم المستكشف في هذه الموارد عن طريق الملازمة، حكم شرعي نظير:

1. وجوب مقدّمة الواجب.

2. حرمة مقدّمة الحرام.

3. حرمة الضدّ الموسّع المزاحم للمضيق كالصلاة عند الابتلاء بإزالة النجاسة عن المسجد، أو أداء الدين الحال.

4. فساد العبادة المنهي عنها، كالصوم في السفر.

5. فساد المعاملات المنهي عنها كبيع الخمر.

إلى غير ذلك من الموارد الّتي توصف بباب الملازمات غير المستقلة، و في الفقه الشيعي و الأُصول دور كبير لباب الملازمات، فمن مثبت و ناف و مفصِّل.

قال المحقّق السيد علي القزويني معلّقاً على قول المحقّق القمي: «و منها ما يحكم به العقل بواسطة خطاب الشرع كالمفاهيم و الاستلزامات»: أي بملاحظته كحكمه بوجوب المقدّمة بملاحظة الخطاب بذي المقدّمة، و بحرمة الضد، بملاحظة الخطاب بالمأمور به المضيق، و بالانتفاء عند الانتفاء بملاحظة الخطاب المعلّق على شرط أو وصف أو غيرهما، لئلا يلغو التعليق و ذكر القيد و يسمّى بالاستلزامات العقلية كحكم العقل باستلزام إيجاب الشي‏ء وجوب مقدّماته و استلزام الأمر بالشي‏ء حرمة ضدّه، و استلزام الوجود عند الوجود، و الانتفاء عند الانتفاء، فالمفاهيم أيضاً مندرجة في الاستلزامات. (1)

إلى هنا تبيّن حجّية حكم العقل في المجالين:

1. مجال التحسين و التقبيح و يسمّى بالملازمات المستقلة.

____________

(1). تعليقة السيد علي القزويني المطبوعة على هامش القوانين. لاحظ القوانين: 2/ 1، قسم الحواشي.

29

2. مجال الملازمات غير المستقلة.

و وجه تسمية الأوّل بالمستقلات و الثاني بغيرها، هو: انّ إدراك الموضوع و الحكم في الأوّل، راجع إلى العقل و لا يستعين في حكمه بالشرع، بل يدرك الموضوع و يصدر الحكم، كقولنا: العدل حسن و الظلم قبيح، بخلاف القسم الثاني، فإنّه في حكمه يستعين بالشرع، فإنّ الشارع هو المعيّن للموضوع، مثلًا يقول: إنّ الوضوء مقدمة للواجب، و العقل يُصدر الحكم و يقول: مقدمة الواجب واجبة، و مثله سائر الموارد.

30

3

في مجال تنقيح المناط

إذا اقترن الموضوع في لسان الدليل بأوصاف و خصوصيات لا يراها العرف دخيلة في الموضوع و يعدّها من قبيل المثال، كما إذا ورد في السؤال: رجل شكّ في المسجد بين الثلاث و الأربع، فأُجيب بأنّه يبني على كذا، فإنّ السائل و إن سأل عن الرجل الّذي شكّ في المسجد، لكنّ العرف يعدّ تلك القيود مثالًا، لا قيداً للحكم، فيعمّم الحكم على الرجل و الأُنثى و من شكّ في المسجد و البيت.

إنّ تنقيح المناط الّذي يساعد عليه الفهم العرفي ممّا لا إشكال فيه، و لا صلة له بالقياس؛ إذ لا أصل و لا فرع، بل الحكم في نظر المخاطب يعمّ الرجل و الأُنثى، و الشاك في المسجد و البيت، مرة واحدة.

و من هذا القبيل قصة الأعرابي الّذي قال: هلكتُ يا رسول اللّه، فقال له: ما صنعت؟ قال: وقعت على أهلي في نهار رمضان، قال: اعتق. (1)

و العرف ربما يساعد على إلغاء القيدين التاليين و عدم مدخليتهما في الحكم:

____________

(1). صحيح مسلم: 3/ 138- 140، كتاب الصيام، الحديث 187، و قد روي بطرق مختلفة مع اختلاف يسير في المتن.

31

1. كونه أعرابياً.

2. الوقوع على الأهل.

فيعمّ البدوي و القروي، و الوقوع على الأهل و غيره، فيكون الموضوع من واقع نهار شهر رمضان و هو صائم.

إنّ تنقيح المناط من المزالق للفقيه، إذ ربما يُلغي بعض القيود باستحسان أو غيره، مع عدم مساعدة العرف عليه، فعليه الاحتياط التام في تنقيح موضوع الحكم و الاقتصار على ما يساعد عليه فهم العرف من إلغاء القيد، و إن شكّ في مساعدة العرف على الإلغاء و عدمها، فليس له تعميم الحكم.

و على كلّ حال، فهذه التعميمات، لا صلة لها بالقياس، و إنّما هي استظهار من مفاد الدليل و استنطاقه حسب الفهم العرفي.

و هذا ما يعبر عنه في الفقه الإمامي، بإلغاء الخصوصية، أو مناسبة الحكم و الموضوع، مضافاً إلى التعبير عنه ب- «تنقيح المناط». (1)

____________

(1). الإنصاف في مسائل دام فيها الخلاف: 2/ 441- 442.

32

4

في مجال تخريج المناط

إذا قضى الشارع بحكم في محل من دون أن ينصّ على مناطه، فهل للعقل أن يستحصل مناط الحكم غير المذكور في النص حتّى يُعمِّم الحكم في ضوء المناط؟

و هذا هو الأمر الرائج في فقه السنّة، الممنوع في فقه الشيعة، و قد ذكروا لاستخراج المناط طرقاً سبعة، و المهم منها هو استنباط العلة عن طريق السبر و التقسيم.

و السبر في اللغة هو الامتحان، و تقريره: أن تُحصر الأوصاف الّتي توجد في واقعة الحكم و تصلح لأن تكون العلّة واحدة منها، و يختبرها وصفاً وصفاً في ضوء الشروط الواجب توفّرها في العلّة، و أنواع الاعتبار الّذي تعتبر به، و بواسطة هذا الاختبار تستبعد الأوصاف الّتي لا يصحّ أن تكون علّة و تُستبقى الّتي يصحّ أن تكون علّة، و بهذا الاستبعاد و هذا الاستبقاء يتوصّل إلى أنّ هذا الوصف هو العلّة.

أقول: إنّ السبر و التقسيم إنّما يوجب القطع بالمناط في موردين:

1. إذا كان المورد في وضوح المناط من مقولة تحريم الخمر، فلو افترضنا أنّه‏

33

لم يرد فيه نصّ على علّة الحكم، فأخذ المجتهد يردّد العلّة بين كونها من العنب، أو كونها سائلًا، أو كونها ذا لون خاص، أو كونها مسكراً، و عندئذ يستبعد كلّ واحدة من العلل إلّا الأخيرة، فيحكم بأنّها العلّة، ثمّ يقيس كلّ مسكر عليها، و هذا النوع من المناط خاص بالخمر و ما هو نظيرها في الموضوع، لكن أكثر موارد القياس يفقد هذا النوع من الاطمئنان، و أكثر من يحتج على صحّة تخريج المناط يُمثل بالخمر الّذي لا يشكّ الإنسان بعد التأمّل في أنّ مناط تحريمها هو الإسكار، فأين هو من سائر الموارد المبهمة؟!

2. التقسيم إذا كان دائراً بين النفي و الإثبات يفيد اليقين، كقولك: العدد إمّا زوج أو فرد، و الحيوان إمّا ناطق أو غير ناطق، و أمّا إذا كان بشكل التقسيم و السبر، أي ملاحظة كلّ وصف خاص و صلاحيته للحكم، فما استحسنه الذوق الفقهي يجعله مناطاً للحكم، و ما استبعده يطرحه، فمثل هذا لا يكون مناطاً قطعياً بل ظنياً، و هذا شي‏ء أطبق عليه مثبتو القياس.

و في ضوء ما ذكرنا فتنقيح المناط في الموردين المذكورين من الأدلّة العقلية القطعية، و أمّا في غيرهما فهو من الأدلّة العقلية الظنيّة، و يشبه أن يكون نفس القياس مستنبط العلّة الّذي يبحث عنه في باب القياس، و هو من الأدلّة الظنية، و لكنّا بصدد بيان الأدلّة القطعية.

و لأجل أن يقف القارئ على أنّ تخريج المناط دليل ظني لا قطعي نأتي بمثال:

قد ورد في الحديث: «لا يُزوّج البكرَ الصغير إلّا وليُّها»، فقد ألحق بها بعض فقهاء السنّة الثيِّب الصغيرة، بل المجنونة و المعتوهة.

و ذلك بتخريج المناط، و انّه عبارة عن كون المزوّجة صغيرة ناقصة العقل،

34

فيعمّ الحكم الثيِّب الصغيرة و المجنونة أو المعتوهة لاتّحاد المناط.

و أمّا استخراج المناط فهو بالبيان التالي:

إنّ الحديث اشتمل على وصفين كلّ منهما صالح للتعليل، و هما الصغر و البكارة، و بما أنّ الشارع قد اعتبر الصغر علّة للولاية في المال كما قال: (وَ ابْتَلُوا الْيَتامى‏ حَتَّى إِذا بَلَغُوا النِّكاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ‏) (1) هذا من جانب، و من جانب آخر، الولاية على المال و الولاية على التزويج نوعان من جنس واحد و هو الولاية، فتكون النتيجة أنّ الشارع قد اعتبر الصغر علّة للولاية على التزويج بوجه من وجوه الاعتبار، فيقاس على البكر الصغيرة، من في حكمها من جهة نقص العقل، و هي المجنونة أو المعتوهة، كما تقاس عليها أيضاً الثيّب الصغيرة، و بذلك أسقطوا دلالة لفظ البكارة من الحديث على المدخلية في الحكم.

و يلاحظ عليه: أنّه من أين علم أنّ الصغر تمام الموضوع للحكم مع إمكان أن يكون جزءاً منه كما هو مقتضى اجتماعه مع البكارة؟

إنّ قياس باب النكاح بباب التصرّف في الأموال، قياس مع الفارق، فإنّ العناية بصيانة مال الصغير تستدعي أن يكون الموضوع هو الصغير ذكراً كان أو أُنثى، بكراً كان أو ثيّباً، إذ لا دخالة لهذه القيود في أمر الصيانة، و لهذا يعمّ الحكم جميعَ أفراد الصغيرة، و هذا بخلاف باب النكاح فيحتمل فيها الفرق بين الصغيرة البكر و الثيب، نظير الفرق بين الكبيرة البكر و الثيب، حيث ذهب جماعة إلى أنّ الأُولى أيضاً لا تزوّج إلّا بإذن الوليّ. (2)

____________

(1). النساء: 6.

(2). نظام النكاح في الشريعة الإسلامية الغراء، للمؤلف: 1/ 172- 176.

35

و لأجل إيضاح المقام نأتي ب

أمثلة أُخرى أفتى فقهاء السنّة فيها بناءً على تخريج المناط:

1. قياس الولاية في النكاح بالميراث‏

يقدّم الأخ من الأب و الأُمّ على الأخ للأب في الميراث. المقيس عليه‏

فيقدّم الأخ من الأب و الأُمّ على الأخ للأب في ولاية النكاح. المقيس‏

امتزاج الإخوة. المناط

2. قياس الجهل في المهر بالبيع‏

إنّ الجهل بالعوض يفسد البيع بالاتفاق. المقيس عليه‏

فالجهل بالمهر يفسد النكاح. المقيس‏

وجود المعاوضة و الجهل فيها. المناط

3. قياس ضمان السارق بالغاصب‏

إنّ الغاصب يضمن إذا تلف المال تحت يده. المقيس عليه‏

فالسارق أيضاً يضمن و إن قطعت يده. المقيس‏

تلف المال تحت اليد العادية. المناط

فانّ تخريجات المناط في هذه الموارد و عشرات أمثالها تخريجات ظنية، و هي بحاجة إلى قيام الدليل، و إلّا فيمكن أن يكون للميراث خصوصية غير موجودة في النكاح، أو يكون الجهل بالعوض مفسداً في البيع دون النكاح، لأنّ البيع مبادلة بين مالين، بخلاف النكاح فإنّه علاقة تجمع بين شخصين، فالعلّة هو الجهل بالعوض لا الجهل بالمهر، و المهر ليس عوضاً، و إن أطلق عليه العوض فإنّما هو

36

بضرب من المجاز و الاستعارة.

التماس العلل و عرض النصوص عليها

إنّ التماس العلل الواقعية للأحكام الشرعية من طريق العقل و عرض النصوص على العلل المزعومة و جعلها مقياساً لصحّة النصوص الشرعية و بطلانها، كان أمراً رائجاً بين فقهاء السنّة في عصر الإمام الصادق (عليه السلام)، و على هذا النوع من الاصطلاح تنزّل التعبيرات الشائعة: «إنّ هذا الحكم موافق للقياس و ذلك الحكم مخالف له»، و ليس المراد من القياس فيها، القياس المعروف المؤلف من الأصل و الفرع و الجامع بينهما، بل المراد: تصحيح الأحكام حسب العلل الّتي استحسنها الفقيه حسب عقله و ذوقه، فيوصف الحكم الموافق بالصحّة و المخالف بالبطلان.

و قد كان القياس بهذا المعنى مثارَ معركة فكرية واسعة النطاق على عهد الإمام الصادق (عليه السلام) و بعض فقهاء عصره، و على هذا الاصطلاح دارت المناظرة التالية بين الإمام و أبي حنيفة: روى أبو نعيم بسنده عن عمرو بن عبيد: دخلت على جعفر بن محمد أنا و ابن أبي ليلى و أبو حنيفة، فقال لابن أبي ليلى: من هذا معك؟ قال: هذا رجل له بصر و نفاذ في أمر الدين، قال: «لعلّه يقيس أمر الدين برأيه» إلى أن قال: «يا نعمان، حدثني أبي عن جدّي أنّ رسول اللّه (صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم) قال: أوّل من قاس أمر الدين برأيه إبليس، قال اللّه تعالى له: اسجد لآدم، فقال: أنا خير منه خلقتني من نار و خلقته من طين، فمن قاس الدين برأيه قرنه اللّه تعالى يوم القيامة بإبليس، لأنّه اتّبعه بالقياس». (1)

____________

(1). حلية الأولياء: 3/ 197.

37

فالقياس في هذه الرواية منصرف إلى هذا المصطلح؛ لأنّ إبليس تمرّد على الأمر بالسجود، لأنّه على خلاف قياسه، لتخيّله أنّ الأمر بالسجود يقتضي أن يبتني على أساس التفاضل العنصري، و لأجل هذا خطّأ الحكم الشرعي؛ لاعتقاده بأنّه أفضل في عنصره من آدم؛ لكونه مخلوقاً من نار و هو مخلوق من طين.

و على هذا الاصطلاح يبتني ما رواه أبان بقوله:

قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): ما تقول في رجل قطع إصبعاً من أصابع امرأة، كم فيها؟ قال: «عشرة من الإبل»، قلت: قطع اثنين؟ قال: «عشرون»، قلت: قطع ثلاثاً؟ قال: «ثلاثون»، قلت: قطع أربعاً؟ قال: عشرون».

قلت: سبحان اللّه! يقطع ثلاثاً فيكون عليه ثلاثون، و يقطع أربعاً فيكون عليه عشرون؟! إنّ هذا كان يبلغنا و نحن بالعراق فنبرأ ممّن قاله، و نقول: الّذي جاء به الشيطان، فقال (عليه السلام): «مهلًا يا أبان! هذا حكم رسول اللّه (صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم) انّ المرأة تعاقل الرجل إلى ثُلث الدية، فإذا بلغت الثلث رجعت المرأة إلى النصف، يا أبان إنّك أخذتني بالقياس، و السنّة إذا قيست محق الدين». (1)

إنّما صار أبان إلى تخطئة الخبر الّذي وصل إليه حتّى نسبه إلى الشيطان، لأجل أنّه وجده خلاف ما حصّله و أصّله، و هو انّه كلّما ازدادت الأصابع المقطوعة تزداد الدية، فلمّا سمع قوله «قطع أربعاً، قال: عشرون» قامت سورته، إذ وجده مخالفاً للأصل الأصيل عنده، فردعه الإمام بأنّ هذا هو حكم رسول اللّه (صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم) و انّ استنكارك قائم على الأخذ بالقياس، و السنّة إذا قيست محق الدين، و تصحيح الأحكام و تخطئتها حسب الموازين المتخيّلة سبب لمحق الدين، و أنّى للعقول أن تصل إليها؟

____________

(1). الوسائل: 18، الباب 44 من أبواب ديات الأعضاء، الحديث 1.

38

هذا أحد المصطلحين في القياس، و قد صار هذا الاصطلاح مهجوراً في العصور المتأخرة، و الرائج هو الاصطلاح التالي:

استنباط حكم واقعة- لم يرد فيها نصّ- من حكم واقعة ورد فيها نصّ؛ لتساويهما في علّة الحكم و مناطه و ملاكه، و هو دليل ظنّي خارج عن نطاق البحث، فافهم و اغتنم.

التنصيص بالعلّة ليس من تنقيح المناط و لا تخريجه‏

قد علمت أنّ تنقيح المناط غير تخريجه و أنّ الأوّل من المداليل العرفية دون الثاني، و مع ذلك هنا قسم آخر خارج عن كلا القسمين، و إليك البيان:

إذا كان مناط الحكم و ملاكه مذكوراً في نفس الدليل على نحو يعلم منه أنّه تمام علّة الحكم لا حكمته.

فاستكشاف أحكام سائر الموارد عن طريق هذه العلّة من المداليل اللفظية، مثلًا إذا قال: الخمر حرام لأنّه مسكر، فإلحاق غير الخمر من سائر المسكرات، به ليس عملًا بالقياس المصطلح، بل عمل بالسنّة الشريفة و الضابطة الّتي أدلى بها الشارع.

و في الحقيقة إذا كان استخراج الحكم غير متوقّف إلّا على فهم النص بلا حاجة إلى اجتهاد، فهو عمل بالظاهر، بخلاف ما إذا كان متوقّفاً وراء فهم النص على بذل جهد، و الوقوف على المناط، ثمّ التسوية، ثمّ الحكم، قال سبحانه: (فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ‏) (1)، فلا نحتاج في حكم الخير الكثير إلّا إلى فهم مدلول الآية.

____________

(1). الزلزلة: 7.

39

و لنذكر مثالًا من طريقنا:

روى محمد بن إسماعيل بن بزيع، عن الإمام الرضا (عليه السلام)، أنّه قال: «ماء البئر واسع لا يفسده شي‏ء، إلّا أن يتغيّر ريحه أو طعمه فيُنزح حتّى يذهب الريح و يطيب طعمه، لأنّ له مادة». (1)

فإنّ قوله: «لأنّ له مادة» بما أنّه تعليل لقوله: «لا يفسده شي‏ء» يكون حجّة في غير ماء البئر أيضاً، فيشمل التعليل بعمومه، ماءَ البئر، و ماء الحمام و العيون و صنبور الخزّان و غيرها، فلا ينجس الماء إذا كان له مادة، فالعمل عندئذ بظاهر السنّة و لا صلة له بتنقيح المناط و تخريجه، فليس هناك أصل و لا فرع و لا انتقال من حكم الأصل إلى الفرع، بل موضوع الحكم هو العلّة و الفروع بأجمعها داخلة تحته.

و في ضوء ما ذكرنا، يكون العمل بالملاك المنصوص، عملًا بظاهر السنّة لا بالقياس، و أمّا المجتهد فعمله تطبيق الضابطة- الّتي أعطاها الشارع- على جميع الموارد دفعة واحدة، فليس هناك أصل و لا فرع و لا انتقال من حكم الأصل إلى الفرع، بل موضوع الحكم هو العلّة و الفروع بأجمعها داخلة تحته، كما أنّه ليس من مقولة تنقيح المناط و تخريجه.

أولوية الحكم في الفرع‏

إذا كان ثبوت الحكم في الفرع أولى من ثبوته في الأصل؛ لقوة العلّة المفهومة فيه بطريق النص، فهو حجّة على الإطلاق، و هو أيضاً عمل بالنص لا بالقياس، كما أنّه ليس من مقولة تنقيح المناط و تخريجه، و على فرض كونه‏

____________

(1). وسائل الشيعة: 1، الباب 14 من أبواب الماء المطلق، الحديث 6.

40

قياساً فهو حجّة عند الجميع، نظير الاحتجاج بقوله سبحانه: (فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍ‏) (1) على تحريم الضرب، و لا شكّ في وجوب الأخذ بهذا الحكم، لأنّه مدلول عرفي يقف عليه كل من تدبّر الآية.

____________

(1). الإسراء: 23.

41

5

في مجال درك مصالح الأفعال و مفاسدها

إنّ الأحكام الشرعية عند الإمامية تابعة للمصالح و المفاسد، فلا واجب إلّا لمصلحة في فعله، و لا حرام إلّا لمفسدة في اقترافه، و التشريع الإلهي منزّه عن التشريع بلا ملاك، و نصوص الكتاب و السنّة يشهدان على ذلك:

إنّه سبحانه يُعلّل وجوب الاجتناب عن الخمر و الميسر بأنّ اقترافهما يورث العداوة و البغضاء و الصدّ عن ذكر اللّه عموماً و الصلاة خصوصاً، يقول عزّ و جلّ: (إِنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَداوَةَ وَ الْبَغْضاءَ فِي الْخَمْرِ وَ الْمَيْسِرِ وَ يَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَ عَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ‏). (1)

كما أنّه يعلّل وجوب الصلاة بأنّها تنهى عن الفحشاء و المنكر، يقول سبحانه: (وَ أَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى‏ عَنِ الْفَحْشاءِ وَ الْمُنْكَرِ) (2)، إلى غير ذلك من الآيات الّتي تشير إلى ملاكات التشريع في الذكر الحكيم.

و كذلك الروايات فقد أكد الإمام علي بن موسى الرضا (عليه السلام) في بعض كلماته‏

____________

(1). المائدة: 91.

(2). العنكبوت: 45.

42

ذلك، فقال: «إنّ اللّه تبارك و تعالى لم يبح أكلًا و لا شرباً إلّا لما فيه المنفعة و الصلاح، و لم يُحرِّم إلّا ما فيه الضرر و التلف و الفساد». (1)

و قال (عليه السلام) في وجه حرمة الدم: «إنّه يسي‏ء الخلق، و يورث القسوة للقلب، و قلّة الرأفة و الرحمة، و لا يؤمن أن يقتل ولده و والده». (2)

و قال أبو جعفر الباقر (عليه السلام): «إنّ مُدْمِن الخمر كعابد الوثن، و يورث الارتعاش، و يهدم مروّته، و يحمل على التجسّر على المحارم من سفك الدماء و ركوب الزنا». (3)

هذا من حيث الثبوت ممّا لا شكّ فيه.

إنّما الكلام في إمكان وقوف الفقيه على مصالح الأحكام و مفاسدها التي تدور عليها الأحكام إذا لم يرد فيها نصّ صحيح، فالحقّ هو التفصيل بين ما اتّفق العقلاء على وجود المصلحة أو المفسدة في الموضوع، و ما إذا لم يكن هناك اتّفاق من عامّة العقلاء، بل انفرد فيه فقيه واحد، و إليك البيان:

إذا كان إدراك المصلحة إدراكاً عامّاً يتّفق فيه العقلاء، كوجود المفسدة في استعمال المخدّرات، و المصلحة في استعمال اللقاح لصيانة الطفل عن الجُدْري و الحصبة حيث أصبح العقلاء متفقين على وجود المفسدة و المصلحة الملزمة، في ذلك فلا مانع من أن يتّخذ ما أدركه العقل من المصالح و المفاسد ملاكاً لكشف حكم الشرع، و أمّا إذا لم يكن كذلك، بل أدرك فقيه واحد أو فقيهان وجود المصلحة في إنشاء حكم، فهل يصحّ لهما إنشاء حكم وفق ما أدركاه، ينسبونه إلى الشريعة الإسلاميّة؟ فالجواب هو النفي، إذ من أين للعقل، القطع بأنّ ما تصوّره‏

____________

(1). مستدرك الوسائل: 3/ 71.

(2). بحار الأنوار: 62/ 165، ح 3.

(3). بحار الأنوار: 62/ 164، ح 2.

43

علّة، هو علّة تامّة يدور الحكم مدارها، إذ يحتمل أن يكون هناك مانع من حكم الشرع على وفق ما أدركه العقل.

يقول المحقّق الأصفهاني: إنّ مصالح الأحكام الشرعية المولوية التي هي ملاكات تلك الأحكام و مناطاتها، لا تدخل تحت ضابطة، وعليه لا سبيل للعقل بما هو إليها. (1)

و الحاصل: أنّه لا يصحّ للفقيه أن يتّخذ ما أدركه من المصالح و المفاسد ذريعة لاستكشاف الحكم الشرعي من الوجوب و الحرمة حتّى يكون من مصادر التشريع.

أضف إلى ذلك أنّ المصالح و المفاسد لمّا لم تكن على وزان واحد، بل ربّ واجب يسوغ في طريق إحرازه اقتراف بعض المحرمات، لاشتماله على مصلحة كثيرة لا يجوز تركها بحال، كإنقاذ الإنسان المتوقّف على استطراق أرض الغير، بلا إذنه، و ربّ حرام ذي مفسدة كبيرة لا يجوز اقترافه و إن استلزم ترك الواجب أو الواجبات، فأنّى للعقل درك درجة المصلحة و المفسدة حتّى يكون مصدراً للتشريع و الحكم بالوجوب و الحرمة في عامة الحالات؟

إلى هنا تمّ بيان المجالات التي للعقل فيها دور في استكشاف الحكم الشرعي.

إذا عرفت ذلك فلندخل في مقالة الأخباريّين التي صارت سبباً للغور في هذا البحث.

____________

(1). نهاية الدراية: 2/ 130، الطبعة الحجريّة.

44

6

الحركة الأخبارية في مطلع القرن الحادي عشر

ظهرت الحركة الأخبارية في مطلع القرن الحادي عشر، و قد شطبت على العلوم العقلية بقلم عريض، و لم تر للعقل أي وزن و لا اعتبار في العلوم إلّا ما كانت مادته قريبةً من الحس، كالحساب و الهندسة و أمثال ذلك، و أمّا ما وراء ذلك فذهبت إلى أنّ العقل عاجز عن الإدراك الصحيح.

و قد رفع رايتها الشيخ محمد أمين بن محمد شريف الأسترآبادي الأخباري (المتوفّى عام 1033 ه-) و ألّف عند مجاورته للبلدين مكة المكرّمة و المدينة المنورة، كتابين في هذا المجال، و هما:

1. الفوائد المكية.

2. الفوائد المدنية.

و الأُسس التي قامت عليها المدرسة الأخبارية لا تعدو خمسة أُسس، و أمّا ما وراء ذلك فإنّما هو أُمور جزئية أو راجع إليها، و أمّا تلك الأُسس فهي عبارة عن:

45

1. عدم حجّية ظواهر الكتاب إلّا بعد ورود التفسير عن أئمّة أهل البيت (عليهم السلام)، لما ورد من الأحاديث الناهية عن تفسير القرآن بالرأي أوّلًا، و لطروّ مخصّصات و مقيّدات على عمومه و خصوصه ثانياً.

2. نفي حجّية حكم العقل في المسائل الأُصولية و عدم الملازمة بين حكم العقل و النقل، و انّ ما حكم به العقل حكم به الشرع، لا أساس له.

3. نفي حجّية الإجماع من دون فرق بين المحصّل و المنقول.

4. ادّعاء قطعية صدور كلّ ما ورد في الكتب الحديثية الأربعة من الروايات، لاهتمام أصحابها بتلك الروايات، فلا يحتاج الفقيه إلى دراسة أسنادها أو تقسيمها إلى الأقسام الأربعة المشهورة، كما قام به ابن طاووس و تبعه العلّامة.

5. التوقّف عن الحكم إذا لم يدل دليل من السنّة على حكم الموضوع، و الاحتياط في مقام العمل، مثلًا التدخين الذي كان موضوعاً جديداً آنذاك يُتوقف عن الحكم فيه و يراعى الاحتياط في مقام العمل بتركه.

ثمّ إنّ المحدّث الشيخ عبد اللّه بن الحاج صالح السماهيجي الذي هو أحد الأخباريين في القرن الثاني عشر، ألّف رسالة في المسائل الضرورية التي لا غنى عنها في مرحلتي الأُصول و الفروع، و قد ذكر في تلك الرسالة الفروق بين الأُصوليين و الأخباريين، فبلغت الأربعين. (1)

و قد نقلها صاحب الروضات في ترجمة محمد أمين مؤسس الأخبارية. (2)

و كما قلنا: فإنّ الأُسس الفارقة المهمة هي ما ذكرنا، و إليك نقل بعض الفروق الأُخرى:

____________

(1). روضات الجنّات: 4/ 250.

(2). روضات الجنّات: 1/ 127.

46

قال:

1. إنّ الأدلّة عند الأُصوليّين أربعة: الكتاب و السنّة و الإجماع و دليل العقل، و لكنّها عند الأخباريين تختصر بالأوّلين، بل بعضهم يقتصر على الثاني.

2. الأُصوليون يجوزون العمل بالظنون في نفس الحكم الشرعي، و الأخباريون لا يعوّلون إلّا على العلم. إلّا أنّ العلم عندهم قطعي واقعي، و عادي و أصلي، و هما ما وصلا عن المعصوم، و لم يجز فيه الخطأ عادة.

3. الأُصوليون يقسّمون الأخبار إلى الأربعة المشهورة، و الأخباريون إلى صحيح و ضعيف.

4. الأُصوليون يفسّرون الأقسام الأربعة للحديث بما هو المعروف في علم الدراية، و الأخباريون يفسّرون الصحيح بالمحفوف بالقرائن التي توجب العلم بالصدور عن المعصوم، و الضعيف بما هو عار عن ذلك.

5. الأُصوليون يحصرون الناس في صنفين: مجتهد و مقلّد، و الأخباريون يقولون: إنّ الناس كلّهم مقلّدون للمعصوم و لا يجوز لهم الرجوع إلى المجتهد بغير حديث صحيح صريح.

إلى غير ذلك من الفروق.

و قبل الخوض في مقالة الأخباريين لا بدّ من الإشارة إلى بعض العوامل الّتي سبّبت ظهور هذه الفرقة؛ فإنّ تبيينها من أهمّ المسائل في الأدوار الفقهية التي تحتاج إلى دراسة مفصّلة حتّى تعكس الظروف التي نشأت فيها الفكرة.

و هناك فروض مختلفة نقلناها في «تاريخ الفقه الإسلامي و أدواره» (1)، و من أراد التفصيل فليرجع إليها.

____________

(1). تاريخ الفقه الإسلامي و أدواره: 386.

47

و الذي نظنّ أن يكون هو السبب الواقعي لظهور تلك الفرقة هو ما يلي:

سبب ظهور الفكر الأخباري‏

إنّ أصحاب الصادقين (عليهما السلام) و من بعدهم كانوا على قسمين، فقد كانوا بين مُكب على جمع الأخبار و قراءتها و تصحيحها و جمعها في أصل أو كتاب دون أن يستنطقوا العقل في المعارف و المسائل العقليّة و الأُصوليّة، و بين آخذ بالنقل و العقل معاً، و نذكر من القسم الثاني: زرارة بن أعين، و يونس بن عبد الرحمن، و الفضل بن شاذان، و غيرهم، و كان الأكثر على الخط الأوّل، و قد استمرّ الخطّان إلى عصر الغيبة، فابن الجنيد و ابن أبي عقيل و من تلاهم إلى عصر الشيخ المفيد و تلميذيه المرتضى و الطوسي كانوا على خط الجمع بين العقل و النقل، و عند التعارض كانوا يقدّمون العقل القطعي على النقل الظنّي.

و قد امتد الخط الأوّل إلى القرن الخامس، و بعده انحسر أمام ازدهار الخط الثاني و كانت القوة للمنهج الثاني إلى القرن العاشر.

و بهذا يُعلم المراد من «الأخباري» في لسان العلّامة و من قبله؛ و هو الخبير بالأخبار و المدوّن و الناشر لها، دون أن يكون هناك منهج باسم الأخبارية أمامَ منهج الآخرين، نعم كان للطائفة الأُولى عقائد خاصة في بعض المسائل اعتمدوا فيها على بعض الروايات، فنقلها الصدوق في كتاب العقائد و نقدها الشيخ المفيد في كتاب تصحيح العقائد.

إنّ الأمين الاسترآبادي تصور أنّ الخط الأوّل كان منهجاً منسجماً تام الأركان في عصر الأئمة و بعدهم، و لكن غلب عليهم عصر الاجتهاد و صار الأمين بصدد إحيائه و بسطه، و أسماه بالأخبارية، و ألقى فكرة الإحياء بصورة البرهان و نقد أُسس‏

48

الأُصوليين، ثمّ إنّه تكاملت الفكرة الأخبارية بعد عصر الأمين بيد تلاميذ منهجه إلى أن عاد منهجاً متكاملًا يفارق الأُصوليين في أربعين مسألة أو بضع أُصول.

و مما نلفت إليه النظر أنّ الأمين مؤسس هذا المنهج ممّن يؤكّد على الحس و العلوم الّتي تكون مبادئُها قريبة من الحس، و يندِّد بالعلوم النظرية الّتي تكون مبادئُها بعيدة عنه، قائلًا: إنّ العلوم النظرية قسمان:

قسم ينتهي إلى مادّة قريبة من الإحساس، و من هذا القسم علم الهندسة و الحساب و أكثر أبواب المنطق، و هذا القسم لا يقع فيه الخلاف بين العلماء و الخطأ في نتائج الأفكار، و السبب في ذلك أنّ الخطأ في الفكر إمّا من جهة الصورة، أو من جهة المادة، و الخطأ من جهة الصورة لا يقع من العلماء، لأنّ معرفة الصورة من الأُمور الواضحة عند الأذهان المستقيمة، و الخطأ من جهة المادة لا يتصوّر في هذه العلوم لقرب الموارد فيها إلى الإحساس.

و قسم ينتهي إلى مادة بعيدة عن الإحساس؛ و من هذا القسم الحكمة الإلهية و الطبيعية و علم الكلام و علم أُصول الفقه و المسائل النظرية و الفقهية و بعض القواعد المذكورة في كتب المنطق.

ثمّ استشهد بوقوع الاختلافات بين الفلاسفة. (1)

و العجب أنّ تلك الفكرة (الرجوع إلى الحس و الانكباب عليه) و الابتعاد عن النقل و النظر بدأت في الغرب قريباً من عصر الأمين، حيث رفع رايتها علماء تجريبيون، نظير ديكارت (1596- 1650 م)، و من البعيد أن يكون هناك صلة بين الفريقين.

إذا عرفت ذلك فلنرجع إلى توضيح مقالة الأخباريّين حول منع العمل‏

____________

(1). الفوائد المدنية: 130.

49

بالحكم المستنبط من غير الكتاب و السنّة و هي تحتمل أحد أمرين:

الأوّل: إنّهم يرفضون العمل بالمستنبط من غير المصدرين، لأجل أنّه لا يفيد القطع بالحكم، و أنّه لا يخرج عن دائرة الظن، و هذا يرجع إلى منع الصغرى.

الثاني: إنّهم يرفضون العمل بغيرهما و إن أفاد القطع بالحكم، و ذلك لعدم الملازمة بين حكم العقل و الشرع، و الظاهر من بعض كلمات المحدّث الاسترآبادي أنّه كان يركّز على منع الصغرى و هو منع إفادة القطع حيث يقول في كتابه:

الفصل الأوّل في إبطال التمسّك بالاستنباطات الظنيّة في نفس أحكامه تعالى، و يقول أيضاً في ذيل هذا الفصل: كلّ من قال بجواز التمسّك بالاستنباطات الظنية في نفس أحكامه تعالى من محقّقي العامة و جمع من متأخري أصحابنا الخاصة اعترف بانحصار دليل جوازه بالإجماع. (1)

إلى غير ذلك من العبارات الّتي يجدها السابر لكتابه الدالّة على أنّه بصدد منع الصغرى.

و مع ذلك فاحتمال كون النزاع كبرويّاً و هو عدم حجّية القطع الحاصل من غير الكتاب و السنّة باق بحاله، و ذلك لأجل نفي الملازمة بين الحكمين: العقلي و الشرعي.

لو افترضنا أنّ النزاع كبروي- أي في حجية القطع الحاصل من الأدلّة العقلية- فيقع الكلام في مقام الثبوت و الإثبات.

و المراد من الثبوت: إمكان النهي عن العمل به.

و المراد من مقام الإثبات: ورود النهي عنه شرعاً، بعد ثبوت الإمكان.

و إليك الكلام في كلا المقامين:

____________

(1). الفوائد المدنية: 90، الطبعة الحجرية.

50

المقام الأوّل: إمكان النهي عن العمل بالقطع‏

يظهر من بعض كلمات الشيخ الأعظم، امتناع النهي عن العمل بالقطع الحاصل من غير الكتاب و السنّة، لأنّه يعدّ تناقضاً في نظر القاطع مطلقاً، و في الواقع عند الإصابة.

لكن الحق جواز المنع عن العمل بالقطع الحاصل من غيرهما، لأنّ للشارع التصرّف في موضوع إطاعته و امتثاله، بأن يطلب إطاعة الأحكام الّتي وصل إليها المكلّف عن طريق الكتاب و السنّة، فإنّ لزوم الإطاعة و إن كان عقلياً، لكن تحديد موضوعها سعة و ضيقاً بيد الشارع، فله أن يحدّد الموضوع و يخصّها بالأحكام المستنبطة من طريقيهما لا من الطرق الأُخرى.

هذا هو الوجه الذي اعتمدنا عليه، و لكن ذهب المحقّق النائيني إلى جواز التقييد بوجه آخر و هو قاعدة «نتيجة الإطلاق و التقييد» التي استفاد منها في غير مورد و منها: إمكان تخصيص الأحكام بالعالمين بالبيان التالي، و حاصله: إنّ العلم بالحكم لمّا كان من الانقسامات اللاحقة للحكم، فلا يمكن فيه التقييد؛ لاستلزامه الدور، و إذا امتنع التقييد امتنع الإطلاق أيضاً، لأنّ التقابل بين الإطلاق و التقييد تقابل العدم و الملكة.

و من جانب آخر: أنّ الإهمال الثبوتي لا يعقل، بل لا بدّ إمّا من نتيجة الإطلاق أو من نتيجة التقييد، فإنّ الملاك الّذي اقتضى تشريع الحكم إمّا أن يكون محفوظاً في كلتا حالتي الجهل و العلم، فلا بدّ من نتيجة الإطلاق، و إمّا أن يكون محفوظاً في حالة العلم فقط، فلا بدّ من نتيجة التقييد، و حيث لم يمكن أن يكون الجعل الأوّلي متكفّلًا لبيان ذلك، فلا بدّ من جعل آخر يستفاد منه نتيجة الإطلاق و التقييد و هو المصطلح عليه ب- (متمّم الجعل)، فاستكشاف كلّ من‏

51

نتيجة الإطلاق و التقييد يكون من دليل آخر، و قد ادّعى تواتر الأدلّة على اشتراك الأحكام بين العالم و الجاهل، و أنّ الحكم مطلق في حقّ العالم و الجاهل، و لكن تلك الأدلّة قابلة للتخصيص، و قد خصّص في غير مورد، كما في مورد الجهر و الإخفات و القصر و الإتمام. (1)

و من هذه الموارد توجيه مقالة الأخباريين بأن يقال: إنّ الأحكام الواقعية قيّدت بنتيجة التقييد، و هي إنّ الأحكام الشرعية، إنّما تجب إطاعتها إذا وصلت إلى المكلّف عن طريق الكتاب و السنّة.

و يلاحظ عليه أوّلًا: بأنّ تقابل الإطلاق و التقييد اللحاظيّين تقابل الضدّين؛ لفرض قيامهما بلحاظ السعة و الضيق، فكيف يكون تقابلهما تقابل العدم و الملكة؟

و ثانياً: سلّمنا أنّ التقابل بينهما تقابل العدم و الملكة، و لكن لا يصحّ ما رتب عليه، و هو أنّه إذا لم يصحّ تقييد الحكم بالعلم به يمتنع إطلاقه بالنسبة إلى العالم و الجاهل به، و ذلك لأنّ امتناع التقييد لأجل استلزامه الدور، و هو مختص بصورة التقييد بالعالم، فلا مانع من إطلاقه بالنسبة إلى كلتا الحالتين، فلا يلزم من امتناع التقييد امتناع الإطلاق.

و ثالثاً: أنّ المحذور- على فرض قبوله- إنّما هو في الإطلاق اللحاظي، بأن يلاحظ المكلّف في حالتي العلم و الجهل بالحكم، لا في الإطلاق الذاتي، و هو كون الطبيعة متعلّقة للحكم، أو كون ذات البالغ العاقل موضوعاً للحكم، و هذا متحقّق في كلتا الحالتين؛ سواء أ كان هناك علم بالحكم أم لا.

فالمحذور المتصوّر في باب الإطلاق اللحاظي غير جار في الإطلاق الذاتي فلا وجه لعدّهما من باب واحد.

____________

(1). فوائد الأُصول: 3/ 12.

52

هذا كلّه حول الثبوت، و قد عرفت إمكان المنع عن العمل بالقطع الحاصل من غير الكتاب و السنّة. بقي الكلام في المقام الثاني:

المقام الثاني: في ورود المنع عن العمل أو عدمه‏

ذهبت الأخبارية إلى ورود المنع عن العمل بالقطع الحاصل من غير الكتاب و السنّة، و قد استدلّوا بطوائف ثلاث من الروايات سيوافيك الكلام فيها.

و ربّما يستدلّ لهم بالدليل العقليّ و لنقدّم هذا القسم على الأدلّة النقلية.

[الأدلة العقلة على ورود المنع عن العمل بالقطع‏]

الأوّل: احتمال سعة مناط الحكم عند العقل‏

إنّ العقل و إن كان يدرك الجهات المحسّنة و المقبّحة، إلّا أنّه من الممكن أن تكون لتلك الجهات موانع و مزاحمات في الواقع و في نظر الشارع، و لم يصل العقل إليها؛ إذ ليس من شأن العقل، الإحاطة بالواقع. (1)

يلاحظ عليه: أنّ ما ذكره خلاف المفروض، لأنّ الكلام فيما إذا حكم العقل بحكم قطعي على موضوع بما هو هو، كقبح الظلم و خيانة الأمانة، أو كقبح ترجيح المهم على الأهمّ، و عندئذ لا يحتمل أن يكون للحكم مانع في الواقع أو شرط عند الشارع، فما ذكره خارج عن محط البحث.

نعم لو احتمل العقل أحد هذه الأُمور لم يحكم بحكم باتّ.

الثاني: جواز خلو الواقعة من الحكم‏

يجوز أن لا يكون للشارع فيما حكم فيه العقل بالوجوب أو الحرمة، حكم‏

____________

(1). فوائد الأُصول: 3/ 60 ناقلًا عن كتاب الفصول.