أمراء الكوفة وحكامها

- محمد علي آل خليفة المزيد...
777 /
3

تقديم بقلم: سماحة العلامة الحجة المحقق الشيخ باقر شريف القرشي:

بسم الله الرحمن الرحيم‏

إحتلت الكوفة مركزا مهمّا في العالم الإسلامي، و ذلك لما لها من أهمّية بالغة في صنع بعض المفردات السياسية و التي كان من أشدها محنة و أعظمها بلاءا رفع المصاحف في صفين، فقد فتن به الجيش العراقي بعد ما أشرف على الفتح. ففي تلك اللحظات الحاسمة انهارت حكومة الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) رائد العدالة الاجتماعية في دنيا الإسلام، و سيطر الحكم الأموي بقيادة معاوية بن أبي سفيان، العدو الأول للفكر الإسلامي، و قد نجم عن ذلك أن مني المسلمون بالأزمات و الخطوب السود، فقد خرجوا من الدعة و العدل إلى الجور و الظلم و الاستبداد.

و على أي حال، فقد كانت الكوفة أهم حامية للجيوش الإسلامية و كان عمر بن الخطاب يستمد منها المعونة في كثير من الغزوات و الفتوحات كما روى ذلك الطبري، و نظرا لأهميتها فقد اتخذها أمير المؤمنين (عليه السّلام) عاصمة له بعد واقعة الجمل، و كما كانت الكوفة مركزا عسكريا مهما فقد كانت معهدا لكثير من العلوم خصوصا الفقه الإسلامي، فقد روى المؤرخون أن تسعمائة شيخ كانوا يلقون الأحاديث‏

4

التي سمعوها من الإمام الصادق (عليه السّلام) عملاق الفكر الإسلامي علي تلاميذهم، و كانت محاضراتهم في بهو الجامع الأعظم في الكوفة، و بالإضافة لذلك فقد كانت معهدا لكثير من العلوم الإسلاميّة، و في طليعتها علم النحو فقد حظي باهتمام العلماء، و لهم أرائهم الخاصّة به.

و على أيّ حال فقد انبرى جمع من العلماء لدراسة هذه المدينة في جميع جوانبها العلمية و السياسية و الاقتصادية، إلّا أنهم لم يتحدثوا عن ولاتها. و حكامها الذين بسط بعضهم الجور و الاستبداد فيها، و قد التفت إلى ذلك فضيلة الأستاذ المحامي محمد علي الخليفة و فقه الله تعالى لمراميه فانبرى إلى تأليف هذا الكتاب (أمراء الكوفة و حكامها) و قد تحدّث فيه بوعي عن سيرتهم و معالم حكمهم بالتفصيل و هو جهد مشكور تفتقر إليه المكتبة العربية و الإسلامية، شكر اللّه مساعيه و بلغه أمانيه بدعاء أخيه:

باقر شريف القرشي‏

1423/ 28/ ربيع الثاني مكتبة الإمام الحسن العامة في النجف الأشرف‏

5

الاهداء

الى سيّدي و مولاي أمير المؤمنين و سيّد الوصيين أبي الحسن عليّ بن أبي طالب (عليه السّلام) أمير الكوفة و سيّدها على مدى الأزمان و الدهور.

و الى صاحب الأمر (عج) أقدم هذا المجهود المتواضع راجيا رحمة ربيّ.

المؤلف‏

6

شكر و تقدير

أتقدم بجزيل الشكر و الامتنان الى كافّة السادة الذين قدّموا لي المساعدة سواء بتهيئة المصادر، أو بالتوجيه و الارشاد، و أخصّ بالذكر منهم:

فضيلة العلامة الشيخ باقر شريف القرشي- مكتبة الامام الحسن (عليه السّلام) في النجف الأشرف، كما و أشكر الأستاذ الدكتور السيد حسن عيسى الحكيم (رئيس جامعة الكوفة)، لما أبداه من توجيهات قيّمة و ملاحظات جديرة بالاهتمام، و أشكر الأستاذ الأديب السيد أياد صادق القاموسي (صاحب المكتبة العصرية ببغداد). و لن أنسى شكري و تقديري للسيد محمود نصر اللّه هيكل (رئيس القسم في مكتبة عبد الحميد شومان العامة في عمّان- الأردن) و لكافة العاملين في المكتبة المذكورة. و شكري إلى كافة منتسبي مكتبة أمانه عمّان الكبرى، و شكري أيضا الى كافة منتسبي مكتبة جامعة اليرموك فى أربد- الأردن.

و شكري و تقديري الى كافّة اخواني و أخصّ بالذكر منهم الأخ الجليل عبد الفتاح عبد علي الشهيب.

المؤلف‏

7

المقدمة

بسم اللّه الرحمن الرحيم، و به ثقتي‏

قال أبو العلاء المعري مفتخرا (1):

و إنّي و ان كنت الأخير زمانه‏* * * لآت بما لم تستطعه الأوائل‏

و" أنا" أقول معترفا

و ما أنا الّا سالك عقد لؤلؤ* * * بنور مداد أسرجته المناهل‏

أنظّم لآلئ قد ورثنا فريدها* * * كلجّة بحر غاص فيها الأوائل‏

هذا و إنّ جلّ ما كتبته ما هو إلّا نقطة من ذاك الخضم الزاخر، و صفحة من تلك الألوف الّتي كتبها الكرام الأولون، غير أنّني جئت به بإطار جديد، فذكرت من محاسن و مساوئ كلّ أمير من أمراء الكوفة، من‏

____________

(1)- إشراف طه حسين و جماعته- آثار أبي العلاء المعري ص 1. ديوان أبي العلاء المعري- شرح ديوان سقط الزند. ص 193.

8

كرم و شجاعة، و مجون و خلاعة، و شعر و أدب، و دهاء و حكمة، ليجد القارئ فيه لذّة و متعة، و تلك هي غايتي.

و قد تناولت البحث عن (أمراء الكوفة) حسب تسلسلهم الرئاسي في ثلاثة عصور هي:

1- عصر الخلفاء الراشدين.

2- العصر الأموي.

3- العصر العبّاسي.

كما أنّي تطرقت إلى ذكر الأمراء الّذين جاءوا عن طريق الثورة، و كذلك ذكرت الأمراء الّذين عينوا من قبل عبد اللّه بن الزبير. (1)

الكوفة: معناها الرملة الحمراء، و قيل سميت بالكوفة لاستدارة بناءها، لأنّه يقال: تكوّف القوم إذا اجتمعوا و استداروا، و قيل لمّا أراد سعد بن أبي وقّاص أن يبني الكوفة قال: (تكوّفوا في هذا الموضع) أي اجتمعوا فيه.

و قيل: كان اسمها قديما كوفان. (2)

و قال جحدر اللص و هو في سجن الحجّاج بن يوسف الثقفي‏ (3):

يا ربّ أبغض بيت أنت خالقه‏* * * بيت بكوفان منه استعجلت سعر

و قال أبو نؤاس لمّا ذهب الى الكوفة و استطاب بها (4):

ذهبت بها كوفان مذهبها* * * و عرجت عن أربابها صبري‏

____________

(1)- عبد اللّه بن الزبير: هو عبد اللّه بن الزبير بن العوام، و كنيته: أبو خبيب، و أمه: أسماء بنت أبي بكر، بويع له بالخلافة في مكّة سنة (64) للهجرة ثمّ بايعه أهل العراق، كما بايعه أهل الشام ما عدا أهل طبرية (في الأردن). قتله الحجّاج بن يوسف الثقفي سنة (72) للهجرة، و قيل سنة (73) بعد أن ضرب الكعبة بالمنجنيق. وفيات الأعيان- أبن خلكان ج 3/ 71.

(2)- ابن منظور ... لسان العرب ج 3/ 314.

(3)- البكري- معجم ما استعجم. ج 3/ 1141.

(4)- ياقوت الحموي- معجم البلدان. ج 4/ 490.

9

ما ذاك إلّا أنّني رجل‏* * * لا أستحق صداقة البصري‏

و الكوفة: بضم الكاف و سكون الواو، فاء و هاء، و هي مدينة اسلامية، بنيت في زمن الخليفة عمر بن الخطاب، واقعة في الاقليم الثالث من الأقاليم السبعة، (1) و تقع على خط طول (68) درجة و (30) دقيقة، و على خط العرض (31) درجة و (50) دقيقة.

و قيل سمّيت كوفة لاستدراتها، آخذا من قول العرب: رأيت كوفانا إذا رأوا رملة مستديرة، و قيل لاجتماع الناس من قولهم: (تكوّف الرمل إذا ركب بعضه بعضا). (2)

كوفة الجند:

سماها عبدة بن الطيّب بكوفة الجند حيث قال‏ (3):

إنّ الّتي وضعت بيتا مهاجرة* * * بكوفة الجند ودّها غول‏

هذا هو مبدأ تكوين مدينة الكوفة، فبعد انتصار المسلمين على الفرس في (معركة القادسيّة) أخذ سعد بن أبي وقّاص يتعقّب الجيوش الفارسيّة المنهزمة حتّى وصل الى (المدائن) و بعد أن تمّ تحرير العراق نهائيا من السيطرة الفارسيّة، استقرّ سعد في المدائن.

و لمّا علم الخليفة عمر بسوء حالة الجيش في المدائن، و تغيّر ألوانهم، كتب الى سعد بن أبي وقّاص قائلا: (إنّ العرب لا يوافقها إلّا ما وافق إبلها

____________

(1)- الأقاليم السبعة: و هي أقسام الأرض حسب تقسيم العلماء الجغرافيين القدماء. مقدمة ابن خلدون.

ج 1/ 45.

(2)- القلقشندي- صبح الأعشى. ج 4/ 334.

(3)- البكري- معجم ما استعجم. ج 4/ 1142 و ياقوت الحموي- معجم البلدان. ج 4/ 491.

10

من البلدان، فانزل منزلا بريّا، بحريّا، ليس بينى و بينكم بحر و لا جسر) (1).

فأوعز سعد الى بعض من أصحابه للبحث عن مكان آخر يكون مقرّا لجيشه على أن تراعى فيه المواصفات الّتي ذكرها عمر، فتمّ اختيار الكوفة (2)، عندها أمر سعد جيشه أن يعسكروا فيها، و ينصبوا الخيام و المضارب، و كان أبو الهيجاء الأسدي قد سبقهم الى الكوفة فخطّطها و خطّط المسجد الأعظم‏ (3). و بنى قصرا لسعد بجانبه، و جعل فيه (بيت المال) و كان هذا القصر منزلا خاصا للخلفاء و الملوك و الأمراء الّذين جاءوا بعد سعد بن أبي وقّاص، حيث تعقد فيه مؤامراتهم، كما أنّهم اتخذوه حصنا لهم اذا ما ألجأتهم الظروف، أو اعترتهم الكوارث، كان ذلك سنة (17) للهجرة.

و بقي ذلك القصر الى زمن عبد الملك بن مروان، حيث أمر بهدمه تشاؤما منه، (4) و ذلك عند دخوله الى الكوفة سنة (71) للهجرة، بعد مقتل مصعب ابن الزبير.

كوفة القبائل:

و بعد أن تمّ تخطيط الجامع (حيث اعتبر مركز للمدينة الجديدة) التفّ‏

____________

(1)- تاريخ الطبري. ج 4/ 41 و تاريخ ابن خياط. ج 1/ 129.

(2)- و قيل إنّ الّذي أرشدهم إلى هذا المكان هو ابن نفيلة الغساني (أو العساني)- ابن الأثير- الكامل.

ج 4/ 490 و البلاذري- فتوح البلدان، ص 270.

(3)- البلاذري- فتوح البلدان ص 271 و تاريخ اليعقوبي. ج 2/ 129.

(4)- عن أبي مسلم النخعي أنّه قال: رأيت رأس الحسين (عليه السّلام) جي‏ء به فوضع في دار الإمارة بالكوفة بين يدي عبيد اللّه بن زياد، ثمّ رأيت رأس عبيد اللّه بن زياد قد جي‏ء به فوضع في ذلك الموضع بين يدي المختار، ثمّ رأيت رأس المختار قد جي‏ء به و وضع بين يدي مصعب بن الزبير، ثمّ رأيت رأس مصعب بن الزبير قد جي‏ء به فوضع في ذلك الموضع بين يدي عبد الملك بن مروان. و عند ما سمع عبد الملك بذلك أمر بهدم الطاق. المسعودي- المروج. ج 3/ 109.

11

حوله الجند الفاتحين من القبائل العربية و هي: (جديلة و قضاعة و همدان‏

لهمدان أخلاق و دين يزينهم‏* * * و بأس إذا لاقوا و حسن كلام‏

فلو كنت بوابا على باب جنة* * * لقلت لهمدان: أدخلوا بسلام‏

(1) و بجيلة و غسان و خشعم و كندة و حضرموت و الأزد و حمير و مذحج و تميم و رباب و بنو أسد و محارب و تغلب و أياد و بنو عبد قيس). و أخذت كل قبيلة من هذه القبائل تنزل في جانب منه، فأصبحت الكوفة كوفة القبائل، و حيث قسمت أرباعها المعروفة، كلّ ربع الى جانب من الجامع تختصّ به عدّة قبائل، و كانت أحسنها مكانا هي تلك الّتي نزلت في الجانب الشرقي منه، و هي (قبائل اليمن) و ذلك لقربه من نهر الفرات. (2)

و بمرور الزمن، تقدّمت الكوفة، و تطوّرت من مضارب وخيم و صرائف بنيت من (القصب و البردى) الى دور بنيت (باللبن) (3) و أبوابها بالطابوق فقط، ثمّ الى دور و قصور شيّدت بالآجر و الطابوق. (4)

كوفة العلم و الأدب:

أصبحت الكوفة (مركزا للعلم و الأدب) نتيجة لمركزها السياسي، حيث أن الامام عليّ بن أبي طالب (عليه السّلام) نقل مركز الخلافة الاسلامية من المدينة المنورة الى الكوفة، و ذلك بعد عودته من حرب (الجمل) في البصرة سنة (36) للهجرة. (5)

____________

(1)- همدان: هي قبيلة يمانية، كان لها في حرب صفّين موقف مشرف تجاه الإمام علي (عليه السّلام) فقال الإمام:

لهمدان أخلاق و دين يزينهم‏* * * و بأس إذا لاقوا و حسن كلام‏

فلو كنت بوابا على باب جنة* * * لقلت لهمدان: أدخلوا بسلام‏

المسعودي- مروج الذهب. ج 3/ 85 و ابن عبد ربه الأندلسي- العقد الفريد. ج 4/ 339.

(2)- البلاذرى- فتوح البلدان ص 371.

(3)- اللبن: الطابوق الغير المفخور، أي هو من الطين على شكل طابوقة.

(4)- ماسينيون- خطط الكوفة، ص 38.

(5)- المسعودي- مروج الذهب. ج 2/ 372 و ماسينيون- خطط الكوفة. ص 38 و الشيخ راضي آل ياسين- صلح الحسن ص 64.

12

و هاجر الى الكوفة (إذ هي عاصمة البلاد) كبار المسلمين من مختلف الآفاق، و سكنتها القبائل العربية من اليمن و الحجاز، و الجاليات الأجنبية الفارسيّة (من المدائن و ايران) فعمرت فيها الأسواق التجارية، و زهت فيها الدراسات العلمية، و الأبحاث الأدبية و الفقهية (1) و لم تنازعها في ذلك كافّة البلاد الاسلامية الأخرى، ما عدا (البصرة) حيث نازعتها الى حدّ ما لتلك المنزلة، فبدأ التحزّب بين المدينتين العملاقتين، و أدّى ذلك التحزّب الى الخلافات في الآراء العلمية و الفقهية و الأدبية، و كثرت الأدلّة و الحجج بين الطرفين، و اختلفت في التعليم، و في قراءة و إعراب كثير من آيات القرآن الكريم، و أصبح الناس يسمعون: قال الكوفيون و قال البصريون‏ (2).

فكانت الكوفة كما قلنا (كوفة العلم و الأدب) أو جامعة الثقافة الاسلامية، و هذا ما زاد في قيمتها التأريخية بآثارها العلمية و الأدبية، و بما أنجبت من علماء و أدباء و شعراءهم مفاخر التاريخ الاسلامي في أهمّ أدوار نهضتها الثقافية.

____________

(1)- الشيخ راضى آل ياسين- صلح الحسن ص 65.

(2)- لم يكن القرآن الكريم منقطّا عند نزوله، و لم تكن عليه علامات الإعراب (الرفع، و النصب، و الجر و الجزم) مكتوبة إلّا بعد أن أوعز الإمام عليّ (عليه السّلام) إلى أبي الأسود الدؤلي للقيام بهذه المهمة (و ذلك بعد أن أخذ الناس يلحنون في كلامهم) و على سبيل المثال نوضح للقارئ الكريم أوجه الاختلاف بين القراء الكوفيين و البصريين و غيرهم في قراءاتهم. قال اللّه سبحانه و تعالى في سورة الأنعام: آية (55) (وَ كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ وَ لِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ). فقرأ أهل الكوفة: (و ليستبين) بالياء، و (سبيل) بالرفع. و قرأ أهل المدينة (و ليستبين) بالياء و (سبيل) بالنصب. و قرأ زيد عن يعقوب: (و ليستبين) بالياء و (سبيل) بالنصب. و قرأ الباقون: (و لتستبين) بالتاء و (سبيل) بالرفع. و قوله تعالى‏ (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُواً وَ لَعِباً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَ الْكُفَّارَ أَوْلِياءَ وَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) سورة المائدة- آية (57). فقرأ أهل البصرة و الكسائي (و الكفار) بالجر و قرأ الباقون (الكفار) بالفتح. الطبرسي- مجمع البيان في تفسير القرآن. ج 3/ 221.

13

و من الصحابة الّذين هاجروا الى الكوفة و نزلوا فيها (1):

عمّار بن ياسر، عبد اللّه بن مسعود، سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل، خباب ابن الأرث، سهل بن حنيف، حذيفة بن اليمان، أبو مسعود الأنصارى، سلمان الفارسي و قرضة بن كعب و غيرهم كثير.

و من التابعين: طارق بن شهاب، سويد بن غفلة، مسروق بن الأجدع، زيد بن صوحان، كميل بن زياد، عبد الرحمن بن معقل، حصين ابن قبيصة و غيرهم كثير.

النحاة الكوفيون:

فقد اشتهر منهم: أبو الأسود الدؤلي و أبو جعفر الرواسي و عليّ بن حمزة و أبو زكريا (الفرّاء) و قتيبة بن مهران و مسلمة بن عاصم و نفطويه و الحسن ابن داود و عيسى بن مروان و يعقوب بن اسحاق و غيرهم كثير (2).

و قال القاضي الخليل بن أحمد بن محمّد ذاكرا مدرسة الكوفة النحوية و فضلها عليه‏ (3):

و اجعل درسي من قراءة عاصم‏* * * و حمزة بالتحقيق درسا مؤكّدا

و اجعل في النحو الكسائي قدوة* * * و من بعده الفراء ما عشت سرمدا

و إن عدت للحجّ المبارك مرّة* * * جعلت لنفسي كوفة الخير مشهدا

فهذا اعتقادي و هو ديني و مذهبي‏* * * فمن شاء فليبرز و يلقى موحّدا

و يلقى لسانا مثل سيف مهند* * * يسلّ إذا لاقى الحسام المهندا

____________

(1)- و من أراد الاطلاع على كافّة الصحابة و التابعين الّذين نزلوا الكوفة مراجعه الطبقات الكبرى ج 6 لابن سعد من صفحة 12 و ما بعدها.

(2)- البراقي- تاريخ الكوفة ص 428- 432.

(3)- معن صالح مهدي- الكوفة في العصر العبّاسي. ص 103.

14

اللغويون الكوفيون:

هم الّذين اهتموا بجمع اللغة و آدابها، و أكثرهم حفظا و رواية هم: أبو عمر ابن العلاء التميمي، و حماد بن هرمز (أبو ليلى) و المفضل بن محمّد الضبي، و أبو يوسف يعقوب بن اسحاق السكّيت، و خالد بن كلثوم الكلبي، و عبّاس ابن حازم اللخياني، و أبو عبيد القاسم بن سلام الخزاعي، و خشّاب الكوفي، و أحمد بن يوسف الثعلبي، و الحسن بن داود، و داود بن الهيثم، و عليّ بن حمزة الكسائي و غيرهم‏ (1).

شعراء الكوفة:

ازدهر الشعر بالكوفة، و خاصّة في العصر الأموي، و أخذ الشعراء و الأدباء يزدحمون في مسجد الكوفة و في غيره من المساجد و المحافل للمفاخرة و المناظرة، فأصبحت الكوفة كسوق عكاظ (2).

و من جمله الشعراء الّذين عرفوا بالكوفة هم: المنازل بن الأحنف، و مرداس بن حذام، و عمر بن يزيد بن هلال النخعى، و حمّاد الراوية، و عتاب بن قيس الطائي، و مالك بن أسماء، و معن بن زائدة الشيباني، و أبو العتاهية، و الطرماح بن حكيم الطائي، و دعبل بن عليّ الخزاعي، و الكميت ابن زيد، و أبو دلامة الأسدي، و سليمان بن صرد الخزاعي و أبو الطيب المتنبيّ و غيرهم كثير (3).

____________

(1)- البراقي- تاريخ الكوفة ص 434- 440.

(2)- سوق عكاظ: كانت العرب تقيمه في الجاهلية في صحراء ما بين نخله و الطائف للمفاخرة في الشعر و الأدب و الفضيلة، و يتبادلون فيه ما يحتاجونه في ذلك الوقت من لوازم و حاجيات.

(3)- البراقي- تاريخ الكوفة ص 443- 456.

15

قال أبو عيينة في (قينة) أحبها بالكوفة (1):

لعمرى لقد أعطيت بالكوفة المنى‏* * * و فوق المنى بالغانيات النواعم‏

و نادمت أخت الشمس حسنا فوافقت‏* * * هواي و مثلي مثلها فلينادم‏

و أنشدتها شعري بدنيا فعربدت‏* * * و قالت: ملول عهده غير دائم‏

فقلت لها يا ظبية الكوفة اغفري‏* * * فقد تبت مما قلت توبة نادم‏

فقالت: قد استوجبت منّا عقوبة* * * و لكن سنرعى فيك روح ابن حاتم‏

الخطّ الكوفي:

عند ما انتقل مركز الخلافة الاسلامية الى الكوفة (كما ذكرت سابقا) انتقلت معه الخطوط المعروفة آنذاك (بالمدنيّة و المكيّة) الى الكوفة و البصرة، ثمّ لم تلبث تلك الخطوط طويلا حتّى عرفت بالعراق (بالخطّ الحجازي) (2).

و في الكوفة اهتمّ المعنيّون بالخطّ، فتمكّنوا من ابتكار نوع جديد من الخطّ يختلف عن بقية الخطوط في هندسة أشكاله و صوره عرف (بالخطّ الكوفي) و من الكوفة انتشر ذلك الخطّ في أرجاء العالم الاسلامي، فكتبت به‏

____________

(1)- أبو عيينة: و هو اسماعيل بن عمّار بن عيينة بن الطفيل الأسدي، شاعر من مخضرمي الدولتين الأمويّة و العباسيّة، سكن الكوفة، و كان كثير التردد على دار ابن رامين لسماع القيان عنده، و يتغزل فيهن- الزركلي- الأعلام. ج 1/ 317.

(2)- محمود شكر الجبوري- الخطّ العربي و الزخرفة الإسلامية. ص 47.

16

المصاحف الشريفة، و زينت به جدران المباني و المساجد، و نقش على النقود و على شواهد القبور.

ما قيل في الكوفة:

1- قال الامام عليّ (عليه السّلام) و كان في مسجد الكوفة: (يا أهل الكوفة، لقد حباكم اللّه عزّ و جلّ بما لم يحب به أحدا، ففضل مصلّاكم، و هو بيت آدم و نوح، و بيت ادريس، و مصلّى ابراهيم الخليل، و مصلّى أخى (الخضر) و مصلاي، و إنّ مسجدكم هذا هو أحد المساجد (1) الأربعة الّتي اختارها اللّه عزّ و جلّ لأهلها، و كأني به يوم القيامة في ثوبين أبيضين شبيه بالمحرم يشفع لأهله، و لمن صلّى فيه، فلا ترد شفاعته، و لا تذهب الأيّام حتّى ينصب الحجر الأسود فيه‏ (2)، و ليأتين عليه زمان يكون مصلّى (المهدى) من ولدى، و مصلّى كلّ مؤمن، و لا يبقى على الأرض مؤمن الّا كان به، أو حنّ قلبه إليه، فلا تهجرنّ، و تقربوا الى اللّه عزّ و جلّ بالصلاة فيه، و ارغبوا إليه في قضاء حوائجكم، فلو يعلم الناس ما فيه من البركة لأتوه من أقطار الأرض، و لو حبوا على الثلج).

2- و قال الامام عليّ (عليه السّلام) أيضا (3): (كأنّى بك يا كوفة، تمدين مدّ الأديم‏

____________

(1)- المساجد الأربعة: هي المسجد الحرام و المسجد النبوي الشريف و المسجد الأقصى في فلسطين و مسجد الكوفة.

(2)- الحجر الأسود: ذهب أبو طاهر القرمطي و أصحابه إلى مكّة سنة (317) للهجرة فنهبوا أموال الحجّاج، و قلع (الحجر الأسود) و نقله إلى هجر في البحرين، و قد دفع لهم (بجكم التركي) خمسين ألف دينار لقاء إعادته إلى الكعبة، فرفضوا و قالوا: (أخذناه بأمر و نعيده بأمر). و في سنة (339) للهجرة جاء القرامطة إلى الكوفة و معهم (الحجر الأسود) فنصبوه في المسجد حتّى رآه الناس، ثمّ ذهبوا إلى مكّة، و نصبوه في مكانه، ثمّ قالوا (أخذناه بأمر، و عدناه بأمر). ابن الأثير- الكامل ج 8/ 207 و 486 و البراقي- تاريخ الكوفة ص 83.

(3)- محمّد عبدة- شرح نهج البلاغة. ج 1/ 97.

17

العكاظي، تعركين بالتوازن و تركبين بالزلازل، و إنّي لأعلم أنّه ما أراد بك جبّار سوءا إلّا ابتلاه اللّه بشاغل، أو رماه بقاتل).

3- و قال الخليفة عمر بن الخطاب: (أعيانى أهل الكوفة ...) إن استعملت عليهم لينا، استضعفوه، و إن وليتهم القوي، شكوه، و لوددت أنّي وجدت قويّا، أمينا، مسلما، استعملته عليهم) (1).

4- و قال صعصعة بن صوحان العبدي: (الكوفة: قبلة الاسلام و ذروة الكلام، و مصان ذوي الأرحام، إلّا أنّ بها أجلافا تمنع ذوى الأمر و الطاعة، و تخرجهم عن الجماعة، و تلك أخلاق ذوي الهيئة و القناعة) (2).

5- و قال ابن القرية يصف الكوفة أمام الحجّاج‏ (3): (الكوفة ارتفعت عن حرّ البحر، و سفلت عن برد الشام، و طاب ليلها، و كثر خيرها).

6- و قارن الحجّاج بينها و بين البصرة أمام عبد الملك بن مروان فقال (... أمّا البصرة، فعجوز شمطاء، دخراء، بخراء، أتيت من كلّ حلي و زينة، و أمّا الكوفة، فشابّة حسناء، جميلة، لا حلي لها و لا زينة). (4)

7- و قال ابن حوشب: (مدينة الكوفة، قريبة من البصرة في الكبر، هواءها أصح و ماؤها أعذب، و هي على الفرات، و بناؤها كبناء البصرة، و هي خطط لقبائل العرب، إلّا أنّها خراب بخلاف البصرة، لأنّ ضياع الكوفة قديمة جدا و ضياع البصرة أحياء موات في الاسلام) (5).

____________

(1)- خالد محمّد خالد- بين يدى عمر. ص 69.

(2)- راضى آل ياسين- صلح الحسن ص 64.

(3)- ابن العماد- شذرات الذهب. ج 1/ 345.

(4)- المسعودى- مروج الذهب. ج 3/ 151 و عبّاس كاظم مراد- المزارات المعروفة بالكوفة. ص 7.

(5)- البراقي- تاريخ الكوفة ص 114.

18

8- و الكوفة كما ذكرها الرحّالة ابن جبير (1): (هي مدينة كبيرة، عتيقة البناء، قد استولى الخراب على أكثرها، فالغامر منها أكثر من العامر، و من أسباب خرابها قبيلة خفاجة المجاورة لها، فهي لا تزال تضرّ بها، و كفاك تعاقب الليالي و الأيّام).

9- و الكوفة كما وصفها الرحّالة ابن بطوطة (2): (و الكوفة: هي احدى أمّهات المدن العراقيّة، مثوى الصحابة و التابعين و منزل العلماء و الصالحين و حضرة عليّ بن أبى طالب أمير المؤمنين، الّا أنّ الخراب قد استولى عليها، و فسادها من عرب خفاجة المجاورين لها، فإنّهم يقطعون طريقها، و لا سور عليها، و بناؤها بالآجر، و أسواقها حسان، و أكثر ما يباع فيها التمر و السمك، و جامعها الأعظم، كبير و شريف ...

الخ).

(عمال الكوفة) أو (ولاة الكوفة) أو (أمراء الكوفة) كما أسميتهم:

هذه التسميات أو هذه المصطلحات، أطلقت على الحكّام الّذين حكموا الكوفة و غيرها عبر العصور السالفة.

و لعلّ أقدم هذه التسميات هي (العامل) (3) و الّتي أخذت عن الروم،

____________

(1)- رحلة ابن جبير ص 168، و قد وصل ابن جبير إلى الكوفة في يوم الجمعة في الثامن و العشرين من شهر محرم الحرام سنة (580) للهجرة.

(2)- رحلة ابن بطوطة ص 231.

(3)- ذكر الأستاذ مجدلاوي ص 211- الإدارة الإسلامية في عهد عمر بأن لقب العامل أخذ من القرآن الكريم لقوله تعالى: (إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ وَ الْمَساكِينِ وَ الْعامِلِينَ عَلَيْها ...) الخ و أنا لا أوافقه على ذلك فإنّ لقب (العامل) معروف سابقا عند الرومان، و قبل نزول القرآن.

19

فمنذ سنة (536) (1) للميلاد أصبح رئيس أو (شيخ القبيلة) أو (عامل) يسمى) heralyhP (و هذا اللقب العادي الذى يعرف به صاحب السلطة في ولاية بلاد العرب‏ (2). و كانت سلطة (العامل) آنذاك مقيّدة بسلطة الحكّام المدنيين و الحربيين المعيّنين من قبل السلطة المركزية، و كان من عادة الروم عند تعيينهم (العامل) أن تكون عليه مسحة من التمدّن، و ذلك لغرض حراسة حدودهم من إخوانهم سكان الصحراء (3).

كما أنّ سلطة عمّال الروم كانت تتعدّى حدود ولايتهم، فنرى أنّ الامبراطور (يوستينيان) قد رقّى الحارث بن جبلة (4) الى رتبة ملك، و ولّاه سلطة على قبائل عربية أخرى، و كان غرضه من ذلك أن يكون خصما في وجه المنذر (5). و كان (العمّال الصغار) الّذين تحت أمرة (العامل الأكبر) يرجعون إليه في زمن الحرب، كما و يرجعون إليه في زمن السلم، و قد تحدث أو (تحصل) منازعات و حروب فيما بين (العمّال أنفسهم)، ففى أواسط القرن السادس للميلاد، نشبت الحرب بين الحارث بن جبلة و بين (الأسود) (6) و هما عاملين من عمال الروم في سوريا (7).

أما الأمير: فهو زعيم الجيش أو الناحيه (الجهه) و نحو ذلك ممّن يوليه‏

____________

(1)- سنة 535 للميلاد أي 44 سنة قبل الهجرة.

(2)- بلاد العرب: هي بلاد حوران و البلقاء.

(3)- المستشرق الألماني نولدكه- أمراء غسان ص 9.

(4)- الحارث بن جبلة الغساني هو أول أمراء آل جفنه، و آل جفنه استولوا على الحكم في سوريا بعد انتصارهم على (الضجاعمة) من قبائل (سليح) الّذين يرجعون إلى سلالة (زوكوموس) الّذي عاش في أواخر القرن الرابع الميلادي و كان هذا عاملا لدى الروم في سوريا. (نولدكه- أمراء غسان ص 11).

(5)- المنذر: و هو أحد ملوك المناذرة في (الحيرة) الخاضع للنفوذ الفارسي آنذاك، و قد حدثت معركة بينه و بين الحارث بن جبلة سنة (554) للميلاد، انتهت بمقتل المنذر.

(6)- الأسود: أحد أمراء كندة.

(7)- نولدكه- أمراء غسان ص 17.

20

الامام‏ (1)، و أصله في اللغة (ذو الأمر) و هو فعيل بمعنى فاعل، فيكون أمير بمعنى آمر، سميّ بذلك لامتثال قومه أمره، فيقال: أمّر فلان إذا صار أميرا، و المصدر/ الأمرة، و الإمارة بالكسر، و التأمير: (توليه الأمور و هي وظيفة قديمة) (2).

و عند ظهور الاسلام، كان النبيّ (صلّى اللّه عليه و اله و سلّم) هو رئيس الدولة، و كانت بيده جميع السلطات: (التشريعية و القضائية و التنفيذية). فكان (صلّى اللّه عليه و اله و سلّم) يؤمّ المسلمين في الصلاة، و يقود الجيوش في الغزوات، و يفصل في المنازعات.

ثمّ اتّسع التنظيم في حياة الرسول الأكرم" (صلّى اللّه عليه و اله و سلّم)" فأخذ ينيب عنه بعض (العمّال) و الأمراء في بعض المدن، و القبائل الكبيرة في كلّ من الحجاز و اليمن، و كانت وظيفة هؤلاء العمّال تنحصر في: (1) الامامة في الصلاة. (2) جمع الصدقات. (3) زكاة الأموال.

و لم تكن لهؤلاء العمّال أية صفة سياسية، كما كان (صلّى اللّه عليه و اله و سلّم) يختار من عمّاله ممن اشتهر و عرف بالصلاح و التّقوى و العلم و التفقّه بالدين‏ (3).

و كان (صلّى اللّه عليه و اله و سلّم) يحثّ أولي الأمر أن يولّوا على أعمال المسلمين، أصلح و أكفأ من يجدونه لذلك العمل، حتّى قيل عنه (صلّى اللّه عليه و اله و سلّم) إنّه قال: (من ولي أمر المسلمين شيئا، فولي رجلا، و هو يجد من هو أصلح منه، فقد خان اللّه و رسوله و المسلمين) (4).

و هذا أبو ذرّ الغفاري الصحابي الجليل، قال للنبي (صلّى اللّه عليه و اله و سلّم): (ألا تستعملني يا رسول اللّه؟). فضرب الرسول (صلّى اللّه عليه و اله و سلّم) بيده الكريمة على منكب‏

____________

(1)- القلقشندى- صبح الأعشى ج 5/ 449.

(2)- نفس المصدر أعلاه.

(3)- مجدلاوي- الادارة الاسلامية في عهد عمر. ص 149.

(4)- رواه الحاكم في صحيحه‏

21

أبي ذرّ و قال له: (يا أبا ذرّ، إنّك ضعيف و إنّها أمانة، و إنّها يوم القيامة خزي و ندامة، إلّا من أخذها بحقّها) (1).

و هذا (العبّاس) عمّ النبيّ (صلّى اللّه عليه و اله و سلّم) طلب منه أن يعيّنه (أيضا) عاملا على تلك الأعمال المفتوحة (و قد نالها من هو دونه) فقال له (صلّى اللّه عليه و اله و سلّم) برفق و حنان:

(و اللّه يا عمّ، إنّا لا نولي هذا الأمر أحدا يسأله، أو أحدا يحرص عليه) (2).

و قد طبّق الرسول الكريم (صلّى اللّه عليه و اله و سلّم) الأسلوب الاستشاري في قيادتة لشؤون الدولة، فكان (صلّى اللّه عليه و اله و سلّم) يستشير أهل الرأي و البصيرة، و من شهد لهم بالعقل و الفضل، امتثالا لأمر اللّه سبحانه و تعالى حيث قال: (وَ شاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ) (3).

و أمّا في زمن الخلفاء الراشدين، فقد سار أبو بكر على ما كان عليه الرسول (صلّى اللّه عليه و اله و سلّم) فأبقى العمّال الّذين عينهم النبيّ (صلّى اللّه عليه و اله و سلّم) و الأمراء الّذين أمرهم، و أضاف اليهم غيرهم، ثمّ قسّم الجزيرة العربية الى اثنتي عشرة ولاية و هي:

1) مكّة 2) المدينة 3) الطائف 4) صنعاء 5) حضرموت 6) خولان 7) زبيد 8) مرقع 9) الجند 10) نجران 11) جرش (في اليمن) 12) البحرين.

أمّا القادة الّذين وجّههم أبو بكر الى فتح العراق و الشام، فكان كلّ منهم يولّى على الأراضي الّتي يفتحونها (4).

و أمّا الإدارة في زمن عمر بن الخطاب، فقد اتسعت الدولة الإسلامية اتّساعا كبيرا (نتيجة للفتوحات الإسلامية) فقسم الدولة إلى أقسام إدارية كبيرة (ليسهل حكمها و الإشراف عليها)، فأنشأ الدواوين، و عيّن الولاة

____________

(1)- نجدة خماش- الإدارة في العصر الأموي. ص 292.

(2)- خالد محمّد خالد- رجال حول الرسول. ج 1/ 16.

(3)- سورة آل عمران- الآية 59.

(4)- مجدلاوي- الادارة الاسلامية في عهد عمر. ص 83.

22

و القضاة، و أوجد نظام الحسبة، و أنشأ الجيش النظامي و أوجد السجن، و غير ذلك من التنظيمات الّتي تتطلبها أيّة دولة عصريّة.

و كانت لعمر طرقه الخاصّة في اختيار (العمّال) فكان لا يعيّن أميرا إلّا بعد اختيارات واسعة، سريّة و علنيّة، و بعد أن يسأل عنه و يتأكد من كفاءته و صلاحيته، و كان يحاسب (العمّال) أو يحصي أموالهم قبل أن يعيّنهم، و عند عودتهم يحاسبهم عن الأموال الزائدة (عمّا كانت عليه سابقا)، فإن وجد فيها زيادة أخذها منهم.

و كان عمر يشترط أيضا في (الوالي) توافر الشروط الإنسانيّة، كالعطف و الرحمة، فقد عزل أحد (الولاة) لأنّه لم يرحم أولاده‏ (1). كما كان عمر: يبعث العيون و الرقباء على (العمّال) ليخبروه عن تصرفات (الولاة) و يقبل كلّ شكاية تصل إليه عن الولاة مهما كان مركزهم الاجتماعي، و تكون تلك الشكاية سببا لعزل الوالي، و كان دائما يقول و يكرّر: (من ظلمه عامله بمظلمة، فلا إذن له عليّ، إلّا أن يرفعها اليّ حتّى أقصّه منه) (2).

كما أنّه كان لا يتقبّل أيّ شي‏ء يقدّمه (الوالي) إليه و لو كان على سبيل الهديّة، فقد دخل داره ذات مرّة، فوجد فيها (سجّادة صغيرة) فسأل زوجته (عاتكة) (3) (من أين لك هذه السجّادة؟). قالت: أهداها لنا أبو موسى الأشعري. فأوعز عمر بإحضار الأشعري، وجي‏ء به في الحال، فقال له عمر: (ما يحملك على أن تهدي إلينا، خذها فلا حاجة لنا فيها) (4)، ثمّ ضرب رأس الأشعري بها.

____________

(1)- نوّاف كنعان- القيادة الإدارية. ص 72.

(2)- المصدر السابق ص 33.

(3)- عاتكة: بنت زيد بن عمرو بن نفيل.

(4)- خالد محمّد خالد- بين يدي عمر. ص 92.

23

و هذا عليّ بن أبي طالب (عليه السّلام) كتب إلى عمّاله على الخراج يقول:

(... فانصفوا الناس من أنفسكم، و اصبروا لحوائجهم، فإنّكم خزّان الرعيّة، و وكلاء الأمّة، و سفراء الأئمّة، و لا تحمسوا (1) أحدا عن حاجته، و لا تحبسوه عن طلبته، و لا تبيعنّ للناس في الخراج كسوة شتاء و لا صيف، و لا دابّة يعتملون‏ (2) عليها، و لا عبدا، و لا تضربنّ أحدا سوطا لمكان درهم، و لا تمسنّ مال أحد من الناس مصلّ و لا معاهد، إلّا أن يدع ذلك في أيدي أعداء الإسلام فيكون شوكة عليه) (3).

و هذا كتاب آخر للإمام عليّ (عليه السّلام) كتبه للأشتر النخعي، عند ما ولّاه مصر، و يعتبر من محاسن الكتب، نقتبس منه ما يلي:

(بسم اللّه الرحمن الرحيم، هذا ما أمر به عبد اللّه عليّ أمير المؤمنين (مالك بن الأشتر) في عهده إليه، حين ولّاه مصر، جباية خراجها و جهاد عدوها، و استصلاح أهلها، و عمارة أرضها ...

(... ثمّ اعلم يا مالك، أنّي وجهتك إلى بلاد، قد جرت عليها دول قبلك، من عدل و جور، و أن الناس ينظرون من أمورك في مثل ما كنت تنتظر فيه الولاة قبلك، و يقولون فيك، ما كنت تقوله فيهم، و إنّما يستدل على الصالحين بما يجزي اللّه على ألسن عباده، فليكن أحبّ الذخائر اليك، ذخيرة العمل الصالح، فاملك هواك، و شحّ بنفسك عمّا لا يحلّ لك، فإنّ الشحّ بالنفس الاتّصاف منها، فيما أحبّت أو كرهت، و اشعر قلبك بالرحمة للرعية، و المحبّة لهم، و اللّطف بهم، و لا تكوننّ عليهم سبعا ضاريا، تغتنم أكلهم، فإنّهم صنفان/ إمّا أخ لك في الدين، أو نظير لك في الخلق، يفرط منهم في الزلل،

____________

(1)- لا تحمسوا: لا تقطعوا.

(2)- يعتملون عليها: أي لا تضطروا الناس أن يبيعوا لأجل دفع الخراج.

(3)- ابن أبي الحديد- شرح نهج البلاغة. ج 17/ 19.

24

و تعرض لهم العلل، و يؤتى على أيديهم في العمد و الخطأ، فاعطهم من عفوك و صفحك، مثل الّذي تحبّ أن يعطيك اللّه من عفوه و صفحه، فإنّك فوقهم، و ولي الأمر عليك فوقك، و اللّه فوق من ولّاك، و قد استكفاك أمرهم، و ابتلاك بهم، و لا تنصبنّ نفسك لحرب اللّه، فإنّه لا يدي لك بنقمته، و لا غنى بك عن عفوه و رحمته، و لا تندمنّ على عفو، و لا تبجحنّ بعقوبة.

(... و تفقد أمر الخراج بما يصلح أهله، فإن من صلاحه و صلاحهم صلاحا لمن سواهم، و لا صلاح لمن سواهم إلّا بهم، لأن الناس كلهم عيال على الخراج و أهله، و ليكن نظرك في عمارة الأرض، أبلغ من استجلاب الخراج، لأن ذلك لا يدرك إلّا بالعمارة، و من طلب الخراج بغير عمارة، أخرب البلاد، و أهلك العباد، و لم يستقم إلّا قليلا.

(.. و إيّاك و الإعجاب بنفسك، و الثقة بما يعجبك منها، و حبّ الإطراء، فإنّ ذلك من أوثق فرص الشيطان في نفسه، ليمحق ما يكون من إحسان المحسنين.

(.. و إيّاك و المنّ على رعيتك، أو التزيد فيما يكون من فعلك، أو إن تعدهم فتتبع موعدك بخلفك، فإنّ المنّ يبطل الإحسان و التزيّد يذهب بنور الحقّ، و الخلف يوجب المقت عند اللّه و الناس، قال اللّه تعالى: (كبر مقتا عند اللّه أن تقولوا ما لا تفعلون) (1).

هكذا كان الخلفاء الراشدون (رضي اللّه عنهم) لا تأخذهم في اللّه لومة لائم، همّهم أن يكون الوالي قدوة حسنة، لأنّ الوالي يمثّل الخليفة في ولايته، فإذا كان الوالي لا يطبّق أحكام اللّه في ولايته، فحريّ به أن يتنحّى عن الولاية، و كان على الخليفة حريّ به أن يعزله.

____________

(1)- و من أراد الإطلاع على النص الكامل لهذا الكتاب مراجعة ج 17/ 30. شرح النهج لأبن أبي الحديد.

25

و كان الخلفاء الراشدون (رضي اللّه عنهم) يجلسون مع المسلمين على الأرض، و يتحدّثون معهم، فلا كراسي عالية، و لا عروش، و لا تيجان و لا طيلسان، و هذا ضرار بن ضمرة الكناني يصف عليا (عليه السّلام) في مجلس معاوية ابن أبي سفيان فيقول: (... و كان فينا كأحدنا، يجيبنا إذا سألناه، و يبتدئنا إذا أتيناه، و يأتينا إذا دعوناه) (1).

و كانت الغنائم في عهد الرسول (صلّى اللّه عليه و اله و سلّم) و في عهد خلفائه الراشدين توزّع على المقاتلين، و على أصحاب الحقوق، و على تعمير البلاد المفتوحة لا خزائن خاصّة، و لا بيوتات سوى (بيت مال المسلمين) الّذي تخزن فيه أموال الناس، لتعود عليهم مرة ثانية، لا لتذهب في جيوب الملوك و الأمراء، و الحفدة و الشعراء.

و أما الأمراء في العصر الأموي، فهم على دين ملوكهم، فهذا معاوية ابن أبي سفيان، هو أول خليفة، بل هو أول (ملك) من ملوك بني أميّة، فقد ترك السنة النبوية، و سيرة الخلفاء الراشدين (بحجج واهية طلاها على خليفة زمانه، فتشبّه بملوك إلافرنج في مأكلهم و مشربهم، و عاداتهم، و في جلوسهم على العروش، و جعل له حجّابا يمنعون الناس من الدخول عليه إلّا بإذنه، كما و أمر بسبّ الإمام عليّ (أمير المؤمنين، و خليفة المسلمين) على منابر المسلمين، و النيل منه بشتّى الأساليب و الأكاذيب، حتّى جعل ذلك فرضا في كلّ خطبة. و قد استنكر ذلك كثير بن كثير بن المطلب السهمي فقال‏ (2):

لعن اللّه من يسبّ عليا* * * و حسينا من سوقة و إمام‏

أيسبّ المطّهرون جدودا* * * و الكرام الأخوال و الأعمام‏

____________

(1)- أبو عليّ القالي- أمالي القالي. ج 2/ 147 و النمري، القرطبي- بهجة المجالس. ج 2/ 501.

(2)- باقر القرشيّ- حياة الإمام الحسن. ج 2/ 345.

26

يأمن الطير و الحمام و لا* * * يأمن آل رسول اللّه عند المقام‏

طبت بيتا و طاب أهلك أهلا* * * أهل بيت النبيّ و الإسلام‏

رحمة اللّه و السلام عليهم‏* * * كلّما قام قائم بسلام‏

و بقي السبّ و الشتم ردحا من الزمن، إلى أن قيّض اللّه له عمر بن عبد العزيز، فرفع الشتم عنه، و في ذلك قال الشاعر (1):

و ليت فلم تشتم عليا و لم تخف‏* * * بريا و لم تتبع مقالة مجرم‏

تكلمت بالحقّ المبين و إنّما* * * تبيّن آيات الهدى بالتكلم‏

فصدّقت معروف الّذي قلت بالذي‏* * * فقلت فأضحى راضيا كلّ مسلم‏

هذا ناهيك عن الجرائم الّتي ارتكبها معاوية من قتل النفوس البريئة بل النفوس المسلمة المؤمنة، فقد قتل حجر بن عدي‏ (2) الكندي و جماعته، و قد استنكر كافّة المسلمين ذلك العمل الشنيع، بما فيهم عائشة (أم المؤمنين) حيث قالت لمعاوية: (أين كان حلمك يا معاوية) أو (أين غرب حلمك عنهم) (3). كما و كان معاوية المسبّب في مقاطعة كثير من أصحاب رسول اللّه (عليه السّلام) و حرمانهم من أعطياتهم، و كان المسبّب في نفي الصحابي الجليل (أبي ذر الغفاري) إلى الربذة، و موته فيها، بعيدا، و وحيدا، و بعد أن مسّه الجوع، و الفقر المدقع.

و هكذا كان سلوك (الملوك) الّذين جاءوا بعد معاوية، بل الأمر أدهى و أمرّ، فقد جاء بعده ابنه (يزيد) فقتل الحسين ابن بنت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و اله و سلّم) و سبى عياله، و استباح المدينة (مدينة الرسول (صلّى اللّه عليه و اله و سلّم)). (4)

____________

(1)- ابن سعد- الطبقات. ج 5/ 394 و تاريخ اليعقوبي. ج 2/ 305.

(2)- حجر بن عدي: سوف نتكلم عنه، و عند ترجمة زياد بن أبيه.

(3)- تاريخ اليعقوبي. ج 2/ 231.

(4)- البسوي- المعرفة و التاريخ. ج 2/ 231.

27

و هذا الوليد بن يزيد بن عبد الملك، فتح القرآن الكريم، فقرأ الآية:

(وَ اسْتَفْتَحُوا وَ خابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ مِنْ وَرائِهِ جَهَنَّمُ وَ يُسْقى‏ مِنْ ماءٍ صَدِيدٍ) (1).

فغضب الوليد، و مزق المصحف الشريف و قال‏ (2)

أتوعد كلّ جبّار عنيد* * * فها أنا ذاك جبّار عنيد

إذا لاقيت ربك يوم حشر* * * فقل يا ربّ مزّقني الوليد

و ذاك الحجّاج بن يوسف الثقفي (أحد أمراء بني أميّة على الكوفة) فقد قتل الشيوخ و الأطفال و النساء، و قتل الكثير من العباد و الفقهاء، أمثال سعيد بن جبير، و كميل بن زياد و غيرهما، و قيل: إنّ عدد القتلى الّذين قتلهم الحجّاج قد جاوز المائة و عشرين ألفا، ما عدا الّذين قتلوا في حروبه‏ (3).

كما أنّه (أي الحجّاج) ضرب الكعبة بالمنجنيق عند محاصرة عبد اللّه ابن الزبير فقتل عبد اللّه في البيت الحرام و قتل معه الكثير من المسلمين‏ (4).

و نتيجة لانشغال ملوك بني أميّة بالترف و الملذّات، و إعطاء المبالغ الطائلة للحفدة و الشعراء، أمروا (ولاتهم) بجمع الأموال من الناس بشتى الطرق و من يتخلف عن ذلك يكون مصيره الهلاك، و إذا تخلّف (الوالي) عن جمع المال فمصيره العزل، و هذا خالد بن عبد اللّه القسري، عزل عن إمارة الكوفة لعجزه عن تسديد ما طلب منه من الأموال، ثمّ بيع‏ (5) إلى يوسف بن عمر بمبلغ خمسين ألف ألف درهم، فأخذه يوسف فقتله بعد أن عذّبه أشدّ

____________

(1)- سورة إبراهيم. الآية/ 15.

(2)- ابن أعثم الكوفي- الفتوح. ج 8/ 138 و المسعودي- المروج. ج 3/ 216 و أبو الفرج الأصبهاني- الأغاني. ج 3/ 349.

(3)- البراقي- تاريخ الكوفة. ص 230.

(4)- مقدمة ابن خلدون. ص 352.

(5)- فقال خالد القسري: (ما عهدنا العرب تباع) ابن قتيبة- الإمامة و السياسة. ج 2/ 145.

28

عذاب‏ (1).

و عند ما سمع يوسف بن عمر (أثناء توليته الكوفة) بأن الوليد قرّر عزله عن الكوفة، ذهب إلى الشام و حمل معه الأموال الطائلة، و الهدايا النفيسة، و عند ما رأى الوليد ذلك قال ليوسف: (إذهب إلى عملك) أو (ارجع إلى عملك) (2).

و أمّا الأمراء في العصر العبّاسي: فإنّ أمرهم يختلف كثيرا عمّا لاحظناه في العصرين السابقين، فقد جاءت الدولة العباسيّة، على أنقاض الدولة الأمويّة، فسفكت الدماء الكثيرة (لتوطيد الحكم) و طورد الأمويّون وراء كل حجر و مدر، و قال أمين الريحاني عن تلك الفترة: (استولى العباسيّون على الملك بمذبحة تلتها مذابح في سوريا و فلسطين و العراق، و قد اقتدى أربابها بأبي العبّاس السفّاح) (3).

و قال عبد اللّه (المحض) (4) مخاطبا (عبد اللّه بن عليّ) (5) حينما أراد هذا أن يقتل بني أميّة في الحجاز: (إذا أسرعت بالقتل في أكفائك، فمن تباهي بسلطانك، فاعفو يعفو اللّه عنك) (6).

و خطب أبو جعفر المنصور قائلا:

(أيّها الناس، إنّما أنا سلطان اللّه في أرضه، أسوسكم بتوفيقه، و حارسه على ماله، أعمل فيه بمشيئته و إرادته، و أعطيه بإذنه، فقد جعلني قفلا، إن‏

____________

(1)- ابن الجوزي- المنتظم. ج 7/ 248 و الذهبي- سير أعلام النبلاء. ج 5/ 432.

(2)- ابن أعثم الكوفي- الفتوح. ج 8/ 138 و المسعودي- مروج الذهب. ج 3/ 216 و أبو الفرج الأصبهاني- الأغاني. ج 7/ 49.

(3)- جورج جرداق- الإمام عليّ/ صوت العدالة الإنسانيّة. ص 179.

(4)- عبد اللّه المحض: هو ابن الحسن بن الحسن بن عليّ بن أبي طالب: قتله المنصور سنة 145 للهجرة.

(5)- عبد اللّه بن عليّ بن عبّاس بن عبد المطلب: عمّ الخليفة أبو جعفر المنصور.

(6)- ابن عبد ربه الأندلسي- العقد الفريد. ج 2/ 188.

29

شاء يفتحني لإعطائكم، و قسم أرزاقكم، و إن شاء أن يقفلني عليه فقفلني) (1).

لذا فقد امتلأت خزائن بغداد بالأموال و فاضت، و كانت تلك الأموال من نصيب الخلفاء و أبنائهم، و وزرائهم، و الجواري و الخصيان، و كان من نتائج ذلك الترف و النعيم أن كثر المجون، و شرب الخمور، و لعب القمار. أمّا الناس، و كلّ الناس الآخرين، بما فيهم أهل المواهب و الكفاءات، فلهم البؤس و الشقاء و الحرمان‏ (2).

و قال أبو العتاهية مخاطبا خليفة زمانه‏ (3):

من مبلغ عنّي الإمام نصائحا متواليه‏* * * إنّي أرى الأسعار، أسعار الرعيّة عاليه‏

و أرى المكاسب نزوة، و أرى الضرورة فاشيه‏* * * و أرى غموم الدهر رائحة، تمرّ و غاديه‏

و أرى اليتامى و الأرامل، في البيوت الخاليه‏* * * من بين راج لم يزل يسمو إليك، و راجيه‏

يشكون مجهدة بأصوات ضعاف عاليه‏* * * يرجون رفدك كي يروا، مما لقوه العافيه‏

من مصبيات جوع تمسي و تصبح طاويه‏* * * من للبطون الجائعات و للجسوم العاريه؟

ألقيت أخبارا إليك من الرعية، شافيه‏

هذه لمحة عابرة عن المجتمع العبّاسي الاوّل، أمّا ما تلاه من العصور

____________

(1)- جورج جرداق- الإمام عليّ/ صوت العدالة الإنسانيّة ص 181.

(2)- نفس المصدر السابق.

(3)- المصدر أعلاه ص 183.

30

اللّاحقة، فقد انغمس الخلفاء بالترف و الملذّات، و بناء القصور العالية، و شراء الجواري و الخصيان، و إقامة حفلات الغناء.

أمّا (العمّال، الولاة، الأمراء) فلم يكونوا أقلّ شأنا من الخلفاء و الوزراء في البذخ، و تكديس الثروات، فهذا عليّ بن أحمد الراضي أو (الراسبي) و الي (نيسابور و السوس) فقد كان إيراده السنوي ألف ألف دينار، و خلّف من آنية الفضة و الذهب ما قيمته مائة ألف دينار، و ما ترك من الخيل و البغال ألف رأس، و من الملابس الفاخرة أكثر من ألف ثوب، و من السلاح، و المتاع، و الدور، و القصور، لو وزعت على الشعب العبّاسي لسد حاجتهم، و ما خلّفه من الخدم و الغلمان و الخصيان لو غزا بهؤلاء مدينة لاحتلها (1).

و كان الخلفاء و الوزراء يبيعون جباية الخراج، و باقي الضرائب إلى أشخاص من مواليهم (على سبيل الالتزام) و كان هؤلاء يتعسفون بالناس، و يأخذون منهم، أضعاف أضعاف ما دفعوا.

و أما العلماء و المفكّرون، فقد كانوا في عوز وفاقة، فلم يمدوا أيديهم إلى خليفة، أو وزير، أو أمير، حتّى اضطرّ أحدهم إلى بيع كتبه، ليشتري بثمنها خبزا لعياله، و في ذلك قال‏ (2):

أنست بها عشرين حولا و بعتها* * * فقد طال وجدي بعدها و حنيني‏

و ما كان ظنّي أنّني سأبيعها* * * و لو خلدتني في السجون ديوني‏

و لكن لجوع، و افتقار و صبية* * * صغار عليهم تستهلّ جفوني‏

ثمّ تدهور الحال بالخلفاء، و أصبحوا ألعوبة بيد أمراء الجيش و قادته، يعزلون من يشاءون، و ينصبون من يشاءون و متى يشاءون، بل أدّت الحال‏

____________

(1)- جورج جرداق- الإمام عليّ/ صوت العدالة الإنسانيّة، ص 191.

(2)- المصدر السابق ص 193.

31

إلى سمل عيون الخلفاء مثل (المستكفي باللّه) و الى قتل البعض الآخر منهم (كالمقتدر) و (المتوكل) و غيرهما، و عمّت الفوضى في كافّة أنحاء البلاد، و أصبح الاهتمام بجمع الضرائب كبيرا، فكانت المساومة قائمة على قدم و ساق لمن يريد أن يكون (أميرا) فما عليه إلّا أن يدفع كثيرا، و بغضّ النظر عن كفاءته و إخلاصه، و الطرق الّتي يتّبعها البعض في جباية الأموال، و مدى تعسفه و ظلمه لأهل الولاية (1).

ثمّ ازداد نفوذ الأتراك في سياسة البلاد، إضافة إلى تدخّل النساء و أفراد الحاشية في الحكم، فقد عزل (المقتدر باللّه) عدة مرات، ثمّ قتل أخيرا (كما ذكرنا آنفا)، كما أصبح عزل و تعيين الوزراء و الأمراء خلال أيّام معدودة من الأمور المألوفة، فقد عيّن سبعة أمراء على (ماه الكوفة) (2) خلال عشرين يوما (3).

و عند ما نشط القرامطة في الكوفة، أصبح القادة العسكريّون هم الّذين يتولّون منصب ولاية الكوفة، فقد تولّاها أبو الهيجاء عبد اللّه بن حمدان سنة (309) (4) للهجرة إضافة إلى ولاية (طريق الحجّ) و هو قائد عسكري.

ثمّ وليها بعده (ياقوت) و (جعفر بن ورقاء) و غيرهما.

و في سنة (328) للهجرة استحدثت ولاية جديدة هي (ولاية طريق الكوفة- مكّة) و قد عيّن عليها أبو بكر البرجمالي، و ذلك بعد عزل الحسن ابن هارون، ثمّ تولّاها (بجكم) بعد عزل (لؤلؤ) (5).

____________

(1)- حسام الدين السامرائي- المؤسسات الإدارية. ص 116.

(2)- ماه الكوفة: الدينور.

(3)- أمينة البيطار- تجارب الأمم لمسكويه. ص 105 و معن صالح مهدي- الكوفة في العصر العبّاسي.

ص 49.

(4)- حمدان عبد المجيد الكبيسي- عهد الخليفة المقتدر باللّه. ص 520.

(5)- معن صالح مهدي- الكوفة في العصر العبّاسي. ص 49.

32

و في منتصف القرن الخامس الهجري، و عند دخول السلاجقة إلى بغداد سنة (447) (1) للهجرة انتهى منصب (الوالي) في الكوفة، و استحدثت وظيفة (المقطع) (2) ثمّ وظيفة (الصدر) (3) ثمّ وظيفة (الناظر) (4).

و أخيرا انتهت الدولة العباسيّة في أيّام آخر خليفة عبّاسي هو:

(المستعصم باللّه) و ذلك بدخول هولاكو إلى بغداد سنة (656) للهجرة (5).

____________

(1)- معن صالح مهدي- الكوفة في العصر العبّاسي ص 51.

(2)- المقطع: و هو نظام إداري عسكري.

(3)- الصدر: و هو المشرف على إدارة الوحدات العسكرية في الوحدة و حمايتها.

(4)- الناظر: و هو موظف مهمته النظر في الشؤون المالية.

(5)- ابن الجوزي- المنتظم. ج 13/ 336 و أمينة البيطار- تجارب الأمم لمسكويه ص 68.

33

[الجزء الاول‏] أمراء الكوفة في عصر الخلافة الراشدة

1- سعد بن أبي وقّاص‏

هو سعد بن مالك بن أهيب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب بن مرّة ابن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر. (1)

أسلم سعد، و هو ثالث في الإسلام، و قد آخا الرسول (صلّى اللّه عليه و اله و سلّم) بينه و بين مصعب بن عمير، و قيل بينه و بين سعد بن معاذ (2). و شهد سعد، بدرا، و أحدا، و الخندق، و الحديبيّة، و خيبر، و فتح مكّة، و شهد المشاهد كلّها مع النبيّ (صلّى اللّه عليه و اله و سلّم)(3).

و قد أرسله الخليفة عمر بن الخطاب لفتح العراق، فتمّ على يديه تحرير العراق من السيطرة الفارسيّة في معركتي القادسيّة و المدائن، ثمّ استقرّ

____________

(1)- البسوي (الفسوي)- المعرفة و التاريخ. ج 1/ 273 و ابن سعد- الطبقات. ج 3/ 101. و تاريخ الطبري- المنتخب من ذيل المذيل ص 556 و محمّد الخضري بك- محاضرات الأمم الإسلامية. ج 1/ 217.

(2)- ابن سعد- الطبقات. ج 3/ 103.

(3)- المصدر السابق. ج 3/ 105.

34

سعد في المدائن.

و لمّا علم عمر بسوء حالة الجيوش الإسلاميّة في المدائن، و تغيّر ألوانهم (و ذلك لوخومة المناخ فيها) كتب إلى سعد قائلا: (إنّ العرب لا يوافقها إلّا ما وافق أبلها من البلدان، فانزل منزلا بريّا، بحريّا، ليس بيني و بينكم بحر و لا جسر) (1).

فاختار سعد (الكوفة) بعد أن دلّه عليها ابن نفيلة العسّاني أو (الغسّاني) حيث قال له: (أدّلك على أرض ارتفعت عن البرّ، و انحدرت عن الفلاة) (2). فارتحل سعد من المدائن، و عسكر في الكوفة في شهر محرم من سنة (17) للهجرة (3)، و قيل سنة (15) للهجرة (4)، و تمّ تخطيطها و تخطيط مسجدها، و تخطيط قصر الإمارة، و قد خطّط سعد منازل الكوفة للقبائل المختلفة إلى الأقسام التالية، و اعتبر الجامع (مسجد الكوفة) مركزا لها و هي‏ (5):

أولا: شمال الجامع: للقبائل: سليم و ثقيف و همدان و بجيلة و تيم اللات و تغلب.

ثانيا: جنوب الجامع: للقبائل: بني أسد، النخع، كندة، الأزد.

ثالثا: شرق الجامع: لقبائل الأنصار و مزينة و تميم و محارب و أسد و عامر.

رابعا: غرب الجامع: لقبائل بجالة، جديلة، اللفيف، جهينة.

____________

(1)- تاريخ ابن خياط. ج 1/ 129.

(2)- المسعودي- مروج الذهب. ج 2/ 320.

(3)- ابن سعد- الطبقات. ج 3/ 103 و ابن كثير- البداية و النهاية. ج 4/ 76.

(4)- ابن الأثير- الكامل. ج 2/ 490 و ابن كثير- البداية و النهاية. ج 4/ 53 و الذهبي- تاريخ الإسلام.

ج 3/ 154.

(5)- تاريخ اليعقوبي. ج 2/ 129 و لويس ماسينيون- خطط الكوفة. ص 63.

35

ثمّ كتب سعد إلى عمر: (إنّي قد نزلت بكوفة، منزلا بين الحيرة و الفرات، بريّا، بحريّا، ينبت الحلي و النصي ... (1) الخ).

و بقي سعد بن أبي وقّاص أميرا على الكوفة إلى سنة (21) للهجرة، حيث شكاه أهل الكوفة و قالوا: (بأنّ سعد لا يحسن الصلاة) (2). فبعث الخليفة عمر إلى الكوفة محمّد بن مسلمة الأنصاري، فأخذ هذا يسأل الناس عن سعد، فمنهم من مدحه، و منهم من ذمّه، فعزله عمر، و عيّن مكانه (عمّار بن ياسر) و عيّن عبد اللّه بن مسعود على بيت المال، و قيل عزل سعد سنة (20) للهجرة (3).

ثمّ أعيد تعيين سعد بن أبي وقّاص أميرا على الكوفة مرّة ثانية سنة (24) للهجرة من قبل الخليفة عثمان بن عفّان بعد عزل أميرها المغيرة بن شعبة و كان ذلك بناء على وصيّة الخليفة عمر فإنّه قال (أوصي الخليفة بعدي أن يستعمل سعدا، فإنّي لم أعزله عن سوء، و لا عن خيانة) (4).

كما أنّ عمر حينما اختار ستّة رجال من أصحاب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و اله و سلّم) ليكون إليهم اختيار الخليفة الجديد من بعده كان سعد أحدهم، و قال عمر لأصحابه، و هو يوصيهم، و يودّعهم: (إن وليها سعد فذاك، و إن وليها غيره فليستعن بسعد) (5).

____________

(1)- النصي: نبات لونه أبيض جيد للمرعى.

(2)- تاريخ ابن خياط. ج 1/ 149 و ابن حبان. ج 2/ 220 و تاريخ بغداد- الخطيب. ج 1/ 145 و تاريخ اليعقوبي. ج 2/ 133 و البلاذري- فتوح البلدان ص 273.

(3)- ابن حبان- الثقات. ج 2/ 220 و ابن الأثير- الكامل. ج 2/ 569.

(4)- تاريخ ابن خياط. ج 1/ 154 و تاريخ الطبري. ج 4/ 244 و ابن الأثير- الكامل. ج 3/ 79 و خالد محمّد خالد- و داعا عثمان- 132.

(5)- خالد محمّد خالد- رجال حول الرسول. ج 1/ 153.

36

و في سنة (26) للهجرة (1)، حصل خلاف بين سعد و بين عبد اللّه بن مسعود في قرض كان سعد قد اقترضه من بيت المال، و لم يتمكّن من تسديده، فغضب عليه الخليفة عثمان بن عفّان فعزله عن الكوفة و عيّن مكانه الوليد بن عقبة بن أبي معيط، و قيل عزله سنة (25) للهجرة (2)، و ولّى جبير ابن مطعم.

و عند ما دخل الوليد بن عقبة على سعد، سأله سعد قائلا:

(يا أبا وهب .. أمير، أمّ زائر؟!)، فقال الوليد: أرسلوني أميرا.

فقال سعد بدهشة و استغراب (ما أدري، أحمقت بعدك، أمّ كيّست بعدي؟!). (3)

و يحكى أنّ حرقة (4) بنت النعمان بن المنذر، كانت إذا ذهبت إلى بيعتها (5) يفرش لها الطريق بالحرير و الديباج، حتّى تعود إلى قصرها، و لمّا هلك النعمان نكبها الزمان، و أصبحت راهبة، و عند ما كان سعد في القادسيّة (6)، ذهبت إليه تطلب مساعدته مع جماعتها، فلمّا دخلن عليه لم يعرفهن سعد، فقال: أفيكن حرقة؟ فأجابته حرقة: نعم يا أمير. فقال لها سعد باستغراب: أنت حرقة؟!

قالت: نعم. ثمّ أردفت تقول" (إنّ الدنيا دار زوال، و لا تدوم على حال،

____________

(1)- تاريخ الطبري. ج 4/ 251 و ابن حبان- الثقات. ج 2/ 245 و خالد محمّد خالد- وداعا عثمان ص 132.

(2)- تاريخ ابن خياط. ج 1/ 541 و ابن الأثير- الكامل. ج 3/ 82.

(3)- ابن الأثير- الكامل. ج 3/ 82.

(4)- حرقة: بنت النعمان بن المنذر (ملك الحيرة) و اسمها هند، و لقبت بحرقه، و أخوها حريق بن النعمان. قال الشاعر:

نقسم باللّه نسلم الحلقة* * * و لا حريقا و أخته الحرقة.

الأصبهاني أبو الفرج- الأغاني. ج 24/ 63. و قيل كانت شاعرة.

(5)- البيعة: الكنيسة.

(6)- القادسيّة: مدينة قرب النجف. و فيها كانت معركة القادسيّة.

37

تنتقل بأهلها انتقالا، و تعقبهم بعد حال حالا، كنا ملوك هذا المصر، يجبى إلينا خراجه، و يطيعنا أهله، مدى المدّة و زمان الدولة، فلمّا أدبر الأمر و انقضى، صاح بنا صائح الدهر، فصدع عصانا، و شتّت شملنا، و كذلك الدهر يا سعد، إنّه ليس يأتي قوما بمسرّة، إلّا و يعقبهم بحسرة، ثمّ أنشأت تقول‏ (1):

فينا نسوس الناس و الأمر أمرنا* * * إذا نحن فيهم سوقة ليس نعرف‏

فأوف لدنيا لا يدوم نعيمها* * * تقلب ثارات بنا و تصرف‏

فقال سعد: قاتل اللّه عدي بن زيد كان ينظر إليها حيث يقول:

إنّ للدهر صولة فاحذرنها* * * لا تبيتن قد أمنت الدهورا

قد يبيت الفتى معافى نعيمها* * * و لقد كان آمنا مسرورا

و بينما هي واقفة أمام سعد، إذ دخل عمرو بن معد بن يكرب الزبيدي و كان كثير الزيارة لأبيها في الجاهلية، فلمّا رآها، قال لها بدهشة: أنت حرقة؟ قالت: نعم.

فقال لها عمرو: (فما دهمك فأذهبت محمودات شيمك؟ و أين تتابع نعمتك و سطوات نقمتك؟).

فقالت حرقة: (يا عمرو، إنّ للدهر لسطوات و عثرات، و عبرات تعثر بالملوك و أبنائهم، فتنزلهم بعد رفعة، و تفردهم بعد منعه، و تذلّهم بعد عزّة، إنّ هذا لأمر كنّا ننتظره، فلمّا حلّ بنا لم ننكره) (2). فأكرمها سعد، و أحسن عطائها، و لمّا خرجت سألتها النسوة: ماذا أعطاك الأمير؟ فقالت‏ (3):

حاط لي ذمتي، و أكرم وجهي‏* * * إنّما يكرم الكريم الكريم‏

و سمع الخليفة عمر بأنّ سعدا قد بنى دارا له بالكوفة، يسمّيها الناس‏

____________

(1)- المسعودي- مروج الذهب. ج 2/ 79 و عبد القادر البغدادي- خزانة الأدب. ج 7/ 68.

(2)- المصدر الاوّل السابق. ج 2/ 80.

(3)- عبد القادر البغدادي- خزانة الأدب. ج 7/ 68 و الترمانيني- أحداث التاريخ الإسلامي. ج 1/ 549.

38

(قصر سعد) فطلب عمر من محمّد بن مسلمة أن يذهب إلى الكوفة و يحرق باب قصر سعد، فذهب ابن مسلمة إلى الكوفة، و حرق باب القصر، و لمّا علم سعد بذلك طلب إحضار الشخص الّذي حرق الباب، فجاء ابن مسلمة و أعطاه كتابا من عمر جاء فيه: (بلغني أنّك بنيت قصرا، اتخذته حصنا، و يسمّى قصر سعد، و جعلت بينك و بين الناس بابا، فليس بقصرك، و لكنّه قصر الخبال، أنزل منه منزلا مما يلي بيوت الأموال و أغلقه، و لا تجعل على القصر بابا تمنع الناس من دخوله، و تنفيهم عن حقوقهم، ليوافقوا مجلسك و مخرجك من دارك إذا خرجت) (1).

و قيل إنّ سعد بن أبي وقّاص لم يشارك في معركة القادسيّة، لأنّه كان مريضا، و لكنه جلس يراقب المعركة عن كثب.

و كان خليفة بن عبد قيس بن بوّ قد شارك في حرب القادسيّة فقال‏ (2):

أنا ابن بوّ أذكره الموت أبو إسحاق‏ (3)* * * و معي مخراقي أضرب كلّ قدم و ساق‏

و قيل إنّ سعد بن أبي وقّاص، قد دعا على أهل الكوفة، فقال: (اللّهم لا ترضهم بأمير، و لا ترضى أميرا بهم) (4).

و عند ما بويع الإمام عليّ (عليه السّلام) بالخلافة، بعد مقتل الخليفة عثمان بن عفّان، أرسل إلى سعد بن أبي وقّاص و إلى عبد اللّه بن عمر بن الخطاب و إلى محمّد بن سلمة، و قال لهم: (لقد بلغني عنكم هنات) فقال له سعد: (صدقوا، لا أبايعك، و لا أخرج معك حيث تخرج، حتّى تعطيني سيفا يعرف المؤمن‏

____________

(1)- البراقي- تاريخ الكوفة. ص 114.

(2)- البلاذري- أنساب الأشراف. ج 1/ 148.

(3)- أبو إسحاق: كنية سعد بن أبي وقّاص.

(4)- الزمخشري- ربيع الأبرار. ج 2/ 270.

39

من الكافر) (1).

مات سعد بن أبي وقّاص في قصره بالعقيق سنة (55) للهجرة (2)، و كان عمره (83) سنة، فحمل إلى المدينة، و صلّى عليه مروان بن الحكم‏ (3)، ثمّ دفن بالبقيع و قد ترك من الذهب و الفضة الشي‏ء الكثير. و كان سعد أوّل أمير على الكوفة (4)، في عصر الخلفاء الراشدين.

2- محمّد بن مسلمة الحارثي‏

هو محمّد بن مسلمة بن حريش بن خالد بن عدي بن مجدعة بن حارثة بن الحارث بن الخزرج بن عمرو بن مالك بن أوس الحارثي الأنصاري‏ (5)، و كنيته: أبو عبد اللّه و قيل أبو عبد الرحمن.

استخلفه سعد بن أبي وقّاص أميرا على الكوفة سنة (17) للهجرة (6).

و كان النبيّ (صلّى اللّه عليه و اله و سلّم) قد أرسله إلى (القرطاء) (7) لمحاربتهم، و لمّا وصل اليهم، قتل منهم رجلا واحدا، فانهزم الباقون على أثره، ثمّ رجع إلى المدينة بعد أن غنم في غارته تلك (150) بعيرا و (3000) شاة (8).

و في سنة (6) للهجرة، أرسله النبيّ (صلّى اللّه عليه و اله و سلّم) إلى ذي القصّة (9)، و عددهم مائة رجل فتراشقوا بالرماح، فسقط محمّد بن مسلمة جريحا و رجع إلى‏

____________

(1)- ابن حبان- الثقات. ج 2/ 270.

(2)- ابن سعد- الطبقات. ج 3/ 149 و تاريخ اليعقوبي. ج 2/ 212.

(3)- كان مروان بن الحكم أمير المدينة آنذاك من قبل معاوية بن أبي سفيان.

(4)- أبو هلال العسكري- الأوائل. ص 281.

(5)- ابن حبان- الثقات. ج 3/ 362.

(6)- زامباور- الأنساب و الأسرات الحاكمة في التاريخ الإسلامي. ص 67.

(7)- القرطاء: و هم بطن بن كلاب.

(8)- ابن سعد- الطبقات. ج 2/ 60.

(9)- ذي القصّة: و هم بني ثعلبة، و بني عوال من ثعلبة، و هم جميعا معروفون بذي القصة.

40

المدينة (1). و عند ما قتل كعب بن الأشرف، و قد اشترك في قتله: محمّد بن مسلمة و أبو عيسى بن جبر، و عبّاد بن بشر، و لمّا رآهم الرسول (صلّى اللّه عليه و اله و سلّم) قال:

(أفلحت الوجوه) (2).

و عند ما بويع الإمام عليّ بن أبي طالب (عليه السّلام) بالخلافة في المدينة كتب إلى ابن مسلمة يدعوه لمبايعته، فكتب إليه ابن مسلمة قائلا: (إنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و اله و سلّم) أمرني إذا اختلف أصحابه، ألّا أدخل فيما بينهم، و أن أضرب بسيفي صخر أحد، فإذا انقطع أقعد في بيتي حتّى يأتيني يد خاطئة، أو منيّة قاضيّة، و قد فعلت ذلك) (3). ثمّ قعد محمّد بن مسلمة في بيته، و اعتزل الفتنة (4). كما و كتب معاوية (5) بن أبي سفيان إلى ابن مسلمة، يدعوه إلى مناصرته في مطالبته بدم عثمان بن عفّان، فكتب إليه ابن مسلمة قائلا:

(... و لعمري يا معاوية، ما طلبت إلّا الدنيا، و لا اتبعت إلّا الهوى، فإن تنصر عثمان ميتا، فقد خذلته حيا، و ما أخرجني اللّه من نعمة، و لا صرت إلى شك، فإن أبصرت خلاف ما نحن عليه و نحن أنصار النبيّ (صلّى اللّه عليه و اله و سلّم)(6).

و كان الّذي كتب كتاب معاوية إلى مسلمة هو مروان بن الحكم.

ثمّ ختم محمّد بن مسلمة كتابه بأبيات شعر لشاعر من الأنصار نقتطف منها (7):

أمروان، دع هذا و في الأمر جمجمه‏* * * و لا تطلبنّ منا جواب ابن مسلمه‏

____________

(1)- ابن سعد- الطبقات. ج 2/ 60.

(2)- البخاري- التاريخ الكبير. ج 1/ 11.

(3)- ابن حبان- الثقات. ج 2/ 270.

(4)- ابن العماد- شذرات الذهب. ج 1/ 53.

(5)- الّذي كتب الكتاب هو مروان بن الحكم.

(6)- ابن أعثم الكوفي- الفتوح. ج 2/ 424.

(7)- ابن أعثم الكوفي- الفتوح. ج 2/ 424.

41

فإنّك أهيجته هجت حيّة لهم‏* * * يبادرها الراقون بالحتف مغرمه‏

فهذا لأحداث الحوادث عدّه‏* * * و نفس يراها اللّه للحقّ مسلمه‏

و إنّ حدثا فيه اختلاف و شبهة* * * فكانت دماء المسلمين محرّمه‏

فامسك منه فيه نفسه و لسانه‏* * * حذار أمور تذهب الدين مظلمه‏

مات محمّد بن مسلمة في شهر صفر من سنة (43) للهجرة (1)، و قيل سنة (42) في خلافة معاوية بن أبي سفيان، و عمره (77) سنة، و صلّى عليه مروان بن الحكم و دفن بالبقيع في المدينة.

3- عبد اللّه بن مسعود

هو عبد اللّه بن مسعود بن غافل بن حبيب بن شمخ بن فار بن مخزوم ابن صاحلة بن كاهل بن الحارث بن تميم، و كنيته: أبو عبد الرحمن. و هو حليف بني زهرة و ابن أختهم‏ (2).

نشأ ابن مسعود في مكّة فقيرا، يرعى الغنم لعقبة بن أبي معيط، و كان من الأوائل الّذين دخلوا الإسلام، إذ كان سادس ستة من الّذين أسلموا و اتبعوا الرسول (صلّى اللّه عليه و اله و سلّم)(3)، و كان مع النبيّ (صلّى اللّه عليه و اله و سلّم) أينما حلّ و ارتحل، و خاض المعارك مع النبيّ (صلّى اللّه عليه و اله و سلّم)، و مع خلفائه الراشدين من بعده، و حفظ القرآن، و كان من فقهاء الصحابة و رواة الحديث، فعن عامر الشعبي قال أبو موسى الأشعري: (لا تسألوني عن شي‏ء ما دام هذا الحبر فيكم) (4)، يعني عبد اللّه‏

____________

(1)- ابن حبان- الثقات. ج 3/ 363 و ابن العماد- شذرات الذهب. ج 1/ 53 و الأعلام حسب الأعوام- الزركلي. ج 1/ 129 و ابن الجوزي- تلقيح فهوم الأثر. ص 93.

(2)- ابن منظور- مختصر تاريخ دمشق. ج 10/ 165.

(3)- تاريخ اليعقوبي. ج 1/ 147 و الحافظ جمال الدين أبو الفرج- تلقيح فهوم الأثر. ص 90.

(4)- ابن الجوزي- صفة الصفوة. ج 1/ 211.

42

ابن مسعود و هو من المهاجرين الأولين، فقد هاجر الهجرتين‏ (1).

استخلفه سعد بن أبي وقّاص (أميرا) على الكوفة سنة (19) للهجرة (2)، و ذلك عند ما ذهب إلى جلولاء لسماعه بأنّ الفرس قد اجتمعوا فيها.

و في سنة (21) للهجرة استخلفه (أيضا) عمّار بن ياسر، و ذلك عند ذهاب (عمّار) إلى (تستر) (3) لمحاربة الفرس، و كان ذلك بأمر من الخليفة عمر (4).

و عند ما جاء عمّار بن ياسر أميرا على الكوفة، كان معه عبد اللّه بن مسعود على بيت مال الكوفة، و قد كتب عمر إلى أهل الكوفة يقول: (إنّي و اللّه الّذي لا إله إلّا هو، قد آثرتكم به على نفسي، فخذوا منه و تعلّموا) (5).

و قال عمر أيضا: (إنّي بعثت إليكم عمّار بن ياسر أميرا، و ابن مسعود معلما و وزيرا، و إنّهما لمن النجباء، و من أصحاب محمّد، و من أهل بدر) (6).

و نظر إليه عمر ذات يوم فقال: (وعاء ملئ علما). و قيل قال: (ملئ فقها). (7)

و قد أحبّه أهل الكوفة، حبّا كبيرا، و أجمعوا على حبّه، و إجماع أهل الكوفة على حبّ شخص يشبه المعجزات، ذلك أنّ أهل الكوفة، أهل تمرّد

____________

(1)- ابن منظور- مختصر تاريخ دمشق. ج 10/ 165 و ماسنيون- خطط الكوفة. ص 81.

(2)- تاريخ اليعقوبي. ج 2/ 151.

(3)- تستر: و هي من أكبر مدن خراسان، فتحها المسلمون سنة (21) للهجرة و استسلم فيها الهرمزان.

(4)- الدينوري- الأخبار الطوال. ص 130.

(5)- خالد محمّد خالد- رجال حول الرسول. ج 2/ 53.

(6)- ابن سعد- الطبقات. ج 6/ 13 و خالد محمّد خالد- رجال حول الرسول. ج 2/ 94.

(7)- لويس ماسينون- خطط الكوفة. ص 81 و خالد محمّد خالد- رجال حول الرسول. ج 2/ 47.

43

و ثورة، لا يصبرون على طعام واحد، و لا يطيقون الهدوء و السلام‏ (1).

و عند ما أراد عثمان بن عفّان عزله عن الكوفة، قال له أهل الكوفة:

أقم معنا و لا تخرج، و نحن سوف نحميك من أيّ مكروه يصل إليك‏ (2).

و عند ما كان عبد اللّه بن مسعود على بيت مال الكوفة (و كان أمير الكوفة آنذاك الوليد بن عقبة بن أبي معيط) خرج إلى المسجد و قال: (يا أهل الكوفة، فقدت من بيت مالكم مائة ألف، لم يأتيني بها كتاب من أمير المؤمنين، و لم يكتب لي بها براءة) (3). فكتب الوليد بن عقبة إلى عثمان بن عفّان يخبره بذلك، فأمر عثمان بعزل عبد اللّه بن مسعود (4).

و لمّا رجع عبد اللّه بن مسعود إلى المدينة، حصل خلاف بينه و بين عثمان بن عفّان، فقطع عنه عثمان راتبه و معاشه من بيت المال، و مع ذلك لم يقل في عثمان كلمة سوء واحدة (5).

و كان عبد اللّه بن مسعود، قد حفظ القرآن، و حسن قراءته، حتّى قال الرسول (صلّى اللّه عليه و اله و سلّم) عنه: (من سرّه أن يقرأ القرآن غضا كما أنزل فليقرأ على قراءة ابن أمّ عبد) (6). و دعاه الرسول (صلّى اللّه عليه و اله و سلّم) يوما و قال له: (إقرأ عليّ يا عبد اللّه)، فقال عبد اللّه: (أقرأ عليك، و عليك أنزل يا رسول اللّه؟!) (7).

فأخذ ابن مسعود يقرأ من سورة النساء حتّى وصل إلى قوله تعالى:

(فكيف إذا جئنا من كلّ أمّة بشهيد و جئنا بك على هؤلاء شهيدا. يومئذ

____________

(1)- خالد محمّد خالد- رجال حول الرسول. ج 2/ 53.

(2)- المصدر السابق. ج 2/ 54.

(3)- ابن عبد ربه- العقد الفريد. ج 4/ 306.

(4)- نفس المصدر أعلاه.

(5)- خالد محمّد خالد- رجال حول الرسول. ج 2/ 54.

(6)- المصدر السابق ج 2/ 46.

(7)- نفس المصدر أعلاه.

44

يودّ الّذين كفروا و عصوا الرسول لو نسوي بهم الأرض و لا يكتمون اللّه حديثا). فبكى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و اله و سلّم)، و فاضت عيناه بالدموع، و أشار بيده الكريمة إلى ابن مسعود: (أن حسبك .. حسبك يا ابن مسعود) (1).

و اجتمع نفر من الصحابة عند الإمام عليّ بن أبي طالب (عليه السّلام) فقالوا له:

(يا أمير المؤمنين ما رأينا رجلا كان أحسن خلقا و لا أرفق تعليما، و لا أحسن مجالسة و لا أشدّ ورعا من عبد اللّه بن مسعود ...).

فقال لهم: (نشدتكم باللّه، أهو صدق من قلوبكم؟ قالوا: نعم.

فقال (عليه السّلام): (اللّهم إنّي أشهدكم، .. اللّهم إنّي أقول فيه مثل ما قالوا، أو أفضل، لقد قرأ القرآن فأحلّ حلاله، و حرّم حرامه، فقيه في الدين عالم بالسنّة) (2).

و عبد اللّه بن مسعود، هو و عبد اللّه بن عبّاس من أوائل المحدثين عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و اله و سلّم)، حيث كان ابن مسعود (بعد وفاة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و اله و سلّم) يجلس في مسجد الرسول و يتحدث إلى الناس.

و تمرّ السنون، و إذا بعبد اللّه بن مسعود، يمنع من التحدّث عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و اله و سلّم)، و قال أبو عمرو الشيباني (مسروق): (كنت أجلس إلى ابن مسعود حولا، لا يقول: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و اله و سلّم): هكذا، أو نحو ذا، أو شبه ذا) (3).

و عند ما ذهب عبد اللّه بن مسعود مع جماعته من أهل العراق إلى مكّة لأداء العمرة، و إذا بجنازة مطروحة على الطريق و بجانبها غلام، فناداهم الغلام هذا أبو ذر الغفاري‏ (4) صاحب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و اله و سلّم) فأعينونا على دفنه،

____________

(1)- خالد محمّد خالد- رجال حول الرسول ج 2/ 46.

(2)- المصدر السابق. ج 2/ 49.

(3)- محمّد حسنين هيكل- الفاروق عمر. ج 2/ 288.

(4)- أبو ذر: و اسمه جندب بن جنادة، صحابي، جليل القدر، و من المسلمين الأوائل، دخل المسجد الحرام و نادى بأعلى صوته: أشهد أن لا إله إلّا اللّه، و أشهد أن محمّدا رسول اللّه، فأحاط به المشركون عند سماعهم-

45

فأخذ عبد اللّه بن مسعود يبكي، و يقول (صدق رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و اله و سلّم) حيث قال:

(تمشي وحدك و تموت وحدك، و تبعث وحدك) (1)، ثمّ نزل هو و أصحابه فدفنوه.

و من أقوال عبد اللّه بن مسعود و أحاديثه المشهورة (المأثورة):

1-" ينبغي لحامل القرآن، أن يعرف بليله إذا الناس نائمون، و بنهاره إذا الناس فرحون، و ببكائه إذا الناس يضحكون، و بصحته إذا الناس يخلطون، و بخشوعه إذا الناس يختالون، و ينبغي لحامل القرآن أن يكون جافيا، و لا غافلا، و لا صخّابا و لا صيّاحا و لا حدبدا" (2).

2-" إنّكم في ممرّ اللّيل و النهار، في آجال منقوصة، و أعمال محفوظة، و الموت يأتي بغتة، من زرع خيرا يوشك أن يحصد رغبته، و لا يسبق بطي‏ء بخطه، و لا يدرك حريص ما لم يقدّر له، فمن أعطي خيرا، فاللّه تعالى أعطاه، و من وقي شرّا، فاللّه تعالى وقاه، المتّقون سادة، و الفقهاء قادة، و مجالستهم زيادة" (3).

3-" حدّث الناس ما حدجوك بأبصارهم، و أذنوا لك بأسماعهم، و لحضوك بأبصارهم، و إذا رأيت منهم جفوة فامسك" (4).

____________

- صوته، و لو لا العبّاس بن عبد المطلب (عمّ النبيّ (صلّى اللّه عليه و اله و سلّم)) لكان ابن جناده في عداد الموتى. و قد قال فيه النبيّ (صلّى اللّه عليه و اله و سلّم): (ما أقلت الغبراء، و ما أظلت الخضراء أصدق لهجة من أبي ذر). نفاه الخليفة عثمان بن عفّان إلى (الربذه) و لم يكن معه سوى امرأته و غلامه." طبقات ابن سعد" ج 4/ 234. و قيل ابنته و زوجته فقط" تاريخ اليعقوبي" ج 2/ 249، فمات فيها.

(1)- تاريخ الطبري. ج 3/ 107.

(2)- عدنان سعد الدين- الصفوة من صفة الصفوة. ص 135.

(3)- الحميدي- مواقف و عبر. ج 19/ 277.

(4)- الجاحظ- البيان و التبيين. ج 1/ 104.

46

4-" ليسعك بيتك، و اكفف لسانك، و ابك على خطيئتك" (1).

5-" مثل الإسلام و السلطان و الناس، مثل الفسطاط، و العمود، و الأطناب و الأوتاد، فالفسطاط: الإسلام، و العمود: السلطان، و الأطناب و الأوتاد: الناس، و لا يصلح بعضها إلّا ببعض" (2).

و في هذا المعنى قال الأفوه الأودي‏ (3):

لا يصلح الناس فوضى لاسراة لهم‏* * * و لا سراة إذا جهّالهم سادوا

و البيت لا يبتني إلّا له عمد* * * و لا عماد إذا لم ترس أوتاد

فإن تجتمع أوتاد و أعمدة* * * يوما فقد بلغوا الأمر الّذي كادوا

6-" إنّ الرجل ليدخل على السلطان، و دينه معه، فيخرج و ما معه دينه. فقيل له: و كيف ذاك؟ يا أبا عبد الرحمن؟ قال: يرضيه بما يسخط اللّه منه" (4).

7-" ليس من الناس أحد، إلّا و هو ضيف على الدنيا، و ماله عارية، فالضيف مرتحل، و العارية مردودة" (5).

8-" إنّ الرجل لا يولد عالما، و إنّما العلم بالتعلّم" (6).

و من هذا القول، قال الشاعر:

تعلم فليس المرء يخلق عالما* * * و ليس أخو علم كمن هو جاهل‏

و قال آخر:

العلم يحيي قلوب الميتين كما* * * تحيا البلاد إذا ما مسّها المطر

____________

(1)- عدنان سعد الدين- الصفوة من صفة الصفوة. ص 136.

(2)- ابن عبد ربه الأندلسي- العقد الفريد. ج 1/ 9.

(3)- نفس المصدر السابق.

(4)- ابن سعد- الطبقات. ج 6/ 208.

(5)- ابن عبد ربه الأندلسي- العقد الفريد. ج 3/ 173.

(6)- المصدر السابق. ج 2/ 211.

47

و العلم يجلو العمى عن قلب صاحبه‏* * * كما يجلى سواد الظلمة القمر

و لمّا مرض عبد اللّه بن مسعود، مرضه الّذي مات فيه، جعل الزبير بن العوام، و ابنه عبد اللّه وصيّا له، و قال: (إنّهما في حلّ و بلّ فيما وليا من ذلك، و قضيا في ذلك، لا حرج عليهما في شي‏ء منه، و إنّه لا تزوج امرأة من بناته إلّا بعلمهما و لا يحجز ذلك عن امرأته زينب بنت عبد اللّه الثقفية، و أن يدفن عند قبر عثمان بن مضعون) (1).

مات عبد اللّه بن مسعود بالمدينة، و أوصى أن يصلّي عليه الزبير بن العوام‏ (2). و قيل لمّا مات عبد اللّه بن مسعود، صلى عليه عمّار بن ياسر، و كان عثمان غائبا، و لمّا عاد عثمان و رأى قبر ابن مسعود، قال لمن هذا القبر؟ فقيل له: إنه قبر عبد اللّه بن مسعود، فقال: كيف دفنتموه دون علمي؟ فقيل له: إنّ عمّار بن ياسر قد تولّى أمره. و قيل إنّ ابن مسعود أوصى بأن لا يخبر عثمان بموته‏ (3).

و قيل مات عبد اللّه بن مسعود بالمدينة سنة (32) للهجرة (4)، و صلّى عليه الزبير بن العوّام (حسب وصيته) و دفن و عمره (60) سنة.

و قيل مات عبد اللّه بالمدينة سنة (36) للهجرة (5). و بعد وفاة عبد اللّه ابن مسعود، ذهب الزبير بن العوام إلى عثمان بن عفّان، و قال له: (اعطني عطاء عبد اللّه بن مسعود، فأهل عبد اللّه أحوج إليه من بيت المال). فأعطاه خمسة عشر ألف درهم. و قيل عشرين ألف درهم‏ (6).

____________

(1)- ابن سعد- الطبقات. ج 3/ 159.

(2)- ابن منظور- مختصر تاريخ دمشق. ج 14/ 45.

(3)- تاريخ اليعقوبي. ج 2/ 171.

(4)- ابن حبان- الثقات. ج 3/ 208 و الطبقات- ابن سعد 14/ 6.

(5)- البسوي (الفسوي)- المعرفة و التاريخ. ج 2/ 312.

(6)- ابن منظور- مختصر تاريخ دمشق. ج 14/ 48.

48

4- عبد اللّه بن عبد اللّه بن عتبان‏

و عبد اللّه بن عبد اللّه هو من وجوه الأنصار و أشراف الصحابة، و كان حليفا لبني حبلى من بني أسد (1). استخلفه سعد بن أبي وقّاص أميرا على الكوفة سنة (21) للهجرة (2)، و ذلك عند ما ذهب سعد إلى المدينة لمواجهة الخليفة عمر بن الخطاب، و قيل استخلفه سعد سنة (19) للهجرة.

و كان أهل الكوفة قد أخبروا الخليفة عمر بن الخطاب (بأنّ سعدا لا يحسن الصلاة) فبعث محمّد بن مسلمة ليتحقق من شكوى أهل الكوفة، و عند ما جاء مسلمة إلى الكوفة، أخذ يتحقق في الأمر، ثمّ رجع إلى المدينة و معه سعد بن أبي وقّاص، و الّذين شكوا أمر سعد، و عند ما وصل سعد إلى المدينة سأله عمر قائلا: (من خليفتك يا سعد على الكوفة؟). فقال سعد:

(عبد اللّه بن عبد اللّه بن عتبان) فأقرّه عمر (3).

و أثناء تولية عبد اللّه بن عتبان إمارة الكوفة، كان الفرس قد تجمعوا في نهاوند، و لمّا علم الخليفة عمر بذلك جمع المسلمين، و خطب فيهم قائلا:

(إنّ هذا يوم له ما بعده من الأيّام فتكلّموا) (4).

فقام عثمان بن عفّان، فقال: (أرى يا أمير المؤمنين، أن تكتب إلى أهل الشام، فيسيروا من شامهم، و تكتب إلى أهل اليمن فيسيروا من يمنهم، ثمّ تسير أنت بأهل هذين الحرمين‏ (5) إلى المصرين‏ (6)، فتلقى جمع المشركين‏

____________

(1)- تاريخ الطبري. ج 4/ 246 و زامباور- الأنساب و الأسرات الحاكمة. ص 67.

(2)- المصدر الاوّل السابق. ج 4/ 122.

(3)- المصدر أعلاه. ج 4/ 236 و الحميدي- مواقف و عبر. ص 222.

(4)- نفس المصدر الاوّل السابق. ج 4/ 236.

(5)- الحرمين: مكّة و المدينة.

(6)- المصران: الكوفة و البصرة.

49

بجمع المسلمين، فإنّك إذا سرت بمن معك، ... و كنت أعزّ عزّا، و أكثر يا أمير المؤمنين، إنّك لا تستبقي من نفسك بعد العرب باقية، و لا تمتنع من الدنيا بعزيز، و لا تلوذ منها بحريز، إنّ هذا اليوم له ما بعده من الأيّام، فأشهده برأيك و أعوانك و لا تغب عنه) (1).

ثمّ قام الإمام عليّ بن أبي طالب (عليه السّلام) فقال:

(أما بعد، يا أمير المؤمنين، فإنّك إن شخّصت أهل الشام من شامهم، سارت الروم إلى ذراريهم، و إن شخّصت أهل اليمن من يمنهم، سارت الحبشة إلى ذراريهم، و إنك إنّ شخّصت من هذه الأرض، انتفضت عليك الأرض من أطرافها و أقطارها، حتّى يكون ما تدع من وراءك، أهم إليك مما بين يديك من العورات و العيالات، أفرر هؤلاء في أمصارهم، و اكتب إلى البصرة، فليتفرّقوا إلى ثلاث فرق، فلتقم فرقة لهم في حرمهم و ذراريهم، و لتقم فرقة في أهل عهدهم لئلا ينتفضوا عليهم، و لتسر فرقة إلى إخوانهم بالكوفة مددا لهم، إنّ الأعاجم إن ينظروا إليك غدا قالوا: هذا أمير العرب و أصل العرب، فكان ذلك أشدّ لكلبهم، و ألّبتهم على نفسك، و أمّا ما ذكرت من مسير القوم، فإن اللّه هو أكره لمسيره منك، و هو أقدر على تغيير ما يكره، و أمّا ما ذكرت من عددهم، فإنّا لم نكن نقاتل فيما مضى بالكثرة، ولكّننا كنّا نقاتل بالنصر) (2). فقال عمر: أجل و اللّه.

ثمّ اختار عمر قائدا للجيوش‏ (3)، و كتب إلى عبد اللّه بن عبد اللّه بن عتبان (أمير الكوفة) أن يستنفر أهل الكوفة مع النعمان و الذهاب إلى نهاوند.

____________

(1)- تاريخ الطبري. ج 4/ 239.

(2)- المصدر السابق. ج 4/ 234.

(3)- قائد الجيوش: النعمان بن مقرن المزني.

50

و بعد معارك دامية بين المسلمين و الفرس، انتصر المسلمون، و دخلوا مدينة نهاوند، و ما حولها، و استولوا على جميع ما في المدينة، ثمّ قسّم حذيفة ابن اليمان الغنائم بين الناس، فكان سهم الفارس ستة آلاف و سهم الراجل:

ألفين، و ما بقي من الأخماس، أعطيت إلى السائب بن الأقرع، و هذا بدوره يرسله إلى الخليفة في المدينة، و قد سمّي يوم نهاوند ب (فتح الفتوح) سمّاه بذلك أهل الكوفة (1).

و كان عبد اللّه بن عتبان أميرا على أحد الجيوش الّتي فتحت كرمان و مكران‏ (2).

ثمّ عزل عبد اللّه بن عتبان عن إمارة الكوفة، عزله الخليفة عمر، و ولّى بعده زياد بن حنظلة (3). سنة (21) للهجرة.

5- زياد بن حنظلة

و هو زياد بن حنظلة التميمي، العمري، حليف بني عبد بن قصي، و هو من المهاجرين و من أجلاء الصحابة.

ولّاه الخليفة عمر بن الخطاب إمارة الكوفة سنة (21) للهجرة (4)، و ذلك بعد عزل عبد اللّه بن عبد اللّه بن عتبان عنها، فبقي على إمارة الكوفة مدّة قصيرة طلب بعدها من الخليفة إعفاءه من منصبه، فعزله عمر، و عيّن مكانه عمّار بن ياسر (5).

____________

(1)- تاريخ الطبري. ج 4/ 245.

(2)- نفس المصدر. ج 1/ 180.

(3)- المصدر السابق. ج 4/ 246.

(4)- نفس المصدر أعلاه.

(5)- ابن حبان- الثقات. ج 2/ 234 و ابن كثير- البداية و النهاية. ج 4/ 115.

51

و قيل استخلفه سعد بن أبي وقّاص أميرا على الكوفة سنة (18) للهجرة (1)، و كان زياد بن حنظلة قاضيا للكوفة، و ذلك بعد إعفاء سلمان و عبد الرحمن ابني ربيعة، و لحين مجي‏ء عبد اللّه بن مسعود من حمص‏ (2).

و كان ذلك في أواسط إمارة سعد بن أبي وقّاص على الكوفة.

و قد شارك زياد بن حنظلة مع أبي بكر الصدّيق حروب الردّة سنة (11) للهجرة و قال شعرا (3):

أقمنا لهم عرض الشمال فكبكبوا* * * كبكبة الغزى أناخوا على الوغر

فما صبروا للحرب عند قيامها* * * صبيحة يسمو بالرجال أبو بكر

طرقنا بني عبس بأدنى نباجها* * * و ذبيان فنهنا بقاصمة الظهر

و في معركة اليرموك سنة (13) للهجرة، كان زياد بن حنظلة أحد قادة الكراديس فيها (4). و في معارك المسلمين مع الروم في خلافة عمر بن الخطاب قال زياد سنة (15) للهجرة (5):

تذكرت حرب الروم لمّا تطاولت‏* * * و إذ نحن في عام كثير نزائله‏

و إذ نحن في أرض الحجاز و بيننا* * * مسيرة شهر بينهن بلابله‏

و إذا أرطون الروم يحمي بلاده‏* * * يحاوله قرم هناك يساجله‏

فلمّا رأى الفاروق أزمان فتحها* * * سما بجنود اللّه كيما يصاوله‏

فلمّا أحسّوه و خافوا صواله‏* * * أتوه و قالوا أنت ممن نواصله‏

و في أول خلافة الإمام عليّ بن أبي طالب (عليه السّلام) سنة (36) للهجرة،

____________

(1)- زامباور- الأنساب و الأسرات الحاكمة. ص 67.

(2)- تاريخ الطبري. ج 4/ 247.

(3)- المصدر السابق. ج 4/ 246.

(4)- المصدر اعلاه. ج 4/ 396.

(5)- المصدر السابق. ج 4/ 692.

52

طلب جماعة من الناس من زياد بن حنظلة، أن يذهب إلى الإمام عليّ (عليه السّلام) لمعرفة خطوط سياسته، و لمّا دخل حنظلة على الإمام عليّ (عليه السّلام) طلب منه أن يغزو الشام، فقال له زياد: (الأناة و الرفق أمثل) ثمّ قال أيضا (1):

و من لا يصانع في أمور كثيرة* * * يضرس بأنياب و يوطأ بمنسم‏

فأجابه الإمام عليّ (عليه السّلام)(2):

متى تجمع القلب الذكي و صارما* * * و أنفا حميما تجتنبك المظالم‏

و لمّا خرج زياد من عند الإمام (عليه السّلام) سأله القوم: (ما وراءك؟). فقال لهم: (السيف يا قوم).

و لمّا رأى زياد بن حنظلة، تثاقل القوم، و عدم رغبتهم في القتال قال لعلي (عليه السّلام): (من تثاقل عنك، فإنا نخفّ معك و نقاتل دونك) (3).

6- عمّار بن ياسر

هو عمّار بن ياسر بن عامر بن مالك بن كنانة بن قيس بن الحصين ابن الوذيم بن ثعلبة بن عوض بن حارثة بن عامر الأكبر بن يام بن عنس ابن مالك بن أدد بن زيد بن يشجب‏ (4)، العنسي‏ (5)، الشامي، الدمشقي، و كنيته: أبو اليقظان.

ولّاه الخليفة عمر بن الخطاب إمارة الكوفة سنة (21) للهجرة، و ذلك بعد عزل زياد بن حنظلة، و جعل عبد اللّه بن مسعود على بيت المال‏ (6).

____________

(1)- من شعر زهير بن أبى سلمى.

(2)- من شعر براقة الهمدانى.

(3)- تاريخ الطبري. ج 4/ 448.

(4)- النووي- تهذيب الأسماء. ج 2/ 234 و ابن أبي الحديد- شرح نهج البلاغة. ج 20/ 35.

(5)- و بنو عنس من القحطانيّة، القلقشندي- نهاية الأرب في معرفة أنساب العرب. ص 397.

(6)- ابن حبان- الثقات. ج 2/ 234 و ابن كثير- البداية و النهاية. ج 4/ 115.