موسوعة قرى ومدن لبنان‏ - ج6

- طوني مفرج المزيد...
327 /
1

[الجزء السادس‏]

نصب الشهداء في وسط بيروت قبل الحرب‏

ساحة الشهداء في وسط بيروت قبل الحرب‏

مشهد من بيروت و تبدو منطقة الفنادق‏

لوحة لمنظر على مرفأ بيروت كما كان 1920 بريشة الفنّان التشكيلي المعاصر أنطوان مطر

بيروت في النهار

بيروت في الليل‏

رسم لقلعة فخر الدين عند مرفأ بيروت في القرن السابع عشر

واجهة متحف بيروت‏

ساحة النجمة في وسط بيروت‏

لوحة لمرفأ بيروت من القرن التاسع عشر

سوق النوريّة كما كان 1930 في لوحة مائيّة للفنّان التشكيلي المعاصر أنطوان مطر

صورة فضائيّة لمنطقة رأس بيروت 2002

صورة فضائيّة لمنطقة سوليدير- بيروت 2002

موسوعة قرى و مدن لبنان‏

2

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

3

طوني مفرّج‏ موسوعة قرى و مدن لبنان‏ الجزء السّادس بيروت‏ نوبليس‏

4

[هوية الموسوعة:]

إسم الموسوعة: موسوعة قرى و مدن لبنان‏

أسماء القرى مضمون الكتاب: بيروت‏

الجزء: السّادس‏

المؤلّف: طوني مفرّج‏

قياس الكتاب: 17 24

مكان النّشر: بيروت‏

دار النّشر و التّوزيع: دار نوبليس‏

تلفاكس: 581121- 1- 961: 581121- 3- 961

يمنع نسخ أو اقتباس أيّ جزء من هذه المجموعة أو خزنه في نظام معلومات إسترجاعيّ أو نقله بأيّ شكل أوّ أيّ وسيلة إلكترونيّة أو ميكانيكيّة أو بالنسخ الفوتو غرافي أو التسجيل أو غيرها من الوسائل، دون الحصول على إذن خطّيّ مسبق من الناشر.

نوبليس‏

5

الإصطلاحات أو الرموز المستعملة في توضيح لفظ أسماء القرى و المدن‏

6

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

7

بيروت‏BEIRUT BEYROUTH

الموقع و الخصائص‏

عاصمة الجمهوريّة اللبنانيّة و قاعدة محافظة بيروت، موقعها على الشاطئ الشرقيّ للبحر الأبيض المتوسّط على أنقاض بيروت الفينيقيّة و الرومانيّة، يحدّها من الغرب البحر، من الشمال البحر و مجرى نهر بيروت الفاصل بينها و بين ساحل قضاء المتن، و من الشرق تتّصل بتخوم قضاء بعبدا، و من الجنوب بساحل قضاء عاليه.

موقعها الجغرافيّ في الدرجة الثالثة و الثلاثين و الدقيقة الرابعة و الخمسين، و الثانية السابعة و العشرين، من العرض الشماليّ، و في الدرجة الثالثة و الثلاثين و الدقيقة الثامنة و الثانية الخمسين من الطول الشرقيّ. و هي تقوم فوق هضبة بشكل رأس يمتدّ في البحر مسافة تسعة كيلومترات، و هي تعلو عن سطح البحر جنوبا بغرب، ثمّ تنخفض شمالا بشرق. و إنّ مجرّد النظر إلى موقع بيروت في خريطة العالم يظهر أهميّة موقعها المميّز، و سبب تسميتها" باب الشرق" على البحر المتوسّط. و هي تتوسّط إقليما معتدلا يعتبر من أجود المناخات الساحليّة.

8

على أنّ موقع بيروت لم يكن دائما في مكان واحد، فإنّ عوامل الطبيعة و الظروف الديمو غرافيّة و العسكريّة كانت أحيانا تنقل بيروت من موقع إلى آخر. فهناك بيروت العتيقة التي كان موقعها حيث تقوم بلدة بيت مري اليوم.

و لا يزال بين الأيدي سندات تمليك عقاريّة تحمل اسم بيروت العتيقة يرجع تاريخها إلى القرن التاسع عشر عند ما كانت البلاد جزءا من السلطنة العثمانيّة. و بيروت العتيقة هذه ما تزال تحتفظ بالمعبد الوثنيّ بعل مرقود في موقع دير القلعة الذي كان بيتا لإله بيروت أيّام الفنيقيّين. و هذا المعبد كان يسمّى آنذاك" بعل بيريت" و هو اليوم أنقاض.

و هناك بيروت القديمة التي كان موقعها مكان محلّة رأس بيروت الحاليّة. و كانت هذه المدينة منفصلة تماما عن بيروت داخل السور التي صنّفت اليوم باسم" وسط المدينة" أو" المنطقة الخضراء".

و هناك بيروت التي كانت تقوم في محلّة خلدة التي انتقل إليها سكّان بيروت و بنوا فيها مساكنهم على أثر الزلازل التي خرّبت مدينتهم الأصليّة في أواسط القرن السادس للميلاد، و كذلك على أثر تدميرها من قبل تريفون السلوقي سنة 140 ق. م.

و هناك أيضا" بيروت القديمة" التي كانت مساكن البيروتيّين فيها قبل شقّ شوارعها إبّان الحرب العالميّة الأولى 1914- 1918، و انتقالهم إلى خارج السور حيث الضواحي التي أصبحت جزءا متكاملا مع بيروت القديمة.

كما أنّ النموّ السكّانيّ لمدينة بيروت مع توالي السنين جعل المدينة تتجاوز حدودها التقليديّة من سنة إلى أخرى، بحيث تضمّ إليها ضواحيها السابقة. و يمكن القول بأنّ بيروت الحاليّة باتت تشغل جميع المساحات التي كانت معروفة بالضواحي، و هي التي عرفت في القرن التاسع عشر بأسماء

9

مستقلّة إلى جانب اسم بيروت نفسها. و في المدّة الأخيرة أدخلت الإدارات الحكوميّة البلدات الصغيرة المحاذية للمدينة من جميع جهاتها في تنظيم إداريّ جديد أطلق عليه اسم" بيروت الكبرى". أمّا بيروت موضوع بحثنا هنا فهي بيروت المحافظة الحاليّة من دون ضواحيها.

إسم بيروت‏

أقدم أثر ظهر فيه اسم بيروت هو كتابة هيروغليفيّة منقوشة على لوح من الأجرّ المشوي، يحتفظ به المتحف البريطانيّ، ذكرت فيه باسم" بيروتا"، هذه الكتابة يرقى عهدها إلى الأسرة الثامنة عشرة من الأسر الفرعونيّة التي حكمت مصر في العهود القديمة. و قد تعدّدت الآراء و النظريّات حول أصل اسم بيروت، فقد ذكر فريحة أنّه ورد ذكرها في رسائل تلّ العمارنة-BE -R TA ، و في النقوش المصريّةBI ***-UR -TA ، و قد ورد في التوراة اسم‏BE ***EROTH و هي البيرة قرب رام الله. و في حزقيّال‏BEROTHA قرب حماة، و انتهى فريحة إلى ترجيح أن يكون أصل الإسم‏BRUOTA من الساميّة القديمة و معناه" صنوبرة"، كما احتمل أن يكون‏BE ***ROTH و هي كلمة آراميّة تعني" آبار"، جمع بئر. أمّا حبيقة و أرملة فقد فضّلا إسم" صنوبرة". و لا تتوقّف الاجتهادات عند هذا الحدّ، بل يقول بعض الباحثين بأنّ بيروت هو إسم إلهة جبيل، و أنّ فيلون الجبيلي قد ذكرها في الفقرات الباقية من تاريخ سنكنيتن، و هو يجمع بين إسمها و اسم عشتروت معتبرا أنّهما إسمان لمسمّى واحد، و قد أخذ العديد من الباحثين المحدثين بهذا الرأي، فقد ذكر الأب مرتين اليسوعيّ أنّ الأساطير تقول إنّ اثنين من أعيان مملكة جبيل، شاب و فتاة، لمّا تزوّجا، انتقلا من بلدتهما جبيل و سكنا في المكان الذي عرف في ما بعد باسم" بيروت" و هو اسم الزوجة؛ و يقول آخرون بأنّ اسم بيروت قد اشتقّ من" بئروت" و هو

10

بالعبرانية جمع" بئر" و ذلك إمّا لما حفر بها أوّل سكانها من الآبار الباقية آثارها إلى يومنا، و إمّا لعذوبة مياه هذه الآبار كما ذكر إسطفان البيزنطي من كتّاب القرن الخامس للميلاد، و ذكر كتّاب القرن التاسع عشر أنّ تلك الآبار لا تزال إلى يومنا هذا ينزل إليها من أماكن معلومة و ينفذ بعضها إلى بعض على مسافة بعيدة، ماؤها عذب كثير لا ينقطع، تجتمع منه عيون في أنحاء البلد.

و قد رجّح الأب لويس شيخو هذا الرأي. و ارتأى سوى هؤلاء نظريّات أخرى عديدة يصعب الأخذ بها لبعدها الكبير عن لفظ اسم بيروت. و يقول الدكتور لورتيه‏LORTET :" كانت بيروت في العهود الوسطى تدعى" بيريتيس" أو" بيروتوس" أو" بيرووه"،BEROEBERYTUS ,BEROUTOUS ، و هو اسم أعطي للإلاهة" بيروت" رفيقة" إلجون" أو ألزELJON ,ELS الذي لقّب في ما بعد ب" أدونيس" إله جبيل. و يقول الكاتب: كانت الإلاهة" بيروت" أعزّ الآلهة في لبنان، الجبل المقدّس.

نحن نعتقد بأنّ أصل اسم بيروت من مقطعين: بيت عروت‏BET ***RUOT المقطع الأوّل يعني" مكان" و" محلّة"، و الثاني من جذر"***IR عير" الفينيقي الذي يعني" مدينة"، و معنى" عيروت" مدينة كبيرة. و هكذا يكون أصل الإسم فينيقيّا" بيت عروت‏BET ***RUOT " أصبح بعد الإدغام" بيروت‏BERUT " أي:

" مكان فيه مدينة كبيرة"، و هكذا عبارة كانت شائعة في التسميات الفينيقيّة.

و نعزّز هذا الرأي بورود اسم بيروت في النقوش المصريّةBI ***-UR -TA ، حيث حرف العين كان لا يزال يلفظ، و نعتتبر أنّ هذا الحرف قد ألغي من اللفظ في العهد الروماني لعدم وجوده في لغتهم، فلفظوا"BE ***RUOT " المدغمة من مقطعي"BET ***RUOT " لفظوه"BERUT "، ثمّ حوّلوه إلى"BERYTUOS " و جاء العرب فحوّلوه إلى بيروت.

11

و يبدو أنّ بيروت قد عرفت في حقبات تاريخيّة قصيرة بأسماء أخرى، عدا عن الأقاب التي أطلقت عليها في أزمنة مختلفة. و يقول الأب لويس شيخو اليسوعيّ إنّه شاع لبيروت بين السريان خصوصا إسم" دربي" كما يرويه بر بهلول و بر علي في معجمهما. ثمّ يقول شيخو: و" دربي" إحدى مدن اليونان.

و من الأسماء التي عرفت بها بيروت في بعض الحقبات إسم" ورديدون". فلقد جاء في كتاب" تاريخ سورية" لجرجي ينّي:" ... أورد صاحب" سفر الأخبار" نصّ رسالة بعث بها زاميتاس قائد جيوش نيكوفورس فوقا، قيصر القسطنطينيّة المعروف عند العرب باسم الشمقمق إلى الشودشاهان ملك أرمينية يخبره عن استخلاص بعض مدن سورية باسم مولاه. و قد ورد في تلك الرسالة ذكر بيروت باسم" ورديدون".

نشوء بيروت‏

يعتبر أكثر المؤرخين أنّ الجبيليّين هم الذين بنوا بيروت بعد مدينتهم جبيل، و نسبوا بناءها إلى إلههم" إبل" و ذلك بالاستناد إلى كلام سنكنيتن و ننّوس و غيرهما من المؤرّخين القدماء. و يقول الأب لويس شيخو إنّ بيروت كانت أحد المراكز لعبادة البعل، و هو الإله إبل نفسه، يتزاحم فيها الأهلون لتأدية فروضات دينهم لهذا الإله في هيكل عظيم شيّدوه على إسمه. و بنوا له هيكلا آخر فوق مدينتهم على مسافة خمسة أميال منها كانوا يحجّون إليه زرافات، و لا تزال آثار هذا المقام إلى يومنا بجوار قرية بيت مري و هي تعرف بدير القلعة.

إلّا أنّ هنري غيز الذي كان قنصلا لفرنسا في بيروت في أواسط القرن التاسع عشر ميلادي يقول: ما دمنا نفتقر إلى معلومات مفصّلة، فلنكتف الآن‏

12

بالقول مع المصنّفين النصارى، إنّ بيروت أسّسها جرسيه‏GERSE المعروف باسم جريس‏GERIS ابن كنعان الخامس. أمّا إذا أتّبعنا قول المصنّفين الوثنيّين فتكون" بيرووه"BEROE زوجة أوجيكس هي التي سمّتها" بيروتوس"BEROUTOUS .

لمحة موجزة عن تاريخها القديم‏

في عهدها الأوّل، نشأت بيروت مدينة فينيقيّة مسوّرة مستقلّة، و يعتبر أكثر الباحثين أنّ سورها كان في نفس المكان الذي كان يقوم فيه السور العربيّ و الذي سنأتي على تحديد موقعه لاحقا. و نطالع أنّه في حوالى 2980 ق. م. أرسل أحد الفراعنة سفنه إلى الشاطئ الفينيقي لتجلب له خشبا من أرز لبنان. و في سنة 2750 ق. م. غزا الملك سرجون الأكادي سوريا و وصل إلى ساحل البحر. و في العام نفسه جهّز الفرعون شيهور من الأسرة الخامسة أسطولا غزا به السواحل الفينيقيّة. ثمّ خضعت بيروت للسيطرة الفرعونيّة منذ 1850 ق. م. أي منذ بدء الفتوحات المصريّة الكبرى، و كان الفينيقيّون حلفاء للمصريّين في عهد السلالة الفرعونيّة الثانية عشرة، منذ تحوتمس الأوّل (نحو 1530- 1520 ق. م.). و يعطي الدليل على قيام علائق طيّبة بين الفينيقيّين و المصريّين وجود ثلاثة صروح في بيروت، أهمّها تمثال لأبي الهول ذي رأس بشري من الرخام الأسود و الأبيض، كتب بين قدميه الإسم الأوّل للفرعون أمنحوتب الرابع (1372- نحو 1354 ق. م.). و في سنة 1300 ق. م. ترك رعمسيس الثاني نقشا على صخور نهر الكلب يروي عن إخضاعه للمدن الفينيقيّة. و تطالعنا المدوّنات بأخبار الغزوات الآشوريّة لبيروت و سائر المدن الفينيقيّة سنة 858 و سنة 824 ق. م.؛ و أخبار الغزو

13

البابلي سنة 606 و سنة 562 ق. م.؛ و بعد ما فتحها الاسكندر المقدوني خرّبها تريفون المحازب لبالا سنة 140 ق. م. لثبات أهلها على طاعتهم لديميتريوس خصم بالا، و قد صبّ جام غضبه على المدينة و أعمل فيها النار و الدمار. و لمّا أعيد بناؤها نقلت إلى ناحية الجنوب و بنيت عند الخان القديم بين وادي الشويفات و نهر الغدير، و لعلّ الآثار التي اكتشفت قبل عدّة سنوات في منتصف الطريق بين الأوزاعي و خلدة هي من بقايا تلك الحقبة من بيروت.

أمّا السيطرة الرومانيّة على بيروت فبدأت سنة 64 ق. م. عند ما اجتاح القائد الروماني بومبايوس المنطقة و سيطر عليها بالكامل.

بيروت الرومانيّة

رمّم الرومان بيروت في مكانها الأساسيّ و أعادوا لها رونقها، و جعلوها ترتقي في سلّم الحضارة إلى أن جعلها أوغوسطوس قيصر (63 ق. م.- 14 م.) مدينة ذات امتيازات أولى، فأعطى أهلها حقوق الرومانيّين و خصّهم بامتيازات دون سواهم، و ولّى أمرها القائد مرقس فسبسيانس أغريبا بعد أن زوّجه إبنته جوليا فدعا بيروت باسمها" جوليا فيليكس" أي جوليا السعيدة، وراح أغريبا يباري القيصر في رفع شأن المدينة بمساعدة هيرودس الكبير (72- 4 ق. م.) و لم يدخّر كلاهما وسعا ليجعلاها من أبهى مدن الشرق.

و بقيت على ذلك إلى أن تولّى أمرها بعد ولادة المسيح هيرودس أغريبا الأوّل (10 ق. م- 44 م.) ثم هيرودس اغريبا الثاني (27- 100 م.) اللذان زادا في إعمار بيروت و تزيينها. و امتدّ نفوذها حتى حدود البقاع. و أصبحت في ذلك العهد المرفأ الأساسي و مرسى العمارة لحماية الجهة الشرقية من البحر الأبيض المتوسّط. و في هذه الحقبة اتّسع نطاق التجارة فيها و كان من أبرزها تجارة الحرير و المنسوجات و الخمرة. و قد روى نونس الشاعر أنّ الكرمة

14

كانت تكسو روابي لبنان المشرفة على المدينة و الداخلة في منطقة نفوذها.

و أحاط الرومان بيروت بأسوار و حصون منيعة، و ابتنوا في ظاهر أسوارها أروقة كان سكان المدينة يقضون بعض أوقات الفراغ في ظلّها. أمّا في حقل العلوم فكانت بيروت قد سبقت سائر المدن الفينيقيّة في تحقيق المرتبة الأولى، و المقول إنّ سنكنيتن قد دوّن تاريخه الشهير فيها. و كان فيها أشهر معهد رومانيّ للقانون في الأمبراطوريّة الرومانيّة خارج إبطاليا. و كانت قبلة أنظار طلّاب القانون من جميع أنحاء المشرق. و كانت دراسة القانون إحدى المتطلّبات الأساسيّة للتوظيف العالي في الحكومة. و قد خرّج معهد بيروت للحقوق كثيرين من القضاة و الحكّام في المقاطعات الشرقيّة للأمبراطوريّة.

و من المرجّح أن يكون الأمبراطور سبتيموس سفيروس (193- 211) مؤسّس هذا المعهد. فقد أنشئ في المدينة هيكل على اسمه تخليدا لذكراه، و كذلك أقيم له تمثال تذكاري. هذا المعهد كان أقدم معهد من نوعه في المقاطعات الرومانيّة و أشهرها. و قد عمّر أكثر من أيّ معهد آخر، و كان يحتلّ الصدارة بين مختلف معاهد الأمبراطوريّة. و قد تحوّل إلى معهد فكريّ خلّاق، و جذب إليه هالة من العقول الممتازة من طلّاب و أساتذة قدّموا في حقل التشريع تقدمات عظيمة للتراث الروماني العالمي: الشرائع الرومانيّة. و من أبرز المشترعين الرومانيّين الذين درّسوا في معهد بيروت الحقوقيّ البيروتيّ عالمان مشهوران: إميليوس بابنيانوس و دوميتيوس أولبيانوس. و يظهر أنّ بابنيانوس كان من أهالي حمص و من أقرباء جوليا دومنا زوجة الأمبراطور سفيروس، الذي استدعاه عام 203 ليكون مستشاره القانونيّ في روما. و قد رافق الأمبراطور، بصفته مستشارا قانونيّا، أثناء حملته العسكريّة ضدّ بريطانيا. و هناك في بريطانيا و هو على فراش الموت، أوصى الأمبراطور أن يعهد بتربية ولديه كركلّا وجيتا إلى بابينيانوس، و بعد أن تسنّم كركلّا العرش‏

15

(211- 217) صرف بابنيانوس من الخدمة لأنّ عاتيا مستبدا مثل كركلّا لا يطيق أن يرى إلى جانبه حارسا دقيقا يحاسبه على كلّ هفوة، و بعد صرفه بمدّة وجيزة أمر بقطع رأسه سنة 212 لأنّه انتقد الأمبراطور بعنف عند ما قتل أخاه جيتا. و بالرغم من أنّه قتل و هو بعد في السابعة و الثلاثين، فإنّه ترك للعالم إرثا تشريعيّا أعظم و أغنى من أيّ إرث آخر خلّفه المشترعون الرومان، فإنّه في عام 533، عند ما وضعت مجموعة الشرائع المعروفة بشرائع يوستينيان الكبير، أدخل فيها لا أقلّ من 595 مادّة أو بندا من المواد القانونيّة التي خلفها بابينيانوس في مؤلّفاته. و معلوم أنّ شرائع يوستينيان هي الأساس الذي تقوم عليه أغلب الشرائع الأوروبيّة في عهدنا هذا. و كان خليفة بابنيانوس في التعليم بمعهد الحقوق ببيروت رجلا فاضلا من مواطنيه:

دوميتيوس أولبيانوس الصوري الذي، برعاية تلميذه الأمبرطور اسكندر سفروس اللبناني المولد، شهر حربا شعواء ضدّ الرذائل و الاستغلال، و قام بتعديل القوانين و إصلاح المجتمع، و قد قضى شهيدا على أيدي أفراد الحرس الأمبراطوري سنة 228 حين حاول أن يسنّ قوانينا تكبح جماحهم في استغلالهم مراكزهم لمصالحهم الشخصيّة. و قد اقتبس المشترعون الذين وضعوا مجموعة قوانين يوستينيان أكثر من 500، 2 بندا و فقرة من كتاباته و مؤلّفاته، ما يشكّل ثلث المجموعة التي في مقدّمتها ذكر لرجل كان أستاذا في معهد الحقوق البيروتي اسمه أنطوليوس، كان عمله أن يجمع القوانين من هنا و هناك، و قد مات في زلزال 557 في القسطنطينيّة. كما كان المسؤول الأوّل الذي نيط به جمع القوانين لمجموعة يوستينيان أستاذا آخر من أساتذة معهد بيروت اسمه دوروثيوس. فلا عجب و الحالة هذه أن يلقّب يوستينيان بيروت بأمّ الشرائع و مرضعتها.

16

و قد أطنب الكتّاب الأقدمون في مدح بيروت الرومانيّة، فوصفوا نخيلها و خمرتها الجيدة و أنسجتها و مصانعها. و قد بقيت بيروت راتعة في منازل السعد إلى أن توالت عليها الزلازل في سنوات 349 و 494 و 502 و 543 و 551 لا سيّما في سنة 555 إذ دمّرها زلزال هائل خرّب قسما كبيرا من مدن الشرق، و قضى على كلّ ما تبقّى منها حريق شبّ فيها سنة 560 م.

أثناء إعادة بنائها، و قد رثاها محام إغريقيّ من آسية الصغرى معاصر لتلك النكبات بقوله: بيروت، أجمل المدن، الدرّة في تاج فينيقية، فقدت لألأها و رونقها. بناياتها التي تعدّ آيات في فنّ العمارة تداعت و سقطت و لم يبق فيها جدار واقفا. لم يثبت منها سوى الأساسات.

و قد كان لهذه الفاجعة صدى تردّد في جميع أنحاء الأمبراطوريّة، و قد رثى بيروت أيضا شاعر إغريقيّ معاصر من إسبانيا بشعر تخيّل فيه المدينة تتفجّع نائحة:

ها أنذا، المدينة التاعسة، كومة خرائب، أبنائي أموات. يا للحظّ العاثر المشؤوم. آلهة النار أحرقتني بعد أن هزّت آلهة الزلزال أركاني. يا لتعاستي، بعد أن كنت مجسم الجمال أصبحت رمادا. هل تبكون عليّ أيّها العابرون الماشون فوق أطلالي؟ هل تسكبون عليّ دمعة حزن؟ هل تأسفون لمجد بيروت؟ بيروت التي لا وجود لها؟ أيّها الملّاح لا تمل بشراعك نحو شاطئي، لا تنزل شراع مركبك، فإنّ المرفأ الأمين أصبح أرضا يابسة قفراء، أصبحت لحدا موحشا، أمل عنّي، سر إلى المواني المرحة التي لا تعرف البكاء، إلى موانيها سر على صوت قرع المجذاف، هكذا شاء الإله بوسيدون، إله البحر و الزلزال، و هكذا شاءت الآلهة السمحاء. وداعا يا ملّاحي البحار. وداعا أيّتها القوافل الآتية من وراء الجبال ...

17

بيروت إثر ظهور المسيحيّة

كانت صور أوّل مدينة فينيقيّة اعتنق بعض أهلها الدين المسيحيّ في عصر يسوع، و قامت فيها جالية مسيحيّة في عهد بولس الرسول. و تابعت المسيحيّة انتشارها شمالا رغم مقاومة الأباطرة الرومان، و قد جاء في تقاليد قديمة أنّ السيّد المسيح قد دخل بيروت لمّا كان متجوّلا لبشارة الإنجيل في تخوم صور و صيدا، و لكنّ هذا التقليد ليس ثابتا. بيد أنّه ليس من شكّ في أنّ الرسل قد مرّوا ببيروت مرارا في غضون أسفارهم و نشروا فيها الدين السماويّ، و لا سيّما بطرس و بولس، ذلك أنّ المبشّرين الأول كانوا يمرّون في بيروت عند مجيئهم إلى أنطاكية أو عند رجوعهم منها إلى أورشليم. و يخبرنا التاريخ عن عدد من الطلّاب الوثنيّين الذين كانوا يحضرون مدارس بيروت، لا سيّما مدرسة الفنون عند منصرم القرن الثالث، غير أنّهم تنصّروا في بيروت و استشهدوا مع من استشهد من المسيحيّين أثناء الاضطهاد الكبير الذي قام به ديوكليشان و مكسيميان سنة 303، غير أنّ بيروت قد أصبحت في منتصف القرن الرابع م.، و لمّا حدث فيها زلزال سنة 349 شعر بعض السكّان الذين لم يكونوا قد اعتنقوا المسيحيّة بعد أنّها غضبة من السماء حلّت عليهم، فرجعوا عن وثنيّتهم و اعتنقوا الدين المسيحيّ، و في القرن الرابع أصبحت بيروت مقرّا أسقفيّا. و ورد في أعمال القديس كوراتوس الذي يذكره بولس في رسالته إلى الرومانيّين (16: 23) أنّه أوّل أسقف أقيم على بيروت و أنّه كان من عداد التلامذة الإثنين و السبعين. و من شهداء المسيحيّة في بيروت أبيانوس الذي درّس الفقه في معهدها. و القدّيسان يوحنّا و أركاديوس. و منهم أيضا القديس رومانوس الشماس. و ممن ورد ذكرهم في عدد شهداء المدينة يهوذا الرسول، و مريانا البيروتية الشهيدة التي كان لها في المدينة عبادة خاصة. و جاء في تاريخ البطريرك ساويرس أن بيروت كانت‏

18

تحتوي كنيسة باسم القديس يهوذا أخي يعقوب البار في القرن السادس.

و يفتخر سكّان بيروت بمار جرجس الذي كان من شهداء القرن الثالث للمسيح، و كان جنديّا في عسكر الملك ديو كلتيانوس، و قيل إنّه استشهد في بيروت أيضا، و إنّه من أهاليها و قيل غير ذلك، و ربّما سمّي خليج مار جرجس الواقع إلى الجهة الشرقية الشمالية من المدينة بهذا الإسم، اعتقادا بقتل القديس للتنين في تلك البقعة، و قد أقيم هناك معبد على اسم الشهيد حيث يقوم جامع الخضر المعروف حتّى اليوم، و الخضر هو الإسم الإسلامي لجرجس نفسه، و كان في جنوبي الخليج كنيسة قديمة للموارنة على اسم مار جرجس ضبطها مع وقوفاتها علي باشا الدفتردار أوّل باشا نصّب سنة 1660 على مدينة صيدا التي كانت تابعة لأمير جبل لبنان و جعلها جامعا سنة 1661.

و في بيروت حدثت معجزة صورة المصلوب التي طعن اليهود جنبها بالحربة بعد ما أهانوها بتلك الإهانات التي أهان بها أجدادهم المسيح، فسال منها دم كثير، شفي المرضى الذي دهنوا به، و منهم رجل مخلّع، و لمّا رأى اليهود ذلك آمنوا و ذهبوا فاخبروا أسقف المدينة بكلّ ما صار و اعتمدوا منه.

و أخذ الأسقف الأيقونة و كرّس المنزل الذي كانت فيه على اسم المخلّص. و قد أخبر بهذا اثناسيوس أسقف إسكندرية الذي كان من جملة آباء المجمع المسكوني السابع و هو مجمع نيقيا الثاني المنعقد سنة 787 ضد محاربي الأيقونات، و قد أثبت المجمع هذه الآية التي كرّس لها عيد يحتفل به في كنائس الشرق و الغرب، و السنكسار الروماني يذكرها في اليوم التاسع من ت 2، و يذكرها السنكسار الماروني في اليوم العاشر من شهر آذار.

العرب في بيروت.

في العام 13 ه/ 635 م. فتح العرب بيروت و صيدا و جبيل و عرقا بقيادة يزيد بن أبي سفيان و على مقدّمة جيشه أخوه معاوية، و شحنها بالمقاتلة.

19

ثمّ صار المسلمون يتكاثرون فيها. فقد أجلى معاوية بعض الروم و الموالين لهم عن السواحل، بما في ذلك بيروت، و أسكن محلّهم أقواما من أهل بعلبك و حمص و أنطاكية، و أقام حاميات في نقاط استرتيجيّة، و عند ما ارتقى معاوية سدّة الخلافة الإسلاميّة جلب إليها قوما من الفرس و أسكنهم فيها مثلما فعل بغيرها من مدن الساحل السوريّ و بعلبك. و قد اشتهر من سكّان بيروت في هذه الحقبة جماعة من العلماء أشهرهم الإمام عبد الرحمن الأوزاعي الذي ولد في بعلبك سنة 88 ه/ 707 م. و نشأ في البقاع، فنقلته أمّه إلى بيروت حيث انقطع للزهد و العبادة، و توفي سنة 175 ه/ 774 م. و دفن في المكان المعروف باسمه في ظاهر المدينة إلى جنوبها الغربي. و كان العرب بعد سيطرتهم على البلاد قد قسّموها في مؤتمر الجابية، إلى أربع مناطق عسكريّة سمّيت المنطقة منها" جند"، و كان التقسيم استمرارا لتقسيم الروم للبلاد. أمّا الأجناد الأربعة فكانت فلسطين، و الأردنّ، و دمشق، و حمص. و أضيف إليها في زمن يزيد بن معاوية (680- 683) جند قنّسرين الذي اقتطع من جند حمص. و على هذا التقسيم كانت بيروت تابعة لجند دمشق. و قبل أن يصبح معاوية خليفة أدرك أنّه ينبغي له أن ينشئ أسطولا لحماية الشواطئ من غزوات الروم المتكرّرة، فجهّز أسطولا بحريّا بناه له من خشب الأرز و كان ملّاحوه فينيقيّون لبنانيّون، اشتركوا مع العرب في مهاجمة قبرص. و في هذه الحقبة غدا مرفا بيروت مرسى للأسطول العربيّ.

و يروي المؤرّخون أنّ بيروت قد خضعت للفاطميّين قبل سقوطها بيد الإفرنج، فقد جاء أنّها كانت إقطاعه للفاتح عوض الملقّب بمبارك الدولة من قبل الحاكم بأمر الله سنة 405 ه/ 1014 م. و كانت إقطاعه لمعزّ الدولة من قبل المستنصر بالله خليفة مصر سنة 443 ه/ 1051 م.

20

بيروت بين الفرنجة و صلاح الدين‏

بقيت بيروت في أيدي العرب حتّى مجي‏ء الصليبيّين إلى بلاد الشرق، و كانت يومئذ في عهدة التّنوخيين الذين أرسلهم العبّاسيّون إلى لبنان لحماية الشواطئ من غزوات الإفرنج، و لمّا مرّ الصليبيّون ببيروت بطريقهم إلى القدس سنة 1099، قدّم لهم متسلّم المدينة حاجاتهم، فتجاوزوها إلى أورشليم، ثمّ ارتدّ إليها بغدوين، ثاني ملوك الفرنجة في القدس، فافتتحها بعد حصار شديد سنة 1110. و قد بنى الصليبيّون في بيروت المعابد و المباني و حصّنوا أسوارها و وسّعوا نطاق تجارتهم فيها مع الغرب. و بعد حصار لم يدم أكثر من ثمانية أيّام، فتح صلاح الدين الأيّوبي بيروت سنة 583 ه/ 1187 م. بعد أن سأله الإفرنج الذين فيها الأمان فأمّنهم، فنقلوا إلى صور. ثمّ عادوا فتملّكوها لمّا كان و اليها أسامة بن منقذ سنة 593 ه/ 1197 م. و بقيت بيدهم هذه المرّة أقلّ من مائة سنة بقليل. و كانت بيروت في خلال حكم الصليبيّين سنيوريّة تابعة لمملكة بيت المقدس، و كان نهر المعاملتين يفصل بين إمارة بيروت آخر سنيوريّات بيت المقدّس شمالا عن كونتيّة طرابلس، و قد دلّت وثيقة هدنة لعشر سنوات بين ملكة بيروت الصليبيّة و بين السلطان المملوكي الملك الظاهر ركن الدين بيبرس وقّعت سنة 667 ه/ 1286 م. أنّها كانت ضمن مملكة بيروت الصليبيّة التي كانت تمتدّ من حدود جبيل إلى حدود صيدا، و تضمّ مناطق" جونية- الجديدة- العصفوريّة- سن الفيل- الشويفات و ورد اسمها السرح و الشويف- إنطلياس- الناعمة- البوشريّة و ورد اسمها البشريّة- الدكوانة و ورد اسمها الدكوانة و برج قراجار- بسوس و ورد اسمها حسوس- فقّي و ورد اسمها رأس الفيقه- المنصوريّة و ورد اسمها النصرانيّة- بيروت- و طى المصيطبة و ورد اسمها الوطى المعروف بمدينة بيروت. و يستدلّ من هذه الوثيقة و سواها أنّ سنيوريّة أو إمارة بيروت كانت تمتدّ من نهر

21

المعاملتين شمالا حتّى نهر الدامور جنوبا، و تتّصل من الشرق بقمم لبنان.

و كانت مناطق قضاء المتن و الشوف الشماليّ خاضعة لإمارة بيروت و يسكنها" مسلمون منشقّون، تابعو الشيع ذات النظام السرّي، و كان هؤلاء يتمتّعون بشبه استقلال تام". و يذكر الأب لامنس أنّ فرسان التامبليّة، أي فرسان الهيكل‏TEMPLIERS و الأسبتاليّة أي فرسان الضيافةHOSPITALIERS كان لهم في لبنان عدد من القرى و المزارع أقطعهم إيّاها سادة" باروت" أي بيروت، فكانوا يستغلّونها. و إنّ الشهادات و الفرمانات الحافظة أسماء هذه الأماكن لمن أثمن الأسانيد لتاريخ لبنان و جغرافيّته في القرون الوسطى. و قد استمرّت هذه الإمارة التي كانت تعتبر" الدرّة الفانية في تاج أورشليم اللاتيني" 170 سنة و كانت الأسر التي حكمتها فرنسيّة و من أشهرها،MONTFORD .BRISEBARRE ,DE GUINES و كانت قريبة أو مصاهرة لأشهر الأسر الفرنسيّة من ذوي الإقطاع كآل‏LUSIGNAN DE LAROCHE ، و كانت هذه الأسر معروفة بسادة بيروت‏SIRES DE BARUTH . كما عرف من أمراء بيروت‏JEAN DIBELIN الذي كان من أشرف ممثّلي فرسان النصارى في الأراضي المقدّسة، و كان" سيّد إيبلين و آصوف" و" كونت يافا و الرامة" و من قوّاد المملكة اللاتينيّة و حاكم قبرص، على أنّه عرف بشكل خاص بإسم" أمير باروت الشيخ" إذ كان يفضّل بيروت على سائر إقطاعاته. و كان قد تابع العمل التنظيميّ الذي بدأه أمير بيروت الأوّل‏FOULQUES DE GUINES الذي ساهم بتصنيف قانون المحكمة اللاتينيّة المعروف ب" قواعد أورشليم"LES ASSISES DE JERUSALEM . و يذكر" راي" أنّ أوّل سيّد على سينيوريّة بيروت كان‏GAUTI DE BRISEBARE الذي خلفه أخوه‏GUI . كما يذكرBRAWER أنّ العائلة التي حكمت بيروت في البدء، كانت عائلةDE GUINES الفلامنديّة التي كانت من أقرباء الملك" بودوان الأوّل" (1100- 1118). و قد

22

أثارت بيروت اهتمام المؤرّخين إذ إنّها كانت من أثرى و أغنى المدن في العهد الصليبيّ. و كانت جاليات من بنادقة و جنويّة قد استقرّت فيها و جعلتها مركزا لعقد الصفقات. و في مسح قام به الرحّالة اليهودي الأندلسيّ بنيامين التيطلي للسكّان اليهود الموجودين في المناطق في الحقبة الصليبيّة، أشار إلى وجود حوالي خمسين يهوديّا في بيروت. أمّا سبب وجود اليهود في صيدا و جبيل و بيروت و صور، فيعود إلى أنّ الصليبيّين، حسب‏PRAWER ، قد غيّروا سياستهم تجاه السكّان المحليّين و منهم اليهود إبتداء من عام 1110 و هو عام سقوط صيدا في أيديهم إذ أحسّوا بحاجة إلى بقاء السكّان المحلّيّين في مدنهم و استمرارهم في نشاطاتهم الإقتصاديّة التي كانوا بأمسّ الحاجة إليها.

و كان الصليبيّون قد أعادوا بناء قلعة بيروت و أبراجها و سورها على النمط الغربيّ بعد السيطرة عليها، و ذلك بهدف تأمين طريق أورشليم، إذ إنّ بيروت تقع وسط الطريق بين بيزنطية و القدس. و كانت بيروت في أيّام الصليبيّين حصنا وسيعا منيعا يضمّ في قلبه شيئا كثيرا من مدينتي الشرق و الغرب، و قد بلغت أوج عزّها سنة 1144، و اتّسع نطاق تجارتها مع الغرب و انتشرت فيها العلوم و الصناعات و الآداب. و قد تعرّضت بيروت في خلال الحقبة الصليبيّة للزلازل من جديد، و ممّا رواه المؤرّخّون أنّه كان قبالة الشاطئ البيروتيّ جملة جزر صغيرة منتشرة على مقربة من المدينة، و قد زعزعتها الزلازل التي حدثت مرارا في عهد الصليبيّين و لا سيّما في سنة 1157 و سنة 1203، فدكّت صروح المدينة، و خرّبت جانبا كبيرا من أحيائها، و غارت جزائرها الجميلة في اليمّ. و قد أورد ذلك أحد مؤرّخي العرب قائلا: إنّ سبع جزر من جزائر الإفرنج غارت بالزلزال. كما روى مؤرّخو

23

الفرنجة أنّه كان لهم دير مبنيّ على جزيرة بقرب المدينة. و في نعت قديم ذكره" نونس" في العهد الروماني سمّى بيروت المدينة الجميلة الجزائر.

بيروت بيد المماليك‏

سنة 690 ه/ 1291 م. تمكّن الأمير علم الدين سنجر الشجاعي من الاستيلاء على بيروت في أيّام الملك المملوكي الأشرف خليل إبن الملك منصور قلاون، فهدّم سورها و قلعتها التي كانت محكمة البناء. و يقول مؤرّخ بيروت التنّوخي صالح بن يحيى: لمّا كان الفرنج مستولين على بيروت كانت جماعة المسلمين قليلة و لا جامع لهم فلمّا قدّر اللّه بنزعها من يد الفرنج استقرّت كنيستهم جامعا و كانت تعرف عندهم بكنيسة مار يحنا و كان بها صور فطلاها المسلمون بالطين و بقي الطين إلى أيّام الجدّ (أي جدّ صالح) فبيّضه و أزال عنه تلك الصور. و قد علّق الأب شيخو على قوله هذا حاشية جاء فيها: لا يزال مكتوبا عند مدخل الباب الشرقي باليونانيّة ما ترجمته:

صوت الربّ على المياه (سفر المزامير 28: 3). و يشير المؤرّخون إلى أنّ الأمير سنجر المملوكي، عند ما سقطت بيروت بيده، قد استبدّ بأهاليها الذين سلموا من غدره، و نفى قسما كبيرا منهم، فهلك معظمهم في المنفى، كما هدّم الأسوار و القلعة التي كانت محكمة البناء، و قيل إنّ المدينة قد قلبت بكاملها ظهرا على بطن. و في العهد المملوكي كانت بيروت تابعة لسنجق دمشق.

و بعد جلاء الفرنجة عن المدينة رمّم أمراؤها التنّوخيّون بعض حصونها التي أصابها الخراب، و كان هؤلاء الأمراء مكلّفين من قبل المماليك المحافظة على ثغرها و سواحلها حتّى نهر الدامور، فكانوا يصدّون غارات الفرنجة عنها.

و كانوا يلجأون إلى حكّام الشام لمعاونتهم على صدّ تلك الهجمات عند الحاجة، و يستعملون البريد للمراسلات العاديّة، و قد عزّزوا آليّة الدفاع عن المدينة

24

بأبراج بنوها على طول البقعة الممتدّة من رأس بيروت إلى رؤوس الجبال حتى الشام، و كانوا يوقدون فيها النيران للإخطار عن الهجمات في الليل، و يطلقون الحمام الزاجل للغاية نفسها في النهار. أمّا التجارة في هذه الحقبة فكانت زاهرة في المدينة التي أصبحت بعد خراب صور و عكّا و طرابلس أوّل مرفا في بلاد الشام، ذلك أنّ المماليك عند استيلائهم على السواحل قد خرّبوا مدائنها ليأمنوا شرّ الفرنجة، و لكنّهم أبقوا على بيروت، و هي ميناء الشام الحصين، فعظم بذلك شأنها و أخذت في القرن الخامس عشر المقام الذي كان للإسكندريّة في مصر، فاصبحت مرفا دمشق و الصلة بين تجّار الفرنجة في قبرص، و تجّار الشرق في الشام. و قد أعاد أمراء الغرب التنّوخيّون بناء أسوارها مرارا. و لمّا استقرّت أقدام المماليك في السواحل عادت العلاقات التجاريّة مع الغرب، فاستعادت بيروت حيويّتها إذ نشات فيها القنصليّات و المحال التجارية الأجنبيّة، و انتعشت فيها روح الثقة المتبادلة بين الشرق و الغرب، و ازدهرت تجارتها إلى حين، و عادت حركة الملاحة التجاريّة إلى مينائها العريق، و كانت أمم الغرب تتسابق لخطب ودّها، و كان لها جميعها علاقات تجاريّة في الشرق، فكانت أسواق المدينة رائجة كمعرض جامع لتجارة شرق البحر الأبيض المتوسّط، و فيها من شعوبه المتنوّعة الخلق الكثير. إلّا أن الميدنة قد تعرّضت للتخريب على يد ملك البندقية في أوائل القرن الثالث عشر، آخذا بثأر ابنه الذي قتل فيها، فبعث بقوّة بحريّة حطّت مراكبها قبالة الشاطئ و نزل منها الجنود و أحرقوا المدينة و هدّموا مبانيها و أوقعوا الويل باهاليها على حين غفلة قبل أن ينسحبوا. ثمّ جدّد نائب دمشق الأمير بيدمر بناء سور بيروت حوالي سنة 1393. و استمرّ نوّاب الشام يقيمون عليها أمراء جبال الغرب لحماية ثغرها، يساعدهم في ذلك جنود بعلبك و طرابلس و تركمان كسروان و غيرهم. إلّا أنّه في مستهلّ القرن‏

25

السادس عشر، كانت حالة من الفوضى قد دبّت بالبلاد قاطبة في ظلّ ميل نجم دولة المماليك للأفول. فقلّ الأمان، و زادت رسوم التصدير و الاستيراد كما سائر الضرائب، فقلّت واردات التجارة، و انحطّت أحوال المدنية.

بيروت في ظلّ الحكم العثماني‏

لمّا تغلّب السلطان سليم العثماني الأوّل على المماليك في معركة مرج دابق سنة 1516، دالت دولتهم المماليك، كانت بيروت لا تزال في عهدة أمراء الغرب التنّوخيين، و إذ دخلت بيروت و سائر مدن الساحل في نطاق الفاتحين الجدد، أصبح التنّوخيّون عمّالا للباب العالي، و بقيت بيروت تابعة لنيابة دمشق. و في بداية العهد العثماني بقيت بيروت على انحطاطها، و قد تحوّل الإفرنج بتجارتهم عنها، فتحولت بيروت إلى قرية صغيرة تسودها الفوضى في ظلّ تجاذب حكمها من قبل الأمراء و المشائخ أصحاب الإقطاع، فكانت بيروت تميل تارة إلى اليمين و طورا إلى اليسار، فتضمّها إليها المقاطعة الرابحة. و كان الأمير فخر الدين المعني الأوّل، أحد أمراء الجبل، قد اكتسب ثقة السلطان سليم عند دخوله الشام، فجعل له المقام الأوّل بين أترابه، و بعد وفاته خلفه إبنه الأمير قرقماز فتسلّم بيروت مدّة، إلى أن سخطت عليه الدولة فطاردته، و عادت ولاية المدينة إلى التنوخيّين. و كان للأمراء للعسّافيّين حكّام كسروان مقامهم الرفيع في البلاد، فأقاموا لهم المباني الفاخرة في عاصمتهم غزير، و في بيروت و غيرها. و ولّي منهم على بيروت الأمير منصور العسّافي سنة 1572، فبقي نجمه ساطعا إلى أن إرتفع شأن بني سيفا حكّام طرابلس، فكان لمدينتهم المقام الأوّل، و بطشوا بالعسّافيّين و سقطت بيروت في حكمهم إلى أن تألّق في لبنان نجم الأمير فخر الدين المعني الثاني الذي كانت حياته سلسلة انتصارات و جهاد في سبيل إمارته،

26

فانتزع بيروت من بني سيفا سنة 1598، إلّا أنّه أعادها لهم في السنة التالية، و بقيت في يدهم إلى أن حوّل مراد باشا والي الشام العثماني حكمها إلى الأمير علي بن فخر الدين سنة 1607، ثمّ انتزعها منه" الحافظ" لمّا كان فخر الدين في توسكانا و ولّى عليها حسن إبن سيفا، فبقيت بيده إلى أن عاد فخر الدين من هجرته فاستولى عليها، و اعاد لها شيئا من نضارتها، و ابتنى فيها الأبنية الجميلة، و وسّع نطاق تجارتها، و حافظ على سفن الإفرنج فيها، و سهّل السبل لتجارتهم، و اتخذ من بيروت مع صيدا و دير القمر قاعدة لكرسي إمارته.

و اتّسع نطاق ملكه، و خفقت بنوده الظافرة في سماء البقاع، و في الجنوب و الشمال. فكان لبنان الكبير، بحدوده، و أميره، و قلوب بنيه، و آمالهم، و تفانيهم في سبيل وحدتهم القومية، و كانت بيروت الجميلة، عاصمة لتلك البلاد المستقلّة يومذاك. و ممّا زاد في تقدّم المدينة في تلك الحقبة و ازدهار تجارتها، الأمان الذي خيّم في عهد الأمير، و المعاهدات التي عقدتها الدول الغربية مع العثمانيّين، و اختراع البخار. كلّ ذلك مهّد السبل للبواخر الأجنبيّة و أباح لها التنقّل في مرافي‏ء الشرق، و التردّد إلى ميناء بيروت الأمين. و رصّع فخر الدين المدينة بشي‏ء من نور مجده اللامع، و جدّد بناء البرج الكشّاف بقربها سنة 1620، و رفع كامل حصونها بمعاونة المهندسين الإفرنج الذين أرسلهم إليه دوق توسكانا. و من مآثر فخر الدين في بيروت، تجديده الغابة الجميلة في ظاهرها. و كان عهد هذا الأمير عهد خير و عزّ و فخر لبيروت و سائر أنحاء لبنان. و مع سقوط هذا الأمير الفذّ في يد الدولة العثمانيّة سنة 1633، سقطت بيروت إلى ما كانت عليع من قبل، فضمّت إلى صيدا، و شكلّت معها أيالة واحدة يديرها حاكم من قبل الدولة العثمانيّة، ثمّ أصبحت الأيالة في طرابلس و المتسلميّة في بيروت و صيدا، إلى أن جعلت صيدا باشويّة عهد إليها بمراقبة الجبل سنة 1660 و سلخت بيروت عنها، و اصبحت في عهدة ولاة عثمانيّين.

27

و في عهد الإمارة الشهابيّة بدءا من العام 1697، كان الشهابيّون يتولّون حكم المدينة، و يدفعون عنها الخراج إلى عمّال الدولة في صيدا. فقد تولّى الأمير بشير الأوّل على المدينة 1700- 1707 و كانت كقرية مهملة حينذاك، ثمّ الأمير حيدر الشهابي 1707- 1730، فالأمير ملحم سنة 1749، و توطّن أمراء شهابيون بيروت منذ ذلك الحين حتّى عهد الجزار. و قد حكم الأمير يوسف الشهابي من سنة 1770 إلى سنة 1788 من ظاهر طرابلس إلى ظاهر صيدا، و كانت بيروت داخلة في حكمه، و شدّت الدولة أزر هذا الأمير و استنصرته على ظاهر العمر الذي خرج عليها في عكّا، فانتصر لها الأمير.

و استعان العمر بمراكب الروس الذين كانوا في حالة حرب مع الدولة العثمانيّة، فحاصرت المراكب المدينة و ضربتها، و هدّمت قسما منها، ثمّ رجعت عنها بجزية. ثمّ اضطرّ الإمير إلى تسليم المدينة للجزار مع حامية من قبل نائب الشام تعاونه على صدّ غارات العدوّ. و كان الجزّار رجلا بشناقيّا هرب من وجه سيّده في مصر فأجاره الأمير سنة 1771 و كانت له عليه اليد البيضاء، و لكنّه غدر بالأمير يوم اشتدّ ساعده و سلبه حكم بيروت بعد أن سوّرها و هيّأ آلات الحرب للحصار فيها، ثم خرج على وليّه الأمير يوسف مستأثرا بالحكم في المدينة، فاستعان عليه الأمير بظاهر العمر، و بمراكب الروس التي عاودت حصار المدينة مدة أربعة أشهر، و ضيّقت عليها و قذفتها بستة آلاف قنبلة دفعة واحدة، هدمت قسما من حصونها، و اصابتها بضرر جسيم. و عادت المدينة لحكم الأمير بعد أن خرج منها الجزّار مرغما. و لكن سرعان ما اشتهر أمر الجزار هذا في الولايات المجاورة، و صار له شأنه، فتولّى الحكم على عكّا و صيدا و دمشق، و استلم مدينة بيروت من جديد سنة 1771 فحصّنها و اخرج الأجانب منها، و هدّم دور الشهابيّين فيها، و ابتنى بحجارتها الأسوار، و نصب فيها حامية، و أقام عليها متسلّما من قبله. و إذ كان‏

28

الجزّار قد اتّخذ من مدينة عكّا قاعدة لحكمه، ضحّى بثغر بيروت في سبيلها، فغدت المدينة في أيّامه بلدة صغيرة لا يتجاوز عدد سكّانها الستّة آلاف نسمة بعد أن تحوّلت التجارة عنها. لمّا تسلّم كرسي إمارة الأمير الشهابي الكبير سنة 1788 كانت له مع الجزّار أيّام جفاء و أيّام صفاء، إلى أن تمكّن الأمير من بسط سلطانه على المدينة، فانتعشت تجارتها من جديد بعد رجوع ثقة الغرب و تجارته إليها. و بعد موت الجزّار أعاد الأمير توطيد أركان الإمارة و أعاد للبنان الكبير حدوده فساد الأمن في المدينة و حقّقت خطوة واسعة في سبيل الرقي و العمران. و في سنة 1805 هاجمت المدينة مراكب القرصان و أطلقت عليها مدافعها، فانحدر إليها الأمير برجاله من رؤوس الجبال و أجلى القرصان عنها. و لمّا فتح ابراهيم باشا المصري بلاد الشام و دخل المدن الساحليّة، أصبحت بيروت في حكمه منذ سنة 1831 فجعلها باستلام الأمراء الشهابيّين، ثمّ اقام عليها متسلّما من قبله. و قد عمل المصريّون على توسيع بيروت فهدموا أسوارها و فتحوا فيها الشوارع العديدة. و بهدف توسيع مرفئها، هدموا قسما من بقايا المواقع الحربية القديمة، و منها القصر الكبير الذي بناه فخر الدين، و قد بلغ عدد سكّانها يومئذ نحو خمسة عشر ألف نسمة. و قد ساد الأمن فيها و انتعشت إلى حين، حتّى كانت الحركات الثوريّة ضدّ الأمير بشير و الحكم المصري التي عرفت بالعاميّات. و في سنة 1840 تحالف معظم الدول مع العثمانيّين ضدّ المصريّين الذين تعصّب الأمير بشير في استمرار و لائه لهم. و قد هاجم الثوّار المدينة و حاصروها، و اخترقوا أسوارها رغم من أنّ مدافع المصريّين كانت تمطرهم القنابل برّا و بحرا. ثمّ اجتمعت مراكب الدول المتّحدة في ميناء المدينة، و ضربت حصونها ثلاثة أيام متوالية، فهرب المصريّون منها، و لجأ سكّانها إلى الجبال القريبة، فانهار حصن بيروت و سقطت أبراج المدينة و تحصيناتها بالكامل، و انهار معها حكم الأمير بشير،

29

و بالتالي حكم الإمارة إذ تحوّل نظام لبنان إلى نظام القائمقيّتين بعد فشل بشير الثالث في حكم البلاد.

في نهاية الحقبة العثمانيّة

لمّا استعادت الدولة العثمانيّة بيروت من أيدي المصريّين سنة 1840، أمرت بنقل مركز الأيالة من صيدا إليها في السنة نفسها. و كانت غاية العثمانيّين من هذا الإجراء تشديد المراقبة على الجبل، و تحريك الفتن فيه، تأكيدا على عدم قدرته على إدارة شؤون نفسه. و ألحق العثمانيّون ببيروت ما كان من ملحقات صيدا، فامتدّت أيالتها من فلسطين إلى حدود أيالة حلب من جهة اللاذقية. بنتيجة هذه المكانة الجديدة و اتّسع نطاق بيروت، عظم شأن المدينة التاريخيّة العريقة، و انتعشت تجارتها من جديد. و بقي الجنود الإنكليز حلفاء العثمانيّين في البلاد زمنا طويلا، فازدادت بوجودهم الحركة و امتدّت الأبنية إلى خارج السور بسرعة زائدة. و في تلك الحقبة جعل العثمانيّون سوريا ولاية واحدة قاعدتها دمشق، فكانت بيروت قائمقاميّة تابعة لها، ففقدت بذلك شيئا من مكانتها، ثمّ سمّيت متصرفية، و ألحقت بها صيدا و صور و مرجعيون حتّى سنة 1888 حين رقّيت إلى مقام الولاية، و استقلّت بإدارة شؤونها عن ولاية الشام. و بقيت في هذه المرتبة حتّى نهاية الحقبة العثمانيّة، فحقّقت في هذه المرحلة منزلة رفيعة في السياسة و الإدارة، إضيفت إلى منزلتها التجاريّة التي كانت تنمو مع ازدياد عدد سكّانها و أسباب الرقيّ و العمران فيها. و لمّا حلّ الفرنسيّون فيها سنة 1860، جعلوا لهم مركز القيادة فيها، فتحوّلت إلى محور الحركة العامة في لبنان. و يوم عقد فيها المؤتمر الدولي لتسوية شؤون الجبل سنة 1860، بدأت بيروت تتحوّل إلى عاصمة البلاد السياسيّة، إضافة إلى موقعها الموصل بين الشرق و الغرب. و سرعان‏

30

ما وصلتها طرق العربات بالجبل اللبنانيّ في عهد المتصرفيّة، و مدّ الخطّ الحديديّ سنة 1895 فعزّز اتّصالها بالداخل اللبنانيّ. و في هذه الحقبة وسّع مرفأ بيروت فامّته المراكب الكبرى. و أسّست في المدينة الشركات الأجنبية برؤوس أموالها. و في سنة 1875 جرّت إليها شركة خاصّة مياه الشفة من مغارة جعيتا، و أنيرت بالكهرباء، فاكتملت فيها أسباب النموّ كافّة خاصّة بعد أن طلع فيها عدد ملحوظ من الخانات و الفنادق و الأسواق، فغدت مستودعا للتمدّن الشرقيّ و الغربيّ في آن. و بدأ يتجدّد عهد" بيروت السعيدة" كما في العصر الرومانيّ. فانصرفت عن السيف إلى القلم. و كانت النهضة العلمية الأدبيّة، إذ انتقلت إليها المطابع من البلدات الجبليّة و المدن الساحليّة الأخرى، و انتشرت فيها الصحافة، و اشتهرت فيها المعاهد العلميّة الكبرى التي نبغ فيها العلماء و الأعلام الذين نفحوا الشرق و الغرب بمؤلّفاتهم فكانوا أهل النهضة العربيّة من دون منازع، و جلّ هؤلاء الأعلام من أبناء الجبل الذين إحتضنتهم بيروت، و من أبرزهم: الشيخ ناصيف اليازجي و ابنه إبراهيم، و المعلّم بطرس البستاني و ابنه سليم، و الفقيه العلامة الشيخ مصطفى محمّد الأسير، و سواهم كثير. و لم تقتصر هذه النهضة على الفرد، بل تجاوزته إلى المجموع، حتى أصبحت بيروت في أواخر القرن التاسع عشر مدرسة جامعة لشتات العلوم و الآداب، و انتشرت شهرة معاهدها العلميّة في البلاد، و نقلت الإرساليّات صروحها من القرى و البلدات الجبليّة إلى قلب بيروت، و اجتمع إليها الطلّاب من كل حدب و صوب. و من المعاهد العالية التي إشتهرت فيها خلال تلك الحقبة: المدرسة الكبرى للمعلّم بطرس البستاني، و المدرسة البطريركيّة، و مدرسة الحكمة، و الكليّة الأميركيّة، و كليّة الآباء اليسوعيّين التي جدّد فرع الحقوق فيها عهد مدرسة الفقه الشهيرة في العهد الرومانيّ. و هكذا فقد ازدهرت بيروت بين نهاية القرن التاسع عشر و مطلع القرن العشرين بشكل‏

31

لم يسبق له مثيل، فغدت ليس فقط بوّابة لبنان الحضاريّة، بل بوّابة الشرق الأوسط برمّته. و غدت تجارتها في هذه الحقبة من أوسع تجارات حوض البحر الأبيض المتوسّط. و قد بهرت محاسن بيروت العاهل الألمانيّ غليوم عند مروره فيها، فلقّبها بالدرّة اللّامعة في تاج عثمان، و قال فيها بعض الرحّالة الأجانب:" إنّها من المدن الخالدة التي لا تموت". على أن بيروت قد عانت و تألّمت كثيرا بما أصابها من سهام الحرب الكونية الأولى بدءا من العام 1914، و مآسيها التي أذلّت أبناء الجبل كما أبناءها، و أوصدت في وجوههم أبواب البرّ و البحر، فكانت أسواقها معرضا لجثث ضحايا الجوع و الوباء، و نصبت فيها أعواد المشانق لشهداء الوطن، و هدمت جملة من مبانيها و أسواقها، و توقفت حركة التجارة فيها. و زحف الجراد على مزروعات البلاد فاتلفها، و ارتفعت أثمان المأكولات و أخذ الجوع يفتك بالفقراء. و ختمت ويلات تلك الحرب في أيلول سنة 1918 بزلزال خفيف هزّ المدينة و البلاد. ثم جاءها صنّين بحلّة من ثلجه الناصع، فاكتسته المدينة، إيذانا بحلول الفرج.

بيروت عاصمة لبنان‏

في أوّل أيلول سنة 1920 أعلن الجنرال غورو المفوض السامي في لبنان و سوريا، باسم دولته فرنسا و الحلفاء، إستقلال لبنان الكبير، تحت الإنتداب الفرنسي، و سمّيت بيروت عاصمة له، فعادت إلى المرتبة التي كانت لها في عهد فخر الدين، و أصبحت بدوائرها و اشغالها محور الحركة اللبنانيّة.

و بعد إنتهاء الإنتداب و استقلال لبنان، ثبّتت بيروت عاصمة أبديّة للدولة اللبنانيّة. و منذ ذلك التاريخ، راحت بيروت تستقطب لبنان، و قد غدا النزوح إليها طريقا لا بدّ لكلّ طالب علم و عمل و تحقيق طموح من أن يسلكه، في ظلّ‏

32

حكم إداريّ مركزيّ، لا حياة ترجى فيه خارج بيروت. و أخذت بيروت تتّسع انطلاقا من وسطها في كلّ الاتّجاهات، و يلاقيها توسّع ضواحيها باتّجاهها حتّى تلاقيا، فغدت بيروت أكبر مدن لبنان من دون منازع.

ألقاب بيروت‏

لم نجد في تواريخ المدن اللبنانيّة أيّة مدينة أخرى ضاهت بيروت في تعدّد الألقاب التي أطلقت عليها منذ أقدم الأزمنة حتّى العصور الحديثة. فقد أطلق الفينيقيّون على بيروت لقب" المدينة الإلهة" و أحاطوها بكلّ مظاهر العبادة التي كانت شائعة في زمانهم و جعلوا لها معبدا باسم" بعلة بيريت"، و يذكر الأب موترد اليسوعيّ في مقال له بمجلّة المشرق أنّ هذا المعبد كان يقع حيث تقوم اليوم كاتدرائيّة الأرمن المقابلة للسراي الكبير من الناحية الجنوبيّة، و قد عثر في أرض المكان على قطع نقديّة فيها صورة الهيكل البيروتي، و هي ترجع إلى الأمبراطور السوريّ" أليغابال" أي" إله الجبل" الذي عاش حاكما من سنة 217 إلى سنة 222 م.؛ و تروي الأساطير القديمة أنّ بيروت عرفت بلقب" بيروت الأبيّة و المجيدة" لأنّها، كما يقول الأب لويس شيخو: لم تكن تستكين مطلقا لعدوّتها صيدا، و كان أهلها ذوي شجاعة فائقة و إنفة، لذلك يسمّيها كتّاب السجلّات بيروت المجيدة و الأبيّة. أمّا ننّوس الذي بهرته بيروت فقد أغدق عليها بالألقاب فسمّاها" جذر الحياة"، و" مرضعة المدن"، و" كوكب لبنان"، و" ميناء النعيم"، و" ذات الجزر الجميلة و الخضرة الغنيّة". كما عرفت بفضل معهدها الرومانيّ و أساتذة القانون فيه بلقب" أمّ الشرائع و مرضعتها" و" مرضعة الفقه". كما أرقنا لها ألقابا" مدينة الفقه"، و" كرسي النّعم" و" مرضع الحياة". أمّا أبرز الألقاب التي أطلقت على بيروت في غضون القرن التاسع عشر فهو لقب" بيروت المربّعة"، و هو اللقب الذي‏

33

أطلقه عليها الرحّالة الأجانب الذين كانوا يرتادونها و هم في طريق الحج إلى الديار المقدّسة في فلسطين، و قد أطلقوا عليها هذا اللقب بسب وجودها داخل سور شبه مربّع الأضلع. و في سنة 1902 صدر عدد" الهلال" و في صفحاته اسم" بيروت" يزدان بلقبين هما:" زهرة سورية" و" زهرة الشرق". و في كتاب" كولينيه" عن تاريخ معهد الفقه الرومانيّ، حظيت بيروت على صفحات هذا الكتاب العلميّ بلقب" مفتاح الشرق"، و قد رأى هذا الكاتب الفرنسيّ أن الرومان لم يختاروا بيروت لإقامة معهدهم لدراسة قوانينهم إلّا لأهليّتها و أهمّيّتها الجغرافيّة، هذه الأهمّيّة التي جعلتها جديرة بأن تكون، في ذلك الحين،" مدخلا إلى بلاد الشرق كلّه". أمّا أمبراطور ألمانيا غليوم الثاني الذي قدمها زائرا بدعوة من السلطان عبد الحميد الثاني في القرن التاسع عشر فقد أطلق عليها لقب" الدرّة الغالية". كما أطلق عليها في العهد العثماني المتأخّر لقب" درّة تاج آل عثمان".

الآثار القديمة المكتشفة

بات معلوما أنّ وسط بيروت يقوم فوق العديد من الطبقات الأثريّة لأزمنة قديمة متعدّدة، ليس بدءا من العصور الفينيقيّة و حسب، بل حتّى منذ العصور الحجريّة و إنسان شرقي البحر الأبيض المتوسّط القديم، و قد كشفت الدراسات عن معامل أدوات حجريّة ظرّانيّة عند مصبّ نهر بيروت، و الكثير من تلك الأدوات في الطبقات العميقة في وسط بيروت. أمّا بالنسبة للأزمنة اللاحقة.

فيعتبر موقع الكنائس الأثري في وسط بيروت، الممتد بين كاتدرائيتي القديس جاورجيوس للروم الأرثوذكس و مار جرجس المارونيّة، الأكبر بين‏

34

مواقع الحفريات. فإنّ هذا الموقع يتميز باحتوائه على طبقات أثرية عديدة تمثل حقبات تاريخيّة مختلفة، و هو بمثابة جزء من مدينة كانت مأهولة بكل عناصرها مثل: شبكة طرق، و شبكة مياه، و محال حرفيّة و تجاريّة و مساكن و غيرها. و من مكتشفات هذا الموقع في خلال الحفريّات التي جرت في نطاق إعادة إعمار العاصمة بعد الحرب الداخليّة، المنطقة الحرفيّة: و هي تقع جنوب محور دوكومانوس الثانوي، و تتكوّن من مجموعة غرف يعتقد أنّها كانت معامل حرفيّة، و لكلّ منها باب أو مدخل خاص يحوي فرنا صناعيّا، و يتّصل من الأسفل بأنبوب فخارTUERE ، و من الطرف الآخر بمنفخ للاشعال و استخراج مواد ما. و قد أرسلت نماذج من هذه المواد، التي وجدت في قلب الأفران إلى المعهد البيئي في جامعة لندن لتحليلها. هذا الأمر سيسدّ نقصا في المعلومات عن الصناعات التي كانت قائمة في بيروت في الحقبة الرومانيّة خصوصا، و القديمة عموما، و تمكّن من دراسة إقتصاد بيروت القديمة و علاقاتها التجارية بالمدن المجاورة. أمّا في الجانب الشمالي فظهرت مجموعة من المحالّ التجاريّة لكلّ منها مدخله الخاص، و وراءها بيوت و منازل كانت تتألّف من أكثر من طبقة واحدة، بدليل وجود قطع الموزاييك فوق أكوام الردم. و في القسم الجنوبي من طريق دوكومانوس، عثر على غرفة كبيرة لها مدخل خاصّ و تبلغ مساحتها نحو 22 م 2، و هي تعود إلى القرن السادس ميلادي، أي الحقبة البيزنطيّة. و الغريب أنّ كل ما فيها بقي في مكانه، فكأنّ شيئا ما أصابها و أطبق عليها و على من فيها، و هذا يذكّر بزلزال بيروت الشهير. جرار الفخّار الكبيرة في جوانب الغرفة و قرب الجدران لا تزال في مكانها، إضافة إلى هيكلين عظيميين: الأوّل لفتى يبلغ نحو الثانية عشرة و وجهه صوب الأرض محطم. و الثاني لرجل أكبر سنّا، يطوي رجله في صورة غير طبيعيّة. و في الغرفة أيضا قطع زجاج و برونز عديدة، و كمّية

35

من الأسرجة و الصحون الفخّاريّة و أجران رخام بعضها مستورد من قبرص و تركيا، إضافة إلى بعض المكتشفات الكنسيّة، كذلك، وجدت في إحدى الجرار الكبيرةAMPHORES بعض العملات و النقود البيزنطيّة. كما اكتشفت شبكة مياه مهمّة من العهد الروماني، و قد أصبح هناك خريطة لإمتداد الأقنية، تظهر أنّ المياه كانت تصل إلى كلّ بيت في المدينة. هذه الشبكة أعيد استعمالها في المرحلة البيزنطيّة و العصور الوسطى. و عثر أيضا على ثلاث خزّانات كبيرة للمياه مصنوعة و محفوظة في شكل جيد، و جدرانها ضخمة و ملساء، و تفصل أمتار عدّة بين الواحد و الآخر، و كلها تعود إلى الحقبة الهلنستيّة. كذلك وجدت طبقة يعتقد أنّها تعود إلى القرن الثاني عشر، و تتمثّل في صحون ملوّنة. و من جهة ثانية ظهرت جدران ضخمة قد تكون عائدة إلى مبان مهمّة و فخمة، على طول الجانب الشرقي من الستوا (كلمة يونانيّة تعني الرواق المسقوف و منها كلمة،STOICISME أي الفلسفة الرواقية). هذه الجدران تقع على خطّ مواز لمحور الكاردو، و كانت مخصّصة للمشاة فقط.

و تضاف إلى هذه المكتشفات قطع نقديّة من الحقبات الهلنستية و الرومانيّة و البيزنطيّة، وصولا إلى العباسيّة، كلّها من الذهب الخالص، و تحمل شعار النسر. و وجد سبعمئة قطعة كسر من تماثيل صغيرة لآلهة الخصب عشتروت، تعود إلى المرحلة الهلنستية". و تختصر صاغية أهمية هذا الموقع باحتوائه على حقبات تاريخية مختلفة، تدل عليها المكتشفات و تعدّد أساليب العمارة. و تعطي موجوداته أيضا معلومات و شروحا عن الحياة اليوميّة و الإقتصاد القديم و شبكات المياه و كل ما يمكن معرفته عن المدن القديمة. و قد توصّل المشرفون على التنقيب إلى أدلّة كافية لترميم خط الكاردو، ليس تماما كما كان، بل في شكل تقريبيّ- إجمالي عنه. و في كلّ أعمال الترميم، يستعين العاملون بمهندسين لبنانيّين، أمّا في بعض القضايا العلميّة فيتعاونون مع‏

36

بعض الخبراء الأجانب ذوي الشهرة العالميّة مثل الدكتور جون هايز، الخبير الأوّل في العالم في شؤون الفخار. و في الجهة المقابلة من ساحة الشهداء، قرب مبنى الأوبرا، عثر الخبير الهولندي هانز كورتر، الذي يواكب أعمل البنى التحتية، على فيلّا تعود إلى العهد الروماني- البيزنطي، تتألّف من غرفتين تغطّي أرضهما موزاييك عليها كتابات، و باحة داخليّة. و وجد فيها أيضا ثلاث حمّامات خاصّة، إضافة إلى عدد من أفران الفخّار تعود إلى القرن الثالث عشر. و في منطقة القنطاري اكتشف كورتر ثلاث مدافن محفورة في الصخر تحتوي على نواويس فخّاريّة. و تدرس الاختصاصيّة بربارة ستيوارت العظام الموجودة فيها، لتحديد تاريخها و هويتها. و كان في منتصف تمّوز 1994 قد هدم مبنى" بنكا دي روما" في ساحة النجمة لإنشاء مبنى آخر جديد مكانه يخصّص للجان النيابيّة و مكاتب النوّاب، و قد أدّت أعمال الهدم و حفر الأساسات إلى ظهور معالم أثريّة ضخمة و بالغة الأهميّة، فتمّ الإتّفاق إثر ذلك بين الدولة اللبنانيّة و الأونيسكو على تفكيكها و إعادة تركيبها في المكان عينه بعد الإنتهاء من تشييد المبنى. و بما أنّ قوام المبنى الجديد سبع طبقات فوق الأرض وست طبقات تحتها، فقد تقرّر تخصيص الطبقة الثالثة تحت الأرض لتكون الصالة التي سيعاد تركيب قناطر" بنكا دي روما" الأثريّة و الآثار الأخرى المكتشفة فيها. أمّا هذه الآثار فهي كناية عن جدار طوله ثلاثون مترا بارتفاع ثلاثة أمتار، تزيّن واجهته ثماني قناطر، أربع من الحجر الملبّس بالرخام تحوطها اثنتان رخاميّتان من كلّ جانب، و في الوسط مشكاةNICHE . كلّ هذه الآثار وجدت محفوظة في حالة جيّدة، و هي مزخرفة بنقوش هندسيّة زهريّة. و تدلّ الفخامة الهندسيّة و غنى المواد الرخاميّة المستعملة و جمال الزخرفة على أهميّة هذا المعلم، الذي يعتقد الخبراء أنّه يشكّل الحائط الجنوبي لفوروم" بيريت" الروماني، علما أنّه‏

37

يعتبر، إضافة إلى المعالم الأثريّة الأخرى، لا سيّما حجر الأمغولوس من الغارانيت الأحمر الذي كان بمثابة المذبح في دور العبادة، من أجمل المكتشفات و أبرزها التي ظهرت نتيجة الحفريّات في بيروت سنة 1993.

و تمكن أهميّة هذه المعالم في وجودها ضمن منطقة أثريّة حسّاسة و غنيّة جدّا بالآثار، نظرا إلى موقعها بين الحمّامات الرومانيّة غرب ساحة النجمة و معبد" أبولو" عند مبنى اللعازاريّة. على صعيد آخر كشفت حفريّات الورشة الأثريّة تحت سوق سرسق قديما، ضمن مثلّث سينما" أوبرا"- الجامع العمري الكبير- كنيسة مار جرجس، مبنيين ضخمين يعتقد أنّ أحدهما كان معبدا فخما فيكون بالتالي المعبد الأثري الأوّل الذي يظهر في بيروت. و يتميّز المعبدان بالعناصر المعماريّة الفريدة التي تجعل هندستهما مختلفة عن هندسة البيوت العاديّة. و لو حظ وجود صالة كبيرة في أحد المبنيين كشف قسم من أرضها المكسوّة بالرخام بطول 16 م. و عرض 10 أمتار جنوب شرق الموقع.

و ظهرت في الجهة الشرقيّة من الصالة ثلاث غرف متتالية أرضها مكسوّة بالرخام أيضا. لهذه المكتشفات أهميّة تاريخيّة كبرى إذ تشكّل الوسط الروماني الممتد من الحمّامات الرومانيّة قرب السرايا حتّى ساحة البرج، و كانت تقوم على جانبيه هياكل و مبان ضخمة. لذا توقّع الخبراء الحصول على معلومات و حقائق جديدة عن المنطقة بدليل ظهور أقنية لجرّ المياه تحوط الغرف المكتشفة. و ثمّة اعتقاد أنّ المبنيين كانا يستخدمان لممارسة طقوس دينيّة.

و يقول خبير الآثار الهولّندي المشرف على أعمال التنقيب إنّه لم يعثر بعد على مذبح أو أعمدة تؤكّد وجود معبد في المكان المذكور. و قد علمنا من مصادر مباشرة أنّه في خلال أعمال الحفر في منطقة القنطاري قرب برج المرّ لإجراء إمدادات بنيويّة تحتيّة ظهر عدد هائل من النواويس الرومانيّة المرصّعة البالغة الأهميّة. و لمّا بوشرت أعمال التنقيب بين مبنى الماليّة

38

و الريفولي سابقا، لإقامة مبنى" التعاونيّة الصحفيّة" لجريدتي" النهار" و" الأوريان لو جور"، كان من غريب المصادفات أن تكون أولى المكتشفات في هذا العقار الذي تملّكته" النهار" ديكا من البرونز على رأس دبّوس صغير يعود إلى الحقبة البيزنطيّة. و معلوم أنّ الديك هو شعار" النهّار". و أوردت رئيسة البعثة المنقّبة د. ليلى بدر أنه قام في هذا الموقع مبنى بيزنطي يعود إلى القرنين السادس و السابع، كان يقطع الموقع من الشرق إلى الغرب، و يتألّف من ثماني غرف، تغطّي أرضيّته مجموعة من 11 قطعة فسيفساء ذات رسوم مختلفة و أشكال هندسيّة عديدة و ألوان متنوّعة، مصنوعة من حصى كبيرة و صغيرة. و من بين الفسيفساءات ما يمثّل رسوما مسيحيّة تشير إليها مربّعات تحوي دوائر و صلبان. و عثر أيضا على بئر بعمق عشرة أمتار لا تزال توجد فيها مياه، مصنوعة من حجر رملي مقصوص ليشكّل دوائر، قيل إنّها تعود إلى الحقبة عينها، و يحتمل أن تكون موجودة قبل الفسيفساءات.

إلى جانب هذا عثر على مبنى آخر بمثابة مركز صناعي تغطّي أرضه طبقة من الكلس و الجصّ البحري، و يحوي ثمانية أفران ضخمة تولّد حرارة عالية جدّا، و لها أنابيب للتهوئة، و أرضيّات من أسطوانات فخّاريّة شبيهة بالإيبوكوست التي كانت تستعمل في الحمّامات الرومانيّة. و في المكان عينه أيضا وجدت أربع مطاحن للقمح من حجر البازالت. و خلف هذا المركز الصناعي ظهر نظام مديني متكامل يضمّ أقنية لجرّ المياه تمرّ تحت الموزاييك، و مجاري فرعيّة تصبّ في مجرى أساسيّ كبير، يمرّ تحت طريق مرصوفة بالبلاط الكبير، و يعتبر هذا النظام بمثابة البنى التحتيّة في الحقبة البيزنطيّة. كما وجدت، و على امتداد الحفريّة، كميّة من القطع النقديّة، منها قطعة من الذهب في حال جيّدة تمثّل الأمبراطور أنستازيوس الأوّل الذي حكم من 11 نيسان 491 إلى أوّل تمّوز 518، إضافة إلى قطع أثريّة مختلفة

39

منها أسرجة فخّاريّة و أوان برونزيّة تعود في معظمها إلى العهود البيزنطيّة، إضافة إلى خاتم من الذّهب عليه حجر محفور و رأس تمثال يعتقد أنّه لفيلسوف يوناني. و وجدت في حفرة تعود إلى العصر الوسيط قطعة من الرخام عليها كتابة هير و غليفيّة فرعونيّة، و أشارت رئيسة البعثة إلى أنّ مساحة الموقع تبلغ 1975 م 2، و كان قد تمّ التنقيب في 833 م 2 من أصلها.

من جهة أخرى رفعت" اللجنة العلميّة الدوليّة" ثلاثة تقارير إلى الحكومة اللبنانيّة ضمّنتها توصيات في شأن المواقع الأثريّة في وسط بيروت التجاري، أكّدت فيها ضرورة الحفاظ على موقع" التلّ القديم" الممتدّ من الصيفي إلى الريفولي، في مكانه. و في أحد التقارير اقترحت اللجنة تصوّرا واضحا لطريقة دمج آثار هذا الموقع في إطار المخطّط التوجيهي لمدينة بيروت، و إنشاء طريق للمشاة محاذية لقاعدة السور الفينيقي، و إيجاد معدّات ثقافيّة و تجاريّة. و بالفعل تجاوبت الحكومة اللبنانيّة مع التوصيات و أصدرت وزارة الثقافة القرار رقم 10 تاريخ 11 نيسان 1996 قضى بإدخال الموقع الأثري المكتشف في وسط العاصمة، و المعروف بمنطقة التلّ القديم، في لائحة الجرد العام للأبنية الأثريّة. و على أثر ذلك تقدّمت" المديريّة العامّة للآثار" بمشروع إقامة جسر يرتكز على دعائم، و إنشاء طريق مشاة تحتها ضمن مشروع سياحي أثري متكامل، يمكّن السيّاح و الزائرين من النظر إلى السور الفينيقي من أسفل إلى أعلى. أمّا سوليدير فتنوي إقامة حائط دعم للطريق بعلو عشرة أمتار، الأمر الذي سبّب خلافا بين المديريّة و شركة سوليدير، علما بأنّ الأمر لم يحسم بعد، و أعمال إنشاء الحائط مستمرة من دون انتظار صدور القرار.

و في شباط 1997 تمّ العثور على حجر الزاوية الجنوبيّة- الشرقيّة لمبنى البازيليك الروماني في العقار 1145، في شارع الأحدب الفريب من ساحة النجمة. و في آب 1998 تمّ العثور على حجر الجهة الشماليّة- الشرقيّة منه،

40

إضافة إلى مكتشفات أخرى هي: 1) كشف مساحة 200 م 2 من البازيليك، و هو مبنى روماني عام و ضخم لحظه خبير الآثار الفرنسي" جان لوفريه" في المخطّط الذي وضعه في منتصف الأربعينات ل" بيريت" الرومانيّة. و قد ظهر حجر الزاوية الشماليّة- الشرقيّة من المبنى، و هو قاعدة كبيرة من الرخام على شكل قلب مع عمودها، و يفصل هذه الحجر الجزأين الداخلي و الخارجي من البازيليك. و تغطّي قسما من أرض الداخل فسيفساء بطول عشرة أمتار و عرض حوالى متر، ذات رسوم هندسيّة و ورديّة. أمّا القسم الخارجي فلا تزال اجزاء منه مكسوّة بالرخام. كما عثر على أساس قاعدة عمود ثانية باقية من صف أعمدة كانت تحوط البازيليك. 2) مبنى ضخم لم تحدّد هويّته، ظهر في الجهة الشماليّة من الموقع، في فنائه بهو مغطّى بالرخام، و عند المدخل عتبة ضخمة من الحجر يبلغ عرضها ستّة أمتار و نصف المتر، تتّجه نحو خطّ" كاردو مكسيموس". و هذا دليل على أنّ المبنى من المباني الأساسيّة و المهمّة لأنّ مدخله يقوم من ناحية طريق رئيسيّة، و له امتدادات تحت الطريق في اتّجاه الشمال. 3) جزء من طريق" كاردو مكسيموس" بطول 22 مترا و نصف المتر ظهر في الناحية الشرقيّة من الموقع، و هو يعبره من الشمال إلى الجنوب. هذه الطريق تشكّل أحد المحورين الرئيسيّين اللذين كانت تقوم عليهما هندسة المدن الرومانيّة آنذاك و تشاد على جانبيهما المباني الرئيسيّة و العامّة المهمّة:" كاردو مكسيموس" المتّجهة من الشمال إلى الجنوب، و" دوكو مانوس" المتّجه من الشرق إلى الغرب. و ظهرت في الموقع عينه معالم أثريّة أخرى، وجد بعضها تحت المباني الرومانيّة، و يعود إلى عصور أقدم، أي إلى الحقبتين الهلّنستيّة و الفينيقيّة الفارسيّة، فيما يعود بعضها الآخر إلى حقب أحدث مثل العصر البيزنطي و العصور الوسطى، إضافة إلى مجاري و خزّان مياه من العهد العثماني. خبراء الآثار أكّدوا على أهميّة هذه‏

41

المكتشفات و وضعوها في مصاف اكتشافات بنكا دي روما، و أشاروا إلى أهميّة الفنّ الأثري البالغ لمنطقة ساحة النجمة التي تعتبر تجمّعا لمبان رومانيّة ضخمة. و في 20 تشرين الثاني 1998 تمّ العثور في موقع البازيليك على قاعدة تمثال من الحجر بطول 20 سنتم و عرض 60 سنتم، تحمل كتابات يونانيّة أو رومانيّة على ما يعتقد. و خلف مبنى الأوبرا وجد المنقّبون عمودا يعود إلى العهد البيزنطي منقوش وسطه صليب، يبلغ طوله ثلاثة أمتار و نصف المتر، و قطره أربعون سنتم. كما تمّ اكتشاف تاج العمود و هو مزخرف نقشت على جوانبه دوائر، داخلها صلبان صغيرة.

الحديقة و الحمّامات الرومانيّة

هذه الحمامات اتي تقع تحت السرايا، كانت الحمامات العموميّة لبيريت الرومانيّة، و تشكّل جزءا من الوسط التجاري الروماني الأثري الفخم (الفوروم)، الموجود في محيط ساحة النجمة. إنّها بناء أثري ضخم يعود تشييده إلى القرن الأوّل. و يبدو أنّها كانت ذات أهمّية كبرى، بدليل هندستها المميّزة و المواد المستعملة في بنائها من رخام و فسيفساء و قرميد، و جدرانها المزخرفة بالنقوش و المغطاة بالمرمر. و هي تحوي جرنا نادرا هو واحد من نموذجين إكتشفا حتى الآن في العالم، أحدهما وجد في حمّامات مدينة بومباي.

و تعتبر هذه الحمّامات من العلامات المميزة في الهندسة الرومانيّة، و نجدها حيثما إمتدّت الإمبراطوريّة، من روما حتى افريقيا و اسيا. و تتألّف أساسا من ثلاثة أقسام: 1- الحجرة الباردة:" فريجيداريوم"(FRIGIDARIUM) . 2- الحجرة الدافئة: تيبيداريوم(TEPIDARIUM) حيث يتكيف الجسم تدريجيّا مع الحرارة. 3- الحجرة الساخنة: كالداريوم(CALDARIUM) و هي شديدة الحرارة و لا يستطيع الجميع تحمّلها، و فيها جرن من المياه الساخنة. و في كل‏

42

حجرة جرن كبير أو مغطس يمكن استخدام مياهه لرش الجسم أو الغطس فيه كليّا. و تؤلف الحمامات جزءا من مجمّع متكامل، يضم حدائق و أمكنة للتنزّه و مقهى و حتى مكتبة. و كانت مكانا عامّا يلتقي فيه أهل الفكر و المجتمع و شخصيّات من مختلف الفئات. أمّا أوقات ارتيادها فمقسّمة بين الرجال و النساء، إضافة إلى أوقات مخصّصة للعائلات. الآثار الموجودة في الموقع تمثّل جزءا من هذه الحمّامات التي تمتدّ حتى الجهة الجنوبية، وصولا إلى أسفل الدرج الذي يؤدي إلى السرايا، و كذلك شرقا تحت مبنى بنك سوريا و لبنان. أمّا المعالم الظاهرة منها في المشروع فهي:- آثار الحجرتين الدافئة و الساخنة التي تعتمد على ال" أيبوكوست"، و هو نظام تدفئة مركزيّ يقوم على أعمدة فخّارية من حجر الطوب المشوي، تشكّل فاصلا بين مستوى الحمّامات و مستوى الأرض أي بين طبقتين، الأولى رخاميّة و الثانية حجريّة. المساحة الفارغة بينهما يمرّ فيها البخار المتسرّب من قناطر مبنيّة بالآجرّ، لتسخين أعمدة الفخّار التي تحتفظ بالحرارة طويلا و توزّعها على أرض الحمّامات الرخاميّة. و ثمّة فتحات جانبيّة في الجدران المزدوجة تساهم أيضا في دخول الهواء الساخن الحجرتين الدافئة و الساخنة.- الأفران(PRIFURUM) و كانت تعمل على الحطب لتسخين الهواء و المياه.- الجرن الكبير(LABRUM) الذي تنسكب المياه فوقه، و موجود في الحجرة الساخنة.- بركة السباحة(SODASIUM) المغطاة بالرخام و المرمر، و كانت تستعمل أيضا غرفة للصونا.- أقنية محفورة في الصخر لجرّ المياه تسمّى‏AQUADOTTO ، قسم منها كان يأتي بالمياه من نهر بيروت عبر قناطر زبيدة إلى تلّة السرايا، و تتجمّع بعدها في برك كانت تغذّي الحمّامات. أمّا القسم الآخر فشكّل شبكة تصريف للمياه المستعملة في إتجاه الفوروم عند ساحة النجمة. و ثمة قطع فسيفساء و زجاج ملوّن كانت تغطّي أرض الحمّامات و تدلّ على غنى هذا

43

الموقع و المواد المستخدمة في تشييده. المديريّة العامة للآثار رمّمت الحمّامات، بعد إكتشافها، في ستينات القرن العشرين. لكن الموقع أهمل إبّان الحرب، فطمرت الآثار بالردميّات و النفايات و فقد بعضها. و في آذار 1995، عاودت المديريّة التنظيف و التوسع. و بعد انتهاء الحفريّات، تقرّر الحفاظ على المكتشفات في موقعها و ترميمها و إدراجها في المخطّط التوجيهيّ لبيروت، ضمن حديقة عامّة تتولّى" سوليدير" الإشراف عليها بعدما قام الخبراء بتنقيبات إضافيّة في موقع الحديقة و تأكّدوا من خلوّ شمال الحمّامت من الآثار. و عهد إلى مكتب" انترسان" الفرنسي و المكتب الهندسي الإستشاري اللبناني وضع تصميم الحديقة و متابعة الإشراف على تنفيذ المشروع. أمّا حديقة الحمّامات فتبلغ مساحتها العامّة 825، 2 م 2 و تضم: 1- حديقة العطور، و قد زرعت بأنواع خاصّة من النباتات العطرة، تفوح منها روائح جميلة تذكّر بالعهد الروماني و حمّاماته، و لا سيّما أنّ الرومان اعتمدوا في حدائقهم على العطر في شكل أساسي، و قدّموه على الألوان و العناصر الأخرى، و من أنواع تلك النباتات: الخزامى، البنفسج، الياسمين، النعناع، الميرت، الصنطولية، و الخبيزة. و تغطّي الحديقة عريشة من الورود و الياسمين. 2- حديقة أجران الفخار، زرعت بنباتات طبّية و معطّرة ببهارات متنوّعة منها: القرنفل البرّي، الزعفران، الصعتر، الصعتر الحمضي، الريحان، ذهب الشمس، السوسن و غيرها. 3-" التونال" و هو ممر يصل حديقة أجران الفخار بحديقة العطور.

تغطيه عريشة من النباتات العطريّة، و تزيّن أرضه لوحات حديثة من الفسيفساء المستوحاة من رسوم الفسيفساء الرومانيّة القديمة. 4- الإيمبلوفيوم(IMPLUVIUM) ، و هو شلّال يصبّ على سطح من الفخّار قاعدته خشب و تحته جرن تجتمع فيه المياه. 5- مدرج صغير لإقامة العروض الفنّية، و كان محور مناقشة و درس مع المديريّة العامة للآثار التي اطمأنت لاحقا إلى إقامته‏

44

بعدما تأكّدت من عدم إضراره بالموقع الأثري. 6- مسرح لإقامة العروض و الإحتفالات. كذلك، لحظ المشروع ممرات خاصّة تسمح للمعوّقين بالتنقّل بين أرجاء الحديقة، رغم المعوقات الطوبو غرافية و جغرافيّة المكان الصعبة. أمّا المساحات المتبقّية، فأقيمت فيها مصاطب تشرف على الحمّامت الأثرية و زوّدت بمقاعد للإستراحة. و غطّت الموقع أشجار تلائم المناخ المتوسطي، منها: السرو، الصنوبر، الأكاسيا، الجاكرندا، و البلح، و الزيتون. أمّا الشجيرات فهي الدفلى، العرعر و زهرة الربيع. و للحديقة مداخل عديدة. أوّلها مزدوج، يقود الزائر من شارع المصارف إلى الأدراج الشماليّة المطلّة على" حديقة العطور". و هناك ثلاثة مداخل أخرى في شارع الكبوشيّين، واحد منها يؤدي إلى الموقع الأثري و المسرح. و ينهي الزائر إذا شاء، جولته المعطّرة بأريج الماضي، باستراحة قصيرة على مصطبة تطلّ على الموقع، يصلها عبر رصيف شارع الكبوشيّين. كلفة المشروع الذي موّلته" سوليدير"، بلغت نحو 800 ألف دولار أميركي.

الحاضرة التّاريخيّة

أحد أهمّ المشاريع الّتي تدرس لمستقبل وسط بيروت، تنظيم" حاضرة تاريخيّة" تبرز ماضي العاصمة و أهمّيّتها. و يقضي المشروع بإقامة" طريق التّاريخ" التّي ستربط بين المواقع التّاريخيّة كالحمّامات الرومانيّة و المساجد و الكنائس و المعالم الأثريّة و المواقع الفينيقيّة و الفارسيّة، إضافة إلى الأسواق.

و تضمّ هذه الحاضرة التياتر و الكبير الذي شيّد 1930 و يمثّل أحد أبرز وجوه التّراث الفنّي في بيروت، و سيعاد ترميمه، و هو الذي يتميّز بنماذج من الفاكهة و النبات و الحبوب حفرت على أعمدته في شكل رائع. و سيضاف إلى هذه المعالم التّاريخيّة" متحف المدينة" الذي ستمرّ به" طريق التّاريخ" حيث‏

45

يتسنّى للزوّار التّعرف إلى مختلف المراحل التّاريخيّة و إلى آثار وسط بيروت، إنطلاقا من الكنعانيّين و الفينيقيّين وصولا إلى العثمانيّين.

المعالم الكبرى لمدينة بيروت‏

نستعرض في ما يلي أهمّ المعالم الكبرى للعاصمة اللبنانيّة، و هي التي اشتهرت أو تميّزت بها مدينة بيروت في حقبات مختلفة من تاريخها، و ذلك بهدف التعريف بتلك الميّزات التي من المفيد أن يعرفها كلّ لبنانيّ مثلما يريد أن يعرف عن قريته أو بلدته أو إقليمه، فإنّ بيروت هي عاصمة كلّ لبنان، و لا تكتمل معرفة الإنسان ببلاده إن غابت عنه معرفة عاصمتها.

معابد بيروت القديمة

تداولت حكم بيروتّ أمم عديدة منذ أقدم العصور، و تركت في ربوعها الكثير من آثار فنونها و ثقافتها و معتقداتها، و لم تلبث هذه الآثار أن أبيد معظمها لكثرة ما واجهت بيروت من فتوح و استقبلت من غزاة و ما دهمها من كوارث. ففي العهد القديم الذي كان الناس يعيشون في مدن تؤلف ممالك صغيرة مستقلّة، كان أهل بيروت يدينون بالوثنية و يدعون الإله الأعظم معبودهم باسم البعل. و كان أهل كل مدينة من مدن الساحل يعبدون الإله الأعظم على هيئة خاصة و ينسبونه إلى مدينتهم. فتعدّدت بذلك أسماء الإله الأعظم مع وحدانيّته. و قد اعتبر الكنعانيّون القدماء بيروت مدينة مقدّسة و مكرّسة لعبادة" بعل بريت". و بحكم إستيلاء الفراعنة طويلا على بيروت، تأثّر أهلها إلى حد كبير بالديانة المصريّة القديمة، كما تأثّر المصريون، بدورهم، بالصلة الوثيقة التي قامت بينهم و بين الفينيقيّين. و اكبر مثل على ذلك‏

46

إنتشار عبادة البعل في مصر، و تشييد المعابد في لبنان على الطراز المصري، و التعبّد فيها بطقوس شبيهة بالطقوس المصرية. و لمّا دخل اليونان فينيقية و تملّكوا بيروت، سمحوا للخاضعين لأمرهم بحفظ دينهم، ثم مزجوا بين آلهتهم و آلهة الفينيقيّين و كسوها بمسحة يونانيّة. و جرى الرومان مجرى اليونان في إحترام شعائر أهل بيروت عند ما استولوا على مدينتهم سنة 64 قبل المسيح، و سمّوا آلهة الفينيقيّين باسماء رومانيّة، فدعوا البعل باسم" جوبيتير" و عشتروت الزهرة باسم" فينوس"، و بنوا في بيروت القصور الجميلة و المعابد الفخمة. و كان المعبد مكرّما من قبل الفينيقيّين و الرومان على السواء. و ممّا ذكره المؤرّخون عن تلك المعابد و القصور أنّها نافست في بهائها و رونقها معابد و قصور روما. و قد جرت عادة أهل ذلك العصر أن يختاروا مشارف الجبال ذات المناظر الجميلة ليبنوا عليها المعابد، فأقام البيروتيّون لآلهتهم معبدا في الجبل المشرف على مدينتهم في دير القلعة بجوار بيت مري، و هو هيكل" بعل مرقد"، و صاروا يقصدون إليه لتقديم الضحايا و القرابين. و يبدو من النقوش الأثريّة التي عثر عليها في هذا المعبد الفخم أنّه لم يكن مكرّسا لعبادة" بعل بريت" فحسب بل جعل" بانتيون" البيروتيين، أي مجمعا لآلهتهم، و صار مشتركا بين الرومان و الوطنيّين، و مكرّسا لعبادة جميع الآلهة (راجع: دير القلعة). و استمرّت الديانة الفينيقيّة شائعة ألاف السنين، و ظلّت الطقوس و العادات الوثنيّة متأصّلة تأصّلا عميقا في البيروتيّين حتّى ظهر الدين المسيحي، فناهض دعاته عبادة الأوثان و تحمّلوا من أجل القضاء على دين الشرك ضروب الإضطهادات إلى أن تمّ لهم الفوز على الوثنيّة في القرنين الرابع و الخامس، إذ حوّل الروم البيزنطيّون هياكل الوثنيّين إلى كنائس و أديرة و مزارات مسيحيّة. و ممّا يؤسف له أنّ هذه المدينة العريقة قد نكبت بالزلازل مرّات عديدة، و نشب فيها الحريق الذي‏

47

التهم معابدها و معاهدها و قصورها سنة 560 م.، كما نكبت مرارا بويلات الحروب التي دثرت معالمها. و أخصّ ما حفظ التاريخ لنا من أسماء لمعابد بيروت القديمة ما ذكره المؤرخ زكريّا السرياني المعروف بالخطيب الذي دوّن كتاباته أواخر القرن الخامس للميلاد، و كان قد انقطع في بيروت إلى درس الفقه، فكتب باللغة السريانيّة سيرة رفيقه ساويروس الإنطاكي الذي صار في ما بعد أوّل بطريرك على المونوفيزيّين. فقد روى زكريّا عن بيروت في زمانه أنّه كان فيها عدّة كنائس بيزنطيّة، ذكر منها" كنسية القيامة" و" كنيسة مريم" و" كنيسة الرسول الشهيد يهوذا". و حدثنا صالح بن يحيى في" تاريخ بيروت" عن" كنيسة الفرنسيسكان" و ما حلّ بها بعد الصليبيّين فقال:

و اتّخذوا الكنسية التي شرقي البلدة داخل السور، فكانت لهم منزلا. و كانت هذه الكنيسة تعرف بكنيسة افرنسيسك، و يزعم الفرنج أنّ فرنسيسك هذا قدّيس ظهر متأخّرا من مدّة مئتي سنة مضت إلى هذا التاريخ. و كانت هذه الكنيسة كبيرة. ثمّ يقول: و هي في وقتنا الحاضر خراب، بيعت لبني الحمراء فنقلوا حجارتها إلى مدرستهم و ذلك بعد العشرة و الثمانية و كانت معروفة بالسلف.

و روى بن يحيى في كتابه أيضا عن أيقونة خشب ذاع خبرها بين النصارى، تمثّل صورة مصلوب ضربها بعض اليهود بسكّين فصارت تنزف دما، و قال:

إنّ هذه الصورة نقلت إلى قسطنطينيّة فعمّروا عليها كنيسة يعظّمها الفرنج.

و قيل إنّ كتابة يونانيّة كانت فوق باب الدركاه اقتطعت من رتاج باب كنيسة بيزنطيّة، و هذه الكتابة آية من الإنجيل محتواها تحريك عاطفة الرحمة في قلوب الداخلين ليسعفوا أصدقاءهم و إخوانهم البائسين. و في سنة 1916 عثر العمال في سوق البزركان على آثار أبنية بيزنطيّة قديمة كانت بينها كنيسة ظهرت بعض أعمدتها مع صلبان بيزنطية الشكل. و ذكر مؤرّخو السريان أنّ بيروت تفتخر بالرسولين لبّي أو تدّي المعروف بيهوذا، و الرسول مرقس‏

48

و الرسول لوقا، و قالوا إنّ لبّي الرسول شخص إلى بيروت إثر صعود المخلّص و بشّر أهاليها بالكرازة المسيحيّة، و أسّس فيها كنيسة و فيها توفّي و دفن، و على اثر وفاته شيّد المسيحيّون في بيروت كنيسة كبرى تيّمنا باسمه سمّوها" الكنيسة المعتبرة جدّا" أو" كنيسة لبّي". و إليها كان يختلف زكريّا السريانيّ الفصيح و زميله سويرا في السنتين 487 و 488 يوم كانا منكبّين على درس الشرع في مدرسة بيروت الفقهيّة، و" كان مديرها القسّيس قوسما، و يساعده في خدمتها القس يوحنّا الفلسطينيّ المعروف بإسم أدريان". و بعد لبّي الرسول تولّى أبرشيّة بيروت قوارطس أحد التلامذة السبعين، و قد عاون الرسول بولس في الكرازة الإنجيليّة فنصّبه هذا الأخير أسقفا على بيروت.

و أثبت اسمه في تحيّته للرومانيّين بقوله: يسلّم عليكم أرسطس خازن المدينة و قوارطس الأخ. و ذكر الرحّالة" هنري مندرل الإنكليزيّ" في القرن السابع عشر أنّه شاهد هذه العبارة: قوارطس أوّل أساقفة بيروت منقوشة على جدار إحدى كنائسها. و حضر غرلايغوريوس أسقف بيروت سنة 325 المجمع النيقاويّ الأوّل. و كان طيمثاوس أسقفها في جملة آباء المجمع القسطنطينيّ الأوّل. و لمّا تولّى أوسطاثيوس أسقفيّة بيروت (443- 460) عقد مجمعا عام 448 للنظر في قضيّة يهيبا مطران الرها (435- 457)، و كان يهيبا من أئمّة كتبة السريان في عصره خلّف مداريش و رسائل جمّة تشهد بطول باعه، و حدث تنافس بين أوسطاثيوس و بين فوط مطران صور فتمكّن أوسطاثيوس بوساطة ثئودوسيوس قيصر الثاني (408- 450) من الإستقلال بكرسيّه البيروتيّ زمنا. و ضمّ إليه أساقفة جبيل و البترون و طرابلس و عرقا و طرطوس. و أصبحت بيروت منذ ذلك العهد مستقلّة عن صور خاضعة توّا للكرسيّ الإنطاكيّ. و من أساقفة بيروت يوحنّا الذي أورد اسمه زكريّا السريانيّ الفصيح في ترجمة زميله سويرا و رفيقه في مدرسة الفقه البيروتيّة.

49

و قال إنّ مراسلات جرت بينه و بين ربولا السميساطي الذي أنشأ ديرا عظيما في لبنان. ثمّ إنّ زكريّا المؤرّخ المذكور أثبت في تلك الترجمة أسماء ستّ كنائس في بيروت هي: كنيسة لبّي الرسول، و كنيسة أنسطاسيا الكبرى التي أنشأها أوسطاث أسقف بيروت (443- 460)، و ظلّت قائمة حتّى 559 تاريخ الزلزلة الهائلة التي قوّضتها، و كنيسة والدة اللّه و كان موقعها ضمن بيروت بالقرب من المرفأ، و كنيسة الشهيد لاونطي و مركزها في مدينة بيروت، و فيها التأم طلّاب مدرسة الحقوق المسيحيّون ليحضروا عماد لاونطي، و كنيسة القيامة التي شيّدها أوسطاث سالف يوحنّا، و كانت من أكبر كنائس بيروت و أفخمها، تقع ضمن سور المدينة، قريبا من مدرسة الفقه، و يرجّح أنّها لم تكن بعيدة عن كنيسة مار جرجس. و كنيسة مار إسطفان أوّل الشهداء و هي البيعة السادسة، تأسّست تيمّنا باسم القديس إسطفانوس رئيس الشمامسة و أوّل الشهداء، إضمحلّ رسمها منذ أواسط القرن السادس بسبب الزلازل الهائلة التي ضربت السواحل الفينيقيّة اللبنانيّة. و في عهد أغسطاس قيصر (491- 518) تولّى مرين أسقفيّة بيروت فتحزّب لسويرا بطريرك أنطاكية (512- 518) و شاركه في القدسيّات. و قام بعده تلاس فناضل عن عقيدة آباء المجمع الخلقيدونيّ الذين بلغ عددهم 636 أسقفا. و وقّع تلاس عريضة مع أساقفة المشرق السريان رفعوها عام 536 إلى أغابيط الحبر الرومانيّ (535- 536) في قضيّة إشهار الحرم على أنتيمس أسقف قسطنطينيّة. و لمّا احتلّ الفرنجة بيرون عام 1110 كان المسيحيّون فيها فئتين: فئة سريانيّة و فئة ملكيّة، و لكلّ منهما كنيسة أو كنائس يقيمون فيها فروضهم الدينيّة. أمّا كنيسة السريان فالراجح أنّها كانت في سوق البازركان حيث اكتشفت آثار كنيسة قديمة في مدّة الحرب العالميّة الأولى.

50

الكنائس و المساجد و الجوامع الأثريّة

الجامع العمري: كان كنيسة من آثار الصليبيّين شيّدها الملك بودوان سنة 1110 م. على أطلال معبد رومانيّ قديم على اسم القديس يوحنّا المعمدان، و هو الذي يدعوه المسلمون النبي يحيى، و كان قبلا مبنى محكمة الشعب الرومانيّة. صلّى في الكنيسة الصليبيّة المسيحيّون مدة ولاية الصليبيّين على بيروت، و حوّلها صلاح الدين الأيوبي إلى مسجد عرف بالجامع الكبير، و أطلق عليه اسم" العمري" تخليدا لذكرى الخليفة عمر ابن الخطّاب. ثمّ استعاده الصليبيّون سنة 1198 م. و حوّلوه إلى كاتدرائيّة استعاده المسلمون سنة 1291 م.، و قال صالح بن يحيى في" تاريخ بيروت": لمّا قدّر اللّه بنزع بيروت من يد الفرنج استقرّت كنيستهم جامعا و كانت تعرف عندهم بكنيسة مار يوحنّا، و كان بها صور فطلاها المسلمون بالطين، و بقي الطين إلى أيّام الجدّ (أي جدّ صالح بن يحيى) فبيّضه و أزال عنه آثار تلك الصور. و قد بقي في كوّته، على شمال الداخل إليه من بابه الغربي، كتابة يونانيّة هي آية من الزّبور" و إنّ صوت الربّ على المياه"، ممّا يدلّ على أنّ جرن المعموديّة كان هنالك. و يقال إن يد يوحنّا المعمدان كانت مدفونة في هذا المكان. و يتألّف المبنى من رواقين مسقوفين، و قد دلّت الترميمات التي أجريت سنة 1953 على أن بيروت كانت منخفضة عما هي عليه اليوم، و أنّ لهذا المسجد دهليز غلب عليه الماء يقوم على أعمدة لمعبد رومانيّ قديم.

جامع الخضر: يقع في محلة الخضر، أو الكرنتينا، قرب كنيسة مار ميخائيل.

و كان، كما يروي المؤرّخون، موضع الجامع كنيسة بيزنطيّة قديمة بنيت تخليدا لذكرى القدّيس جرجس في المكان الذي تقول الأسطورة إنّه أنقذ فيه إبنة حاكم بيروت الروماني من مخالب التّنين المفترس. و القدّيس جرجس كان‏