تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار - ج2

- محمد بن عبد الله ابن بطوطة المزيد...
260 /
3

[المجلد الثانى‏]

[تتمة] الفصل الخامس العراق و فارس‏

(عراق العرب و عراق العجم) النّجف الأشرف من النّجف إلى البصرة حيث يبتدئ المجلد الثاني من البصرة إلى إصفهان مدينة إصفهان و الخروج إلى شيراز مدينة شيراز من شيراز إلى بغداد مدينة بغداد رحلة إلى تبريز عاصمة سلطنة عراق العرب و العجم حجّة أخرى و مجاورته ثم حجّه مرة ثالثة

4

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

5

خريطة العراق و فارس‏

6

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

7

نحو مدينة البصرة

و لمّا تحصّلت لنا زيارة أمير المؤمنين عليّ (عليه السلام)، سافر الركب إلى بغداد، و سافرت إلى البصرة صحبة رفقة كبيرة من عرب خفاجة (18)، و هم أهل تلك البلاد، و لهم شوكة عظيمة و بأس شديد، و لا سبيل للسفر في تلك الأقطار إلّا في صحبتهم، فاكتريت جملا على يد أمير تلك القافلة شامر بن درّاج الخفاجيّ و خرجنا من مشهد عليّ (عليه السلام) فنزلنا الخورنق موضع سكنى النعمان ابن المنذر (19) و ابائه من ملوك بني ماء السماء، و به عمارة و بقايا قباب ضخمة، في فضاء فسيح على نهر يخرج من الفرات، ثم رحلنا عنه فنزلنا موضعا بقائم‏ (20) الواثق، و به أثر قرية خربة و مسجد خرب لم يبق منه إلا صومعته، ثم رحلنا عنه اخذين مع جانب الفرات بالموضع المعروف بالعذار، و هو غابة قصب في وسط الماء (21) يسكنها أعراب يعرفون بالمعادي، و هم قطّاع الطريق، رافضيّة المذهب خرجوا على جماعة من الفقراء تأخروا عن رفقتنا فسلبوهم حتّى النّعال و الكشاكيل‏ (22)، و هم يتحصّنون بتلك الغابة و يمتنعون بها ممّن يريدهم، و السباع بها كثيرة، و رحلنا مع هذا العذار ثلاث مراحل ثم وصلنا مدينة واسط.

مدينة واسط

مدينة واسط و هي حسنة الأقطار، كثيرة البساتين و الأشجار، بها أعلام يهدي الخير شاهدهم و تهدى الاعتبار مشاهدهم‏ (23)، و أهلها من خيار أهل العراق، بل هم خير على‏

____________

(18) بنو خفاجة، فرع من القبيلة الشهيرة عقيل بن كعب هاجر إلى ناحية الكوفة في أوائل القرن الخامس الهجري القرن العاشر الميلادي، معجم قبائل العرب لكحالة.

(19) الخورنق كان قصرا شهيرا قبل ظهور الإسلام يقع على بعد كيلوميتر و نصف من النجف، و كان منسوبا لملوك الحيرة و خاصة منهم النّعمان بن امرئ القيس أمير الحيرة من قبل ملك الفرس المتوفى سنة 198 ق. ه 431 ميلادية، و هو الذي بنى أيضا قصر" السدير" و ليس النعمان بن المنذر المتوفى سنة 15 ق. ه- 608. و بعد أن استعمل كمقر إقامة للحكام العرب في الكوفة، اختفت اثاره نهائيا، و يظهر أن حديث ابن بطوطة هذا عن الخورنق كان اخر إشعار بوجود معالم هذا القصر الذي طبّقت شهرته الآفاق.

(20) هو المكان الذي يسمى إلى الآن بالقائم ...

(21) إقليم يقع جنوب الجمهورية العراقية اليوم و هو مغطّى بمستنقع يتوزع فيه نهر الفرات، في ضفة جميلة جدّا بمناظرها الرائعة المتنوّعة و تعرف تحت اسم (الجبايش) و (الأهوار) و قد زرتها على متن زورق خاص بمناسبة زيارتي لبغداد في نونبر 1981 بمناسبة مشاركتي في مؤتمر وزراء الثقافة العرب ببغداد، و إن الذين يعرفون عن وجود واسط على بعد 115 ميلا شرقي النّجف. و يقرءون مع هذا عن حديثه عن غابة القصب قبل أن يصل إلى واسط ... إن الذين يعرفون ذلك يدركون اضطراب الوصف ...

(22) الكشاكل جمع كشكول: آنية للشرب يتخذها الفقراء أثناء تنقلاتهم، و يجمعون فيها أيضا ما يجود به الناس عليهم. و ما يزال التعبير معروفا بالمغرب: فلان نصب الكشكول: أي يحتاج إلى عطاء!!

(23) واسط عمّرت من لدن الحجّاج بن يوسف الثقفي سنة 84 703 عندما كان واليا على العراق، تقع منتصف الطريق بين الكوفة و البصرة، و من هنا كان اسمها كذلك لأن منها إلى كل واحدة منهما خمسين فرسخا ... و الحديث عن انها مركز علم و فكر متجدد و دائم ...- معجم البلدان‏FU`AD SAFAR :Wasit ,Baghdad 5491

8

البصرة بين الشناشيل و النخيل‏

9

الإطلاق، أكثرهم يحفظون القرآن الكريم و يجيدون تجويده بالقراءة الصحيحة و اليهم ياتي أهل بلاد العراق برسم تعلّم ذالك.

و كان في القافلة التي وصلنا فيها جماعة من الناس أتوا برسم تجويد القرآن على من بها من الشيوخ، و بها مدرسة عظيمة حافلة فيها نحو ثلاث مائة خلوة ينزلها الغرباء القادمون لتعلّم القرآن، عمّرها الشيخ تقيّ الدين بن عبد المحسن الواسطيّ‏ (24)، و هو من كبار أهلها و فقهائها و يعطي لكلّ متعلّم بها كسوة في السنة و يجرى له نفقته في كلّ يوم و يقعد هو و اخوانه و أصحابه لتعليم القرآن بالمدرسة، و قد لقيته و أضافني و زوّدني تمرا و دراهم، و لمّا نزلنا مدينة واسط أقامت القافلة ثلاثا بخارجها للتجارة فسنح لي زيارة قبر الوليّ أبي العباس أحمد الرفاعيّ‏ (25)، و هو بقرية تعرف بأم عبيدة (26) على مسيرة يوم من واسط، فطلبت من الشيخ تقي الدين أن يبعث معي من يوصلني إليها فبعث معي ثلاثة من عرب بني أسد (27)، و هم قطّان تلك الجهة، و أركبني فرسا له و خرجت ظهرا فبتّ تلك الليلة بحوش بني أسد، و وصلنا في ظهر اليوم الثاني إلى الرّواق، و هو رباط عظيم فيه آلاف من الفقراء و صادفنا به قدوم الشيخ أحمد كوجك حفيد (28) وليّ الله أبي العبّاس الرفاعي الذي قصدنا زيارته، و قد قدم من موضع سكناه من بلاد الروم برسم زيارة قبر جدّه و اليه انتهت الشياخة بالرّواق، و لمّا انقضت صلاة العصر ضربت الطبول و الدفوف و أخذ الفقراء في الرقص ثم صلّوا المغرب و قدّموا السّماط، و هو خبز الأرز و السمك و التمر فأكل النّاس ثم صلّوا العشاء الآخرة و أخذوا في الذكر و الشيخ أحمد قاعد على سجّادة جدّه المذكور، ثم أخذوا في السماع و قد أعدّوا احمالا من الحطب فأجّجوها نارا و دخلوا في وسطها يرقصون، و منهم من يتمرّغ فيها، و منهم من يأكلها بفمه حتّى أطفأوها جميعا و هذا دأبهم و هذه الطايفة الأحمديّة (29)

____________

(24) هو عبد الرحمن بن عبد المحسن المتوفى سنة 743- 744 1343- 1344 و هو مؤلف ترجمة الشيخ الرفاعي.Gibb :The Travel TII ,P 272 Note 7

(25) سلفت ترجمة الشيخ أحمد بن علي الرّفاعي المتوفى 578 1182 ج‏I ، 223 تعليق 248.

(26) أم عبيدة أو عبيدة تقع على بعد خمسين ميلا جنوبا شرقي واسط، و تسمّى في الخرائط اليوم الرفاعي.

(27) بنو أسد من أشهر القبائل العربية التي أقامت بالعراق منذ الفتح الإسلامي للمنطقة.

(28) كوجك (KOUCHUK) و تعني بالفارسية أو التركية الصّغير، و هو ابن تاج الدين الذي يذكر على أنه أحد حفدة الشيخ أحمد لكن الذي عليه معظم المؤرخين من أمثال ابن خلّكان أن الشيخ الرفاعي لم يخلّف و ان العقب لأخيه ... رقم 248 ج‏I ص 223.

(29) كان اسم (الأحمدية) يطلق على هذه الطريقة بيد أنه ترك فيما بعد حتى لا يلتبس مع طريقة أخرى توجد بمصر تنسب للشيخ أحمد بدوي تحمل نفس الاسم.

10

مخصوصة بهذا، و فيهم من يأخذ الحيّة العظيمة فيعضّ بأسنانه على رأسها حتى يقطعه‏

حكاية [الرقص في النار]

كنت مرّة بموضع يقال له أفقانبور (30) من عمالة هزار أمروها و بينها و بين دهلي:

حضرة الهند مسيرة خمس، و قد نزلنا بها على نهر يعرف بنهر السّرو (31)، و ذلك في أوان الشّكال‏ (32)، و الشكال: عندهم هو المطر، و ينزل في ابّان القيظ، و كان السّيل ينحدر في هذا النهر من جبال قراجيل‏ (33)، فكلّ من يشرب منه من إنسان أو بهيمة يموت لنزول المطر على الحشائش المسمومة، فأقمنا على النهر أربعة أيام لا يقربه أحد، و وصل إليّ هنالك جماعة من الفقراء في أعناقهم أطواق الحديد و في أيديهم، و كبيرهم رجل أسود حالك اللون، و هم من الطايفة المعروفة بالحيدريّة (34)، فباتوا عندنا ليلة و طلب منّي كبيرهم أن اتيه بالحطب ليوقده عند رقصهم، فكلّفت و الي تلك الجهة و هو عزيز المعروف بالخمّار، و سياتي ذكره، أن يأتي بالحطب فوجّه منه نحو عشرة أحمال، فأضرموا فيه النار بعد صلاة العشاء الآخرة حتّى صارت جمرا و أخذوا في السماع ثمّ دخلوا في تلك النار فما زالوا يرقصون و يتمرغون فيها، و طلب منّي كبيرهم قميصا فأعطيته قميصا في النهاية من الرقّة فلبسه و جعل يتمرّغ به في النار و يضربها بأكمامه حتّى طفئت تلك النار و خمدت و جاء إليّ بالقميص و النّار لم تؤثر فيه شيئا البتّة، فطال عجبي منه!

____________

(30) أفقانبور تحمل اليوم اسم أغوابور (AGHWAPUR) على بعد خمسة أميال و نصف جنوب شرقي تغلق أبادTughiuqabad ، احدى المدن الأربعة لدهلى، يمكن أن تكون هي الموقع المتحدث عنه الآن، و سيتحدث ابن بطوطة في السفر الثاني عن عمالة (امروها) التي نفذ له الوزير فيها باقي الغلة المامور بها للزاوية كما سنرى في ج‏III ص 437.

(31) يتعلق الأمر بالمجرى العالي لنهر الكانج على ما سياتي، و نهر السّرو هو المعروف اليوم بسرجوSarju هذا و ينبغي التنبيه على أن النسخة المطبوعة بباريز ترسم خطا (السرور) عوض السرو الموجود في كل النسخ المعتمدة، و على العادة فإن معظم الذين اعتمدوا على النسخة الباريزية اثبتوا السرور عوض السرو ...!

(32) الكلمة من أصل سنسكريتي (Varchakala): فصل الريح، وردت عند البيروتي تحت اسم برشكال الموسمية (Moussons).

(33) جبال قراجيل‏KARA -JIL هو الذي يطلق من قبل العرب و الفرس على جبال الهيمالايا (Himalaya)

(34) طائفة صوفية تنسب للمؤسس قطب الدين حيدر، و هي قريبة من الطريقة القلندرية، ينتسب قطب الدّين لمدينة زاوة اتية الذكر (ج‏III ، 79) و يقال في النسبة اليها الزاوهي، انظر في معجم البلدان اسماء بعض العلماء الذين ينتسبون اليها.

11

و لمّا حصلت لي زيارة الشيخ أبى العباس الرفاعي نفع الله به عدت إلى مدينة واسط فوجدت الرفقة التي كنت فيها قد رحلت فلحقتها في الطريق و نزلنا ماء يعرف بالهضيب، ثم رحلنا و نزلنا بوادي الكراع و ليس به ماء ثم رحلنا و نزلنا موضعا يعرف بالمشيرب‏ (35)، ثم رحلنا منه و نزلنا بالقرب من البصرة ثم رحلنا فدخلنا ضحوة النهار إلى مدينة البصرة (36).

مدينة البصرة

فنزلنا بها رباط مالك بن دينار (37)، و كنت رأيت عند قدومي عليها على نحو ميلين منها بناء عالّما مثل الحصن، فسألت عنه فقيل لي هو مسجد علي بن أبي طالب‏ (38) رضي الله عنه، و كانت البصرة من اتّساع الخطّة، و انفساح الساحة، بحيث كان هذا المسجد في وسطها، و بينه الآن و بينها ميلان، و كذلك بينه و بين السور الأول المحيط بها نحو ذلك فهو متوسّط بينهما.

و مدينة البصرة إحدى امّهات العراق، الشهيرة الذكر في الآفاق، الفسيحة الأرجاء، المؤنقة الأفناء، ذات البساتين الكثيرة و الفواكه الأثيرة، توفّر قسمها من النضارة و الخصب، لما كانت مجمع البحرين: الأجاج و العذب‏ (39)، و ليس في الدنيا أكثر نخلا منها فيباع التمر في‏

____________

(35) لم نقف على تحديد لهذه المراحل الثلاثة: الهضيب، وادي الكراع، المشيرب ... و قد حاولنا عبثا أن نجد لها أثرا في الخرائط التي نتوفر عليها ... و قد قدم لنا مستوفي اسم المحطات العادية بين واسط و البصرة.

(36) موقع مدينة البصرة التي انشئت عام 17 639 أيام الخليفة عمر ابن الخطاب ترك في القرن السادس الهجري الثاني عشر الميلادي، و تمّ الاتجاه نحو موقع آخر يوجد على بعد خمس كيلوميترات في الغرب، و في مكان البصرة القديمة توجد اليوم مدينة الزّبير و قد قام البروفيسور ماسينيبون بدراسة لموقع البصرة

L. Massignon: Explication du Plan de BASRA, Wiesbaden 6591: 4591

(37) مالك بن دينار يعتبر من أصحاب الحسن البصري يكنى أبا يحيى كان مثلا في الورع، يأكل من كسبه و يكتب المصاحف بالأجرة، قال عنه فريد الدين العطار إنه أمير الرجال ... و إنه رحالة في طرق الحقيقة ...

أدركه أجله عام 173 748. و من المفيد أن أنبّه هنا إلى الخطأ الذي وقع فيه الشيخ أحمد عز الدّين المعبري المليباري في كتابه (تحفة المجاهدين في احوال البرتغاليين) عندما خلط بين مالك بن دينار هذا و بين دينار مالك القائد الغزى المتوفى سنة 591 ه 1195 و الذي بنى عدة مساجد بالهند ...

تحفة المجاهدين تحقيق محمد سعيد الطريحى، دائرة المعارف الهندية مؤسسة الوفاء- بيروت- لبنان 1405 1985- د. التازي: رسالة إلى الطّريحي، مجلّة الموسم العدد 16- 1993 ص 368-Ency .Islam (DINAR MALIK)

(38) ينسب المؤرخون العرب المسجد الكبير الذي يوجد في البصرة إلى زياد بن أبيه حاكم البصرة في عهد الخليفة معاوية، و حسبما يوجد في كتاب الاشارات للهروي فإن منارته، كما قيل- و قبلته من عمارة علي بن أبي طالب رضي الله عنه ... الاشارات، دمشق 1953 تحقيق جانين سورديل- طومين ... هذا و توجد هذه الأطلال شرقي المدينة العتيقة الزبير.

(39) الإشارة إلى السورة 25، الآية 53.

12

سوقها بحساب أربعة عشر رطلا عراقية بدرهم، و درهمهم ثلث النقرة، و لقد بعث إليّ قاضيها حجّة الدين بقوصرة تمر يحملها الرجل على تكلّف، فاردت بيعها فبيعت بتسعة دراهم أخذ الحمّال منها ثلثها عن أجرة حملها من المنزل إلى السوق! و يصنع بها من التمر عسل يسمّى السّيلان‏ (40)، و هو طيّب كانّه الجلاب، و البصرة ثلاث محلّات إحداها: محلّة هذيل، و كبيرها الشيخ الفاضل علاء الدين بن الأثير من الكرماء الفضلاء، أضافني و بعث اليّ بثياب و دراهم، و المحلّة الثانية: محلّة بني حرام كبيرها السيّد الشريف مجد الدين موسى الحسنى ذو مكارم و فواضل أضافني و بعث اليّ التمر و السّيلان و الدراهم، و المحلّة الثالثة: محلّة العجم كبيرها جمال الدين بن اللّوكيّ‏ (41).

و أهل البصرة لهم مكارم أخلاق و ايناس للغريب و قيام بحقّه فلا يستوحش فيما بينهم غريب، و هم يصلّون الجمعة في مسجد أمير المومنين علي رضي الله عنه الذي ذكرته، ثم يسدّ فلا يأتونه إلا في الجمعة.

و هذا المسجد من أحسن المساجد، و صحنه متناهي الانفساح مفروش بالحصباء الحمراء التي يوتي بها من وادي السباع‏ (42)، و فيه المصحف الكريم الذي كان عثمان رضي الله عنه يقرأ فيه لمّا قتل‏ (43)، و أثر تغيّر الدم في الورقة التي فيها قوله تعالى فسيكفيكهم الله و هو السميع العليم‏ (44).

____________

(40) استعمال كلمة السّيلان (أو السّيلان) بمعنى عسل التمر لم نجد له أصلا، هذا و تعتبر المنطقة من أغنى المناطق في انتاج التمور، كانت تعطى قديما زهاء 180 نوعا و اليوم نحو 98. و قد عشت ردحا من الزّمان مع أنواعها المتعددة و المتنوّعة و أنا بالعراق- القوصرة: و عاء من قصب يجعل فيه التمر و نحوه ...

(41) يتحدث ابن حوقل عن أنهار البصرة فيذكر أنها عدّت أيام بلال بن أبي بردة (ت 126 744) فزادت على مائة الف نهر و عشرين الف نهر، تجري فيها الزوارق و كنت أنكر ما ذكر ... حتى رأيت كثيرا من تلك البقاع فرأيت في مقدار رمية سهم عدة من الأنهار صغارا تجري في جميعها المسماريّات (المخيطة بالمسامير- ذات ألواح و دسر)، و لكل نهر اسم ينسب به إلى صاحبه الذي احتفره أو إلى الناحية التي ينصب منها أو ينصبّ ماؤه إليها ...! و في تعليق لا حق عن المدينة قال المعلق: دخلتها سنة 537 1142 و قد خربت و لم يبق من آثارها إلا الأقل، و طمست محالها فلم يبق منها إلا محالّ معلومة كالنحّاسين و القساميل و هذيل و المربد و قبر طلحة، و قد بقى من محلة بيوت معدودة، و باقي بيوتها إما خراب، و أما غير مسكونة، و جامعها باق في وسط الخراب كأنه سفينة في وسط بحر لجيّ ... و سورها القديم قد خرب، و بينه و بين ما قد بقى من العمارة مسافة بعيدة ... و سبب خرابها ظلم الولاة و الجور ..." و قد تميزت مخطوطة تونس بذكر اللّولي بدل اللوكي، و قد يكون معنى اللولي المشتغل باللؤلؤ ... هذا و قد حفلت المخطوطة التونسية لابن بطوطة بطرّة مستقاة من شراح مقامات الحريري و من الخريدة ...

(42) وادي السباع قريب يقع شمال الزبير على بعد ستة أميال منه غير بعيد عن محطة شعيبة.

(43) من المعلوم أن سيدنا عثمان قتل بالمدينة و هو يتلو القرآن عام 35 656، هذا و توجد عدة نسخ من مصاحف في ديار الإسلام تنسب لسيدنا عثمان على ما نعرف.

(44) السورة 2، الآية 137.

13

حكاية اعتبار

شهدت مرة بهذا المسجد صلاة الجمعة فلما قام الخطيب به إلى الخطبة و سردها لحن فيها لحنا كثيرا جليا فعجبت من أمره و ذكرت ذلك للقاضي حجّة الدين فقال لي: إن هذا البلد لم يبق به من يعرف شيئا من علم النحو! و هذه عبرة لمن تفكّر فيها، سبحان مغيّر الأشياء و مقلّب الأمور. هذه البصرة التي إلى أهلها انتهت رياسة النحو، و فيها أصله و فرعه، و من أهلها إمامه‏

قد كانت البصرة الفيحاء من قدم‏* * * مجرى لأبحر نحو تقذف الدررا

فأصبحت و هي صفراء الوشاح فلا* * * نحوى فيها سوى نزر و هم فقرا!!

(45) الذي لا ينكر سبقه لا يقيم خطيبها خطبة الجمعة على دؤبه عليها.

و لهذا المسجد سبع صوامع إحداها الصومعة التي تتحرّك، بزعمهم عند ذكر عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه، صعدت إليها من أعلى سطح المسجد و معي بعض أهل البصرة فوجدت في ركن من أركانها مقبض خشب مسمّرا فيها كأنه مقبض مملّسة البنّاء، فجعل الرجل الذي كان معي يده في ذلك المقبض و قال: بحقّ رأس أمير المومنين عليّ رضي الله عنه، تحرّكي! و هزّ المقبض، فتحركت الصومعة، فجعلت أنا يدي في المقبض و قلت له: و أنا أقول: بحقّ رأس أبي بكر خليفة رسول الله (صلى اللّه عليه و سلم)، تحرّكى! و هززت المقبض فتحركت الصومعة (46)! فعجبوا من ذلك! و أهل البصرة على مذهب السنّة و الجماعة، و لا يخاف من يفعل مثل فعلي عندهم، و لو جرى مثل هذا بمشهد عليّ أو مشهد الحسين أو بالحلّة أو بالبحرين أو قم أو قاشان أو ساوة أو آوه أو طوس لهلك فاعله! لأنّهم رافضة غالية.

قال ابن جزي: قد عاينت بمدينة برشانة (47) من وادي المنصورة من بلاد الأندلس حاطها الله، صومعة تهتزّ من غير أن يذكر لها أحد من الخلفاء أو سواهم، و هي صومعة المسجد الأعظم بها، و بناؤها ليس بالقديم، و هي كأحسن ما أنت راء من الصوامع، حسن‏

____________

(45) الحديث عن مدرسة البصرة و إمامها في النحو العلامة الفارسي سيبويه حديث سارت به الركبان منذ القرن الثاني للهجرة، و هكذا فإن البصرة كانت قاعدة اللغة العربية (د. المختار ولد باه: تاريخ النحو- إيسيسكو 1996، ص 205) و مع ذلك فإن ما حكاه ابن بطوطة يتكرر عبر السنين و الأحقاب، قال في التحفة النبهانية في تاريخ الجزيرة العربية تعليقا على ملاحظة ابن بطوطة للحن خطيب الجمعة: و في ذلك يقول الشيخ عثمان بن سند المالكي الشهير آخر فضلاء البصريين‏

قد كانت البصرة الفيحاء من قدم‏* * * مجرى لأبحر نحو تقذف الدررا

فأصبحت و هي صفراء الوشاح فلا* * * نحوى فيها سوى نزر و هم فقرا!!

(46) وجد المهتمون بآثار إصفهان في عدم نص ابن بطوطة على المئذنة المتحركة (منار جنبان) دليلا على أنه أي المنار لم يكن موجودا أيام زيارة الرحالة المغربي للمدينة عام 727 1327 سيما و أن ابن بطوطة لم يهمل الحديث عن المنار المتحرك في البصرة كما نرى ...

- د. التازي: إيران بين الأمس و اليوم، ص 53، 1984.

(47) برشانة (Purchena) تقع بوادي المنصورة على بعد 58 ك. م. شمال مدينة ألمرية. هذا و يلاحظ استعمال (الجامور) من لدن ابن جزي و قد سبق أن ج‏I ، 30 تعليق 7.

14

منظر و اعتدالا و ارتفاعا، لا ميل فيها و لا زيغ صعدت اليها مرّة و معي جماعة من الناس فأخذ بعض من كان معي بجوانب جامورها و هزّوها فاهتزّت حتّى أشرت اليهم أن يكفوا فكفوا عن هزّها! رجع.

ذكر المشاهد المباركة بالبصرة

فمنها مشهد طلحة بن عبيد الله أحد العشرة، رضي الله عنهم، و هو بداخل المدينة و عليه قبّة و مسجد و زاوية فيها الطعام للوارد و الصادر و أهل البصرة يعظّمونه تعظيما شديدا و حقّ له، و منها مشهد الزبير بن العوّام حوارّى رسول الله (صلى اللّه عليه و سلم) و ابن عمّته رضي الله عنهما و هو بخارج البصرة و لا قبّة عليه و له مسجد و زاوية فيها الطعام لابناء السبيل.

و منها (48) قبر حليمة السعديّة أمّ رسول الله (صلى اللّه عليه و سلم) من الرّضاعة رضي الله عنها و إلى جانبها قبر ابنها رضيع رسول الله (صلى اللّه عليه و سلم)(49)، و منها قبر أبي بكرة (50) صاحب رسول الله (صلى اللّه عليه و سلم) و عليه قبّة. و على ستّة أميال منها بقرب وادي السباع قبر آنس ابن مالك‏ (51) خادم رسول الله (صلى اللّه عليه و سلم) و لا سبيل لزيارته إلا في جمع كثيف لكثرة السباع و عدم العمران.

و منها قبر الحسن بن أبي الحسن البصريّ سيّد التابعين رضي الله عنه‏ (52) و منها

____________

(48) طلحة و الزبير كلاهما من صحابة الرسول (صلى اللّه عليه و سلم) و قد لقيا مصرعهما في (وقعة الجمل) التي جابهتهما ضد الإمام علي، القبران يوجدان إلى الآن: فيما يتصل بطلحة فإنه قريب من المسجد، و فيما يتصل بالزبير فإنه يوجد بالمربد على مقربة من المدينة التي تحمل اسم الزبير و التي تعرضت أثناء حرب الخليج (1991) إلى عمليات قصف متوالية ...

(49) هذه معلومة يستأثر بها ابن بطوطة، هذا و قد تعرض الهروي لمن توجد مقابرهم في الرقة من الأخوال التسعة للنبي (صلى اللّه عليه و سلم): إخوة حليمة السعدية.

(50) أبو بكرة هو نفيع بن الحارث بن كلدة الثقفي، من أهل الطائف من أصل حبشي أدركه أجله عام 52 672.

(51) أنس بن مالك بن النضر النّجاري الخزرجي الأنصاري، مولده بالمدينة و أسلم صغيرا و خدم النبي (صلى اللّه عليه و سلم) ... ثم رحل إلى دمشق و منها إلى البصرة فتوفى بها عام 93 712، و ما يزال قبره معروفا هناك ...

(52) الحسن بن يسار البصري أبو سعيد ... له مع الحجّاج بن يوسف الثقفي مواقف ... من كلماته السائرة:" إن الله ليزع بالسلطان ما لا يزعه بالقرآن ..." و ليس بحديث شريف، و لما ولى عمر بن عبد العزيز الخلافة كتب إليه: إني قد ابتليت بهذا الامر فانظر لي أعوانا يعينوني عليه، فأجابه الحسن: أما أبناء الدنيا فلا تريدهم و أما أبناء الآخرة فلا يريدونك فاستعن بالله!! أدركه أجله بالبصرة عام 110 728.

15

قبر محمد بن سيرين‏ (53)، رضي الله عنه، و منها قبر محمد بن واسع‏ (54) رضي الله عنه، و منها قبر عتبة الغلام‏ (55)، رضي الله عنه، و منها قبر مالك بن دينار رضي الله عنه‏ (56)، و منها قبر حبيب العجميّ‏ (57)، رضي الله عنه، و منها قبر سهل بن عبد الله التّستريّ‏ (58) رضي الله عنه.

و على كل قبر منها قبريّة مكتوب فيها اسم صاحب القبر و وفاته، و ذالك كله داخل السور القديم، و هي اليوم بينها و بين البلد نحو ثلاثة أميال، و بها سوى ذلك قبور الجمّ الغفير من الصحابة و التابعين المستشهدين يوم الجمل. و كان أمير البصرة حين ورودي عليها يسمّى بركن الدين العجمي التّوريزيّ‏ (59) أضافني فأحسن إلي.

و البصرة على ساحل الفرات و الدجلة و بها المدّ و الجزر كمثل ما هو بوادي سلا (60) من بلاد المغرب و سواه، و الخليج المالح الخارج من بحر فارس‏ (61) على عشرة أميال منها

____________

(53) ابن سيرين كان إمام وقته في علوم الدين من أشراف الكتاب و هو مؤسس فنّ" تعبير الرؤيا" في دنيا الاسلام و له ينسب كتاب (تعبير الرؤيا) أدركه أجله بالبصرة سنة 110 729.

(54) ابن واسع بن جابر الأزدي من تلامذة الحسن البصري، عرض عليه قضاء البصرة فأبى! أدركه أجله عام 123 741.

(55) عتبة بن أبان من تلامذة الحسن البصري أيضا لقب بالغلام لاجتهاده في العبادة، استشهد في معركة جرت ضد الروم على مقربة من المصيصة. الأصفهاني: حلية الأولياء- القاهرة 1936 ج 6 ص 238- 226.

(56) راجع التعليق رقم 37 في هذا الفصل.

(57) حبيب العجمي الفارسي كان رجلا ثريا و مرابيا كذلك، أي إنه يقرض الناس بفائدة ربوية فاحشة ثم تحوّل إلى رجل صالح تحت تأثير الحسن البصري،

AL- HUJWIRI: KASHF ALMAHJOUB Trans NICHOLSON- London 1991, P. 88- 98

(58) توفي سهل بن عبد الله التسترى عام 273 886 و هو أحد الائمة المؤسسين للمدرسة الصوفية له كتاب في" تفسير القرآن" و" رقائق المحبّين"- الوفيات 1، 218.

(59) لم نستطع الوصول إلى التعرف بركن الدين العجمي التوريزي المنسوب إلى توريز أي تبريز و في بعض المخطوطات: التوزيري بتقديم الزاي، هذا و قد ذكر الهروي أنه تعرف في البصرة على رجل شريف اسمه عمران بن سالم، قال عنه: إنه استخراج من حرف الكاف حروف الكتابة جميعها و هي 29 حرفا، كل حرف منها قائم بذاته و زاد عليها ثمانية أحرف ...

(60) وادي سلا بذلك سماه بن حوقل و لو أن الفزازي سماه وادي أسمير و المراكشي سماه وادي الرمان و يسمى اليوم بورگراگ ... ابن صاحب الصلاة: المن بالامامة، تحقيق د. التازي، الطبعة الثالثة- طبعة دار المغرب الاسلامي، بيروت 1987.

(61) يظهر من ابن بطوطة في هذا المقطع أنه يعتبر شط العرب أو نهر العرب- و هو الاسم الذي يطلق على نهر دجلة و الفرات مجتمعين- خليجا خارجا من بحر فارس ... و سنراه قريبا يتحدث عن" خليج" آخر يخرج من بلاد فارس ترجمه الاثنان.D .S - و معهما الحق- بالمحيط الهندي، و ينبغي أن نذكر هنا أن الجغرافي المغربي المعروف بالشريف الادريسي ينعت الخليج الذي يتشعب من البحر الصيني بالخليج الأخضر و يقول: إنه بحر فارس و الأبلة و فيها ينتهي على مقربة من عبادان ...

16

فإذا كان المدّ غلب الماء المالح على العذب و إذا كان الجزر غلب الماء الحلو على المالح فيستسقى أهل البصرة الماء لدورهم، و لذلك يقال: إن ماءهم زعاق.

قال ابن جزي: و بسبب ذلك كان هواء البصرة غير جيّد و الوان أهلها مصفرّة كاسفة حتّى ضرب بهم المثل و قال بعض الشعراء و قد أحضرت‏ (62) بين يدي الصاحب أترجّة

للّه أترجّ غدا بيننا* * * معبّرا عن حال دي عبرة

كما كسى اللّه ثياب الضنّا* * * أهل الهوى و ساكني البصرة!!

رجع، ثم ركبت من ساحل البصرة في صنبوق‏ (63) و هو قارب صغير إلى الأبلة (64)، و بينها و بين البصرة عشرة أميال في بساتين متّصلة، و نخيل مضلّلة، عن اليمين و اليسار، و الباعة في ظلال الأشجار، يبيعون الخبز و السمك و اللبن و الفواكه.

و فيما بين البصرة و الأبلّة متعبّد سهل بن عبد الله التّسترى فإذا حاذاه الناس بالسفن تراهم يشربون الماء ممّا يحاذيه من الوادي و يدعون عند ذلك تبرّكا بهذا الواليّ، رضي الله عنه، و النواتية يجدفون في هذه البلاد و هم قيام:

____________

(62) القصد إلى الوزير الصاحب إسماعيل بن عباد بن العباس الطالقاني، كان من نوادر الزمان علما و فضلا و تدبيرا و جودة رأي، أستوزره مؤيد الدولة ابن بويّه الديلمي أمير فارس الغربية ... و لقب بالصاحب لصحبته مؤيّد الدولة من صباه، ولد في الطالقان (من أعمال قزوين) و توفي سنة 385 995 بالري، و نقل إلى إصفهان فدفن بها، له تصانيف جليلة ... هذا و من المهم التنبيه على أن الترجمة الفرنسية التي قدمها الاثنان.D .S تضبط التاء في أحضرت بالضم: تاء المتكلم، فيتر جمانها نتيجة لذلك بما يقتضي أن ابن جزي هو الذي أحضر الأترجه! مع أن الحقيقة التي تتوافق مع تاريخ و مكان الصاحب تقتضي أن تكون التاء ضميرا للغائب يعود على الأترجه، و قد تنبه لهذا السّير هاميلتون گيب في ترجمته الانجليزية ...

(63) الصنبوق مركب له جؤجؤ (قيدوم)Proue ناتئ، مزود بقلاع مثلث الزوايا كان شائع الاستعمال في الحوض المتوسط و البحر الأحمر- حسن صالح شهاب: المراكب العربية نشر مؤسسة الكويت للتقدم العلمي 1987 ص 49.

(64) يقول ابن حوقل عن نهر الأبلة الذي يعتبر من أنهار البصرة: إن طوله أربعة فراسخ ... و على جانبي هذا النهر بساتين و قصور متصلة كأنها بستان واحد قد مدت على خيط ... و كأن نخيلها غرست ليوم واحد ...! و كان على ركن الأبلة في دجلة بين يدي نهرها خور عظيم الخطر و ماء جسيم دائم الضرر- فكانت السفن تغرق فيه- فاحتالت له بعض نساء بني العباس بمراكب على مقدار معيّن محدد فانسدّ و زال الضرر ... هذا و الأبلّة هي المدينة الرومانية القديمة التي كانت تحمل اسم (APOLOGOS) و كانت تحتل موقع حي أعشار للمدينة الحالية: البصرة.

17

و كانت الابلّة مدينة عظيمة يقصدها تجار الهند و فارس فخربت و هي الآن قرية بها آثار قصور و غيرها دالّة على عظمها، ثم ركبنا في الخليج من بحر فارس في مركب صغير لرجل من أهل الأبلّة يسمّى بمغامس و ذلك فيما بعد المغرب فصبحنا عبّادان‏ (65)، و هي قرية كبيرة في سبخة لا عمارة بها، و فيها مساجد كثيرة و متعبّدات و رباطات للصالحين و بينها و بين الساحل ثلاثة أميال.

قال ابن جزي: عبّادان كانت بلدا فيما تقدّم و هي مجدبة لا زرع بها و انّما بجلب اليها، و الماء أيضا بها قليل و قد قال فيها بعض الشعراء،

من مبلغ أندلسا أنّني‏* * * حللت عبّادان أقصى الثّرى‏

أوحش ما أبصرت لا كنّني‏* * * قصدت فيها ذكرها في الوارى‏

الخبز فيها يتهادونه‏* * * و شربة الماء بها تشترى!!

رجع، و على ساحل البحر منها رابطة تعرف بالنسبة إلى الخضر و إلياس (عليهما السلام)، و بازايها زاوية يسكنها أربعة من الفقراء بأولادهم يخدمون الرابطة و الزاوية، و يتعيّشون من فتوحات الناس و كلّ من يمرّ بهم يتصدّق عليهم، و ذكر لي أهل هذه الزاوية أنّ بعبّادان عابدا كبير القدر، و لا أنيس له، ياتي هذا البحر مرّة في الشهر فيصطاد فيه ما يقوته شهرا ثم لا يرى إلا بعد تمام شهر، و هو على ذلك منذ أعوام، فلمّا وصلنا عبّادان لم يكن لي شأن إلا طلبه، فاشتغل من كان معي بالصلاة في المساجد و المتعبّدات، و انطلقت طالبا له فجئت مسجدا خربا فوجدته يصلّي فيه فجلست إلى جانبه، فأوجز في صلاته، و لمّا سلّم أخذ بيدي، و قال لي: بلّغك الله مرادك في الدنيا و الآخرة! فقد بلغت بحمد الله مرادي في الدنيا و هو السيّاحة في الأرض و بلغت من ذلك ما لم يبلغه غيري فيما أعلمه، و بقيت الأخرى و الرجا قوّى في رحمة اللّه و تجاوزه و بلوغ المراد من دخول الجنّة.

و لمّا أتيت أصحابي أخبرتهم خبر الرجل و اعلمتهم بموضعه فذهبوا اليه فلم يجدوه و لا وقعوا له على خبر فعجبوا من شأنه! و عدنا بالعشى إلى الزاوية فبتنا بها و دخل علينا أحد الفقراء الأربعة بعد صلاة العشاء الآخرة، و من عادة ذلك الفقير أن يأتي عبّادان كلّ ليلة فيسرج السرج بمساجدها ثم يعود إلى زاويته، فلما وصل إلى عبّادان وجد الرجل العابد فأعطاه سمكة طريّة، و قال له أوصل هاذه إلى الضيف الذي قدم اليوم، فقال لنا الفقير عند

____________

(65) ورد في ملاحق ابن حوقل أن عبّادان جزيرة وسط الدجلة و ماء الفرات عند مصبّهما في البحر ...

و فيها رباط يسكنه جماعة الصوفية و الزهاد و أهل الجهاد و ليس بينهم امرأة البتّة .. و قد ذكر الهروي مشهد الخضر (عليه السلام) كما تحدث عن ربط عبّادان ... هذا و يلاحظ هنا أن ابن بطوطة حقق امنيته في السياحة.

18

دخوله علينا: من رأى منكم الشيخ اليوم؟ فقلت له: أنا رأيته! فقال: يقول لك هذه ضيافتك، فشكرت الله على ذلك، و طبخ لنا الفقير تلك السمكة فاكلنا منها أجمعون، و ما أكلت قطّ سمكّا أطيب منها، و هجس في خاطري الإقامة بقيّة العمر في خدمة ذلك الشيخ، ثمّ صرفتني النّفس اللجوج عن ذلك.

ثم ركبنا البحر عند الصبح بقصد بلدة ماجول‏ (66)، و من عادتي في سفري أن لا أعود على طريق سلكتها ما أمكنني ذلك، و كنت أحبّ قصد بغداد العراق فأشار عليّ بعض أهل البصرة بالسفر إلى أرض اللّور ثم إلى عراق العجم، ثم إلى عراق العرب، فعملت بمقتضى إشارته، و وصلنا بعد أربعة أيام إلى بلدة (ماجول) على وزن فاعول، وجيمها معقودة، و هي صغيرة على ساحل هذا الخليج الذي ذكرنا أنه يخرج من بحر فارس و أرضها سبخة لا شجر فيها و لا نبات و لها سوق عظيمة من أكبر الأسواق و أقمت بها يوما واحدا، ثم اكتريت دابّة لركوبي من الذين يجلبون الحبوب من (رامز) إلى (ماجول)، و سرنا ثلاثا في صحراء يسكنها الأكراد في بيوت الشعر، و يقال إن أصلهم من العرب‏ (67)، ثم وصلنا إلى مدينة رامز (68) و أول حروفها راء و آخرها زاي و ميمها مكسورة، و هي مدينة حسنة ذات فواكه و أنهار و نزلنا بها عند القاضي حسام الدين محمود، و لقيت عنده رجلا من أهل العلم و الدين و الورع هنديّ الأصل، يدعى بهاء الدين، و يسمى إسماعيل، و هو من أولاد الشيخ بهاء الدين أبي زكرياء الملتاني‏ (69) و قرأ على مشايخ توريز و غيرها.

و أقمت بمدينة رامز ليلة واحدة، ثم رحلنا منها ثلاثا في بسيط فيه قرى يسكنها الأكراد، و في كل مرحلة منها زاوية فيها للوراد الخبز و اللحم و الحلواء، و حلواءهم من ربّ‏

____________

(66) ما جول هو اليوم بندر ماه شهر (MAH SHAR) على رأس خور موسى، و ليس على نفس مجرى شط العرب، هذا و تلاحظ هنا و من الآن هواية ابن بطوطة في أن لا يعود من نفس الطريق التي سلكها أولا- د. التازي: إيران بين الأمس و اليوم، قراءة جديدة لرحلة ابن بطوطة 1404 1984، ص 30 و ما بعدها.

(67) بالرغم من الوحدة الجنسية التي تربط بين الأكراد إلا أن وقوع إقليمهم كردستان بين عدد من الأمم الكبرى أدّى إلى تقسيمهم ... و قد أنجبوا عددا من الأبطال و القادة و الرجال الأفذاذ عبر التاريخ ...

(68) رامز مختصر رامهرمز (Ram (a) Murmuz) و قد أسست من لدن الملك الساساني هرمز في القرن الثالث الميلادي، و هي مشهورة بمصانع الدمقس و الحرير في القرن الرابع الهجري العاشر الميلادي ...

و قد كانت مركزا مزدهرا في القرن الثامن الهجري الرابع عشر الميلادي، تقع على نحو 90 ميلا شرقي بندر ماه شهر.

- عبيد طويرش: الصراع حول هرمز- منشورات اتحاد. كتاب و أدباء الامارات 1990.

(69) أبو زكرياء صوابه زكرياء بهاء الدين (579- 665 1183- 1267) خراساني الأصل الممثل الأساس للزاوية السّهروردية بالهند على ما سنرى في بداية السفر الثاني.

19

الدّهو: مركب شراعي مألوف في شواطئ الجزيرة العربية و الخليج، و شرقي افريقيا

20

العنب، مخلوطا بالدقيق و السمن، و في كل زاوية الشيخ و الامام و المؤذن و الخادم للفقراء، و العبيد و الخدم يطبخون الطعام. ثم وصلت إلى مدينة تستر (70) و هي آخر البسيط من بلاد أتابك‏ (71) و أول الجبال، مدينة كبيرة، رايقة نضيرة، و بها البساتين الشريفة، و الرياض المنيفة، و لها المحاسن البارعة، و الأسواق الجامعة، و هي قديمة البناء افتتحها خالد بن الوليد، و وليّ هذه المدينة ينسب إلى سهل بن عبد الله و يحيط بها النهر المعروف بالأزرق‏ (72) و هو عجيب في نهاية من الصفاء شديد البرودة في أيام الحرّ، و لم أر كزرقته إلا نهر بلخشان‏ (73)، و لها باب واحد للمسافرين يسمّى دروازة دسبول‏ (74)، و الدّروازة عندهم الباب، و لها أبواب غيره شارعة إلى النهر و على جانبي النّهر البساتين و الدّواليب‏

و دولاب روض بعدما كان أغصنا* * * تميس، فلمّا مزقته يد الدهر

تذكّر عهدا بالرياض فكلها* * * عيون على أيام عصر الصّبا تجري!

(75)، و النهر عميق، و على باب المسافرين منه جسر على القوارب‏ (76) كجسر بغداد و الحلة.

قال ابن جزي: و في النهر يقول بعضهم‏

انظر لشاذروان تستر و اعتجب‏* * * من جمعه ماء لريّ بلاده‏

كمليك قوم جمّعت أمواله‏* * * فغدا يفرّقها على أجناده‏

____________

(70) بالفارسية تحمل اسم (Shushtar) و قد خصص اعتماد السلطنة في كتابه (مرآة البلدان ج‏I حرف التاء) فصلا ممتازا لتقديم هذه المدينة الجليلة القدر التي ظلت منذ أن افتتحها العرب بقيادة أبى موسى الأشعري حوالي سنة 42 662 ملاذا للعلماء و رجال الفضل و حملة الأقلام ... و من أشهر المنتسبين إليها السادة النّورية و في مقدمتهم نعمة الله الموسوي الحسيني صاحب كتاب (زهر الربيع)، هذا و قد استهوت المعلومات التي قدمها ابن بطوطة اعتماد السلطنة فنقلها بحذا فيرها، يلاحظ أن ابن بطوطة اختار له طريقا ذا منعطفات و منعرجات.

(71) (أتابك) (Atabak) و تعني الأب الكبير لقب أعطي من لدن السلاطين السلاجقة للأمراء الذين يبعثون بهم ولاة على الأقاليم، و كثير من هؤلاء الأتابكة اغتنموا فرصة سقوط الامبراطورية السلجوقية للاستقلال بالحكم!

(72) النهر الأزرق هو ما يعرف بنهر كارون (Le fleuve karun) و يعرف في العصر الوسيط باسم نهر دجيل.

(73) هذا النهر يقع في أفغانستان و هو يسمى اليوم كوكشا (Kokcha) من روافده نهر جيحون (OXUS) يسمى عند الجغرافيين في العصر الوسيط بسم درغم‏Dirhgam .

(74) يحمل كذلك اسم دزفول ... و يتحدث مستوفي عن أربعة أبواب ...

(75) يروي نعمة الله الموسوي الحسيني في كتابه زهر الربيع أن أبا نواس قال في الدواليب التي تعمل في مدينة تستر لرفع الماء من قراره إلى البساتين المرتفعة، و هو من أجمل ما قيل:

و دولاب روض بعدما كان أغصنا* * * تميس، فلمّا مزقته يد الدهر

تذكّر عهدا بالرياض فكلها* * * عيون على أيام عصر الصّبا تجري!

(76) يتحدث المقدسي (ت 380 990) من رجال القرن الرابع الهجري العاشر الميلادي عن الجسر المحمول على المراكب، و قد تحول هذا الجسر المحمول فيما بعد إلى جسر مبنى على سد.

21

جامع تستر

22

و الفواكه بتستر كثيرة، و الخيرات متيسّرة غزيرة، و لا مثل لأسواقها في الحسن، و بخارجها تربة معظّمة يقصدها أهل تلك الأقطار للزيارة و ينذرون لها النذور، و لها زاوية بها جماعة من الفقراء، و هم يزعمون أنها تربة زين العابدين علي بن الحسين بن علي بن أبى طالب‏ (77).

و كان نزولي من مدينة تستر في مدرسة الشيخ الامام الصالح المتفنّن شرف الدين موسى بن الشيخ الصالح الامام العالم صدر الدّين سليمان، و هو من ذريّة سهل ابن عبد الله، و هذا الشيخ ذو مكارم و فضائل، جامع بين العلم و الدين و الصلاح و الايثار، و له مدرسة و زاوية، و خدّامها فتيان له أربعة: سنبل و كافور، و جوهر و سرور، أحدهم موكّل بأوقاف الزاوية، و الثاني متصرّف فيما يحتاج إليه من النفقات في كل يوم و الثالث خديم السّماط بين أيدي الواردين و مرتّب الطعام لهم، و الرابع موكل بالطبّاخين و السقّائين و الفرّاشين، فاقمت عنده ستّة عشر يوما فلم أر أعجب من ترتيبه، و لا أرغد من طعامه يقدّم بين يدي الرجل ما يكفي الأربعة من طعام الأرز المفلفل المطبوخ في السّمن و الدجاج المقليّ و الخبز و اللحم و الحلواء.

و هذا الشيخ من أحسن الناس صورة، و أقومهم سيرة، و هو يعظ الناس بعد صلاة الجمعة بالمسجد الجامع و لمّا شاهدت مجالسه في الوعظ صغر لدى كلّ واعظ رأيته قبله بالحجاز و الشام و مصر، و لم ألق فيمن لقيتهم مثله، حضرت يوما عنده ببستان له على شاطئ النهر و قد اجتمع فقهاء المدينة و كبراؤها و أتى الفقراء من كل ناحية، فأطعم الجميع ثم صلّى بهم صلاة الظهر، و قام خطيبا و واعظا بعد أن قرأ القرّاء أمامه بالتلاحين المبكّية، و النغمات المحرّكة المهيجة، و خطب خطبة بسكون و وقار، و تصرّف في فنون العلم من تفسير كتاب الله و ايراد حديث رسول الله و التكلم على معانيه، ثم ترامت عليه الرّقاع من كل ناحية. و من عادة الأعاجم أن يكتبوا المسائل في رقاع و يرمونها إلى الواعظ فيجيب عنها (78) فلمّا رمي إليه بتلك الرقاع جمعها في يده و أخذ يجيب عنها واحدة بعد واحدة بأبدع جواب و أحسنه و حان‏

____________

(77) عليّ زين العابدين الامام الرابع من الأئمة الاثنى عشر، و قد توفي بالمدينة عام 94 712 و دفن بها ...

أحصى بعد موته عدد من كان يقوتهم سرّا فكان نحو مائة بيت. و ذكر الهروي أن (تستر) تحتضن قبر محمد بن جعفر الصادق‏

(78) عرفت هذه العادة الحميدة في ديار المشرق و تحدث عنها ابن جبير و هو يحضر في بغداد مجلس ابن الجوزي (ص 11- 12) و لقد استمرت هذه العادة في تلك الجهات، و قد حضرت شخصيّا أحد المجالس العلمية في مدينة سيؤون من حضر موت في ربيع الأول 1413 شتنبر 1992 حيث كان عريف المجلس يجمع الأوراق المكتوبة و يقدّمها للشيخ، و لا يقبل سؤالا شفويا.!! هذا و لم نقف على ترجمة لشرف الدّين موسى ...

23

وقت صلاة العصر فصلّى بالقوم و انصرفوا و كان مجلسه مجلس علم و وعظ و بركة، و تبادر التائبون فأخذ عليهم العهد و جزّ نواصيهم‏ (79) و كانوا خمسة عشر رجلا من الطلبة قدّموا من البصرة برسم ذلك و عشر رجال من عوّام تستر.

حكاية [الشيخ السّخي‏]

لمّا دخلت هذه المدينة أصابني مرض الحمّى، و هذه البلاد يحمّ داخلها في زمان الحرّ كما يعرض في دمشق و سواها من البلاد الكثيرة المياه و الفواكه، و أصابت الحمّى أصحابي أيضا فمات منهم شيخ اسمه يحيى الخرساني، و قام الشيخ بتجهيزه من كل ما يحتاج إليه الميّت و صلى عليه، و تركت بها صاحبا لي يدعى بهاء الدين الختني فمات بعد سفري.

و كنت حين مرضى لا أشتهي الأطعمة التي تصنع لي بمدرسته، فذكر لي الفقيه شمس الدين السندي من طلبتها طعاما فاشتهيته و دفعت له دراهم، و طبّخ لي ذلك الطعام بالسوق و أتى به إليّ فأكلت منه، و بلغ ذلك الشيخ فشقّ عليه و أتى إليّ و قال لي: كيف تفعل هذا و تطبخ الطعام في السوق؟ و هلّا أمرت الخدّام أن يصنعوا لك ما اشتهيته، ثم أحضر جميعهم و قال لهم: جميع ما يطلبه منكم من أنواع الطعام و السكر و غير ذلك فأتوا إليه به و أطبخوا له ما يشاءه و اكّد عليهم في ذلك أشدّ التاكيد، جزاه الله خيرا.

ثم سافرنا من مدينة تستر ثلاثا في جبال شامخة و بكل منزل زاوية كما تقدم ذكر ذلك، و وصلنا إلى مدينة إيذج، و ضبط اسمها بكسر الهمزة و ياء مدّ و ذال معجم مفتوح و جيم، و تسمى أيضا مال الأمير

فتح السالكون في طلب الرز* * * ق إيذج إلى إصفهان ..

(80)، و هي حضرة السلطان أتابك، و عند وصولي إليها اجتمعت بشيخ شيوخها العالم الوارع نور الدين الكرماني و له النظر في جميع الزوايا، و هم يسمّونها المدرسة، و السلطان يعظّمه و يقصد زيارته، و كذلك أرباب الدولة و كبراء الحضرة يزورونه غدوا

____________

(79) في القرآن الكريم، السورة رقم 96، الآية 16: لنسفعا بالناصية ناصية كاذبة خاطئة، و جز الناصية رمز للتخلي عن الرذائل ...

(80) كانت إيذج (IZEH) عاصمة الدولة الهزار سبيدية في لورستان و هي التي تحمل اليوم اسم-(MAL AMIR) و تقع على نهر كارون و قد ورد ذكرها في المسالك و الممالك لأبي اسحاق الاصطخري و يذكر صاحب (مرآة البلدان) أنه كانت بها قنطرة من عجائب الدنيا، و كان مما نقش على فندق ينزله الواردون من اصفهان، أبيات هذا مطلعها:

فتح السالكون في طلب الرز* * * ق إيذج إلى إصفهان ..

و قد وقعت بها زلازل كثيرة و معادنها وافرة، و بها بحيرة مالحة، و كانت بها مزارع لصنع السكر ... و كذا معابد للذين يعبدون النار، و الجدير بالذكر أن الخليفة العباسي المهدي ولد هنا في ايذج- انظر دائرة المعرف الاسلامية (بالفرنسية) مادةHAZARASPIDES كذلك مادة (LUR).

24

و عشيّا، فأكرمني و أضافني و أنزلني بزاوية تعرف باسم الدّينوري. و أقمت بها أياما و كان وصولي في أيام القيظ (81)، و كنّا نصلّى صلوات الليل ثم ننام بأعلى سطحها، ثم ننزل إلى الزاوية ضحوة و كان في صحبتي أتنا عشر فقيرا منهم إمام و قارئان مجيدان و خادم، و نحن على احسن ترتيب.

ذكر ملك إيذج و تستّر

و ملك إيذج في عهد دخولي إليها السلطان أتابك أفراسياب ابن السلطان أتابك‏ (82) أحمد، و أتابك عندهم سمة لكل من يلي هذه البلاد من ملك، و تسمى هذه البلاد بلاد اللّور (83)، و ولى هذا السلطان بعد أخيه أتابك يوسف، و ولى يوسف بعد أبيه أتابك أحمد، و كان أحمد المذكور ملكا صالحا سمعت من الثقات ببلاده أنه عمّر أربعمائة و ستين زاوية ببلاده، منها بحضرة إيذج أربع و أربعون، و قسم خراج بلاده أثلاثا فالثلث منه لنفقة الزوايا و المدارس، و الثلث منه لمرتّب العساكر، و الثلث لنفقته و نفقة عياله و عبيده و خدّامه، و يبعث منه هديّة لملك العراق في كلّ سنة، و ربّما وفد عليه بنفسه.

و شاهدت من آثاره الصالحة ببلاده أن أكثرها في جبال شامخة، و قد نحتت الطرق في الصخور و الحجارة و سوّيت و وسعت بحيث تصعدها الدواب بأحمالها، و طول هذه الجبال‏

____________

(81) حديث ابن بطوطة عن أيام القيظ و مبيته في السطح جعل الذين يحققون في يوميات سفره يتساءلون هل كان الوقت فعلا وقت حر؟ سنراه بعد فترة من الزمن يصل إلى إصفهان يوم 14 حمادى الثانية 217 7 ماي 1327 و معنى هذا أنه لما كان في ايذج كان الوقت وقت قر! لكنهم وجدو للرحالة المغربي مخرجا من هذا الاشكال بافتراض أنه احيانا يحكى ما جرى له في زيارة لاحقة ما جرى له في زيارة سابقة و العكس صحيح و قد اعترف هو أحيانا بأنه يركب مثل هذا الصّنيع (ج 4، 315- 316)

(82) لاحظ المترجمان الفرنسيان.D .S ، و ثنّى عليهما گيب أن ابن بطوطة اختلط عليه اسم ملك لورستان في الفترة التي اجتاز فيها تلك البلاد عام 727 (1327) مع اسم الملك الذي كان يحكم عشرين سنة بعد ذلك عندما كان ابن بطوطة عائدا عن طريق فارس، ففي المرة الأولى كان الملك يحمل اسم نصرت الدّين أحمد الذي توفى عام 733 1333، بعد ست سنوات من تاريخ مرور ابن بطوطة، و قد عوض على التوالي من لدن ولديه اللذين كان ثانيهما هو الأمير مظفر الدّين أسياب الذي راه ابن بطوطة و الذي أنّبه على التهالك على شرب الخمر، و بالرغم من أن ابن بطوطة لم يذكر اسم ايذج عند عودته عام 748 1347 على نحو ذكره للمواقع الأخرى فاننا على يقين من أنه رأى هذه العاصمة العظيمة للهزار سبيين التي تقع على طريقه- د. أحمد كمال الدّين حلمي: السّلاجقة في التاريخ و الحضارة الكويت 1395 1975.

(83) اللور من الشعوب الإيرانية يعيش في الجبال الجنوبية الغربية من بلاد فارس، و على نحو حالة الأكراد فإن العلاقة الاساسية للفروع التي يتكون منها اللور هي اللغة، و قد عالج الحديث عن الدولة التي تكونت في هذه المنطقة تحت اسم الهزار سبيد البروفيسورV .Minorsky في دائرة المعارف الاسلامية و كذا البروفسورB .SPULER في مادةHAZARASPIDES .

25

مسيرة سبعة عشر في عرض عشرة، و هي شاهقة متّصل بعضها ببعض تشقّها الانهار، و شجرها البلّوط، و هم يصنعون من دقيقه الخبز و في كلّ منزل من منازلها زاوية يسمونها المدرسة، فإذا وصل المسافر إلى مدرسة منها أوتى بما يكفيه من الطعام و العلف لدابّته سواء طلب ذلك أو لم يطلبه، فإن عادتهم أن يأتي خادم المدرسة فيعدّ من نزل بها من الناس و يعطي كلّ واحد منهم قرصين من الخبز و لحما و حلواء، و كل ذلك من اوقاف السلطان عليها، و كان السلطان أتابك أحمد زاهدا صالحا كما ذكرناه، يلبس تحت ثيابه ممّا يلي جسده ثوب شعر.

حكاية [عادة أهل ايذج في مأتم أمرائهم‏]

قدم السلطان اتابك أحمد مرّة على ملك العراق أبي سعيد، فقال له بعض خواصّه إن أتابك يدخل عليك و عليه الدّرع، و ظنّ ثوب الشّعر الذي تحت ثيابه درعا، فأمرهم باختبار ذلك على جهة من الانبساط ليعرف حقيقته، فدخل عليه يوما فقام إليه الأمير الجوبان‏ (84) عظيم امراء العراق، و الأمير سويته‏ (85) أمير ديار بكر، و الشيخ حسن الذي هو الآن سلطان العراق‏ (86) و أمسكوا بثيابه كأنهم يمازحونه و يضاحكونه، فوجدوا تحت ثيابه ثوب الشعر، وراءه السلطان أبو سعيد، و قام إليه و عانقه و أجلسه إلى جانبه و قال له: سن اطا، و معناه بالتركية: أنت أبي، و عوّضه عن هديّته بأضعافها و كتب له اليرليغ، و هو الظّهير ألّا يطالبه بهديّة بعدها هو و لا أولاده.

____________

(84) الامير الجوبان (CHORBAN)، ينتسب للقبيلة المغولية سلدزSulduz كان حفيدا لتورانويور (Turannoyon) أحد جنرالات هولاگو تزوج على التوالي بنتي أو لجايتو خذا بنده: داولاندي أم ولده جالو خان، و بعد وفاتها تزوج ساتي بيگ أم سورغان ... گان صهرا للسّلطان أبي سعيد كما كان رئيسا للقوات المسلحة ...

(85) إذا كانت المخطوطات ترسمه (سويته) فإن الحافظ ابن حجر يرسمه (سوتاي) و يضبطه بالوصف، و ينعته بالتتري تولى امرة ديار بكر ... و استمر بها إلى أن مات ببلده التي قرب الموصل عام 732- 1332 يذكر أنه بلغ المائة سنة، و انه رأى أربعة بطون من أولاده و اولادهم حتى نافوا على الأربعين.!! كان محبّبا إلى رعيته ذا حزم و سياسة- ابن حجر: الدرر 2، 275.

(86) الشيخ حسن الكبير الجلايري احتلّ بغداد عام 738 1339 و أسس دولة جديدة باسم الدولة الجلايرية، أدركه أجله عام 757 1356 ... و سيأتي الحديث عنه مفصلا ...

26

و في تلك السنة توفيّ، و ولى ابنه أتابك يوسف، عشرة أعوام‏ (87)، ثم ولى أخوه أفراسياب، و لما دخلت مدينة إيذج أردت رؤية السلطان أفراسياب المذكور فلم يتأت لي ذلك بسبب أنه لا يخرج إلّا يوم الجمعة لإدمانه على الخمر، و كان له ابن هو وليّ عهده و ليس له سواه فمرض في تلك الأيام، و لمّا كان في إحدى الليالي أتاني أحد خدّامه و سألني عن حالي فعرّفته و ذهب عنّي، ثم جاء بعد صلاة المغرب و معه طيفوران كبيران، أحدهما بالطعام و الآخر بالفاكهة، و خريطة فيها دراهم و معه أهل السماع بآلاتهم، فقال: اعملوا السماع حتى يرهج الفقراء و يدعون لابن السلطان، فقلت له: إن أصحابي لا يدرون بالسماع و لا بالرقص‏ (88)، و دعونا للسلطان و لولده، و قسمت الدراهم على الفقراء، و لما كان نصف الليل سمعنا الصراخ و النواح، و قد مات المريض المذكور (89)، و لما كان الغد دخل عليّ شيخ الزاوية و أهل البلد، و قالوا: إن كبراء المدينة من القضاة و الفقهاء و الأشراف و الأمراء قد ذهبوا إلى دار السلطان للعزاء فينبغي لك أن تذهب في جملتهم فأبيت عن ذلك، فعزموا عليّ، فلم يكن لي بدّ من المسير، فسرت معهم فوجدت مشور (90) دار السلطان ممتلئا رجالا و صبيانا من المماليك و ابناء الملوك و الوزراء و الأجناد و قد لبسوا التّلاليس و جلال الدوابّ، و جعلوا فوق رؤسهم التراب و التبن، و بعضهم قد جزّ ناصيته، و انقسموا فرقتين: فرقة باعلى المشور و فرقة بأسفله، و تزحف كلّ فرقة إلى جهة الأخرى و هم ضاربون بأيديهم على صدورهم‏ (91) قائلون:

خوند كارما، و معناه مولاي أنا فرأيت من ذلك امرا هائلا و منظرا فضيحا لم أعهد مثله.

____________

(87) يوجد هنا أيضا بعض الارتباك حيث إن الأمير نصرت الدين أحمد توفى عام 1333 و الجوبان (شوبان) كان قتل عام 1328. دخول يوسف للحكم كان يختلف بين 1330 و تاريخ 1333، و من الممكن أن يكون مساعدا في بعض السنوات حيث إنه حسب رسائل فضل الله رشيد الدين كان ينعت قبل هذا باتابك يوسف شاه ملك لورستان". هذا و معنى يرهج: يهيج بعضهم بعضا.

(88) يقارن موقف ابن بطوطة هنا حول الموسيقى بموقفه منها و هو يصحب معه في بعض أسفاره عددا من المغنيين ليسمعوه النوبات المطربة بالرغم مما نقرأه في رسالة ابن أبي زبد القيرواني- يراجع ج‏III ص 437.

(89) حول أسرة افراسياب- انظرB .Spuleter ,Hazaraspides ,Enscyc de l`Islam .

(90) كلمة (المشور) مغربية أصلا الساحة التي تتم فيها مشورة رجال الدولة، و ما يزال الاستعمال سائدا في المغرب يطلق على حرم القصر الملكي، و لا يوجد استعمال" لهذه الكلمة في المشرق- و التلاليس جمع تلّيس و هو استعمال مغربي يعني الأكياس الكبرى المصنوعة من الدوم مثلا لوضع الحبوب و البضاعات الثقيلة و يجعل التليس عادة على ظهر الدّابة ...

(91) يلاحظ على ابن بطوطة دهشته من الطريقة التي يعبّر بها سكان تلك الجهات عن أساهم ... و قد حضرت مثل هذه المشاهد أثناء مقامي بالعراق و خاصة ليلة عاشوراء كما حضرتها في تهران بمناسبة وفاة الشيخ الطالقاني عام 1979 (رحمه اللّه)، هذا و ان كلمة خوندكارKhundikar تشبه الكلمة الفارسية خاواندگار و تعنى سيدي، مولاي، أمّا كلمة ما فتعني ياء المتكلم أو نونه، هذا و ترسم النسخ كلمة فضيح و ليس فظيع كما يوجد في بعض النسخ المنشورة!

27

حكاية [ماتم ابن السلطان‏]

و من غريب ما اتّفق لي يومئذ أنّي دخلت فرأيت القضاة و الخطباء و الشرفاء قد استندوا إلى حيطان المشور و هو غاصّ بهم من جميع جهاته و هم بين باك و متباك و مطرق، و قد لبسوا فوق ثيابهم ثيابا خامة من غليظ القطن غير محكمة الخياطة، بطاينها إلى أعلى و وجوهها ممّا يلي أجسادهم، و على رأس واحد منهم قطعة خرقة أو ميزر أسود، و هكذا يكون فعلهم إلى تمام أربعين يوما، و هي نهاية الحزن عندهم، و بعدها يبعث السلطان لكل من فعل ذلك كسوة كاملة فلمّا رأيت جهات المشور غاصّة بالناس نظرت يمينا و شمالا أرتاد موضعا لجلوسي فرأيت هنالك سقيفة مرتفعة عن الأرض بمقدار شبر و في إحدى زواياها رجل منفرد عن الناس قاعد، عليه ثوب صوف شبه اللّبد يلبسه بتلك البلاد ضعفاء الناس أيام المطر و الثلج، و في لأسفار، فتقدمت إلى حيث الرجل، و انقطع عنّي أصحابي لمّا رأوا إقدامي نحوه، و عجبوا مني و أنا لا علم عندي بشي‏ء من حاله، فصعدت السقيفة و سلّمت على الرجل فردّ عليّ السلام و ارتفع عن الارض كأنّه يريد القيام، و هم يسمّون ذلك نصف القيام و قعدت في الركن المقابل له ثم نظرت إلى الناس، و قد رموني بأبصارهم جميعا فعجبت منهم و رأيت الفقهاء و المشايخ و الأشراف مستندين إلى الحايط تحت السقيفة، و أشار إليّ أحد القضاة أن أنحطّ إلى جانبه، فلم أفعل، و حينئذ استشعرت أنه السلطان! فلما كان بعد ساعة أتى شيخ المشايخ نور الدين الكرماني الذي ذكرناه قبل، فصعد إلى السقيفة و سلّم على الرجل، فقام إليه و جلس فيما بيني و بينه، فحينئذ علمت أن الرجل هو السلطان، ثم جي‏ء بالجنازة و هي بين أشجار الأترج و الليمون و النارنج، و قد ملئوا أغصانها بثمارها و الأشجار بأيدي الرجال، فكأنّ الجنازة تمشي في بستان و المشاعل في رماح طوال بين يديها، و الشمع كذلك فصلّى عليها، و ذهب الناس معها إلى مدفن الملوك و هو بموضع يقال له (هلافيحان) (92) على أربعة أميال من المدينة، و هنالك مدرسة عظيمة، يشقّها النهر، و بداخلها مسجد تقام فيه الجمعة و بخارجها حمّام و يحفّ بها بستان عظيم و بها الطعام للوارد و للصادر، و لم أستطع أن أذهب معهم إلى مدفن الجنازة لبعد الموضع فعدت إلى المدرسة، فلما كان بعد أيام بعث إليّ السلطان رسوله الذي أتاني بالضيافة أولا يدعوني إليه فذهبت معه إلى باب يعرف بباب السّرو، و صعدنا في درج كثيرة إلى أن انتهينا إلى موضع لا فرش به لأجل ما هم فيه من الحزن، و السلطان جالس فوق مخدّة، و بين يديه انيتان قد غطيتا، إحداهما من الذهب و الأخرى من الفضّة، و كانت بالمجلس سجّادة خضراء ففرشت‏

____________

(92) يمكن تحديد هذا المكان في البقعة التي تحمل اسم (قلعة- إمدرسة) على بعد اثنى عشر ميلا شمال إيذج، بيد أنه في هذه الحالة ينبغي أن نقرأ أربعة فراسخ عوض أربعة أميال لأنها بعيدة كما يقول گيب‏Gibb

28

لي بالقرب منه و قعدت عليها، و ليس بالمجلس إلا حاجبه الفقيه محمود، و نديم له لا أعرف اسمه، فسألني عن حالي و بلادي و سألني عن الملك الناصر و بلاد الحجاز، فأجبته عن ذلك، ثم جاء فقيه كبير هو رئيس فقهاء تلك البلاد، فقال لي السلطان: هذا مولانا فضيل، و الفقيه ببلاد الأعاجم كلّها إنما يخاطب بمولانا (93)، و بذلك يدعوه السلطان و سواه، ثم أخذ في الثناء على الفقيه المذكور و ظهر لي أن السّكر غالب عليه! و كنت قد عرفت إدمانه على الخمر، ثم قال لي: باللسان العربي، و كان يحسنه: تكلّم! فقلت له: إن كنت تسمع منّي أقول لك، أنت من أولاد السلطان أتابك أحمد المشهور بالصلاح و الزهد، و ليس فيك ما يقدح في سلطنتك غير هذا! و أشرت إلى الآنيتين، فخجل من كلامي، و سكت و أردت الانصراف فأمرني بالجلوس و قال لي: الاجتماع مع أمثالك رحمة، ثم رأيته يتمايل و يريد النوم، فانصرفت و كنت تركت نعلي بالباب فلم أجده، فنزل الفقيه محمود في طلبه، و صعد الفقيه فضيل يطلبه في داخل المجلس، فوجده في طاق هنالك، فأتى إليّ به فأخجلني برّه، و اعتذرت إليه، فقبّل نعلي حينئذ، و وضعه على رأسه، و قال لي: بارك الله فيك هذا الذي قلته لسلطاننا لا يقدر أحد أن يقوله له، غيرك، و الله إني لأرجو أن يؤثر ذلك فيه.

ثم كان رحيلي من حضرة إيذج بعد أيام فنزلت بمدرسة السلاطين التي بها قبورهم، و أقمت بها أياما، و بعث إليّ السلطان بجملة دنانير، و بعث بمثلها لأصحابي، و سافرنا في بلاد هذا السلطان عشرة أيام في جبال شامخة (94)، و في كل ليلة ننزل بمدرسة فيها الطعام، فمنها ما هو في العمارة، و منها ما لا عمارة حوله، و لكن يجلب إليها جميع ما تحتاج اليه.

و في اليوم العاشر نزلنا بمدرسة تعرف بمدرسة كريو الرّخ‏ (95)، و هي آخر بلاد هذا الملك، و سافرنا منها في بسيط من الأرض كثير المياه من عمالة مدينة إصفهان، ثم وصلنا إلى‏

____________

(93) من كلمة مولانا تأتي كلمة (مولا) بإيران و الهند، و لا ننسى أن كلمة (مولاي) تختص في المغرب على العموم بالمنحدرين من الرسول (صلى اللّه عليه و سلم) تقابلها كلمة (لالة) بالنسبة للسيدات المنحدرات من الرسول.

(94) القصد إلى جبال زجروس (Zaghros)، و حتى القرن الخامس عشر كان الطريق الذي يربط بين إيذج و بين إصبهان شاقا و يعرف باسم جادة الأتابكة.

(95) گريو تعني بالفارسية المرتفع و التل، و لم نقف على صدى لهذا الاسم في المعاجم الجغرافية الفارسية لكن ربما كان القصد إلى الاسم الحديث كهوروخ (Kahwarukh) في إقليم شهر محل.

29

بلدة أشتركان‏ (96)، و يضبط اسمها بضم الهمزة و اسكان الشين المعجم و ضم التاء المعلوة و اسكان الراء و آخره نون، و هي بلدة حسنة كثيرة المياه و البساتين، و لها مسجد بديع يشقّه النهر، ثم رحلنا منها إلى مدينة فيروزان‏ (97)، و اسمها كانّه تثنيّة فيروز، و هي مدينة صغيرة ذات أنهار و أشجار و بساتين، وصلناها بعد صلاة العصر فرأينا أهلها قد خرجوا لتشييع جنازة و قد أوقدوا خلفها و أمامها المشاعل، و اتبعوها بالمزامير و المغنّيين بانواع الأغاني المطربة فعجبنا من شأنهم، و بتنا بها ليلة.

و مررنا بالغد بقرية يقال لها نبلان‏ (98) و هي كبيرة على نهر عظيم و إلى جانبه مسجد في النهاية من الحسن يصعد إليه في درج و تحفّه البساتين، و سرنا يومنا فيما بين البساتين و المياه و القرى الحسان، الكثيرة أبراج الحمام، و وصلنا بعد العصر إلى مدينة إصفهان‏ (99) من عراق العجم، و اسمها يقال بالفاء الخالصة و يقال بالفاء المعقودة المفخّمة، و مدينة إصفهان من كبار المدن و حسانها إلّا أنها الآن قد خرب أكثرها بسبب الفتنة التي بها بين أهل السنّة و الروافض‏ (100)، و هي متّصلة بينهم حتى الآن، فلا يزالون في قتال، و بها الفواكه الكثيرة، و منها المشمش الذي لا نظير له، يسمّونه بقمر الدّين و هم ييبّسونه و يدّخرونه، و نواه ينكسر عن لوز حلو، و منها السفرجل الذي لا مثل له في طيب المطعم و عظم الجرم و الأعناب الطيبة

____________

(96) تقع مدينة أشترجان (Ostorjan) عند الكيلوميتر 36 غربي إصفهان، و قد بنى المسجد المذكور أيام سلطنة خدابنده حيث يوجد منقوشا ما يلي:" أمر ببناء هذا المسجد المبارك الصاحب الاعظم ملك الوزراء في العالم فخر الدنيا و الدّين محمد ابن محمود بن علي الاشترجاني، و مما يوجد منقوشا على الباب الشرقي:" بسم الله الرحمن الرحيم و إن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدا ... بني في سنة خمس عشرة و سبعمائة". هذا و قد أصبح النهر الذي كان يشق المسجد، أصبح خارجه ... و يذكر گيب أن أشتركان- و يعني مبرك الناقة- لم يرد في غير رحلة ابن بطوطة- د. التازي: إيران بين الأمس و اليوم ص 44 تعليق 55.

(97) فيروزان: مدينة تقع على بعد ستة فراسخ عن إصفهان و قد كتب عنها حمد الله مستوفى في كتابه نزهة القلوب ص 52/ 56 طبع تهران ...

(98) نبلان أو (لونبان) قرية كبيرة و هي تحمل اليوم اسم شهر فيروزان- لطف الله: تاريخ أصفهان ص 251/ 303.

(99) مركز إصفهان أو نصف جهان، أو نصف الدنيا يقع في ذلك العهد شرقي المركز الذي بني في القرن السابع عشر من لدن الشاه عباس الاول ...

(100) لقد هال ابن بطوطة ما بدا على المدينة من خراب ضرب أكثر معالمها قبل أن يفتحها المغول! و غدا يبحث عمن كان وراء ذلك الخراب، هناك دعاة الشيعة و هناك دعاة السنة، كلّ يريد أن يحتفظ بحريته فيما يسلكه على ما يؤكده المؤرخ القزويني حمد الله مستوفى ...

- د. موحد: سفرنامة ابن بطوطة ج 1، ص 211 تعليق 1.

- د. التازي: إيران بين الأمس و اليوم، ص 45/ 63. مصدر سابق.

30

جامع الإمام علي باصفهان‏

31

و البطيخ العجيب الشأن الذي ليس في الدنيا مثله إلّا ما كان من بطيخ بخاري و خوارزم و قشره أخضر و داخله أحمر، و يدخر كما تدخر الشريحة بالمغرب و له حلاوة شديدة (101)، و من لم يكن ألف أكله فإنه في أول أمره يسهله، و كذلك اتّفق لي لمّا أكلته بأصفهان.

و أهل إصفهان حسان الصور و ألوانهم بيض زاهرة مشوبة بالحمرة، و الغالب عليهم الشجاعة و النجدة و فيهم كرم و تنافس عظيم فيما بينهم في الأطعمة تؤثر عنهم فيه أخبار غريبة، و ربما دعا أحدهم صاحبه فيقول له: اذهب معي لتأكل نان و ماس، و النان بلسانهم الخبز، و الماس اللبن‏ (102)، فإذا ذهب معه أطعمه أنواع الطعام العجيب مباهيا له بذلك، و أهل كل صناعة يقدّمون على أنفسهم كبيرا منهم يسمونه الكلو (103)، و كذلك كبار المدينة من غير أهل الصناعات و تكون الجماعة من الشبّان الأعزاب، و تتفاخر تلك الجماعات و يضيف بعضهم بعضا مظهرين لما قدروا عليه من الإمكان مختلفين في الأطعمة و سواها الاحتفال العظيم.

و لقد ذكر لي أن طائفة منهم أضافت طائفة أخرى فطبخوا طعامهم بنار الشمع ثم اضافتها الأخرى فطبخوا طعامهم بالحرير! و كان نزولي بأصفهان في زاوية تنسب للشيخ على ابن سهل‏ (104) تلميذ الجنيد (105) و هي معظمة يقصدها أهل تلك الآفاق و يتبركون بزيارتها و فيها الطعام للوارد و الصادر، و بها حمّام عجيب مفروش بالرخام و حيطانه بالقاشاني و هو موقوف في السبيل لا يلزم أحدا في دخوله شي‏ء، و شيخ هذه الزاوية الصالح العابد الورع قطب الدين حسين بن الشيخ الصالح ولى الله شمس الدين محمد بن محمود بن‏

____________

(101) يعزون السر في وفرة الفواكه و طيب نكهتها في إصفهان إلى الماء الزلال الذي ينعم به الاقليم ...

- اعتماد السلطنة: مرآة البلدان ص 56.

(102) ما يزال (الماسط) إلى الآن يكوّن المادة الاساسة في المائدة إلى جانب الارز و البصل النيّئ و قد تعودت على تناول الماسط الغنيّ بمادّته أيام سفارتي في تهران ...

(103) الكلو (Kulu): أمين السوق و قد يطلق لقب كولو على أيّ الناس تحبّبا و مؤانسة.

(104) يقع ضريح علي بن سهل (ت 308 920) في نهاية محلة تسمى طوقتجى حيث يوجد الجدار القديم لإصفهان الذي لم تبق منه إلا قطعة تقرب قليلا من خندق المدينة المسمّى في عهد السلجوقيين فلفاجي ... و يلاحظ أن الضريح و القبة لم يبق منهما أثر الآن، و يعزى ذلك لكون علي بن سهل كان من أهل السنة، وجل سكان المدينة شيعة ... و هذا هو الضريح الذي تمنى استاذنا المرحوم علال الفاسي عند زيارته- أن يقوم أحد بتقفي خطوات ابن بطوطة في إيران.

- د. التازي: إيران بين الأمس و اليوم، ص 5/ 49- ملف الأبحاث: مؤسسة علال الفاسي- الرباط

(105) هو الجنيد بن محمد بن الجنيد البغدادي أبو القاسم ... أول من تكلم في علم التوحيد ببغداد، وعده العلماء شيخ مذهب التصوف لضبط مذهبه بقواعد الكتاب و السنة، من كلامه: من لم يحفظ القرآن و لم يكتب الحديث و لم يتفقه لا يقتدى به)، أدركه أجله سنة 297 910 في بغداد ...

32

علي المعروف بالرّجاء و أخوه العالم المفتى شهاب الدّين أحمد، أقمت عند الشيخ قطب الدين بهذه الزاوية أربعة عشر يوما فرأيت من اجتهاده في العبادة و حبّه في الفقراء و المساكين و تواضعه لهم ما قضيت منه العجب، و بالغ في اكرامي و أحسن ضيافتي و كساني كسوة حسنة و ساعة وصولي الزاوية بعث اليّ بالطعام و بثلاث بطيخات من البطيخ الذي وصفناه أنفا و لم أكن رأيته قبل و لا أكلته.

كرامة لهذا الشيخ‏

دخل عليّ يوما بموضع نزولي من الزاوية و كان ذلك الموضع يشرف على بستان للشيخ، و كانت ثيابه قد غسلت في ذلك اليوم و نشرت في البستان، و رأيت في جملتها جبّة بيضاء مبطنة تدعى عندهم هزرميخي‏ (106)، فأعجبتني، و قلت في نفسي: مثل هذه كنت أريد، فلما دخل عليّ الشيخ نظر في ناحية البستان، و قال لبعض خدّامه ايئتني بذلك الثوب الهزرميخي فأتوا به، فكساني إياه فأهويت إلى قدميه أقبّلهما و طلبت منه أن يلبسني طاقية من رأسه، و يجيزني في ذلك بما أجازه والده عن شيوخه، فألبسني إياها في الرابع عشر لجمادى الأخيرة سنة سبع و عشرين و سبعمائة (107) بزاويته المذكورة كما لبس من والده شمس الدين و لبس والده من أبيه تاج الدّين محمود من أبيه شهاب الدّين على الرجاء، و لبس علي من الإمام شهاب الدين أبي حفص عمر بن محمد بن عبد الله السهرودي‏ (108) و لبس عمر من الشيخ الكبير ضياء الدين أبي النجيب السّهروردي، و لبس أبو النجيب من عمّه الامام وحيد الدين عمر و لبس عمر من والده محمد بن عبد الله المعروف بعمويه، و لبس محمد من الشيخ أخي فرج الزنجاني و لبس أخو فرج من الشيخ أحمد الدينوري، و لبس أحمد من الإمام ممشاد الدينوري، و لبس ممشاد من الشيخ المحقّق علي ابن سهل الصوفي و لبس علي من أبي القاسم الجنيد و لبس الجنيد من سريّ السقطي و لبس سريّ السقطيّ من داوود الطائي،

____________

(106) الكلمة تعني حرفيا" ألف مسمار" و هي عبارة عن جبة مرقّعة مؤلفة من قطع من قماش مختلفة الألوان.

(107) هذا يوافق 7 مايه 1327، و يبدو أنه ينبغي أن يعدّل إلى تاريخ 7 أبريل (جمادى الأولى بدل الثانية) إذا ما قبلنا أن ابن بطوطة وصل بغداد عبر شيراز يوم 21 يونيه 1327 و هو الامر الذي يعني 40 يوما للسير. تلك ملاحظة إفان هربيك الذي اهتمّ كما هو معلوم بيومية الرحالة المغربي ... راجع التعليق رقم 81.

(108) عمر بن محمد بن عبد الله ابن عمويه السّهروردي الفقيه الشافعي من كبار الصوفية، كان شيخ الشيوخ ببغداد أوفده الخليفة العباسي إلى عدة جهات رسولا، أقعد في آخر عمره فكان يحمل إلى الجامع في محفة، و قد أدركه أجله عام 632 1234.

33

و لبس داوود من الحسن بن أبي الحسن البصري و لبس الحسن بن أبي الحسن البصري من أمير المومنين علي بن أبي طالب.

قال ابن جزي: هكذا أورد الشيخ أبو عبد الله هذا السند، و المعروف فيه أنّ سريّا السقطي صحب معروفا الكرخى‏ (109) و صحب معروف داوود الطائي، و كذلك داوود الطائي بينه و بين الحسن حبيب العجمي، و أخو فرج الزنجاني إنما المعروف أنه صحب أبا العباس النّهاوندى، و صحب النّهاوندى أبا عبد الله بن خفيف، و صحب ابن خفيف أبا محمد رويما.

و صحب رويم أبا القاسم الجنيد، و أما محمد بن عبد الله عمويه فهو الذي صحب الشيخ أحمد الدينورى الأسود و ليس بينهما أحد و الله أعلم، و الذي صحب أخا فرج الزنجاني هو عبد الله بن محمد بن عبد الله والد أبي النّجيب.

رجع، ثم سافرنا من إصفهان‏ (110) بقصد زيارة الشيخ مجد الدين بشيراز (111) و بينهما مسيرة عشرة أيام فوصلنا إلى بلدة كليل، و ضبطها بفتح الكاف و كسر اللام و ياء مدّ، و بينها و بين إصفهان مسيرة ثلاث و هي بلدة صغيرة ذات أنهار و بساتين و فواكه، و رأيت التّفاح يباع في سوقها خمسة عشر رطلا عراقية بدرهم، و درهمهم ثلث النقرة، و نزلنا منها بزاوية عمرها كبير هذه البلدة المعروف بخواجه كافي، و له مال عريض قد أعانه الله على إنفاقه في سبيل الخيرات من الصدقة و عمارة الزوايا و اطعام الطعام لابناء السبيل، ثم سرنا من كليل‏

____________

(109) معروف بن فيروز الكرخي، أحد أعلام الزهاد و المتصوفين، كان من موالي الامام علي الرضى بن موسى الكاظم، اشتهر بالصلاح، أدركه أجله عام 200 885.

(110) وجد المهتمون بآثار إصفهان و معالمها الأثرية في عدم نص ابن بطوطة على المئذنة المتحركة (منار جنبان) دليلا على أنه أي المنار لم يكن موجودا أيام الرحالة المغربي للمدينة عام 727 1327 سيما و هو لم يهمل الحديث عن المنار المتحرك بالبصرة على ما أسلفنا في التعليق رقم 46.

(111) اسمه الصحيح هو اسماعيل بن يحيى بن اسماعيل، ولد عام 671 3- 1272 و توفي سنة 755 1355 كان جده و والده كلاهما قاضيا بشيراز، انظر السبكى: طبقات الشافعية، 6، 83- 84 القاهرةGibb ,T .2 p .003 Note 99 هذا و لم نقف على تحديد لبلدة كليل.

34

يومئد (112) و وصلنا إلى قرية كبيرة تعرف‏ (113) بصرماء و بها زاوية فيها الطعام للوارد و الصادر عمرها خواجه كافي المذكور ثم سرنا منها إلى يزد خاص‏ (114)، و ضبط اسمها بفتح الياء آخر الحروف و اسكان الزاي و ضم الدال المهمل و خاء معجم و الف و صاد مهمل، بلدة صغيرة متقنة العمارة حسنة السوق، و المسجد الجامع بها عجيب مبني بالحجارة مسقّف بها، و البلدة على ضفّة خندق، فيه بساتينها و مياهها و بخارجها رباط ينزل به المسافرون عليه باب حديد و هو في النهاية من الحصانة و المنعة، و بداخله حوانيت يباع فيها كلّ ما يحتاجه المسافرون.

و هذا الرباط عمّره الأمير محمد شاه ينجو والد السلطان أبي إسحاق ملك شيراز، و في يزد خاص يصنع الجبن اليزد خاصي و لا نظير له في طيبه و وزن الجبنة منه من أوقيتين إلى أربع.

تم سرنا (115) منها على طريق دشت الروم‏ (116)، و هي صحراء يسكنها الأتراك، ثم سافرنا إلى مايين‏ (117) و اسمها بيائين مسفولتين أولاهما مكسورة، و هي بلدة صغيرة كثيرة الأنهار و البساتين حسنة الأسواق، و أكثر أشجارها الجوز.

ثم سافرنا منها إلى مدينة شيراز و هي مدينة أصليّة البناء، فسيحة الأرجاء، شهيرة الذكر، منيفة القدر، لها البساتين المونقة، و الأنهار المتدفقة، و الأسواق البديعة، و الشوارع الرفيعة، و هي كثيرة العمارة متقنة المباني، عجيبة الترتيب، و أهل كل صناعة في سوقها لا يخالطهم غيرهم، و أهلها حسان الصور نظاف الملابس، و ليس في المشرق بلدة تداني مدينة دمشق في حسن أسواقها و بساتينها و أنهارها و حسن صور ساكنيها إلّا شيراز، و هي في بسيط من الأرض تحفّ بها البساتين من جميع الجهات و تشقّها خمسة أنهار: أحدها النهر المعروف بركن آباد (118) و هو عذب الماء شديد البرودة في الصيف سخن في الشتاء فينبعث من عين في سفح جبل هنالك يسمى القليعة (119)، و مسجدها الأعظم يسمى بالمسجد

____________

(112) يلاحظ أن معظم المخطوطات ترسم يومين، باستثناء مخطوطة باريز رقم 908 2290 التي تكتب عوض يومين: يومئد، و هي الصواب أما النسخة الملكية التي نعتمدها فقد بترت فيها هذه الصفحات، و قد اقتصر گيب على هذه المخطوطات البارسية في الترجمة هكذا (On The Same Day).

(113) موقع صرماء (Surme) قرية قبل منطقة قلي كوش (Qoli Kosh) على بعد يومين جنوب يزد خواسّت‏

BROWNE, A Year among the persians 452- GIBB T. 2, 892 N 09

(114) هكذا تكتب لكنها تكتب في الخريطة بالسين هكذا، (يزد خواست) و قد شيّدت على صخرة شديدة الانحدار وصفت من لدن ثيفنو (Thevenot) في القرن الحادي عشر الهجري السابع عشر الميلادي و هي الآن خراب.- د. موحد: سفر نامه ج 1، ص 216.

(115) تزن الأوقية (Ocque) 250، 1 غرام.

(116) دشت الروم (Dacht RUN) أي صحراء الأتراك، و القصد إلى الطوائف القشقائية التي تتكلم التركية.

د- التازي: إيران بين الأمس و اليوم ص 56.

(117) تقع مايين على بعد 14 فرسخا شمال شيراز، و قد ورد تحديدها في كتاب" مسالك و ممالك" لأبي إسحاق إبراهيم إصطخري الذي حققه الاستاذ إيرج أفشار ص 115 على نحو ما ذكره ابن بطوطة.

(118) ركن أباد نهر مشهور على لسان الشاعر المعروف حافظ، و له اسمان: ركن أباد، أو ركني: اسم على أحد أمراء شيراز الذي هو ركن الدولة حسن بن بوبه الديلمي و يستمد ماءه من عين توجد على بضعة كيلوميترات شمال المدينة.- د. موحد: سفرنامه ج 1، ص 216.

(119) القليعة: حصن صغير لم يرد ذكره، على ما نعلم، في مصدر آخر.

35

شيراز

36

العتيق‏ (120) و هو من أكبر المساجد ساحة و أحسنها بناء، و صحنه متّسع مفروش بالمرمر، و يغسل في أوان الحرّ كل ليلة و يجتمع فيه كبار أهل المدينة كلّ عشية و يصلّون به المغرب و العشاء و بشماله باب يعرف بباب حسن‏ (121) يفضي إلى سوق الفاكهة، و هي من أبدع الأسواق، و أنا أقول بتفضيلها على سوق باب البريد من دمشق و أهل شيراز أهل صلاح و دين و عفاف و خصوصا نساءها، و هنّ يلبسن الخفاف و يخرجن متلحّفات متبرقعات، فلا يظهر منهن شي‏ء و لهن الصّدقات و الإيثار، و من غريب حالهن أنهن يجتمعن لسماع الواعظ في كلّ يوم اثنين و خميس و جمعة بالجامع الأعظم، فربّما اجتمع منهن الألف و الألفان بايديهن المراوح يروّحن بها على أنفسهنّ من شدّة الحرّ، و لم أر اجتماع النساء في مثل عددهنّ في بلدة من البلاد! و عند (122) دخولي إلى مدينة شيراز لم يكن لي همّ الا قصد الشيخ القاضي الامام قطب الأولياء فريد الدهر ذي الكرمات الظاهرة مجد الدين إسماعيل بن محمد بن خذاداد (123)، و معنى خذاداد: عطيّة الله فوصلت إلى مدرسته المجديّة المنسوبة اليه، و بها سكناه و هي من عمارته فدخلت إليه رابع أربعة من أصحابي، و وجدت الفقهاء و كبار أهل المدينة في انتظاره فخرج إلى صلاة العصر و معه محبّ الدين و علاء الدين ابنا أخيه: شقيقه روح الدين‏ (124) أحدهما عن يمينه و الآخر عن شماله، و هما نائباه في القضاء لضعف بصره و كبر سنّه فسلمت عليه، و عانقني و أخذ بيدي إلى أن وصل إلى مصلّاه فأرسل يدي، و أوما إليّ أن أصلّي‏

____________

(120) أسس هذا المسجد العتيق من لدن ملك سيجستان عمرو بن ليث الصفّار (ت 289 920) الذي كان يملك أيضا إقليم فارس الذي يقع جنوب إيران شرقي اقليم بوشهر و غربي اقليم هرمز و هو ثاني أمراء الدولة الصفّارية، ولى بعد وفاة مؤسس الدولة أخيه يعقوب بن الليث و أقره المعتمد العباسي على أعمال أخيه كلها ... له ترجمة حافلة ...

(121) لم نقف على باب حسن هذا في مصدر آخر من المصادر التي تحدثت عن شيراز ... و ممّا يذكر هنا أن جامع دمشق يحتوي على باب يحمل نفس الاسم و ينفتح على سوق.

(122) من الطريف أن نجد المؤرخ الإيراني حمد الله مستوفي الذي كان قريبا من عصر ابن بطوطة يعجب هو الآخر بظاهرة تثقيف نساء شيراز ... و بينما يتحدث ابن بطوطة عن مسجد شيراز بأنه تحفة يتحدث حمد الله على أنه كان متاكلا صائرا إلى الخراب.

(123) سلفت ترجمة مجد الدين اسماعيل في التعليق رقم 111.

(124) في سنة 727 1327 كان عمر مجد الدّين نحو 50 سنة و كان النائبان الاثنان له أخويه: شرف الدين و روح الدين اللذين توفيا على التتابع عام 732 1332 و 735 1335، و هكذا فإن أبناء هذا الأخير هم الذين خلفوه، الامر الذي يجعل لقاء ابن بطوطة تمّ عام 747 1347 عند عودته إلى المغرب ...، و الإشارة إلى السن العالي للقاضي الذي لم يكن له عام 727 1327 إلا خمسا و خمسين سنة، يشهد أيضا لهذا التعقيب و الجدير بالذكر أن الأخوين اللذين كانا يساعدان مجد الدّين هما على ما يبدو، سراج الدين مكران (ت 1332) و روح الدّين إسحاق (ت 1355) و في تاريخ لاحق وجدنا محبّ الدّين محمد ابن مكران و علاء الدّين محمد ابن اسحاق هما اللذان يساعدان مجد الدين لما تقدّم سنّة.

37

إلى جانبه، ففعلت و صلّى صلاة العصر، ثم قرى‏ء بين يديه من كتاب المصابيح‏ (125)، و شوارق الأنوار للصاغاني‏ (126)، و طالعاه نائباه بما جرى لديهما من القضايا، و تقدّم كبار المدينة للسلام عليه، و كذلك عادتهم معه صباحا و مساء ثم سألني عن حالي و كيفية قدومي و سألني عن المغرب و مصر و الشام و الحجاز فأخبرته بذلك، و أمر خدّامه فأنزلوني بدويرة صغيرة بالمدرسة (127).

و في غد ذلك اليوم وصل إليه رسول ملك العراق السلطان أبي سعيد و هو ناصر الدين الدّرقندي‏ (128) من كبار الأمراء خراساني الأصل فعند وصوله اليه نزع شاشيته عن رأسه و هم يسمّونها الكلا، و قبّل رجل القاضي و قعد بين يديه ممسّكا أذن نفسه بيده، و هكذا فعل أمراء التتر عند ملوكهم، و كان هذا الأمير قد قدم في نحو خمسمائة فارس من مماليكه و خدامه و أصحابه، و نزل خارج المدينة و دخل إلى القاضي في خمسة نفر و دخل مجلسه وحده منفردا تأدبا.

حكاية هي السبب في تعظيم هذا الشيخ و هي من الكرامات الباهرة (129)

كان ملك العراق السلطان محمد خذا بنده قد صحبه في حال كفره فقيه من الرّوافض الإمامية يسمى جمال الدين بن مطهر (130)، فلما أسلم السلطان المذكور و أسلمت باسلامه‏

____________

(125) القصد إلى كتاب (مصابيح السنّة) للمحدث الفقيه الحسين بن مسعود البغوي نسبة إلى بغا من قرى خراسان، من كتبه أيضا شرح السنة و معالم التنزيل و الجمع بين الصحيحين، أدركه أجله عام 510 1117.

(126) مشارق الأنوار، و ليس شوارق الأنوار، من الكتب الجليلة التي ألفها رضى الدين الحسن بن محمد بن الحسن الصاغاني المولود في لاهور و المتوفّى ببغداد عام 650 1252، و قد ألف (المشارق) برسم الخليفة المستنصر العباسي.

(127) عندما كان ابن بطوطة يتحدث عن" الأخية الفتيان، الموجودين بجميع البلاد التركمانية الرومية و المرصودين لخدمة الغريب و الاحتفاء بالوارد، شبّههم في أفعالهم بأهل شيراز و إصفهان مؤكدا أن كرم هؤلاء أعظم و عطفهم أكثر ...

(128) لعل القصد إلى عماد الدين ناصر محمد الدّر قندي المتوفى سنة 745 1345 فقد كان أميرا و سيدا كذك ... و يلاحظ مرة أخرى أنّ ابن بطوطة سجل هنا حدثا دوليا دبلوماسيا لم نجد صداه في المصادر التي تحدثت عن علاقات العراق بهذه الأقاليم ... و عن ابن بطوطة نقل زميلنا الراحل عباس العزّاوي في كتابه: (تاريخ العراق بين احتلالين)، بغداد 1936 ج‏II ، 51 و هناك أمير اخر درقندى: علي بن طالب كان حاكما للكوفة عام 733- 1333، ص 35 المصدر السابق- گيب ج‏II ص 301 تعليق 102.

(129) توجد لهذه الإفادات مراجع تؤكد ما وقع لمولانا مجد الدين إسماعيل مما يتعلق بنجاته من الكلاب الضّارية، و خاصة كتاب شد الإزار في حط الأوزار لمحيي الدين أبي القاسم جنيد شيرازي في شرحه لحياة مولانا مجد الدين إسماعيل. و في الرواة من يبدل الكلاب بالأسود ...

(130) يعتبر جمال الدين الحسين أو الحسن بن يوسف ابن المطهر الحلّي من العلماء المتبحرين في علوم المعقول و المنقول، و هو أحد تلامذة خواجة نصير الدين، من كتبه (نهج الحق) و (كشف الغمّة) و (منهاج الكرامة) ... و كان يمتاز في بحوثه و مناقشاته بعدهم التعصب، كانت وفاته في شهر المحرم سنة 726 1325- 29 ابن حجر: الدرر ج 2، صفحة 135 و الصفحة 158- 159.

38

التتر زاد في تعظيم هذا الفقيه فزيّن له مذهب الروافض‏ (131) و فضله على غيره، و شرح له حال الصحابة و الخلافة، و قرر لديه أنّ أبا بكر و عمر كانا وزيرين لرسول الله و ان عليّا ابن عمه و صهره فهو وارث الخلافة و مثّل له ذلك بما هو مألوف عنده من أن الملك الذي بيده إنما هو إرث عن أجداده و أقاربه مع حدثان عهد السلطان بالكفر، و عدم معرفته بقواعد الدّين، فأمر السلطان بحمل الناس على الرفض و كتب بذلك إلى العراقين و فارس و أذربيجان و إصفهان و كرمان و خراسان، و بعث الرسل إلى البلاد، فكان أول بلاد وصل إليها ذلك بغداد و شيراز و إصفهان، فأما أهل بغداد فامتنع أهل باب الأزج‏ (132) منهم و هم أهل السنّة و اكثرهم على مذهب الامام أحمد بن حنبل و قالوا: لا سمع و لا طاعة! و أتو المسجد الجامع يوم الجمعة في السلاح و به رسول السلطان فلما صعد الخطيب المنبر قاموا إليه، و هم نحو اثني عشر ألفا في سلاحهم و هم حماة بغداد و المشار اليهم فيها، فحلفوا له: إنه إن غيّر الخطبة المعتادة أو زاد فيها أو نقص منها فانهم قاتلوه و قاتلوا رسول الملك و مستسلمون بعد ذلك لما شاءه الله! و كان السلطان أمر بأن تسقط أسماء الخلفاء و ساير الصحابة من الخطبة و لا يذكر إلا اسم علي و من تبعه كعمّار رضي الله عنهم فخاف الخطيب من القتل، و خطب الخطبة المعتادة، و فعل أهل شيراز و إصفهان كفعل أهل بغداد، فرجعت الرسل إلى الملك فاخبروه بما جرى في ذلك، فأمر أن يوتي بقضاة المدن الثلاث فكان أول من أوتى به منهم القاضي مجد الدين قاضي شيراز و السلطان إذ ذاك في موضع يعرف بقراباغ‏ (133)، و هو موضع مصيفه، فلمّا وصل القاضي أمران يرمى به إلى الكلاب التي عنده و هي كلاب ضخام في اعناقها السلاسل معدّة لأكل بني آدم، فإذا أوتي بمن يسلّط عليه الكلاب جعل في رحبة كبيرة مطلقا غير مقيّد ثم بعثت تلك الكلاب عليه فيفرّ أمامها و لا مفرّ له فتدركه فتمزّقه و تأكل لحمه! فلما أرسلت‏

____________

(131) من أهم المقاطع التاريخية عند ابن بطوطة حول الصّراع على المذهب الرسمي للدولة: هل التشيّع أو التسنّن؟ و قد عشت الجمعة تاسع رمضان 1399 3 غشت 1979 في إيران يوم انتخاب مجلس الخبراء الذي يفصل في الدستور الإيراني الذي ينص على هوية المذهب الرسمي للدولة الجديدة ...

- د. التازي: إيران بين الأمس و اليوم، ص 64 و ما بعدها ...

(132) باب الأزج من محالّ بغداد الجنوبية، هذا و لابدّ أن تلفت نظرنا هذه الحركة الدبلوماسيّة التي جرت عام 710 1310 بما تتضمنه من سفارات و رسائل الأمر الذي تميّزت به رحلة ابن بطوطة.

- ابن الكازروني: مختصر التاريخ، تحقيق د. مصطفى جواد، فهرست سالم الآلوسي، بغداد 1970، ص 226Gibl ,The Travels T .2 .P .203 Note 801

(133) يقع قره باغ على قمم الجبال شمال وادي اراس (ARAS) و من خلال هذا نعرف عن تمسك المغول الايلخان بعادتهم في التنقل و قصدهم لأعالي الجبال عند الصيف- عمّار الذي ورد ذكره هنا أدركه أجله في معركة صفين عام 37 657P .CLAVIJO ,EMBASSY TO TAMERLANE ,London 8291

39

الكلاب على قاضي مجد الدين و وصلت اليه بصبصت إليه و حركت أذنابها بين يديه و لم تهجم عليه بشي‏ء فبلغ ذلك السلطان، فخرج من داره حافي القدمين، فأكبّ على رجلي القاضي يقبّلهما، و أخذ بيده و خلع عليه جميع ما كان عليه من الثياب، و هي أعظم كرامات السلطان عندهم. و إذا خلع ثيابه كذلك على أحد كانت شرفا له و لبنيه و أعقابه يتوارثونه ما دامت تلك الثياب أو شي‏ء منها و أعظمها في ذلك السراويل‏ (134)، و لما خلع السلطان ثيابه على القاضي مجد الدين أخذ بيده و أدخله إلى داره و أمر نساءه بتعظيمه و التبرك به و رجع السلطان عن مذهب الرفض، و كتب إلى بلاده أن يقرّ الناس على مذهب أهل السنة و الجماعة (135) و اجزل العطاء للقاضي و صرفه إلى بلاده مكرما معظما، و أعطاه في جملة عطاياه مائة قرية من قرى جمكان‏ (136)، و هو خندق بين جبلين طوله أربعة و عشرون فرسخا يشقّه نهر عظيم و القرى منتظمة بجانبيه، و هو احسن موضع بشيراز، و من قراه العظيمة التي تضاهي المدن قرية ميمن و هي للقاضي المذكور.

و من عجائب هذا الموضع المعروف بجمكان أن نصفه ممّا يلي شيراز، و ذلك مسافة اثنى عشر فرسخا شديد البرد و ينزل فيه الثلج و اكثر شجره الجوز، و النصف الآخر ممّا يلي بلاد هنج و بال و بلاد اللّار في طريق هرمز، شديد الحرّ و فيه شجر النخيل.

____________

(134) عادة خلع السّراويل من أعظم الدلالات على التقدير و المحبة! و الجدير بالذّكر أن هذه العادة كانت معروفة في تاريخ علاقات ملوك المغرب بأمراء شنقيط، و هكذا ففي الوقت الذي كنا نقرأ فيه عن تبادل الهدايا بين هؤلاء و أولئك، قرأنا في أحد الهوامش على كتاب (التكملة في تاريخ إمارتي البراكنة و الترارزة) أن السلطان سيدي محمد بن عبد الله أهدى السّروال الأبيض إلى المختار بن اعمر لما وفد عليه في تيشّيت ...- يراجع محمد فال بن بابه العلوي: التكملة، ص 44 تحقيق الزميل الأستاذ أحمد ولد الحسن بيت الحكمة- تونس 1986.

(135) يلاحظ أن السلطان أولجايتو لم يقلع عن مذهبه الشيعي و لكنه أظهر نوعا من التسامح مع أهل السنة ... و لم يمكن للمذهب السنّي أن يصبح رسميا إلّا عند تنصيب ولده السلطان أبي سعيد عام 716 1316.

SUPLER: DIE Mongolen in IRAN

د. التازي: ايران بين الأمس و اليوم ص 64 و ما بعدها.

(136) يضع مستوفي جمكان علي بعد خمسه فراسخ جنوب كور (CAVAR) و على ستة فراسخ شمال ميمند على مقربة من زنجيران الحالية.

و يظهر أن ابن بطوطة اختلط عليه اسم جمكان باسم شيمكان (Sim -kan) التي على منتصف الطريق بين ميمن و كارزي- ابن بطوطة عند عودته عام 747 1347 وضع جمكان بين هذين المكانين. على ما سنرى في السفر الثاني (IV، 311)- ميمند التي تقع شرق فيروز أباد هي ميمن ابن بطوطة، و نذكر أن لتقسيم ابن بطوطة الاقليم إلى منطقتين أصلا في تاريخ البلاد ... و حسب المعلومات التي يقدمها" دليل شيراز" فإن دائرة ميمند كانت اسست من لدن خاتون كوقف على مسجد به قبر يدعى شاه شيراغ ...

40

ضريح السّلطان محمد خذابنده عن مجلة الموسم 1993

41

و قد تكرّر لي لقاء القاضي مجد الدين ثانية حين خروجي من الهند، قصدته من هرمز متبركا بلقائه، و ذلك سنة ثمان و أربعين، و بين‏ (137) هرمز و شيراز مسيرة خمسة و ثلاثين يوما، فدخلت عليه و هو قد ضعف عن الحركة فسلّمت عليه فعرفني، و قام إليّ فعانقني و وقعت يدي على مرفقه، و جلده لاصق بالعظم لا لحم بينهما، و أنزلني بالمدرسة حيث أنزلني أول مرة و زرته يوما فوجدت ملك شيراز السلطان أبا اسحاق، و سيقع ذكره، قاعدا بين يديه ممسكا بأذن نفسه، و ذلك هو غاية الادب عندهم، و يفعله الناس إذا قعدوا بين يدي الملك، و أتيته مرة أخرى إلى المدرسة فوجدت بابها مسدودا، فسألت عن سبب ذلك فأخبرت أن أمّ السلطان و اخته نشأت بينهما خصومة في ميراث فصرفهما إلى القاضي مجد الدين فوصلتا اليه إلى المدرسة و تحاكمتا عنده، و فصل بينهما بواجب الشرع.

و أهل شيراز لايدعونه بالقاضي، و انما يقولون له مولانا أعظم و كذلك يكتبون في التسجيلات و العقود التي تفتقر إلى ذكر اسمه فيها، و كان آخر عهدي به في شهر ربيع الثاني من عام ثمانية و أربعين و لا حت عليّ أنواره و ظهرت لي بركاته نفع الله به و بامثاله.

ذكر سلطان شيراز

و سلطان شيراز في عهد قدومي عليها الملك الفاضل أبو اسحاق بن محمد شاه ينجو (138) سمّاه أبوه باسم الشيخ أبي اسحاق الكازروني‏ (139)، نفع الله به، و هو من خيار السلاطين، حسن الصورة و السيرة و الهيئة، كريم النفس، جميل الأخلاق و متواضع، صاحب قوّة، و ملك كبير، و عسكره ينيف على خمسين ألفا من الترك و الأعاجم و بطانته الأدنون إليه أهل إصفهان، و هو لايأتمن أهل شيراز على نفسه و لا يستخدمهم و لا يقرّبهم و لا يبيح لأحد منهم حمل السلاح لأنهم أهل نجدة و بأس شديد و جرءة على الملوك و من وجد بيده السلاح منهم عوقب.

____________

(137) هذا العام الهجري 748 يبتدئ في 13 أبريل 1347، اللقاء يؤرخ بشهر يوليه (ربيع الثاني 748) كما سيدققه ابن بطوطة.

(138) لقب ينجو (إينجو) يعني بالمغولية مدير الأملاك، هذا و تتضافر الدلائل على أن المعلومات المقدمة هنا كانت مما يتعلق بزيارة ابن بطوطة الخامسة إلى إيران عام 1347، ذاك أن أبا إسحاق محمود محمد شاه انما أصبح واليا على شيراز ابتداء عام 743 1343.

Gibb, TraveL T. 2 P. 603 Note 811.

(139) هو إبراهيم الكازروني المتوفى سنة 426 1035 مؤسس طريقة تدعوا للإسلام، قام بدور نشيط في الأناضول إلى جنوب الهند، و في الصين كذلك، قبره يوجد إلى الآن في كازرون،- تراجع مقدمة كتاب مختصر التاريخ لظهير الدين ابن الكازروني- بغداد، 1970.

42

و لقد شاهدت مرّة رجلا تجرّه الجنادرة و هم الشّرط إلى الحاكم و قد ربطوه في عنقه، فسألت عن شأنه فأخبرت أنه وجدت في يده قوس بالليل فذهب السلطان المذكور إلى قهر أهل شيراز و تفضيل الأصفهانيّين عليهم لأنه يخافهم على نفسه و كان أبوه محمد شاه ينجوا واليا على شيراز من قبل ملك العراق، و كان حسن السيرة محبّبا إلى أهلها فلما توفّى ولّى السلطان أبو سعيد مكانه الشيخ حسينا، و هو ابن الجوبان أمير الأمراء، و سياتي ذكره، و بعث معه العساكر الكثيرة فوصل إلى شيراز و ملكها و ضبط مجابيها، و هي من أعظم بلاد الله مجبى.

ذكر لي الحاج قوام الدين الطّمغجي‏ (140)، و هو والي المجبى بها، أنه ضمنها بعشرة آلاف دينار دراهم في كلّ يوم، و صرفها من ذهب المغرب الفا و خمسمائة دينار ذهبا، و اقام بها الأمير حسين مدّة، ثم أراد القدوم على ملك العراق فقبض على أبي اسحاق بن محمد شاه ينجوا و على أخويه ركن الدين و مسعود بك و على والدته طاش خاتون‏ (141)، و أراد حملهم إلى العراق ليطلبوا بأموال أبيهم، فلما توسّطوا السوق بشيراز كشفت طاش خاتون وجهها و كانت متبرقعة حياء أن ترى في تلك الحال فإنّ عادة نساء الأتراك ألّا يغطين وجوههن، و استغاثت باهل شيراز و قالت: أهكذا يا أهل شيراز أخرج من بينكم و أنا فلانة زوجة فلان؟ فقام رجل من النّجارين يسمى بهلوان محمود قد رأيته بالسوق حين قدومي على شيراز فقال: لا نتركها تخرج من بلدنا و لا نرضى بذلك فتابعه الناس على قوله و ثارت عامّتهم و دخلوا في السلاح، و قتلوا كثيرا من العسكر و أخذوا الأموال و خلّصوا المرأة و أولادها، و فرّ الأمير حسين و من معه و قدم على السلطان أبي سعيد مهزوما فأعطاه العساكر الكثيفة و أمره بالعود إلى شيراز و التحكّم في أهلها بما شاء.

فلما بلغ أهلها ذلك علموا أنهم لا طاقة لهم به فقصدوا القاضي مجد الدين، و طلبوا منه أن يحقن دماء الفريقين، و يقع الصلح، فخرج إلى الأمير حسين فترجّل له الامير عن فرسه و سلم عليه و وقع الصلح و نزل الامير حسين ذلك اليوم خارج المدينة.

____________

(140) أسهم الحاج قوام الدّين كثيرا في أن يتبوأ أبو إسحاق، الحكم، كان كاتب سرّ و وزير للسلطان ...

و لقب الطمغجي لقب سياسي يعني صاحب الطابع (الطّمغة) و قد أدركه أجله عام 753 1353، و كان الشاعر حافظ هو الذي كتب شاهد قبره- يقدر مستوفى كدخل لشيراز 000، 450 دينار كما كان دخل بغداد 000، 800- و القصد بالحسين إلى ابن الحسن بن الجوبان.

(141) اشتهرت هذه السيدة باهدائها نسخة رفيعة من المصحف إلى شيراز. هذا و إن الحجاب بالنسبة للسيدة المسلمة لم يكن في وقت من الأوقات شاملا و من المعلوم أنه شرع لعلة ذكرها القرآن الكريم، و للمالكية رأيي يعبر عنه ابن أبي زيد القيرواني:" و لا يلبس النّساء من رقيق الثياب ما يصفهن اذا خرجن" د. التازي المرأة في تاريخ الغرب الإسلامي، نشر الفنك الدار البيضاء، 1992.

43

فلما كان من الغد برز أهلها للقائه في أجمل ترتيب و زيّنوا البلد، و أوقدوا الشمع الكثير و دخل الأمير حسين في أبّهة و حفل عظيم، و سار فيهم بأحسن سيرة، فلما مات السلطان أبو سعيد و انقرض عقبه و تغلّب كل أمير على ما بيده خافهم الامير حسين على نفسه و خرج عنهم، و تغلّب السلطان أبو اسحاق عليها، و على إصفهان و بلاد فارس و ذلك مسيرة شهر و نصف شهر، و اشتدّت شوكته و طمحت همّته إلى تملك ما يليه من البلاد فبدأ بالأقرب منها و هي مدينة يزد، مدينة حسنة نظيفة عجيبة الأسواق ذات أنهار مطّردة و أشجار نضيرة، و أهلها تجار شافعيّة المذهب فحاصرها و تغلب عليها و تحصن الأمير مظفّر شاه ابن الامير محمد شاه بن مظفر بقلعة على ستة أميال منها منيعة تحدق بها الرمال فحاصره بها.

فظهر (142) من الأمير مظفّر من الشجاعة ما خرق المعتاد و لم يسمع بمثله فكان يضرب على عسكر السلطان أبي إسحاق ليلا و يقتل ما شاء و يخرق المضارب و الفساطيط و يعود إلى قلعته فلا يقدر على النيل منه، و ضرب ليلة على دوّار السلطان، و قتل هنالك جماعة، و أخذ من عتاق خيله عشرة و عاد إلى قلعته، فأمر السلطان أن تركب في كل ليلة خمسة آلاف فارس و يصنعون له الكمائين، ففعلوا ذلك و خرج على عادته في مائة من أصحابه فضرب على العسكر و احاطت به الكمائن و تلاحقت العساكر فقاتلهم و خلص إلى قلعته و لم يصب من أصحابه إلا واحد أوتى به إلى السلطان أبي إسحاق فخلع عليه و أطلقه و بعث معه امانا لمظفر لينزل اليه فأبى ذلك.

ثم وقعت بينهما المراسلة و وقعت له محبّة في قلب السلطان أبي إسحاق لما رأى من شجا عنه، فقال أريد أن أراه فإذا رأيته انصرفت عنه فوقف السلطان في خارج القلعة و وقف هو ببابها و سلّم عليه، فقال له السلطان انزل على الأمان، فقال له مظفر: إني عاهدت الله ألا أنزل إليك حتى تدخل انت قلعتي، و حينئذ أنزل اليك فقال له: أفعل ذلك، فدخل اليه السلطان في عشرة من أصحابه الخوّاص، فلما وصل باب القلعة ترجّل مظفر و قبّل ركابه، و مشى بين يديه مترجّلا، فأدخله داره و أكل من طعامه و نزل معه إلى المحلّة راكبا فاجلسه السلطان إلى جانبه و خلع عليه ثيابه و أعطاه مالا عظيما و وقع الاتّفاق بينهما أن تكون الخطبة باسم السلطان أبي إسحاق‏ (143)، و تكون البلاد لمظفر و أبيه و عاد السلطان إلى بلاده‏

____________

(142) مبارز الدين محمد 714- 758 1314- 1358 ابن مظفر مؤسس الدولة المظفرية، استولى على يزد سنة 718 1318 و على كرمان عام 740 1340. أبو إسحاق أغار في ثلاث مرات عام 747 1347 و 750 1350 و 752 1352 ضد كرمان و يزد و لكنه غلب. و قد رأينا كذلك مبرز الدين محمد يهاجم شيراز عام 754 1353 و يستولي على المدينة و بعد ثلاث سنوات من هذا التاريخ وجدنا أبا إسحاق يستسلم في إصبهان و يلقى حتفه و هكذا انتهت دولة ينجوا ...

(143) ذكر اسم السلطان على منبر يعني الاعتراف بالسيادة له كما هو معروف ...

44

جامع مدينة يزد

45

و كان السلطان أبو إسحاق طمح ذات مرّة إلى بناء ايوان كإيوان كسرى‏ (144)، و أمر اهل شيراز أن يتولّوا حفر أساسه فأخذوا في ذلك و كان أهل كلّ صناعة يباهون كلّ من عداهم فانتهوا في المباهاة إلى أن صنعوا القفاف لنقل التراب من الجلد، و كسوها ثياب الحرير المزركش و فعلوا نحو ذلك في برادع الدوّاب و أخراجها و صنع بعضهم الفؤوس من الفضّة، و أوقدوا الشمع الكثير و كانوا حين الحفر يلبسون أجمل ثيابهم و يربطون فوط الحرير على أوساطهم، و السلطان يشاهد أفعالهم في منظرة له، و قد شاهدت هذا المبنى و قد ارتفع عن الأرض نحو ثلاثة أذرع، و لمّا بني أساسه رفع عن أهل المدينة التخديم فيه و صارت الفعلة تخدم فيه بالأجرة، و يحشر لذلك آلاف منهم و سمعت والي المدينة يقول: إن معظم مجباها ينفق في ذلك البناء، و قد كان الموكّل به الأمير جلال الدين بن الفلكي التّوريزي، و هو من الكبار، كان أبوه نائبا عن وزير السلطان أبي سعيد المسمّى علي شاه جيلان‏ (145)، و لهذا الأمير جلال الدين الفلكي أخ فاضل اسمه هبة الله و يلقّب بهاء الملك، وفد على ملك الهند حين وفودي عليه، و وفد معنا شرف الملك أمير بخت فخلع ملك الهند علينا جميعا، و قدّم كل واحد في شغل يليق به، و عيّن لنا المرتّب و الاحسان، و سندكر ذلك، و هذا السلطان أبو اسحاق يريد التشبّه بملك الهند المذكور في الإيثار و اجزال العطايا، و لكن اين الثريّا من الثرى! و اعظم ما تعرّفناه من عطيّات أبي اسحاق أنه اعطى الشيخ زادة الخراساني الذي أتاه رسولا عن ملك هرات سبعين الف دينار و أمّا ملك الهند فلم يزل يعطي أضعاف ذلك لمن لا يحصى كثرة من أهل خراسان و غيرهم.

حكاية [ملك الهند و كرمه‏]

و من عجيب فعل ملك الهند مع الخراسانيّين أنّه قدم عليه رجل من فقهاء خراسان هروى الدار من سكّان خوارزم يسمّى بالأمير عبد الله بعثته الخاتون ترابك زوج الامير قطلو دمور صاحب خوارزم بهدية إلى ملك الهند (146) المذكور فقبلها و كافى عنها بأضعافها و بعث‏

____________

(144) إيوان كسرى اسم يطلق اليوم على أطلال سلمان باك التي توجد على مقربة من بغداد و قد كان هناك القصر العظيم الذي بناه الساسانيون في سطسيفون‏CTESIPHON و هذه معلومات في منتهى الطرافة و الأهمية يقدمها لنا الرحالة المغربي عن ذلك المشروع العملاق الذي لو تمّ إنجازه لأصبح في عداد عجائب الدنيا ...

(145) التّوريزي: نسبة إلى توريز، و هو التعبير الشعبي الذي يطلق على مدينة تبريز التي سيؤدى ابن بطوطة وصفا ممتعا لها و لأسواقها التي استمتعت بزيارتها عام 1996- الهروي: كتاب الزيارات، ص 75/ 79 هذا و ينبغي أن نقف هنا مع تعبير" الشيخ زاده" الذي يعني" ولد الشيخ".

(146) سيأتي الحديث عن قطلو دمور و زوجته ترابك في آخر هذا السفر الأول ...

46

ذلك إليها و اختار رسولها المذكور الإقامة عنده فصيّره في ندمائه، فلما كان ذات يوم قال له ادخل إلى الخزانة فارفع منها قدر ما تستطيع أن تحمله من الذهب فذهب إلى داره فأتى بثلاث عشرة خريطة، و جعل في كل خريطة قدر ما وسعته و ربط كل خريطة بعضو من اعضائه، و كان صاحب قوة و قام بها فلما خرج عن الخزانة وقع و لم يستطع النهوض! فأمر السلطان بوزن ما خرج به فكان جملته ثلاثة عشر منّا بمنّ دهلى‏ (147) و المنّ الواحد منها خمسة و عشرون رطلا مصرية، فأمره أن ياخذ جميع ذلك فأخذه و ذهب به!!.

حكاية تناسبها

اشتكى مرة أمير بخت الملقّب بشرف الملك الخراساني و هو الذي تقدم ذكره آنفا بحضرة ملك الهند فأتاه الملك عائدا و لما دخل عليه أراد القيام فحلف له الملك أن لا ينزل عن كتّه و الكتّ هو السرير، و وضع للسلطان متّكّأة يسمّونها المورة فقعد عليها ثم عاد بالذهب و الميزان فجيئ بذلك و أمر المريض أن يقعد في احدى كفّتي الميزان فقال يا خوند عالم، لو علمت أنّك تفعل هذا للبست عليّ ثيابا كثيرة، فقال له البس الآن جميع ما عندك من الثياب، فلبس ثيابه المعدّة للبرد المحشوّة بالقطن، و قعد في كفّة الميزان و وضع الذهب في الكفّة الاخرى حتى رجحه الذهب، و قال له خذ هذا فتصدّق به عن رأسك، و خرج عنه!

حكاية تناسبهما

وفد عليه الفقيه عبد العزيز الأردويلي، و كان قد قرأ علم الحديث بدمشق و تفقّه فيه فجعل مرتّبه مائة دينار دراهم في اليوم، و صرف ذلك خمسة و عشرون دينار ذهبا، و حضر مجلسه يوما فسأله السلطان عن حديث فسرد له أحاديث كثيرة في ذلك المعنى فأعجبه حفظه و حلف له براسه إنه لا يزول من مجلسه حتّى يفعل معه ما يراه، ثم نزل الملك عن مجلسه فقبّل قدميه و أمر باحضار صينيّة ذهب و هي مثل الطيفور الصغير و أمر أن يلقى فيها الف دينار من الذهب و اخذها السلطان بيده فصبّها عليه و قال هي لك مع الصينيّة.

و وفد عليه مرة رجل خراساني يعرف بابن الشيخ عبد الرحمن الاسفراينى‏ (148) و كان‏

____________

(147) الرطل المصري يتراوح بين 450 و 500 گرام و حيث إن المن الهندي يقدر ب 284 و 15 كيلو گرام فإن ابن بطوطة يعني التقدير الأخير أي أن المنّ يعادل 25 رطلا فيكون مجموع المحمول: 162 كيلو تقريبا و ليس على تقدير أن المنّ يعادل 284، 15 و الا فيكون المحمول حوالي الفي كيلو و هذا غير ممكن!

(148) هذا الشيخ هو الذي كان السبب في اعتناق أول عاهل إيلخاني للإسلام (تكودار الذي سمى نفسه أحمد) 680 1282، و قد كتب السلطان أحمد بذلك لسائر الاقطار، و بعث بالشيخ الاسفرايني إلى مصر ليحيطهم علما بذلك، بيد أنه لما وصل إلى دمشق القى عليه القبض إلى أن توفي عام 684 1285- ابن العماد: شذرات الذهب، القاهرة ج 5 ص 381. 34N 333.P , 2Gibb -Travel .

47

أبوه نزل بغداد فاعطاه خمسين الف دينار دراهم و خيلا و عبيدا و خلعا.

و سنذكر كثيرا من أخبار هذا الملك عند ذكر بلاد الهند، و انما ذكرنا هذا لما قدّمناه من أن السلطان أبا اسحاق يريد التشبّه به في العطايا، و هو و ان كان كريما فاضلا فلا يلحق بطبقة ملك الهند في الكرم و السخاء.

ذكر بعض المشاهد بشيراز

فمنها مشهد أحمد بن موسى أخي الرضا على بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبى طالب رضي الله‏ (149) عنهم، و هو مشهد معظم عند أهل شيراز يتبركون به و يتوسلون إلى الله بفضله.

و بنت عليه طاش خاتون أم السلطان أبى اسحاق مدرسة كبيرة و زاوية فيها الطعام للوارد و الصادر و القراء يقرءون القرآن على التربة دائما.

و من عادة الخاتون أنها تاتي إلى هذا المشهد في كل ليلة اثنين و يجتمع في تلك الليلة القضاة و الفقهاء و الشرفاء و شيراز من أكثر بلاد الله شرفاء سمعت من الثقات أن الذين لهم بها المرتّبات من الشرفاء ألف و اربعمائة و نيف بين صغير و كبير، و نقيبهم عضد الدين الحسيني فإذا حضر القوم بالمشهد المبارك المذكور ختموا القرآن قراءة في المصاحف، و قرأ القراء بالأصوات الحسنة و أوتى بالطعام و الفواكه و الحلواء فإذا أكل القوم وعظ الواعظ و يكون ذلك كلّه من بعد صلاة الظهر إلى العشى، و الخاتون في غرفة مطلّة على المسجد لها شباك، ثم تضرب الطبول و الأنفار و البوقات على باب التربة كما يفعل عند أبواب الملوك.

و من المشاهد بها مشهد الامام القطب الولي أبي عبد الله ابن خفيف المعروف عندهم بالشيخ‏ (150) و هو قدوة بلاد فارس كلها و مشهده معظم عندهم ياتون اليه بكرة و عشيا فيتمسّحون به، و قد رأيت القاضي مجد الدين أتاه زائرا و استلمه، و تأتى الخاتون إلى هذا المسجد في كل ليلة جمعة، و عليه زاوية و مدرسة و يجتمع به القضاة و الفقهاء و يفعلون به‏

____________

(149) أحمد بن موسى هو أخ للامام الثامن من الائمة الاثنى عشر، المدفون في مدينة مشهد و قد شيد قبر احمد هذا و مسجده عام 744 1343 و أعيد بناؤه عام 912 1506 ثم في سنة 1259 1843، و هو معروف تحت اسم شاه جراغ (Shah Tcheragh) بيد أن المدرسة و الزاوية المتحدث عنهما ذهب أثرهما ...- د. التازي: إيران بين الأمس و اليوم ... مصدر سابق.

(150) ولد هذا الشيخ ابن خفيف عام 268 882، و هو ابن" لضابط عسكري كان تحت قيادة عمرو بن ليث الامير الصفّار و هو الذي أسس الطريقة الصوفية السنية بشيراز و قد توفي سنة 372 982 ...

48

كفعلهم في مشهد أحمد بن موسى، و قد حضرت الموضعين جميعا، و تربة الامير محمد شاه ينجوا والد السلطان أبي اسحاق متّصلة بهذه التربة و الشيخ أبو عبد الله بن خفيف كبير القدر في الأولياء شهير الذكر، و هو الذي أظهر طريق جبل سرنديب بجزيرة سيلان من أرض الهند (151).

كرامة لهذا الشيخ‏

يحكى أنه قصد مرة جبل سرنديب و معه نحو ثلاثين من الفقراء فأصابتهم مجاعة في طريق الجبل حيث لا عمارة و تاهوا عن الطريق و طلبوا من الشيخ أن ياذن لهم في القبض على بعض الفيلة الصغار، و هي في ذلك المحلّ كثيرة جدّا، و منه تحمل إلى حضرة ملك الهند فنهاهم الشيخ عن ذلك فغلب عليهم الجوع فتعدّوا قول الشيخ و قبضوا على فيل صغير منها و ذكّوه و أكلوا لحمه (152)، و امتنع الشيخ من أكله فلما ناموا تلك الليلة اجتمعت الفيلة من كل ناحية و أتت اليهم فكانت تشمّ الرجل منهم و تقتله حتى أتت على جميعهم و شمّت الشيخ و لم تتعرّض له، و أخذه فيل منها و لفّ عليه خرطومه و رمى به على ظهره و أتى به الموضع الذي فيه العمارة فلما رءاه اهل تلك الناحية عجبوا منه و استقبلوه ليتعرّفوا أمره، فلما قرب منهم أمسكه الفيل بخرطومه و وضعه عن ظهره إلى الأرض بحيث يرونه فجاءوا اليه و تمسّحوا به و ذهبوا به إلى ملكهم فعرّفوه خبره و هم كفّار، و أقام عندهم أيّاما.

و ذلك الموضع على خوريسمّى خور الخيزران‏ (153)، و الخور هو النّهر، و بذلك الموضع مغاص الجوهر، و يذكر أن الشيخ غاص في بعض تلك الأيام بمحضر ملكهم و خرج و قد ضمّ يديه معا، و قال للملك: اختر ما في احداهما فاختار ما في اليمنى فرمى إليه بما فيها، و كانت ثلاثة أحجار من الياقوت لا مثل لها و هي عند ملوكهم في التاج يتوارثونها.

و قد دخلت جزيرة سيلان هذه، و هم مقيمون على الكفر إلا أنّهم يعظمون فقراء المسلمين و يؤوونهم إلى دورهم و يطعمونهم الطعام و يكونون في بيوتهم بين أهليهم و اولادهم خلافا لساير كفار الهند فانهم لا يقربون المسلمين و لا يطعمونهم في آنيتهم و لا يسقونهم فيها، مع أنهم لا يؤذونهم و لا يهجونهم، و لقد كنّا نضطرّ إلى أن يطبخ لنا بعضهم اللحم فياتون به‏

____________

(151) لم نجد لهذه للأسطورة التالية مسندا في جهة أخرى و ربما كانت من حكايات البحارة الفرس في الخليج على ما يفترضه گيب الذي يتحدث عن نقيشة وجدت في سيلان تحمل تاريخ 337 ه- (949) تردد صدى شخصية مجهولة: باسم خالد برابي ثعلبة ...- أنظرII ص 314 التعليق 138 گيب ...

(153) خور الخيزران هو نهر بامبوس؟ (Bambus) و سيأتي مرة أخرى في السفر الثاني.

49

في قدورهم و يقعدون على بعد منّا و يأتون باوراق الموز فيجعلون عليها الارز و هو طعامهم و يصبّون عليه الكوشان‏ (154) و هو الإدام و يذهبون فنأكل منه و ما فضل علينا تاكله الكلاب و الطير، و ان اكل منه الولد الصغير الذي لا يعقل ضربوه و اطعموه روث البقر، و هو الذي يطهّر ذلك في زعمهم! و من المشاهد بها مشهد الشيخ الصالح القطب روزجهان البقلى‏ (155) من كبار الأولياء، و قبره في مسجد جامع يخطب فيه، و بذلك المسجد يصلّي القاضي مجد الدين الذي تقدم ذكره، رضي الله عنه، و بهذا المسجد سمعت عليه كتاب مسند الإمام أبي عبد الله محمد بن ادريس الشافعي، قال: أخبرتنا به وزيرة بنت عمر بن المنجا، قالت اخبرنا أبو عبد الله الحسين بن أبى بكر بن المبارك الزبيدى، قال: اخبرنا أبو زرعة طاهر بن محمد بن طاهر المقدّسى، قال أخبرنا أبو الحسن المكّي بن محمد بن منصور بن علال العرضي، قال:

أخبرنا القاضي أبو بكر احمد بن الحسن الحرشي، عن ابى العباس ابن يعقوب الأصم عن الربيع بن سليمان المرادي عن الامام ابى بعد الله الشافعي، و سمعت أيضا عن القاضي مجد الدين بهذا المسجد المذكور كتاب (مشارق الأنوار) للإمام رضي الدين أبى الفضائل الحسن بن محمد بن الحسن الصغانى بحقّ سماعه له من الشيخ جلال الدين أبى هاشم محمد بن محمد بن أحمد الهاشمي الكوفى بروايته عن الامام نظام الدين محمود بن محمد بن عمر الهروي عن المصنّف.

و من المشاهد بها مشهد الشيخ الصالح زركوب‏ (156) و عليه زاوية لإطعام الطعام، و هاذه المشاهد كلها بداخل المدينة و كذلك معظم قبور أهلها فإن الرجل منهم يموت ولده أو زوجته فيتّخذ له تربة من بعض بيوت داره و يدفنه هناك و يفرش البيت بالحصر و البسط و يجعل الشمع الكثير عند رأس الميت و رجليه و يصنع للبيت بابا إلى ناحية الزقاق و شباك حديد

____________

(154) تقابله كلمة كاري (Kurry) المستعملة اليوم في منطقة الخليج ... و أتساءل عن صلة كلمة كوشان بالكوشري الاكلة الشعبية المحبّبة لنا عندما نزور القاهرة و نصل إلى منطقة الأزهر الشريف!

(155) وقع تحريف في سائر النسخ المخطوطة حيث رسمت المغلى أو القبلي عوض البقلي الذي هو الصحيح، و يتعلق الامر بروزبهان بن أبي نصر البقلي (522- 606 1128- 1209) صوفي مشهور بتجلّياته، خلف ترجمة بقلمه، و قد اختفى قبره و لكنه اكتشف علم 1347 1928.

Luis Massignon: La vie et les oeuvres de Rusbehan Baqli, copenhaque 3591.

(156) زركوب هذا تلميذ من تلامذة الشيخ الرفاعي و روز جهان البقلى، و هو عز الدين مودود ابن محمد الذهبي ... و يلقب بزركوب: لفظ فارسي يعني صائغ الذهب و قد أدركه أجله عام 663 1265 ...

50

فيدخل منه القرّاء يقرءون بالأصوات الحسان و ليس في معمور الارض أحسن أصواتا بالقرآن من أهل شيراز و يقوم أهل الدار بالتّربة و يفرشونها و يوقدون السّرج بها فكأنّ الميت لم يبرح، و ذكر لي أنهم يطبخون في كلّ يوم نصيب الميت من الطعام و يتصدّقون به عنه.

حكاية [الفقيه الجواد]

مررت يوما ببعض أسواق مدينة شيراز، فرأيت بها مسجدا متقن البناء جميل الفرش، و فيه مصاحف موضوعة في خرايط حرير موضوعة فوق كرسي، و في الجهة الشمالية من المسجد زاوية فيها شباك مفتّح إلى جهة السوق، و هنالك شيخ جميل الهيئة و اللّباس، و بين يديه مصحف يقرأ فيه، فسلمت عليه و جلست إليه فسألني عن مقدمي، فاخبرته، و سألته عن شأن هذا المسجد، فأخبرني أنه هو الذي عمّره و وقف عليه أوقافا كثيرة للقرّاء و سواهم و ان تلك الزاوية التي جلست إليه فيها هي موضع قبره إن قضى الله موته بتلك المدينة، ثم رفع بساطا كان تحته و القبر مغطّى عليه الواح خشب، و أراني صندوقا كان بازائه، فقال: في هذا الصندوق كفني و حنوطي و دراهم كنت استاجرت بها نفسي في حفر بئر لرجل صالح فدفع لي هذه الدراهم فتركتها لتكون نفقة مواراتي، و ما فضل منها يتصدّق بها، فعجبت من شانه و أردت الانصراف فحلف عليّ و أضافني بذلك الموضع.

و من المشاهد بخارج شيراز قبر الشيخ الصالح المعروف بالسعدي‏ (157) و كان أشعر أهل زمانه باللسان الفارسي، و ربّما ألمع في كلامه بالعربي، و له زاوية كان قد عمرها بذلك الموضع حسنة، بداخلها بستان مليح، و هي بقرب رأس النهر الكبير المعروف بركن آباد، و قد صنع الشيخ هنالك أحواضا صغارا من المرمر لغسل الثياب، فيخرج الناس من المدينة لزيارته و يأكلون من سماطه و يغسلون ثيابهم بذلك النهر و ينصرفون، و كذلك فعلت عنده (رحمه اللّه)، و بمقربة من هذه الزاوية زاوية أخرى تتّصل بها مدرسة مبنيتان على قبر شمس الدين السّمناني‏ (158) و كان من الامراء الفقهاء، و دفن هنالك بوصيّة منه بذلك.

____________

(157) ولد سعدي حوالي سنة 580 1184، و قد توفي عن سن يجاوز المائة 691 1292، و قد فقد أباه في سن مبكرة كما تدل على ذلك قصيدة يقول فيها من جملة ما يقول:

" إذا رأيت يتيما قد خفض رأسه في ذلة و انكسار فحذار أن تقبّل أمامه واحدا من أولادك الصغار فلقد كانت رأسي يعلوها تاج ذهبى عندما كنت أعيش هانئا في كنف أبي و كانت إذا حطّت ذبابة واحدة على جسدي إضطربت أذهان جملة من الناس خوفا من غضبي ...!" و هو صاحب الشّعر الآتي‏IV ، 290- أدوارد براون: تاريخ الادب في إيران، تعريب: د. ابراهيم الشواربي، مصر، ص 669 سنة 1954.

(158) هو محمد بن الحسن بن عبد الكريم قاضي سمنان في خراسان، رسائل رشيد الدين 27- 29.

51

ضريح الشيخ سعدي بشيراز

52

و بمدينة شيراز من كبار الفقهاء الشريف مجيد الدين و أمره في الكرم عجيب، و ربّما جاد بكلّ ما عنده و بالثياب التي كانت عليه و يلبس مرقّعة له، فيدخل عليه كبراء المدينة فيجدونه على تلك الحال فيكسونه، مرتّبه في كل يوم من السلطان خمسون دينارا دراهم.

ثم كان خروجي من شيراز برسم زيارة قبر الشيخ الصالح أبي اسحاق الكازروني بكازرون و هي على مسيرة يومين من شيراز (159)، فنزلنا أول يوم ببلاد الشّول، و هم طائفة من الاعاجم يسكنون البريّة و فيهم الصالحون.

كرامة لبعضهم.

كنت يوما ببعض المساجد بشيراز و قد قعدت أتلو كتاب الله عز و جل إثر صلاة الظهر فخطر بخاطري أنه لو كان لي مصحف كريم لتلوت فيه، فدخل عليّ في أثناء ذلك شابّ و قال لي بكلام قوّي: خذ! فرفعت رأسي إليه فألقى في حجري مصحفا كريما، و ذهب عنّي فختمته ذلك اليوم قراءة، و انتظرته لا ردّه له فلم يعد إليّ، فسألت عنه، فقيل لي: ذلك بهلول الشّولى و لم أره بعد.

و وصلنا في عشىّ اليوم الثاني إلى كازرون فقصدنا زاوية الشيخ أبي اسحاق، (160) نفع الله به، و بتنا بها تلك الليلة، و من عادتهم أن يطعموا الوارد كائنا من كان الهريسة (161) المصنوعة من اللحم و القمح و السمن و تؤكل بالرقاق و لا يتركون الوارد عليهم للسّفر حتى يقيم في الضيافة ثلاثة أيام، و يعرض على الشيخ الذي بالزاوية حوائجه و يذكرها الشيخ للفقراء الملازمين للزاوية، و هم يزيدون على مائة منهم المتزوّجون، و منهم الأعزب المتجرّدون، فيختمون القرآن و يذكرون الذكر، و يدعون له عند ضريح الشيخ أبي إسحاق فتقضى حاجته بإذن الله.

____________

(159) تقع كازرون على بعد 55 ميلا (20 فزسخا) غربي شيراز، أما بلاد الشول فهي شولستان، و هي التي وردت في مذكرات ماركو بولو تحت اسم (Cielstan) كواحدة من" إمارات" فارس، و تقع شمال غربي شيراز، و عمرت في القرن السادس الهجري، الثاني عشر الميلادي من طرف قبائل من أصل كردي أبعدت من لورستان ... يحتفظ بهذا الاسم اليوم في المدينة الصغيرة التي تحمل اسم شول. و تقع على بعد 33 ميلا شمال غربيّ شيراز و منطقة شولستان.

(160) هو أبو اسحاق ابراهيم بن شهريار الكازروني المولود سنة 352 963 و المتوفى عام 426 1035 و هو من تلامذة ابن خفيف سالف الذكر (التعليق (150) و هو مؤسس الطريقة التي تنسب اليه و المنتشرة من انطاكية إلى الهند و الصين، و قبره ما يزال موجودا في كازارون.

(161) الهريسة في بلاد المشرق تتألف من خليط من الحنطة بإضافة اللحم المفرم، طعام يتناوله الصوفية، و هي غير الهريسة في تونس التي تعني معجون الفلفل الحار، و هي غير الدشيشة: الصحن الذي كان يقدّمه نبيّ الله ابراهيم إلى ضيوفه!! و تتألف كذلك من القمح المدعوس، يراجع سفر نامه لخسرو علوي ص 87 ت. 1. د. التازي: القدس و الخليل عند الرحالة المغاربة- عمان 1996.