تاريخ دمشق‏ - ج2

- سهيل زكار المزيد...
892 /
851

الجزء الثاني‏

[حوادث‏] سنة أربع و خمسين و ستمائة

[وصول عساكر هولاكو إلى أذربيجان‏]

... و فيها تواترت الأخبار بوصول عساكر هولاكو إلى أذربيجان قاصدة بلاد الشام، فوردت قصاد الديوان العزيز على الشيخ نجم الدين الباذرائي، و هو إذ ذاك بدمشق تأمره أن يتقدم إلى الملك الناصر بمصالحة الملك المعز صاحب مصر، و أن يثني عزمه عن قصده، و يتفق معه على قتال التتار، و أجاب إلى ذلك، و أعاد العسكر إلى دمشق بعد أن كان قد وصل إلى غزة، و أقام بها صحبة الملك المعظم توران شاه ابن صلاح الدين يوسف بن أيوب، فدخل العسكر دمشق في العشر الأول من شوال، و في جملتهم الأمير ركن الدين بيبرس البندقداري، فأقطعه الملك الناصر مثل ما كان له بمصر من الإقطاع.

[توجه كمال الدين عمر بن العديم رسولا الى بغداد:]

و في شوال توجه كمال الدين عمر بن العديم رسولا من الملك الناصر صلاح الدين يوسف (رحمه الله) إلى الخليفة المستعصم بالله على البرية بتقدمة كبيرة، فوصل بغداد في الثاني و العشرين من ذي القعدة، و طلب من الخليفة: خلعة لمخدومه، و كان قد قدم بغداد الأمير شمس الدين سنقر الأقرع، و هو في الأصل من غلمان الملك المظفر شهاب الدين غازي ابن العادل، رسولا من الملك المعز صاحب مصر إلى الخليفة بسبب تعطيل الخلعة، فتحير الخليفة فيما يفعل، فأحضر الوزير مؤيد الدين بن العلقمي جمال الدين بن كمال الدين بن العديم و كان سافر مع أبيه، و ناوله سكينة كبيرة من نشم، و قال له: خذ هذه علامة على أنه لا بد من الخلعة للملك الناصر في وقت آخر.

و فيها عزل القاضي بدر الدين السنجاري عن قضاء الديار المصرية و وليها القاضي تاج الدين عبد الوهاب بن خلف المعروف بابن بنت الأعز.

ذكر ما تجدد للملك الناصر داود بن الملك المعظم في السنة

كان له وديعة سنية عند الخليفة من جواهر و غيرها، فتوقف في ردها عليه، و شرهت نفسه إليها، و احتج بحجج لا معنى لها، و جرى في ذلك‏

852

خطوب يطول شرحها، و كان الملك الناصر حج في السنة الخالية، و عاد إلى العراق بسببها فأنزل بالحلة، و أجرى عليه راتب لا يليق به، و لا يناسب محله، و كان الخليفة قد عمر ببغداد قصرا فلما تم هنته الشعراء، و هناه الملك الناصر بقصيدة تلطف فيها، و عدد خدمه و خدم أسلافه فلم يجد ما يكافيه أن سير إليه من حاسبه على جميع ما وصل إليه طول المدة من النفقات، و ما أوصلوه إليه مفرقا، و ما ضيفوه به في تردده و إقامته و ظعنه من خبز و لحم و عليق، و قالوا: قد وصل إليك قيمة وديعتك، فاكتب خطك بوصوله و أنه لم يبق لك عند الديوان حق و لا مطالبة، فلم يمكنه إلا الإجابة و المسارعة، فكتب و لم يصله من ثمنها إلا دون العشر، فانصرف ساخطا، و اجتمع عليه جماعة من العرب و أرادوا التوصل به إلى النهب و الفساد، فامتنع و أقام عند العرب و بلغ الملك الناصر صلاح الدين يوسف، فأهمه مقامه عندهم فأحضر الملك الظاهر شاذي أكبر أولاد الملك الناصر داود، و حلف له اليمين المغلظة أنه لا يتعرض له بأذى، فوصل شاذي إلى والده، و عرفه ذلك، فقدم دمشق و وجد الملك الناصر يوسف قد أوغر صدره عليه، فنزل بتربة والده الملك المعظم بسفح قاسيون، و شرط عليه أن لا يركب فرسا، ثم أذن له في الركوب بشرط أنه لا يدخل البلد، و لا يركب في موكب فاستمر الحال على ذلك إلى آخر السنة.

فصل و فيها توفي‏

إبراهيم بن أنبا بن عبد الله الصوابي‏

، الأمير مجاهد الدين والي دمشق، وليها بعد الأمير حسام الدين بن أبي علي في سنة أربع و أربعين و ستمائة، و كان في بداية سعادته أمير جاندار الملك الصالح نجم الدين، و كان أميرا جليلا فاضلا عاقلا رئيسا، كثير الصمت، مقتصدا في إنفاقه، و كان بينه و بين الأمير حسام الدين بن أبي علي مصافاة كثيرة، و مودة أكيدة، و لما مرض مرض موته أسند نظر الخانقاه التي عمرها على‏

853

شرف الميدان القبلي ظاهر دمشق إلى الأمير حسام الدين المذكور، فتوقف في قبول ذلك، ثم قبله على كره منه، و توفي مجاهد الدين (رحمه الله تعالى) في أوائل هذه السنة، و قيل في أواخر سنة ثلاث و خمسين، و دفن بالخانقاه المذكورة (رحمه الله) و له نظم فمنه:

اشبهك الغصن في خصال‏* * * القد و اللين و التثني‏

لكن تجنيك ماحكاه‏* * * الغصن يجنى و أنت تجني‏

و له في صبي اسمه مالك:

و مليح قلت: ما الاسم‏* * * حبيبي قال: مالك‏

قلت: صف لي قدك الزا* * * هي وصف حسن اعتدالك‏

قال: كالغصن و كالبد* * * روما أشبه ذلك‏

[وفاة إبراهيم بن أيبك المعظمي:]

إبراهيم بن أيبك بن عبد الله مظفر الدين، كان والده الأمير عز الدين أيبك المعظمي صاحب صرخد قد اشتراه الملك المعظم عيسى بن العادل سنة سبع و ستمائة، و ترقى عنده حتى جعله أستاذ داره، فكان عنده في المنزلة العليا يؤثره على أولاده و أهله، و لم يكن له نظير في حشمته و رياسته، و كرمه و شجاعته، و سداد رأيه، و علو همته بحيث كان يضاهي الملوك الكبار، و أقطعه الملك المعظم صرخد و قلعتها و أعمالها، و قرى كثيرة أمهات غيرها، و لما توفي الملك المعظم بقي في خدمة ولده الملك الناصر صلاح الدين داود، فلما حضر الملك الكامل كان الأمير عز الدين المذكور هو المدبر للحرب و أمور الحصار، فلما حصل الاتفاق على تسليم دمشق، كان هو المتحدث في ذلك فاشترط للملك الناصر من البلاد و الأموال و الحواصل فوق ما أرضاه، ثم اشترط لنفسه صرخد و أعمالها و سائر أملاكه بدمشق و غيرها، و أن يسامح بما يؤخذ من المكوس على سائر ما يباع و يبتاع له من سائر الأصناف، و يفسح له في الممنوعات،

854

و أن يكون له حبس في دمشق يحبس فيه نوابه من لهم عليه حق، فأجيب إلى ذلك جميعه بعد توقف، و بقي على ذلك سائر الأيام: الأشرفية، و الكاملية، و الصالحية، و العمادية، و إلى أوائل الدولة الصالحية النجمية، فحصل له وحشة من الملك الصالح نجم الدين، و كان مع الخوارزمية لما كسروا على القصب في يوم الجمعة مستهل المحرم سنة أربع و أربعين و ستمائة، فمضى إلى صرخد و امتنع بها، ثم أخذت منه صرخد في أواخر السنة المذكورة، و أخذ إلى الديار المصرية فاعتقل بها بدار صواب، فكان إبراهيم هذا قد مضى إلى الملك الصالح نجم الدين و وشى به، و قال:

أموال أبي قد بعث بها إلى الجبلين و أول ما نزل بها صرخد كانت ثمانين خرجا فأودعها عند الشيخ شمس الدين سبط ابن الجوزي، و بلغ الأمير عز الدين اجتماعة بالملك الصالح فمرض و وقع إلى الأرض، و قال: هذا آخر عهدي بالدنيا، و لم يتكلم بعدها حتى مات، و دفن ظاهر القاهرة بباب النصر سنة خمس و أربعين و ستمائة، و قيل سنة سبع و أربعين، ثم نقل بعد ذلك إلى القبة التي بناها برسم دفنه في المدرسة التي أنشأها على شرف الميدان ظاهر دمشق من جهة الشمال، و وقفها على أصحاب أبي حنيفة رحمة الله عليه، و هي من أحسن المدارس و أنضرها، و له مدرسة أخرى بالكشك داخل مدينة دمشق.

و بالجملة فكان من سادات الأمراء، كثير البر و المعروف، و إنعامه يشمل الأمراء و الأكابر و الفقراء و الصلحاء، و العوام (رحمه الله) و رضي عنه، فلقد كان من محاسن الدهر، ثم إن ولده هذا سعى بحاشيته مثل البرهان كاتبه، و ابن الموصلي صاحب ديوانه، و البدر الخادم و مسرور و غيره فأمر الملك الصالح نجم الدين بحملهم إلى مصر، فأما البرهان فإنه من خوفه يوم أخرج ليتوجه إلى مصر مات بمسجد النارنج، و الباقون حملوا إلى مصر و لم يظهر عليهم مما قيل درهم واحد، فرجعوا إلى دمشق بعد وفاة الملك الصالح، و قد لاقوا شدائد و أهوالا و ختم للأمير عز الدين بالشهادة (رحمه الله تعالى).

855

و ذكر الشيخ شمس الدين سبط ابن الجوزي (رحمه الله) ما يدل على أن إبراهيم هذا ولد جاريته، و أنه تبناه و ليس بولده، و هو أخبر بذلك، و يدل عليه ما فعله به و بحاشيته و الله أعلم بذلك.

بشارة بن عبد الله أبو البدر الأرمني الكاتب مولى شبل الدولة المعظمي، سمع من الشيخ تاج الدين أبي اليمن زيد بن الحسن الكندي و غيره، و كان يكتب خطا حسنا، و توفي ليلة النصف من شهر رمضان بدمشق، و دفن من الغد بسفح قاسيون (رحمه الله) و ذريته يدعون النظر على المدرسة و الخانقاه و التربة المنسوب ذلك إلى شبل الدولة (رحمه الله تعالى).

[وفاة طغريل بن عبد الله الأمير سيف الدين:]

طغريل بن عبد الله الأمير سيف الدين أستاذ دار الملك المظفر تقي الدين محمود صاحب حماة، كان من أعيان الأمراء، شجاعا، حسن التدبير و السياسة للأمور، و لما توفي الملك المظفر قام بتدبير أمور ولده الملك المنصور ناصر الدين محمد بمراجعة والدته غازية خاتون بنت الملك الكامل ناصر الدين ابن أبي المعالي محمد بن الملك العادل، و مشاورتها في الأمور و أخذ رأي الصاحب شرف الدين عبد العزيز محمد ابن شيخ الشيوخ، و لم يزل على ذلك، و هو أتابكه إلى أن توفي في ثالث شوال (رحمه الله) ...

[وفاة يعقوب بن أبي بكر الأيوبي:]

يعقوب بن أبي بكر محمد بن أيوب بن شاذي أبو اسحاق، الملك المعز محيي الدين بن الملك العادل سيف الدين، و كان شقيق الملك المظفر شهاب الدين غازي، و له الحرمة العظيمة في الدول و كان بخلاط لما أخذها خوارزم شاه من الملك الأشرف (رحمه الله تعالى)، فأخذه أسيرا، ثم أطلقه بعد ذلك، و أجاز له جماعة من الحفاظ منهم: أبو الحسن المؤيد بن محمد الطوسي و غيره، و حدث و توفي بدمشق في سادس عشر ذي القعدة، و دفن من يومه بقبر والده الملك العادل بمدينة دمشق (رحمه الله تعالى).

قال سيف الدين مسعود بن حموية: أنشدني الملك المظفر نجم الدين يعقوب المذكور سنة تسع و عشرين و ستمائة:

856

إذا ما جرى من جفن غيري أدمع‏* * * جرت من جفوني أبحر و سيول‏

و والله ما ضاعت دموعي فيكم‏* * * و لو أن روحي في الدموع تسيل‏

[نسب الأيوبيين:]

إتفق أهل التاريخ على أن نجم الدين أيوب (رحمه الله) من دوين، و هي في آخر عمل أذربيجان من جهة أرّان، و بلاد الكرج و أنهم أكراد روادية، و الروادية بطن من الهذبانية، و هي قبيلة كبيرة، و قيل إن على باب دوين قرية يقال لها أجدا، و جميع أهلها أكراد رواديه، و مولد نجم الدين بها، و كان شاذي أخذ ولديه نجم الدين أيوب و أسد الدين شيركوه و خرج بهما إلى بغداد، و من هناك نزلوا تكريت، و مات شاذي بتكريت، و على قبره قبة داخل البلد.

و قال قاضي القضاة شمس الدين أحمد بن خلكان (رحمه الله): لقد تتبعت نسبهم كثيرا فلم أجد أحدا ذكر بعد شاذي أبا آخر، حتى أني وقفت على كتب كثيرة بأوقاف و أملاك باسم شيركوه، و أيوب فلم أر فيها سوى شيركوه بن شاذي، و أيوب بن شاذي لا غير، و رأيت مدرجا رتبه الحسن بن غريب بن عمران الحوشي، و قد سمعه عليه الملك المعظم عيسى و ولده الملك الناصر داود رحمهما الله تعالى، و هو يتضمن أن أيوب بن شاذي بن مروان ابن أبي علي بن عنترة بن الحسن بن علي بن أحمد بن أبي علي بن عبد العزيز بن هدبة بن الحصين بن الحارث بن سنان بن عمرو بن مرة بن عوف بن أسامة بن بيهس بن الحارث- صاحب الحمالة- بن عوف بن أبي حارثة بن مرة بن نشبة بن غيظ بن مرة بن عوف بن سعد بن ذبيان بن بغيض بن ريث بن غطفان بن سعد بن قيس عيلان بن إلياس ابن مضر بن نزار بن معد بن عدنان، ثم رفع في النسب إلى آدم (عليه السلام)، ثم ذكر أن علي بن أحمد بن أبي علي بن عبد العزيز يقال إنه ممدوح المتنبي و يعرف بالخراساني، و فيه يقول من قصيدة:

شرق الجو بالغبار إذا سا* * * ر علي بن أحمد القمقام‏

857

و أما حارثة بن عوف بن أبي حارثة، صاحب الحمالة، فهو الذي حمل الدماء بين عبس و ذبيان و شاركه في الحمالة خارجة بن سنان أخو هرم بن سنان، و فيهما يقول زهير بن أبي سلمى المزني قصائد منها قوله:

على مكثريهم حق من يعتريهم‏* * * و عند المقلين السماحة و البذل‏

و هل ينبت الخطي إلّا و شيجه‏* * * و تغرس إلا في منابتها النخل‏

قلت: و قد كان المعز فتح الدين إسماعيل بن سيف الإسلام طغتكين بن أيوب بن شاذي ملك اليمن، ادعى نسبا في بني أمية، و ادعى الخلافة، و بلغ ذلك عمه الملك العادل (رحمه الله)، فأنكر ذلك، و قال:

ليس لهذا أصل.

و سمعت الملك الأمجد تقي الدين عباس بن العادل (رحمه الله)، و قد جرى ذكر نسبهم، و قول بعض الناس إنهم من بني أمية ينكر أن يكون لهم نسب في بني أمية، و قال ما معناه لو كان عمي صلاح الدين (رحمه الله) قرشيا لولي الخلافة فإن شروطها اجتمعت فيه ما عدا النسب، و كان نجم الدين أيوب (رحمه الله) قد جعله عماد الدين زنكي دوادار ببعلبك لما فتحها، و في قلعة بعلبك ولد له الملك العادل سيف الدين أبو بكر (رحمه الله) والد صاحب هذه الترجمة، و الله أعلم.

[وفاة سبط بن الجوزي:]

يوسف بن قز أوغلي بن عبد الله، أبو المظفر شمس الدين البغدادي الواعظ المشهور، سبط أبي الفرج عبد الرحمن بن الجوزي (رحمه الله)، كان والده حسام الدين قز أوغلي من مماليك الوزير عون الدين يحيى بن هبيرة (رحمه الله)، و كان عنده بمنزلة الولد، فأعتقه و خطب له ابنة الحافظ جمال الدين، و كانت قد تأيمت بوفاة زوجها، فلم يمكن الشيخ جمال الدين إلا إجابة الوزير إلى ذلك، فزوجها منه فأولدها شمس الدين المذكور، فلما ترعرع اجتذبه جده إليه و أشغله، و تفقه و أسمعه الكثير عليه و على غيره، و كان أوحد زمانه في الوعظ، حسن الإيراد ترق لرؤيته‏

858

القلوب، و تذرف لسماع كلامه العيون، و تفرّد بهذا الفن و حصل له فيه القبول التام، وفاق فيه من عاصره، و كثيرا ممن تقدمه، حتى أنه كان يتكلم في المجلس الكلمات اليسيرة المعدودة، أو ينشد البيت الواحد من الشعر، فيحصل لأهل المجلس من الخشوع و الاضطراب و البكاء مالا مزيد عليه، فيقتصر على ذلك القدر اليسير، و يترك فكانت مجالسه نزهة القلوب و الأبصار، يحضرها الصلحاء و العلماء و الملوك و الأمراء و الوزراء، و غيرهم و لا يخلو المجلس من جماعة يتوبون و يرجعون إلى الله تعالى، و في كثير من المجالس يحضر من يسلم من أهل الذمة، فانتفع بحضور مجالسه خلق كثير، و كان الناس يبيتون ليلة المجلس في جامع دمشق، و يتسابقون على مواضع يجلسون فيها لكثرة من يحضر مجالسه، و كان يجري فيها من الطرف، و الوقائع المستحسنة، و الملح الغريبة ما لا يجري في مجالس غيره ممن عاصره، و تقدم عصره أيضا، و كان له الحرمة الوافرة، و الوجاهة العظيمة عند الملوك و غيرهم من الأمراء و الأكابر، و لا ينقطعون عن التردد إليه، و هو يعاملهم بالفراغ منهم، و مما في أيديهم، و ينكر عليهم فيما يبدو منهم من الأمور التي يتعين فيها الإنكار، و هم يتطفلون عليه و كان في أول أمره حنبلي المذهب، فلما تكرر اجتماعه بالملك المعظم عيسى ابن الملك العادل رحمهما الله اجتذبه إليه، و نقله إلى مذهب أبي حنيفة رحمة الله عليه، و كان الملك المعظم شديد التغالي في مذهب أبي حنيفة فغاظ ذلك الشيخ شمس الدين عند كثير من الناس و انتقدوه عليه.

حكي لي أن بعض الفقراء أرباب الأحوال قال له و هو على المنبر: إذا كان الرجل كبيرا ما يرجع عنه إلّا لعيب ظهر له فيه، و أي شي‏ء ظهر لك في الإمام أحمد حتى رجعت عنه؟ فقال له: اسكت، فقال: أما أنا، فقد سكت، و أما أنت، فتكلم فرام الكلام فلم يستطعه و لا قدر عليه، فنزل عن المنبر، و مع ذلك كان يعظم الإمام أحمد رحمة الله عليه، و يبالغ‏

859

في المغالاة فيه و توفيته بعض ما يستحق، و عندي أنه لم ينتقل عن مذهبه إلّا في الصورة الظاهرة و الله أعلم.

و مع هذا فكان له القبول التام من الخاص و العام من أهل الدنيا و أهل الآخرة، و كان لطيف الشمائل، ظريف الحركات، حسن المعاملة لسائر الناس، محبوبا إليهم معظما في صدورهم، و كان عنده فضيلة تامة و مشاركة في العلوم جمة، و لو لم يكن من ذلك إلا التاريخ الذي ألفه و سماه بمرآة الزمان، و هو بخطه في سبعة و ثلاثين مجلدا، جمع فيه أشياء مليحة جدا، و أودعه كثيرا من الأحاديث الشريفة النبوية صلوات الله و سلامه على قائلها، و جملة من أخبار الصالحين، و قطعة كبيرة من الأشعار المستحسنة و سلك في جمعه مسلكا غريبا، و هو من أول الزمان إلى أوائل سنة أربع و خمسين و ستمائة، هذه السنة التي توفي فيها إلى رحمة الله تعالى، و كنت اختصرته كما ذكرت في خطبة هذا المذيل، ثم خطر لي أن أذيل عليه، فشرعت في تعليق الحوادث و الوفيات حسب ما نمي إلى علمي، لاستقبال هذه السنة، و بالله التوفيق و الله المستعان.

و للشيخ شمس الدين المذكور (رحمه الله) تصانيف أخر مفيدة، في أنواع من علوم شتى، و مولده سنة إحدى و ثمانين و خمسمائة تقريبا، و ذكر قاضي القضاة شمس الدين أحمد بن خلكان (رحمه الله) عنه أنه قال:

ذكرت والدتي أن مولدي في سنة اثنتين و ثمانين و خمسمائة، و قال لي خالي محيي الدين يوسف: أنه في سنة احدى و ثمانين، قال: و كان مولدي في رجب، سمع ببغداد من جده الإمام أبي الفرج و عبد المنعم بن عبد الوهاب بن كليب، و أبي محمد عبد الله بن أحمد بن أبي المجد، و أبي حفص عمر بن محمد بن طبرزد، و الحافظ أبي محمد بن عبد العزيز بن محمود بن الأخضر، و غيرهم، و بالموصل من أبي طاهر أحمد، و أبي القاسم عبد المحسن ابني عبد الله الطوسي و غيرهما، و بدمشق من شيخ الإسلام موفق الدين أبي محمد بن عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة

860

المقدسي، و من العلامة أبي اليمن زيد بن الحسن الكندي و غيرهما، و سمع بغير هذه البلاد من جماعة من المشايخ، و حدث بدمشق، و بالديار المصرية و غيرها، و كان أحد العلماء المشهورين، محمود الفضائل، و توفي ليلة الثلاثاء ثلث الليل العشر من ذي الحجة أو الحادي و العشرين منه بمنزله بجبل الصالحية، ظاهر دمشق، و دفن هناك، و حضر جنازته الملك الناصر صلاح الدين يوسف (رحمه الله) سلطان الشام، إذ ذاك و سائر الأمراء و الأكابر، و غيرهم من الناس، و درس بالمدرسة الشبلية مدة و بالمدرسة البدرية الحسنية، و بالمدرسة المعزية التي على شرف الميدان من جهة الشمال، و كان إماما عالما فاضلا منقطعا عن الناس، و التردد إليهم، متواضعا لين الكلمة لزم في آخر عمره ركوب الحمار من منزله بالجبل إلى مدرسته، و إلى غيرها مقتصدا في لباسه، مواظبا على المطالعة و الاشتغال و التصنيف، منصفا لأهل العلم و الفضل مباينا لأهل الزيغ و الجهل، و يأتي الملوك و أرباب الدول إلى بابه زائرين و قاصدين و متأنسين بمحادثته، و الإقتباس من فوائده، و عاش طول عمره في جاه طويل عريض، و عيش رقيق الحواشي، جعل الله ذلك مواصلا بنعيم الآخرة و سعادتها السرمدية، و ولده عز الدين كان عنده فضيلة و وعظ بعده، فلم يكن يدانيه في ذلك، و بقي سنيات يسيرة ثم توفي إلى رحمة الله تعالى، و سيأتي ذكره إن شاء الله تعالى، و خلف ولدا صغيرا فلم يكن له من يربيه، و يقوم بأمره، فنشأ على غير طريقة سلفه، و خدم بعض ذرية الملك المعظم عيسى (رحمه الله) كاتبا و غيرهم، و هو إلى الآن على ذلك.

[أبو الحسن يوسف بن أبي الفوارس بن موسك‏]

، الأمير سيف الدين القيمري، واقف المارستان بجبل الصالحية و مدفنه في القبة المقابلة له من جهة الشمال، بينهما الطريق، كان أكبر الأمراء في آخر عمره و أعظمهم مكانة، و أعلاهم همة، و جميع أمراء الأكراد من القيمرية و غيرهم يتأدبون‏

861

معه، و يقفون في خدمته و هم بين يديه كالأتباع، مطاعا فيهم، و لم يزل على ذلك إلى أن توفي إلى رحمة الله تعالى في ليلة الإثنين ثالث شعبان من هذه السنة، أعني سنة أربع و خمسين و ستمائة (رحمه الله تعالى)، و كان كثير البر و المعروف و الصدقة، و لو لم يكن له من ذلك إلا المارستان الذي ضاهى به مارستان نور الدين (رحمه الله تعالى) لكفاه.

حكى لي شجاع الدين محمد بن شهري (رحمه الله)، ما معناه أن الأمير سيف الدين المذكور (رحمه الله) كان تزوج ابنة الأمير عز الدين بن المحلي (رحمه الله) على صداق كبير، و جهزت بجهاز كثير، و استصحبها معه إلى الديار المصرية، فتوفيت هناك من غير ولد، فلما ملك الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن محمد رحمهما الله تعالى دمشق و الشام، حضر الأمير سيف الدين من الديار المصرية إلى خدمته، و أخذ قماش زوجته المتوفاة و جهازها و ما لها من الفضيات و المصاغ، و غير ذلك، و حمله على عشرين بغلا و وزن باقي صداقها و مائتي ألف درهم و جعلها في صناديق، و حملها على البغال و سير الجميع إلى الأمير نور الدين علي بن المحلي بحكم أنه وارثها مع زوجها، فلما وصل ذلك إلى الأمير نور الدين أنكره غاية الإنكار ورده و قال لرسوله: الأكراد ما جرت عادتهم يأخذون صداقا و لا ميراثا، فلما عاد إلى الأمير سيف الدين قال: هذا شي‏ء خرجت عنه و ما يعود إلى ملكي، و صرفه جميعه في بناء المارستان، و أوقافه و تصدق به.

[أحداث‏] سنة خمس و خمسين و ستمائة

استهلت هذه السنة و الخليفة و الملوك على ما كانوا عليه في السنة الخالية، و في شهر رمضان منها توجه الملك العزيز بن الملك الناصر إلى هولاكو بهدية سنيّة جليلة، و كان في خدمته الأمير سيف الدين إبراهيم الجاكي و الحافظي و غيرهما.

862

و فيها اشتهر أن الملك المعز صاحب مصر قد عزم على أن يتزوج ابنة بدر الدين لؤلؤ صاحب الموصل، و أنه قد تردد بينهما الرسائل في ذلك، و بلغ زوجته شجر الدر، و كانت جارية الملك الصالح نجم الدين أيوب و أم ولده خليل، فعظم ذلك عليها، و عزمت على الفتك به، و إقامة غيره في الملك، فطلبت صفي الدين إبراهيم بن مرزوق، و كان مقيما بالديار المصرية، و له تقدم في الدول، و وجاهة عند الملوك فاستشارته في ذلك، و وعدته أن يكون الوزير الحاكم في الدولة، فأنكر عليها ذلك و نهاها عنه، فلم تصغ إلى قوله، و طلبت مملوكها الطواشي محسن الجوجري الصالحي و عرفته ما عزمت عليه، و وعدته الوعد الجميل إن قتله، و استدعت جماعة من الخدام الصالحية و أطلعتهم على هذا الأمر، و اتفقت معهم عليه، فلما كان يوم الثلاثاء الثالث و العشرين من ربيع الأول، لعب الملك المعز بالكرة في ميدان اللوق إلى آخر النهار، ثم صعد إلى قلعة الجبل و الأمراء في خدمته، و وزيره شرف الدين الفائزي، و القاضي بدر الدين السنجاري، فلما دخل القلعة و فارقه الموكب، و صار إلى داره أتى إلى حمام الدار ليغتسل فيه، فلما خلع ثيابه وثب عليه سنجر مملوك الجوجري و الخدام فرموه إلى الأرض، و خنقوه، و طلبت شجر الدر الصفي بن مرزوق على لسان الملك المعز، فركب حماره و بادر، و كانت عادته يركب الحمار في الموكب السلطاني و غيره، مع عظم مكانته و كثرة أمواله، و دخل القلعة من باب سر فتح له، و أدخل الدار فرأى شجر الدر جالسة و الملك المعز بين يديها ميتا، فأخبرته الخبر، فعظم عليه و خاف خوفا شديدا، و استشارته فيما تفعل، فقال: ما أعرف ما أقول، و قد وقعت في أمر عظيم، مالك منه مخلص، و كان الأمير جمال الدين إيدغدي العزيزي معتقلا في بعض الآدر مكرما، فأحضرته في تلك الليلة و طلبت منه أن يقوم بالأمر، فامتنع و سيرت في تلك الليلة اصبع الملك المعز، و خاتمه إلى الأمير عز الدين الحلبي الكبير، و طلبت منه أن يقوم بالأمر، فلم يجسر على ذلك، و انطوت الأخبار عن الناس تلك‏

863

الليلة، و لما كان سحر يوم الأربعاء الرابع و العشرين منه، ركب الأمراء و الأكابر إلى القلعة على عادتهم، و ليس عندهم خبر مما جرى، و لم يركب الفائزي في ذلك اليوم، و تحيرت شجر الدر فيما تفعل، فأرسلت إلى الملك المنصور نور الدين علي بن الملك المعز تقول له عن أبيه أنه ينزل إلى البحر في جمع من الأمراء لإصلاح الشواني التي تجهزت، للمضي إلى دمياط، ففعل و قصدت بذلك أن يقل من على الباب لتتمكن مما تريد، فلم يتم مرادها.

و لما تعالى النهار شاع الخبر بقتل الملك المعز، و اضطربت الناس في البلد و اختلفت أقاويلهم، و لم يقفوا على حقيقة الأمر، و ركب العسكر إلى جهة القلعة و أحدقوا بها، و دخلها مماليك الملك المعز و الأمير بهاء الدين بغدي الأشرفي مقدم الحلقة، و طمع الأمير عز الدين الحلبي في التقدم، و ساعده على ذلك جماعة من الأمراء الصالحية، فلم يتم لهم مرادهم، ثم استحضر الذين في القلعة الوزير شرف الدين الفائزي، و اتفقوا على تمليك الملك المنصور نور الدين علي بن الملك المعز، و عمره يومئذ نحو خمس عشرة سنة، فرتبوه في الملك، و نودي في البلد بشعاره، و سكن الناس، و تفرقت الأمراء الصالحية إلى دورهم، و لما كان يوم الخميس خامس و عشرين الشهر، وقع في البلد خبط عظيم، و ركب العسكر إلى القلعة، و اتفق رأي الذين في القلعة على نصب الأمير علم الدين سنجر الحلبي المعروف بالمشد أتابكا للملك المنصور، و استحلفوا العسكر له، و حلف له الأمراء الصالجية على كره من أكثرهم، و امتنع الأمير عز الدين الحلبي، ثم خاف على نفسه فحلف و انتظمت الأمور.

و في يوم الجمعة سادس و عشرين منه خطب للملك المنصور بمصر و القاهرة، و أما شجر الدر فامتنعت بدار السلطنة هي و الذين قتلوا الملك المعز، و طلب مماليك المعز هجوم الدار عليهم فحالت الأمراء الصالحية بينهم و بين ذلك، فأمنها مماليك المعز، و حلفوا لها أنهم‏

864

لا يتعرضون لها بمساءة، و لما كان يوم الإثنين التاسع و العشرين منه خرجت من دار السلطنة إلى البرج الأحمر، و عندها بعض جواريها، و قبض على الخدام و اقتسمت الجواري، فكان نصر العزيزي الصالحي هو أحد الخدام القتلة قد هرب يوم ظهور الواقعة إلى الشام، و احتيط على الدار، و جميع ما فيها و كان يوم ظهور الواقعة أحضر الصفي بن مرزوق من الدار و سئل عن حضوره عند شجر الدر فعرفهم صورة الحال فصدقوه و أطلقوه، و حضر الأمير جمال الدين إيدغدي العزيزي، و كان الناس قد قطعوا بموته فأمر باعتقاله، ثم نقل إلى الإسكندرية فاعتقل بها، و في يوم الإثنين المذكور صلب الخدام الذين اتفقوا على قتل المعز، سنجر غلام الجوجري ثم ظفر به و صلب إلى جانب أستاذه محسن فمات سنجر وقت العصر من هذا اليوم على الخشبة، و تأخر موت الباقين إلى تمام يومين.

و في يوم الخميس ثاني ربيع الآخر ركب و دخل القاهرة من باب النصر، و ترجل جميع الأمراء خلا الأتابك علم الدين سنجر الحلبي، و صعد القلعة و مد السماط للأمراء، و تقرر في الملك، و وزر له وزير أبيه شرف الدين الفائزي، و في يوم الجمعة ثالث ربيع الآخر خطب للملك المنصور و بعده لأتابكه علم الدين سنجر الحلبي.

و في مستهل ربيع الآخر فوض القضاء بالقاهرة و أعمالها إلى القاضي بدر الدين السنجاري، و عزل عن ذلك تاج الدين ابن بنت الأغر، و أبقي عليه قضاء مصر و عملها.

و في يوم الجمعة عاشر الشهر قبض الأمير سيف الدين قطز، و علم الدين سنجر الغتمي، و سيف الدين بهادر، و غيرهم من المعزية على الأتابك علم الدين سنجر الحلبي و أنزلوه إلى الجب بالقلعة لتخيلهم منه الاستيلاء على الملك، فاضطرب الأمراء الصالحية، و ركب العسكر و خيف على البلد النهب، ثم خاف الصالحية على أنفسهم فهرب أكثرهم‏

865

إلى جهة الشام و تقنطر بالأمير عز الدين أيبك الحلبي الكبير فرسه، و كذلك خاص ترك الصغير فهلكا خارج القاهرة، و أدخلا ميتين، و اتبع العسكر المنهزمين، فقبض على أكثرهم و حملوا إلى القلعة، و اعتقلوا بها و قبض على الأمير شرف الدين الفائزي، و اعتقل وفوض أمر الوزارة إلى القاضي بدر الدين يوسف السنجاري مضافا إلى قضاء القاهرة و ما معها، و احتيط على موجود الفائزي، و كان له مال كثير، و لكن كان أكثره مودعا، و أخذ خطه الأمير سيف الدين قطز بمائة ألف دينار، و احتيط على بهاء الدين علي بن محمد بن سليم بن حنّا وزير شجر الدر، و أخذ خطه بستين ألف دينار.

و في يوم الأربعاء منتصف الشهر المذكور رتب الأمير فارس الدين أقطاي المستعرب أتابكا للملك المنصور.

و في رجب رفعت يد القاضي بدر الدين من الوزارة، و أضيف إليه قضاء مصر و أعمالها فكمل له قضاء الاقليم بكماله، و ولي القاضي تاج الدين ابن بنت الأعز الوزارة.

و في هذه السنة وقعت وحشة في نفس الملك الناصر صلاح الدين يوسف من البحرية، و أنهي إليه أنهم عزموا على اغتياله و التغلب على الملك، فتقدم إليهم بالانتزاح عن دمشق ففارقوها على صورة العصيان و المشاققة، و نزلوا غزة، ثم انتموا إلى الملك المغيث فتح الدين عمر بن الملك العادل سيف الدين أبي بكر ابن الملك الكامل صاحب الكرك، و في شعبان كثرت الأراجيف بالقاهرة بأن الأمراء و الأجناد اتفقوا على إزالة أمر مماليك الملك المعز عن البلد، و أن الملك المنصور تغير على الأمير سيف الدين قطز، و اجتمع أكثر الأمراء في دار الأمير بهاء الدين بغدي مقدم الحلقة، ثم رضي الملك المنصور على قطز، و خلع عليه و طيب قلبه.

866

و في رابع شهر رمضان قبضوا على الأمير بهاء الدين بغدي، و بدر الدين بلغان بعد أن جرح بلغان و انهزم من كان معهما و حملا إلى القلعة و دخل المعزية القاهرة فقبضوا على الأمير عز الدين أيبك الأسمر، و أرزن الرومي، و سابق الدين بوزبا الصيرفي و غيرهم من الأشرفية، و نهبت دورهم، و وقع في البلد اضطراب عظيم، ثم نودي بالأمان لمن دخل في الطاعة و سكن الناس.

و في خامس شهر رمضان ركب الملك المنصور و في خدمته الأمير سيف الدين قطز و باقي مماليك أبيه، و شق القاهرة، و في عيد الفطر نزل الملك المنصور و صلى في المصلى، ثم ركب إلى القلعة و مد السماط و وردت الأخبار إلى الديار المصرية بمفارقة البحرية للملك الناصر صلاح الدين يوسف، فظن المصريون أن ذلك خديعة من الملك الناصر و أنه قد عزم على قصد البلاد، فأخذوا في التحرز.

و في ثالث شوال خرج من القاهرة جماعة أمراء مقدمهم الدمياطي و خرج غد هذا اليوم آخرون و نزلت العساكر بالعباسة و ما حولها، ثم وردت الأخبار بأن عساكر الملك الناصر وصلت نابلس لحرب البحرية، و كانوا نازلين غزة، ثم ورد الخبر أن البحرية كبسوا عساكر الملك الناصر، و قتلوا منهم جماعة ليلا، ثم ورد الخبر أن عسكر الملك الناصر كسروا البحرية، و أن البحرية انحازوا إلى ناحية زغر من الغور.

و في الثالث عشر منه دخل جماعة من البحرية إلى القاهرة منهم:

الأمير عز الدين أيبك الأفرم، فتلقوا بالإكرام، و أفرج عن أملاك الأفرم و نزل بداره بمصر، و ترادفت الأخبار بالديار المصرية أن البحرية رحلوا من زغر طالبين بعض الجهات، فاتضح من أمرهم أنهم خرجوا من دمشق على حمية، و أنهم قصدوا القدس الشريف، و هو مقطع الأمير سيف الدين أيبك من جهة الملك الناصر، و طلبوا منه أن يكون معهم، فامتنع فاعتقلوه و خطبوا للملك المغيث، و جاءوا إلى غزة، و قبضوا

867

و اليها و أخذوا حواصل الملك الناصر بغزة و القدس و غيرهما، و قصدتهم عساكر الملك الناصر فجرى ما تقدم ذكره من كبسهم للعسكر الناصري، ثم انتصر عليهم العسكر الناصري فانهزموا إلى البقاء، ثم إلى زغر، و دخلوا في طاعة الملك المغيث، و أنفق فيهم جملة كثيرة من المال، و طمعوا في أخذ مصر له و أنزل إليهم بعض عسكره و الطواشي بدر الدين الصوابي.

و في الثاني عشر ذي القعدة وردت الأخبار إلى الديار المصرية بأن البحرية عازمون على قصد البلاد، فخرج الأمير علم الدين الغتمي المعزي و بعض العسكر، و في غد هذا اليوم وقع الانزعاج الشديد، و خرجت الأمراء و الحلقة، و اجتمع العسكر المصري بالصالحية، فلما كان سحر ليلة السبت منتصف ذي القعدة وصلت البحرية و من معهم من عسكر المغيث، و وقعت الحرب بين الفريقين و اشتد القتال، و جرح جماعة من الناس، و المصريون مع ذلك يزدادون كثرة، و طلعت الشمس، و رأت البحرية كثرة المصريين فانهزموا و أستؤسر منهم سيف الدين بلبان الرشيدي و به جراحات، و هرب الأمير ركن الدين بيبرس البندقداري، و بدر الدين الصوابي إلى الكرك، و بعض البحرية دخل في العسكر المصري، و دخل العسكر إلى القاهرة و زين البلد لهذه الوقعة.

و فيها وصل الشيخ نجم الدين محمد الباذرائي رسول الخليفة المستعصم بالله إلى دمشق المحروسة، و أفاض الخلعة المكملة على الملك الناصر صلاح الدين يوسف، و الفرس و الطوق الذهب، و معه التقليد بالسلطنة فركب بالخلعة الإمامية، و كان يوما مشهودا.

ذكر ما تجدد للملك الناصر داود

كنا ذكرنا وصوله إلى دمشق، و إقامته بتربة والده، فلما رأى إعراض الملك الناصر صلاح الدين يوسف عنه، و بلغه أنه ربما يقبض عليه‏

868

مضى إلى الشيخ نجم الدين الباذرائي فاستجار به، و سأله أن يتوجه صحبته إلى العراق، فأجابه فتوجه و معه جماعة من أولاده، فلما وصلوا حلبا، و كان بها الملك العزيز غياث الدين محمد بن الملك الناصر يوسف، و كان أبوه قد أرسله إلى ملك التتر، فورد إلى الملك العزيز و من معه بكتاب الملك الناصر يوسف بأن تشيروا على الشيخ نجم الدين الباذرائي أن لا يستصحب الملك الناصر داود معه، و أنهم يتحيلون في انقطاعه عنه، و يقبضون عليه، فلما خرج الشيخ نجم الدين متوجها إلى العراق، و معه الملك الناصر داود، خرج الملك العزيز و جماعة من أعيان الدولة لوداعه، و تقدم إليه بعضهم و حدثه في ذلك و أحس الناصر داود بالقضية، فتقدم إلى الشيخ نجم الدين، و أخذ بذيله و قال: معاذ الله أن يمنعني مولانا من قصد الأبواب الشريفة و الاستظلال بظلها، و أنا معي كتاب السلطان الملك الناصر لما كنت المرة الأولى بالعراق أنه يقرر لي كل سنة مائة ألف درهم، و يأذن لي في التوجه إلى حيث شئت، و لم يصل إليّ منه ذلك، و أخرج خط الملك الناصر يوسف فقال الباذرائي: هذا قد استجار بالديوان، و طلب التوجه إلى الخدمة الشريفة، فما يسعني منعه، و معه خط الملك الناصر أنه لا يمنع من ذلك فرجعت الجماعة إلى حلب و سافر الملك الناصر داود، فلما وصلوا قرقيسيا خاف الشيخ نجم الدين أن يصل به إلى العراق من غير تقدم، فأشار عليه أن يقيم بقرقيسيا حتى يأخذ له دستورا بالوصول، فأقام بها و أبطأ عليه الأذن، فعدا الفرات إلى جهة الشام متوجها إلى تيه بني إسرائيل، و اجتمع عليه جماعة من العرب، ثم كان من أمره ما سنذكره إن شاء الله تعالى ...

فصل‏

[وفاة أيبك بن عبد الله الصالحي:]

و فيها توفي أيبك بن عبد الله الصالحي الملك المعز عز الدين، المعروف بالتركماني، كان في بداية أمره مملوكا للملك الصالح نجم الدين أيوب، اشتراه في حياة أبيه الملك الكامل، و تنقلت به الأحوال عنده، و لازمه في‏

869

الشرق و غيره، و جعله جاشنكيره، و لهذا لما أمره كان رنكه صورة خوانجا، فلما قتل الملك المعظم توران شاه بن الملك الصالح نجم الدين، و بقيت الديار المصرية بلا ملك تشوف إلى السلطنة أعيان الأمراء فخيف من شرهم، و كان الأمير عز الدين التركماني معروفا بالسداد و ملازمة الصلاة، و لا يشرب الخمر، و عنده كرم و سعة صدر و لين جانب، و هو من أوسط الأمراء، فاتفقوا عليه و سلطنوه في أواخر شهر ربيع الآخر سنة ثمان و أربعين و ستمائة، و ركب بالسناجق السلطانية، و حملت الغاشية بين يديه، و أول من حملها الأمير حسام الدين ابن أبي علي، ثم تداولها أكابر الأمراء، و قالوا: هذا متى أردنا صرفه أمكننا ذلك، لعدم شوكته، و لكونه من أوسط الأمراء، ثم اجتمع الأمراء و البحرية، فاتفقوا على أنه لا بد من إقامته شخص في الملك من بني أيوب يجتمع الكل على طاعته، و كان سبب ذلك أن الأمير فارس الدين أقطاي الجمدار، و الأمير ركن الدين بيبرس البندقداري، و الأمير سيف الدين بلبان الرشيدي، و الأمير شمس الدين سنقر الرومي، وافقوا أن يكون التركماني سلطانا عليهم و اختاروا أن يقيموا صبيا من بني أيوب له اسم الملك، و هم يدبرونه و يأكلون الدنيا باسمه، فوقع اتفاقهم على الملك الأشرف مظفر الدين موسى بن الملك الناصر يوسف بن الملك المسعود أقسيس بن الملك الكامل، و كان عند عماته القطبيات و عمره نحو عشر سنين فأحضروه و سلطنوه، و خطبوا له و جعلوا التركماني أتابكه، و ذلك لخمس مضين من جمادى الأولى بعد سلطنة الملك المعز بخمسة أيام، و كانت التواقيع تخرج و صورتها «رسم بالأمر العالي المولوي السلطاني الملكي الأشرفي و الملكي المعزي» و استمر الحال على ذلك، و الملك المعز المستولى على التدبير و يعلم على التواقيع، و الملك الأشرف صورة، فلما ملك الملك الناصر صلاح الدين يوسف دمشق في سنة ثمان و أربعين، خرج الأمير ركن الدين و جماعة من العسكر إلى غزة فلقتهم عساكر الملك الناصر فاندفعوا راجعين و نزلوا بالسائح و به جماعة من الأمراء، فاتفقت كلمة الجميع‏

870

على مكاتبة الملك المغيث فتح الدين عمر ابن الملك العادل سيف الدين أبي بكر محمد بن الملك الكامل صاحب الكرك و الشوبك، و خطبوا له بالصالحية يوم الجمعة لأربع مضين من جمادى الآخرة، فأمر الملك المعز بالنداء بالقاهرة، و مصر بأن البلاد للخليفة المستعصم بالله و الملك المعز نائبه بها، و ذلك يوم السبت لخمس مضين من جمادى الآخرة سنة ثمان و أربعين، و وقع الحث في خروج العساكر، و جددت الأيمان للملك الأشرف بالسلطنة، و للملك المعز بالأتابكية، ثم قصد الملك الناصر صلاح الدين يوسف الديار المصرية بالعساكر، و ضرب مصافا مع العساكر المصرية، و كسروا كسرة شنيعة، و لم يبق إلا تملك الملك الناصر البلاد، و خطب له في قلعة الجبل و مصر و غيرها من الأعمال على ما هو مشهور، و تفرقوا منهزمين لا يلوون على شي‏ء، و تبعتهم عساكر الملك الناصر منتشرين وراءهم في طلب النهب و المكاسب، و بقي الملك الناصر في شرذمة يسيرة من أعيان الأمراء و الملوك تحت السناجق و الكوسات تخفق وراءه، و قد تحقق النصر و الظفر، و أما الملك المعز فتحير في أمره إذ ليس له جهة يلتجى‏ء إليها، فعزم بمن كان معه من الأمراء على دخول البرية و التوصل إلى مكان يأمنون فيه على أنفسهم، و ظهر لهم بعد ذلك عليهم، فاجتازوا إلى الملك الناصر على بعد و هم في نفر يسير و هو في نفر يسير فرموا أنفسهم عليه، و حملوا عليه حملة رجل واحد، فتفرقوا و قتل الأمير شمس الدين لؤلؤ الأميني مدبر الدولة، و أتابك العساكر، و الأمير ضياء الدين القيمري و غيرهما، و هرب الملك الناصر لا يلوي على شي‏ء، و كسر الملك الصالح عماد الدين إسماعيل بن الملك العادل، و الملك الأشرف ابن صاحب حمص، و الملك المعظم توران شاه ابن السلطان صلاح الدين و غيرهم، و استمرت الكسرة على عساكر الشام، و بلغ خبرها الأمير جمال الدين موسى بن يغمور، و قد قارب بلبيس، و معه قطعة كبيرة من الجيش، فقال: ما علينا نحن قد ملكنا البلاد، و السلطان يعود إلينا، و كان بعض الأمراء قد

871

توهم أن الملك الناصر ربما قتل، فقال الأمير نجم الدين أمير حاجب لابن يغمور: ياخوند جمال الدين حب الوطن من الإيمان، كأنه نسبه إلى أنه إختار دخول الديار المصرية على كل حال، و أنه ربما له باطن مع المصريين، فغضب لذلك و ثنى رأس فرسه، و عاد و لو كان دخل بمن معه لملك البلاد.

و عاد الملك المعز إلى الديار المصرية مظفرا منصورا، و خرج الملك الأشرف من قلعة الجبل للقائه، و رسخ قدم الملك المعز، و عظم شأنه، و استمر الحال على ذلك إلى سنة إحدى و خمسين، فوقع الاتفاق بينه و بين الملك الناصر على أن يكون له و للبحرية الديار المصرية و غزة، و القدس، و ما في البلاد الشامية للملك الناصر، و أفرج عن الملك المعظم توران شاه بن صلاح الدين، و أخيه نصرة الدين، و الملك الأشرف ابن صاحب حمص و غيرهم من الاعتقال، و توجهوا إلى الشام، و عظم شأن الأمير فارس الدين أقطاي الجمدار، و التفت عليه البحرية و صار يركب بالشاويش و حدثته نفسه بالملك، و كان أصحابه يسمونه الملك الجواد فيما بينهم، و خطب بنت الملك المظفر تقي الدين محمود صاحب حماة، و هي أخت الملك المنصور صاحبها، و تحدث مع الملك المعز أنه يريد يسكنها في قلعة الجبل لكونها من بنات الملوك، و لا يليق سكناها بالبلد، فاستشعر الملك المعز منه بما عزم عليه، و عمل على قتله، و لم يقدم على ذلك، فكاتب الملك الناصر صلاح الدين يوسف (رحمه الله) و استشاره في الفتك به فلم يجبه في ذلك بشي‏ء، مع كونه يؤثر ذلك، لكنه علم أنه مقتول على كل حال، و سير الأمير فارس الدين ليحضر بنت صاحب حماة إليه فخرجت من حماة، و وصلت دمشق في تجمل عظيم، وعدة محفاة مغشاة بالأطلس و غيره من فاخر القماش و عليها الحلي و الجواهر، ثم خرجت بمن معها من دمشق متوجهة إلى الديار المصرية، و أما الملك المعز فإنه لما أبطأ عليه جواب الملك الناصر، و تحقق أن بنت صاحب حماة في الطريق‏

872

بقي بين خطتي خسف إن منعه من سكنى القلعة حصلت المباينة الكلية و إن سكنه قويت أسبابه بها و لا يعود يتمكن من إخراجه، و يترتب على ذلك استقلال الأمير فارس الدين بالملك، فعمل على معاجلته فدخل إليه على عادته، و قد رتب له الملك المعز جماعة للفتك به منهم: الأمير سيف الدين قطز المعزي، و غيره من مماليكه المعزية، فقتلوه في دار السلطنة بقلعة الجبل في سنة اثنتين و خمسين، ثم خلع بعد قتله الملك الأشرف من السلطنة و أنزله من قلعة الجبل إلى عماته القطبيات، و ركب الملك المعز بالسناجق السلطانية، و حملت الأمراء الغاشية بين يديه، و استقل بالملك بمفرده استقلالا تاما، ثم إن العزيزية عزموا على قبضه في سنة ثلاث و خمسين فشعر بذلك فقبض على بعضهم، و هرب بعضهم، ثم تقرر الصلح بينه و بين الملك الناصر على أن يكون الشام جميعه للملك الناصر يوسف، و ديار مصر للملك المعز و حد ما بينهما بئر القاضي، و هو فيما بين الورادة و العريش، و ذلك بسفارة الشيخ نجم الدين الباذرائي، و تزوج الملك المعز بشجر الدر في سنة ثلاث و خمسين، فكان ذاك سببا لقتله، و قد ذكرنا كيفية قتله، و ماجرى عند ذلك و سلطنة ولده الملك المنصور نور الدين، فأغنى عن إعادته، و كان الملك المعز كثير الكرم و البذل، لا يمنع طالب حاجة إلا في النادر، و أطلق في مدة سلطنته من الأموال و الخيول و غير ذلك ما لا يحصى كثرة، و كان عفيفا طاهر الذيل لا يشرب مسكرا، و لا يرى العسف و الجور، كثير المداراة لخشدا شيته و الاحتمال لتجنبهم و شراسة أخلاقهم، و خلف عدة أولاد منهم الملك المنصور نور الدين علي، و ناصر الدين قاآن و رأيت له ولدا آخر بالديار المصرية سنة تسع و ثمانين، و هو في زي الفقراء الحريرية، و كان للملك المعز (رحمه الله) عدة مماليك أمراء نجباء منهم:

الملك المظفر سيف الدين قطز (رحمه الله)، و سنذكره إن شاء الله تعالى و غيره، و معظمهم كرماء على سجيته، و كان قتل الملك المعز بقلعة الجبل عشية يوم الثلاثاء الثالث و العشرين من ربيع الأول (رحمه الله)، و قيل‏

873

السادس و عشرين منه، و كان له بر و معروف، و بنى المدرسة المعزية بمصر على النيل، و هي من أحسن المدارس، و وقف عليها وقفا جيدا، و لها دهليز عظيم متسع طويل مفرط في السعة و الطول، بلغني أن بعض الكبراء دخلها فرآها صغيرة بالنسبة إلى مجازها، فقال: هذه المدرسة مجاز بلا حقيقة، و كان يلي تدريسها القاضي برهان الدين الخضر بن الحسن السنجاري، (رحمه الله) إلى أن مات، و هو على تدريسها، و ملك الملك المعز الديار المصرية نحو سبع سنين، و توفي و قد ناهز الستين سنة (رحمه الله تعالى).

[وفاة أيبك بن عبد الله الأمير عز الدين الحلبي الكبير:]

أيبك بن عبد الله الأمير عز الدين الحلبي الكبير كان من أعيان الأمراء الصالحية النجمية و قدمائهم، و ممن يضاهي الملك المعز، و له المكانة العظيمة في الدولة، و المحل الكبير بين الأمراء يعترفون له بالتقدم عليهم و الرياسة، و كان له عدة مماليك أعيان نجباء صاروا بعده أمراء أكابر منهم: ركن الدين اتاجي أمير حاجب، و بدر الدين بيليك الجاشنكير، و صارم الدين أزبك الحلبي و غيرهم، و لما قتل الملك المعز على ما قدمنا ذكره حلف الأمراء لولده الملك المنصور، و توقف الأمير عز الدين المذكور، و أراد القيام بالأمر، ثم خاف على نفسه فحلف و وافق الأمراء في ذلك، فلما كان يوم الجمعة عاشر ربيع الآخر، و قبض الأمير سيف الدين قطز و المعزية على الأمير علم الدين سنجر الحلبي و اعتقلوه، ركب الأمراء الصالحية، و منهم الأمير عز الدين المذكور فتقنطر به فرسه، فهلك خارج القاهرة، و أدخل إليها ميتا، و كذلك ركن الدين خاص ترك الصغير رحمهما الله تعالى.

[وفاة شجر الدر بنت عبد الله:]

شجر الدر بنت عبد الله جارية الملك الصالح نجم الدين، و أم ولده خليل، كانت حظية عنده أثيرة لديه، و كانت في صحبته لما كان بالكرك و ولدت له خليلا، و حمل معها إلى الديار المصرية و بقي مدة يسيرة يركب مع الخدام، و توفي صغيرا، و لما قتل الملك المعظم توران شاه تملكت‏

874

الديار المصرية، و خطب لها على المنابر، و كانت تعلم على المناشير و غيرها «والدة خليل»، و بقيت على ذلك مدة ثلاثة شهور، ثم استقر الأشرف و المعز على ما ذكرنا، ثم تزوجها الملك المعز حسب ما شرحناه، و كانت مستولية عليه ليس له معها كلام، و كانت ذكية ذات شهامة و نفس قوية و سيرة حسنة، شديدة الغيرة، فلما بلغها أن الملك المعز يريد أن يتزوج بنت الملك الرحيم بدر الدين لؤلؤ صاحب الموصل، و قد عمل على ذلك، تخيلت منه أنه ربما عزم على إبعادها، أو إعدامها لأنه سأم من تحجرها عليه و استطالتها، فعاجلته و قتلته على ما ذكرنا، فأخذها مماليكه بعد أن أمنوها و اعتقلوها بالبرج الأحمر بقلعة الجبل، و عندها بعض جواريها، و الملك المنصور و والدته يحرضان المعزية على قتلها لأنها كانت غير مجملة في أمرهما، و كان الملك المعز لا يجسر أن يجتمع بوالدة الملك المنصور ولده خوفا من شجر الدر.

فلما كان يوم السبت حادي عشر ربيع الآخر وجدت مقتولة مسلوبة خارج القلعة، فحملت إلى تربة كانت بنتها لنفسها بقرب مشهد السيدة نفيسة رحمة الله عليها، فدفنت بها، و كان الصاحب بهاء الدين علي بن محمد بن سليم المعروف بابن حنا وزيرها، و وزارته لها أول درجة ترقى إليها من المناصب الجليلة، و لما قتلت الملك المعز و أحيط بها و تيقنت أنها مقتولة أودعت جملة من المال فذهب، و أعدمت جواهر نفيسة سحقتها في الهاون ...

غازية خاتون بنت الملك الكامل محمد

بن الملك العادل سيف الدين أبي بكر محمد بن أيوب بن شاذي، والدة الملك المنصور صاحب حماة، كانت صالحة دينة تحب الخير و أهله، و أقامت منار العدل بحماة، و هي المدبرة للأمور منذ توفي زوجها الملك المظفر، و نصب مكانه ولده الملك المنصور، و المرجع إلى ما ترسم به في الجليل و الحقير، و كانت وصلت إلى حماة في سنة تسع و عشرين و ستمائة، و ولد لها من الملك المظفر ابنان‏

875

و ثلاث بنات، أما الابنان فالملك المنصور ناصر الدين أبو المعالي محمد و مولده في ربيع الأول سنة اثنتين و ثلاثين و ستمائة، و الأفضل نور الدين أبو الحسن علي و مولده سنة خمس و ثلاثين، و أما البنات فتوفيت الكبرى منهن قبل وفاة والدتها بقليل، فدفنتها بقلعة حماة، و لما توفيت الصاحبة دفنت إلى جانبها، ثم لما توفيت الصاحبة عائشة خاتون بنت الملك العزيز غياث الدين محمد بن الملك الظاهر زوجة الملك المنصور، و والدة ولده الملك المظفر دفنت في التربة المذكورة، ثم لما توفي الملك المنصور دفن في تربة عملت له إلى جانب الجامع الأعلى بحماة، و نقل المدفونون بالقلعة إلى التربة المذكورة، و كانت وفاة غازية خاتون ليلة الأحد تاسع عشر ذي القعدة، أو ذي الحجة هذه السنة رحمها الله تعالى ...

أبو الحسن المغربي المورقي نور الدين الأمير

، هو من أقارب المورقي الملك المشهور ببلاد المغرب، توفي نور الدين في أول ربيع الأول بدمشق و دفن بجبل قاسيون بمقبرة الأمير جمال الدين موسى بن يغمور، (رحمه الله تعالى) و كان فاضلا فمن المنسوب إليه من أبيات:

القضب راقصة و الطير صادحة* * * و الستر مرتفع و الماء منحدر

و قد تجلت من اللذات اوجهها* * * لكنها بظلال الدوح تستتر

فكل واد به موسى يفجره‏* * * و كل روض على حافاته الخضر

و من المنسوب إليه أيضا:

و ذي هيف راق العيون انتبازه‏* * * بقد كريان من البان مورق‏

كتبت إليه هل تجود بزورة* * * فوقع: لا، خوف الرقيب المصدق‏

فأيقنت من «لا» بالعناق تفاؤلا* * * كما اعتنقت «لا» ثم لم تتفرق‏

[أحداث‏] سنة ست و خمسين و ستمائة

دخلت هذه السنة و الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن محمد بدمشق، و البحرية و من انضم إليهم من الأمراء الصالحية و علي بن الملك‏

876

المغيث صاحب الكرك متفقون على قصد الديار المصرية، و وصل إليهم الملك المغيث و نزل بدهليزه بغزة، و أمر البحرية كله راجع إلى الأمير ركن الدين البندقداري، و وصل الأمير سيف الدين قطز و عساكر مصر، و نزلوا حول العباسة مستعدين لقتالهم.

[استيلاء المغول على بغداد:]

و فيها استولى التتار على بغداد و العراق بمكيدة دبرت مع وزير الخليفة قبل ذلك، و آل الأمر إلى هلاك الخليفة، و أرباب دولته و قتل معظم أهل بغداد، و نهبوا و ذلك في يوم الأربعاء عاشر صفر قصد هولاكو بغداد و ملكها، و قتل الخليفة المستعصم بالله (رحمه الله)، و ما دهي الاسلام بداهية أعظم من هذه الداهية و لا أفظع، و سنذكر خبرها مجملا إن شاء الله تعالى.

قد علم تملك التتر أكثر الممالك الإسلامية و ما فعلوه من خراب البلاد، و سفك الدماء، و سبي الحريم و الأولاد، و نهب الأموال، و كانوا قبل هذه السنة قد قصدوا الألموت بلد الباطنية، و معقلهم المشهور، و كان صاحب الألموت و بلادها علاء الدين محمد بن جلال الدين حسن المنتسب إلى نزار بن المستنصر بالله العلوي صاحب مصر، و توفي و قام مقامه ولده الملقب شمس الشموس، و كان الذي قصد الألموت هولاكو، و هو من ذرية جنكيز خان، الذي قصد بلاد الشام سنة ست عشرة و ستمائة و اندفع بين يديه السلطان علاء الدين محمد بن تكش، و فعل تلك الأفاعيل العجيبة المسطورة في التواريخ، و هو صاحب أمة التتر التي مرجعهم إليها، و كان جنكيز خان عندهم بمنزلة النبي لهم، و لما نازل هولاكو الألموت، نزل إليه صاحبها ابن علاء الدين بإشارة نصير الدين الطوسي عليه بذلك، و كان الطوسي عنده، و عند أبيه قبله، فقتل هولاكو ابن علاء الدين، و فتح الألموت و ما معها من البلاد التي في تلك الناحية، و كان لهم بالشام معاقل، و لصاحب الألموت فيها أبدا نائب من قبله، و سنذكر ما آل إليه أمرها فيما بعد إن شاء الله تعالى.

877

و استولى هولاكو على بلاد الروم، و أبقى ركن الدين بن غياث الدين كيخسرو فيها له اسم السلطنة صورة، و ليس له من الأمر شي‏ء، و في سنة أربع و خمسين و ستمائة تهيأ هولاكو لقصد العراق، و سبب ذلك أن مؤيد الدين ابن العلقمي وزير الخليفة كان رافضيا، و أهل الكرخ روافض، و فيه جماعة من الأشراف و الفتن لا تزال بينهم و بين أهل باب البصرة، فإنه لسبب التعصب في المذاهب، فاتفق أنه وقع بين الفريقين محاربة فشكا أهل باب البصرة، و هم سنية إلى ركن الدين الدوادار، و الأمير أبي بكر بن الخليفة، فتقدما إلى الجند بنهب الكرخ، فهجموا و نهبوا و قتلوا، و ارتكبوا العظائم، فشكا أهل الكرخ ذلك إلى الوزير، فأمرهم بالكف و التغاضي، و أضمر هذا الأمر في نفسه، و حصل عنده بسبب ذلك الضغن على الخليفة، و كان المستنصر بالله (رحمه الله) قد استكثر من الجند، حتى قيل إنه بلغ عدة عسكره نحو مائة ألف، و كان منهم أمراء أكابر يطلق على كل منهم لفظ الملك، و كان مع ذلك يصانع التتار و يهاديهم، فلما ولي المستعصم أشير عليه بقطع أكثر الجند، و أن مصانعة التتر و حمل المال إليهم يحصل به المقصود، ففعل ذلك و قلل من الجند، و كاتب الوزير ابن العلقمي التتر و أطمعهم في البلاد، و أرسل إليهم غلامه و أخاه، و سهل عليهم ملك العراق، و طلب منهم أن يكون نائبهم في البلاد، فوعدوه بذلك، و أخذوا في التجهيز لقصد العراق، و كاتبوا بدر الدين لؤلؤ صاحب الموصل في أن يسير إليهم ما يطلبونه من آلات الحرب، فسير إليهم ذلك، و لما تحقق قصدهم علم أنهم إن ملكوا العراق لا يبقون عليه، فكاتب الخليفة سرا في التحذير منهم، و أنه يعتد لحربهم، فكان الوزير لا يوصل رسله إلى الخليفة، و من وصل إلى الخليفة منهم بغير علم الوزير اطلع الخليفة وزيره على أمره، فكان الشريف تاج الدين ابن موصلايا نائب الخليفة بإربل، فسير إلى الخليفة من يحذره من التتر، و هو غافل لا يجدي فيه التحذير، و لا يوقظه التنبيه لما يريده الله تعالى، فلما تحقق الخليفة حركة التتر نحوه، سير شرف الدين ابن محيي‏

878

الدين ابن الجوزي رسولا إليهم يعدهم بأموال يبذلها لهم، ثم سير نحو مائة رجل إلى الدربند الذي يسلكه التتر إلى العراق ليكونوا فيه، و يطالعوه بالأخبار، فتوجهوا، و لم يأت منهم خبر لأن الأكراد الذين كانوا عند الدربند دلوا التتر عليهم على ما قيل، فقتلوهم كلهم و توجه التتر إلى العراق و جاء بايجونوين في جحفل عظيم، و فيه خلق من الكرج و من عسكر بركة خان ابن عم هولاكو، و مدد من بدر الدين لؤلؤ صاحب الموصل مع ولده الملك الصالح من جهة البر الغربي عن دجلة، و خرج معظم العسكر من بغداد للقائهم و مقدمهم ركن الدين الدوادار، فالتقوا على نحو مرحلتين من بغداد، و اقتتلوا قتالا كثيرا، و فتقت فتوق من نهر الملك على البر الذي القتال فيه، و وقعت الكسرة على عسكر بغداد، فوقع بعضهم في الماء الذي خرج من تلك الفتوق، فارتطمت خيلهم و أخذتهم السيوف فهلكوا، و بعضهم رجع إلى بغداد هزيما، و قصد بعضهم جهة الشام، قيل كانوا نحو ألف فارس، ثم توجه بايجونوين و من معه، فنزل القرية مقابل دور الخلافة، و بينه و بينها دجلة، و قصد هولاكو بغداد من جهة البر الشرقي عن دجلة، و هو البر الذي فيه مدينة بغداد و دور الخلافة، و ضرب سورا على عسكره، و أحاط ببغداد، فحينئذ أشار ابن العلقمي الوزير على الخليفة بمصانعة ملك التتر، و مصالحته و سأله أن يخرج إليه في تقرير ذلك، فخرج و توثق منه لنفسه، ثم رجع إلى الخليفة و قال له إنه قد رغب أن يزوج ابنته من ابنك الأمير أبي بكر، و يبقيك في منصب الخلافة كما أبقى سلطان الروم في سلطنة الروم لا يؤثر إلّا أن تكون الطاعة له كما كان أجدادك مع السلاطين السلجوقية، و ينصرف بعساكره عنك فنجيبه إلى هذا، فإن فيه حقن دماء المسلمين، و يمكن بعد ذلك أن تفعل ما تريد، و حسن له الخروج إليه، فخرج في جمع من أكابر أصحابه فأنزل في خيمة، ثم دخل الوزير فاستدعى الفقهاء و الأماثل ليحضروا عقد النكاح فيما أظهره، فخرجوا فقتلوا، و كذلك صار يخرج طائفة بعد طائفة، ثم مد الجسر

879

و غدا بايجونوين و من معه، و بذل السيف في بغداد، فقتل كل من ظهر، و لم يسلم إلا من اختفى، و قتل من كان في دار الخلافة من الأشراف، و لم يسلم منها إلّا من هرب، أو كان صغيرا فإنه أخذ أسيرا، و استمر القتل و النهب نحو أربعين يوما، ثم نودي بالأمان فظهر من كان اختفى، و قتل سائر الذين خرجوا إلى هولاكو من القضاة و الأكابر و المدرسين و أما الوزير ابن العلقمي فلم يتم له ما أراد، و مات بعد مدة يسيرة، و لقّاه الله تعالى ما فعله بالمسلمين، و رأى قبل موته في نفسه العبر و الهوان، و الذل ما لا يعبر عنه، ثم ضرب هولاكو عنق بايجونوين لأنه قيل عنه أنه كاتب الخليفة و هو في الجانب الغربي، و أما الخليفة فقتل، و لكن لم يتحقق كيفية قتلته، فقيل: إنه خنق، و قيل رفس إلى أن مات، و قيل غرق، و قيل لف في بساط ففطس، و الله أعلم بحقيقة الحال.

و نعود إلى أخبار الشام و مصر: كنا ذكرنا أن العساكر المصرية نزلوا حول العباسة لما بلغهم اجتماع البحرية، و بعض أمراء مصر مع الملك المغيث، و لما جاءهم الخبر بمحاصرة التتر لبغداد، كتبوا بذلك إلى الديار المصرية، و تقدموا بأن بدعى للمسلمين بالنصر، فأمر الشيخ عز الدين عبد العزيز بن عبد السلام (رحمه الله) الأئمة و الخطباء أن يقنتوا في الصلوات الخمس، ثم ورد الخبر أن بغداد ملكت، فاشتد أسف المسلمين، و حزنهم.

ذكر الوقعة بين الملك المغيث و عسكر مصر

لما تكامل العسكر مع الملك المغيث دخل بهم إلى الرمل، و التقى بعسكر المصريين، فكانت الكسرة على المغيث و من معه، و قبض يومئذ على عز الدين أيبك الرومي، و عز الدين أيبك الحموي الكبير، و ركن الدين الصرفي، و ابن أطلس خان الخوارزمي، و أحضروا بين يدي الأمير سيف الدين قطز و الأمير الغتمي و الأمير بهادر المعزي، فأمروا بضرب أعناقهم فضربت و حملت رؤوسهم إلى القاهرة و علقت بباب زويلة، ثم‏

880

أنزلت من يومها و دفنت لما أنكر على المعزية هذا الفعل الشنيع، و هرب الملك المغيث و الصوابي بدر الدين، و الأمير ركن الدين بيبرس البندقداري و من معهم، و وصلوا الكرك في أسوأ حال، و نهب ما كان معهم من الثقل و دهليز الملك المغيث، و دخل العسكر القاهرة بما حازوه، و زين لذلك البلدان، و كان المصاف يوم الثلاثاء الحادي و العشرين من ربيع الآخر.

ذكر ما تجدد للتتر بعد أخذ بغداد

لما ملكوها نادوا بالأمان لأهل العراق كلهم، و ولوا فيه ولاتهم، و كان الوزير ابن العلقمي قد أطمعته نفسه بأن الأمور تكون مفوضة إليه، و كان قد عزم على أن يحسن لهولاكو أن يقيم ببغداد خليفة فاطميا، فلم يتم له ذلك، و اطرحه التتر، و بقي معهم على صورة بعض الغلمان فمات بعد قرب كمدا، و ندم حيث لا ينفعه الندم، و لقاه الله فعله، و رحل التتر عن بغداد إلى بلاد أذربيجان، ثم رحل إليهم بدر الدين لؤلؤ صاحب الموصل، و الشريف تاج الدين ابن موصلايا صاحب إربل، فأكرم بدر الدين ورده إلى بلاده، و أما ابن موصلايا فقتل، و قد ذكر و الله أعلم، أن بدر الدين لؤلؤ قال لهولاكو: هذا شريف علوي، و ربما تطاول أن يكون خليفة، و يبايعه على ذلك خلق عظيم، فتقدم هولاكو بقتله و لما رجع بدر الدين إلى الموصل لم يطل مقامه بها و توفي.

و فيها قصد التتر ميافارقين فنازلوها و حصروها، و كان المتولي لحصرها أشموط بن هولاكو، و كان صاحبها الملك الكامل ناصر الدين محمد بن الملك المظفر شهاب الدين غازي بن العادل، قد قصد الملك الناصر صلاح الدين يوسف مستنجدا به على التتر، فوعده بذلك، و لم يتمكن من إنجاده.

و فيها وردت رسل التتر إلى الملك الناصر صلاح الدين يوسف، فوصلهم منه جملة كبيرة من المال.

881

و فيها اشتد الوباء بالشام، و فني من أهل دمشق خلق لا يحصى، و عزت الفراريج و غيرها مما يستعمل المرضى، و بيع الرطل الدمشقي من التمر الهندي بستين درهما، و الحزة من البطيخ الأخضر بدرهم.

ذكر ما تجدد للبحرية بعد كسرتهم بمصر

لما رجعوا مع الملك المغيث مفلولين سير إليهم الملك الناصر جيشا مقدمه الأمير مجير الدين إبراهيم بن أبي بكر زكرى، و الأمير نور الدين علي بن الشجاع الأكتع، و التقوا بغزة فكسرتهم البحرية و قبضوا على مجير الدين، و نور الدين و حملوهما إلى الكرك فلم يزالا بها معتقلين إلى أن أخرجهما الملك المغيث، فسيرهما إلى الملك الناصر لما اصطلحا، كما سنذكره إن شاء الله تعالى، فقوي عند هذه الكسرة أمر البحرية و امتدو في البلاد، فعند ذلك برز الملك الناصر للقائهم، و ضرب دهليزه قبلي دمشق، و قرب البحرية من دمشق، و جاء الأمير ركن الدين بيبرس البندقداري مقدمهم في بعض الأيام، و قطع أطناب خيمة الملك الناصر المضروبة، و كثر الإرجاف بهم في دمشق ...

[الوفيات:]

و فيها توفي:

بكتوت بن عبد الله الأمير سيف الدين العزيزي‏

أستاذ دار الملك الناصر صلاح الدين يوسف (رحمه الله)، كان من أكبر الأمراء بالدولة الناصرية، و له الحرمة الوافرة و المكانة العالية، و المهابة الشديدة، و يده مبسوطة، و أمره نافذ في المملكة، و بيده الاقطاعات العظيمة، و له الأموال الجمة، و الخيول و الجمال، و المواشي الكثيرة، و غير ذلك ظاهر التجمل شجاعا، حسن السياسة و التدبير، مليح الصورة بهي الشكل، و كان مجردا في الجهات التي قبلي دمشق، فتوفي هناك، و دخل غلمانه و حاشيته دمشق بالأعلام المنكسة، و السروج المقلبة على الخيول المهلبة، و مماليكه قد قطعوا شعورهم، و لبسوا المسوح السود، فكانت صورة

882

مؤلمة مبكية، و وجد له من الحواصل ما لا يوصف، و سمعت أنه سم، و أن الذي تولى ذلك عز الدين عبد العزيز بن وداعة، و أنه سمه في بطيخة خضراء، و كان سيف الدين المذكور يحب البطيخ الأخضر، و يجلب إليه حيث كان، فاتفق أنني سألت حسام الدين أتش العزي (رحمه الله) أستاذ دار ابن وداعة، إذ كان متوليا قلعة بعلبك، عن ذلك، فأنكر أن يكون أستاذه فعله، بل قال: إن الملك الناصر سير أستاذي في بعض المهمات، فلما اجتاز بالعسكر قصد خدمة الأمير سيف الدين للسلام عليه، فقال له الأمير سيف الدين: معك بطيخ أخضر؟ قال:

فعاد إلى خيمته و جهز له بطيخا أخضر، و غيره من هدية دمشق، فأكل من البطيخ، و أمعن، و اتفق تغير مزاجه و مرضه و وفاته، فقال الناس ما قالوا، و الله أعلم، و بالجملة كان الأمير سيف الدين جليل المقدار من أركان الدولة، و منذ توفي حصل الخلل، و تغيرت أحوال الدولة الناصرية (رحمه الله تعالى).

الحسن بن محمد بن محمد بن محمد بن محمد بن عمروك‏

، و هو عمرو ابن محمد بن عبد الله بن الحسن بن القاسم بن علقمة بن نصر بن معاذ بن عبد الرحمن بن القاسم ابن محمد بن أبي بكر الصديق، (رضوان الله عليه)، أبو علي صدر الدين القرشي التيمي البكري النيسابوري الأصل، الدمشقي المولد و المنشأ، مولده بدمشق بكرة الحادي و العشرين من المحرم سنة أربع و سبعين و خمسمائة، سمع من خلق كثير في بلاد متعددة، و حصل كثيرا من الكتب و كتب العالي و النازل، و كان حافظا مغرما بهذا الشأن، و خرّج تخاريج عدة، و شرع في جمع ذيل التاريخ الذي بدمشق، و حصل منه أشياء حسنة و لم يتمه و عدم بعده، و كان عنده رياسة و فضيلة تامة، و ولي حسبة دمشق و سيّرة الملك المعظم عيسى ابن الملك العادل إلى الشرق برسالة إلى السلطان جلال الدين خوارزم شاه ملك العجم باطنا، و أظهر أن توجهه ليحضر ماء من عين بتلك البلاد من خاصية ذلك الماء،

883

أنه إذا حمل في قوارير زجاج و حمل على الرماح تبعه نوع من الطير يفني الجراد. و كان قد حصل بالشام جراد كثير لم يعهد مثله، فتوجه و صحبه جماعة صوفية، و اجتمع بجلال الدين منكبرتي خوارزم شاه، و قرر معه الاتفاق مع الملك المعظم، و تعاضد به و استحلفه له، و كان سبب ذلك أن الملك الكامل، و الملك الأشرف اتفقا على الملك المعظم، فأراد أن يحصل له من يعتضد به، و كان السلطان جلال الدين مجاورا لخلاط، و بلاد الملك الأشرف في الشرق، فلما أبرم صدر الدين ما توجه بسببه، أحضر الماء المطلوب على الصورة المقترحة، و عاد إلى دمشق، و كان الجراد قد قل، فلما عاد البكري كثر، فعمل الناس في ذلك الأشعار، و ظهر للناس ما توجه بسببه في الأمر، و علم الملك الكامل، و الملك الأشرف ذلك، و لما عاد البكري ولاه الملك المعظم مشيخة الشيوخ مضافا إلى الحسبة، و لهذا صدر الدين خانكاه بدمشق تعرف قيسارية الصرف، و كانت وفاته في ليلة الإثنين حادي عشر ذي الحجة بالقاهرة، و دفن من الغد بسفح المقطم، (رحمه الله تعالى) ...

داود بن عيسى بن أبي بكر بن محمد بن أيوب بن شاذي‏

، أبو المظفر و قيل أبو المفاخر، الملك الناصر صلاح الدين ابن الملك المعظم شرف الدين ابن الملك العادل سيف الدين، ولد الملك الناصر المذكور في جمادى الآخرة سنة ثلاث و ستمائة، و لما ولد سماه الملك المعظم إبراهيم و أخبر والده الملك العادل بذلك، فقال: أخوك اسمه إبراهيم يشير إلى الملك الفائز، فقال: ما ترسم أن أسميه؟ فقال: سمه داود، فسماه فلما حج الملك المعظم في سنة احدى عشرة و ستمائة، و اجتاز بالمدينة صلوات الله و سلامه على ساكنها، تلقاه أمير المدينة و خدمه خدمة بالغة، و قال له: ياخوند أريد أن أفتح لك الحجرة الشريفة لتزور زيارة خاصة لم ينلها غيرك، فقال: معاذ الله أن أتهجم و أقدم على هذا، و الله إنني في طرف المسجد، و أنا وجل من إساءه الأدب فإني أخبر بنفسي، و مثلي‏

884

لا ينبغي له أن يداني هذا المقام الشريف إجلالا له و تعظيما، فرأى بعض الصلحاء النبي (صلى الله عليه و سلم) في المنام، و هو يقول له: قل لعيسى: إن الله قد قبل حجه و زيارته، و غفر له و لأم إبراهيم، لتأدبه معي و احترامه لي أو ما هذا معناه، فحضر ذلك الرجل إلى الملك المعظم و قص عليه الرؤيا بمحضر من خواصه، فبكى الملك المعظم لفرط السرور، فلما قام من عنده قال: ما أشك في صدق هذه الرؤيا إن شاء الله تعالى، فقال له خواصه: لكن ما يعرف لك ولد اسمه إبراهيم، و حكى لهم صورة تسمية الملك الناصر أولا بإبراهيم، و أنه هو الاسم الذي وقع عليه أولا.

و نشأ الملك الناصر في حياة أبيه ملازما للاشتغال بالعلوم على اختلافها، و شارك في كثير منها، و حصل منها طرفا جيدا، و سمع بالشام و العراق من جماعة منهم محمد بن أحمد القطيعي و غيره، و كانت له إجازة من أبي الحسن المؤيد بن محمد الطوسي و غيره و حدث، و سأذكر من أحواله و أخباره و أشعاره و ترسله ما يعلم به معظم أمراءه إن شاء الله، كان الملك المعظم عيسى (رحمه الله) خلف من الولد عدة بنات، و ثلاثة بنين الملك الناصر أكبرهم، فملك دمشق و سائر مملكة أبيه في عشر ذي الحجة سنة أربع و عشرين و ستمائة، و استقل بذلك.

و في سنة خمس و عشرين وصل عماد الدين بن الشيخ من مصر إلى دمشق، و معه ابن جلدك بالخلع و التغايير على الملك الناصر من الملك الكامل.

و في سنة ست و عشرين خرج الملك الكامل لقصده، و انتزاع دمشق منه، فسير الملك الناصر فخر القضاة ابن بصاقة إلى الملك الأشرف يستصرخ به، فحضر الملك الأشرف إلى دمشق لنصرته، و نزل في بستانه بالنيرب، فجرت أمور يطول شرحها، لأن الملك الأشرف تغير عليه، و مال إلى الملك الكامل، و فارق الملك الناصر، و توجه إلى الملك الكامل،

885

و أوهم الملك الناصر أنه يصلح أمره مع عمه الملك الكامل، و كان الملك الكامل قد وصل بيسان فلما بلغه وصول الملك الأشرف رجع إلى غزة، و قال: أنا ما خرجت على أن أقاتل أخي الملك الأشرف، فلما بلغ ذلك الملك الأشرف قال للملك الناصر داود: الملك الكامل قد رجع حردان، و المصلحة أنني ألحقه و أسترضيه، و أقرر القواعد معه.

و أما الملك الكامل فإنه نزل غزة، و كان الانبروز قد نزل الساحل بمقتضى مراسلة قديمة كانت من الملك الكامل إليه في حياة الملك المعظم، فلما حضر على تلك القاعدة بجموعه بعد موت المعظم، سير إلى الملك الكامل و قال له: أنا قد حضرت بقولك، و عرفت أن غرضك قد فات، و معي عساكر عظيمة، و خلق كثير و ما بقي يمكنني الرجوع على غير شي‏ء، فحدثني حديث العقال حتى أرجع إلى بلادي، فقال الملك الكامل: إيش تريد؟ قال: تعطينا القدس، و ترددت المراسلات بينهما أشهرا فاقتضى رأي الملك الكامل تسليم القدس دون عمله، و حصل الرضا بذلك، فلما تردد الفرنج للزيارة اغتيل منهم في الطريق من انفرد، فشكوا ذلك إلى الملك الكامل فأعطاهم القرايا التي على طريقهم من عكا إلى القدس، و وقع الصلح و الاتفاق على ذلك، و حضر بعد إبرام الصلح مع الفرنج على هذه القاعدة لحصار دمشق، فحصرها و أخذها على ما سنذكر إن شاء الله تعالى.

و لما اجتمع الملك الأشرف، و الملك الكامل، اتفقا على انتزاع دمشق من الملك الناصر، و أن يأخذها الملك الأشرف و ينزل على بلاد في الشرق عينها الملك الكامل، و وقع الاتفاق عليها، فحضرا لحصاره بعساكرهما، و حصراه مدة أربعة شهور، و تسلما دمشق في غرة شعبان سنة ست و عشرين، و أبقى عليه قطعة كثيرة من الشام منها: الكرك، و عجلون، و الصلت، و نابلس، و الخليل، و أعمال القدس، لأن القدس كان سلم إلى الإنبروز قبل ذلك، سوى عشر قرى على الطريق من عكا

886

إلى القدس فإنها سلمت إلى الفرنج مع مدينة القدس، و أخذ منه الشوبك، فبكى بين يدي الملك الكامل عليها، فقال له الملك الكامل: أنا مالي حصن يحمي رأسي، و افرض أنك و هبتني إياه فسكت، و خرج الملك الناصر بأمواله و ذخائره جميعها، و توجه إلى الكرك و البلاد التي أبقيت عليه، و عقد على عاشوراء خاتون ابنت الملك الكامل شقيقة العادل بن الكامل سنة تسع و عشرين، و بقي على ذلك مدة، ثم تغير عليه الملك الكامل تغيرا مفرطا و أعرض عنه إعراضا كليا، و ألزمه طلاق ابنته، ففارقها قبل الدخول بها في سنة إحدى و ثلاثين، و كان سبب تغيره عليه أن الملك الكامل قصد دخول الروم، و الاستيلاء على ممالكه، و كان ملك الروم إذ ذاك السلطان علاء الدين كيقباذ بن كيخسرو، فتوجه الملك الكامل و صحبته الملوك بستة عشر دهليزا: الملك الأشرف مظفر الدين موسى، و الملك المظفر شهاب الدين غازي صاحب ميافارقين، و الملك الصالح عماد الدين إسماعيل، و الملك الحافظ نور الدين رسلان شاه صاحب قلعة جعبر، و الملك الناصر داود، و الملك المعظم توران شاه ابن صلاح الدين بعسكر حلب، و الملك الزاهد محيي الدين داود بن صلاح الدين، صاحب البيرة، و أخوه الملك المفضل قطب الدين صاحب سميساط، و الملك الصالح صلاح الدين أحمد بن الملك الظاهر غازي صاحب عبن تاب، و الملك المظفر تقي الدين محمود صاحب حماة، و الملك المجاهد أسد الدين شيركوه صاحب حمص، و غيرهم، و سير صاحب الروم إلى الملك العزيز صاحب حلب يقول: أنا راض بأن تمده بالرجال، و لا تنزل إليه أبدا، و أعفاه الملك الكامل من النزول، فرضي الملكان بفعله، ثم تقدم الملك الكامل بالعساكر إلى الدربند، فوجد السلطان علاء الدين قد حفظ طرقاته بالرجال، و هي طرق صعبة متوعرة يشق سلوكها على العساكر، فنزل الملك الكامل على النهر الأزرق، و هو في أوائل بلد الروم، و جاءت عساكر صاحب الروم، و صعدت رجالته إلى فم الدربند، و بنوا عليه سورا، و قاتلوا منه، و قلت‏

887

الأقوات في عسكر الملك الكامل جدا، ثم نمى إلى الملك الأشرف و الملك المجاهد صاحب حمص أن الملك الكامل ذكر في الباطن أنه إن ملك بلاد الروم نقل سائر الملوك من أهل بيته إليها، و انفرد بملك الشام مع الديار المصرية، فاستوحشا من ذلك و أطلعا ملوك البيت الأيوبي، فتغيرت نيات الجميع، و اتفقوا على التخاذل و عدم النصح، فلما أحس الملك الكامل منهم بذلك، مع كثرة الغلاء، و امتناع الدربند رحل بالعساكر إلى أطراف بلاد بهسنا، و جهز بعض الأمراء إلى حصن منصور فهدمه، و وصل إلى خدمته صاحب خرتبرت داخلا في طاعته، و أشار عليه بالدخول إلى بلاد الروم من جهة خرتبرت، فجهز معه الملك المظفر صاحب حماة، و الطواشي شمس الدين صواب العادلي، و كان من أكبر الأمراء، و فخر الدين البانياسي في ألفين و خمسمائة فارس، فوصلوها جرائد بغير خيم، فعند طلوع الفجر أقبلت عساكر الروم في اثني عشر ألف فارس مقدمهم القيمري، و ضربوا معهم مصافا من أول النهار إلى آخره، و ظهر عسكر الروم، و دخل الملك المظفر و شمس الدين صواب و فخر الدين البانياسي قلعة خرتبرت مع صاحبها، و نزل باقي العسكر في الربض، فزحف عسكر الروم و ملكوا الربض عنوة و أسروا أكثر من كان فيه من العسكر الكاملي، ثم وصل السلطان علاء الدين في بقية عساكره و أحدقوا بالقلعة، و نصبوا عليها تسعة عشر منجنيقا، و حصروها أربعة و عشرين يوما، و قل الماء و الزاد من عندهم، فطلبوا الأمان فأمنهم صاحب الروم، و تسلم القلعة و ما معها من القلاع، و كانت سبعا، و تلقى الملك المظفر و من معه أحسن ملتقى، و نادمهم، و خلع عليهم، و قدم لهم التحف الجليلة و كان نزولهم من القلعة يوم الأحد لسبع بقين من ذي القعدة سنة إحدى و ثلاثين، فكان ذلك من آكد مقدمات الوحشة بين الملك الكامل و الناصر، و غيره من الملوك، و كثر استشعار الملك الناصر من عمه الملك الكامل، فلما دخلت سنة ثلاث و ثلاثين قوي عزم الملك الناصر على قصد الخليفة، و هو المستنصر

888

بالله و الاستجارة به، فحصل النجب و الروايا، و ما يحتاج إليه لسفر البرية، ثم توجه و صحبته فخر القضاة نصر الله بن بصاقة، و الشيخ شمس الدين عبد الحميد الخسرو شاهي و الخواص من مماليكه و ألزامه، فلما قرب من بغداد أمر الخليفة بتلقيه و إكرامه، و دخل بغداد، و نزل بها مكرما معظما، و قدم للخليفة ما كان استصحبه معه من الجواهر النفيسة و التحف، و الهدايا الجليلة، و أمر الخليفة له بالإقامات الكثيرة، و لأصحابه بالعطايا و الخلع، و كان آثر أن يأذن له الخليفة بالحضور بين يديه فيقبل يده، و مشاهدة وجهه كما فعل بمظفر الدين كوكبري بن زين الدين علي كوجك صاحب إربل، فإنه كان قدم بغداد فطلب الاجتماع بالخليفة فأذن له في ذلك، فحضر و برز له الخليفة، فشاهده فرغب الملك الناصر أن يعامل بتلك المعاملة فإنه أكبر بيتا من مظفر الدين، و أعرق منه في الملك، و سأل ذلك فلم تقع الإجابة رعاية لخاطر الملك الكامل، فعمل الملك الناصر قصيدة يعرض فيها بمطلوبه ...

فلما وقف الخليفة المستنصر بالله على هذه القصيدة أعجبته إعجابا كثيرا، و قصد الجمع بين المصلحتين، فاستدعاه سرا إجابة لسؤاله و رعاية في عدم الجهر للملك الكامل، فحكى الملك الناصر قال: و استدعاني الخليفة بعد شطر من الليل، فدخلت من باب السر إلى إيوان فيه ستر مضروب، و الخليفة من ورائه، فقبلت الأرض بين يديه فأمرني بالجلوس فجلست، ثم أخذ الخليفة يحدثني من خلف الستر، و يؤنسني، ثم أمر الخدم فرفعوا الستر، فقبلت الأرض ثانيا، و تقدمت فقبلت يده، فأمرني بالجلوس، فجلست بين يديه و جاراني في أنواع من العلوم و أساليب من الشعر، ثم خرجت من عنده و عدت إلى منزلي ليلا، ثم حضر الملك الناصر بعد ذلك بالمدرسة المستنصرية على شاطى‏ء دجلة، و كان الخليفة في روشن ينظر و يسمع الكلام، و حضر جماعة من الفقهاء المرتبين بالمدرسة، و غيرهم من المذاهب الأربعة، و بحث الملك الناصر و استدل و اعترض،

889

و ناظر الفقهاء مناظرة حسنة، و كان جيد المناظرة صحيح الذهن، له في كل فن مشاركة جيدة، فقام يومئذ رجل من الفقهاء يقال له وجيه الدين القيرواني و مدح الخليفة بقصيدة يقول فيها مخاطبا للخليفة:

لو كنت في يوم السقيفة حاضرا* * * كنت المقدم و الإمام الأورعا

فغضب الملك الناصر لله تعالى لكون ذلك الفقيه لأجل سحت الدنيا أساء الأدب على أبي بكر الصديق، (رضوان الله عليه)، و الخلفاء الراشدين، و سادات المهاجرين، و الأنصار رضي الله عنهم الحاضرين يوم السقيفة، و جعل المستنصر بالله مقدما عليهم، فقال لذلك الفقيه:

أخطأت فيما قلت كان ذلك اليوم جد سيدنا و مولانا الإمام المستنصر بالله العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه عم رسول الله (صلى الله عليه و سلم) حاضرا، فلم يكن مقدما و لا الإمام الأروع إلا أبي بكر الصديق رضي الله عنه، فخرج المرسوم في ذلك الوقت بنفي ذلك الفقيه فنفي، ثم وصل إلى القاهرة و ولي بها تدريس مدرسة الصاحب صفي الدين بن شكر، ثم إن المستنصر بالله خلع على الملك الناصر خلعة سنية عمامة سوداء و فرجية سوداء مذهبة، و خلع على أصحابه و مماليكه خلعا سنية، و أعطاه مالا جليلا، و بعث في خدمته رسولا من أكبر خواصه إلى الملك الكامل يشفع إليه في إخلاص نيته له و إبقاء بلاده عليه، فوصل الملك الناصر و الرسول إلى دمشق و بها الملك الكامل، فخرج لتلقيهما إلى القصير، و أقبل على الملك الناصر إقبالا كثيرا، و قبل شفاعة الخليفة، و ألبسه الخلعة هناك، و كان قدم من بغداد، و معه أعلام سود، و كان الخليفة لقبه الولي المهاجر مضافا إلى لقبه، فأمر خطباء بلاده أن يذكروا في الدعاء له ذلك، ثم خلع على الرسول و أعطاه شيئا كثيرا، و رجع إلى بغداد، و أقام الملك الناصر مطمئنا لانتسابه إلى الخليفة، فلما حصلت المباينة بين الملك الكامل و الملك الأشرف و عزما على المحاربة، و انضم إلى الملك الأشرف جميع ملوك الشام، سير إلى الملك الناصر داود يدعوه‏

890

إلى موافقته على أن يحضر إليه ليزوجه ابنته، و يجعله ولي عهده، و يملكه البلاد بعده، و سير الملك الكامل إلى الملك الناصر أيضا رسولا يدعوه إلى الاتفاق معه، و أنه يجدد عقده على ابنته، و يفعل معه كلما اختار، و توافى الرسولان عند الملك الناصر بالكرك فرجح الميل إلى الملك الكامل، و صرح لرسول الملك الأشرف بجواب اقناعي، فسير رسول الملك الكامل إليه يعرفه ميل الملك الناصر إلى جهته، و كان قد حضر عند الملك الكامل بعض الأمراء الأكابر الذين مرت بهم التجارب و مارسوا الحروب، و شهدوا المصافات و الوقائع، فقال له الملك الكامل:

أشتهي أن تعرفني ما عندك في أمري و أمر أخي الملك الأشرف، و من يظهر لك أن ينتصر، و من أقوى منا على لقاء صاحبه، و لا تخفي ما في ضميرك من ذلك، فقال: أنت الآن و أخوك مثل الميزان لا يرجح عليك، و لا ترجح عليه، و قد بقي بينكما الملك الناصر داود فإلى أي جهة مال ترجحت، و كان قد وصل الملك الكامل كتاب رسوله و هو القاضي الأشرف ابن القاضي الفاضل يخبره بموافقة الملك الناصر له على ما قدمنا ذكره، و لم يطلع عليه أحد، فسر الملك الكامل بذلك، و وقع منه قول ذلك الأمير أجمل موقع، ثم إن الملك الناصر حضر بنفسه إلى الملك الكامل، فتلقاه و بالغ في إكرامه، و أعطاه الأموال، و قدم له التحف، و اتفق موت الملك الأشرف (رحمه الله) و استيلاء الملك الصالح عماد الدين إسماعيل على بلاده التي بالشام، و خروج الملك الكامل لانتزاعها منه، فخرج الملك الناصر صحبته، و أخذت دمشق على الصورة المشهورة، و اتفق موت الملك الكامل عقيب ذلك، و الملك الناصر بدمشق نازل في داره المعروفة بدار سامة فتشوف إلى مملكة دمشق، فوافقه جماعة من المعظمية و غيرهم و جاءه الركن الهيجاوي و الركني في الليل و بينا له وجه الصواب، و أرسل إليه الأمير عز الدين أيبك صاحب صرخد يقول: أخرج المال و فرقه في مماليك أبيك، و العوام معك و تملك البلد، و يبقوا في القلعة محصورين، فما فعل، ثم إن الأمراء

891

و الأعيان أرباب الحل و العقد اجتمعوا بالقلعة، و ذكروا الملك الناصر، و الملك الجواد يونس بن داود بن الملك العادل، فرجح عماد الدين بن شيخ الشيوخ الملك الجواد يونس بن داود ابن الملك العادل، و كان منحرفا عن الملك الناصر لأنه كان يجري بينه و بينه في مجلس الملك الكامل مباحثات، فيخطئه الملك الناصر فيها، و يستجهله، فبقي في قلبه من ذلك أثر كثير، كان أقوى الأسباب في صرف السلطنة عنه، و أما الأمير فخر الدين بن الشيخ فلم يكن له في ذلك رأي، و كان ميله إلى الملك الناصر أكثر من الجواد، و أرسلوا إلى الملك الناصر الهيجاوي ليخرجه من دمشق، فدخل عليه بدار سامة و قال له: ايش قعودك في بلد القوم، فقام و ركب و جميع من في دمشق من باب دار سامة إلى القلعة، و ما شك أحد أن الملك الناصر طالع إلى القلعة، و ساق فلما تعدى مدرسة العماد الكاتب، و خرج من باب الزقاق عرج إلى باب الفرج صاحت العامة: لا، لا، لا و انقلبت دمشق، و نزل الملك الناصر بالقابون و فتح الجواد خزائن الكامل، و فرق المال و الخلع، و استقر قدمه و أقام الملك الناصر أياما بالقابون، فعزم الجواد على مسكه، و سير الأمير عز الدين أيبك الأشرفي ليمسكه، و كان قد علم الأمير عماد بن موسك بذلك فبعث إليه في السر من عرفه، فسار في الليل إلى عجلون، فوصل عز الدين أيبك إلى قصر أم حكيم، و عاد إلى دمشق، و أما الملك الناصر فإنه سار إلى الكرك، و جمع و حشد، و نزل إلى السواحل، فاستولى عليها، و خيم بعزمه طالبا للاستيلاء على مملكة والده، فرحل الجواد فيمن بقي من العساكر المصرية مقدمهم عماد الدين بن شيخ الشيوخ، و في عساكر دمشق و المماليك الأشرفية، و توجه نحو الملك الناصر، فرحل الملك الناصر إليه ليلقاه، فوقع المصاف على ظهر حمار بين نابلس و جينين، فانكسر الملك الناصر كسرة قبيحة، و مضى منهزما، و احتوى الجواد على خزائنه و أثقاله على سبع مائة جمل، فأخذت بأحمالها، و أخذوا فيها من الأموال و الجواهر و الجنائب ما لا يحصى، و استغنوا غنى الأبد، و افتقر

892

الملك الناصر فقرا لم يفتقره أحد، و وقع عماد الدين بن شيخ الشيوخ بسفط صغير فيه اثنتي عشرة قطعة من الجوهر، و فصوص ليس لها قيمة، فطلبها من الجواد فأعطاه إياها، و هذه الأموال هي التي كان الملك المعظم جهز بها مرشد ابنته لما زوجها بخوارزم شاه، أخذها الملك الناصر ظنا منه أنه يعوضها إذا فتح البلاد، و نزل الجواد في دار المعظم بنابلس داخل البلاد، و احتوى على ما فيها، و ولى فيها و في أعمال القدس و الأغوار من قبله، و رحل عماد الدين ابن شيخ الشيوخ و من معه من عسكر مصر إلى الديار المصرية، و لم تعجب هذه الواقعة الملك العادل خوفا من تمكن الجواد و استيلائه على البلاد، فأرسل إليه يأمره بالرجوع إلى دمشق ورد بلاد الملك الناصر إليه ففعل، و رحل عائدا، و في هذه الواقعة يقول به جمال الدين بن عسل:

يا فقيها قد ضل سبل الرشاد* * * ليس يغني الجدال يوم الجلاد

كيف ينجي ظهر الحمار هزيما* * * من جواد يكر فوق الجواد

ثم لما ملك الملك الصالح نجم الدين دمشق بعد الجواد، ورد عليه فخر القضاة نصر الله بن بصاقة رسولا من الملك الناصر يعده بمساعدته و معاضدته على أخذ مصر له من العادل، و يطلب منه تسليم دمشق و جميع البلاد التي كانت بيد أبيه، فوعده الملك الصالح بذلك إذا ملك مصر فأبى الملك الناصر إلا أن ينجز له ذلك، فلم يتفق بينهما أمر، ثم إن الملك الصالح نجم الدين خرج لقصد الديار المصرية، فاستولى الملك الصالح إسماعيل على دمشق، و تفلل عسكر الملك الصالح نجم الدين عنه، و بقي بنابلس، فسير إليه الملك الناصر داود من أمسكه، و طلع به إلى قلعة الكرك فاعتقله بها مكرما على ما هو مشهور، فلا حاجة إلى شرحه.

و كان الملك الكامل سلم القدس إلى الفرنج سنة ست و عشرين على‏

893

أن يكون الحرم الشريف بما فيه من المزارات للمسلمين، و كذا جميع أعمال القدس ما خلا عشر ضياع على طريق الفرنج من عكا إلى القدس، و شرط أن يكون القدس خرابا، و لا يجدد فيه عمارة البتة، فلما مات الملك الكامل و جرى ما ذكرناه من الاختلاف بين الملوك، عمر الفرنج في غريبه قلعة جعلوا برج داود (عليه السلام) من أبراجها، و كان بقي هذا البرج لم يخرب لما خرب الملك المعظم أسوار القدس، و لما اعتقل الملك الناصر داود الملك الصالح نجم الدين بالكرك، توجه الملك الناصر بعسكره و من معه من أصحاب الملك الصالح نجم الدين إلى القدس، و نازل القلعة التي بناها الفرنج، و نصب عليها المجانيق، و لم يزل مصابرا لها حتى سلمت إليه بالأمان، فهدمها و هدم برج داود (عليه السلام)، و استولى على القدس، و مضى من كان فيه من الفرنج إلى بلادهم، و اتفق وصول محيي الدين يوسف بن الجوزي، و صحبته جمال الدين يحيى بن مطروح فقال جمال الدين المذكور:

المسجد الأقصى له عادة* * * سارت فصارت مثلا سائرا

إذا غدا بالكفر مستوطنا* * * أن يبعث الله له ناصرا

فناصر طهره أولا* * * و ناصر طهره آخرا

... و كان في الملك الناصر داود (رحمه الله) فضيلة، و بقية في الآداب و العلوم، و محبة في العلماء و تقريبه لهم و احسانه إليهم، و إلى كل من تقدم إليه أوحد زمانه جوادا كريما كثير العطاء ممدحا، و شعره في نهاية الجودة و الفصاحة، و كان في البيت الأيوبي جماعة ينظمون الشعر، لم يكن فيهم من يتقدمه فيه إلا إن كان الملك الأمجد مجد الدين بهرام شاه صاحب بعلبك، فإنه شاعر مجيد مكثر، و كان قد أدركته حرمة الأدب، كما أدركت عبد الله بن المعتز و غيره من الملوك الفضلاء، و لم يزل منذ توفي والده (رحمه الله) في سنة أربع و عشرين و ستمائة و إلى أن أدركته منيته‏

894

في نكد و تعب و نصب، لم يصف له من عمره سنة واحدة، و قد أشرنا إلى ذلك فيما تقدم، و لم يكن له رأي حازم في تدبير المملكة، فإنه مع تقدير الله تعالى لما مات والده لو دارى الملك الكامل، و نزل له عن بعض البلاد كان أبقى عليه دمشق، ثم لما طلبه الملك الأشرف ليزوجه ابنته، و يجعله ولي عهده على ما ذكرنا، لو أجابه و حضر إليه لاستقل بعد الملك الأشرف بالشام، و التفت عليه المماليك الأشرفية مع المعظمية، و كان قد دنا أجل الملك الكامل فاستقام أمره، ثم لما مات الملك الكامل لو قبل من رأي الأمير عز الدين أيبك صاحب صرخد، و أنفق في المعظمية و استمالهم، لملك دمشق، و لم يلتفت على من بالقلعة، ثم لما ضرب المصاف مع الجواد لو أحرز خزائنه و أمواله ببعض قلاعه لبقيت له، و كانت عظيمة جليلة المقدار يمكنه أن يستخدم بها من العساكر جملة كثيرة، ثم لما حصل الملك الصالح نجم الدين في قبضته لو أراد به أخذ الشام لأخذه و سلمه لأخيه العادل، أو إلى عمه الصالح إسماعيل، ثم لما اعتقله لم يحسن عشرته من كل وجه، و كان يبدو منه في بعض الأوقات أمور أثرت في قلب الملك الصالح نجم الدين، و لم يحرج منه، و كان للملك الصالح باطن، و الملك الناصر سليم الصدر، ثم اقتضى رأيه اطلاقه و مساعدته على تملك الديار المصرية، و اشترط عليه أمورا لا يمكنه القيام بها، و لا تسمح بها نفس بشر لو أمكنت، و استحلفه على ذلك فلما تحقق الملك الصالح نجم الدين أنه لا بد له من الحنث ضرورة في البعض، حنث في المجموع.

قال الملك الصالح: حلفني على أمور لا يقدر عليها ملوك الأرض منها أنني آخذ له دمشق، و حمص، و حماة، و حلب، و الجزيرة، و الموصل، و ديار بكر، و غيرها، و نصف ديار مصر، و ما في الخزائن من المال و الجواهر و الثياب و الخيول و الآلات و غيرها فحلفت له من تحت السيف، (رحمه الله).

895

ثم معاملة الملك الصالح نجم الدين بعد أن تملك بما كان يعامله به و هو عنده معتقل بقلعة الكرك إلى أن حصل من الوحشة و المباينة بينهما ما آل به إلى انتزاع بلاده منه، ثم لما توجه إلى حلب و استنابته لولده المعظم دون إخوته مع تميزهم عليه حتى أوغر صدورهم، فكان ذلك من أسباب خروج الكرك عنه، ثم لما توجه إلى حلب ترك بالكرك اسحاق المقدم ذكره مع إفراط ميله إليه، و محبته له، فلو استصحبه لأمن مما ترتب على تركه من السبب الموجب لأخذ الكرك، و حصول الوحشة و المنافرة بينه و بين ولده الملك الأمجد، و كان يتسلى برؤيته و خفف عنه من أثقال همومه، ثم إيداع تلك الجواهر النفيسة عند الخليفة فآل الأمر إلى كثرة تعبه، و نصبه و تبذله و سفره، و لم تعد إليه إلى غير ذلك من الأمور التي فارق فيها الحزم، و ذلك تقدير العزيز العليم، و كان الملك الناصر داود (رحمه الله) معتنيا بالكتب النفيسة، حصل منها جملة كثيرة ذهبت بعد وفاته، و كان يجيز الشعراء بالجوائز السنية قدم عليه شرف الدين راجح الحلي شاعر الملك الظاهر غازي ابن السلطان صلاح الدين (رحمه الله)، و مدحه بعدة قصائد، فوصل إليه منه ما يزيد على أربعين ألف درهم و أجازه على قصيدة واحدة امتدحه بها، و هو بنابلس بألف دينار مصرية، و القصيدة من غرر القصائد ...

و انقطع إليه الشيخ شمس الدين عبد الحميد الخسرو شاهي تلميذ فخر الدين الرازي، فوصل إليه منه أموال جمة، و كذلك كل من انتمى إليه استفاد من ماله و من علمه فكانوا معه كما قيل: فأخذ من ماله و من أدبه ...

... و كتب إلى الملك المنصور إبراهيم صاحب حمص يستدعيه إلى مجلس أنس، و ذلك لما كانا نازلين ببيسان، حين كانا متفقين على حرب الملك الصالح نجم الدين، و هما إذ ذاك معاضدان للملك الصالح عماد الدين و ذلك في يوم العيد في زمن الربيع ...

896

و اتفقت له وقعة بالساحل مع الفرنج انتصر فيها، فكتب في جملة كتاب: كتب هذه الخدمة يعلمه بما منّ الله تعالى به من النصر و الظفر و مهنيئة، باستعلاء الفئة المؤمنة على من حاد و كفر.

و من كتاب آخر كتب حيث أثرت مدادها، بمثار نقع جيادها، و بالمكان الذي صرعت فيه كماة أمجادها، بضرب صفاحها، و طعن صعادها، و كلمتهم ألسن الصفاح بفصيح أقوالها، و أشارت إليهم أنامل الرماح بسلاميات نصالها، فأصبحوا شارة لما أشار إليهم آنفا، و امتطوا أنف الحرب حتى صار أنف الخطي بهم راعفا ...

... و لما ملك الملك الصالح الديار المصرية، و حصل بينه و بين الملك الناصر داود من الوحشة ما ذكرنا، و رجع الملك الناصر إلى بلاده و أقام بالساحل مرابطا للفرنج، و قوي بسبب الخلف بين الملوك شأن العدو، و اهتموا في عمارة عسقلان، و تشييد أسوارها، و شن الغارات على ما حولها، كتب الملك الناصر إلى ابن عمه الملك الصالح نجم الدين يستنجد به عليهم، فلم ينجده و جمعت الفرنج جمعا كثيرا، و قصدوا نابلس فهجموها، و بذلوا السيف في أهلها و أسروا من وجدوه بها من النساء و الولدان، و أقاموا بها ثلاثة أيام يسفكون و ينهبون، و نصبوا على المساجد صلبانهم، و أعلنوا بكفرهم و من سلم من أهلها تعلق برؤوس الجبال، و بلغ الملك الناصر ذلك فقدم مسرعا في عسكره، فلما تحققت الفرنج إقباله رجعوا إلى حصونهم، و قد فازوا بما استولوا عليه من القتل و الأسر و النهب، فكتب الملك الناصر إلى الشيخ عز الدين عبد العزيز بن عبد السلام (رحمه الله)، و كان الملك الصالح نجم الدين قد قلده بمصر القضاء و الخطابة كتابا مضمونه: أحسن الله عزاء المجلس السامي القضوي العزي في مصابه بالمسلمين، و صبرنا و إياه على ما دهمت به حوزة الدين، و أثاب الذين استشهدوا بما وعد به الشهداء من رضوانه، و عوضهم عن منازلهم بمنازل الأمن من قصور جنانه، و سامحنا و إياه بما

897

أهملناه من حمية الدين و حفظ أركانه، و بما اعتدناه من إغفاله، و خذلانه، و لا حول و لا قوة إلا بالله العلي العظيم، قول معترف بتقصيره، عن جهاد أعداء الله، و أعداء دينه، جهرا بلسانه و سرا بيقينه، و ذلك لمصيبة المسلمين بمدينة نابلس التي قتلت فيها المشايخ و الشبان، و سبيت الحلائل و الصبيان، و استولت أيدي الكفار على ما كان فيها من خزائن الأموال، و الغلال، و ما جمعه المسلمون لأزمتهم في السنين الطوال، فهو يوم ضرب الكفر بجرانه، و تبختر فيه بين أنصاره و أعوانه، و تزهى على الإسلام برونق زمانه، و هو اليوم الذي تقاتلا فيه، فأحجم الاسلام ثم تولى، و اقتسما فيه بالسهمان، فكان سهم الكفر هو السهم المعلى، فيا لها من فجيعة أبكت العيون، و أنكت الجفون، و هجمت على القلوب فودت لو أنها سقت بالمنون، فياليتني نبذت قبل سماعها مكانا قصيا، أو ليت ربي لم يجعلني بعباده حفيّا، أو ليتني مت قبل هذا و كنت نسيا منسيا:

ألا ليت أمي أيم طول عمرها* * * فلم يقضها ربي لمولى و لا بعل‏

و يا ليتها لما قضاها لسيد* * * لبيت أريب طيب الفرع و الأصل‏

و يا ليتها لما غدت بي حاملا* * * أصيب بما اجتنت عليه من الحمل‏

و يا ليتني لما ولدت و أصبحت‏* * * تشد إليّ الشدقميات بالرحل‏

لحقت بأسلافي فكنت ضجيعهم‏* * * و لم أر في الإسلام ما فيه من خبل‏

فيا أيها المعز الذي كنا نظن أن الإسلام يتزيد بسعيه عزا، و أن رقى عزائمه تكون عليه من سحر الكفار حرزا، تيقن أن قد عمّ بالشام النفير، و وجبت الغزاة على الحدث الطرير، و الشيخ الكبير، و جاز للحرة أن تبرز للقتال بغير أذن بعلها، و للأمة أن تبارز برمحها و نصلها، و وجب على المجاورين الإسعاد، و الإنجاد، و تعين عليهم في طاعة الله الجهاد، فيا لسان الشريعة أين الجدال فيه و أين الجلاد، و أين مهند لسانك الماضي، إذا كلت المهندة الحداد، أتغمد سيف لسانك في غمده، و قد هجرت سيوف الكفار جفونها، و أجرت عيون الأنام على الإسلام شؤونها، ألا

898

و إن الإسلام بدأ غريبا و سيرجع كما بدا، و تقاصرت الهمم عن إسعاده حتى لا يرى له مسعدا، فإنا لله قول من عز عزاؤه في الإسلام و ذويه، و بذل في الدفاع عنه ما تملكه يده و تحويه، و صبر في الله على احتمال الأذى و عدم دونه محاميه، و الله سبحانه و تعالى يتلافى الإسلام بتلافيه، و يحميه بحمايته، و حسن نظره فيه، إنه قريب مجيب ...

ثم إن الملك الناصر أخرج الملك الصالح نجم الدين، و توجه معه إلى الديار المصرية فملكها، و كان حصل الاتفاق بينهما قبل ذلك على أمور اشترطها الملك الناصر، و حلف عليها الملك الصالح و هو عنده معتقل بالكرك، و كانت مشقة يتعذر الوفاء بها لكثرتها من الأموال و البلاد، فلما ملك الملك الصالح الديار المصرية حصل التسويف و المغالطة فيما حصل الاتفاق عليه، فحصلت الوحشة و تأكدت، و عاد الملك الناصر إلى بلاده على غضب، و شرع النفور يتزايد من الجهتين، و تمادى الأمر على ذلك إلى أن حصلت المباينة الكلية، فقصدت عساكر الملك الصالح جمع ما وصلت إليه أيديهم من بلاد الملك الناصر، فاستولوا عليه ثم توفي الأمير سيف الدين قليج سنة أربع و أربعين و هو من أعيان الأمراء الأكابر، و كان الملك الناصر أقطعه قلعة عجلون و عملها، فتسلمها عمه الملك الصالح عماد الدين، و استنزل أولاده من قلعتها، و كان قد سير الأمير فخر الدين بن الشيخ لقصد الملك الناصر داود فقصده و أخذ منه القدس، و نابلس، و بيت جبريل، و الصلت، و البلقاء، و خرب ما حول الكرك، و الملك الناصر بها في حكم المحصور، ثم نازلها الأمير فخر الدين و حاصرها أياما، ثم رحل عنها و قل ما عند الملك الناصر من المال و الذخائر، و اشتد عليه الأمر فنظم معاتبا الملك الناصر نجم الدين ابن عمه ...

... و في سنة ست و أربعين ورد الشيخ شمس الدين الخسرو شاهي على الملك الصالح، و هو بدمشق رسولا من الملك الناصر داود، و معه‏

899

ولده الملك الأمجد مجد الدين حسن بن الملك الناصر، و مضمون الرسالة أن يتسلم الملك الصالح الكرك و يعوضه عنها الشوبك و خبزا بالديار المصرية، فأجاب الملك الصالح إلى ذلك، ثم رحل إلى الديار المصرية في المحفة لمرضه، و سير تاج الدين بن المهاجر ليتسلم الكرك منه، و يسلم الشوبك عوضها، فتوجه لذلك، فوجد الملك الناصر قد رجع عنه لما بلغه من حركة الفرنج إلى الديار المصرية، و مرض الملك الصالح و تربص الدوائر، فلما دخلت سنة سبع و أربعين ضاقت الأمور بالملك الناصر بالكرك، فاستناب بها ولده الملك المعظم شرف الدين عيسى، و أخذ ما يعز عليه من الجواهر، و مضى في البرية إلى حلب مستجيرا بالملك الناصر صلاح الدين يوسف، كما فعل عمه الملك الصالح عماد الدين إسماعيل، فأنزله صاحب حلب و أكرمه، و سير الملك الناصر داود ما معه من الجواهر إلى بغداد لتكون وديعة له عند الخليفة المستعصم بالله، فلما وصل الجوهر إلى بغداد قبض و سير إلى الملك الناصر داود خط بقبضه و أراد أن يكون آمنا عليه لكونه مودعا في دار الخلافة، فلم ينظره بعد ذلك، و كانت قيمته مائة ألف دينار إذا بيع بالهوان، و كان المعظم الذي استنابه والده بالكرك أمه أم ولد تركية، و الملك الناصر يميل إليها و يحب ولدها أكثر من إخوته الباقين، و كان للملك الناصر من ابنة عمه الملك الأمجد مجد الدين حسن بن الملك العادل أولاد منهم الملك الظاهر شاذي أكبر أولاده، و الملك الأمجد مجد الدين حسن، و كان فاضلا نبيها مشاركا في علوم شتى، و كان للملك الناصر أيضا أولاد أخر من أمهات أولاد شتى، فلما قدم المعظم عليهم نقموا، خصوصا الظاهر و الأمجد لكبر سنهما و تميزهما في أنفسهما، و لما كان الملك الصالح نجم الدين بالكرك كانت أمهما تخدمه، و تقوم بمصالحه، لكونها ابنة عمه، و كان ولداها المذكوران يأنسان به و يلازمانه في أكثر الأوقات، و اتفق مع ذلك ضيق الوقت و تطاول مدة الحصر، فاتفقا مع أمهما على القبض على أخيهما المعظم فقبضاه و استوليا على الكرك، و عزما على‏

900

تسليمها إلى الملك الصالح نجم الدين، و أن يأخذا عوضا عنها، فسار الملك الأمجد إلى العسكر بالمنصورة، فوصل يوم السبت لسبع مضين من جمادى الآخرة سنة سبع و أربعين، و اجتمع بالملك الصالح فأكرمه، و أقبل عليه و تحدث مع الملك الصالح في تسليم الكرك، و توثق منه و لنفسه و لإخوته، و طلب خبزا بالديار المصرية يقوم به، فأجابه إلى ذلك، و سير إلى الكرك الطواشي بدر الدين بدر الصوابي متسلما لها، و نائبا عنه بها، و وصل إلى العسكر أولاد الملك الناصر جميعهم، و أخواه:

الملك القاهر عبد الملك، و الملك المغيث عبد العزيز، و نساؤهم و جواريهم و غلمانهم و أتباعهم، و اقطعوا اقطاعات جليلة، و رتب لهم الرواتب الكثيرة، و أنزل أولاد الملك الناصر الأكابر و أخواه في الجانب الغربي قبالة المنصورة، و فرح الملك الصالح بأخذ الكرك فرحا عظيما مع ما هو فيه من المرض العظيم الذي لا يرجى برؤه، و زينت القاهرة و مصر و ضربت البشائر بالقلعتين، و كان تسلم الكرك يوم الاثنين لاثنتي عشرة ليلة بقيت من جمادى الآخرة سنة سبع و أربعين و ستمائة.

و حكي لي أن آكد الأسباب في تسليم الكرك، مع ما تقدم ذكره من الأسباب أن الملك الناصر كان يميل إلى شخص من أولاد غلمانه يدعى اسحاق، و كان بارع الجمال، مفرط الحسن، و له فيه أشعار مشهورة، فلما توجه إلى حلب تركه بالكرك، فمال إليه الملك الأمجد ابن الناصر ميلا مفرطا، و استحوذ عليه، و انصب الشاب إلى الملك الأمجد، و كلاهما جميل الصورة و الأمجد أسن منه بسنين يسيرة، و جرى في ذلك فصول يطول شرحها، فتخيل الأمجد أن والده متى تمكن منه فرق بينهما قطعا، و ربما أعدم الشاب بالكلية، لأنه كان شديد الغيرة عليه، و لا يخلو الأمجد من أذية تناله، و مكروه يوقعه به، فكان هذا آكد الأسباب في تسليمها، و لو تأخر تسليمها لبقيت لهم مع تقدير الله تعالى، فإن الملك الصالح كان قد اشتغل عنهم و عن غيرهم بنفسه و ما به من الأمراض العظيمة