المزار

- السيد مهدي القزويني المزيد...
302 /
5

مدخل لتعيين قبور الأنبياء و الشهداء و أولاد الأئمة و العلماء

أولا: «كتاب المزار»

للسيد مهدي القزويني، فصل من فصول كتابه «فلك النجاة في أحكام الهداة» المطبوع بتبريز سنة 1298 ه/ 1881 م، طباعة حجرية. يبدأ من صفحة 325، و ينتهي بصفحة 344. فمجموع صفحاته تسع عشرة صفحة، مكتوبة بخط اليد.

ثانيا:

قسّم المؤلف كتابه إلى بحثين: الأول: في مشروعيّة الزيارة الثاني: في زيارة النبي (ص) و المعصومين (ع). و رتّبه على ثلاثة فصول:

الفصل الأول: في زيارة النبي (ص). الفصل الثاني: في زيارة فاطمة (ع) بنت الرسول (ص). الفصل الثالث: في زيارة الأئمة الإثني عشر.

ثم بدأ في الفصل الرابع بالحديث عن زيارة الأنبياء (ع) و تعيين مراقدهم، فذكر اسم عشرين نبيّا. ثم عرّج في الفصل الخامس إلى ذكر الشهداء الذين قتلوا مع النبي (ص)، أو الأئمة، و عدّد منهم شهداء بدر، و شهداء أحد دون أن يذكر أسماءهم سوى إسم الحمزة عمّ النبي (سيد الشهداء) الذي قتل في أحد. كما أشار إلى شهداء صفين، و كربلاء و الكوفة، و البقيع و الموصل، و المدائن، و الربذة.

أمّا الفصل السادس فقد كرّسه لزيارة قبور المشاهير المعروفين من أولاد الأئمة، و ذكر منهم ثلاثة و عشرين إسما.

6

و في الفصل السابع أشار إلى تعيين قبور جملة من العلماء المجتهدين، الذين تولّوا الزعامة الدينية على مرّ العصور، مبتدئا من النوّاب الأربعة، ثم بالطبقة التي تلتهم كطبقة الشيخ الكليني صاحب كتاب «الكافي»، و الشيخ المفيد، و المرتضى، و شيخ الطائفة الطوسي.

ثم عيّن مراقد جملة من علماء الحلّة في عصور ازدهار ثقافتها في القرن السادس و السابع و الثامن. كما ذكر علماء النجف، و بعض علماء جبل عامل، و كذلك من دفن من العلماء بإيران، و لم يتعدّ ذكر أكثر من ثلاثة أسماء فقط.

أمّا بقيّة الفصول، و بالتحديد: الفصل الثامن، التاسع، العاشر فهي تتعلّق بشكل عام بآداب الزيارة، و أحوال الأئمة، و الحديث عن أحكام المشاهد.

و ختم فصوله في الحديث عن آداب زيارة الأخوان.

ثالثا:

إلتزم المؤلف حول تعداد الأسماء التي أوردها في فصوله، المراحل الزمنية، إلّا أنّ ذلك لم يكن خاضعا لمنهج عام، بل كان يقدّم في بعض المواضع أسماءا على أخرى، حسب السياق الذي تمليه عليه طبيعة البحث و منهجه.

رابعا:

لم يذكر المؤلف أسماء الشهداء الذين دفنوا في الحائر الحسيني، أو ممن دفن بالبقيع من منتجبي الصحابة، أو ممن استشهد بمعركة بدر، أو أحد، و اكتفى بالاشارة إليهم بشكل عام.

خامسا:

إبتدأ القزويني بتعداد أسماء العلماء، منذ القرن الرابع إلى القرن الثالث عشر الهجريين. و أقرب تاريخ وفاة لزمن تأليف الرسالة هو تاريخ وفاة صاحب الجواهر، الشيخ محمد حسن النجفي المتوفى سنة 1266 ه/ 1850 م. و لمّا كان تأليف كتاب المزار تمّ سنة 1272 ه/ 1856 م فيكون بين التاريخين ما يقرب من خمس سنوات فقط.

7

إلّا أنّه نفسه أضاف إسم الشيخ مرتضى الأنصاري المتوفى سنة 1281 ه/ 1864 م على النص بعد الفراغ من تأليف كتابه بتسع سنوات تقريبا، و هو الإسم الوحيد الذي أضيف على كتاب المزار بعد تأليفه. علما أنّ القزويني توفي بعد الأنصاري بتسع عشرة سنة، أي في سنة 1300 ه/ 1883 م.

سادسا:

إندرجت في بعض الفصول أسماء في غير مواضعها استطرادا، لتعلّقها بذلك الموضع، و تلبّسها به. فقد أدرج إسم إبراهيم بن عبد اللّه بن الحسن المثنى بن الحسن السبط بن الإمام علي بن أبي طالب (ع) ضمن الحديث عن زيارة الأنبياء، و تعيين قبورهم. و بطبيعة الحال أنّ مكانه في الفصل المعدّ بالحديث عن أبناء الأئمة. و كذلك التكرار في تعيين إسم أحمد بن الإمام موسى الكاظم (ع) في فصل «المشاهير من أولاد الأئمة» أولا، ثم في فصل مشاهير العلماء ثانيا. و إن كان يقصد في هذا التكرار تعيين قبر أحمد المزيدي دون سواه للشهرة عنده. فيتوافق مكانه في الموضعين.

سابعا:

يلاحظ أنّ الفصل الأول المتعلّق بزيارة النبي (ص) يتداخل مع الفصل التاسع المتعلّق بآداب زيارة النبي (ص)، و زيارة الأئمة (ع) و إن اختلف في منهجيتهما.

أهمية كتاب المزار

1- أصبح كتاب المزار منذ عصر مؤلفه مصدرا أصليا لجميع من كتب عن سيرة الأئمة و أولادهم، و اهتمّ بتعيين قبورهم، و مزاراتهم، و الاختلاف بمواضع مدافنهم، أو إظهار ما أخفاه التاريخ و زواه عنهم.

2- يعتبر كتاب المزار من الكتب التي حرّر مؤلفه فيه من الآراء التي تعدّ من متبنياته التي إنفرد بها، و قد تلقّى جمهور العلماء الباحثين آراءه بالقبول، و إن خالفوه في بعضها الآخر.

8

3- يعتبر الإمام المؤلف من الباحثين الميدانيين، حيث أخذ على عاتقه القيام بمهمة الكشف عن القبور و تعيينها.

و قد أظهر جملة من المراقد التي لم تكن معروفة في عصره، و لم يشر هو نفسه إلى ذلك في كتاب المزار، إلّا أنّ ما تناقله معاصروه عنه يجعله من العلماء الأوائل في هذا الميدان، إن لم يكن الرائد الأول فيه.

و من القبور التي تمّ تعيينها على يديه، قبر الحمزة حفيد العباس بن علي بن أبي طالب (ع) المعروف بالحمزة الغربي، الواقع قبره بالهاشمية، قرب مدينة الحلّة، و كذلك تعيينه لقبر الإمام الشهيد زيد بن علي بكناسة الكوفة، حيث إعتقد أنّه موضع صلبه و حرقه.

4- يلاحظ أنّ ظهور المراقد، و تعيينها كان قد تمّ في هذا العصر، القرن الثالث عشر الهجري/ التاسع عشر الميلادي بعد ما أصاب النسيان الكثير منها بسبب الإهمال، و عدم القيام بتجديدها و تخليدها.

المنهج في تحقيق «المزار»

1- جرى المؤلف على ذكر الأسماء دون أن يدخل بالتفاصيل. فلم يذكر عن حياتهم، و لا تواريخ و فياتهم شيئا سوى الإشارة إلى مواضع دفنهم، و إقبارهم. و كانت غايته فقط تعيين مواضع قبورهم حسبما وصل إليه من تتبّع في المصادر المحفوظة لديه، أو طريقة التنقيب و الاهتداء بالأثر.

و كان عملي منصبّا على توضيح ما أورده من أسماء الأنبياء، و الشهداء، و أولاد الأئمة، و العلماء، و الحديث عنهم بما يوفّر مادة مكمّلة ضمن منهج المؤلف نفسه دون الخروج عن مضامين الرسالة.

2- لم تكن «الهوامش» تستوعب أسماء الأعلام المترجمين لطولها، و لبعض التفاصيل الواردة بها. لذلك ألحقت كلا منها بالفصل الخاص به على إنفراد، بعد نهاية الفصل الذي أورد فيه مؤلفه أسماء أعلامه، و جعلتها بعنوان «تعليقات» على ذلك الفصل.

9

الصفحة الأولى من كتاب المزار

10

الصفحة الأخيرة من كتاب المزار

11

و هذه (الملحقات) تشمل فقط الفصل الرابع، و الخامس، و السادس، و السابع.

كما ألحقت هذه الفصول ببعض الصور التوضيحيّة التي تتعلّق بالموضوع نفسه، و تتناسب معه. و هي مختلفة في فتراتها الزمنية.

3- تضمّن الكتاب ما يقرب من مائة و أربعين ترجمة لأسماء الأعلام الواردة فيه.

4- ألحقت بالكتاب مقدّمتين، الأولى: عن مقبرة السيد مهدي القزويني بالنجف (لاتصالها بموضوع الكتاب)، و فيها نبذة عن زمن تشييدها، و بعض مراحل الإعمار التي مرّت عليها.

الثانية: ترجمة خطّية نفيسة للإمام المؤلف كتبها ولده العلّامة السيد حسين القزويني المتوفى سنة 1325 ه/ 1907 م، و هي من نفائس المدّخرات الأدبيّة و التاريخية المختصّة بهذا الفنّ من التأليف.

المقدمة الأولى مقبرة السيد مهدي القزويني بالنجف‏

بعد وفاة السيد باقر بن السيد أحمد القزويني (عمّ السيد مهدي القزويني) يوم الخميس 9 ذي الحجة 1246 ه/ 22 أيار 1831 م أقبر في مقبرة خاصة به، و هي معروفة اليوم بالنجف بين مقبرتي السيد حسين الترك الكوهكمري من جهة الشرق و الشيخ محمد حسن الجواهري من جهة الغرب، و يفصل بينهما زقاق نافذ (1).

و قد دفن السيد مهدي القزويني بعد وفاته يوم الثلاثاء 13 ربيع الأول 1300 ه/ 23 كانون الثاني 1883 م في المقبرة نفسها، و قد شيّدها ولده السيد

____________

(1) حرز الدين، معارف الرجال، ج 1، ص 123.

12

واجهة داخلية من مقبرة السيد مهدي القزويني (أزيلت بالترميمات الحديثة)

13

صالح، و أجرى توسعة لها. و يبدو أنّ السيد مهدي كان قد تملّك المقبرة، و أوقفها لدفن أولاده و أحفاده. و فعلا فقد دفن الكثير منهم رجالا و نساءا فيها، حتى لم تعد في العقود الأخيرة تستوعب أحدا.

و ممن دفن فيها:

أولاد السيد مهدي الذين توفوا بعده، السيد صالح 1304 ه/ 1887 م، السيد حسين 1325 ه/ 1907 م، أبو المعزّ السيد محمد 1335 ه/ 1916 م.

(أمّا ولده الأكبر السيد جعفر فقد توفي بحياته سنة 1298 ه/ 1881 م، و دفن في الصحن الحيدري تحت الساباط، أول غرفة على اليسار للقادم من باب الطوسي. و دفنت أمّه إبنة العلّامة الشيخ علي بن الشيخ جعفر كاشف الغطاء معه بعد وفاتها، في شهر محرم سنة 1300 ه/ تشرين الثاني 1882 م).

و كذلك أحفاده: منهم، السيد هادي (ت: 1347 ه/ 1928 م) بن السيد صالح و أولاده: السيد باقر، و السيد محيي الدين (ت: 1356 ه/ 1937 م)، و جدّي السيد جواد (ت: 1338 ه/ 1939 م)، و والدي السيد كاظم (ت:

1396 ه/ 1976 م)، و غيرهم ممن تضيق هذه الصفحات عن تعداد أسمائهم، أو الإشارة إليهم.

العمارات التي أجريت على المقبرة

عمارة السيد صالح القزويني‏

بنى السيد المرزة صالح القزويني سنة 1300 ه/ 1883 م على قبر أبيه، و عمّه قبّتين زرقاوتين، و عمّر المقبرة تعميرا فنيّا لا نظير له، متخذا لها، هو و من جاء بعده مكانا للتدريس و المباحثة، و مركزا من مراكز العلم و المعرفة.

أصبحت مقبرة آل القزويني من المعالم العمرانية الشاخصة بمدينة النجف، بعد هذه العمارة. و قد وضعت لوحة على الباب الخارجي للمقبرة، كتبت على الكاشي الأخضر، منقوشا عليها تاريخ سنة تشييدها و هو عام‏

14

1300 ه. و قد أزيلت هذه التحفة النادرة مؤخرا ضمن مشروع الاعمار الذي طال الواجهة و غيرها دون الالتفات إلى القيمة الأثرية لها. و نصّ ما كتب عليها، هو:

بسم اللّه الرحمن الرحيم‏

إن المتقين فى مقام أمين فى جنات و عيون‏

هذه بقعة قدس‏* * * هي للمهدي مرقد

هي للخائف كهف‏* * * و هي للطائف معبد

حرم ينزل فيه الوحي‏* * * و الأملاك تصعد

شاده (الصالح)* * * تعظيما، و أعلاه (محمّد)

لامام العصر أرّخ‏* * * (إنّه في خير مشهد)

1300 ه

كما نقش بيتان للسيد عباس الزيوري البغدادي المتوفى سنة 1320 ه/ 1902 م على الجدار الخارجي للمقبرة، يؤرخ بهما سنة وفاة السيد مهدي، و هما:

ناع نعى مضرا، فآلم يعربا* * * و الحجر و البيت الحرام، و يثربا

من بعد عام حجّ فيه أرّخوا* * * (مهديّ آل محمّد قد غيّبا)

1300 ه

عمارة السيد هادي القزويني‏

بعد وفاة السيد صالح سنة 1304 ه/ 1887، قام ولده العلامة السيد هادي القزويني (ت: 1347 ه/ 1928 م) بتطوير المقبرة عمرانيا. ففي سنة 1317 ه/ 1899 م أو عز للفنّان الإيراني المتخصص بفنّ الزخرفة الميرزا عبد الجواد الأصفهاني بعمل المرايا الهندسية، و الزخارف المطعّمة بالشعر الجزل المتين، مزيّنا الغرف بها. ففي الغرفة التي يرقد بها السيد صالح بن السيد

15

مهدي أحاطت أشعار العالم الأديب الشيخ جواد الشبيبي الكبير (ت:

1364 ه/ 1945 م) جوانبها، مسجّلة تاريخ وفاته، و قد إلتقطتها جميعا، إلّا ما سقط منها من جرّاء الإهمال، و عدم صيانة المكان، و الأبيات هي:

تخطّت غير طائشة الحلوم‏* * * ... (1)

و جاءت غير واعية نداءا* * * بواعية من الرزء الجسيم‏

و قد أخذت بناصية المعالي‏* * * و جبّت كاهل الدين القويم‏

و خصّت بالرزية آل بيت ال* * * نبوة، معدن الفضل العميم‏

حديث مفاخر الشرف القديم‏

بوهّاج المحامد أثكلتهم‏* * * و نهّاج الصراط المستقيم‏

بروح المنّ يخطر بالعطايا* * * و روح الفضل يزخر بالعلوم‏

تسائلني الحفيظة و هي تدري‏* * * بأنّ مقرّه دار النعيم‏

و تنشد عنه معولة عليه‏* * * ...

لصالح في جنان الخلد أضحى‏* * * يؤرخ (صالح الفوز العظيم)

كما كتب تاريخ شعري آخر للشاعر السيد مهدي البغدادي المتوفى سنة 1329 ه/ 1911 م:

أهي الكعبة و البيت الحرام‏* * * أم هي الجنّة في وادي السلام؟

و ترى الناس على أعتابها* * * زمرا بين التثام و استلام‏

من بها حلّ، بلى قد علموا* * * ...

تربة قد ضمت (الصالح) من‏* * * ...

...* * * عند هاديه فوافاه المرام‏

...* * * ... (2)

____________

(1) سقط هذا العجز.

(2) سقط بيت التاريخ.

16

عمارة العلوية (الحبّابة) ملوك القزويني‏

في منتصف التسعينات الهجرية/ السبعينات الميلادية إنبرت عمّتنا العلوية ملوك بنت السيد موسى بن السيد جعفر بن السيد مهدي القزويني، الملقّبة «بالحبّابة» لجلالة قدرها و فضلها، لإصلاح المقبرة، و إعادة إعمارها، و أنفقت عليها مبالغ ضخمة مما كان يصلها من واردات أملاكها، و عمّرت لها قبرا دفنت به سنة 1403 ه/ 1983 م. و هي من مواليد سنة 1315 ه/ 1897 م.

و كانت قد اقترنت بالسيد باقر بن السيد هادي القزويني، و لم تطل حياتهما معا إلّا بضع سنوات، حينما فاجأ المرض زوجها الباقر سنة 1333 ه/ 1915 م، و اخترم غصن شبيبته الغضّ. و هي شاعرة أديبة لها مجلس عامر بمدينة الحلّة تقصده الزائرات من أهل البلدة. و كانت العلوية (الحبّابة) فيه زهرته على تقدّمها بالعمر تفيض إشراقا. سلام اللّه على تلك الروح الطاهرة التي يعجز القلم أن يصور و مضة واحدة من و مضاتها.

*** نجت «المقبرة» بقدرة قادر من عمليات الدمار التي مرّت بها مدينة النجف خلال السنوات العشرين الأولى من القرن الخامس عشر الهجري، التي تصادف السنوات العشرين الأخيرة من القرن العشرين الميلادي. فقد تعرّضت مدافن كبار العلماء بالنجف إلى الإبادة، و تحوّلت قبورهم إلى ساحات عامة، أو أراض عرضت لانشاء الفنادق، و الدور السكنية، و المحلّات التجارية، الغرض منها القضاء على تاريخ علماء النجف، و محو شواخصه الظاهرة، و قطع الصلة بينه و بين الأجيال القادمة. لكنها لم تنج من تدابير الصيانة التي عفّت على معالمها الأثرية و غيّرتها. و قد طال ذلك أبواب الغرف الأثرية و ما يلحق بها من القناديل الزجاجية و المرايا و آثار المزخرفات و الأحجار التي أزيلت بعد هدم الجدران الفاصلة بين غرف المقبرة.

17

المقدمة الثانية ترجمة حياة السيد مهدي القزويني‏

كتب هذه الترجمة ولده العلّامة السيد حسين القزويني، و هو الإبن الثالث له. كان عالما مجتهدا، و شاعرا جزلا، له مجموعة شعرية رائقة.

و لو لا اشتغاله بالفقه، و ظروف عصره التي تعدّ موهبة الشعر و صناعته منقصة على صاحبه لكان من شعراء العربيّة المبرّزين في عصره، و ما بعده من العصور.

قال عنه معاصره السيد محسن الأمين: كان عالما فاضلا أديبا شاعرا بليغا، من الحفّاظ، كريم الأخلاق، جهبذا مهيبا. و كانت داره بالنجف مجمع الفضلاء و الأدباء، تلقى فيها المحاضرات، و ينشد فيها الشعر. و مجلسه ملتقط الفوائد و الفرائد. المهابة تعلوه، و الجلالة رداؤه، و الرقّة تتقاطر من ألفاظه‏ (1).

و وصفه المؤرّخ اليعقوبي بقوله: رأيته بالحلة في نادي أخيه أبي المعزّ السيد محمد، فما رأيت أملأ للعين منه. و كان كما وصفه السيد الأمين في الأعيان، بل و فوق ذلك‏ (2).

و قد رثاه شعراء عصره بمراث عديدة، جمعها الشيخ جواد الشبيبي، و قدّم لكلّ قصيدة مقدّمة عرّف بشاعرها بطراز أدبي مسجّع. و أحتفظ بنسخة الأصل، و هي تشكّل ديوانا لشعراء العراق أوائل القرن العشرين.

و من مؤلفاته تعليقات على كتاب الرسائل للأنصاري، و حاشية اللمعة، و كتاب في الفقه، و رسالة في مقدمة الواجب. و له ديوان شعر جمعه تلميذه السيد مهدي البغدادي.

____________

(1) أعيان الشيعة، ج 27، ص 291.

(2) البابليات، ج 2، ص 122.

18

و من آثاره رسالة في ترجمة حياة والده السيد مهدي القزويني، و هي لم تنشر من قبل، و فيها من براعة مزج التاريخ بالأدب أو كتابة التاريخ كما أراد أن يتميّز بكتابته بمراعاة فنون الوصف، ما يجعل هذه الرسالة مختصّة به، و دالة عليه لفظا و معنى.

السيد باقر القزويني (1304- 1333 ه/ 1887- 1915 م).

ظفر بنسخة هذه الرسالة السيد باقر بن السيد هادي بن السيد صالح بن السيد مهدي القزويني، فأحبّ أن يذيّلها بمقدّمة، و بعض التعليقات، و يختمها بملحق شعري، فأصبحت رسالة جامعة لفوائد تاريخية و أدبية عديدة.

كان السيد باقر شابا طموحا، من نوابغ الشبان المتطلّعين الذين جمعوا مواهب عدّة، ألّف و كتب، و هو لم يزل بعد في أدوار نشأته الأولى. و قد إخترمه الأجل، فعصف بغصن شبيبته الغضّ، فتوفي و هو ابن الثامنة و العشرين بمرض التدرن الرئوي الذي إجتاح بعض المدن العراقية أوائل القرن العشرين الميلادي.

تزوّج السيد باقر سنة 1329 ه/ 1911 م من إبنة عمّته السيدة ملوك (العلوية الحبّابة) بنت السيد موسى بن السيد جعفر القزويني. و لم تدم حياته معها سوى سنوات أربعة، و ليس له عقب.

و خلال حياته القصيرة ترك آثارا مهمة، منها:

1- متن مختصر في المعاني و البيان، لم أقف عليه.

2- منظومة في الصرف تنيف على (500) بيت، مع شرحها. وقفت على نسخة تالفة، طمست كتابتها بسبب فيضان الفرات، أولها:

قال فقير الزاد للمعاد* * * محمد الباقر نجل الهادي‏

3- منظومة في نسبه.

19

الصفحة الأولى- نسخة السيد حسين القزويني بخطه‏

20

الصفحة الأخيرة- نسخة السيد حسين القزويني بخطه‏

21

4- الأدعية و الأحراز. مجموع صغير جمع فيه الأحراز و الأدعية التي يرويها مباشرة عن عمّ والده أبي المعزّ السيد محمد القزويني، و جدّه السيد صالح بالواسطة. قال في مقدمتها: «جمعت في هذه الأوراق صور و أدعية و أحراز، و بعض الأخبار المروية جميعا عن أهل بيت العصمة، الواصلة إليّ إجازة روايتها، و قراءتها، و كتابتها، حذرا على شموسها من الأفول، و اشفاقا على أورادها من الذبول».

5- ديوان عمّه السيد أحمد القزويني (جمع و تقديم).

6- ديوان شعره. نسخة مكتوبة في حياته تقع في (110) صفحات، و نسخة ثانية جمعها أخوه العلّامة السيد مهدي القزويني المتوفى سنة 1366 ه/ 1947 م، سمّاها «اللؤلؤ النظيم، و الدار اليتيم».

7- ترجمة السيد مهدي القزويني لعمّ والده السيد حسين القزويني (إضافة و تقديم).

قدّم السيد باقر مقدّمة مختصرة لها، ثم أفرد النصّ الذي كتبه عمّ أبيه.

و قد عمد على إيضاح بعض المفردات استطرادا دون أن يشير لها، كإضافة عدد المجلدات إلى اسم الكتاب، أو تقديم بعض المؤلفات على بعضها الآخر، كما فعل في تقديم كتب التفسير على كتب العقائد. و قد أشرت إلى هذه الزيادات بالهوامش، كما حافظت على النصّ الكامل للمؤلف الأول.

و من جملة النصوص التي أرجعتها إلى مكانها في الترجمة الأصلية أبيات السيد حيدر الحلّي في رثاء السيد مهدي القزويني. و قد اقتطع السيد باقر هذه المرثية عن مكانها الأول، و أدرجها ضمن الشعراء الذين أورد أسماءهم، و مطالع قصائدهم كإضافة على النصّ الأصلي.

و قد رمزت لنسخة السيد باقر بالحرف (ب)، و طابقتها مع الأصل.

و كنت قد عثرت على نسخة السيد باقر التي كتبها بخطه محفوظة لدى‏

22

السيد حميد القزويني (ت: 1400 ه/ 1980 م) بمدينة طويريج، و فرغت من نسخها في اليوم الرابع من شهر صفر 1393 ه/ 10 آذار 1973 م.

أمّا نسخة الأصل التي هي بخط مؤلفها السيد حسين القزويني فقد كانت بحيازة الشيخ محمد حسن الشيخ طاهر الكعبي، و هي تقع في أربع عشرة صفحة، وفّرها لي صديقي البحّاثة الأستاذ كامل سلمان الجبوري. و كتب على صفحتها الأولى بقلم حائزها: «رسالة في ترجمة السيد مهدي القزويني (كاملة)، بقلم السيد حسين الحسيني القزويني. في حيازتي، و أنا الفقير إلى عفو ربّه الغني: محمد حسن الشيخ طاهر الكعبي. (1 ذي الحجة 1385 ه).

أمّا العناوين الفرعية الموجودة في المطبوع فهي من الإضافات التي أوردتها على النصّ لغرض تسهيل المطالب لمن يستهوي مثل هذه الدراسات، و يتابعها.

كما أوردت على عنوان «كتاب المزار» إضافة عبارة «مدخل لتعيين قبور الأنبياء و الشهداء و أولاد الأئمة و العلماء»، و هي غير موجودة في الأصل، و إن كانت مستوحاة منه.

آمل أن يجد الباحثون، و غير الباحثين من القرّاء بعض المتع التاريخية فيه، ليعود مؤلفه و من معه من حملة التراث إلى عيون الحاضر، كما كانوا من قبل حاضرين في عيون الماضي.

20/ 7/ 2003 م جودت القزويني‏

23

ترجمة السيد مهدي القزويني المتوفى سنة 1300 ه/ 1883 م‏

بقلم ولده السيد حسين الحسيني القزويني المتوفى سنة 1325 ه/ 1907 م‏

حرّرها و أضاف إليها السيد باقر القزويني المتوفى سنة 1333 ه/ 1915 م‏

24

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

25

الحمد للّه الذي أوضح سبل الهداية بإقامة الحجج و البراهين، و أشرق أنوار الدراية على قلوب أحبّائه من العلماء الراشدين، و أوصلهم بصحاح الأدلة و حسان القواعد إلى أعلى مقامات العلم و اليقين، و جعلهم ورثة الأنبياء و الأوصياء، و فضّل مدادهم على دماء الشهداء، و أزال بأشعة أنوارهم ظلمة الجهل عن الدين القويم، و سلك المقتفي آثارهم في أعلى محل من النعيم المقيم، و نظم الملتقط للئالي بحار أفكارهم في سلك عقد العلماء العاملين، و وسم المتجلبب بشعارهم بسمة أهل الشرع المبين، و الصلاة و السلام على من أرسله بمعالم الشريعة الغراء إلى جميع العالمين، و منحه الشفاعة الكبرى لكافة الخلق أجمعين، و آله الطيبين الطاهرين الغرّ الميامين، و على أصحابه و على المحسنين من التابعين.

و بعده:

فيقول الفقير إلى رحمة ربّه الغني، محمد باقر نجل السيد سيد هادي الحسيني الشهير بالقزويني: هذا ما رسمه جناب العمّ الفاضل، العالم العامل، النحرير الكامل، حجة الاسلام، و ملاذ الأنام، السيد سيد حسين القزويني (قدس سرّه) من ترجمة والده (قدس سرّه)، ما هذا لفظه:

إنّ ممن فتق أكمام أزهار الفضل بنوّار فكره، و سرّح في رياض خمائل العرفان إنسان نظره، و حلّق في جوّ العلوم العقلية حيث لا يحلق للعقل طائر،

26

و اقتطف ثمار العلوم النقلية من أغصانها النواضر، و جرى في حلبات تحقيقها فحاز قصب رهانها، و سبق الأوائل و إن تقدّمته بأزمانها، و امتطى غارب الفضائل فكان فحل لقاحها، و عرج ثاقب فكرته إلى سماء الغيب فكان ضوء مصباحها؛ معزّ الدين، أبو جعفر، محمد بن الحسن المدعو بالسيد مهدي الحسيني الشهير بالقزويني، مشيّد قواعد الأحكام، و كاشف غطاء الشبهات عن شرائع الاسلام، الهادي بمصابيح هدايته من ضلّ، و المرغم بقاطع برهانه آناف المبتدعين من أهل الملل و النحل:

لجّة علم عذبت موردا* * * كلّ ذوي الفضل غدت ورّادها

و روضة لو كشف اللّه الغطا* * * رأيت أملاك السما روّادها

(1)

الولادة و النشأة

ولد في المشهد الغروي، و استمدّ الفيض من المرقد العلوي سنة إثنتين و عشرين بعد المائتين و الألف من هجرة جدّه، و ناسج شرفه و مجده- فاغتذى لبن الفضل وليدا، و ترعرع في حجر الكمال حتى ارتداه مطارفا و برودا.

إبتدأ بتصنيف العلوم و هو ابن عشر سنوات، و استقلّ بالرأي و العمل باجتهاده و الفراغ من معقوله و منقوله، و هو إبن ثمانية عشر، و كان تحصيله من موهبياته و تأييداته أكثر من كسبياته و توفيقاته «و اللّه يؤتي الحكمة من يشاء».

كما شاهده بعض السادة الطباطبائيين النجباء من أخواله العلماء في عالم الرؤيا. و الحال أنّه لم يعلم بخروجه إلى الدنيا فضلا عن رؤيته بشخصه، و معرفته باسمه. حيث كان الرائي في بلاد العجم، و المرئي في بلاد (2) النجف‏

____________

(1) البيتان من قصيدة للشاعر السيد حيدر الحلي يهني بها السيد مهدي في بعض المناسبات، و هي تقع في (38) بيتا مثبتة في (ديوان السيد حيدر، ج 1، ص 150).

(2) هكذا ورد في الأصل.

27

الأشرف، و كان في ذلك الوقت لم يبلغ من السنّ إلّا مقدار عشر سنوات.

إنّه رأى في منامه أنّه واقف على ساحل بحر من البحور، و جآء صبي بصورته إلى ذلك البحر، فشرب ماء البحر كلّه فتعجّب الرائي من ذلك.

و إذا برجل واقف، فقال له: أ تعرف هذا الصبي؟! فقال: لا. فقال: هذا ولد ولد أختك فلان إبن فلان، فانّه يكون عالما محيطا.

فانتبه من منامه متعجّبا حيث لم يسمع باسمه، و إن عرف إسم أبيه، حتى اتفق توفيق ذلك السيد النجيب، و هو السيد جواد الطباطبائي‏ (1)- شقيق بحر العلوم خاله العلّامة، السيد محمد مهدي الطباطبائي (أعلى اللّه مقامه)، لتقبيل تراب أبي تراب، و زيارة والد الأئمة الأطياب في بلاد النجف الغروي، فلمّا اتصل بهم و دخل على أخته، و هي جدّة السيد (نوّر اللّه مرقده)، أخذ يحدّثها عمّا شاهده في المنام، و سألها عن وجود الغلام، فما استتمّ الحديث معها، إذ دخل عليه مع جماعة من أقرانه و أخوته و أولاد أعمامه، فنظر إليهم فعرفه من بين الجميع، و ناداه باسمه.

و كان ذلك من أعظم الشواهد على ما ادّعاه، و هذه من أقل عطاياه، كما قال تعالى: و الذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا و إن الله لمع المحسنين‏ (2).

و لا شكّ أنّ رياضة النفس ترتقي بصاحبها إلى حظيرة القدس، و تجريدها عن الشهوات الدنيوية يبلغ به أعلى المنازل الأخروية. و غير عجيب أن ينال المرء على حداثة سنّه غايته، فاللّه أعلم حيث يجعل رسالته.

____________

(1) السيد جواد الطباطبائي من العلماء ذوي النفوذ بمدينة بروجرد، و هو جدّ المجتهد السيد حسين البروجردي المتوفى سنة 1380 ه/ 1961 م. توفي السيد جواد سنة 1242 ه/ 1827 م.

(2) سورة العنكبوت، الآية: 69.

28

أساتذته‏

و لقد قرأ، و حضر و تلمذ حتى إشتهر على أساتيذ عصره، و فحول مصره من العرب و العجم.

منهم: العلم العلّامة الفقيه النبيه الشيخ موسى‏ (1) نجل المرحوم الأستاذ الأكبر الشيخ جعفر النجفي (صاحب كشف الغطاء).

و ممن أخذ منه، و روى عنه من مهرة الفنّ، النحرير المدقّق، و النيقد المحقق الأستاذ الوحيد، و العلّامة الفريد الشيخ علي‏ (2) إبن الشيخ جعفر المتقدّم الذكر، و هو يومئذ متحلي بحلية الاجتهاد، و مرتقي أعلى مراتب الاستعداد، فقلّد جيد (نفائسه) بحلية إجازته، و طرّز جبهة هذا الكتاب بما نسجته بديهة فصاحته، بعد أن أجال نظره فيه، و أحاط بظاهره و خافيه، فأجازه و أذن له أن يروي عنه كلّ ما يرويه.

و هذا الكتاب هو كتاب «نفائس الأحكام»، حسن جدّا، غزير الفروع سلك فيه مسلك التفريع مع الاشارة إلى الدليل، كما سيجي‏ء في تعداد مصنّفاته.

و منهم: صاحب (أنوار الفقاهة) العالم الفاضل، و الوحيد الذي ليس له من مساجل، الشيخ حسن‏ (3) نجل الشيخ جعفر (المتقدّم الذكر) حضر عليه‏

____________

(1) الشيخ موسى كاشف الغطاء، الملقّب «بالمصلح بين الدولتين»، حيث توسّط في إطلاق سراح الأسرى العثمانيين المعتقلين لدى الإدارة القاجارية. و قيل إنّه كان أحد الساعين في إبرام الصلح بين الدولتين الإيرانية و العثمانية سنة 1237 ه/ 1822 م. و من أعماله تجديد بناء سور النجف. توفي سنة 1241 ه/ 1826 م، و دفن بمقبرتهم مع أبيه، و عمره قارب الستين عاما.

(2) الشيخ علي كاشف الغطاء. انتهت إليه الرئاسة العلمية بالنجف، تخرّج على يديه مئات العلماء، منهم: الشيخ مرتضى الأنصاري، و السيد مهدي القزويني (صهره على ابنته)، و غيرهما. و قد اشتهر بكتابه الخيارات. توفي سنة 1253 ه/ 1837 م.

(3) توفي الشيخ حسن كاشف الغطاء سنة 1262 ه/ 1846 م. و قد كتب عنه ولده الشيخ عباس ترجمة فصّل فيها أحواله، و مجريات حياته، و فتاواه سمّاها «نبذة الغري في أحوال الحسن الجعفري».

29

تمام الفقه استدلالا من أول كتاب الطهارة إلى آخر الديّات، و روى عنه، و أجيز منه.

و منهم: خرّيت‏ (1) الفقاهة و الأصول، و فارس ميدان المعقول و المنقول عمّه و أستاذه الشريف الماهر، السيد باقر القزويني (أعلى اللّه مقامه)، قرأ عليه الجم الكثير، و اقتنى من بحر فضائله الدرّ النثير، و روى عنه، و أجيز منه‏ (2).

و ممن حضر عليه، و اقتطف من فوائده: الورع الفاضل المدقّق الألمعي عمّه الشريف السيد علي القزويني.

و ممن روى عنه، و أجيز منه بحقّ روايته عن مشايخه بجميع طرقهم و رواياتهم عن مشايخهم: الفاضل الكامل و العالم العامل السيد النجيب الحسيب، صاحب الكرامات السيد تقي القزويني‏ (3). و هذه الاجازة شبيهة (بلؤلؤة) (4) المحدّث البحراني، صاحب الحدائق، الشيخ يوسف (قدس سره) (5).

مؤلفاته‏

و له (أعلى اللّه مقامه) تصانيف في الفقه و الأصول و الرياضي و الطبيعي، و غير ذلك ما بين كتب و رسائل.

____________

(1) الخرّيت: الحاذق، أو الدليل.

(2) توفي السيد باقر القزويني سنة 1246 ه/ 1831 م.

(3) السيد محمد تقي القزويني من كبار علماء إيران، له مؤلفات فقهية و مكانة مرموقة بين علماء عصره. توفي سنة 1270 ه/ 1856 م.

(4) ذكر الطهراني هذه الإجازة بقوله: «إجازة السيد محمد تقي بن مير مؤمن بن مير محمد تقي بن مير رضا بن أبو القاسم الحسيني القزويني المتوفى سنة 1270 ه للعلّامة السيد مهدي القزويني النجفي الحلّي المتوفى سنة 1300 ه، و هي مبسوطة تأريخها سنة 1241 ه، (ذكرها سيدنا في التكملة). و قال شيخنا شيخ الشريعة إنّها تقرب من (لؤلؤة البحرين). (الذريعة، ج 1، ص 163).

(5) لؤلؤة البحرين في الإجازة لقرتي العين، طبعت بتحقيق العلّامة السيد محمد صادق بحر العلوم.

30

فمنها في (الفقه):

كتاب «بصائر المجتهدين في شرح تبصرة المتعلمين» لآية اللّه في العالمين، العلّامة الحلّي (رفع اللّه مقامه)، و هو كتاب شافي وافي مبسوط (1) في الاستدلال، كثير الفروع غزير الإحاطة، لا سيّما في المعاملات. استوفى به تمام الفقه (في ضمن خمسة عشر مجلدا)، (2) من أول الطهارة إلى آخر الديات عدا الحج.

و له أيضا مختصر هذا الكتاب إختصره في ضمن ثلاث مجلّدات. و على اختصاره كثير النفع و الفائدة، لا يكاد يشذّ عنه فرع مع الاشارة إلى الدليل.

و له كتاب «مواهب الأفهام في شرح شرائع الاسلام» برز (3) منه أكثر كتاب الطهارة (في سبع مجلدات) (4)، و هو كتاب في الاستدلال مبسوط جدا، لا يكاد يوجد في كتب المتأخرين أبسط منه. و على هذا البسط جمع فيه بين طريقتي الاستدلال و التفريع، و ما يقتضي له التعرض من أحوال رجال الحديث.

و له كتاب «نفائس الأحكام» برز منه أكثر العبادات و بعض المعاملات، و هو كتاب حسن التأليف و التصنيف، كثير الفروع، جيّد الترتيب، واسع الدائرة لا ينفك عن الاشارة إلى أدلة الأحكام مع ما اشتملت عليه مقدّمته من المسائل الأصولية، عظيم الفائدة جدا.

و إلى هذا الكتاب يشير بعض (الشعراء) (5) المادحين له (رفع اللّه مقامه) بقوله شعرا:

____________

(1) في نسخة (ب): مبسّط.

(2) من إضافات السيد باقر القزويني على النصّ. و الصواب أن يقال: خمس عشرة مجلدا، لأنّ مفردها (مجلدة)، و ليس مجلّدا، كما هو الشائع عند الكتّاب المحدثين.

(3) في نسخة (ب): خرج.

(4) زيادة من السيد باقر على النصّ.

(5) زيادة غير موجودة بالأصل.

31

له (نفائس) علم كلّها درر* * * و البحر يبرز عنه أنفس الدرر

لو أصبحت علماء الأرض واردة* * * منه لما رغبت عنه إلى الصدر

ماذا تريدين بالدنيا يد القدر* * * لقد ذهبت بسمع الدهر و البصر

(1) و له كتاب «القواعد الكلية الفقهية» حسن الترتيب، جاعلا للقواعد كلا في بابها للسهولة على طلّابها.

و له عدة رسائل و كتب، منها:

كتاب «فلك النجاة في أحكام الهداة» (2)، وافية بتمام العبادات.

و منها: «وسيلة المقلدين إلى أحكام الدين»، برز منها كتاب الطهارة و الصلاة و الصوم و الاعتكاف، حسنة الاختصار.

و منها: رسالة في المواريث، وافية بتمام أحكامه عميمة النفع، جيّدة التفريع، نافعة أيضا في غير المواريث من الأحكام الفقهية.

و منها: رسالة في الرضاع، و تسمّى «اللمعات البغدادية في الأحكام الرضاعية» لطيفة في بابها.

و منها: رسالة تشتمل على بيان أحوال الانسان في عوالمه، و ما يكون فيه سببا في تكليف غيره من الأحكام الشرعية الفقهية، و هي على اختصارها جيّدة النفع في بابها (3). و هي آخر تأليفاته و تصنيفاته، و عليها جفّ قلمه الشريف، كتبها في مكة المشرّفة (4).

____________

(1) البيتان من قصيدة طويلة للسيد حيدر الحلّي يرثي بها العلّامة السيد محمد تقي الطباطبائي، و يعزّي السيد مهدي القزويني، مطلعها:

ماذا تريدين بالدنيا يد القدر* * * لقد ذهبت بسمع الدهر و البصر

و هي مثبة في (ديوان السيد حيدر الحلّي، ج 2، ص 109).

(2) و هي رسالته العملية طبعت سنة 1298 ه/ 1880 م.

(3) نشرت بتحقيقنا سنة 1405 ه/ 1985 م.

(4) في نسخة (ب): المكرّمة.

32

و له منسك في أحكام الحج كبير. و منسك آخر في أحكام الحج صغير.

و له منظومة في الفقه، برز منها تمام العبادات.

و كتاب «شرح اللمعة الدمشقية» برز منه أكثر، العبادات على اختصار، و لم يتمه.

و أمّا كتبه «الأصولية»، فله:

كتاب «الفرائد» البارز من أول الأصول إلى آخر النواهي (في جملة خمس مجلدات ضخام) (1)، و هو مبسوط جدّا حسن التصنيف، على طريقة المتأخرين مشبع ممتع، كثير التحقيق.

و كتاب «الودائع» وافي بتمام المسائل الأصولية، سلك فيه مسلك القدماء (في التأليف) (2)، لا بالمختصر المخلّ، و لا بالمطنب الممل.

و كتاب «المهذب» جمع فيه كلمات الوحيد الأغا البهبهاني مرتّبا لها من أول علم الأصول إلى آخر التعادل و التراجيح، مع تهذيب منه و تنقيح و اختيارات و زيادات تمس إليها الحاجة في إكمال الكتاب.

و كتاب «الموارد»، و هو متن حسن الاختصار تام.

و رسالة في «علم الاستعداد إلى تحصيل ملكة الاجتهاد»، لم يعمل مثلها في بابها، و لم يسبقه إلى التأليف بهذا الفن على هذه الكيفيّة و الترتيب و الوضع سابق، بل هو من مخترعاته. اشتملت هذه الرسالة على فوائد جليلة.

و رسالة في حجّية الخبر الواحد، بل و غيره من الطرق الظنية.

و له منظومة وافية بتمام علم الأصول، حسنة السبك، جيدة النظم، و قد سمّاها «بالسبائك المذهّبة».

____________

(1) غير موجودة في الأصل.

(2) زيادة عن الأصل.

33

و رسالة في «آيات الأصول» مبتكرة في بابها. جمع فيها كلّ آية يمكن أن يستدلّ بها على مطلب أصولي، مرتبا لها على أبوابه، من أول المبادى‏ء اللغوية إلى آخر التعادل و التراجيح. و الكثير منها لم يذكره الأصوليون في كتبهم‏ (1).

و رسالة في شرح الحديث المشهور المعروف بحديث إبن طاب، المروي عن الامام الصادق (ع) (2). و قد أشار إلى هذا الحديث السيد بحر العلوم في منظومته حيث يقول:

و مشي خير الخلق بابن طاب‏* * * يفتح منه أكثر الأبواب‏

و حيث أنّ الكثرة في لسان الشرع فسّرت بالثمانين‏ (3) استنبط منه (قدس سرّه) (4) ثمانين بابا، منها: أربعون في الأصل. و أربعون في الفقه. و له كتب و رسائل (في علوم) (5) متفرقة، منها:

كتاب «مضامير الامتحان في علمي الكلام و الميزان»، برز منه علم الميزان، و تمام الأمور العامة، و أكثر الجواهر و الأعراض.

و كتاب «آيات المتوسمين في أصول الدين» (6)، (في ضمن مجلدين) (7).

و رسالة تسمّى ب «قلائد الخرائد في أصول العقائد» (8).

و رسالة تسمى ب «القلائد الحلّية في العقائد الدينية».

و رسالة في إبطال الكلام النفسي.

____________

(1) سمّاها «البحر الزاخر في أصول الأوائل و الأواخر».

(2) سمّاها «نزهة الألباب في شرح حديث إبن طاب».

(3) في نسخة (ب): تحمل على الثمانين.

(4) زيادة عن الأصل.

(5) من إضافات السيد باقر القزويني.

(6) توجد نسخة منه في مكتبة المتحف العراقي برقم (3366) من تعداد الكتب الخطّية. و هو كتاب موسع في بيان العقائد، يقع في (650) صفحة.

(7) من إضافات السيد باقر القزويني.

(8) طبعت بتحقيقنا سنة 1392 ه/ 1972 م.

34

و له في الرد على العامّة (1) كتاب «الصوارم الماضية في رقاب الفرقة الهاوية و تحقيق الفرقة الناجية»، و هو كتاب جليل القدر، عظيم الشأن، إشتمل على تحقيقات في علم الامامة فائقة، و تدقيقات رائقة، و نهج فيه منهاجا لم يسبقه إليه سابق، إشتمل على مباحثات جليلة مع فرق الاسلام أجمع، و إبطال حججهم، و ردّ شبهاتهم، و تحقيق الفرقة الناجية من بين الفرق، و هي فرقة الامامية. و إلى هذا الكتاب يشير الشاعر المفلق السيد حيدر الحلّي في قصيدة يمدحه بها (أعلى اللّه مقامه)، حيث يقول:

حامى عن الدين فسدّ ثغرة* * * ما ضمّنوا عنه له انسدادها

فاستلّها صوارما فواعلا* * * فعل السيوف ثكلت أغمادها

و له رسالة في شرح كلمات أمير المؤمنين (ع) من خطبة من «نهج البلاغة»، و هذه الكلمات هي قوله (ع): «لم تحط به الأوهام، بل تجلى لها بها، و بها إمتنع منها، و إليها حاكمها» (2).

و له كتاب «مشارق الأنوار في حلّ مشكلات الأخبار» لم يتمه، برز منه شرح جملة من الأحاديث المشكلة كحديث «من عرف نفسه فقد عرف ربه»، و ليته لو أتمّه.

و له رسالة في شرح الحديث المشهور: «حبّ علي حسنة لا تضر معها سيئة».

و له في التفسير: رسالة في تفسير الفاتحة، و رسالة في تفسير سورة القدر، و رسالة في تفسير سورة الاخلاص.

و له رسالة في أسماء قبائل العرب مرتبة على الحروف (الهجائية، و هي‏

____________

(1) في نسخة (ب): الرد على فرق الإسلام الهاوية.

(2) طبعت بتحقيقنا سنة 1393 ه/ 1973 م.

35

في غاية الحسن، لم يكتب إلى الآن مثلها، و إن كان (قدس سرّه) لم يبسط فيها القلم تمام البسط) (1).

و كتاب شرح قوانين الميرزا أبو القاسم القمي. برز منه جملة من الأدلة العقلية، و بعض التعريف، (و لم يشتغل باتمامه).

و كتاب شرح «اللمعة الدمشقية»، برز منه أكثر العبادات على اختصار، و لم يتمّه.

هذا ما وقفت عليه من تصانيفه الموجودة المحفوظة. و أمّا ما لم أقف عليه مما عرض له التلف لكونه بأيدي المشتغلين، و حلول الفناء عليهم بسبب الطاعون المبين، و غير ذلك من أسباب التلف، و لكن وجدته مذكورا في ترجمته، فمن ذلك كتاب‏ (2):

الفوائد الغروية في المسائل الأصولية.

و كتاب «معارج النفس إلى محل القدس»، (في علم الأخلاق و الطريقة)، و منظومة تسمى «مسارب الأرواح» في علم الحكمة، و كتاب «معارج الصعود» في علم الطريقة و السلوك.

و منها: كتاب مختصر الأمور العامة و الجواهر و الأعراض (في علم الكلام).

و منها: شرح منظومة تجريد العقائد.

____________

(1) ما بين المعقوفتين من إضافات السيد باقر القزويني على الأصل. و قد طبعت هذه الرسالة تحت عنوان «أنساب القبائل العراقية و غيرها»، مرّات عديدة، كانت الطبعة الأولى بتحقيق العلامة السيد محمد صادق بحر العلوم، و الثانية بتحقيق البحّاثة الشيخ عبد المولى الطريحي.

(2) غيّر السيد باقر القزويني النصّ على هذه الشاكلة: «هذا ما وقفنا عليه من تصانيفه الموجودة المحفوظة، و أمّا ما لم نقف عليه مما عرض له التلف و الاضمحلال لكونه تداولته أيدي المشتغلين للمطالعة و المراجعة، و قد حلّ الفناء عليهم بسبب الطاعون المبين فتلفت في أيديهم أيدي سبأ، فمن ذلك:».

36

و منها: كتاب «قوانين الحساب»، في علم الحساب.

و منها: «شرح ألفية إبن مالك» في النحو.

و منها: مفتاح الأقفال، في النحو.

و منها: حاشية على شرح التفتازاني في الصرف.

و منها: حاشية على المطوّل في المعاني و البيان.

و جميعها لم نقف منها على رسم، و لا سمعنا منها سوى الاسم، تلف جلّها، بل كلّها بسبب تفرّق أوراقها عند المشتغلين، و اضمحلالهم في الطاعون المبين.

صفاته‏

و هو (رحمه اللّه) مع ذلك في جميع حالاته محافظا (1) على أوراده و عباداته في لياليه و خلواته، مدئبا (2) نفسه في طلب مرضاة ربّه، و ما يقرّبه إلى الفوز بجواره و قربه، لا يفترّ عن إجابة المؤمنين في دعواتهم، و قضاء حقوقهم و حاجاتهم، و فصل خصوماتهم في منازعاتهم حتى أنّه في حال إشتغاله بالتأليف ليوفي الجليس حقّه، و السائل مسألته، و الطالب دعوته، و يسمع من المتخاصمين، و يقضي بينهم بعد الوقوف على كلام الفريقين، فما أولاه بما قيل فيه:

و يرسم منثور العلوم الغرائب‏(3)* * *يحدّث أصحابا و يقضي خصومة

____________

(1) هكذا وردت في الأصل.

(2) هكذا وردت في الأصل.

(3) هذا البيت للشاعر الشيخ صالح الكواز من قصيدة يرثي بها الشيخ مرتضى الأنصاري المتوفى عام 1281 ه/ 1864 م، و يعزّي بها السيد مهدي القزويني. و من أبيات القصيدة:

فلا تشمت الحساد في فقد ذاهب‏* * * فللّه فينا حجّة غير ذاهب‏

أبو صالح (المهدي) واحد عصرنا* * * فأكرم به من واحد العصر (صاحب)

يهتّك أستار الغيوب بفكرة* * * إذا هي زجت أحضرت كلّ غائب‏

ينبؤنا بالمشكلات صريحة* * * فيشكل فينا أمره بالعجائب‏

و القصيدة طويلة طبعت في (ديوان الكواز، ص 85).

37

و من أبصر أحواله بعيانها، عرف أنّها أكبر من سماعها. و ما هو إلّا من التأييدات الربانية، و الألطاف الإلهية.

بين النجف و الحلّة

مكث زمانا طويلا بالغري، و مجاورة جدّه علي، مكبّا على التحصيل و التدريس و التصنيف، ثم اتفقت له الهجرة إلى فيحاء بابل، و مجتمع فضل الأواخر و الأوائل، فمكث فيها برهة من الزمان، صادعا بما أمر به من هداية الناس إلى الإيمان، فاستنقذ جمّا غفيرا من قبائل العرب من الضلالة و الغواية، و أرشدهم إلى الهداية و الولاية، و كشف عنهم غياهب العماية، و رفع لهم منار الصدق، فأصبحوا و كلّهم يشهدون «علي مع الحق».

و كتب فيها و ألّف و درس و صنّف إلى أن نادته الأسرار من مطالع الأنوار، فشمّر (أذيال الزعامة، ملبيا دعاء الامامة) (1) لا يعرج على مجاذب، و لا يثنيه عذل قريب أو مجانب، حتى إستاف كافورة أعتاب المرقد المعلّى، و مطاف زمر الملأ الأعلى، فتقيّل حماه وطنا، و لم يكن فارقه، و لا شام لسوى بوارقه بارقة، فأنشد متمثّلا، بعد أن راقه مقاما و منزلا، شعرا:

تركت هوى ليلى و سعدى بمعزل‏* * * و عدت إلى مصحوب أوّل منزل‏

فنادت بي الأشواق مهلا فهذه‏* * * منازل من تهوى رويدك فانزل‏

فألقى عصى الإقامة، و استمد الفيض من مطلع شمس الامامة، فأنفق باقي أيامه الغرّ، مقبلا على ما ليس فيه تضييع للعمر. لا يرى سوى التأليف‏

____________

(1) هذه العبارة من إضافات السيد باقر على النصّ. و في الأصل «فشمّر تشمير الأبي، و أقدم إقدام الكمي».

38

أنيس، و لا يبتغي بغير الكتاب جليس، و لا يرغب بلذة سوى التدريس. قد ألقى زمام نفسه ليد التقوى، فلا يعوقه عن طاعة ضعف قوى.

سفره إلى بيت اللّه الحرام‏

حتى إذا قارب انقضاء مدّة الأجل المبهم، و ما خطّه القلم‏ (1) في لوح القضاء المحتم، و لم يبق منهج للطاعة إلّا اتخذه سبيلا، و لا غاية للانقياد إلّا و كان إليها وصولا، تاقت نفسه إلى حجّ بيت اللّه الحرام، و اشتاقت إلى زيارة قبر النبي و الأئمة (عليهم السلام)، فأيقظ طرف عزمه فذلل له كلّ صعب، و استشعر لباس النسك فأورده المنهل العذب. فامتطى غوارب النجائب، و نكب عن ذكر العواقب جانب. فسرت تقدّ بأخفافها نصب السير و جيفا و إرقالا (2)، ملبّيا قوله عزّ من قائل: «و أذن للناس في الحج يأتوك رجالا» (3)، فمرّت به مرور النسائم، تترامى بها النجود و التهائم، جاعلا لهب الهجير لحرّ وجهه مقيلا، صارفا إلى الآخرة و إنّها لأعظم درجات و أكبر تفصيلا، حتى تسنّم ذروة الأباطح عند أول بيت وضع للناس، و تنسم نسائم القبول من مهابط الوحي بين منازل آبائه الذين أذهب اللّه عنهم الأرجاس. فأدّى بين هاتيك المشاعر فرضه و نفله، و أقام صدور العيس‏ (4) يتجاذبن رداء البيد نزولا و رحلة، معرّجا على مثوى الرسالة، و مرقد الصفوة من خير سلالة، فطابت نفسه بطيبة، و استنشق من أرج النبوة نشره و طيبه.

وفاته و مدفنه‏

حتى إذا قضى منها وطر العميد، و كرّت به قوافلا بنات العيد، ظهرت مخائل السقام، و اعتاقه دون الوصول إلى الغري شرك الحمام، فدعي‏

____________

(1) في نسخة (ب): اللّه.

(2) الوجيف و الارقال: نوعان من سير الأبل، على غرار المشي السريع.

(3) سورة الحج، الآية: 27.

(4) العيس: الابل.

39

فأجاب، و كانت وفاته بعد الحجّ في الاياب على مرحلة من (السماوة)، من أرض العراق.

و نقل إلى النجف الأشرف، و الغري ذي الشريف، حيث قبره الآن مشهور، و بالزائرين معمور. و كان ذلك سنة الثلاثمائة بعد الألف من الهجرة، فتكون مدّة عمره من يوم ولادته إلى حين وفاته ثمانية (1) و سبعين سنة.

و قد رثاه شعراء العصر بمراثي فائقة جيدة عديدة، فمن ذلك ما رثاه به الشاعر المفلق، و من هو في الفصاحة و البلاغة معرق، السيد حيدر الحسيني الحلّي بقصيدة مطلعها:

أرى الأرض قد مارت لأمر يهولها* * * فهل طرق الدنيا فناء يزيلها؟!

و أسمع رعدا قد تقصّف في السما* * * لمن زمر الأملاك قام عويلها

و هي قصيدة طنّانة، أجاد فيها كلّ الإجادة، منها قوله (عليه الرحمة):

تجلّلتها يا دهر سوداء فانبرت‏* * * عليك ليوم الحشر تضفو ذيولها

خطمت بها قسرا عرانين (هاشم)* * * فقدها تساوى صعبها و ذلولها

و قل لعوادي الدهر دونك و الورى‏* * * مضى الفضل، و الباقون منها فضولها

فما جولة عند الردى فوق هذه‏* * * فنخشاه يوما في كريم يجولها

تمّت بيد الأقل نجل العلّامة السيد أعلى اللّه مقامه، حسين الحسيني القزويني.

إنتهى ما رسمه العم المولى عطّر اللّه مرقده الشريف مع بعض زيارات و نقائص مني أضفتها إليه.

***

____________

(1) هكذا وردت في الأصل.

40

مراثيه‏

ثمّ أنّ شعراء عصر السيد (قدس سرّه) رثوه بمراث لم يتفق مثلها لإمام قبله.

منهم: العالم العامل و الفاضل الكامل الأديب اللبيب و الحسيب النسيب السيد محمد سعيد حبوبّي (سلّمه اللّه تعالى) (1) بقصيدة مطلعها:

سرى و حداء الركب حمد أياديه‏* * * و آب و لا حاد له غير ناعيه‏

و عهدي بهم يستمطرون بنانه‏* * * فلم و بماذا استبدلوا دمع باكيه؟!

و هي طويلة.

و منهم: الكامل الأديب الشيخ حسن آل شيخ عبد اللّه، حيث رثاه في قصيدة مطلعها:

طرق الزمان بنكبة صمّاء* * * عمّت جميع الخلق بالأرزاء

من هولها بكت السماء و أوشكت‏* * * أفلاكها تهوى على الغبراء

و هي طويلة.

و منهم الشيخ طاهر الدجيلي من قصيدة مطلعها:

لمن تستبقي مذخور البكاء* * * جرى المحتوم من صرف القضاء

و تحبس في العيون لمن دموعا* * * أذلها مثل منهلّ الحياء

و هي طويلة.

و السيد جعفر الحلي من قصيدة مطلعها:

أ أعزي الكون أنّ البدر غابا* * * أم أهنيه بأنّ السعد آبا؟!

____________

(1) السيد محمد سعيد الحبّوبي: شاعر الفقهاء، و فقيه الشعراء، توفي سنة 1333 ه/ 1915 م.

41

أعلى آيبه أحسو طلا* * * أم على غائبه أجرع صابا؟! (1)

و هي طويلة حسنة.

و الشيخ كاظم إبن شيخ حسن سبتي النجفي من قصيدة طويلة جيدة مطلعها:

إنّ رزءا ألمّ فيك و نابا* * * بحشى الدين صرّ سنّا و نابا

و بها شبّ من لظى الوجد ما لو* * * شبّ في مهجة الجنين لشابا

و هي طويلة.

و الحاج عباس البغدادي راثيا، و مؤرّخا في قصيدة مطلعها:

ناع نعى مضرا فآلم يعربا* * * و الحجر و البيت الحرام و يثربا

و في التاريخ يقول:

من بعد عام حجّ فيه أرخوا* * * (مهدي آل محمد قد غيّبا)

و الشيخ حسون نجل المرحوم الشيخ أحمد قفطان النجفي من قصيدة مطلعها:

العلم أصبح مقفر العرصات‏* * * و الحلم أمسى دائم الحسرات‏

و الدين أضحى و الكآبة شأنه‏* * * لعظيم ما قاسى من النكبات‏

و الشيخ محمد قفطان من قصيدة مطلعها:

بفقدك أو حشت الهدى و المساجدا* * * و آنست فيه حورها و الملاحدا

و لما أتى الناعي بموتك معلنا* * * أجابت دموعي للنداء بلا ندا

و في التاريخ يقول:

فزد بي في القول الجميل مؤرّخا* * * (عجبت لبيت الجود بالترب ملحدا)

____________

(1) يلاحظ أنّ بعض الشعراء جمعوا في قصائدهم بين الرثاء و التهنئة؛ الرثاء بفقدان الأب، و التهنئة بعودة الإبن، الذي كان يرافق أباه في رحلته إلى بيت اللّه الحرام.

42

و الشيخ حسين الدجيلي النجفي من قصيدة مطلعها:

إن تقصر اللوم في شأني و إن تزد* * * فما بقي موضع للصبر في كبدي‏

و للشيخ حسون خلف المرحوم الشيخ أحمد قفطان أيضا راثيا و مؤرخا في قصيدة مطلعها:

يا للرجال فهل بنا من منجد* * * ينجي من الدهر الخؤون و مسعد

يا دهر، مالك و الكرام جعلتهم‏* * * غرضا لسهمك بالقنا المتأود

و في التأريخ يقول:

للّه يوم قبل ذا أرّخته‏* * * أضحى الهدى ينعى بفقد السيد

و الشيخ حسن ابن ملا محمد الحلي القيّم من قصيدة مطلعها:

أيعذل من كان لم يسعد* * * على ما أذاب حشى المكمد

أفي كلّ يوم خيول الردى‏* * * تصول على سيد سيد

و الشيخ علي ابن ملا حمزة البغدادي من قصيدة مطلعها:

أقبل الناعي إلينا بالردى‏* * * ناعيا مولى الورى دين الهدى‏

ناعيا كهف المعالي و التقى‏* * * ذاك من للدين ركنا شيّدا

و الشيخ محمد الملّا الحلّي من قصيدة مطلعها:

ما ذا جنى الدهر على المجد* * * فافلق العالم بالوجد

و ما الذي ساق لأم العلى‏* * * من مؤلم الأرزاء و الجهد

و الشيخ محسن الشيخ محمد الشيخ خضر النجفي من قصيدة مطلعها:

بمن صات ناعيك هلّا درى‏* * * بفرق العلى، و بفيه الثرى‏

أصات بنعيك لا بل أشاط* * * بنفسي فسالت دما أحمرا

و هي طويلة، حسنة جيدة.

و له أخرى مطلعها:

جاءتك صارخة سيّارة الابل‏* * * تعجّ بالويل في حلّ و مرتحل‏

43

خوص العيون كريه الشكل منظرها* * * شوها و بوها لها من إينق بزل‏

و الشيخ محسن ابن الشيخ علي العذاري من قصيدة مطلعها:

نعيت فأشجيت الورى أبد الدهر* * * أتدري لمن تنعاه، أم لم تكن تدري؟!

و الشيخ حسين بن عبد اللّه الحلّي من قصيدة مطلعها:

خطب أطلّ على الاسلام مبتكر* * * كادت له النيّرات الشهب تنتثر

و الشيخ صالح المهدي من قصيدة مطلعها:

قضى ماجد كان في عصره‏* * * بمنزلة النور من بدره‏

و الشيخ محمد الشيخ عبد اللّه العذاري من قصيدة مطلعها:

هلّا كففت لحاك اللّه يا قدر* * * قد أوشكت تتلف الأرواح و الصور

و له أيضا من قصيدة مطلعها:

لقد طرق الناعي بقاصمة الظهر* * * أيدري لمن ينعاه أم هو لم يدر؟

و الشيخ علي الحسين الحلّي من قصيدة مطلعها:

منك الفراق، و مني الوجد و الحرق‏* * * و شأن شاني عليك الدمع و الأرق‏

و الشيخ حسن المصبح الحلّي من قصيدة مطلعها:

قلب يذوب و عبرة تترقرق‏* * * و جوى بأحناء الضلوع يؤرق‏

و الشيخ عبود قفطان من قصيدة مطلعها:

لقد بكر الناعي فيا ليت لا نعى‏* * * فزعزع ركن الدين و المجد أفزعا

من أدب التاريخ‏

هذا ما عثرت عليه من مراثيه، و هي قليل في كثير.

و قد رأيت مكتوبا على ظهر المجلد الأول من كتابه المسمّى ب «بصائر المجتهدين» ما هذا لفظه:

44

للفاضل الكامل الشيخ عبد الحسين نجل الشيخ إبراهيم العاملي مؤرخا عام ولادة السيد المرحوم المرور (أعلى اللّه مقامه) (1):

برزت محجّبة السعود* * * تفترّ عن ثغر نضيد

و الكون جرّ على المجرّ* * * ة بالعلى فضل البرود

و الدهر بعد الظن بالا* * * حسان طوّق كلّ جيد

يوما به سفر العلى‏* * * عن غرّة الشرف الحميد

و بدا به سرّ الإله‏* * * بهيكل اليفع الوليد

لو لا العيون لما استهلّ‏* * * بغير فرقان مجيد

و لما رقى غير المنا* * * بر لا يغالط بالمهود

و لفاه بالأحكام حتى‏* * * ما عليها من مزيد

و قضى بما بين الأنا* * * م بعلمه لا بالشهود

أنّى و في عرنينه‏* * * سمة الامامة بالحدود

و له المناقب هتّف‏* * * بالخلق من بيض و سود

ظهر الهدى تأريخه‏* * * (بظهور مهدي الوجود)

1222 ه

و للكامل الأديب الشيخ جواد شبيب مؤرخا عام ولادته (أعلى اللّه مقامه):

أبعقد جيد الوجود تحلّى‏* * * أم ببدر وجه الزمان تجلّى‏

و على المهد أيّ قبلة قدس‏* * * لعلاها وجه المكارم صلّى‏

جلّ مهد يقل للحجّة (المهد* * * ي) جسما أحاله اللّه فضلا

يتحرى الاسلام منه إماما* * * آية الدين عن معانيه تتلى‏

____________

(1) و هي موجودة أيضا على المجلد الثالث من كتابه المذكور من الشرح الموسّع، و لعلّ السيد باقرا رآه مكتوبا على المجلد الأول من الشرح المختصر.

45

سوف يردي دجّال جور الليالي‏ (1)* * * أرّخوه (و يملأ الأرض عدلا)

1223 ه

أقول: و هذان الفاضلان متأخران عنه (قدس سرّه)، بل أدركا آخر أيامه، و لكنّهما (سلّمهما اللّه) لما فاتهما الانتظام في سلك من رثاه أحبّا الانتظام في سلك من مدحه، و زادا على ذلك تاريخ ولادته و فقهما اللّه تعالى لمراضيه.

*** هذا آخر ما وجدناه من النسخة المخطوطة. و قد انتهى من كتابتها الفقير إلى رحمة ربّه الغني السيد جودت الحسيني الشهير بالقزويني في شهر صفر من سنة الثلاث و التسعين بعد الثلاثمائة و ألف هجرية على مهاجرها أفضل الصلاة و أزكى التحية. و كان نقلها عن نسخة بخط السيد باقر بن السيد هادي (قدّس اللّه أسرارهم)، و هي محفوظة عند فضيلة العمّ السيد حميد بن السيد أحمد القزويني، و انتهيت من كتابتها في بلدة الهندية (طويريج) يوم السبت، و الحمد للّه رب العالمين و الصلاة على محمد و آله و صحبه المنتجبين آمين.

____________

(1) إشارة إلى نقص العدد (1) من مادة التاريخ، فتكون ولادته عام (1222 ه).

46

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

47

كتاب المزار

48

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

49

[في معنى الزيارة لغة و شرعا]

الزيارة لغة القصد، و شرعا هي الحضور عند المعصوم، من نبيّ أو إمام. و هي عبارة عن الاستئذان عليه بالدخول، و السلام عليه بما يليق من شأنه، و علو قدره، و صلاة ركعتين. و ما يلحق المعصوم من وليّ و عالم، و تقيّ و مؤمن فهو بحكم الزيارة.

و الكلام يقع في مشروعيتها، و محلّها، و أحكام المشاهد في أبحاث.

البحث الأول في مشروعية الزيارة

لا إشكال في أنّ الزيارة مشروعة لزيارة الأحياء، بل هي حقيقة الزيارة، و إنما شرع زيارة المعصوم و الشهداء لأنهم أحياء عند ربهم يرزقون، يستمعون الكلام، و يردّون الجواب و السلام بأسماعهم و ألسنتهم، لا بطريق العلم.

و ما ورد من أنّه تحمله الملائكة إليهم على خلاف ظاهره، و لعلّه محمول على زيارة البعد. و الأقرب أنهم في البعد و القرب سواء لا تخفى عليهم أحوال الخلق من غير فرق بين الامام الحيّ و الميت.

و لكنّ للقرب في الزيارة وظائف خاصة، و قد جعل اللّه طريق‏

50

الزيارة و صلة بين الحي و الميت لئلا يحصل قطع المودّة و الصّلة بين الأحياء و الأموات، و هي علاقة روحانية جارية بين المؤتلفات من النفوس، كما قال (ع) «خلق اللّه الأرواح جنودا مجنّدة ما تعارف ائتلف، و ما تناكر منها اختلف» (1).

و قد ورد من الروايات في مشروعية زيارة النبي (ص) و الأئمة (ع)، و شدّ الرحال إليهم، و زيارة قبور الأنبياء و الأوصياء و الشهداء و العلماء و المؤمنين ما لا يحصى، و أمرها عظيم و فضلها جسيم. و قد ورد على سبيل العموم: «من زار أخاه في جانب اللّه، أي قصده ابتغاء وجه اللّه، فهو زوره، و حق على اللّه أن يكرم زوره، أي قاصديه» (2). و فيه: «من فعل كذا، فقد زار اللّه في عرشه» (3).

قال الصدوق: زيارة اللّه زيارة أنبيائه و حججه، و من زارهم، فقد زار اللّه عزّ و جل، كما أنّ من أطاعهم فقد أطاع اللّه، و من عصاهم فقد عصى اللّه، و من تابعهم فقد تابع اللّه. قال اللّه تعالى‏ قل إن كنتم تحبون الله فاتبعونى يحببكم الله‏ (4) و ليس ذلك ما تتأوّله المشبهة (لعنهم اللّه) تعالى اللّه عن ذلك علوا كبيرا.

و في الدعاء: «اللهم اجعلني من زوّارك، أي من القاصدين إليك، و الملتجئين إليك» (5).

____________

(1) المازندراني، المولى محمد صالح، شرح أصول الكافي، ج 9، ص 39.

(2) الحراني، تحف العقول عن آل الرسول، ص 7.

(3) الكليني، الكافي، ج 4، ص 585.

(4) سورة آل عمران، الآية: 31.

(5) الطريحي، مجمع البحرين، ج 2، ص 305.

51

البحث الثاني في زيارة النبي (ص) و زيارة المعصومين و بيان استحبابها

في فصول:

الفصل الأول في زيارة النبي (ص)

فإنّه يستحب للحاج، و غيرهم من أهل المدينة و البلاد زيارة النبي المختار بالمدينة استحبابا مؤكدا، و يجبرهم الامام على ذلك لو تركوه، لما فيه من الجفاء، و لقوله: «من أتى مكة حاجّا، و لم يزرني إلى المدينة جفوته يوم القيامة، و من أتاني زائرا وجبت له شفاعتي، و من وجبت له شفاعتي، وجبت له الجنة».

و قال (ع): «من زار قبري بعد موتي كان كمن هاجر إليّ في حياتي، فإن لم تستطيعوا فابعثوا إليّ بالسلام، فإنّه يبلغني» (1).

و المراد بالبعث الاستنابة بالسلام باجارة أو تبرّع. و يحتمل إرادة السلام من بعد على أن يكون المراد من البعث مطلق التوجّه به إليه أو

____________

(1) الكليني، الكافي، ج 1، ص 314، و الطوسي، تهذيب الأحكام، ج 6، ص 3 (كتاب المزار)، الصدوق، علل الشرائع، ج 2، ص 460.

52

بعثته مع الملائكة، مما ورد من أنّ الملائكة تحمله إليه.

و قال للحسين (ع): «يا بنيّ من زارني حيا أو ميتا، أو زار أباك و أخاك أو زارك كان حقا عليّ أن أزوره يوم القيامة و أخلّصه من ذنوبه».

و هو أبو القاسم محمد بن عبد اللّه بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لوي بن غالب بن فهر بن النظر بن مالك بن خزيمة بن مدركة بن الياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان.

ولد بمكة في شعب أبي طالب يوم الجمعة بعد طلوع الفجر سابع عشر شهر ربيع الأول، و عند الجمهور ثاني عشر، عام الفيل.

و كان حمل آمنة أمّه بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب، به في ثلاثة أيام التشريق، و حمل على أيام النسي‏ء فيكون ذلك في جمادى الآخرة أوّل شهر رجب كما هي العادة في العمرة الرجبية، و كان ذلك في منزل أبيه عبد اللّه بمنى عند الجمرة الوسطى.

و قد توفي أبوه في يثرب و هو حمل، و قيل عمره شهران. و تولّى تربيته جدّه عبد المطلب. و ماتت أمّه و هو ابن أربع سنين، و مات جدّه و هو ابن ثمان. و تكفّله عمّه أبو طالب.

و بعث بالرسالة و صدع بها في اليوم السابع و العشرين من رجب لأربعين سنة من عمره، و بقي ثلاثة و عشرين‏ (1) في دعوى النبوّة و الجهاد.

____________

(1) هكذا وردت في الأصل.

53

و نص في عهده على أمير المؤمنين بالخلافة و الوصية في آخر سنة من عمره في حجة الوداع، يوم الغدير.

و قبض في المدينة لليلتين بقيتا من شهر صفر سنة إحدى عشرة من الهجرة، و قيل لاثنتي عشرة ليلة بقيت من شهر ربيع الأول عن ثلاث و ستين سنة.

و مات عن تسع نساء، و ليس لواحدة منهن بنت، و لا ولد، و لم يترك من بعده غير فاطمة (ع) من أول أزواجه، و هي خديجة بنت خويلد.

و ذريته من صلب أمير المؤمنين محصورة في الحسن و الحسين إلى أن يرث اللّه الأرض، و من عليها.

54

الفصل الثاني زيارة فاطمة الزهراء (ع)

يستحب زيارة فاطمة (ع) بنت رسول اللّه (ص) زوج أمير المؤمنين و أمّ الحسن و الحسين و المحسن و هو مات سقطا، و زينب، و أم كلثوم.

قالت (عليها السلام): أخبرني أبي رسول اللّه (ص) أنه من سلّم عليه و عليّ ثلاثة أيام أوجب اللّه له الجنة، فقيل لها في حياتكما. قالت نعم، و بعد موتنا.

و تزار في بيتها (1)، و في الروضة، و البقيع، و بيت الأحزان.

ولدت (عليها السلام) بعد المبعث بخمس سنين، و قبضت بعد أبيها بنحو من أربعين يوما كما قيل، و قيل بنحو من مائة يوم. فهي إمّا ثامن ربيع الثاني، أو ثامن جمادى الآخرة، و قيل ستّة أشهر.

و قد دفنها علي (ع) سرا ليلا لئلا يطّلع عليها. و الصحيح أنّها دفنت في الروضة، لقوله (ص): «ما بين قبري و منبري روضة من رياض الجنّة، ما صلّى فيها أحد إلّا وجبت له من اللّه الجنة».

____________

(1) الكليني، الكافي، ج 1، ص 481؛ الصدوق، من لا يحضره الفقيه، ج 2، ص 307؛ الطوسي، المبسوط، ج 1، ص 387؛ المحقق الحلّي، شرائع الاسلام، ج 1، ص 210.