رسالة في البحث عن الترتب‏

- محمد حسين الحاج العاملي المزيد...
104 /
5

تقريظ شيخنا الاستاذ حفظه المولى تعالى‏

بسم اللّه الرحمن الرحيم‏

الحمد للّه الذي علّم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلّم، و الصلاة و السلام على حبيبه و سفيره، أبي القاسم «محمد» هادي الأمم و عترته الطاهرة الذين ساروا على هداه، و اقتفوا أثره، صلاة دائمة ما كر الجديدان.

أما بعد:

فان الولد الأعز الفاضل ذا النظر الثاقب العلامة حجة الإسلام الشيخ محمد حسين الحاج العاملي «(حفظه اللّه)» ممن يشار إليه بالبنان بين الأماثل و الأقران، و هو ممن حضر بحوثي و كتب من محاضراتي شيئا كثيرا شكر اللّه مساعيه.

و قد استل مما كتب، رسالة موجزة محققة تحتوي على تحليل مسألة مهمة من مسائل أصول الفقه التي لها دور بارز في الفروع الفقهية، ألا و هي مسألة «الترتب»، التي تضاربت فيها أقوال العلماء و افكار الفضلاء.

6

و قد استخرج دام علاه مما كتب من محاضراتي هذه الرسالة التي تزفّها يد الطبع إلى القراء، و قد عرضها عليّ فوجدتها موافقة لما قررناه، و مطابقة لما حققناه، و املي فيه و في اقرانه ذوي المواهب الفكرية أن يكونوا في المستقبل من المحققين العظام، و مراجع الأحكام باذنه سبحانه و تعالى.

حرره عبده جعفر السبحاني عفى عنه 15 ذو الحجة 1416 قم المقدسة

7

مقدمة المؤلف‏

بسم اللّه الرحمن الرحيم‏

الحمد للّه المتجلي لعباده من افق الألباب، المجلي عن مراده بمنطق السنة و الكتاب، و رازق العلم لمن يشاء، و الصلاة و السلام على أشرف الخلق و الأولياء، معلم العلماء و الصلحاء النبي الأمي محمد بن عبد اللّه، و على آل بيته النجباء الميامين، و اللعنة على أعدائهم أجمعين إلى قيام يوم الدين.

أما بعد:

فإن أصول الفقه علم يتوقف عليه استنباط الأحكام من ادلتها الشرعية، و قد خاض في بحوره جهابذة العلماء من القدامى و الجدد، فألفوا فيها كتبا، و موسوعات و رسائل، لكل مكانتها و تأثيرها في ظروفها.

و إن من نعم اللّه تعالى عليّ، أن كان لي شرف الحضور في مجالس جهابذة العلم و فحول التحقيق في الفقه و الأصول، و كان من بينهم سماحة شيخنا الاستاذ المحقق أية اللّه الشيخ جعفر السبحاني‏

8

«(حفظه اللّه)» فكتبت شيئا كثيرا من بحوثه و لما لم تشاء الظروف على نشر ما حرّرته و حبّرته، حاولت أن أقدم شيئا للنشر و هي هذه الرسالة حول مسألة «الترتب» لما لها من فروع و ثمرات فقهية كثيرة، و قد جرى في مضمارها فحول العلماء و المحققين، فاتوا بأفكار ابكار و دارسوها بين الدقة و التحقيق، فهذه الرسالة مشتملة لما ذكره المحققون و لما أفاده شيخنا الاستاذ من تحقيقات رشيقه و مباني دقيقه، فاشكر اللّه سبحانه على ما وفقني لهذه النعمة و ارجو منه سبحانه و تعالى أن يطيل عمر شيخنا لتربية الأجيال بمنه و كرمه.

و لما تم بحمد اللّه فطامها و ختامها عرضتها على شيخنا فقرأها بدقة و امعان و اجاز بنشرها جزاه اللّه عنا خيرا.

و في الختام: أسأل اللّه أن يستفيد من هذه الرسالة الدقيقة رواد الفضل و التحقيق و أن يعفو عن هفواتي، فإن الإنسان معرّض للخطإ «إلا من اصطفى».

محمد حسين الحاج العاملي قم المقدسة «عش آل محمد»

9

الفصل الأول: «المدخل»

10

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

11

تقديم:

مسألة: «أنّ الأمر بالشي‏ء يقتضي النهي عن ضده الخاص». من المسائل المعروفة في علم الأصول.

و حاصلها: انه إذا أمر المولى بشي‏ء، و كان هناك أمر وجودي يزاحم امتثال المأمور به، كان عليه النهي عنه، و إن كان ذاك الأمر الوجودي واجبا من الواجبات لكنه دونه منه ملاكا و مناطا.

و هذا المعنى يتجلى في الواجب المضيّق و الموسّع بوضوح، فلو كان عليه دين معجل، على وجه لا يرضى صاحبه بالتأخير و كان أداؤه مقدورا، و في هذه الحالة زالت الشمس و دخل وقت فريضة الظهر فبما أن الأول واجب مضيق، يجب عليه تقديمه على الواجب الموسع و لا يصح العكس. فلو قلنا بأن الأمر بالشي‏ء كاداء الدين، يقتضي النهي عن ضده يلزم كون إقامة الصلاة في هذه الحالة أمرا منهيا عنه، و بالتالي كونها باطله غير مجزئه.

و نظير الدين إزالة النجاسة عن المساجد و المشاهد، إذا زاحمها أداء الصلاة في وقتها الأول، فبما أن الأولى مضيقة، بخلاف أداء

12

الصلاة في أول وقتها يجب عليه تقديم الأولى على أداء الثانية.

و هذا ما يقال: من أن الأمر بالشي‏ء، كأداء الدين و إزالة النجاسة عن المساجد و المشاهد، يقتضي النهي عن الصلاة في أول وقتها (و إن كان الأمر في آخر الوقت على العكس) و تكون نتيجة النهي عن الصلاة بطلانها لو أتى بها.

و أما ما هو الدليل على هذه الملازمة، أي الملازمة بين وجوب الشي‏ء و النهي عن ضده الخاص، أو ما الدليل على أن مثل هذا النهي عن الضد يوجب الفساد؟ فهو موكول إلى مبحث الضد من مباحث الألفاظ من علم الأصول، و هناك جماعة أنكروا هذه الثمرة لكن بوجهين مختلفين:

الأول: إنكار أصل الملازمة بين الأمر بالشي‏ء و النهي عن ضده، و على فرض قبول الملازمة، انكار أن مثل النهي يستلزم الفساد و كلامهم و ادلتهم مذكورة في محله.

الثاني: ما ذكره شيخنا بهاء الدين العاملي «(قدس سره)» (953- 1030) من أن فساد العبادة كالصلاة عند الابتلاء بأداء الدين، لا يتوقف على تعلق النهي بها، بل لو لم نقل بهذا أيضا، فإن الصلاة باطلة، و ذلك لأجل عدم الأمر بها، مع الأمر بأداء الدين و إزالة النجاسة، حيث أن صحة العبادة تتوقف على الأمر بها. فالصلاة عند الابتلاء بالأهم، و إن لم تكن منهيا عنها- لا إنكار الملازمة- لكنه تمتنع أن يكون مامورا به لامتناع الأمر بالضدين، فتقع العبادة لا محالة فاسدة.

13

ثم ان جماعة حاولوا تصحيح الصلاة- مع إنكار الملازمة بين الأمر بالشي‏ء و النهي عن ضده- و ذلك إما عن طريق أن صحة العبادة لا تتوقف على الأمر بها، لكفاية الإتيان بها بما فيها في الملاك و المناط، أو تصحيح الأمر بها عن طريق الترتب، بأن تكون الصلاة مأمورا بها عند عصيان الأمر بالدين و الإزالة. و تبيين الوجه الثاني هو المقصود لنا في هذه الرسالة.

و هذه المسألة هي المعروفة بمسألة الترتب، أي تصوير الأمر بالضدين- أداء الدين، و الصلاة أو الإزالة و الصلاة- لكن مترتبا كل في طول الآخر لا في عرضه، و لها ثمرات فقهية نذكرها في ختام الرسالة.

و قبل الدخول في صلب الموضوع نقدم بحثا حول الفرق بين التزاحم و التعارض، الذي يليق أن يبحث عنه مستقلا، لما ان في الوقوف عليه تأثيرا في فهم واقع الترتب و إثبات احكامه فنقول:

***

14

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

15

في التعارض و التزاحم‏

ان «التزاحم» مقابل «التعارض» من اصطلاحات المتأخرين من الأصوليين، و ليس منه عين و اثر بين المتقدمين، و الحريّ أن يعقد فصل خاص لبيان هذا الأمر لما يترتب عليه من ثمرات فقهية، و لأجل ذلك نبحث عنه في المقام على وجه الايجاز و سيوافيك بعض الكلام في مبحث التعادل و الترجيح، و اشباع المقام يتوقف في البحث عن أمور:

الأول: الفرق بين التعارض و التزاحم:

إذا كان التنافي بين الدليلين راجعا إلى مقام الجعل و الانشاء، بأن يستحيل من المقنن الحكيم صدور حكمين أو جعلين حقيقين لغاية الامتثال و دعوة الناس اليهما، فهو التعارض و يعرف بالتنافي بين مدلول الدليلين في مقام الجعل و الانشاء، مثل انه يستحيل على الحكيم أن يحرّم بيع العذرة، و في الوقت نفسه أن يبحه فيقول: «ثمن العذرة سحت» «و لا بأس ببيع العذرة» إذ لا تنقدح الارادتان المتضادتان حسب المراد في لوح النفس على وجه الجدّ؛ فعند ذلك نعلم بكذب أحد الدليلين، و عدم صدور واحد منهما في مقام التشريع، اما بالذات كما

16

في المثال، و اما بالعرض كما إذا ورد الدليل على وجوب صلاة الظهر و الجمعة في يومها، و من المعلوم ان ايجاب الأمرين ليس بمستحيل، فليس بينهما تكاذب بالذات، لكن إذا وقفنا على أن الشارع لم يكتب يوم الجمعة إلا فريضة واحدة، فعند ذلك نقف على تكاذب الدليلين لكن بالعرض هذا كله حول التعارض.

ثم ان التكاذب في مقام الجعل أعم من أن يكون هناك تناف في مقام الامتثال، كما إذا دل دليل على حرمة شي‏ء، و الآخر على وجوبه، و هذا ما يسمى بالتعارض بصورة التضاد أولا كما إذا دل على وجوبه، و الآخر على عدمه، إذ الآتي به يمتثل كلا الحكمين و هذا ما يسمى بالتعارض بنحو التناقض، و على أي تقدير فالملاك في التعارض هو التنافي في المدلول من دون نظر إلى مقام الامتثال، عكس التزاحم، فان التنافي فيه مربوط إلى مقام الامتثال دون الجعل و الانشاء.

و أما التزاحم فالتنافي هناك لا يرجع إلى مقام الجعل، بل الحكمان في ذلك المقام متلائمان جدا غير أن عجز المكلّف عن الجمع بينهما في مقام الامتثال، جعلهما متنافيين مثلا: إذا قال المولى: انقذ اخاك. ثم قال: انقذ عمك، فلا اشكال في امكان جعل الحكمين و لاجل ذلك، لو ابتلى بكل من الموضوعين متعاقبا لا مجتمعا، كان عليه القيام بامتثالهما بلا اشكال.

و إنما يحصل التنافي إذا ابتلى بهما معا صدفة فيكون امتثال واحد متزاحما بالآخر و مثله إذا قال المولى: ازل النجاسة عن المسجد، ثم قال: أقم الصلاة لدلوك الشمس. فربما يبتلى المكلف بأحدهما دون‏

17

الآخر فلا يتصور التزاحم، و اخرى يبتلى بكليهما فيكون بينهما تناف لكنه يستند إلى عجز المكلف، و مثله إذا قال: صل و لا تغصب فلا شك أن الجعلين معقولان و ان المكلف ربما يبتلى باحدهما دون الأخر و لكن يحصل التنافي صدفة إذا جمع المكلف بينهما.

و من هنا يعلم، ان التعارض بين الدليلين حقيقي و مطلق في حق جميع المكلفين، كما في مثال حرمة بيع العذرة و جواز بيعها، و هذا بخلاف التزاحم، فإنه ليس أمرا مطلقا، و إلا يرجع إلى باب التعارض، بل التزاحم أمر نسبي حتى في حق المكلّف الواحد لكن في الحالتين.

فربما يبتلى فيحصل التزاحم، و ربما لا يبتلى فلا يتحقق، و مثله تصويره بالنسبة إلى المكلفين فربما تكون القدرة لشخص واسعة فتجمع بين المتزاحمين من غير عجز و ربما تكون القدرة ضيقة و لا يستطيع إلّا بامتثال احدهما.

الثاني: في الفرق بين المقام و باب الاجتماع و التعارض:

قد تعرفت أن الفرق الجوهري بين التعارض و التزاحم، هو رجوع التنافي في الأول إلى مقام الجعل و الانشاء، امكن الامتثال أو لم يمكن و رجوعه في الثاني إلى مقام الامتثال و تصور قدرة المكلف من دون تنافي في مقام الجعل، و بالجملة يركّز في المسألة الاولى على التنافي في مقام الجعل من دون نظر إلى مقام الامتثال، و في الثانية على مقام الامتثال من دون نظر إلى مقام الجعل.

نعم إن هنا مسألة أخرى لا تمت إلى باب التزاحم و التعارض‏

18

بصلة و هي أن الاصوليين يبحثون عن العنوانين اللذين بينهما من النسب هي العموم و الخصوص من وجه في مقامين.

تارة مباحث الالفاظ في باب النواهي باسم مسألة اجتماع الأمر و النهي، و يمثلون له ب «صل» «و لا تغضب» و يبحثون عن اجتماع الأمر و النهي في شي‏ء واحد بعنوانين، و بالتالي يبحثون عن حكم الصلاة في الدار المغصوبة، و اخرى في باب التعادل و الترجيح، و يفترضون روايتين بينهما من النسب عموم و خصوص من وجه حكم عليهما بحكمين مختلفين نظير ما إذا قال المولى: أكرم العلماء- و قال: لا تكرم الفساق فلو كان هنا عالم فاسق فهل هو واجب الاكرام أو محرّمة.

و عندئذ يطرح السؤال نفسه، و هو أنه لما ذا يبحث عن شي‏ء واحد في مقامين؟ ...

و الجواب ... إذا كان ملاك كل من العنوانين موجودا عند التصادق ثبوتا، و محرزا إثباتا فهو من مصاديق ما يبحث عنه في باب اجتماع الأمر و النهي، كالغصب و الصلاة. و ان لم يكن الملاك موجودا في واحد منهما، أو كليهما ثبوتا و محرزا إثباتا فهو من مصاديق ما يبحث عنه في باب التعادل و الترجيح.

و من المشايخ من كان يعطف ما يبحث عنه في باب اجتماع الأمر و النهي، على باب التزاحم، و ما يبحث عنه في باب التعادل و الترجيح على التعارض، و لكنه تكلّف واضح، لعدم وجود الضابطة المذكورة للتزاحم في مسألة اجتماع الأمر و النهي، إذ ليس ملاك التزاحم، وجود الملاك في كل من العنوانين، بل وجود التنافي في مقام الامتثال، و ليس‏

19

امتثال الأمر و النهي في باب الاجتماع كذلك، إذ من وسع المكلف أن يصلي في الأرض غير المغصوبة و سيوافيك في محله. ان وجود المندوحة و ان لم تكن شرطا في جوهر المسألة (اجتماع الأمر و النهي) لكنه شرط في فعلية النهي، إذ لولاها لزم التكليف بالمحال كما هو واضح.

و بذلك تظهر لك حقيقة ما رامه المحقق الخراساني «(قدس سره)» في باب اجتماع الأمر و النهي، في الأمر الثامن و التاسع من الأمور التي ذكرها ايضاحا للمقصود.

فتلخص مما ذكرنا؛ ان هنا مسألتين: احداهما باسم التزاحم و التعارض، و قد عرفت ملاكه؛ و مسألة اخرى باسم باب الاجتماع و التعارض و موردهما ما إذا كان هناك عنوانان منطبقان على مصداق واحد، فتارة يبحث عنه في باب اجتماع الأمر و النهي، و اخرى في باب التعارض، و من حاول اقحام باب اجتماع الأمر و النهي بباب التزاحم فقد نقض ضابطته و اخترع من عند نفسه ضابطة غير تامة.

الثالث: في اختلاف المتزاحمين و المتعارضين في المرجحات:

ان رفع التنافي بين الدليلين، سواء كان من باب التعارض أو التزاحم، بمرجحات مذكورة في كتب المتأخرين نشير إليها:

أما التعارض فبما أن التنافي هناك في مقام الجعل و الانشاء، فتمييز الصادق عن الكاذب يتوقف على مرجحات سمعية ذكرها الشارع لذلك الغرض، و لا سبيل للعقل إليها. فلما دل الدليل على عدم سقوط

20

المتعارضين في مقام الحجية، فالمرجّح عندنا بعد الإمعان في روايات الباب منحصر بمخالفة العامة فقط. و اما سائر المرجّحات فهي من باب تمييز الحجة عن اللاحجة لموافقة الكتاب و السنّة، أو موافقة المشهور و مخالفتها.

و قد بسطنا الكلام في ذلك في مبحث التعادل و الترجيح.

و أما مرجحات باب التزاحم فهي مرجحات يستقل بها العقل، فالجميع يرجع إلى مرجح واحد و هو تقديم الأهم لدى الشارع على المهم، و لهذا التقديم صور نشير إليها عن قريب.

الرابع: ما هو منشأ التزاحم:

قد ذكر المحققون للتزاحم مناشئ نشير إلى بعضها:

1- أن يكون مخالفة أحد الحكمين مقدمة لامتثال الآخر كما إذا توقف انقاذ الغريق على التصرف في ارض الغير.

2- وقوع التضاد بين متعلقى الحكمين من باب التصادف، كما إذا زاحمت ازالة النجاسة عن المسجد إقامة الصلاة فيه، و بعبارة أخرى، وقعت المزاحمة بين الواجب المضيق و الواجب الموسع.

3- أن يكون أحد المتعلقين في الوجوب متقدما على الأخر كالقيام في الركعة الأولى و الثانية مع عدم قدرته إلا عليه في ركعة واحدة، أو كالقيام في الصلاتين: الظهر و العصر، مع عدم استطاعته إلا على القيام في واحد منهما.

21

و مثله إذا أدار أمره بين الصلاة قائما في مخبإ بلا ركوع و سجود أو الصلاة معهما من دون قيام في مخبإ آخر.

إلى غير ذلك من الموارد:

و الأولى أن يقال: ان هنا منشأ واحدا، و هو عدم وجود القدرة للجمع بين التكليفين، و اما عدم القدرة فتارة يستند إلى كون مخالفة أحد التكليفين مقدمة لامتثال الأخرى أو وجود التضادين المتعلقين، و مثله عدم القدرة على القيام في الركعتين.

الخامس: في مرجحات باب التزاحم:

قد عرفت مرجحات باب التعارض امور سمعية يتوقف الوقوف عليها على الرجوع إلى النصوص، و قد عرفت أيضا أن مقتضى القاعدة هو سقوط المتعارضين عن الحجية، غير أن الشارع اضفى عليهما الحجية، اما مخيرا كما في صورة التساوي أو معينا كما في صورة الترجيح.

و أما مرجحات باب التزاحم و ليس له إلا مرجح واحد، أعني كون أحد الحكمين أقوى ملاكا من الآخر، فعندئذ يقع الكلام في بيان ما هي الضابطة لتمييز ما هو اقوى من غيره، و إليك نص الضوابط التي تعرّفك الأقوى ملاكا.

1- تقديم ما لا بدل له على ما له بدل:

إذا كان واجبان لأحدهما بدل شرعا دون الآخر، فالعقل يحكم‏

22

بتقديم الثاني على الأول جمعا بين الامتثالين، كالتزاحم الموجود بين رعاية الوقت و تحصيل الطهارة الحدثية بالماء، فبما أنّ الوقت فاقد للبدل بخلاف الطهارة الحدثية فإنّ له البدل كالتراب فتقدّم مصلحة الوقت على تحصيل مصلحة الطهارة الحدثية بالماء و يتيمم.

2- تقديم المضيّق على الموسّع:

إذا كان هناك تزاحم بين المضيّق الذي لا يرضى المولى بتأخيره، و الموسع الذي لا يفوّت بالاشتغال بالواجب المضيق إلا فضيلة الوقت، يحكم العقل بتقديم الأوّل، و لذلك تجب ازالة النجاسة أولا، ثم القيام إلى الصلاة ثانيا.

فإن قلت: إنّ مرجع المرجّح الثاني إلى المرجح الأول فانه من باب تقديم ما لا بدل له كالمضيّق على ما له بدل، كالموسع، إذ له ابدال طول الوقت.

قلت: لا مشاحة في الاصطلاح فيطلق الأول على ما يكون البدل في عرض ما لا بدل له كاجتماع الطهارة الحدثية الترابية مع الطهارة الخبثيه بالماء في صلاة واحدة بخلاف الثاني، فإنما يطلق على ما إذا كان ما له البدل في طول ما ليس له البدل كإزالة النجاسة في الوقت الأوّل و الصلاة في الوقت الثاني.

إذا كان هناك تزاحم بين امتثال الواجب التعييني كأداء الدين و امتثال الواجب التخييري ببعض اعداله كإطعام ستين مسكينا بحيث لا يتمكن من أداء الدين إذا صرفه في كفارة شهر رمضان عن طريق الطعام،

23

و هكذا العكس، فالعقل يحكم بأداء الدين، إذ ليس له بدل، و امتثال وجوب الكفارة عن طريق الصوم.

و اشكل المحقق الخوئي «(قدس سره الشريف) » على كون المثالين (وجوب ازالة النجاسة عن المسجد مع وجوب الصلاة، و وجوب اداء الدين مع وجوب اطعام ستين مسكينا) من باب التزاحم و حاصل كلامه يرجع إلى أمرين:

1- إنّ ملاك التزاحم عبارة عما لا يكون المكلّف متمكنا من امتثال الحكمين معا بحيث يكون امتثال أحدهما متوقفا على مخالفة الآخر، كإنقاذ الغريقين، و المثالان ليسا كذلك.

2- إنّ التزاحم عبارة عن وجود التنافي بين الواجبين في مقام الامتثال و ليس التنافي في مورد التعييني و التخييري كذلك، لأن اطعام ستين مسكينا ليس بواجب بل الواجب أحد الأمرين، أو الأمور، و لا مزاحمة بين التكليف بالكلّي (أحد الأمور) و الواجب التعييني كأداء الدين، و إنما المزاحمة بين فرد خاص منه و الواجب التعييني، و ليس هو الواجب إلا على قول سخيف في الواجب التخييري‏ (1).

يلاحظ على الرأي الأول: بما عرفت في صدر البحث من أن التزاحم أوسع ممّا ذكره.

و أما الثاني: فنمنع عن كون الواجب هو العنوان الانتزاعي عند العقل بل الواجب هو نفس الأمور الثلاثة، أعني: العتق و الاطعام‏

____________

(1) مصباح الأصول ج 3، ص 358.

24

و الصيام، غاية الأمر العقل ينتزع بعد تعلّق الأمر بالثلاثة، العنوان الانتزاعي و يكون الواجب هو احد الأمور لا أنّ هذا العنوان هو متعلق الوجوب، قال سبحانه: فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ* وَ ما أَدْراكَ مَا الْعَقَبَةُ فَكُّ رَقَبَةٍ* أَوْ إِطْعامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ* يَتِيماً ذا مَقْرَبَةٍ* أَوْ مِسْكِيناً ذا مَتْرَبَةٍ (1).

و أما تصوير الواجب التخييري فقد مرّ الكلام فيه في مورده.

3- سبق امتثال أحد الحكمين زمانا:

إذا كان أحد الواجبين سابقا في مقام الامتثال على الآخر زمانا، كما إذا وجب صوم يوم الخميس و الجمعة، و لا يقدر إلّا على صيام يوم واحد، و مثله إذا وجبت عليه صلاتان و لا يتمكن إلا من الاتيان بواحدة منهما قائما أو وجبت صلاة واحدة و لا يتمكن إلا من القيام في ركعة واحدة. ففي جميع هذه الصور يستقل العقل بتقديم ما يجب امتثاله سابقا على الآخر حتى يكون في ترك الواجب في الزمان الثاني معذورا إلا إذا كان الواجب المتأخر أهم في نظر المولى فيجب صرف القدرة في الثاني، و هو خارج عن الغرض، و بعبارة أخرى لو صام يوم الخميس أو صلّى الظهر قائما فقد ترك صوم الجمعة و القيام في صلاة العصر عن عذر و حجّة، بخلاف ما إذا أفطر يوم الخميس و صلى الظهر قاعدا فقد ترك الواجب بلا عذر.

____________

(1) سورة البلد، الآيات (11- 16).

25

4- تقديم الواجب المطلق على المشروط:

هذه هي مرجحات باب التزاحم ذكرناها اجمالا لتكون على بصيرة في هذا البحث، بقيت هنا مسألة لها مساس بالمقام، و هي المسألة التي طرحها السيّد الطباطبائي «(قدس سره)» في العروة الوثقى و قال:

إذا نذر قبل حصول الاستطاعة أن يزور الحسين (عليه السلام) في كل عرفة ثمّ حصلت لم يجب عليه الحج، بل و كذا لو نذر إن جاء مسافره أن يعطي للفقير كذا مقدارا فحصل له ما يكفيه لأحدهما، بعد حصول المعلّق عليه، بل و كذا إذا نذر قبل حصول الاستطاعة- أن يصرف مقدار مائة دينار مثلا في الزيارة أو التعزية أو نحو ذلك فإنّ هذا كلّه مانع عن تعلق وجوب الحج به- و كذا إذا كان عليه واجب مطلق فوري‏ (1).

أقول: نركّز البحث على الصورة الأولى من أقسام النذر و نترك البحث في الباقي إلى محلّه:

ربما يقال:- و عليه الأكثر- إنّ الوفاء بالنذر، يقدّم على الحج، لأن زيارة الحسين (عليه السلام) راجح في نفسه و هو كاف في انعقاد النذر، فإذا وجب الوفاء لا يصير مستطيعا شرعا، و يصبح عاجزا عن الاتيان بالحجّ فإن العجز الشرعي كالعجز العقلي في المنع عن الوجوب، فيكون مأمورا بالوفاء بالنذر و معذورا في ترك الحجّ.

____________

(1) السيد الطباطبائي اليزدي: العروة الوثقى: كتاب الحج فصل الاستطاعة، المسألة رقم (32).

26

و الحقّ، أن النذر باطلاقه لا ينعقد، فإذا قال: للّه عليّ أن ازور الحسين (عليه السلام) في كل عرفة، اما لا يكون له اطلاق بالنسبة إلى العام الذي تحصل له الاستطاعة للحج أو يكون، و الأول- مضافا إلى أنه غير صحيح لعدم صحّة إنكار الاطلاق- ينتج عكس المطلوب و يكون الحج مقدّما على النذر، و الثاني بما أنه مستلزم لترك الواجب- أعني: الحج- يكون باطلا، مثل ما إذا نذر شخص أن يقرأ القرآن من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس فإنه في حد نفسه راجح لكن بما أنه مستلزم لتفويت الواجب و هو صلاة الصبح، مرجوح و غير منعقد.

فان قلت: إذا نذر و هو غير مستطيع للحج، و ليست ذمته مشغولة بواجب ينعقد نذره و تكون ذمته مشغولة بوجوب الحضور يوم عرفه في مشهد الحسين (عليه السلام) و عند ذلك لا يجب عليه الحج إذا استطاع، لأنه انما يجب إذا كانت الذمة فارغة غير مشغولة بشي‏ء، و هذا نظير الدين المتقدم على الاستطاعة باشتغال الذمة بأدائه يمنع عن تعلق وجوب الحج بذمّته.

قلت: فرق بين اشتغال الذمة بمثل الدين، و اشتغال ذمته بمثل وجوب الوفاء بالنذر، فإن اداء الدين من الواجبات الأصلية التي أوجبها اللّه سبحانه، فإذا اشتغلت ذمة الإنسان به، صار فاقدا للاستطاعة المالية، أو زيارة الحسين (عليه السلام) فهي و إن كانت مستحبة في نفسها، لكنها إنما توصف بالاستحباب إذا لا تزاحم الحج، و اما وجوبها بالنذر و بالعرض، فهو مما أوجبه العبد على نفسه و امضاه الشارع و لكن الشارع لا يمضي إلا فيما إذا لم يستلزم ترك واجب أو الاتيان بمحرّم و يكون‏

27

عندئذ غير مشروع، و لأجل ذلك اشترطوا في صحة انعقاد النذر، كون العمل راجحا، و أي رجحان في الاتيان بمستحب يزاحم ترك الواجب و الاكتفاء بالرجحان في حد نفسه يرجع إلى انكار الاطلاق، و مع التحفظ عليه يجب أن يكون راجحا في تلك الحالة التي تزاحم الواجب، و معلوم أنّه ليس راجحا في تلك الحالة.

إذا وقفت على ما ذكرنا فلندخل في صلب الموضوع.

***

28

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

29

الفصل الثاني: «مباحث الترتب»

30

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

31

الترتب‏

بسم اللّه الرحمن الرحيم‏

الحمد للّه و الصلاة و السلام على محمد و آله الطاهرين‏

تمهيد:

إن ثمرة القول باقتضاء الأمر بالشي‏ء للنهي عن ضده الخاص تظهر في مقامين:

الأول: فيما إذا كان أحد الواجبين مضيّقا، و الآخر موسعا، كإزالة النجاسة عن المسجد، و الصلاة في الوقت الموسع.

الثاني: فيما إذا كانا مضيّقين، كالازالة و الصلاة في آخر الوقت، مع عدم وفاء القدرة إلّا بأحدهما لضيق الوقت.

ثم أنّا لو صحّحنا العبادة عن طريق الملاك فلا فرق بين المقامين، لوجود الملاك فيهما و كفايته.

و اما لو صححنا العبادة بالأمر بالطبيعة- و ان لم يكن الفرد المذكور مأمورا به- فلا يجري هذا الجواب، إلا في المقام الأول، أعني فيما إذا كانت للطبيعة أفراد غير مزاحمة، لا في المقام الثاني، فإن‏

32

بقاء الأمر على الطبيعة حينئذ يستلزم طلب الضدين.

و لأجل ذلك صار جمع من أجلة الأصوليين إلى تصحيح طلب الضدين بأمرين مترتبين، أمر بالأهم على وجه الاطلاق، و أمر بالمهم مقيدا بالعصيان، أو بالعزم عليه، و هو ما عرف بمسألة الترتب.

و قد عكف على بيان هذه المسألة، امكانا و امتناعا، عدة من الأعلام، فتضاربت في ذلك آراؤهم و إليك فيما يلي بيان ذلك:

تصحيح الأمرين بالترتب:

حقيقة الترتب، أن يتعلق أمر فعلي بواجب- أهم- على وجه الاطلاق بلا تقييد بشي‏ء، و يتعلق أمر فعليّ أخر بضده- المهم- مشروطة فعليته بعصيان ذلك الأمر أو العزم على عصيانه؛

و لتوضيح الحال نقدم أمورا:

1- إن مورد الترتب هو ما إذا كان هناك تزاحم بين المضيّق و الموسّع، كالازالة و الصلاة الواجبة مع سعة الوقت، أو بين المضيقين كالإزالة مع الصلاة في آخر الوقت، أو مثل انقاذ غريقين، أحدهما مهم و الأخر أهم- كالوصي و النبي (عليهم السلام)- مع عدم القدرة إلا على واحد منهم.

و قد عرفت أن اطلاق الأمر بالطبيعة بالنسبة إلى الوقت الذي كان فيه الأمر بالازالة فعليا، موجب لطلب الضدين على وجه الاطلاق، و لا محيص عن تقييد الاطلاق، حتى يكون طلب المهم في ذلك الظرف على وجه مشروط.

33

2- ان البحث عن صحة الترتب و عدمه، بحث عقلي و لا دخالة للفظ فيه؛ و ذكره في أبواب مباحث الألفاظ، كذكر الملازمات في باب الأوامر، مع أن البحث فيها عن الملازمة العقلية.

3- ان مسألة الترتب من المسائل التي يكفي في وقوعها امكانها، و ذلك أنه لما كان طلب الإزالة و الصلاة، من المكلف في زمن واحد تكليفا بغير المقدور، فرفعه يتحقق بأحد الأمرين، إما برفع اليد عن نفس الأمر بالمهم، أو برفع اليد عن اطلاقه و تقييده بعصيان الأهم. و إذا كان رفع اليد عن اطلاق المهم كافيا في رفع المحذور فلا وجه لرفع اليد عن نفس الأمر، لأنه عندئذ يكون الالتزام بسقوط الأمر من رأسه، بلا جهة ملزمة و الضروريات تقدّر بقدرها.

4- ان الشرط إما هو العصيان، أو العزم عليه، و كلاهما إما على نحو الشرط المتقدم أو المتأخر أو المقارن، فتصبح الصور ستة:

و لكل منها أقسام ثلاثة. و لم يذكر المحقق الخراساني «(قدس سره)» في كفايته من الأول- كون العصيان شرطا لوجوده الخارجي- إلا صورة واحدة، و هي العصيان على نحو الشرط المتأخر، كما لم يذكر من الثاني- كون نيّة العصيان شرطا لفعلية الأمر بالمهم- إلا صورتين:

المتقدم و الشرط المقارن. و نحن فيما يلي نبحث جميع الصور:

- أولا شرطية العصيان الخارجي:

إذا كانت حقيقة الترتب عبارة عن اجتماع أمرين فعليّين في زمان واحد بشرط أن يكون أحدهما في طول الآخر من حيث الرتبة العقلية،

34

بأن يكون أحدهما مطلقا، و الآخر مشروطا بعصيان الأمر الأول خارجا، فهو يتصور حينئذ على وجوه ثلاثة:

الوجه الأول: أن يكون العصيان بوجوده الخارجي المتقدم، شرطا لفعلية الأمر بالمهم، إذا كان العصيان بوجوده الخارجي- لا بالعزم عليه- شرطا لفعلية الأمر بالمهم و الخطاب به، يكون معنى ذلك أنه ما لم يعص الأمر بالأهم، لا يكون هناك أمر بالمهم، و لا يصير أمره فعليا، و انما يكون كذلك إذا عصى أمر الأهم حقيقة، و هذا كما إذا كان الأهم موجودا آنيا لا تدريجيا، كانقاذ الغريق في البحر. و مثل هذا يكون خارجا عن الترتب، إذ ليس هنا إلا أمر واحد، و ذلك أنه من قبل العصيان ليس هناك سوى أمر واحد هو الأمر بالأهم، و بعد العصيان ليس هناك إلا أمر واحد هو الأمر بالمهم، لسقوط الأهم بالعصيان.

الوجه الثاني: أن يكون العصيان بوجوده الخارجي المقارن شرطا لفعلية الأمر بالمهم.

إذا كان كل من الأهم و المهم تدريجيين، كالازالة و الصلاة، و كان العصيان الخارجي شرطا بوجوده الحدوثي المقارن، بأن يكون عصيان الأمر بالأهم في الآن الأول كافيا لفعلية الأمر بالمهم في جميع الأزمنة و لا تتوقف فعليته على استمرار المعصية- و لأجل ذلك لو تبدلت نيّته بعد العصيان و اراد امتثال الأمر بالأهم مجددا، لما فقد الأمر بالمهم فعليته، كما لا يفقد الأمر بالأهم فعليته أيضا، لعدم كفاية العصيان الحدوثي في سقوطه- فالظاهر من المحقق الخراساني أنه خارج عن الترتب، و ذلك لأن معصية الأهم في الآن الأول كافية لفعلية الأمر

35

بالمهم في جميع ازمنة امتثاله، فلا تتوقف فعليته في الآن الثاني و الثالث على استمرار معصية الأمر بالاهم في الآنات المتأخرة. فيكون كل من الأمر بالأهم و المهم مطلقا فعليا في الآن الثاني و الثالث و ... في عرض الأخر. فتكون النتيجة طلب الجمع بين الضدين، و لعله لأجل ذلك لم يذكر من شرطية العصيان بوجوده الخارجي إلا القسم الثالث- كما سيوافيك- و الحاصل أنه لا تزاحم بين الأمرين في الآن الأول، و لكن التزاحم بين الأمرين متحقق في الآن الثاني و الثالث و ...

و بعبارة اخرى: إذا كان العصيان شرطا بوجوده الحدوثي دون الاستمراري يكون الأمر بالمهم مشروطا بالعصيان في الآن الأول دون الآنات الأخرى، فإذا حصل شرطه ينقلب إلى واجب مطلق فعندئذ يلزم اجتماع امرين فعليين مطلقين. (1)

و بذلك تبيّن أن المراد من العصيان المتقدم على فعلية الأمر بالصلاة هو العصيان الموجب لفوت الأمر بالأهم تماما و سقوطه على الاطلاق، كما أن المراد من العصيان المقارن لفعلية الأمر بالمهم هو العصيان الحدوثي الآني، سواء كان باقيا أولا، فعند ذلك لا تزاحم بين الأمرين في الآن الأول لكون احدهما مطلقا و الأمر مشروطا، و اما بعد هذا الآن فيكون الأمران فعليين مطلقين، و هو مساوق لطلب الجمع بين الضدين.

____________

(1) و الحق صحته أيضا، لأن الواجب المشروط لا يخرج عن كونه مشروطا بحصول شرطه.

36

الوجه الثالث: أن يكون العصيان بوجوده الخارجي المتأخر، شرطا لفعلية الأمر بالمهم.

إذا كان الأمر بالمهم مشروطا بعصيان الأمر بالأهم حدوثا و بقاء، بأن يكون الشرط هو العصيان المستمر إلى الاتيان بالجزء الأخير من المهم، بحيث لا يكفي عصيان الأمر بالأهم آناً ما، بل فعلية الأمر بالصلاة عند المزاحمة مشروطة بعصيان أمر الإزالة و استمراره إلى الإتيان بالجزء الأخير من الصلاة، فشرط فعلية الأمر بالمهم- على هذا- هو حدوث العصيان في الآن الأول و امتداده إلى الاتيان بالجزء الأخير من المهم، بحيث لو ندم اثناء العمل و اراد امتثال الأمر بالمهم لكشف عن عدم فعلية الأمر بالمهم من أول الأمر.

ففي هذه الصورة، لا يخرج الأمر بالمهم عن كونه واجبا مشروطا، بل يصير حصول العصيان في الأزمنة المتأخرة سببا لفعلية الأمر بالمهم في أول ازمنة امتثاله.

و هذه الصورة هي مورد نظر القائل بالترتب.

و الحاصل: انه إذا كان الشرط هو العصيان المستمر- فهو في كل آن واجب مشروط إلى أن يفرغ من الصلاة، بخلاف ما إذا كان مشروطا بالعصيان الآني، فإن الأمر بالمهم مشروط في الآن الأول فقط. و لكنه مطلق في الآنات المتأخرة، و واقع الترتب يقوم بكون أحد الأمرين مطلقا و الآخر مشروطا إلى الفراغ عن العمل، لا مشروطا آنا، و مطلقا في سائر الآنات.

37

و بذلك يعلم أن تخصيص العصيان الخارجي بالقسم الحدوثي، يكون من قبيل الشرط المقارن. كما أن تخصيصه بالعصيان الباقي إلى الإتيان بالجزء الأخير من المهم يكون من قبيل الشرط المتأخر. كما يظهر لك وجه تخصيص المحقق الخراساني في كفايته، شرطية العصيان الخارجي بصورة واحدة، و هي أخذه شرطا متأخرا للوجوب لا متقدما و لا مقارنا،- كما عرفت-.

و الحاصل: أن روح الترتب، هو اجتماع امرين فعليين في زمان واحد مترتبين، أحدهما في طول الآخر، و هذا لا يتحقق إلا بكون الأمر بالمهم مشروطا بعصيان الأمر بالأهم إلى زمان الفراغ عن امتثاله، و هو حاصل في أخذ العصيان الخارجي على نحو الشرط المتأخر دون المتقدم و المقارن.

و أما إذا كان الشرط هو العزم على العصيان، فقد اختار منه المحقق الخراساني الصورتين التاليتين:

أ- إذا كان العزم على العصيان مأخوذا على نحو الشرط المتقدم.

ب- إذا كان العزم على العصيان مأخوذا على نحو الشرط المتأخر.

و لم يذكر عن العزم المأخوذ بصورة الشرط المتأخر شيئا، و على ظاهر كلامه فالصورتين الأوليين داخلتان في مسألة الترتب دون الأخيرة. و للتأمل فيما ذكره وجه.

إذا علمت ذلك، فيقع الكلام في مقامين:

38

المقام الأول: توضيح نظرية القائلين بالامتناع.

المقام الثاني: توضيح نظرية القائلين بالجواز.

و إليك البحث في كلا المقامين، الواحد تلو الآخر.

تقريب المحقق الخراساني في امتناع الترتب:

قال المحقق الخراساني «(قدس سره)» في تقريب امتناع الترتب:

ان ملاك استحالة طلب الضدين في عرض واحد موجود في طلبهما كذلك، فانه و ان لم يكن في مرتبة طلب الأهم، اجتماع طلبهما، إلا أنه كان في مرتبة الأمر بغيره اجتماعهما، بداهة فعلية الأمر بالأهم في هذه المرتبة و عدم سقوطه بعد بمجرد المعصية، فيما بعد ما لم يعص، أو العزم عليها مع فعلية الأمر بغيره أيضا، لتحقيق ما هو شرط فعليته فرضا (1).

و حاصله: ان صحة الترتب تستلزم اجتماع حكمين فعليين في زمان واحد، لأن المفروض فعلية الأمر بالمهم أيضا، و لازم ذلك طلب كل واحد في آن واحد، و هو بمنزلة طلب الضدين، و الأمر بالمهم و إن لم يكن في مرتبة الأمر بالأهم لكنه موجود في مرتبة الأمر بالمهم، بمعنى فعليته في ظرف فعلية الأمر بالمهم، فيلزم اجتماع امرين فعليين كل يقتضي ايجاد متعلقه في زمان واحد فيلزم من اجتماعهما فيه المطاردة بينهما في ذلك الزمن من جهة مضادة متعلقها في الوجود.

____________

(1) كفاية الاصول ج 1، ص 134.

39

يلاحظ عليه:

ان نتيجة اجتماع الأمرين الفعليين عبارة عن طلب الضدين، و هو غير طلب الجمع بين الضدين.

و الممتنع هو الثاني دون الأول. و نتيجة الترتب هي الأول دون الثاني. فلا بد من التمييز بين الطلبين.

و إن شئت قلت: إن اجتماع امرين فعليين في رتبة واحدة، بل في زمان واحد، إنما يستحيل إذا كانت نتيجة اجتماع امرين فعليين هي طلب الجمع بينهما لا طلب كل واحد واحد منهما.

و نتيجة الترتب في المقام تهدف إلى طلب كل من الفعلين، لا طلب الجمع بينهما، و ذلك ان الأمر بالأهم و الأمر بالمهم- و ان كانا فعليين- لتحقق شرط الأمر بالمهم، إلا أنه لما كان الأمر بالمهم في ظرف فراغ وقت المكلف عن اطاعة الأمر بالمهم، لا يصدق عليه أن المولى يطلب الجمع بينهما، و ان كان يصدق عليه أنه يطلب الضدين، أو يجمع بين الطلبين. لكن ليس طلب الضدين مطلقا، ملازما يطلب الجمع بينهما.

و الدليل على ذلك أنه لو اشتغل بامتثال الأمر بالأهم من أول الأمر، أو اعرض بعد الاشتغال بالمهم إلى الأهم لما كانت عليه غضاضة إلا لأجل تأخير المضيّق بقدر الاشتغال بالمهم.

و مجرد كون الأمر بالاهم في مرتبة الأخر، لا ينتج إلا طلب الضدين بنحو غير محال، و هو طلب ذاك عند ترك ذلك.

40

و بالجملة فما هو المحال غير مطلوب، و ما هو المطلوب غير محال.

و بعبارة اخرى: نسأل القائل، بأنه في نقطة و موضع يلزم طلب الجمع بين الضدين فلا يخلو إما أن يلزم في مقام الجعل أو الانشاء. أو يلزم في مقام الفعلية أي تأثير الأمرين و داعويتهما في نفس المكلف فعند وجود موضوعهما، أو يلزم في مقام امتثالهما أو اطاعتهما.

أما المقام الأول: فيظهر عدم المطاردة بالوقوف على الفرق بين التعارض و التزاحم، و بالتالي على الفرق بين المتعارضين و المتزاحمين، و ان المقام من قبيل الثاني دون الأول.

أما التعارض: فهو عبارة عن تكاذب الدليلين في مقام الجعل و الانشاء، حيث ان كلا من الدليلين يكذّب صدور الدليل الآخر، فلو ورد «ثمن العذرة سحت»، و ورد أيضا، «لا بأس ببيع العذرة» فالعقل يحكم بكذب أحد الدليلين و عدم صدور كليهما عن المشرع الحكيم إذ كيف تنقدح ارادتان جدّيتان متضادتان في لوح النفس بالنسبة إلى موضوع واحد و بالتالي كيف يصح جعل حكمين متضادين لموضوع واحد لغاية الامتثال.

و أما التزاحم بين فعلين كانقاذ الغريقين في زمان واحد فهو ناشئ عن قصور قدرة المكلف في مقام الامتثال، من دون أن تكون آية مطاردة في مقام الجعل و الانشاء، و مثل وجوب انقاذ الغريقين في المقام إذ للشارع الحكيم جعل وجوبين، أحدهما للإزالة و الآخر للصلاة من دون‏

41

أن تكون هناك أية ملازمة بين صدق احدهما و كذب الآخر، و ليس دليل كل ناظرا إلى الدليل الآخر حتى يكون الدليل في مقام الجعل ناظرا إلى صورة الاجتماع لما قررناه في محله من أن مفاد اطلاق كل دليل هو كون متعلقه تمام الموضوع للحكم، و على هذا فالإزالة بما هي هي تمام الموضوع للوجوب، كما أن الصلاة بما هي هي تمام الموضوع له، و ليس معنى اطلاق وجوب الازالة، هو وجوبها سواء وجبت الصلاة أم لا، و هكذا بالعكس لما قرر في محله، من أن الاطلاق هو رفض القيود، لا الجمع بين القيود.

و يترتب على ذلك عدم وجود أية مطاردة في مقام الجعل و الانشاء، في المتزاحمين كالإزالة و الصلاة.

و أما الفعلية و هو داعوية كل حكم إلى متعلقه، عند تحقق موضوعه، فعدم المطاردة فيها لأجل أن كل أمر يدعو إلى متعلقه، و لا يبعث إلا إليه لا إلى الجمع بينه و بين الآخر، فقوله: «ازل النجاسة» باعث قانوني آلي الازالة، و ليس ناظرا إلى حالة الاجتماع مع الصلاة، و مثله قوله: «صل صلاة الظهر».

و بذلك يظهر ما في كلام المحقق الخوئي «(قدس سره)» حيث قال:

ان التنافي بين المتزاحمين إنما هو في مرتبة فعلية الأحكام و زمن امتثالها، ضرورة أن فعلية كل من حكمين متزاحمين تابى عن فعلية الآخر، لاستحالة فعلية كليهما معا.

42

فقد خلط في كلامه بين المقامين: الفعلية و الامتثال حيث عطف الامتثال على الفعلية (1).

و أما الثالث: أي المطاردة في زمان الامتثال فهو حق إذا كان الأمران مطلقين، كما إذا قال: «أزل النجاسة و صل الصلاة».

من دون أن يخص أحدهما بوقت و الآخر بوقت آخر، فعندئذ يلزم المطاردة، إذ كل يطلب صرف القدرة في ايجاد متعلقه، مع أن قدرته لا يعني إلا لواحد منهما فلأجل ذلك يمتنع توجه امرين عرضيين، إلى المكلف الذي لا تعني قدرته إلا لامتثال واحد منهما.

و أما إذا كان احدهما في طول الآخر، و بعبارة اخرى إذا كان احدهما مطلقا و الآخر مشروطا، فلا يلزم المطاردة و ان كان كل منهما فعليين، لأنه لو لم يكن له صارف عن امتثال الأمر المعلق الأهم، فلا داعوية للأمر بالمهم إلى ايجاد متعلقه لعدم فعليته لعدم حصول شرطه.

فتنحصر الدعوة القانونية بطرف واحد، و اما إذا كان هناك صارف عن امتثال الأمر بالاهم، و حصل شرط فعلية الأمر بالمهم، فلكل من الأمرين و ان كانت دعوة قانونية. لكن الدعوتين لا تتصادمان و ذلك لأن الأمر الثاني ذو مرونة و ليونة، فهو في الوقت الذي يدعو إلى ايجاد متعلقه، لا يأبى أن يتركه المكلف و يشتغل بالأهم، فإذا كانت الدعوة على هذا الغرار فلا يقع بينهما أي صدام، لأن الأمر بالاهم يهاجم الأمر بالمهم. يقبله و لكن في الوقت نفسه لا ينثلم اساسه، هذا كله إذا أريد

____________

(1) محاضرات الفياض ج 3، ص 207.

43

من الدعوة، الدعوة القانونية. و اما إذا أريد منه التأثير النفسي، فعدم المطاردة واضح، إذ لم يكن هناك صارف فالتأثير للأمر الأول، و إن كان صارف فالتأثير للأمر الثاني، و عليك بتفكيك الدعوة القانونية عن التأثير النفسي، و تحليل كل واحد مستقلا عن الآخر.

ما هو مفتاح حل العقدة:

اظن ان مفتاح حل العقدة، في مسألة الترتب، هو التركيز على ما ذكرناه اجمالا و تفصيلا، اما الاجمال فلأن لازم الترتب هو طلب الضدين لا طلب الجمع بين الضدين و المحال هو الثاني دون الأول، و اما التفصيل فيتبين أن حكم المتزاحمين غير حكم المتعارضين فالتعارض و المطاردة في الثاني يرجع إلى مقام الجعل و الانشاء فلا تصل النوبة إلى المرحلتين الاخيرتين، و اما المتزاحمان فالمطاردة ليست في مقام الجعل و الانشاء و لا مقام الفعلية و الدعوة، و انما التزاحم في مقام الامتثال حيث ان القدرة الواحدة لا تفي لامتثال امرين فعند ذلك، فلو كان الطلبان مطلقان، يكون نتيجة الاطلاق (لا نفسه) هو طلب الجمع بين الضدين. و اما إذا كان احدهما مطلقا و الآخر مشروطا، فلا يلزم ذلك إذ في وسع العبد صرف القدرة في الأهم من دون أن يكون هناك أي لوم و عتاب، و اما إذا كان صارف عن امتثاله، و قعد عن امتثال امر المولى حاول المولى تقليل خسارته فعرض عليه واجبا آخر، لا يزاحم الاهم و الحال هذه و هو المهم.

و للقائل بالترتب، ان لا يستوحش من فعلية الأمرين، بل عليه ان‏

44

يستوحش من امرين غير قائلين للامتثال، كما إذا كانا مطلقين لا من القابل لهما بلا نحو من الانحاء.

إن هذا المسلك الذي سلكناه يقنع وجدان كل انسان واع، و اما الطريق الذي سلكه مؤسس الترتب السيد الجليل الشيرازي و تلاميذه من التركيز على تعدد رتبة الأمرين- لو صح- لا يقنع الوجدان كما سيوافيك إلى هنا ... تمت مناقشة التقريب الذي ذكره المحقق الخراساني «(قدس سره)» لامتناع الترتب و إليك بيان الاشكالات التي أوردها على تقريبه ثم رفعها.

حول مناقشات المحقق الخراساني ((قدس سره)):

ان المحقق الخراساني «(قدس سره)» لما ذكر تقريبه الذي عرفت لامتناع الترتب، أورد على نفسه اشكالات و اجاب عنها، و نحن نذكر فيما يلي تلك الاشكالات و جوابه عليها ثم نتيجة ما نراه ...

الاشكال الأول:

لا دليل على امتناع اجتماع طلب الضدين، إذا كان بسوء الاختيار، حيث يعصى فيما بعد بالاختيار، فلولاه لما كان متوجها إليه إلا الطلب بالأهم، و لا برهان على امتناع الاجتماع إذا كان بسوء الاختيار.

و اجاب عنه بأن استحالة طلب الضدين ليست إلّا لأجل استحالة طلب المحال و استحالة طلبه من الحكيم المتلفت إلى استحالته لا تختص بحال دون حال، و إلا لصح فيما علق على امر اختياري (بلا

45

خصوصية بسوء اختياره) في عرض واحد بلا حاجة في تصحيحه إلى الترتب مع أنه محال‏ (1).

يلاحظ عليه: ان ما ذكره من الكبرى صحيح، لأن طلب المحال، محال بالذات، سواء صار محالا بسوء الاختيار أم لا. و لكن كون الأمر بالضدين من هذا القبيل ممنوع، إذ ليس هنا إلا طلب الضدين لا طلب الجمع بينهما.

و حاصل النظر في الاشكال و الجواب: أن الأول يسلّم كون الأمر بالترتب يستلزم المحال و هو على زعمه طلب الضدين، لكنه لا اشكال فيه لأنه بسوء الاختيار حيث جعل نفسه في هذا المضيق، و إلا كان في وسعه دفع المحال بامتثال الأمر بالاهم.

كما ان الجواب يسلّم ان الأمر بالترتب يستلزم المحال، لكنه يرد جواز طلب المحال بسوء الاختيار بوجهين أو لأن طلب المحال محال مطلقا، سواء كان بسوء الاختيار أم لا. و ثانيا بأنه و لو جاز، لجاز مع حسن الاختيار كما إذا قال: «ازل النجاسة و ان شربت الماء فصل» مع أنه غير جائز.

و حاصل نظرنا أنه لا يلزم المحال اصلا، لأن المحال، طلب الجمع بين الضدين، لا طلبهما و ذلك لأنه لو كانا الأمران مطلقين في مقام الامتثال يلزم من اطلاقهما طلب الجمع بينهما، لا أقول: انه يلزم بالدلالة المطابقية على الجميع و انما هو نتيجة اطلاقهما و طلبهما بلا قيد و شرط في آن واحد. و اما إذا كان احدهما مطلقا و الآخر مشروطا فالأمر

____________

(1) كفاية الاصول ج 1، ص 134.

46

بالأهم يطلب ايجاد المتعلق على وجه الاطلاق، و الأمر بالمهم يطلبه عند فراغ الساحة عن الأهم، فلا يلزم من مثله طلب الجمع، لأنه يطلبه عند عدم تأثير الأمر الأول ... و سيوافيك التوضيح في تحليل المناقشة الثانية باذن اللّه ...

الإشكال الثاني:

فرق بين الاجتماع في عرض واحد، و الاجتماع مترتبين، فإن كل من الأمرين في الأول يطارد الآخر بخلاف الثاني فان طلب المهم، لا يطارد طلب الأهم، فانه يكون على تقدير عدم الاتيان بالاهم، فلا يكاد يريد غير الاهم على تقدير الاتيان به، و عدم عصيانه. و بالجملة المطاردة من جانب الأمر بالمهم غير موجودة.

و اجاب عنه بوجهين:

الأول: كيف لا يطارده الأمر بالمهم؟ و هل يكون طرده إلا من جهة فعليته و مضاده متعلقه له!

و عدم ارادة المهم على تقدير الاتيان بالاهم، لا يوجب عدم طرده لطلبه (أي عدم طرد الأمر بالمهم لطلب الأمر بالاهم) مع تحققه (أي تحقق الطرد) على تقدير عدم الاتيان بالأهم و عصيان امره، فيلزم اجتماعهما على هذا التقدير.

و حاصله: الأمر بالمهم- و ان كان لا يطارد الأمر بالأهم عند الاتيان بالأهم- لكنه يطارده في صورة عدم الاتيان بالاهم.

الثاني: ان الأمر بالأهم يطارد الأمر بالمهم مطلقا، قال: على أنه‏

47

يكفي المطاردة من طرف الأمر بالاهم، فانه على هذه الحال، يكون طاردا لطلب الضد (1).

أقول: ما ذا يريد من كون الأمر بالمهم، يطارد الأمر بالأهم عند عدم الاتيان بالاهم، فهل يريد: ان الأمر بالمهم إنما يطارد الأمر بالأهم- في صورة عدم الاتيان بالاهم- فذلك غير تام لأنه إنما يطارد إذا طلب المهم بلا قيد و لا شرط، و اما إذا كان الأمر بالمهم مشروطا بالعصيان بحيث يكون ذا مرونة و ليونة، و بالنسبة إلى الأمر بالاهم ففي نفس الغرض أي عدم الاتيان بالاهم، الذي زعم المحقق ((قدس سره)) ان الأمر بالمهم يطارد الأمر بالأهم، لا تتحقق المطاردة، لأن له بحكم المرونة و الليونة بيانين و مفهومين، احدهما: الحث على الاتيان بالمهم عند العصيان. ثانيهما: عدم اليأس بتركه و الاشتغال بالاهم في هذه الحالة، و مع هذا كيف يطارد الأمر بالمهم الأمر بالاهم.

هذا كله حول الجواب الأول.

الجواب الثاني: أي كفاية وحدة المطاردة من جانب واحد، و هو الأمر بالاهم و شمول اطلاقه لموضع يكون الأمر بالمهم فعليا، و حاصل الجواب عنه: ان موضع المطاردة، اما هو مقام الجعل و الانشاء. أو مقام الفعلية. و قد عرفت عدم المطاردة لا في الأول كما هو واضح، و لا في الثاني، لأن كل امر فعلي يدعو إلى نفسه و لا يدعو إلى ترك غيره من غير فرق بين الأهم و المهم، فتنحصر المطاردة في مقام الامتثال و الموضوع للمطاردة، في مقام الامتثال هو التاثير النفسي و قد عرفت ان‏

____________

(1) كفاية الاصول ج 1، ص 135 ط الحديثة.

48

التأثير لأحد الأمرين، فلو كان قاصدا للأمر بالاهم، فليس الأمر بالمهم فعليا، و ان كان غير قاصد له فالأمر بالمهم، و ان كان فعليا لكن فعليته ليست على وجه القطع و الحزم، بل في طرف عدم تأثير الأمر الأول.

فمثل هذه الدعوة لا يترتب عليها أي فساد. و ذلك لأن المولى يرى أن أمره ليس علة تامة لانبعاث المكلف، بل موجد للداعي في نفس المكلف، و لأجله يحتمل أن يكون المكلف منبعثا عن الأمر بالمهم، و غير منبعث عن الأمر بالاهم، و يرى ظرف الامتثال خاليا عن كل فعل، بحيث لو لم يأمره بالمهم، لتركه أيضا. فيأمره بالمهم، ليصل إلى أحد الهدفين.

و بعبارة اخرى: إنّ انقداح الإرادتين في نفس المولى ليس من الأمور الممتنعة، كما أن انقداحهما ليس بمعنى الجمع بين الأمرين المتضادين، و انما الكلام في قدرة المكلف و عجزه عن امتثال الامرين.

فإذا طلبهما و كانا غرضين، يلزم منه طلب كل في ظرف الاتيان بالآخر، و هو غير صحيح، و اما إذا لم يكونا كذلك، بأن كان طلب احدهما في ظرف عدم تأثير الآخر، فلا مطاردة ابدا، لا في مقام الجعل و لا في مقام التأثير، و لا في مقام الامتثال كما لا يخفى.

و بذلك يتضح ضعف كلا الوجهين.

الإشكال الثالث:

ما الحيلة فيما وقع كذلك من طلب الضدين في العرفيات؟

و اجاب عنه بجوابين:

49

1- أن يكون الأمر بالمهم بعد التجاوز عن الأمر به.

2- أن يكون الأمر به ارشادا إلى محبوبيته و بقائه، على ما هو عليه من المصلحة و الغرض‏ (1).

أقول: ما ذا يريد من التجاوز:

هل يريد منه أن يكون منسوخا؟ فهو غير صحيح، مع اشتماله على المصلحة الملزمة، و لذا لو رجع إليه بعد العصيان آناً ما، لكان الأمر باقيا.

أم يريد أنه عند الخيبة عن تأثير الأول، يأمر بالمهم؟ فهو نفس الترتب.

مشكلة تعدد العقاب:

قد عرفت اشكالات المحقق الخراساني و اجوبته و مدى صحتها، و بقي هاهنا اشكال، ربما يورد على الترتب، و هو أنه يلزم على القول بالترتب، تعدد العقاب، إذا ترك الأمرين، مع ضرورة قبح العقاب على ما يقدر عليه العبد.

و هذا في الحقيقة استدلال من طريق الإن على بطلان الترتب، و حاصله أنه لو صح الترتب، للزم تعدد التكليف، و بتعدده يلزم تعدد العقاب، و لكن التالي باطل فكذا المقدم و قد اجيب بوجهين:

الأول: وحدة العقاب مع تعدد العصيان:

____________

(1) المصدر السابق.

50

هناك من يقبل تعدد العصيان، و لكنه يقول بوحدة العقاب، و ذلك لأن تعدد العقاب و وحدته تابع لوحدة القدرة و تعددها، لا وحدة التكليف و تعدده. فلو كانت القدرة واحدة و التكليف متعددا لما كان عليه إلا عقاب واحد و ان عصى جميع التكاليف، لاستقلال العقل بالحكم بقبح تعدده مع عدم قدرته إلا على واحد.

و بذلك يظهر سر تعدد العقاب في التكاليف العرضية، كالصلاة و الصوم إذا تركهما، فيعاقب عقابين، لتعدد القدرة المستلزم كون المخالفة لا عن عذر، و هذا بخلاف التكاليف الطويلة فلا يوجب تعدد التكليف فيها تعدد العقاب مع وحدة القدرة.

الثاني: تعدد العقاب مع تعدد العصيان:

و هناك من يقول بتعدد العقاب مع تعدد التكاليف و معصيتها، قائلا: بأن المفروض وجود امرين مستقلين و تعلق كل واحد منهما بأمر ممكن مقدور للمكلف، و مخالفة كل منهما توجب العقاب بلا شك.

أما مقدورية الأهم، فواضحة.

و اما مقدورية المهم، فمن جهة فرضه في ما كان الزمان خاليا منه.

و قد أوضحه سيدنا الاستاذ «(قدس سره)» بأنه لو صرف قدرته في امتثال أحد الأمرين، فقد ترك الأخر عن عذر. و اما إذا لم يصرفها في‏

51

واحد منهما، فقد ترك كل واحد بلا عذر، و يقال له: لما تركت هذا بلا عذر؟ ثم لما تركت الآخر كذلك؟ فيعاقب بعقابين‏ (1).

***

____________

(1) تهذيب الأصول ج 1 ص 311- 312 ط جماعة المدرسين.

52

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

53

أدلة القائلين بامتناع الترتب‏

نقل شيخ مشايخنا العلامة المحقق الحائري «(قدس سره)» تقريبا للقول بامتناع الترتب، و اشكل عليه، و إليك بيان التقريب‏ (1).

ان هناك مقدمتين اتفقت كلمة العلماء عليهما:

1- ان الضدين مما لا يمكن ايجادهما في زمان واحد عقلا.

2- لا يصح جعلهما في زمان واحد متعلقين للطلب المطلق، لأنه تكليف بما لا يطاق.

و هاتان المقدمتان مما لا يقبلان الانكار.

انما الشأن بيان تعلق الطلبين بالضدين في زمان واحد، و لو على نحو الترتب يرجع إلى الطلب المطلق بهذا و الطلب بذاك في زمان واحد.

بيانه أن الأمر بايجاد الضد، مع الأمر بايجاد ضده الأخر، لا يخلو من أنه، اما أمر بايجاده مطلقا في زمان الأمر بضده كذلك. و اما امر

____________

(1) الحائري الدرر ج 1، ص 114- الطبعة المحشاة بتعاليق المؤلف.

54

بايجاده مشروطا بترك الآخر. اما الأول فلا يلتزم به كل من احال التكليف بما لا يطاق، و الثاني على قسمين، أما ان يكون ان الشرط في ناحية الأمر المشروط هو الترك الخارجي للاهم، أو كون المكلف بحيث يترك في علم اللّه.

أما الأول: فهو خارج عن الترتب لأنه يدّعي الأمرين في زمان واحد. و اما الأخير: فلازمه القول باطلاق الأمر المتعلق بالمهم، في ظرف تحقق شرطه. و المفروض وجود الأمر بالاهم أيضا، لأنه مطلق.

ففي زمان تحقق شرط المهم يجتمع الأمران المتعلقان بالضدين، و كل واحد منهما مطلق أما الأمر المتعلق بالاهم، فواضح. و اما الأمر المتعلق بالمهم، فلأن الأمر المشروط يصير بعد تحقق شرطه مطلقا.

ثم أنه «(قدس سره)» أورد عليه بما لا يهمنا فعلا غير أنّا نختار أن الشرط هو الثاني، ان كون المكلف بحيث يترك علم اللّه لكنه انما ينقلب إلى الواجب المطلق لو كان العصيان شرطا بوجوده الآني و على حسب مصطلحنا إذا كان الشرط مقارنا، و اما إذا كان الشرط هو العصيان الممتد إلى آخر الصلاة فهو لا ينقلب إلى الواجب المطلق إلّا بعد الفراغ و هو ظرف سقوط الأمر بالمهم بالطاعة.

فإن قلت: كيف يكون الأمر بالمهم فعليا، مع عدم حصول شرطه تماما و هل هذا إلا تفكيك المشروط- و هو فعلية الأمر بالمهم- عن شرطه؟.

قلت: ان حل العقدة يحصل بما اخترناه من صحة الشرط المتأخر في الأمور الاعتبارية، و عدم المانع فيها من كون الأمر المتأخر شرطا