زبدة الأصول - ج3

- السيد محمد صادق الروحاني المزيد...
475 /
5

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين. و افضل صلواته على اشرف الخلائق اجمعين محمد و آله الطيبين الطاهرين لا سيما بقية اللّه في الارضين الامام المهدي ارواح من سواه فداه، و اللعن على اعدائهم اجمعين.

و بعد فهذا هو الجزء الثالث من كتابنا زبدة الاصول في طبعته الثانية، وفقنا اللّه لطبعه و نشره في حلة جديدة و اللّه وليُّ التوفيق.

6

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

7

المقصد الثاني في النواهي‏

و فيه فصول: و قبل تنقيح القول في تلكم الفصول.

لا بد من البحث في جهات:

الأولى: المشهور بين الأصحاب‏ (1) إن النهي بمادته و صيغته كالأمر بمادته و صيغته، في الدلالة على الطلب غير أن متعلق الطلب في أحدهما الوجود و في الآخر العدم‏

و بعبارة أخرى: انهما مشتركان في المعنى الموضوع له و هو الدلالة على الطلب.

و لذلك قال المحقق الخراساني (ره) (2) انه يعتبر فيه ما استظهرنا اعتباره فيه بلا تفاوت أصلًا، نعم يختص النهي بخلاف و هو ان متعلق الطلب فيه، هل هو الكف؟ أو مجرد الترك و ان لا يفعل و الظاهر هو الثاني.

و توهم ان الترك و مجرد ان لا يفعل خارج عن تحت الاختيار، فلا يصح ان‏

____________

(1) عدّة من الاعلام ادعوا الشهرة قديما و حديثاً على هذا منهم أية اللّه العظمى الخوئي في المحاضرات ج 4 ص 81 (المقصد الثاني: مبحث النواهي).

(2) كفاية الاصول ص 149 (المقصد الثاني في النواهي).

8

يتعلق به البعث و الطلب.

فاسد، فان الترك أيضاً مقدور و إلا لما كان الفعل مقدورا و صادرا بالإرادة و الاختيار، انتهى.

و أورد على ذلك جماعة من المحققين‏ (1)، بان النهي لا ينشأ من‏

مصلحة لزومية في الترك، ليقال إن مفاده طلبه، بل هو ناش من مفسدة لزومية في الفعل، وعليه فلا محالة يكون مفاده الزجر و المنع عنه، و لذلك ذهبوا إلى أن النهي بما له من المعنى مادة و هيئة، يباين الأمر كذلك، فلا اشتراك بينهما في شي‏ء أصلًا، و لا فرق بينهما من حيث المتعلق، و في الموردين المتعلق هو إيجاد الطبيعة، و إنما الفرق من ناحية الموضوع له.

أقول: ما أفيد في الإيراد- من ان الفرق بين الأمر و النهي إنما هو من ناحية الموضوع له و من ناحية المنشأ و انه لا فرق بينهما من حيث المتعلق- تام.

و لكن ما ذكر من ان معنى النهي هو الزجر و المنع عن الفعل، فهو غير تام.

أما الدعوى الأولى: فهي تتضح ببيان أمر، و هو انه:

ربما يكون مصلحة في الترك فيأمر المولى به و يصير الترك واجبا كالصوم.

و الإيراد عليه بان الترك غير مقدور و خارج عن تحت القدرة فلا يصح تعلق الطلب به.

____________

(1) حكى القول عن جماعة من المحققين السيد الخوئي (قدِّس سره) في المحاضرات ج 4 ص 84.

9

يندفع بما في الكفاية (1) من انه بقاءً مقدور و ذلك لا بمعنى تأثير القدرة في العدم، فان ذلك غير تام، إذ العدم ليس مستندا إلى القدرة و أثرا لها لتحققه قبلها، لا يعقل تأثير القدرة التي هي أمر وجودي في العدم، لعدم السنخية بينهما.

بل بمعنى انه لقدرة العبد على تبديل العدم بالوجود يصح التكليف بهما.

و كيف كان لا يصح النهي عن الفعل في هذا المورد.

بل الترك يصير من الواجبات.

ثم ان الصور المتصورة لتعلق الأمر بالترك أربع:

الأولى: ان يتعلق الأمر بصرف ترك الطبيعة.

الثانية: ان يتعلق الأمر بجميع تروك أفراد الطبيعة بان تكون المصلحة قائمة بكل واحد من التروك و يأمر المولى بترك الطبيعة و ينحل ذلك إلى أحكام عديدة، يتعلق كل واحد منها بترك فرد من أفراد الطبيعة.

الثالثة: ان يتعلق الأمر بمجموع التروك بحيث لو لم يترك فردا لما امتثل أصلًا.

الرابعة: ان يتعلق الأمر بأمر بسيط حاصل من مجموع التروك.

و لكن الصورة الأولى غير معقولة: إذ ترك فرد من الطبيعة من الأفراد العرضية و الطولية متحقق لا محالة، لان المكلف لا يقدر على إيجاد جميع الأفراد

____________

(1) كفاية الاصول ص 149، بتصرف.

10

فالتكليف بترك فرد منها لغو و صدوره من الحكيم محال.

لا يقال انه على هذا لا بد من الالتزام بعدم معقولية الصورتين الأخيرتين بل الثانية أيضاً، إذ لو لم يكن المكلف قادرا على إيجاد جميع أفراد الطبيعة لم يكن قادرا على ترك جميعها إذ القدرة على أحد النقيضين عين القدرة على الآخر، فكيف يتعلق الأمر بجميع التروك أو مجموعها أو ما يحصل من المجموع.

فانه يقال ان نقيض جميع التروك عبارة عن عدم الجميع و لو بفعل واحد فكما ان الفعل الواحد مقدور كذلك جميع التروك، و غير المقدور إنما هو الجمع في الوجود، لا الجمع في التروك، فالصور الثلاث الأخيرة معقولة و لا بد في كل مورد من ملاحظة الدليل.

و يترتب على هذا ثمرة في ما إذا شك في صدق الطبيعة التي أمر بتركها على فعل خارجي لشبهة موضوعية.

إذ في الصورة الأولى من الصور المعقولة، تجرى البراءة عن وجوب ترك ذلك الفعل، عقلا و شرعا لرجوع الشك فيه، إلى الشك في جعل حكم مستقل.

و في الصورة الثانية، جريان البراءة يبتنى على جريانها في الأقل و الأكثر الارتباطيين.

و في الصورة الثالثة لا يجرى، لأنه شك في المحصل، اللهم إلا ان يلتزم بجريانها فيما إذا كان بيان المحصل وظيفة الشارع، و تمام الكلام في‏

ذلك محرر في مسألة اللباس المشكوك فيه.

11

و ربما تكون المفسدة في الفعل لا المصلحة في الترك، و في هذا المورد لا معنى للأمر بالترك، بل لا مناص عن النهي عن الفعل، فما أفيد في الإيراد من ان الأمر بالفعل و النهي عنه يشتركان في المتعلق و الاختلاف بينهما إنما هو في الموضوع له و انه في كل منهما شي‏ء يباين الآخر تام.

و اما الدعوى الثانية: و هي ان الفرق بينهما ليس ما ذكر من ان الأمر موضوع للطلب و النهي موضوع للزجر و المنع عن الفعل.

بل الفرق بينهما من ناحية أخرى.

أما في الأمر فقد مر في مبحث الأوامر، ان الطلب الذي بمعنى التصدي نحو المطلوب يكون من العناوين التي تنطبق على الأمر بعد تحققه و يكون الأمر مصداقا له لا انه المعنى الموضوع له و المستعمل فيه.

و ان الطلب الإنشائي مما لا نتعقله.

بل حقيقة الأمر اما عبارة عما أفاده الأستاذ (1) من انه عبارة عن اعتبار كون المأمور به في ذمة المكلف من جهة اشتماله على مصلحة ملزمة و إبراز ذلك الاعتبار في الخارج بمبرز كصيغة الأمر.

أو ما يشبهها فالصيغة أو ما شابهها وضعت للدلالة على إبراز ذلك الأمر الاعتباري النفساني، و هو اعتبار الشارع الفعل على ذمة المكلف، أو ما اختاره المشهور و هو انه عبارة عن إبراز الشوق النفساني بالفعل، فالصيغة أو ما

____________

(1) محاضرات في الاصول ج 4 ص 85، و أيضا تعرض لذلك ص 116 عند قوله: و نتيجة ذلك.

12

شاكلها وضعت للدلالة على إبراز شوق المتكلم بصدور الفعل عن المأمور.

و اما في النهي فإذا حللنا النهي المتعلق بشي‏ء، لا نرى شيئا غير شيئين.

أحدهما: اعتبار كون المكلف محروما عن ذلك الشي‏ء باعتبار اشتماله‏

على مفسدة ملزمة و بعده عنه، أو كراهة الناهي للفعل.

ثانيهما: إبراز ذلك الأمر النفساني في الخارج بمبرز كصيغة النهي أو ما شاكلها، فالصيغة أو ما شاكلها موضوعة للدلالة على إبراز ذلك الأمر النفساني لا للزجر و المنع، نعم هي مصداق لهما.

فالمتحصّل مما ذكرناه ان الأمر و النهي، مختلفان بحسب المعنى، و متحدان بحسب المتعلق، فما اخترناه هو عكس ما ذهب إليه المشهور، من انهما متحدان بحسب المعنى، مختلفان بحسب المتعلق.

اقتضاء النهي ترك جميع الأفراد

الجهة الثانية: انه بعد ما لا كلام في ان النهي كالأمر، لا يدل على الدوام و التكرار، و أيضاً لا كلام في ان الأمر المتعلق بالطبيعة إنما يكون امتثاله بإتيان فرد منها، و اما النهي المتعلق فلا يمتثل إلا بترك جميع الأفراد.

وقع الكلام في وجه ذلك.

13

و قد ذكر القوم في وجه ذلك‏ (1): ان الأمر إنما يكون متعلقا بصرف إيجاد الطبيعة في الخارج، فهو لا يقتضي إلا إيجادها في ضمن فرد ما ضرورة ان صرف الوجود يتحقق بأول وجودها و به يتحقق الامتثال و يحصل الغرض، و معه لا مجال لإيجادها في ضمن فرد آخر، و اما في طرف النهي فبما انه صرف ترك الطبيعة، فلا محالة لا يمكن تركها إلا بترك جميع أفرادها في الخارج العرضية و الطولية و لا تنعدم إلا بانعدام جميع الأفراد.

و قد أورد على ذلك بعض أساتيذنا المحققين (ره) (2) بان الطبيعة توجد بوجودات عديدة، و لكل وجود عدم، و هو بديله و نقيضه، و لا يكون نقيض الوجود الخاص إلا العدم الخاص، لا عدم الأفراد الأخر.

و حينئذٍ إذا لوحظت الطبيعة في مقام الحكم أمراً أو نهيا بنحو تسرى إلى جميع الأفراد، فكما ان النهي عنها يقتضي طلب ترك جميع الأفراد و لا يتحقق الامتثال، إلا بترك الجميع، كذلك الأمر لا يمتثل إلا بإيجاد جميع الأفراد، و اما إذا لوحظت في مقام الحكم بنحو صرف الوجود، فكما ان الأمر لا يقتضي إلا وجودا واحدا، كذلك النهي لا يقتضي إلا ترك فرد ما، فالمغالطة إنما تكون من جهة انه يؤخذ الطبيعة في مقام تعلق الأمر بنحو صرف الوجود و في مقام تعلق النهي بنحو مطلق الوجود.

____________

(1) ذكر هذه المسألة غير واحد من الأعلام و اعتبروها فرقا مهما بين الأمر و النهي، منهم آية اللّه الخوئي في المحاضرات ج 4 ص 106 (و اما المقام الثاني).

(2) راجع نهاية الدراية ج 1 ص 507 عند قوله: لا يخفى عليك ان الطبيعة توجد بوجودات متعددة ... الخ.

14

و فيه: انه بناء على ان يكون النهي عبارة عن طلب ترك الطبيعة، يتم ما ذكره القوم، و لا يرد عليهم هذا الإيراد.

و هو يتضح بعد بيان مقدمتين:

الأولى: ان الوجود الخارجي كما انه وجود لماهية شخصية، وجود للطبيعة أيضاً. و بعبارة أخرى: كلي الطبيعي موجود في الخارج.

الثانية: ان الإطلاق عبارة عن رفض القيود و عدم دخل شي‏ء منها في الحكم لا الجمع بين القيود و دخل جميع الخصوصيات.

فعلى هذا يتم ما ذكره القوم.

و إيراده (قدِّس سره) (1) مبني على اخذ الخصوصيات في الحكم- و إلا- فإذا لوحظت الطبيعة و طلب إيجادها فهي توجد بوجود فرد واحد، لما عرفت في المقدمة الأولى، و إذا طلب تركها فهو لا يكون إلا بعدم جميع أفرادها، و من هنا قالوا، ان نقيض السالبة الكلية الموجبة الجزئية.

و لكن الصحيح ان يورد عليهم بضعف المبنى كما تقدم، و ان النهي‏

عبارة عن إبراز الكراهة عن الفعل لا طلب الترك و ان متعلق الأمر و النهي شي‏ء واحد، وعليه، فيقع الكلام في بيان الفارق.

و تنقيح القول في المقام يقتضي البحث في موارد:

الأول: في الأفراد العرضية.

____________

(1) أي ايراد المحقق الاصفهاني في نهاية الدراية/ راجع الحاشية السابقة.

15

الثاني: في الأفراد الطولية.

الثالث: انه إذا عصى النهي في زمان و تحقق الفعل فبأي شي‏ء يحكم بوجوب ترك الباقي بعد ذلك.

اما المورد الأول: و هو انه لما ذا يقتضي النهي ترك جميع الأفراد العرضية.

فالحق فيه ان يقال: انه لا يخلو الأمر من ان تكون المفسدة في جميع الأفراد، و يكون في كل وجود مفسدة خاصة، أو تكون في مجموع الوجودات مفسدة واحدة، أو تكون المفسدة في قسم خاص من الطبيعة كالكذب لغير الإصلاح، أو تكون في أول الوجودات مفسدة، فبإطلاق الدليل ينفى الاحتمال الثالث، و اما الاحتمال الثاني فمضافا إلى انه، يدفع بالإطلاق إذ لو كان كذلك و كان نهى واحد متعلقا بالمجموع لزم تقييد متعلقه بانضمام بعض الوجودات إلى بعض: ان مثل هذا التكليف لغو: إذ لا يوجد مكلف يوجد جميع الأفراد فلا محالة يترك بعضها، فيبقى الاحتمال الأول و الأخير، و على كل تقدير يجب ترك جميع الوجودات اما على الأول فواضح، و اما على الأخير، فلان كل فرد وجد فهو أول الوجودات.

و اما المورد الثاني: و هو انه لما ذا يقال باقتضاء النهي لترك جميع الأفراد الطولية؟.

فقد ظهر وجهه مما ذكرناه، بضميمة ان مقتضى إطلاق النهي عدم اختصاصه بزمان خاص، بل لا يكون للزمان دخل في هذا الحكم: إذ على ذلك بعد فرض عدم كون المفسدة في مجموع الوجودات و لا في قسم خاص من الطبيعة، كانت المفسدة في جميع الوجودات، أم في أول ما يوجد، كان اللازم‏

16

ترك جميع الأفراد كما لا يخفى.

و اما المورد الثالث: و هو انه إذا خولف النهي، و تحقق أول الوجودات، لما ذا يجب الترك في الأزمنة المتأخرة؟.

فالظاهر: ان الحكم في هذا المورد، يدور مدار كون المفسدة في جميع الوجودات، و كونها في أول الوجودات، إذ على الأول يجب الترك، و على الثاني لا يجب، و المدعى ان الظاهر من دليل النواهي كون المفسدة من قبيل الأول، خلاف ما هو ظاهر دليل الأمر: فان ظاهره كون المصلحة في صرف الوجود لا في جميع الوجودات.

و لنا في إثبات الفرق و كون النهي من قبيل الأول طريقان:

الأول: الغلبة الموافقة للارتكاز و الفهم العرفي، فان الغالب ترتب المصلحة على صرف الوجود، و المفسدة القائمة بالطبيعة التي لم يؤخذ فيها قيد من القيود بجميع الوجودات، و ان شئت فاختبر ذلك من حال نفسك فيما إذا رأيت مصلحة في فعل من عبدك و مفسدة فيه بالنسبة إلى الآخر و هذه الغلبة قرينة عامة على ان النهي متعلق بكل فرد بحيث لو كان متعلقا بصرف الوجود كان محتاجا إلى نصب قرينة عليه، و الأمر بعكس ذلك، و هذا الفرق إنما نشأ من قبل المصلحة و المفسدة لا من قبل الأمر و النهي، و لا من قبل متعلقهما.

الثاني: ان التقييد بأول الوجودات مخالف للإطلاق في كلا الموردين، بل مقتضى الإطلاق ثبوت الحكم إيجابيا كان أم تحريميا في جميع الأفراد و لكن في الأمر قامت قرينة عامة على ان المتعلق صرف الوجود لملاحظة المصالح القائمة بالطبائع.

17

و بعبارة أخرى: حيث ان إيجاد جميع الأفراد الطولية و العرضية غير مطلوب، اما لعدم القدرة، أو لغيره فلا محالة يكون المتعلق صرف الوجود.

و اما ما ذكره الأستاذ الأعظم‏ (1) في مقام الفرق بين الأمر و النهي: بأنه بما ان الانزجار عن بعض الأفراد حاصل فيستحيل الزجر عنه فلا بد من تعلقه بكل واحد مستقلا ليترتب عليه انزجار المكلف عن ارتكابه، و هذا بعكس الأمر، حيث ان العبد لا يتمكن من إتيان جميع الأفراد، فلا محالة

يكون الطلب متعلقا ببعض أفراده، و بما انه غير مقيد بحصة خاصة، يكون مقتضى الإطلاق جواز الامتثال بكل فرد أراد المكلف إيجاده.

فيرد عليه ان ما ذكر من البرهان في النهي إنما يقتضي نفى احتمال كون المتعلق فردا واحدا من الأفراد مرددا بينها، و اما احتمال كون المتعلق خصوص أول الوجودات فلا ينفى بذلك.

العموم المستفاد من النهي استغراقي‏

الجهة الثالثة: قد مر سابقا ان مقتضى إطلاق دليل النهي هو العموم بالإضافة إلى الأفراد الطولية كاقتضائه العموم بالنسبة إلى الأفراد العرضية، و البحث في هذه الجهة ان إطلاق دليل الأمر المستفاد منه العموم إنما يكون‏

____________

(1) في حاشيته على أجود التقريرات ج 1 ص 328- 329، و في الطبعة الجديدة ج 2 ص 120- 121.

18

مقتضيا لكون العموم في متعلق الأمر بدليا، و قد يكون مجموعيا، كما انه في طرف الحكم الوضعي يكون مجموعيا.

و الأول كما في‏ أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ (1)، فان المستفاد عرفا من إطلاق الآية الكريمة و ان كان هو العموم الاستغراقي بالإضافة إلى الأفراد العرضية و الطولية للعقد، و لكن المستفاد منه بالإضافة إلى الوفاء الذي تعلق به الأمر هو العموم المجموعي لوضوح ان الوجوب الثابت للوفاء بكل فرد من العقد في جميع الآنات و الازمنة، وجوب واحد مستمر و ليس الثابت في كل آن و زمان وجوبا غير الوجوب الثابت له في زمان آخر.

و الثاني كما في‏ أَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ‏ (2) فان المستفاد منه بالإضافة إلى الأفراد العرضية و الطولية للبيع هو العموم الاستغراقي إلا ان الحلية الثابتة لكل فرد من أفراد البيع في جميع الأزمنة حلية واحدة مستمرة.

و اما في طرف النهي فلا يلتزمون بذلك بل بنائهم على ان العموم‏

المستفاد من إطلاق دليله إنما يكون استغراقيا و يكون ثبوت الحرمة له في كل زمان غير الحرمة الثابتة في زمان آخر.

و لذلك تصدى المحقق النائيني (ره) لبيان الفرق، و إليك نصه:

و اما انحلال النهي بالنسبة إلى الأفراد الطولية و بقائه في الآن الثاني بعد امتثاله في الآن الأول بأحد وجهين الأول ان يؤخذ الزمان في ناحية المتعلق بان‏

____________

(1) الآية 1 من سورة المائدة.

(2) الآية 275 من سورة البقرة.

19

يكون شرب الخمر في كل زمان مثلا محكوما بالحرمة فيكون الشرب في الآن الثاني حراما و ان امتثل النهي في الآن الأول بترك تمام أفراد الطبيعة الثاني ان يؤخذ الزمان في ناحية الحكم بان يكون الحكم المتعلق بترك الطبيعة باقيا في الأزمنة اللاحقة و بما انه لا دليل على اخذ الزمان في ناحية المتعلق و لا معنى لتحريم شي‏ء يسقط بامتثاله آنا ما كان دليل الحكمة مقتضيا لبقاء الحكم في الأزمنة اللاحقة أيضاً (1) انتهى.

و يرد عليه: أولا: ما عرفت من ان استفادة العموم بالإضافة إلى الأفراد الطولية أيضاً بالإطلاق.

فما أفاده من ان انحلال النهي بالإضافة إلى الأفراد الطولية يتوقف على أحد أمرين، اما اخذ الزمان في ناحية المتعلق، أو أخذه في ناحية الحكم.

غير سديد: لما مر من عدم توقفه على شي‏ء منهما.

و ثانيا: انه لو سلم انه لا بد من اخذ الزمان في ناحية المتعلق أو الحكم: ان دليل الحكمة يعين أخذه في المتعلق لان إطلاق المتعلق و عدم تقييده بزمان مخصوص يقتضي ثبوت الحكم له في كل زمان على نحو العموم الاستغراقي.

و الحق: ان الفارق هو الفهم العرفي كما تقدم، و كيف كان فتنقيح القول في هذا المقصد بالبحث في فصلين:

____________

(1) اجود التقريرات ج 1 ص 330، و في الطبعة الجديدة ج 2 ص 122- 123.

20

الفصل الأول‏

في اجتماع الأمر و النهي‏

و قبل الشروع في البحث في المقصود يقدم أمور:

الامر الأول: انه حيث يعنون المسألة هكذا:

هل يجوز اجتماع الأمر و النهي أم لا؟.

فلذلك توهم ان النزاع في المقام كبروي بمعنى ان موضوع المسألة اجتماع الأمر و النهي في واحد و محمولها الجواز أو الامتناع.

و التحقيق ان النزاع ليس في ذلك فان اجتماع الأمر و النهي في شي‏ء واحد محال حتى عند من يجوز التكليف بالمحال كالأشعري، فان اجتماعهما في نفسه محال لأنه مستلزم لاجتماع المحبوبية و المبغوضية في واحد و هو ممتنع، لا انه تكليف بالمحال.

بل النزاع إنما يكون صغرويا، و انه لو تعلق الأمر بطبيعة كالصلاة مثلا و تعلق النهي بطبيعة أخرى كالغصب و اتفق انطباق الطبيعتين على شي‏ء واحد، و هو الصلاة في الدار المغصوبة، فيقع الكلام في انه، هل يسرى النهي من متعلقه إلى ما ينطبق عليه الطبيعة المأمور بها، نظرا إلى كون المجمع موجودا بوجود واحد، أم لا يسرى لتعدد المجمع و كونه موجودا بوجودين.

و بعبارة أخرى: محل الكلام ان التركيب بين الطبيعتين في محل الاجتماع،

21

هل هو اتحادي فيتعين القول بالامتناع، أو انضمامي فيتعين القول بالجواز.

المراد بالواحد

الامر الثاني: في المراد بالواحد.

قال المحقق الخراساني‏ (1) المراد بالواحد مطلق ما كان ذا وجهين و مندرجا تحت عنوانين بأحدهما كان موردا للأمر و بالآخر للنهي و ان كان كليا مقولا على كثيرين كالصلاة في المغصوب و إنما ذكر لإخراج ما تعدد متعلق الأمر و النهي و لم يجتمعا وجودا و ان جمعهما واحد مفهوما كالسجود لله و السجود للصنم لا لإخراج الواحد الجنسي أو النوعي كالحركة و السكون المعنونين بالصلاتية و الغصبية انتهى.

و صاحب الفصول- لما رأى انه لو عمم محل النزاع إلى الواحد النوعي و الجنسي، لزم دخول مثل السجود لله المأمور به، و السجود للصنم المنهي عنه في محل البحث، مع انه خارج عن محل البحث قطعا،- خص الواحد بالواحد الشخصي‏ (2).

و المحقق الخراساني- لما رأى ان التخصيص يترتب عليه محذور آخر، و هو

____________

(1) كفاية الاصول ص 150.

(2) راجع الفصول الغروية (فصل: اختلفوا في جواز اجتماع الامر و النهي في شي‏ء واحد) ص 124 ... الخ.

22

لزوم خروج الكلي المنطبق عليه عنوانان أحدهما مأمور به و الآخر منهي عنه كالحركة المعنونة بالصلاتية و الغصبية التي هي تصدق على كثيرين مع انه لاوجه له،- التزم بالتعميم‏ (1) مقيدا بكون الواحد مندرجا تحت عنوانين ليخرج مثل السجود لله و الصنم الذي هو واحد نوعي، إلا انه ليس مندرجا تحت عنوانين بل يكون منقسما اليهما و تحته عنوانان.

و بعبارة أخرى: التزم بان المراد بالواحد هو الواحد في الوجود ليشمل الواحد النوعي المنطبق عليه عنوانان، الذي لازم ذلك، تصادقهما على فرد

واحد في الخارج و يخرج السجود لله و للصنم، حيث انهما لا ينطبقان في الخارج على وجود واحد و فرد شخصي خارجي فتدبر فانه دقيق.

و لكن يرد على المحقق الخراساني ان المراد بالواحد هو الواحد الشخصي لا للمحذور المتقدم المترتب على التعميم كي يدفع بما ذكر، بل لان للقائلين بعدم الاجتماع مسلكين:

أحدهما: ان متعلق الأمر طبيعة و متعلق النهي طبيعة أخرى، و يكون الخارج مقدمة لإيجادهما، لا مصداقا لهما، و على هذا لا يسرى الأمر و النهي إلى الخارج حتى يكون النزاع في خصوص الواحد الشخصي، أم يعم الواحد النوعي.

ثانيهما: انهما يسريان إلى الخارج و لكنه في الخارج وجودان منضمان لا وجود واحد، و على هذا فيسرى كل منهما إلى الخارج أولا بلا واسطة شي‏ء حتى تكون الواسطة هو الواحد، النوعي: لان متعلق الأوامر و النواهي حقيقة

____________

(1) راجع كفاية الاصول ص 150 (و قبل الخوض في المقصود يقدم أمور: الأول).

23

هو الوجود الخارجي.

و اما القائلون بالاجتماع، فهم يقولون انه يسري كل منهما إلى الخارج، و في الخارج وجود واحد، و على هذا القول يسريان إلى الخارج أولا و بلا واسطة شي‏ء و بديهي ان الوجود الخارجي، ليس واحدا نوعيا، إذ الوجود مساوق للفردية، فيكون النزاع في الواحد الشخصي لا غير.

بيان الفرق بين هذه المسألة و مسألة النهي في العبادات‏

الأمر الثالث: في بيان الفرق بين هذه المسألة، و مسألة النهي في العبادات.

و ملخص القول فيه: انه هاهنا نزاعان.

أحدهما: في سراية كل من الأمر و النهي إلى متعلق الآخر و عدمه.

ثانيهما: بعد الفراغ عن عدم السراية، هل يقع التزاحم بين الحكمين أم لا؟.

اما في النزاع الأول: لو اخترنا عدم السراية و حكمنا بالجواز و بنينا

على ان متعلق الأمر غير متعلق النهي، فأجنبية المسألة عن تلك المسألة واضحة، و لو اخترنا السراية، فيقع التعارض و التكاذب بين الدليلين، فان قدمنا جانب الأمر و حكمنا بسقوط النهي فلا نهي كي يشتبه هذه المسألة بتلك المسألة، و ان قدمنا جانب النهي، فيدخل في تلك المسألة بمعنى انه بهذه المسألة يثبت صغرى من صغريات تلك المسألة.

24

و اما في النزاع الثاني: فان لم يكن هناك مندوحة يقع التزاحم بين الحكمين، و حينئذ لو بنينا على اشتراط القدرة في متعلق التكليف لا بد من سقوط أحدهما اما الأمر أو النهي، و اما على القول بعدم الاشتراط يكون التكليفان باقيين، غاية الأمر لا يجب امتثالهما إذ لا ريب في اعتبارها في حكم العقل بلزوم الامتثال.

و ان كان هناك مندوحة فعلى القول باشتراط القدرة يقع التزاحم بين إطلاق دليل الأمر و النهي فان قدم النهي يصير هذا الفرد غير مأمور به و لا يصح إتيانه بداع الأمر المتعلق بالطبيعة، و على أي حال لا يصير منهيا عنه، و ان قدم الأمر، فلا نهى، و اما بناء على عدم اشتراط القدرة، فهذا الفرد أيضاً مأمور به و لا تزاحم بينهما إذ هما أي الأمر و النهي قابلان للامتثال، و على جميع التقادير تكون هذه المسألة من الجهة الثانية من النزاع أجنبية عن مسألة النهي في العبادات بالمرّة.

و في المقام وجهان آخران للفرق ذكرهما الأصحاب.

أحدهما: ما أفاده صاحب الفصول‏ (1) و حاصله ان النزاع في هذه المسألة إنما هو فيما إذا تعلق الأمر و النهي بطبيعتين متغايرتين بحسب الحقيقة و الذات و ان كانت النسبة بينهما العموم المطلق كما إذا أمر المولى عبده بالحركة و نهاه عن القرب في مكان مخصوص.

____________

(1) الفصول الغروية ص 140 (فصل: اختلفوا في دلالة النهي على الفساد و المنهي عنه إلى أقوال).

25

و النزاع في تلك المسألة فيما إذا كان متعلق الأمر و النهي متحدين حقيقة و مختلفين بمجرد الإطلاق و التقييد بان يتعلق الأمر بالطبيعة المطلقة كالصلاة و النهي بحصة خاصة منها كالصلاة في الدار الغصبية.

و يرد عليه انه إذا كان جهة البحث في المسألتين واحدة و كذلك الغرض، مجرد اختلافهما موضوعا أو محمولا لا يوجب عقد مسألتين، فإذا كان ملاك البحث في تلك المسألة موجودا في هذه المسألة و كان الغرض المترتب عليها مترتبا على تلك أيضاً و هو فساد العبادة لا اثر لمجرد الاختلاف المشار إليه.

ثانيهما: ان البحث في تلك المسألة لفظي، فانه يبحث عن دلالة النهي على فساد العبادة، و في المقام عقلي فان الحاكم بالجواز أو الامتناع بملاك تعدد المجمع في مورد الاجتماع و وحدته فيه هو العقل و لا ربط للفظ في البحث عنها.

و فيه أولا: سيأتي ان البحث في تلك المسألة أيضاً عقلي و لا صلة له بعالم اللفظ أصلًا.

و ثانيا: انه مع الامتياز الذاتي بين المسألتين كما قدمناه لا نحتاج إلى امتياز عرضي بينهما.

مسألة اجتماع الأمر و النهي من المسائل الأصولية

الأمر الرابع: في ان هذه المسألة، هل هي من المسائل الفقهية، أو من المسائل الكلامية، أو من المبادئ التصديقية، أو الأحكامية، أو من المسائل الأصولية، وجوه و أقوال:

26

الأول: قد يقال إنها من المسائل الفرعية، لأنه يبحث فيها عن عوارض فعل المكلف و هي صحة العبادة بإتيان المجمع و امتثال الأمر بإتيان مصداق من الطبيعة المأمور بها، إذا انطبق عليه طبيعة منهي عنها أم لا؟

و فيه: انه لم يعنون المسألة هكذا، بل محل الكلام في هذه المسألة، انه، هل يلزم اجتماع الحكمين في فعل واحد أم لا؟ و اما صحة الإتيان بالمجمع و عدمها فهي من ثمرات هذا البحث لا ان ذلك محل الكلام.

الثاني: إنها من المسائل الكلامية، و قد ذكروا لذلك وجهين:

أحدهما: ما أفاده المحقق النائيني (ره) (1) من انه يبحث فيها عن استحالة اجتماع الحكمين في مورد واحد و جوازه.

و فيه: ما عرفت من انه ليس كل ما يبحث فيه عن الإمكان و الاستحالة، مسألة كلامية أ لا ترى انه يبحث في علم الحساب، عن انه، هل يمكن تقسيم الأعشار على المتعارف، أم لا؟

فهل يتوهم أحد كون هذه المسألة من المسائل الكلامية.

ثانيهما: انه يبحث في هذه المسألة عن انه، هل يجوز للمولى و يمكن له ان يأمر و ينهى عن الموجود الخارجي الذي ينطبق عليه عنوان مبغوض، و عنوان محبوب، أم لا يجوز؟

و فيه: ان كل مسألة يبحث فيها عن الإمكان و الاستحالة ليست من المسائل‏

____________

(1) أجود التقريرات ج 1 ص 332، و في الطبعة الجديدة ج 2 ص 127.

27

الكلامية، بل هي عبارة عن المسائل التي يبحث فيها عما يجوز للمولى و يمتنع عليه بما هو مولى كالظلم له تعالى.

و اما البحث عن إمكان الشي‏ء و استحالته في نفسه كإعادة المعدوم، و ان عنوان البحث بأنه، هل يجوز للمولى ذلك، أم لا؟ فلا يوجب كون المسألة كلامية.

و المقام من قبيل الثاني: إذ البحث إنما هو عن الجواز و الامتناع بالنسبة إلى الشي‏ء نفسه كان الأمر و الناهي، هو اللّه تعالى، أم غيره، فلو جاز، جاز له و لغيره، كما انه لو امتنع، امتنع لهما.

الثالث: أنها من المبادئ الأحكامية، بناء على ثبوتها و عدم كونها من المبادئ التصديقية، و هي ما يبحث فيها عن حال الأحكام بما هي من كونها مجعولة استقلالية، أو انتزاعية و من حيث اشتراطها بشروط عقلية، و عن ملازماتها، مثل البحث عن استلزام وجوب الشي‏ء للنهى عن ضده.

و تقريب كونها منها ما أفاده المحقق النائيني‏ (1) و هو انه يبحث فيها عن استلزام حرمة الشي‏ء و وجوبه لعدم الآخر و عدم استلزامه له.

و لكن يرد عليه: ان البحث في المقام إنما هو في لزوم اجتماع الحكمين في واحد و عدمه، و لا يبحث عن استلزام كل من الوجوب و الحرمة لعدم الآخر.

و الأولى في تقريبه ان يقال: ان من مباحث هذه المسألة سراية كل من الأمر

____________

(1) أجود التقريرات ج 1 ص 333، و في الطبعة الجديدة ج 2 ص 127.

28

و النهي إلى متعلق الآخر و عدمها، و هذه عبارة أخرى عن، استلزام الأمر بعنوان، و النهي عن عنوان آخر المنطبقين على شي‏ء واحد، اجتماع الحكمين في شي‏ء واحد، و عدمه، وعليه فان وقعت هذه المسألة في طريق استنباط الحكم الشرعي، تكون من المسائل الأصولية، و إلا فهي من المبادئ الأحكامية.

الرابع: كونها من المبادئ التصديقية فقد اختاره المحقق النائيني‏ (1)، و ذكر في وجهه، انه لا يترتب فساد العبادة على القول بالامتناع، بل القول به يوجب دخول دليلي الوجوب و الحرمة في باب التعارض و إجراء أحكامه عليهما ليستنبط من ذلك حكم فرعي.

وعليه فالنزاع من الجهة الأولى يدخل في مبادئ بحث التعارض، كما ان النزاع في الجهة الثانية يدخل في مبادئ بحث التزاحم.

و بالجملة استنباط الحكم الفرعي، إنما يكون متوقفا على إجراء أحكام التعارض، أو التزاحم و لا يترتب على هذه المسألة نتيجة فرعية، بعد ضم صغرى نتيجة تلك المسألة إليها.

أقول: لو كان المراد من الحكم الفرعي المستنتج من هذه المسألة، الصحة، و الفساد كانت هذه المسألة كما أفيد من المبادئ التصديقية، إذ على الامتناع، يدخل دليلا الوجوب و الحرمة في باب التعارض، فبضميمة إجراء أحكامه عليهما يستنتج حكم فرعى، و على الجواز من الناحية الأولى، يدخلان في باب التزاحم، فبضميمة إجراء أحكامه يستنتج الصحة، أو الفساد.

____________

(1) أجود التقريرات ج 1 ص 333، و في الطبعة الجديدة ج 2 ص 128 (و لكن التحقيق).

29

و ما ذكره الأستاذ الأعظم‏ (1) إيرادا على المحقق النائيني من انه يترتب على هذه المسألة، صحة العبادة على القول بالجواز، و هذا المقدار يكفي في كون المسألة أصولية، و ان كان على القول بالامتناع لا يستنبط الفساد إلا بعد ضم إجراء أحكام التعارض.

غير سديد إذ استنباط الصحة على القول بالجواز إنما يكون بعد إجراء أحكام التزاحم أيضاً.

و لكن يرد عليه ان الصحة و الفساد ليستا من الأحكام الشرعية، فانهما ينتزعان من مطابقة المأتي به للمأمور به، و عدمها، فترتبهما ليس مناط كون المسألة أصولية، فلا بد و ان يكون المراد من الحكم الفرعي الوجوب و الحرمة.

و هو بهذا المعنى يستنتج من نفس هذه المسألة بلا احتياج إلى ضم شي‏ء آخر إليها، إذ بناء على السراية يكون الثابت في المجمع حكما واحدا، و على الجواز و عدم السراية يستنتج ان المجمع محكوم بحكمين.

فان قيل انه ما لم ينضم إليه مسألة أخرى، و هي مسألة التزاحم لا يمكن الحكم بكونه محكوما بحكمين.

اجبنا عنه بان التزاحم إنما يكون في مقام الامتثال بعد ورود الحكم الشرعي من قبل الشارع.

و ان شئت فقل ان نتيجة هذا البحث على الجواز ثبوت حكمين مشروطين‏

____________

(1) في حاشيته على أجود التقريرات ج 1 ص 333، و في الطبعة الجديدة ج 2 ص 128 (بل التحقيق).

30

بالقدرة، هذا بناء على اعتبار القدرة في الحكم الشرعي و اما بناء على عدم اعتبارها فالأمر أوضح من ذلك، إذ لا يسقط شي‏ء منهما، بل هما باقيان على كل تقدير.

فالمتحصّل مما ذكرناه ان هذه المسألة من المسائل الأصولية: لأنها تقع نفسها بلا ضم مسألة أخرى إليها في طريق استنباط الحكم الشرعي، و قد مران هذا هو الملاك في كون المسألة أصولية.

هذه المسألة من المسائل العقلية

الأمر الخامس: الظاهر ان هذه المسألة من المسائل العقلية لا اللفظية، و ليس الوجه فيه ما أفاده المحقق الخراساني (ره) (1) من انه لا اختصاص للنزاع في الجواز و الامتناع بما إذا كان الإيجاب و التحريم باللفظ.

فانه و ان كان محل النزاع خصوص ذلك لم تكن لفظية.

فان مناط كون المسألة عقلية، عدم كون النزاع في تحديد مدلول اللفظ و بديهي ان محل الكلام في هذه المسألة ليس ذلك كان النزاع في اجتماع الأمر و النهي المدلولين للفظ أم في الإرادة و الكراهة و الاعتبارات النفسانية.

بعبارة أخرى: انه و ان كان محل النزاع جواز اجتماع الطلب المستفاد من الأمر و الزجر المستفاد من النهي و عدمه لما كانت المسألة لفظية، بل تكون مع‏

____________

(1) كفاية الاصول ص 152 (الرابع).

31

ذلك عقلية: لأنه بديهي ان محل الكلام ليس هو تحديد مدلول اللفظ.

و قد يقال انه حيث يكون من جملة الأقوال في المسألة الجواز عقلا و الامتناع عرفا كما نسب إلى المحقق الأردبيلي (ره) (1) فلا محالة تكون المسألة لفظية إذ معنى الامتناع العرفي دلالة اللفظ بواسطة الملازمة العرفية على ذلك، بان يدل دليل الأمر على وجوب ما تعلق النهي به، و دليل النهي على حرمة ما تعلق به الأمر فلا محالة يقع التنافي بين الدليلين.

و أجاب عنه المحقق الخراساني (ره) (2) بان المراد من الامتناع العرفي ليس ما ذكر بل مراده منه ان الموضوع و ان كان بحسب الدقة العقلية

متعددا في مورد التصادق، إلا انه يكون بالنظر المسامحي العرفي واحدا، فالعقل هو الحاكم بالامتناع بعد تشخيص الموضوع بنظر العرف لا ان اللفظ يدل عليه.

و يتوجه عليه: انه قد تكرر منا ان نظر العرف إنما يتبع في تعيين المفاهيم سعة و ضيقا. و اما في مقام تطبيق المفاهيم على المصاديق فلا يعتنى به، بل يضرب على الجدار.

وعليه فان كان مدعى هذا القائل ما أفاده المحقق الخراساني.

فهو بديهي البطلان.

و ان كان مراده دلالة اللفظ على سراية كل من الأمر و النهي من متعلقه إلى متعلق الآخر.

____________

(1) نسبه غير واحد إلى المحقق الاردبيلي، و الظاهر أنه مختاره في شرح الارشاد ج 2 ص 110.

(2) كفاية الاصول ص 152.

32

فيرده ان ملاك السراية و عدمها وحدة المجمع في مورد التصادق و تعدده، فان كان واحدا بحسب الواقع فلا مناص من القول بالامتناع و السراية، و ان كان متعددا في الواقع، فان قلنا بسراية الحكم من أحد المتلازمين إلى اللازم الآخر، فأيضا لا بد من القول بالامتناع، و ان قلنا بعدم السراية كما هو الحق، فلا بد من الالتزام بالقول بالجواز، و الملاك في وحدة المجمع و تعدده إنما هو نظر العقل لا العرف كما تقدم.

و ربما يقال في وجه كون الامتناع عرفيا و صيرورة المسألة لفظية: بأنه يبحث في انه، هل يكون المتفاهم العرفي من الأدلة الدالة على وجوب الصلاة أو نحوها. بعد ملاحظة دليل النهي عن التصرف في مال الغير مثلا إنما هو وجوب حصة خاصة من الصلاة، و هي الحصة التي لا تقع في مال الغير، فيكون الحصة الواقعة في ملك الغير منهيا عنها فحسب و لا تكون مصداقا للمأمور بها و مآل ذلك إلى تخصيص دليل المأمور به بغير موارد المنهي عنه و هذا معنى امتناع اجتماعهما في شي‏ء واحد، أم لا يكون المتفاهم العرفي ذلك.

و فيه أولا: ان ذلك لا ربط له بما هو محل الكلام، فان محل الكلام ما لو كان المجمع مشمولا لدليل الأمر و النهي معا و المفروض في ذلك تخصيص الأمر بغير المجمع، و لا موضوع حينئذ للنزاع في جواز الاجتماع و امتناعه كما هو واضح.

و ثانيا: انه لاوجه للدعوى المزبورة أصلًا فان تخصيص الدليل‏

بحصة خاصة من الطبيعة المأمور بها يحتاج إلى دليل يدل عليه و دلالة دليل النهي على ذلك بعد كون النسبة بينهما عموما من وجه تتوقف على القول بالامتناع‏

33

و تقديم جانب النهي، أو الجواز و أهمية دليل النهي و سيأتي الكلام في الموردين.

جريان النزاع في جميع أنواع الأمر و النهي‏

الأمر السادس: الظاهر جريان النزاع في جميع أنواع الأمر و النهي ما عدا التخييريين منهما سواء أ كانا نفسيين، أم غيريين، أم تعيينيين، أم عينيين، أم كفائيين. فلنا دعويان:

الدعوى الأولى: جريان النزاع في جميع أنواعهما.

و الوجه فيه انه قد عرفت ان القول بالامتناع يبتني على أحد أمرين:

اما كون المجمع واحدا وجودا. أو الالتزام بسراية الحكم من أحد المتلازمين بحسب الوجود إلى الملازم الآخر.

و القول بالجواز يبتني على أمرين: أحدهما: تعدد المجمع. الثاني: عدم سراية الحكم من أحد المتلازمين إلى الآخر، وعليه فحيث انه بديهي استحالة اجتماع الحكمين في شي‏ء واحد كان الحكمان نفسيين أم غيريين أو عينيين أم كفائيين، فلا محالة يكون النزاع في جميع أنواعهما.

و دعوى: ان عنوان المسألة لا يعم جميع الأقسام و ان كان الملاك عاما لان المأخوذ في العنوان هو الأمر و النهي و قد مر انصرافهما إلى النفسيين العينيين التعينيين.

34

مندفعة: بان هذين اللفظين ربما يطلقان في مقام الأخبار مثل: قولنا الأمر و النهي لا يجتمعان.

و قد يطلقان في مقام الإنشاء و مقتضى الإطلاق في المورد الأول هو الشمول لجميع الأقسام و مقتضاه في الثاني هو الحمل على النفسيين العينيين‏

التعينيين كما تقدم الكلام في ذلك مفصلا.

و اما ما أفاده المحقق الخراساني (ره) (1) في مقام الجواب من ان الانصراف المشار إليه لو سلم فإنما هو في صيغتهما لا في مادة الأمر و النهي، مع، ان الانصراف المذكور إنما هو بمقتضى مقدمات الحكمة لا بمقتضى الانصراف اللفظي أو الانسباق الإلحاقي المستند إلى الوضع.

فيرده، ان الانصراف لو تم فإنما هو في الموردين.

فان منشأ الانصراف هو المعنى لا اللفظ كي يفرق بين الصيغة المستعملة في مقام الإنشاء و مادة الأمر أو النهي المستعملة فيه.

و ادعاء اختصاص العنوان ليس مبنيا على الانسباق الحاقي، بل على ظهور الكلام كان لذلك، أم من جهة الإطلاق و مقدمات الحكمة.

فالصحيح في الجواب ما ذكرناه مع ان اختصاص العنوان لا يوجب اختصاص البحث بعد كون الملاك عاما.

و اما الدعوى الثانية: و هي عدم جريانه في التخييريين منهما، فلانه لا

____________

(1) راجع كفاية الاصول ص 152- 153 (الخامس).

35

نتصور للحرمة التخييرية معنى قابلا لان تجتمع مع الإيجاب في مورد: إذ بناء على كون الحرمة ناشئة عن المفسدة و المبغوضية مرد الحرمة التخييرية إلى حرمة الجمع بين الفعلين باعتبار قيام مفسدة ملزمة بالمجموع، لا بالجامع بينهما، و إلا لكان كل من الفعلين محرما بالحرمة التعينية لفرض انحلال النهي المتعلق بالجامع إلى نواه عديدة، بعدد ما للجامع من الأفراد فيثبت لكل واحد منهما نهى مستقل، و هذا بخلاف الإيجاب فان مرد الوجوب التخييري إلى إيجاب الجامع بين شيئين أو الأشياء لقيام مصلحة واحدة ملزمة بفرد واحد من ذلك الجامع بلا دخل لخصوصية من الخصوصيات فيه.

و على ذلك فان أتى بالمجمع الذي هو مصداق لأحد طرفي الوجوب واحد فردي التخييري من الحرمة، كما لو أمر بالصلاة أو الصوم تخييرا، و نهى عن التصرف في الدار و المجالسة مع الأغيار كذلك، فصلى فيها، فان لم يجلس مع الأغيار لا يكون تصرفه في الدار حراما، فيتمحض المجمع في الوجوب، و ان جالس معهم فيكون تصرفه في الدار محرما بالحرمة التعينية غايته الضمنية لفرض ان المحرم هو مجموع الفعلين.

و بما ذكرناه يظهر ان ما أفاده المحقق الخراساني‏ (1)- في ان النزاع يجرى في التخييريين أيضاً، و مثل له بالمثال المذكور و قال فصلى فيها مع مجالستهم كان حال الصلاة فيها حالها كما إذا أمر بها تعيينا و نهى عن التصرف فيها كذلك في جريان النزاع و مجي‏ء أدلة الطرفين‏

____________

(1) كفاية الاصول ص 153.

36

غير تام فان المفروض فيما أفاده الحرمة التعينية لا التخييرية كما مر.

و اما ما مثل به في الفوائد (1)، و هو ما إذا أمر بكل من الصلاة و الصوم تخييرا و نهى عن كل من الشرب و الدخول في الحمام تخييرا، فصلى في الحمام، و قال هذه الصلاة كالصلاة في الغصب من حيث جريان النزاع فيها، فان كان مراده الصلاة في الحمام من دون ان يشرب فالمجمع لا حرمة فيه، و ان كان مع الشرب ورد عليه ما أوردناه على ما في الكفاية.

اعتبار قيد المندوحة في محل النزاع‏

الأمر السابع: صرح صاحب الفصول (ره) (2) و المحقق القمي (ره) (3)

و المحقق‏

____________

(1) فوائد الاصول للآخوند ص 144 (الخامس).

(2) الفصول الغروية ص 124 (اختلفوا في جواز اجتماع الامر و النهي في شي‏ء واحد).

(3) راجع قوانين الاصول ج 1 ص 153- 154، و قد فصل (قدِّس سره) بين ما كان العجز مسبب عن سوء الاختيار فلا يمتنع الاجتماع، و بين ما يكون مسبب عن غير سوء اختيار كالداخل في الارض المغصوبة سهوا فيمتنع الاجتماع، لانه تكليف بما لا يطاق و مما قاله: «لو دخل في دار الغير سهوا فإنّ الأمر بالخروج و النّهي عنه موجب لتكليف ما لا يطاق فهو مأمور بالخروج لا غير، و أمّا فيما نحن فيه و إن كان يلزم تكليف ما لا يطاق أيضا و لكن لا دليل على استحالته إن كان الموجب هو سوء اختيار المكلّف كما يظهر من الفقهاء في كون المستطيع مكلّفا بالحج إذا أخره اختيارا و إن فات استطاعته».

37

الخراساني في الفوائد (1) بأنه لا بد من اعتبار قيد المندوحة في محل النزاع في هذه المسألة بل قال صاحب الفصول ان من تركه فقد اتكل على الوضوح لظهور اعتباره.

و لكن قال المحقق الخراساني في الكفاية (2) و التحقيق مع ذلك عدم اعتبارها فيما هو المهم من محل النزاع من لزوم المحال و هو اجتماع الحكمين المتضادين، و عدم الجدوى في كون موردهما موجها بوجهين في رفع غائلة اجتماع الضدين، أو عدم لزومه، و ان تعدد الوجه يجدي في رفعها، و لا يتفاوت في ذلك أصلًا وجود المندوحة و عدمها.

و أورد عليه المحقق النائيني‏ (3) و جمع من المحققين‏ (4)، بان النزاع في‏

المقام إنما يكون من جهتين:

____________

(1) فوائد الاصول للآخوند ص 144 (عند قوله ثم ان الظاهر انه يعتبر في محل النزاع).

(2) كفاية الاصول ص 153 (السادس).

(3) أجود التقريرات ج 1 ص 331، و في الطبعة الجديدة ج 2 ص 125- 126.

(4) نعم عدَّة من الاعلام تعرضوا لرأي صاحب القوانين و ناقشوه، منهم المحقق الحائري في درر الفوائد ج 1 ص 115 فقال بعد ايراد كلامه: «و لكنك خبير بان هذا التفصيل يأبى عنه العقل بل لعل قبح التكليف بما لا يطاق مطلقا من البديهيات الأولية»./ و منهم الشيخ الاعظم في مطارح الأنظار ص 153 و بعد مناقشة الاقوال و التعرض لما ذهب اليه صاحب القوانين قال: «و يكفي في فساد النسبة المذكورة ذهاب المشهور من أصحابنا إلى عدم جواز الاجتماع فيما فيه المندوحة فكيف فيما ليس فيه مندوحة.

38

الأولى: في سراية كل واحد من الأمر و النهي إلى متعلق الآخر و عدمها.

الثانية: في انه على فرض عدم السراية، هل يوجب انطباقهما على فعل واحد، وقوع التزاحم بين حكمهما أم لا؟

و النزاع في الجهة الثانية لا بد و ان يكون مع وجود المندوحة لان وقوع التزاحم بين الحكمين مع عدمها واضح.

و يتوجه عليهم: انه بناء على عدم اعتبار القدرة في متعلق التكليف، يكون الحكمان موجودين على الجواز من الجهة الأولى حتى مع عدم المندوحة.

و اما بناء على اعتبارها في متعلق التكليف فبناء على ما هو المعروف من كفاية الملاك المستكشف من الدليل المتكفل لبيان الحكم و ان سقط هو للتزاحم، في التقرب، صحت العبادة على القول بالجواز من الجهة الأولى كانت المندوحة موجودة أم لم تكن.

و اما بناء على ما هو الحق من عدم استكشاف الملاك من ذلك الدليل بعد سقوط الحكم فبناء على تعلق الأوامر بالأفراد، وجود المندوحة و عدمها سواء، فان القدرة على الامتثال بسائر الأفراد لا تجعل المجمع مقدورا

و بعبارة أخرى: القدرة على ساير الأفراد لا توجب صحة الأمر بالمجمع، و اما بناء على تعلقها بالطبائع، فان قلنا بان تعلق الأمر بالطبيعة السارية إنما يصح في صورة القدرة على جميع الأفراد و إلا فالمتعلق هي الطبيعة السارية في الأفراد المقدورة فكذلك كما لا يخفى، نعم، على القول بتعلقها بالطبيعة و كفاية القدرة على بعض الأفراد في صحة الأمر بالطبيعة أين ما سرت يصح اخذ

39

المندوحة إذ مع فرض وجودها لا تزاحم بين الأمر و النهي، و اما مع انحصار الطبيعة في المجمع فيقع التزاحم بين الحكمين فتدبر فان ما ذكرناه حقيق به.

عدم ابتناء النزاع في المقام على تعلق الأوامر بالطبائع‏

الأمر الثامن: قد يتوهم ان النزاع في الجواز و الامتناع، يبتنى على القول بتعلق الأحكام بالطبائع، و اما الامتناع على القول بتعلقها بالأفراد فهو في غاية الوضوح، لأنه على تقدير القول بتعلقها بالأفراد يكون الفرد الخارجي مصداقا للمأمور به و المنهي عنه معا و لم يقل أحد بجواز ذلك حتى القائل بالجواز فانه إنما يقول به بدعوى ان تعدد العنوان يوجب تعدد المعنون لا مطلقا فلا يعقل النزاع على هذا القول.

و قد يتوهم ان القول بالامتناع يبتني على القول بتعلق الأحكام بالأفراد لما مر و القول بالجواز يبتني على القول بتعلقها بالطبائع فان الأمر إذا تعلق بطبيعة و النهي بطبيعة أخرى و اتفق انطباقهما على شي‏ء في الخارج يكون المتعلقان متعددين و لا يلزم اجتماعهما في واحد، و لعله يرجع إلى الأول، و لذلك.

أجاب المحقق الخراساني عنهما بجواب واحد، و حاصله‏ (1) ان تعدد الوجه ان كان يجدي في تعدد المتعلق بحيث لا يضر معه الاتحاد بحسب الوجود و الإيجاد لكان يجدي ذلك، و لو على القول بالأفراد إذ الموجود الخارجي الموجه بوجهين‏

____________

(1) كفاية الاصول ص 154.

40

يكون فردا لكل من الطبيعتين فيكون مجمعا لفردين موجودين بوجود واحد، و إلا لما كان يجدي أصلًا حتى على القول بالطبائع لوحدة الطبيعتين وجودا و اتحادهما خارجا.

و حق القول في المقام ان يقال ان مرد النزاع في تعلق الأوامر بالطبائع، أو الأفراد ان كان إلى ما اختاره المحقق الخراساني (ره) و المحقق النائيني في تلك المسألة، من ان المراد من تعلق الأمر بالطبيعة هو تعلقه بنفس الشي‏ء مع قطع النظر عن مشخصاته، و المراد من تعلقه بالفرد ان المشخصات تكون مقومة للمراد بما هو مراد فيكون تلك اللوازم و المشخصات داخلة في متعلق الأمر.

فالقائل بتعلق بالطبيعة يريد تعلقه بذات الشي‏ء مع قطع النظر عن مشخصاته بحيث لو تمكن المكلف من إيجاده في الخارج بدون أي مشخص و أوجده يسقط الأمر و يحصل الامتثال.

و القائل بتعلقه بالفرد يريد تعلقه به مع مشخصاته فتكون مشخصاته أيضاً مأمورا بها، يكون التوهم المذكور متينا جدا:

إذ على القول بتعلق الأوامر و النواهي بالأفراد يكون الأمر متعلقا بالصلاة مثلا مع مشخصاتها و من جملتها الغصب في مورد الاجتماع فهو متعلق للأمر، و الحال انه متعلق للنهي أيضاً فيلزم اجتماع الأمر و النهي في شي‏ء واحد و هو محال.

و على القول بالتعلق بالطبائع يصح النزاع، و القول بان متعلق كل من الأمر و النهي غير الآخر، فلم يجتمعا في واحد و إنما الاجتماع في مرحلة أخرى.

41

و بذلك يظهر ان المحقق الخراساني ليس له الجواب بما أفاده.

و لكن قد مر في ذلك المبحث ان مسألة تعلق الأوامر بالطبائع أو الأفراد، يمكن ان تكون مبتنية على مسألة فلسفية و هي ان الأصل في التحقق هو الفرد أو الطبيعة و الماهية، و القائلون بأصالة الماهية يدعون ان متعلق الأمر هو الطبيعة و القائلون بأصالة الوجود يقولون ان المتعلق هو الفرد، و أيضا يمكن ان تكون مبتنية على مسألة فلسفية أخرى، و هي ان الكلي الطبيعي موجود في الخارج بوجود أفراده أم لا وجود له في الخارج.

فعلى الأول يكون متعلق الأوامر و النواهي وجودات الطبائع.

و على الثاني يكون المتعلق الأفراد.

و على هذين التقديرين عدم ابتناء النزاع في المقام على تلك المسألة في غاية الوضوح و ما أفاده المحقق الخراساني يتم على هذين المبنيين فتدبر.

ضابط ما يكون داخلا في مورد هذا الباب‏

الأمر التاسع: قال صاحب الكفاية (1): انه لا يكاد يكون من باب‏

الاجتماع إلا إذا كان في كل واحد من متعلقي الإيجاب و التحريم مناط حكمه مطلقا حتى في مورد التصادق و الاجتماع كي يحكم على الجواز بكونه فعلا محكوما بالحكمين و على الامتناع بكونه محكوما بأقوى المناطين أو بحكم آخر غير

____________

(1) كفاية الاصول ص 154 (الثامن).

42

الحكمين فيما لم يكن أحدهما أقوى كما يأتي تفصيله و اما إذا لم يكن للمتعلقين مناط كذلك فلا يكون من هذا الباب و لا يكون محكوما إلا بحكم واحد منهما إذا كان له مناطه أو حكم آخر غيرهما فيما لم يكن لواحد منهما قيل بالجواز أو الامتناع. هذا بحسب مقام الثبوت.

و اما بحسب مقام الدلالة و الاثبات فالروايتان الدالتان على الحكمين متعارضتان إذا أحرز ان المناط من قبيل الثاني فلا بد من عمل المعارضة حينئذ بينهما من الترجيح و التخيير و إلا فلا تعارض في البين بل كان من باب التزاحم بين المقتضيين فربما كان الترجيح مع ما هو اضعف دليلا لكونه أقوى مناطا فلا مجال حينئذ لملاحظة مرجحات الروايات أصلًا بل لا بد من مرجحات المقتضيات المتزاحمات كما يأتي الإشارة إليها نعم لو كان كل منهما متكفلا للحكم الفعلي لوقع بينهما التعارض فلا بد من ملاحظة مرجحات باب المعارضة لو لم يوفق بينهما بحمل أحدهما على الحكم الاقتضائي بملاحظة مرجحات باب المزاحمة انتهى.

و ربما يورد عليه، بالتنافي، بين قوله في هذا الأمر، فالروايتان الدالتان على الحكمين متعارضتان إذا أحرز ان المناط من قبيل الثاني.

و بين قوله في الأمر اللاحق و كلما لم يكن هناك دلالة عليه فهو من باب التعارض: إذ لازم الأول، هو إجراء أحكام التزاحم عند الشك في ثبوت المقتضى للحكمين، و لازم الثاني، هو إجراء أحكام التعارض.

و لكن الظاهر عدم وجود صورة شك في ذلك كي يكون على الأول موردا لإجراء أحكام التزاحم و على الثاني موردا لإجراء أحكام التعارض.

43

و ذلك لان دليلي الحكمين ان لم يكن لهما إطلاق، أو كان لاحدهما خاصة لم يكونا من المتعارضين و لا المتزاحمين، و ان كان لكل منهما إطلاق.

فان علم بكذب أحدهما كان من باب التعارض مطلقا على كلا المسلكين.

و ان لم يعلم بكذب أحدهما: فعلى القول بالجواز يعمل بكلا الدليلين:

فإذا كان الدليلان، أو أحدهما في مقام بيان الحكم الاقتضائي يحكم بفعليتهما، و اما على الامتناع، فان كان الدليلان في مقام بيان الحكم الاقتضائي، أو كان أحدهما كذلك يكونان من باب التزاحم.

و اما ان يكون الدليلان في مقام بيان الحكم الفعلي، فالاطلاقان متعارضان إذ بعد فرض عدم إمكان فعليتهما معا.

اما ان يكون مرجح من المرجحات المذكورة في الأخبار العلاجية لاحدهما فيحكم بفعليته. و إلا فيتساقطان.

و على كل تقدير أي سواء كان الساقط أحدهما أو كليهما يكونان من باب التعارض، إذ كما يمكن ان يكون السقوط و الانتفاء لأجل المانع مع ثبوت المقتضى له يمكن ان يكون لأجل انتفائه.

اللهم إلا ان يقال ان قضية التوفيق بينهما هو حمل كل منهما على الحكم الاقتضائي لو لم يكن أحدهما اظهر و إلا فخصوص الظاهر منهما.

بدعوى: ان الدليل المتكفل لبيان الحكم الفعلي، يدل بالمطابقة على ثبوت الحكم و بالالتزام على ثبوت المقتضى له فإذا وقع التنافي و التعارض بين الحكمين و سقطت الدلالة المطابقية لهما أو لاحدهما عن الحجية، لاوجه‏

44

لالقائهما عن الحجية في الدلالة الالتزامية، و لازم ذلك هو الحكم بوجود المقتضى لهما فيكونان من باب التزاحم.

ثم ان هذا كله في شرح كلمات المحقق الخراساني، و دفع توهم التنافي بين كلماته.

و اما تحقيق القول في المقام، فملخص ما أفاده في هذا الأمر، أمور ثلاثة:

أحدها: ان هذه المسألة تدور مدار أمر واحد، و هو كون المجمع لمتعلقي الأمر و النهي في مورد الاجتماع، مشتملا على ملاك الحكمين معا.

ليكون على القول بالجواز محكوما بكلا الحكمين، لفرض وجود الملاك، و عدم المانع من ناحية أخرى.

و على القول بالامتناع، يكون محكوما بأقوى الملاكين إذا كان أحدهما أقوى، و بحكم آخر غير هذين الحكمين إذا كان الملاكان متساويين، و اما لو

يكن المجمع مشتملا على الملاكين فلا يكون من هذا الباب، كان مشتملا على ملاك أحدهما أم لا؟

و لكن يرد عليه ان هذه المسألة لا تكون مبتنية على نظر الإمامية القائلين بتبعية الأحكام للملاكات الواقعية بل تعم نظر جميع المذاهب حتى مذهب الاشعري المنكر لتبعية الأحكام للملاكات.

مع انه قد مر ان القول بالامتناع يبتنى على سراية النهي من متعلقة إلى ما ينطبق عليه المأمور به، اما لوحدة المجمع وجودا و ماهية، أو لعدم تخلف اللازم عن الملزوم في الحكم، و القول بالجواز يكون مبتنيا على عدم السراية، وعليه‏

45

فأجنبية مسألتنا هذه، عن مسألة تبعية الأحكام للمصالح و المفاسد الواقعية، واضحة.

ثانيها: انه لو أحرز من الخارج، ان المجمع للمتعلقين مشتمل على ملاك واحد غير المعلوم انه ملاك الأمر أو النهي، يقع التعارض بين دليلي الأمر و النهي، و لا بد من الرجوع إلى مرجحات ذلك الباب، و إلا بان لم يحرز ذلك، كان من باب تزاحم المقتضيين، و لا بد من إعمال قواعد باب التزاحم.

و يرد عليه ما تقدم في مبحث الضد من ان ملاك التعارض هو تنافى الحكمين في مقام الجعل، اما من ناحية المبدأ أو من ناحية المنتهى، و الملاك في التزاحم هو ما إذا لم يكونا متنافيين في مقام الجعل، بل كان بينهما كمال الملاءمة، و كان التضاد بين المتعلقين اتفاقيا و كان منشأه عدم قدرة المكلف على الجمع بينهما في مقام الامتثال اتفاقا.

وعليه: فإذا فرض وجود المقتضيين، و فرض ان المجمع واحد وجودا، و ماهية، لا محالة يقع المعارضة بين الحكمين: إذ لا يمكن اجتماع المصلحة غير المزاحمة بالمفسدة، أو الغالبة عليها، مع المفسدة كذلك، و أيضا لا يمكن اجتماع الإرادة، و الكراهة، و أيضا لا يمكن الامتثال و لا يكون ذلك من باب التزاحم، و لا مورد لاعمال قواعده، و قد مر ان باب تزاحم المقتضيين، غير باب تزاحم الأحكام.

ثالثها: انه لو كان كل من الدليلين متكفلا للحكم الفعلي لوقع التعارض بينهما، فلا بد من ملاحظة مرجحات باب المعارضة، إلا إذا جمع بينهما بحمل أحدهما على الحكم الاقتضائي، بملاحظة مرجحات باب المزاحمة.

46

و فيه: ان التوفيق العرفي إنما يكون بملاحظة مرجحات باب الدلالة و المعارضة، لا بملاحظة مرجحات باب المزاحمة، لوضوح الفرق بين البابين، مع ان الحمل المزبور، لا يجدي في رفع غائلة اجتماع الأمر و النهي في شي‏ء واحد لما مر ان اجتماع المصلحة، و المفسدة، و المؤثرتين، في المحبوبية و المبغوضية، غير ممكن.

و اما ما أورده المحقق النائيني‏ (1) على ما أفاده المحقق الخراساني ضابطا في المقام، بما حاصله، ان لازم ذلك عدم تحقق مورد للتعارض أصلًا إذ انتفاء الملاك لا يمكن استكشافه من نفس الدليلين لعدم تكاذبهما في ذلك و إنما يكون تكاذبهما في الوجوب و الحرمة، و لو دل دليل من الخارج على انتفاء الملاك في أحدهما يكون ذلك من موارد اشتباه الحجة باللاحجة.

فيرد عليه: أولا: ما ذكره المحقق الخراساني بقوله، فان انتفاء أحد المتنافيين كما يمكن ان يكون لأجل المانع مع ثبوت المقتضى له، يمكن ان يكون لأجل انتفائه، فعلى الامتناع و كون الدليلين في مقام بيان الحكم الفعلي يكون الدليلان متعارضين.

و ثانيا: انه لو علم من الخارج انتفاء الملاك في أحد الحكمين الموجب للعلم بكذب أحدهما بناء على مسلك العدلية من تبعية الأحكام للمصالح و المفاسد يكون ذلك من باب التعارض، لا اشتباه الحجة باللاحجة كما حققناه في مبحث التعادل و الترجيح.

____________

(1) أجود التقريرات ج 1 ص 356، و في الطبعة الجديدة ج 2 ص 160- 161.

47

ما به يحرز كون المورد من قبيل التعارض أو من هذا الباب‏

الأمر العاشر: ان المحقق الخراساني (ره) بعد ما بين في المقدمة الثامنة (1) ضابط ما به يدخل مورد الاجتماع في هذا الباب قد تعرض لمقدمة أخرى، و غرضه من التعرض له بيان ما به يمكن ان يحرز به كون مورد من قبيل التعارض أو من هذا الباب.

و حاصل ما أفاده‏ (2) انه ان كان هناك ما دل من إجماع أو غيره على وجود المناط لكلا الحكمين في المجمع فلا إشكال في انه حينئذ من هذا الباب، و إلا فان كان لكل من دليلي الحكمين إطلاق، فإما ان يكون الاطلاقان في مقام بيان الحكمين الاقتضائيين أو يكون الاطلاقان في مقام بيان الحكمين الفعليين.

فعلى الأول يدل الاطلاقان على ثبوت المقتضى و المناط في مورد الاجتماع، فيكون من هذا الباب.

و على الثاني فكذلك على القول بالجواز إلا إذا علم إجمالا بكذب أحدهما فيعامل معهما معاملة المتعارضين، و على الامتناع فالاطلاقان متنافيان من غير دلالة على ثبوت المقتضى للحكمين، لان انتفاء أحد المتنافيين كما يمكن ان يكون لأجل المانع، يمكن ان يكون لأجل انتفائه.

اللهم إلا ان يقال ان مقتضى التوفيق بينهما حمل كل منهما على الحكم‏

____________

(1) كفاية الاصول ص 154.

(2) كفاية الاصول ص 155- 156 (التاسع) بتصرف يسير

48

الاقتضائي لو لم يكن أحدهما اظهر و إلا فخصوص الظاهر منهما.

و في كلامه مواقع للنظر، مع قطع النظر عما أوردنا عليه من عدم كون المناط في هذا الباب وجود الملاكين.

الأول: ان المراد من الحكم الفعلي ان كان هو الحكم البالغ مرتبة الباعثية و الزاجرية، فهو ليس امرا جعليا و مجعولا للشارع، بل هو يدور

مدار فعلية ما اخذ موضوعا له في مقام الجعل و الانشاء: لما مر غير مرة من ان الأحكام الشرعية مجعولة بنحو القضية الحقيقية، و لا يتوقف جعلها على وجود الموضوع و إنما يصير الحكم فعليا بعد فعلية موضوعه، و لا يعقل تخلفه عنه.

و ان كان المراد منه هو جعل الحكم و انشائه.

فيرد عليه ان اجتماع الحكمين كذلك في شي‏ء واحد محال من غير فرق بين القول بالجواز، و الامتناع.

الثاني: فيما أفاده في الحكم الاقتضائي، فانه يرد عليه انه:

ان كان مراده منه هو الإنشاء بداعي الكشف عن كون المتعلق ذا مصلحة أو مفسدة فهو ليس إلا حكما ارشاديا و لا يثبت به الوجوب أو الحرمة، و الكلام إنما هو في اجتماع الأمر و النهي الدالين على الوجوب و الحرمة، فيكون خارجا عن مسألة الاجتماع.

و ان كان مراده منه هو الحكم الطبيعي بمعنى الحكم الذي ثبت على ذات الشي‏ء من دون النظر إلى عوارضه و طوارئه، غير المنافي لعروض عنوان على متعلقه و اتصافه بحكم آخر.

49

فيرد عليه ان الإهمال في مقام الإثبات و ان كان معقولا، إلا ان التعارض و التزاحم فرع الإطلاق كما تقدم فمع عدمه لا تمانع رأسا.

الثالث: ما أفاده من إمكان رفع المعارضة بالتوفيق المزبور.

فانه يرد عليه ما تقدم فراجع.

الامتثال بإتيان المجمع على القول بالجواز

الأمر الحادي عشر: المشهور بين الاصحاب انه على القول بالجواز و تعدد المجمع تكون العبادة صحيحة و لو كان عالما بالحرمة، أي حرمة ما هو ملازم للواجب في مورد الاجتماع، و انه يسقط الأمر و يحصل الامتثال بإتيان المجمع مطلقا، و ان كان معصية للنهى.

و كذلك الحال على الامتناع و ترجيح جانب الأمر إلا انه لا معصية عليه حينئذ.

و اما على الامتناع و تقديم جانب النهي فالامر يسقط بإتيان المجمع مطلقا في غير العبادات لحصول الغرض، و اما في العبادات فلا يسقط الأمر مع الالتفات إلى الحرام أو بدونه تقصيرا.

و اما إذا لم يلتفت إليه قصورا فالامر يسقط باتيانه و وافقهم المحقق‏

50

الخراساني في الكفاية (1).

و لكن خالفهم المحقق النائيني (ره) (2) و ذهب إلى بطلان العبادة على القول بالجواز و تعدد المجمع فيما إذا كان المكلف عالما بالحرمة لا فيما إذا كان جاهلا بها أو ناسيا لها.

و تنقيح القول في المقام على وجه يظهر مدرك ما أفاده الاعلام، و ما هو الحق منها يقتضي البحث في مقامين.

الأول، في حكم الامتثال على الجواز و تعدد المجمع.

الثاني، في حكمه على القول بالامتناع و وحدة المجمع.

اما المقام الأول: فالكلام فيه في موردين:

أحدهما: ما إذا فرض العلم بحرمة ما هو ملازم للواجب في مورد الاجتماع.

ثانيهما: ما إذا كان جاهلا بها أو ناسيا لها.

اما المورد الأول: فقد عرفت ان المحقق الخراساني (ره) وفاقا للمشهور، ذهب إلى صحة العبادة و خالفهم المحقق النائيني (ره) و ذهب إلى بطلانها.

و الحق ان يقال انه، تارة نقول بعدم اشتراط القدرة في متعلق التكليف ما

____________

(1) كفاية الاصول ص 156- 157 (العاشر).

(2) راجع أجود التقريرات ج 1 ص 358، و في الطبعة الجديدة ج 2 ص 163 عند قوله «و السر في ذلك ما عرفته سابقا».

51

لم يستلزم اللغوية كما اخترناه، أو نقول بأنه لو اعتبرنا القدرة فهو

مختص بالقدرة التكوينية دون التشريعية كما هو الصحيح، فلا اشكال في صحة العبادة لفرض ان المأمور به منطبق على الفرد الماتي به في الخارج و هو المجمع، و ان استلزم المعصية للنهي، لكن العبادة ليست متحدة مع الحرام، فلا يكون ارتكابه موجبا للفساد بل يكون من قبيل النظر إلى الاجنبية في الصلاة.

و أخرى نقول باعتبارها، فحينئذ ان قلنا بكفاية القدرة على بعض الأفراد في تعلق الأمر بالطبيعة اين ما سرت كما اختاره المحقق الثاني (ره) (1) لا كلام في الصحة كما لا يخفى.

و اما بناء على اشتراطها و عدم كفاية ذلك، و اعتبار كون كل فرد مقدورا في نفسه في دخوله في حيز الأمر، فيقع التزاحم بين الأمر و النهي لعدم قدرة العبد على امتثالهما معا فمع تقديم جانب النهي يسقط الأمر.

و ما ذكره الأستاذ الأعظم‏ (2) من ان حرمة ما يكون مقارنا للمأمور به لا تجعل ذلك الفرد غير مقدور ليخرج عن حيز الأمر إذ عدم القدرة اما ان يكون تكوينيا أو يكون تشريعيا بتعلق النهي بذلك الشي‏ء أو بمقدماته، و في غير هذين الموردين لا يكون الشي‏ء غير مقدور.

وعليه: فبما ان الاتيان بفرد الطبيعة المأمور بها في ضمن المجمع لا يكون غير مقدور عقلا كما هو واضح، و لا شرعا لعدم تعلق النهي به و لا بمقدماته‏

____________

(1) راجع جامع المقاصد ج 5 ص 13- 14.

(2) في حاشيته على أجود التقريرات ج 1 ص 368، و في الطبعة الجديدة ج 2 ص 178.

52

لعدم سراية النهي عن ملازمه إليه فلا وجه لخروجه عن حيز الأمر، فلا مانع من اتيان المأمور به في ضمن المجمع بقصد امره حتى على هذا المسلك.

غير تام إذ بناءً على اعتبار القدرة، بما ان المكلف غير قادر على الاتيان بالمأمور به في ضمن المجمع و ترك المنهي عنه، فلا بد من سقوط النهي أو خروج هذا الفرد عن حيز الأمر، و لا يمكن بقائهما معا فإذا فرضنا بقاء النهي، فلا محيص عن خروج هذا الفرد عن حيز الأمر.

و بعبارة أخرى: لم يظهر لى وجه الفرق بين هذا المورد من موارد

التزاحم و سائر موارده، فان هذا البرهان بعينه يجرى في ساير الموارد كما لا يخفى، و الجواب عنه ما ذكرناه.

فالاظهر انه على هذا المبنى لا بد من سقوط الأمر، و لكن يمكن تصحيح العبادة حينئذ و الالتزام بحصول الامتثال بإتيان المجمع بالترتب، أو بداعي الملاك بناءً على استكشاف وجوده مع سقوط التكليف كما هو المشهور غير المنصور.

ثم ان المحقق النائيني استدل لما ذهب إليه من بطلان العبادة في صورة العلم بالحرمة: بان صحة العبادة حينئذ تتوقف على احد مسالك‏ (1).

الأول: ثبوت الأمر بها في عرض النهي.

الثاني: ثبوت الأمر في طول النهي بنحو الترتب.

____________

(1) أجود التقريرات ج 1 ص 369، و في الطبعة الجديدة ج 2 ص 179- 180 قوله: «قلت: أما استلزام القول بالامتناع من الجهة الأولى ...» إلى أن قال: «لأن الموجب لصحة العبادة حينئذ إما .. الخ».

53

الثالث: اتيانها بداعي الملاك، و شي‏ء منها لا يتم.

اما الأول: فلانه يعتبر في متعلق التكليف القدرة على المأمور به و قد بينا في محله ان مدرك اعتبار القدرة ليس هو حكم العقل بقبح تكليف العاجز، بل المدرك اقتضاء الخطاب القدرة على متعلقه حيث ان حقيقة الخطاب هو البعث على احد طرفي المقدور و ترجيح احد طرفي الممكن و جعل الداعي للفعل، و معلوم ان جعل الداعي نحو الممتنع عقلا و شرعا محال، فلازم ذلك كون متعلق الأمر هو الحصة المقدورة من الطبيعة و خروج الحصة غير المقدورة عنه.

و بعبارة أخرى: ان لازمه أيضاً اعتبار الزائد على قدرة الفاعل التي يحكم باعتبارها العقل، و هو القدرة على الفعل و الفرد المزاحم للحرام فيما نحن فيه ليس مقدورا عليه لان المانع الشرعي كالمانع العقلي فلا تنطبق الطبيعة المأمور بها بما انها مأمور بها عليه فلا تصح.

و فيه: ما عرفت في مبحث الضد مفصلا، ان هذا الوجه لا يتم و انه‏

يبتنى على ان يكون الأمر هو البعث نحو الفعل مع انه عبارة عن إبراز شوق المولى إلى الفعل، أو اعتبار كون الفعل على عهدة المكلف، و شي‏ء منهما لا يقتضي اعتبار القدرة فراجع ما ذكرناه.

و اما الثاني: و هو تصحيح العبادة في المجمع بالترتب فقد انكر جريان الترتب في مسألة الاجتماع.

و محصل ما أفاده في وجه عدم جريان الترتب، يظهر ببيان مقدمتين:

الأولى: ان الترتب إنما يمكن فيما إذا كان فعل المهم على فرض عصيان‏

54

الأمر بالاهم مقدورا للمكلف، و اما لو فرضنا عدم القدرة عليه و صيرورة الفعل واجبا على تقدير ترك الاهم كما في الضدين الذين لا ثالث لهما فلا مورد للترتب كما تقدم.

الثانية: ان الترتب إنما نلتزم به فيما لم يلزم من الخطابين كذلك طلب الجمع بين الضدين، و إلا فلا يمكن.

فبعد هاتين المقدمتين، قال‏ (1): ان عصيان خطاب النهي الذي هو شرط الأمر حيث انه لا بد و ان يكون اما بإتيان متعلق الأمر أو بضد آخر غيره، و على الأول يلزم من الخطاب الترتبى طلب الحاصل، و على الثاني يلزم منه طلب احد الضدين على تقدير وجود الضد الآخر و مرجعه إلى طلب الجمع بين الضدين و كلاهما محال فلا يعقل الخطاب الترتبى في المقام.

و يتوجه عليه ان: ما ذكره (ره) من المقدمتين تامتان.

و لكن لا يتم ما رتب عليهما، إلا على القول بالامتناع من الجهة الأولى، إذ بناء على الجواز يكون وجود المنهي عنه مغايرا مع وجود المأمور به و سائر الأفعال، فالامر بالصلاة مثلا على تقدير تحقق الغصب ليس طلبا للحاصل.

فان قلت ان وجود الغصب يلازم مع فعل من الأفعال، فاما ان يؤخذ في الموضوع الحصة الملازمة للصلاة فيلزم طلب الحاصل، أو يؤخذ فيه‏

الحصة الملازمة لفعل آخر من النوم و غيره، فيلزم طلب الجمع بين الضدين.

____________

(1) راجع أجود التقريرات ج 1 ص 326، و في الطبعة الجديدة ج 2 ص 114- 115 من مبحث الترتب.