رحلة فريزر إلى بغداد سنة 1834

- جيمس بيلي فريزر المزيد...
232 /
5

مقدمة المترجم‏

«.. و لم يهتم بالبلاد الواقعة في القسم الشرقي من البحر الأبيض المتوسط سوى حكومات أوربة الجنوبية البحرية، لأن هذه البلاد كانت مصدرا مباشرا أو طريقا لمصادر الحرير و التوابل و الأبازير التي كانوا يحصلون عليها بمبادلة البضائع من سورية و مصر. و من جراء هذه الحاجات كانت السفرات البحرية لدياز و دوغاما قد عجلت الاهتمام بالبلاد الهندية و ما جاورها. فمخرت أساطيل البرتغال عباب البحار الهندية قبل انتهاء القرن الخامس عشر، و شيدت في الخليج العربي قلعة هرمز العظيمة في (913 ه) 1597 م. و كان تجار البندقية و جنوة يسلكون باستمرار الطريق البري الذي هو بمقام جسر أرضي يربط البحر الأبيض المتوسط بالسواحل الإيرانية. و كانوا في طريقهم هذه ينزلون في خانات بغداد أو «بابل» و يشاهدون النجف أو يتلبثون أيام مرورهم في الزبير.

و هكذا بقي ذكر العراق خاملا في العالم من قبل أن يعود به، فيجعله قبلة الأنظار من جديد، ظهور الصفويين الذين كانت شهرتهم آخذة بالنمو، و من قبل فتوحات سلطان الترك الشرقية، و توسع تجارة الأمم الغربية و مغامراتها».

هذا ما كتبه المستر لونگريك في (أربعة قرون من تاريخ العراق الحديث) ليأتي به على وصف علاقة العراق بالعالم الخارجي في تلك الأيام التي وقع فيها فريسة في أيدي الفاتحين من المغول و التركمان. و قد تطورت تلك العلاقة بعد ذلك فازداد اتصال البرتغاليين بالبصرة و خليجها بعد أن ثبتوا أقدامهم في هرمز. و كانت النهضة الحديثة في أوربة يومذاك قد دب فيها دبيب الحياة، و راحت أساطيل الأمم الكبيرة تتجه في إبحارها نحو الهند و البلاد

6

بغداد كما ترى من منطقة المجيدية- 1827 م‏

المجاورة لها. فظهر الهولانديون و الإنكليز في موانى‏ء الخليج العربي، و أسس الإنكليز شركة الهند الشرقية، و حمي و طيس المنافسة بين هذه الدول الثلاث حتى وصل إلى الاشتباك و التصادم. فاحتل الإنكليز حصن قشم البرتغالي المنيع في كانون الثاني 1622 م، و ساعدوا الإيرانيين بأسطولهم في الاستيلاء على هرمز بعد عدة أشهر.

و مع أن هذا الحدث كان يعتبر ضربة قاصمة للنفوذ البرتغالي في تلك الجهات فقد ظلت المنافسة قائمة على قدم و ساق حتى استطاع البريطانيون القضاء على قوة البرتغاليين البحرية في 1689 م. و عند ذاك ظلت المنافسة منحصرة بين الإنكليز و الهولانديين، فأظهر الهولانديون مهارة في التجارة بأساليب غير محمودة، و لكنها غير عنيفة. إذ أخذوا يهاجمون الأسواق بكل سلاح الرشوة و الدعاية الزائفة أو المضاربة المغرية. و مع هذا فقد صمد الإنكليز لكل ذلك فكان التوفيق حليفهم في النهاية. و خلالهم الجو فأصبحت لهم سيطرة مطلقة على المنطقة الممتدة من الهند إلى الخليج، ثم إلى داخل‏

7

العراق. و قد تعاظم نفوذهم في أيام الباشوات المتأخرين من المماليك في العراق و من أتى بعدهم بحيث راحوا يتدخلون في كثير من شؤون العراق الداخلية، و يسخرون نفوذهم السياسي في إبقاء هذا الباشا أو ذاك متربعا على دست الحكم فيه.

و يقول لونگريك في هذا الشأن، «أما في داخل العراق فإن انتقال البلاد من حالة القرون الوسطى إلى حالة دولية حديثة قد زاد في اتصاله و تعاونه مع الممثلين الأجانب. فقد كانت المشاريع البريطانية من جهة تقوم بخدمات جليلة للعراق من دون أن تطلب شيئا في مقابل ذلك سوى تأمين توسع التجارة البريطانية. و كان حكام العراق المتعصبون من جهة أخرى مستائين من وجود هؤلاء الأجانب و امتيازاتهم، و صداقاتهم للقبائل، لكنهم لم يقووا على منع كل ذلك. فإن كبيرهم «المقيم» كان بوسعه أن يحطم كل شخص بكلمة واحدة تصدر منه إلى استانبول .. و بينما كان القنصل- التاجر في القرن الثامن عشر غير قادر على شي‏ء سوى دوام «الامتيازات» و تركه حرا دون تعرّض له أصبح مقيم القرن التاسع عشر و هو المتكلم نيابة عن شركات البواخر، و هيئات إنشاء التلغراف، و الأثريين، و مؤسسات الهبات الخيرية. و لم تفتأ بعض استنجادات القبائل بالحماية البريطانية تزعج الباشا أشد الإزعاج ..».

على أن نشأة التغلغل البريطاني هنا في بداية القرن التاسع عشر كان يتأثر إلى حد كبير بالمنافسة التي كانت موجودة بين بريطانية و فرنسة النابوليونية في الشرق الأوسط جميعه. و قد ظلت بريطانية على وضعها هذا حتى استطاعت القضاء على نابوليون أيضا، و تخلصت من شر الخطط التي وضعها لتهديد مركزها في الهند و ما جاورها. و في حوالي 1830 م تبدأ المنافسة البريطانية الروسية في هذه الجهات من العالم، و تمتد إلى نهاية القرن تقريبا، لتحل محلها بعد ذلك المنافسة الإنكليزية الألمانية.

و في خلال هذه المراحل و الأدوار كلها كثر اتصال العراق بالعالم الخارجي و تعدّدت أوجهه، و صار الكثيرون من الأوربيين يقصدون هذه البلاد أو يمرّون بها. و يتجوّلون في أرجائها. أو يقيمون فيها مدة تقل أو تزيد تبعا

8

لنوع العمل الذي يأتون من أجله أو المهمة التي يندبون لها. و قد عمد الكثيرون من هؤلاء إلى كتابة مذكرات أو يوميات عن رحلاتهم و سفاراتهم هذه، فكان بعضها مهما و بعض الآخر تافها لا قيمة له. فتوفرت من ذلك كله ثروة تاريخية غير يسيرة، لها قيمتها في توضيح الحوادث التي كانت تقع في شتى الأدوار التي مرت بها هذه البلاد و لا سيما في «عصورها المظلمة»، على ما فيها من تحيّز و تحامل في بعض الأحيان.

و لو أردنا أن نحصر الغايات و الأغراض التي كان أولئك السياح المسافرون يقصدون هذه البلاد من أجلها في تلك الأيام نجد أنها لا تخرج عن النقاط التالية: «التبشير، التنقيبات الأثرية، السياحة و المغامرة، الأغراض التجارية، التمثيل السياحي، و الانتداب لأغراض فنية أو عسكرية أو طبية، هذا فضلا عن المرور من هذه البلاد الواقعة بين القارات و خاصة في الطريق إلى الهند و إيران. و لذلك فقد أورد لونگريك وحده في قائمة مراجعه عن العراق للفترة ما بين 1553 م و 1914 م أسماء لثماني و تسعين رحلة و تقرير و مقالة مسهبة، و كلها تصف العراق و أوجه الحياة فيه بطريقة أو بأخرى. أما أصحاب هذه الرحلات فهم بين برتغالي و فرنسي، و هولاندي و ألماني، و إيطالي و إنكليزي، و أرمني و هندي، بالإضافة إلى أربعة من الأتراك. غير أن قسما كبيرا من أولئك هم من الإنكليز بلا شك.

و من جملة السياح الإنكليز هؤلاء، أو الرحالين، صاحب هذه الرحلة المستر جيمس بيلي فريزر، الذي كتبها بجز أين و سماها «رحلات في كردستان و بين النهرين» (1). و هو رجل مهنته الكتابة، و قد قام برحلته في عام 1834 م، فسافر من استانبول إلى إيران بمهمة ديبلوماسية و قطع المسافة على ظهور الخيل ثم تجول فيها حتى حط الرحال في تبريز. و أخذ يكتب منها إلى زوجته على ما يظهر رسائل متتالية فيها شي‏ء غير يسير من التفصيل عن كل ما يرى في‏

____________

(1)(Richard bentley ,New ،Mesopotamia Travels in Koordistan ،J .Baillie Fraser . (1840Burlington st ,London

9

طريقه أو يفكر فيه. و تبدأ الرحلة المطبوعة هذه بالرسالة الأولى من تبريز، التي أرّخها في 4 تشرين الأول 1834 م. فيتطرّق في رسائله الخمس الأولى إلى وصف الحالة في تبريز و كردستان الإيرانية كلها و خاصة منطقة أردلان. و بالنظر لأن هذه المناطق تقع في إيران فقد ضربت صفحا عنها و لم أقم بترجمتها لأنها لا تمت بصلة قوية إلى تاريخ هذه البلاد. لكنني وجدت من المناسب، بل من الضروري، أن أقوم بترجمة قسم كبير من رسالته الثالثة (المؤرّخة في 17 تشرين الأول 1834 م) لأنه يتطرّق فيها عرضا إلى شؤون راوندوز من تاريخ الأصقاع الشمالية من العراق نفسه. و قد أهملت كذلك قسما غير يسير من الرسالة الخامسة عشرة (الأخيرة) المطبوعة في الجزء الأول لأنها تتطرّق في بحثها إلى عشائر عربية تدخل في داخل الحدود التركية أولا، و لأن البحث المتروك يعدّ شيئا تافها لا قيمة تاريخية له.

أما الرسائل الأخرى التي يحويها الجزء الأول من الرحلة، أي الرسالة السادسة إلى الخامسة عشرة، فهي التي تؤلف مجموع هذا الكتاب الذي أطلقت عليه تجاوزا اسم (رحلة فريزر إلى بغداد في 1834 م). و لهذه الرسائل، عدا ما فيها من طرافة، أهمية تاريخية غير يسيرة. لأنها تجلو لنا كثيرا من مراحل التاريخ العراقي في أواخر أيام داود باشا أو أوائل العهد الجديد الذي دخل فيه العراق، بعد أن تعاونت الأقدار و جيوش السلطان في القضاء على باشوات المماليك و عهدهم و وضعت حدا لاستقلالهم في الحكم عن الباب العالي في استانبول.

فهي تصف مير راوندوز كور محمد باشا وصفا طريفا و تتطرّق إلى فتوحاته و طريقة حكمه، و تصف ما آلت إليه الحالة في السليمانية من فقر و خراب بسبب الخلافات العائلية و الطاعون، كما تصف مؤامرات داود باشا، و الطاعون الكبير الذي أتى على ثلثي سكان بغداد في أيامه، و الغرق، و الخراب الذي حل بالبلاد في أثر ذلك. ثم تتطرّق إلى استيلاء علي رضا باشا على بغداد و قضائه على بقايا المماليك، و طريقته في الحكم مع سياسته العشائرية. و في الرسائل معلومات مفيدة عن عشائر الجربا و عنزة و عقيل و زبيد و استفحال أمرها مع تهديدها لبغداد نفسها، و وصف طريف لبغداد بعد خرابها،

10

و لمجتمع بغداد و محلاتها و طبقات السكان فيها، مع العادات و الأزياء و الملابس. هذا و قد علّقت على كل ذلك ما أمكن التعليق توضيحا للحقائق و ربطا لها بالحوادث التاريخية العامة على قدر الإمكان.

أما الجزء الثاني من الرحلة ففيه تسع عشرة رسالة أيضا، و هي تتناول سفرات أجريت إلى سلوقية و طاق كسرى، ثم إلى آثار بابل و الحلة و ما جاورهما، و إلى مخيم زبيد و بعض العشائر الأخرى، و إلى منتفك و سوق الشيوخ و ما حوله. و يلاحظ من هذه الرسائل أن صاحب الرحلة يعود إلى بغداد ثم يغادرها متوجها إلى إيران ثانية عن طريق ديالى التي يكتب عنها شيئا أيضا.

و لم يسمح لي المجال مع الأسف أن أقوم بترجمتها.

و لا بد من الإشارة هنا إلى أن صاحب الرحلة يجنح في رسائله هذه إلى التحامل على العرب و الأكراد معا بعض التحامل، و يصمهم بوصمات و نعوت قد لا تكون مناسبة، و خاصة العشائر منهم. و ذلك في معرض التكلّم عن أخطار الطريق و تعرّض السياح و المسافرين إلى السلب و النهب و فرض الإتاوة عليهم. و إني أعتقد أن هذا شي‏ء لا يمكن أن يكون غير منتظر بالنسبة لأوضاع البلاد و أحوال سكانها في تلك الأيام من جهة، و لعقلية الأوربيين و استغرابهم مما يصادفونه في البلاد الغريبة عنهم من جهة أخرى. على أنني مع كل ذلك أؤاخذه فيما يصدره فيها من أحكام عامة في بعض الأحيان من دون أن تستند إلا إلى حوادث فردية أو وقائع شاذة لا يمكن أن تتخذ مقياسا تقاس به الأمور بصورة عامة. و لا شك أن القارى‏ء الكريم سيلتفت إلى ذلك.

و قبل أن أختم هذه الكلمة أود أن أشير إلى أن صاحب الرحلة المستر فريزر ملم باللغة الفارسية على ما يبدو من كتاباته، و له كتب عن إيران منها «القزلباش» و «رحلة شتوية إلى إيران» (1) عدا كتابه الآخر عن آثار العراق الموسوم «ما بين النهرين و آشور» (2). كما أود أن أسجل إعجابي بأسلوبه‏

____________

(1)A Winter Joumey to Persia .

(2)Mesopotamia ,and Assyria (N .Y .2481)

11

الكتابي وسعة اطلاعه و ثقافته بوجه عام.

و كان جيمس بيلي فريزر هذا قد ولد في أنفرنيس باسكوتلاندا في 1783 م و توفي في ريليك في كانون الثاني سنة 1856 م. مما عرف عنه في أيامه أنه كان سائحا و مؤلفا، و قد ذهب إلى الهند في أول أدوار حياته، و في 1815 م ارتاد جبال الهيمالايا و درس الكثير من أحوالها. و حينما عاد إلى لندن بعد ذلك عيّن‏ (1) لمرافقة الأميرين الإيرانيين اللذين كانا منفيين في إنكلترا، رضا قلي مرزا و نجف قلي مرزا، و عاد معهما حتى أوصلهما إلى استانبول.

و في 1823 م تزوج ابنة اللورد و وهاوسلي، و هي زوجته التي ظل يبعث إليها برسائله التي يؤلف قسم منها قوام هذه الرحلة. و كانت بعض الملاحظات الفلكية و الجغرافية التي دوّنها في رحلاته و أسفاره ذات فائدة جلى في رسم خرائط البلاد الآسيوية.

جعفر الخياط

____________

(1) دائرة المعارف البريطانية.

12

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

13

(1) [الرسالة الاولى‏]

.. الوصول إلى أرومية- العشائر الكردية و عبثها- البلباس- مير راوندوز- رحلة الدكتور روص إلى المير- مقارنة بين القرى التركية و الكردية- دمدم مقر المير الكبير (الأب)- أخلاق الناس- لباسهم و أزياؤهم- عاداتهم- عمى المير الكبير- إخوان المير- الخرافات- عدم إقراء الضيف- الوحشية و الشجاعة- قوانين المير و عدالته- العقوبات الصارمة- الجيش في الميدان- الاستيلاء على عقرة- إخضاع العمادية- ذهاب الدكتور روص إلى معسكر المير- مواجهته للمير و التحدث معه- معسكر المير- عودة الدكتور روص- شخصية المير و أخلاقه- محاولاتي للاتصال به- عدم توفقي في ذلك- توجهي إلى بغداد عن طريق السليمانية.

أرومية 17 تشرين الأول 1834 م‏

إن سفرة ثلاثة أيام يا عزيزتي- من القرية التي حرّرت فيها رسالتي السابقة إليك قد أوصلتني إلى هذه المكان الجميل، العريق في القدم، الذي يعتبر مسقط رأس زرادشت المشهور. إذ يقع طريقنا من طسوج إلى هنا في منطقة سلماس و سهلها، و هي من أجمل المناطق في أذربيجان.

... و تسيطر على هذه البلاد في الحقيقة عشائر متوحشة خارجة عن الطوق، لا يضع حدّا لتصرفاتها سوى ضعفها النسبي. فالبلباس، و هم عشيرة كانت قوية الشكيمة كثيرة العدد في يوم من الأيام، يسكنون الجبال و السهول المحيطة بباليك و لا هيجان التي لا تبعد كثيرا عن أرومية نفسها. و هم بين حين و آخر يسلّون أنفسهم بالانقضاض‏ (1) على جهات سولدوز و سرادشت‏

____________

(1) جاء في كتاب دوحة الوزراء لمؤلفه رسول حاوي الكركوكي، عن وقائع عام 1217-

14

المجاورة، و حتى على سوج بولاق في بعض الأحيان. و هناك كذلك الروان و الهركية و النوجية، و عشائر كثيرة أخرى ميالة هي ايضا إلى أن تسلّي نفسها على هذه الشاكلة. و من حسن الحظ أن تنشأ إلى الغرب من هذه المنطقة قوة مرهوبة الجانب تستطيع، على ما فيها من خشونة، أن تمارس تأثيرا مطوعا على هؤلاء النهابين الشرسين و تجبرهم على الخضوع التام الضروري، برغم ما فيه من تعسف، فتجعل بذلك قسما من البلاد آمنة سالمة يمكن التجوّل فيها في حالات معيّنة.

فلم يكن محمد باشا، الذي يعرف بمير راوندوز (1)، قبل سنوات قليلة سوى رئيس مثل سائر الرؤساء الأكراد و قائد يقود محاربي عشيرته التي لم تعرف بغير اسم راوندوز. و قد بدأ سيرته بتنحية والده عن رئاسة القبيلة بحجة عدم اقتداره في تدبير شؤونها خلال الأيام العصيبة. على أن البعض يقول إن الوالد المتقدم في السن كان ميّالا بطبيعته إلى الهدوء و التعبّد فطلق العالم و مغرياته، و وضع ابنه في منصبه. و بالطريقة نفسها تخلّص من بعض إخوته، فثبّت أقدامه بحزم و قوة و أصبحت له السلطة المطلقة في موطنه راوندوز.

و أخذ بعد ذلك يعمل على تعزيز سطوته و جمع الأتباع استعدادا لمعاركه المقبلة. لكن نهضته الحقيقية تبدأ بالحرب التي نشبت بين إيران و روسية حين اضطر الأمير المالك إلى سحب قواته و تحشيدها تجاه عدو أشد خطرا على‏

____________

- للهجرة ما يلي: «ان عشيرة البلباس القاطنة بين الحدودين في لاهيجان و أشنو و كوهية كانت تقوم بالاعتداء باستمرار على سوج بولاق و مراغة و أرومية الإيرانية، الأمر الذي كان يضر بمصالح الدولتين. و بناء على الشكوى الواردة عن هذه التعديات فقد أرسل والي بغداد المرحوم علي باشا متصرف السليمانية إبراهيم باشا لتأديب هذه العشيرة. و قد قام بمهاجمة قسم من العشائر الموجودة في أربيل وردهم».

(1) جاء في الجزء الثاني من كتاب (عشائر العراق الكردية) أن محمد باشا الراوندوزي هو ابن مصطفى بك بن أحمد بك بن أوغوز بك بن أحمد الثاني بن مصطفى بك بن علي بك بن سليمان بك بن الشاه قولي بك مؤسس شقلاوة.

15

البلاد بعد أن كان يهم بسحق المير و تأديبه. فاستغلّ المير هذه الفرصة، و لم يسترجع جميع المناطق التي كان الأمير الإيراني قد حرمه منها فحسب بل مدّ يده أيضا إلى الغرب و الشمال و توفق في ذلك بحيث أصبح الآن مسيطرا على قسم كبير من شمالي ما بين النهرين، إلى جانب الأصقاع الممتدة من أربيل إلى كركوك في الجانب الشرقي من دجلة.

و المقول بصورة أكيدة أن ما يقرب من خمسين ألف رجل يقفون الآن تحت تصرّفه، و تدفع للنصف الأحسن من هؤلاء أجورهم بانتظام و هم يعملون بصورة مستديمة لأنه لا يزال يستخدمهم في إخضاع المناطق العاصية عليه، و هكذا تتسع ممتلكاته بسرعة. لكن الجزء المهم من القصة كلها هو التغيّر الأخلاقي الكبير الذي حصل في البلاد التي أخضعها لحكمه. فإن البلاد بعد أن كانت تحتلها أمة من اللصوص الذين ما إن يجدوا مسافرا يمر إلّا و يحاولون إيقافه و سلبه، أو الذين يقدمون على ذبح المرء إذا وجدوا بيضة في يده كما يقولون هم أنفسهم، قد أصبحت خالية من أية سرقة أو سارق. فقد قضى على صنعة اللصوصية من أصلها بعملية بتارة: إذ صار الذي تكتشف بحوزته أشياء تعود للغير يعاقب في نفس المكان الذي يكتشف أمره فيه، أو يقتل من دون رحمة. و تتوقف العقوبة في هذا الشأن على ظروف الجريمة، فيعاقب المذنب لأول مرة بسمل واحدة من عينيه أو قطع إحدى يديه أو بجدع الأنف أحيانا.

ثم يعاقب للمرة الثانية بتشويه أشد من هذا القبيل، أما في المرة الثالثة فإنه يعاقب بالموت على الدوام.

و لا شك أن صرامة هذا القانون تستدعيها الظروف السائدة في البلاد التي يراد ضبطها، و الحالة فيها. فهو قانون رئيس من رؤساء اللصوص ينفذه من دون خوف أو وجل، و من دون أن يعفى منه أحد، لأجل أن يسيطر به على رجال عصابته. و حينما يعلم الجميع بأن أحكام هذا القانون لا استئناف لها و لا تمييز، و ليس هناك رحمة في عدالته، فإنهم لا بد أن يرتجفوا و يطيعوا. و لا شك أن أي شي‏ء يقل عن ذلك في صرامته و قسوته لا يمكن أن يكون مؤثرا في هذه الظروف. فكان لذلك وقع شديد بين الناس بحيث صار كل من في البلاد

16

الخاضعة لحكم المير و سيطرته لا يمس حتى كيس الذهب إذا وجده في الطريق، و إنما يخبر مختار القرية القريبة من الموقع، و هذا بدوره يكون من واجبه أن يبعث من يحضره له فيحفظه عنده حتى يتم تسليمه إلى صاحبه الشرعي، على أن يخبر المير نفسه بذلك في الوقت نفسه.

و يروى عن المير أنه تناهى إليه ذات يوم أن أحد إخوته المقرّبين إليه مرّ راكبا ببستان يعود لرجل فقير و اقتطف رمانة منه، دون أن يترخّص من صاحبه.

فبعث عليه و واجهه بالتهمة التي لم ينكرها، ثم سأله عن اليد التي اقتطف بها الرمانة و الأصبع الذي قطعها به، فأمر بقطعه. و تروى عنه قصة أخرى فتذكرنا بقصة مماثلة تؤثر عن نادر شاه الذي لا يقل عنه المير صرامة و قسوة. فقد وجدت جثة رجل على قارعة الطريق بالقرب من إحدى القرى، و قد شوّهتها الذئاب و بنات آوى و مزّقتها شرّ ممزّق. فوصل خبرها إلى المير نفسه، و أمر بإجراء التحريات المعتادة جميعها لكن القتلة لم يتوصل أحد إلى معرفتهم.

و حينما سئل القرويون عن جلية الأمر ألقوا اللوم على ذئاب الغابة المجاورة التي سبق أن التهمت القسم الأكبر من الجثة. فأمر المير بإحضار الذئاب، و عند ذاك خرجت القرية كلها للقبض على الذئاب لأن سكانها كانوا على علم بالعاقبة الوخيمة التي تنتظرهم فيما لو عجزوا عن ذلك. و حينما جي‏ء ببعض الذئاب إلى الرجل العظيم أمر بتعذيبها و قتلها قتلا فظيعا أخذت ترتجف لهو له أوصال القرويين الذين شاهدوها، حتى أجهدوا أنفسهم في اكتشاف القتلة و تسليمهم إلى العدالة لإنقاذ أنفسهم من المصير المرعب الذي كان يدل عليه ما حدث للذئاب المسكينة. و هذه القصة و إن تكن بعيدة الوقوع، فإنها تدل على الضوء الذي يجب أن ينظر فيه إلى أعمال هذا الرجل.

و لأجل أن يتسنّى لي وصف أمير كتب له على ما يظهر أن يؤثر تأثيرا مهمّا في جزء كبير من هذه البلاد الطريفة جدا أراني مضطرا للانتفاع ببعض النبذ المستمدة من يوميات الدكتور روص طبيب المقيمية البريطانية ببغداد الذي أسعفه الحظ فتسنى له أن يقوم برحلة في هذه البلاد المخطرة بدعوة من المير نفسه. فإن المير مصطفى والد مير راوندوز كان رجلا أعمى على ما يبدو،

17

و يأمل أن يرد بصره إليه اتصل المير بالكولونيل تايلور (المقيم) و رجاه بأن يوفد له طبيبا إنكليزيا يجرّب فيه ما عنده من مهارة. فاغتنم الكولونيل تايلور هذه الفرصة لتنمية العلاقات مع هذا الرجل العجيب في الحال، و كلّف الدكتور روص بهذه المهمة الطريفة. فتوجّه إلى بلاد المير في قافلة يرأسها عمّه بايزيد بك الذي كان قد أرسل إلى بغداد للاتصال بالمقيم البريطاني حول القضية.

على أنه من الضروري أن أخبركم أولا بأن المير، علاوة على جميع فتوحات فيما بين النهرين و القسم الأسفل من بلاد آشور، كان في ذلك الوقت قد امتدت يده إلى بلاد العمادية، الخصبة الواسعة على كونها جبلية و عرة، التي تقع في شمال غرب راوندوز و شمالي الموصل أيضا. و قد كانت هذه الدويلة، أو الباشوية لأنها كانت في حكم أحد الباشوات، موضع ثناء الجميع و مدحهم لخصبها و جمالها و لكثافة السكان فيها. فقد أجمع عدة رجال محترمين في تصريحهم لي على أنها تحتوي على اثني عشر ألف قرية، غير صغيرة، تتألف كل منها من عدد من الأسر (أو البيوت) يتراوح بين المئتين و الثلاثمائة. و هذا قول لا بد أن يكون بعيدا كل البعد عن الواقع، لأننا إذا اعتبرنا أن القرية الواحدة تحتوي على مئة و خمسين بيتا فقط، و إذا افترضنا أن كل بيت يضم خمسة أنفس لا غير نجد أن المجموع يبلغ تسعة ملايين نسمة، و هو عدد يتجاوز عدد الموجود من السكان في إيران كلها. و لذلك لا بد أن يؤخذ الرقم هذا ليدل على أن العمادية كثيرة السكان لا غير.

و قد كان يحكمها باشا ينتمي إلى أسرة كردية معروفة، بتنصيب من الباب العالي. لكن سوء حكمه، و الحسد الذي قوبل به من الآخرين، و النزعات المحلية، قد أدّت كلها إلى إسقاطه عنه. فأصبحت البلاد منقسمة إلى عدة رئاسات محلية صغيرة لا تلتفت بشي‏ء إلى الباشا الحاكم الذي كان رجلا ضعيفا أحمق، أضاع سلطته و سطوته على الناس و حبس نفسه في قصره المنيع الموجود في العمادية، بينما كان المير يكتسح البلاد و يقضي على هذه الرئاسات الشخصية واحدة بعد أخرى. و باستغلال الضغائن العائلية و الخيانة دفع المير الرشوات المناسبة و دخل تلك القلعة المهمة، و من هناك أخذ يوجه‏

18

جهوده بمزيد من الحيوية للقضاء على ما تبقى من القلاع في تلك البلاد. على أن العمادية لم تكن قد سقطت بعد حينما زار البلاد الدكتور روص، و كان المير منهمكا في محاصرة عقرة، إحدى القلاع الحصينة جدا الواقعة على الزاب، و التي تبعد مسيرة أربع عشرة ساعة من شمال أربيل.

و كان الدكتور روص قد غادر بغداد في منتصف مايس 1833 م، و بين الملاحظات الأولى التي دوّنها عن الرحلة التباين الكبير الموجود ما بين المناطق التركية و الكردية من حيث السكان و الشؤون الزراعية. فقد كانت جميع القرى في المناطق التركية مهجورة، لأن السكان قد فرّوا منها لتحاشي ما كانت تفرضه الحكومة عليهم. و كل من بقي فيها كان يلهج بالتذمر من باشا بغداد، علي باشا، و حالما كان يظهر في الأفق رجل من رجال الحكومة كان الناس يفرّون من وجهه ليخفوا أنفسهم عنه. غير أن قافلة الدكتور ما إن وصلت لآلتون كوبري حتى تقاطر الناس عليها لاستقبال بايزيد بك، و هم يضعون الزهور فوق رؤوسهم كما يفعلون في أيام العطل و المناسبات، و تزاحموا على تقبيل يده، ثم هتفوا له حينما مرّ أمامهم.

و قد كان السهل الممتد ما بين آلتون كوبري و أربيل مكسوّا بالأزهار المختلطة بأوفر أنواع الخضرة و أبهجها، كما كانت البلاد تعج بالسكان.

و يصف الدكتور روص استقبال بايزيد بك في آخر مكان بكونه على غاية ما يكون من الجمال و الروعة، من ناحية الملابس و الأزياء و الروح الودية التي كانت تبعث الحياة في تلك المناظر الخلابة.

و في التاسع عشر من مايس ترك الدكتور روص أربيل متوجها إلى راوندوز التي كان يقيم بالقرب منها مصطفى بك العجوز، هدف الناحية المهنية من سفرته. و بعد أن اجتازوا بلادا جبلية مخصبة، مغطاة بالكثير من أشجار البلوط القصيرة، و ارتقوا عددا من الممرات المنحدرة، وصلوا إلى دمدم محل إقامة الرجل العجوز الذي كانوا يشرفون منه على وادي راوندوز و قلعتها، حيث كانت الأخيرة على بعد مسافة لا تزيد على ساعة ركوب واحدة. و دمدم قلعة صغيرة مشيدة فوق قمة صخرية شاهقة يبلغ ارتفاعها مئة قدم، و تشرف‏

19

على بلدة صغيرة تتألف من مئة دار حقيرة تنتشر بين غابة كثيفة من البساتين الحاوية لكل نوع من أنواع الأشجار المثمرة. و كانت بلدة راوندوز تتألف، على ما يبدو من هذا الموقع، من حوالي ألفي دار متواضعة مع شي‏ء يشبه القلعة يقع ما بين الجبال على الضفة الجنوبية من الزاب الكبير، الذي كان يمتد من فوقه جسر من جذوع الأشجار المستندة على دعامتين حجريتين و المغطاة بشي‏ء من الأغصان و التراب. و قد كان النهر ضيّقا سريع الجريان، جائشا عميقا، لكن الأكلاك على بعد ثماني ساعات من أسفل هذا الموقع كان من الممكن لها أن تعبره. و لم يسمح للدكتور بزيارة راوندوز، و لا بالتجوال الكثير في المنطقة، لكنه يذكر بين ما سمع من الأشياء التي تلفت النظر شيئا واحدا على الأخص. فقد ذكر شيئا عن عمود من الرخام يقوم فوق قاعدة مضلعة و يبلغ طوله كله حوالي ثلاثة رماح (ثلاثون إلى خمسة و ثلاثين قدما)، و هو مغطى بالكتابات المنحوتة فيه، و قد أبدى عدد من الأوربيين من قبل رغبة في مشاهدته في مختلف الأوقات، لكنهم لم يسمح لهم كلهم بذلك. و مما قيل في هذا الشأن أن العمود يبعد عن دمدم مسيرة يومين، و المعتقد أن الملكة سميراميس هي التي أقامته هناك.

و لم يكتب الدكتور روص عن دمدم و سكانها بلهجة مشجعة. فقد كتب يقول عن السكان «إنهم على ما يبدو لا يعرفون شيئا عما هو حسن في العالم.

و هم يلبسون ألبسة خلقة، و بيوتهم أشبه بأقنان الخنازير لا غير. يضاف إلى ذلك أنهم وحوش متجهمو الخلقة، لا يعطون حتى و لا جرعة واحدة من الحليب من دون تذمر و صخب، و كل شي‏ء آخر لا بدّ أن ينتزع منهم بالقوة.

و حينما أعطيتهم بعض الأدوية أخذوا يدمدمون لأني لأني لم أزودهم بالقناني اللازمة لحفظها بها». على أن لباس الموسرين منهم كان يشبه لباس البغداديين. أما الفقراء فقد كانوا يرتدون سترة قصيرة، و سراويل صوفية فضفاضة، و صديريا من اللباد لا أردان له، مع أحذية قطنية، و جوارب صوفية.

كما كانوا يضعون فوق رؤوسهم العمامة الكردية الخاصة. و يلبس النساء ثوبا أزرق، مع سراويل فضفاضة مشدودة من أسفل حول رسغ الرجلين، و عباءة

20

مربعة تشد من زاويتين بحيث تصبح مدلاة من فوق الظهر. أما في الرأس فيلبس قطعة مدورة من الفضة تتدلّى منها دلايات كبيرة تعلّق في كل منها قطع من العملة حول الرأس و الرقبة، مصنوعة كلها من الفضة. و تعدّ طريقة التحية عندهم شيئا مستغربا، إذ يمسك أحد المتسالمين الآخر من المعصم الأيمن و يقبّل ذراعه. و في كل مساء كان ستة أو ثمانية من القرويين يتناولون العشاء في بيت المير، مع عدد من المحاربين القدماء من أصدقاء شبابه. و مما لا حظه الدكتور هنا انتشار الرمد بين الناس.

و قد تبيّن أن المير العجوز (مصطفى) أعمى لا يرجى له شفاء. و سبب ذلك، على ما يرويه هو نفسه، أنه أصيب بالرمد ذات يوم لأنه وضع الثلج فوق رأسه حينما اشتد عليه الحر أثناء تسلقه الجبل الذي وجد فوقه طبقة سميكة منه. على أن بعض الروايات تزعم أن عينيه قد سملتا بأمر من ابنه، و تم ذلك بواسطة «ميل» ساخن إلى حد الاحمرار لكن الدكتور روص يؤكد بأن هذا خطأ محض. أما سبب تنازله عن الحكم لابنه فهو على جانب أكبر من الشك و عدم التأكد. إذ يزعم البعض أن تنحيته كانت بالقوة، بينما كان يقول آخرون إنه اقتنع بأن ابنه سيكون أعظم منه فتنازل له عن الحكم طوعا لا كرها.

و للمير محمد، أو الباشا، أربعة إخوة على قيد الحياة. غير أن اثنين منهم، و هما تيمور خان و سليمان بك، قد سجنا (1) في قلعة تقع على بعد خمس ساعات من راوندوز. و كان الأخ الثالث أحمد بك يتولى حاكمية أربيل، بينما كان الرابع و هو رسول بك يتولى شؤون الجيش. يضاف إلى ذلك أن المير له ثلاث زوجات من دون ذرية، و ليس من المؤمل و هو في الخامسة

____________

(1) جاء في (أربعة قرون من تاريخ العراق الحديث) في هذا الشأن: «.. و كان دويلة راوندوز الصغيرة قد انتقلت في حدود عام 1810 م من يد أغوز بك إلى مصطفى بك و هذا، بعد أن حارب البابانيين حربا غير منقطعة، تزوج منهم زواج حلف و انصرف إلى توحيد مملكته فوحدها. و حكمها بحكمة، و أخذ الحكومة محمد بك- أي المير محمد- من يدي والده الواهنتين قبل وفاته. و مات مصطفى في 1826 م، و تبعه محمد فقتل عميه في الحال».

21

و الأربعين من عمره الآن أن تكون له ذرية في المستقبل، و لذلك يعتبر رسول‏ (1) بك خليفته من بعده.

و يبدو أن الدكتور قد عومل بحقارة في دمدم التي عاد منها إلى أربيل لينتظر فيها أوامر المير الجديدة بشأنه. و قد وجد في طريقه إلى هناك أن سكان إحدى القرى كانوا يأتون بأطفالهم إلى امرأة عجوز مرت بالقرية صدقة، فأخذت تنفخ صلواتها عليهم و تنعم عليهم بقطع من الخرق البالية و النقود التي كانت تباركها أيضا، فتعلق برؤوس الأطفال على شاكلة الرقى و التعاويذ ضد النحس و دفعا للشر. و قد وجد الدكتور أن الأكراد مثل سائر الجبليين كلهم لهم عقيدة قوية بالخرافات. «فكل تل و كل قمة كان له عفريته الخاص، و هناك بالقرب من راوندوز مغارة ملأى بالعفاريت» فقد سمع من هناك في 1831 م هدير مدافع و هي تطلق في اتجاه البلدة، فأعقب ذلك انتشار الطاعون في الحال. و ظلت الأخبار تنتشر عن هذا الحادث لمدة شهر أو شهرين حتى انقطعت فجأة هي و الطاعون مرة واحدة. و قد أيّد هذا عدد من الناس المحترمين و عدوه شيئا حقيقيا.

و تدل الملاحظات التي توصل اليها الدكتور روص في طريقه إلى أربيل، و بعد وصوله إلى هناك بمدة من الزمن، على أن الضيافة الكردية لم ترق له كثيرا. إذ يظهر منذ اللحظة التي أوصله فيها مهمنداره بايزيد بك إلى دمدم و تخلى عنه فيها أن تبدلا في غير صالحه قد طرأ على المعاملة التي كان يعامل بها نظرا لعدم وجود من يجبر الفلاحين الغلاظ على السلوك الحسن معه. فهو يقول: «انهم أناس لطيفون بمقدار كاف حتى يجبرون على رفع الكلفة، و عند ذلك تبدو طبيعتهم المتجهمة- فلا يوجد عندهم سخاء حقيقي و لا إكرام للضيف- و هم يختلفون بذلك تمام الاختلاف عن القبائل العربية التي تعطي ما عندها عن طيبة خاطر، و تتسابق فيما بينها لتقديم الهدايا». و مع ذلك فإنهم لو لم يؤخذوا من مخيم لآخر بصفتهم أصدقاء الشيخ فإن نفس الأشخاص الذين‏

____________

(1) عيّنه بعد ذلك لحاكمية العمادية التي ألحقها به.

22

كانوا يعاملونهم معاملة حسنة ربما كانوا سيعمدون إلى سلبهم و تجريدهم من ملابسهم.

و قد اطلع الدكتور روص في أربيل على الكثير من أحوال الأكراد، و هو يتكلم بشدة عن ميولهم الفظة و جنوحهم إلى التهيج. فهو يقول: «إن طبيعة الكردي مجبولة على الحرب. لأنه يدرب عليها من المهد، و لا يرتاح مطلقا من دون الاشتباك مع الغير أو خوض المعارك. فقد وجدت صبيانا لا تزيد أعمارهم على اثنتي عشرة أو خمس عشرة سنة و هم يعانون أو جاعا من جروح بليغة كانوا قد أصيبوا بها في معارك متأخرة. و قد علمت بأن معاركهم معارك دامية للغاية، و هم يبدأونها بإطلاق النار من البنادق لكنهم سرعان ما يعمدون فيها إلى الخناجر. و ليس ذلك من قبيل الضجيج أو التهويش المعروف عند العرب، و إنما هو قتال عنيف يؤدي في الغالب إلى قتل الكثيرين و جرحهم.

و هم يزدرون بحكومة بغداد و جيشها ازدراء متناهيا، و يقولون إن المدينة لو كان فيها أي نفع لهم لما استطاع الأتراك أن يقفوا في وجههم يوما واحدا دون احتلالها. و قد وجدوا الفرصة سانحة للاستيلاء على أربيل و آلتون كوبري في بعض المناسبات، و لم يستغرق استيلاؤهم على أربيل سوى ساعة واحدة. و هم لا يعتمدون في الحصول على احتياجاتهم على أية بلاد أخرى إلا بلادهم. فإن كل ما يحتاجونه يتم إنتاجه في بلدهم، و مع ان جبالهم تكون مواقع دفاع حصينة منيعة تجاه المحتلين الأجانب فإن وديانها و جهاتها الوعرة تنتج بقليل من الجهد كل ما يرغبون في زراعته بوفرة، و تزودهم بذخيرة لا تنضب من الخشب و الماء و المرعى».

و تعطى البلاد المحيطة بأربيل من الباشا بالالتزام للشيوخ منطقة منطقة بالطريقة التي يسير بموجبها النظام الإقطاعي المعروف. فإن عشائر طي العربية تخضع للباشا (1) و تبعث بقطعات غير يسيرة من رجالها لجيشه، الذي كان حينذاك في عقرة. و قد كان الباشا على ما يبدو محبوبا عندهم، أو مرهوب‏

____________

(1) أي مير راوندوز.

23

الجانب، و قد يكون ذلك ناشئا عن الصرامة التي تتصف بها حكومته. فمن النادر أن يسمع شي‏ء عن السرقة و اللصوصية، و لا تغلق باب من الأبواب في الليل مطلقا. و مع ذلك يندر أن تطبق عقوبة الموت بين ظهرانيهم. و إنما تقطع اليد عن السرقة و تقطع القدم عقابا للفرار من الجندية، و تسمل عين واحدة أو عينان عن الجرائم الأخرى. على أن عقوبات أشد صرامة من هذه قد تفرض في بعض الأحيان على سبيل العبرة للآخرين. فقد لجأ ذات يوم إلى بلاد المير شيخ من شيوخ القبيلة العربية طي‏ (1) مع عشيرته، بعد أن أجبرتها على الرحيل من ديرتها عبر دجلة قبيلة الجربا القوية، و هناك عاش عيشة رضية هادئة في ظل القوانين و الأنظمة التي وضعها المير. لكنه مل الهدوء و سئم الخمول الذي تفرضه حياة الدعة و العطالة، و بينما كانت إحدى القوافل تمر بمخيمه آمنة مطمئنة أغراه ما فيها من سلب و نهب إغراء لم يستطع كبحه في نفسه فانقض عليها و غنم جميع ما كانت تحمله من سلع و بضائع. غير أن اليوم الثاني ما إن انتهى و حل المساء حتى حضر إلى مخيمه نصف دزينة من الأكراد، و دخلوا إلى خيمته من دون كلام أو مراسيم ثم احتزوا رأسه على بابها و عادوا من حيث أتوا بهدوء.

و حينما كان الدكتور في أربيل قوبل بترحاب غير يسير من قبل أحمد بك حاكم أربيل و شقيق المير، و زاره سلطان بك أحد رؤساء المعسكر. و هناك علم أن الجيش كان يتألف من خمسة عشر إلى عشرين ألف رجل، و كانوا كلهم عاطلين في معسكرهم لأن عقرة كانت قد تم الاستيلاء عليها قبل مدة من الزمن. و يقع هذا الحصن على قمة صخرة تكاد تكون عمودية على ما يبدو، و لا يمكن الوصول إليها إلا من طريق واحد ضيق بحيث لا يستطيع أن يركب فيه شخصان جنبا إلى جنب‏ (2).

____________

(1) لا تزال قبيلة طي المشار إليها تقيم في منطقة الهويرة التابعة لناحية الكوير المرتبطة بلواء أربيل. و يرأسها الآن الشيخ حنش الحمود الهوار.

(2) إن هذا الوصف ينطبق على العمادية، و لعل صاحب الرحلة يقصدها هي بدليل أنه يورد اسم العمادية في نهاية هذا المقطع و يقول إن أكرادها دهشوا لهذه المفاجأة.

24

و قد كان سكانها يعتقدون بأن قلعتهم لا يمكن أن تستولي عليها قوة في العالم، و لم يكن ينتظر حتى الباشا نفسه أن تقع في يده بهذه السرعة. غير أنه حدث ذات يوم انه قد هوجم هو نفسه من كمين كانت ثلة استطلاعية تابعة للعدو قد نصبته في مكان خطر، و كاد يؤخذ أسيرا بهذه الطريقة. فاغتاظ أتباعه لذلك بحيث إنه سار في صباح اليوم التالي على رأسهم لمهاجمة ذلك المكان الذي تم احتلاله بالفعل خلال ثلاث ساعات بعد أن خسر مئة و خمسين من رجاله فقط. فاندهش أكراد العمادية لهذه المفاجأة الفذة بحيث إنهم تخلوا عن المكان من دون مزيد من القتال.

و في يوم 30 أيار وصل كتاب من الباشا ينطوي على أمره بإبقاء الدكتور روص في أربيل حتى يطلبه هو على أن يخدم و يعامل بغاية الاحترام، فكان لذلك تأثير في تحسين أحوال معيشته و تأمين راحته. و في 6 حزيران وصل الخبر بأن الأحوال في العمادية قد سويت، فتخلى الباشا السابق، سيد باشا، عن منصبه و نصب موسى‏ (1) باشا في مكانه. كما نصب سليم باشا في عقرة، و لما كانت جميع البلاد قد خضعت لحكومة راوندوز فقد أصبح كل شي‏ء هادئا تمام الهدوء. و مع ذلك لم يصل أي أمر من سموه بإرسال الدكتور إلى معسكره إلا في يوم 3 تموز، بعد كثير من الاعتراضات و الاحتجاجات و عدد من التأكيدات المضللة عن وصول الباشا السريع إلى أربيل. فالظاهر أن الحاشية تبقي حركات الباشا و سكناته في سرية تامة، إذ ليس في مقدور أحد أن يحزر متى تتم هذه المسيرة أو تلك، حتى و لا أن يعرف الجهة التي ستسير فيها الجيوش إلى أن يتم الركوب.

و قد عبر الدكتور روص نهر الزاب بالكلك الذي يصفه بكونه أشبه ب «عربة نبتون» و قد سحب الكلك عبر النهر بحصانين اثنين سيقا في أول الأمر إلى الماء ثم ظلا يحثان على العبور من قبل ركاب الكلك نفسه الذين كانوا يقبضون على ذيليهما بقوة. فوصلت الجماعة إلى عقرة بعد مسيرة أربع عشرة

____________

(1) يقول لونكريك في (أربعة قرون من تاريخ العراق الحديث) إنه نصّب أخاه رسولا فيها.

25

ساعة و قطع ستة و خمسين ميلا إلى شمالي الشمال الشرقي. و يعتبر الدكتور روص كلّا من أربيل و عقرة في شمال بغداد تقريبا.

و قد استقبله الباشا استقبالا حسنا، لكنه بعث إليه بمن يعتذر منه شخصيا لعدم قيامه له في مجلسه أثناء دخوله عليه، كما يجب أن يجري بالنسبة لخادم من خدام ملك إنكلترا، نظرا لأنه كان محاطا بأناس لم يتم إخضاعهم إلا مؤخرا و لأن الوقوف بوجودهم ينطوي على التساوي بينه و بين الباشا في نظرهم، و هذا مما قد لا يكون من مصلحته أن يفعله أو يعترف به أمام ملأ من الناس. فألفى الباشا رجلا وسيم المظهر محبا للخير، يبلغ الخامسة و الأربعين من عمره تقريبا. كما وجده أبيض البشرة تبدو فيه آثار الجدري. و قد اعورّت إحدى عينيه و أصبحت منخفضة معتمة. و كانت لحيته تبلغ حوالي اثنتي عشرة بوصة في الطول، ذات لون بني خفيف، و لم يمشط نصفها الأسفل و لذلك كانت ملبدة بعضها ببعض. أما من النواحي الأخرى فقد كان مرتب اللباس و الهندام. و كانت إحدى رجليه مصابة بالعرج لرفسة أصابته من أحد الخيول، كما كان يتكلم بصوت خافت. و قد دخل في حديث طويل مع الدكتور روص أكثر من مرة، في مواضيع عامة غالبا. فاستفسر منه عن طريقة التعليم في انكلترا، و ديانة أهل الهند و الصين- متصورا أن الصين كانت تابعة لنا على شاكلة الهند. و قد كان يرغب كذلك في معرفة علاقتنا بإيران و روسية. ثم استفسر في مناسبة أخرى عن أشياء كثيرة مثل استعمالات الأدوية و تأثيراتها، و حالة النبض في أثناء المرض، و عن الطاعون و الهيضة و غير ذلك. و انتقل بعد ذلك إلى مواضيع الحرب، فتحدث عن الطبنجات و المسدسات، و أخرج طبنجة إنكليزية قديمة ذات سبطانتين و بندقية، فكانت هذه مع سيف و مرقب (تلسكوب) و شمسية و سرير خشبي و عدد من المحافير تكوّن القسم الأكبر من اثاث خيمته و فيما يقرب من خيمته الخاصة كانت هناك خيمة واسعة ذات عمودين يعقد فيها الاجتماعات قبل الظهر و في الليل. و هو لا يذهب إلى النوم مطلقا قبل بزوغ الفجر، و عند ذاك ينام إلى التاسعة أو العاشرة من صباح اليوم التالي. و قبيل الصلاة الأخيرة بربع ساعة يعزف جوق صاخب شيئا من الموسيقى، و في وقت الصلاة تطلق طلقة من المدفع.

26

أما القوة الموجودة في المعسكر فقد علم الدكتور روص أنها تقدر بحوالي عشرة آلاف رجل فقط، و هى لا تكاد تساوي نصف الجيش الأصلي، فقد سرح باقي الرجال إلى بيوتهم للقيام بمهمة الحصاد. و لا يمت المعسكر بصلة إلى النظام و النسق العسكريين بشي‏ء، على أن الشي‏ء النظامي الوحيد هناك كان التفاف حلقة من الخيم الصغيرة حول خيمة الباشا، و هي تحتوي على حرسه الخاص الذين يبلغون ثلاثة آلاف شخص في عددهم. و هؤلاء يكونون خدامه في نفس الوقت. و يتسلح المشاة بالبنادق و الخناجر، كما يتسلح الفرسان بالرماح و الخناجر. و كل رئيس قبيلة تخيم قبيلته من حوله في معزل عن سائر القبائل، فيؤدي ذلك إلى تشويه منظر المعسكر نفسه لأنه يمتد و الحالة هذه إلى مدى يفهم منه بالنسبة لقواعد الحرب الأوربية أنه يحتوي على خمسين ألف مقاتل. و مع هذا، فبرغم هذا الاحتياج إلى النظام و الترتيب لم يكن يسمع فيه و لا صوت واحد، و من الممكن أن يصل كل فرد فيه إلى المكان المعين في ظرف خمس دقائق فقط. و قد كان الرجال يتمرنون من تلقاء أنفسهم على الرماية و إصابة الهدف بصورة مستمرة. و في كل مساء يتناول ما بين المئة و المئتي جندي عشاءهم في خيمة الباشا متبعين في ذلك دورة خاصة تتناول العشائر جميعها. و قد شوهد عدد من الأسرى في المعسكر و هم مقيدون بالحديد في أعناقهم و أرجلهم. و يقول الدكتور روص إن الباشا معتاد على شراء غنائم و أسلاب الحرب جميعها بأسعار تساوي ضعف ما يدفعه لهم الآخرون.

و في اليوم الثامن من تموز ترك الدكتور روص معسكر الباشا و سلك طريق الموصل. و في الجانب الآخر من الزاب وجد مئة فارس عربي من قبيلة ألبو سلمان مستعدين لتوصيله خلال ما تبقى من ممتلكات مير راوندوز.

فأعترض على هذا العدد الكبير من الرجال لكن رئيس هذه الثلة الكبيرة من الخيالة أفهمه بأن الأوامر التي تلقاها تفرض عليه ذلك، و أنه لا يستطيع التخلي عن أي رجل منهم. و يغتنم الدكتور هذه الفرصة هنا ليشير إلى التباين الموجود في عادات موظفي هذا الباشا و موظفي المناطق التركية. ففي اللحظة التي دخل فيها هذه الجهات بوهت بطلبات البخشيش، و بعد تجريده من كل ما كان يمكن‏

27

أن يكون قد حمله معه فإن الأوغاد المناكيد تبعوه إلى منزله طالبين المزيد. أما في ممتلكات راوندوز فإن البخشيش لم يذكر قط. هذا و قد أجرى الدكتور مقارنات في كل ناحية من النواحي بين حكومة علي باشا في بغداد و حكومة المير، و هو يعطي الأفضلية للأخير و يشير إلى أحاديث الخيانة التي كان يصرح بها علانية بالنسية لعلي باشا، بينما كان الإطراء و الثناء على المير يلهج بهما الجميع بصراحة.

و إلى هذا الحد نكتفي بما ورد في يوميات الدكتور روص. أما المعلومات التي زودني بها معظم الأشخاص الذين قابلتهم، ممن له اطلاع كاف في الموضوع، فتتفق مع معظم التفصيلات الواردة في هذه اليوميات.

فإن شخصية المير و أخلاقه تظهر في أعماله‏ (1). فهو طموح إلى حد الإفراط، و مستهتر تماما بالنسبة للوسائل التي يصل بها إلى غاياته و مطامحه. و مع أنه فطن بعيد النظر فإنه حسود و مرتاب للغاية. و هو على تشبعه بفكرة العدالة الحقة التي لا تعرف المحاباة يسخر مبادئه للحصول على المزيد مما يشبع به أطماعه و ليس لمجرد العدالة نفسها. أضف إلى ذلك أنه لا يتورع عن سفك الدماء لكنه غير ميال إلى أن يقتل الناس بطيش أو تهور، و من دون سبب. و مع‏

____________

(1) يلخص المستر لونكريك أعماله و فتوحاته فيما يلي: «.. و قد ظهرت مزايا- البك الأعور- في سلسلة غير منقطعة من الفتوحات. فقد أخضع الشيروان الأقوياء و قبائل البرادوست في الشمال، و قلل من نفوذ الشورجي، ثم طرد الحاكم الباباني من حرير، و أخذ أربيل و آلتون كوبري، و نصّب أقاربه في هذه الأماكن. و اقتطعت رانيه و كوي من البابانيين، و أصبح الزاب الأسفل هو الحد. و قد اضطر علي رضا إلى الاعتراف بهذه السلطة الجديدة فرفعه إلى مرتبة الباشا. و في أوائل 1833 م سار محمد إلى عقرة، و أخذها بعد أن حاصرها، ثم طرد حاكمها إسماعيل باشا. و بعد أن خلع من العمادية سيد باشا بسهولة نصب في مكانه أخاه رسول بك. و أصبحت دهوك و زاخو من توابع إمبراطوريته فأقام فيهما الضبط غير الخاطئ بقسوته العادلة ... و بعد ذلك غزا في جبل سنجار، و ضرب قرى قريبة من الموصل، و احتل جزيرة ابن عمر، و أفزع البدرخانيين في حسنكيف، و كذلك هددت نصيبين و ماردين نفسها غير أن هذا كان حده الذي وقف عنده ...»

28

ذلك فهو لا يرحم حينما يتيسر السبب مهما كانت أهميته. فقد روي لي أن قبيلة من القبائل الكردية كانت تعارضه بشدة في أثناء محاصرته للعمادية، و ظلت متمادية في ذلك حتى بعد أن سقطت في يده، فساق عليها قواته و بعد أن أخضعها و عانى ما عانى من أجل ذلك قتل جميع من وصلت إليه يده من أفرادها حتى بلغت ضحاياه عدة آلاف من الرجال. و قد فعل ذلك على سبيل العبرة للآخرين.

و لا يمتد حسد المير إلا إلى الغرباء الذين يسيحون في البلاد من دون شغل يتضح له. فإن التجار و البغالة و سكان البلاد المجاورة لا يحتاجون إلى جواز سفر في ممتلكاته، و هم أحرار في رواحهم و غدوهم. لكن الأشخاص القادمين من مسافة بعيدة، و خاصة من بلاد أظهرت له شيئا من العداء في يوم من الأيام، لا بد أن يتعرضوا للتوقيف أو الحبس كجواسيس. و قد استفسرت عما سيحل بي فيما لو دخلت بلاده من دون الحصول على رخصة مسبقة منه، فكان جواب الجميع على ذلك أن الإقدام على محاولة مثل هذه تعد غاية في الطيش و عدم التبصر. لأنه رجل سيى‏ء التفكير (بدفكر) و قد يتصورني جاسوسا فيسي‏ء معاملتي، و خاصة لأنني كنت سأدخل إلى ممتلكاته من تبريز. و حينما أبديت إصرارا في معرفة المعاملة السيئة التي يمكن أن أعامل بها قالوا لي بأنني يمكن أن أحجز في مكان منيع حتى يمكن أن يعرف ما يريده المير مني، و بعد ذلك قد أطرد إلى خارج البلاد بطريقة لا يتسنى لي أن أرى شيئا منها.

على أنني قد لا أقابل بالعنف في داخل ممتلكاته حرصا على سمعته الطيبة، لكنني من المحتمل جدا أن أقع فريسة للصوص حالما أعبر الحدود في طريقي إلى الخارج. و من السهل أن يحصل هذا في بلاد مضطربة مثل هذه‏ (1).

____________

(1) لم يكن مصير هذا الرجل العجيب كما كان من المؤمل أن يكون. فقد كون تقدمه المطرد و تأثيره على الممتلكات التركية حركة قوية ضده في الباب العالي. إذ زحف عليه رشيد باشا (الكوزلكلي)، الذي كان يقود الجيش في ديار بكر من جهة كردستان، و هاجمه علي باشا و الي بغداد و محمود باشا (البير قدار) و الي الموصل من جهتي الجنوب و الغرب. فدافع المير عن نفسه ببسالة و إقدام، و لو كانت جيوشه-

29

و قد كان ذلك كله موضع الاعتبار الجدي عندي. فإن شخصية هذا الأمير العجيب، و التقدم السريع الذي أحرزه في السلطة و السطوة خلال السنوات الخمس أو الست الأخيرة، مع التبدل الأخلاقي الذي كان من الممكن أن يحدثه في هذا الجزء من آسية، قد جعلت من المحتم علي أن أراه و أتعرف عليه، لأتبيّن مقدار الصحة المنطوية في الروايات التي تروى عنه.

و بهذا التفكير تسلمت من المعتمد كتابا إليه، مع بعض الهدايا، و كان غرضي من ذلك أن أقدمها إليه شخصيا بنفسي باعتبارها بداية لعلاقة صداقة يمكن أن تكون مفيدة و ملائمة فيما بعد. و كانت خطتي في ذلك أنني بوصولي إلى أوشنو، و هو مكان على مسيرة يومين من هنا، و على بعد ستين ميلا من راوندوز فقط، أن أبعث إليه بكتاب خاص أشرح له فيه هويتي و طبيعة الأوراق الموجودة عندي و أقترح عليه إذا ما أراد تسلمها من يدي أنا بالذات أن يبعث لي دليلا يوصلني سالما إليه، و إذا كانت له فكرة أخرى في الموضوع ان يبعث لي شخصا يتسلم الهدايا من عندي. و يمكنك أن تتصوري مقدار ما أصابني من الخيبة حينما علمت أن المير بدلا من أن يكون في راوندوز كما كنت أتوقع كان على مسيرة عشرة أيام منها، حيث كان منهمكا بتنفيذ الخطة التي وضعها

____________

- مخلصة له لاستطاع أن يزدري بالقوى التي زحفت عليه كلها لكن المير لم يكن محبوبا. و كان البعض من ضباطه ميالين إلى الخيانة، كما كان من المؤكد أن يكون أولئك الذين وقفوا إلى جانبه إلى الأخير في المناسبات الاعتيادية قد أفزعتهم رؤية أعلام السلطان و هي ترفرف أمامهم. أضف إل ذلك أن بقايا التبجيل لخليفة الرسول وزعيم الإسلام الديني منعت الأكراد عن مقاومة جنود السلطان بالسلاح. و قد شعر المير بهذا كله، و بعد أن أضاع قلاعه الحصينة واحدة بعد أخرى استسلم في نهاية آب 1836 م لعلي باشا والي بغداد. فأرسل مخفورا إلى إستانبول حيث أبقي بحجز شبه مبجل لمدة قصيرة، و عفي عنه بعد أشهر قليلة ثم عين حاكما في بلاده بالذات بعد أن أعطي عهدا بالسلوك الحسن. لكنه لم يصل إليها قط، و لم يعرف السبب في ذلك. و لا شك أنه قتل في الطريق بأمر من سيده الأعلى. (حاشية صاحب الرحلة نفسه، و الظاهر أنها كتبت أثناء طبع الكتاب بعد عودته إلى بلده).

30

لفتوحاته. و هكذا فإن مراسلتي له في هذا الشأن كانت ستستغرق عشرين يوما على الأقل علاوة على عشرين يوما أخرى كنا سأقضيها أنا في الذهاب لمقابلته و العودة بعد ذلك. و هذا تأخير ليس من الممكن لي أن أتحمله بالنسبة لما يتيسر لي من الوقت. و مهما كان مقدار ما عندي من الرغبة في القيام بمثل هذه المهمة الطريفة، كانت هناك أسباب كافية تعيقني عن وضع حريتي و حياتي في موضع التهلكة بالدخول إلى بلاد المير من دون الحصول على الرخصة اللازمة منه. و على هذا فقد ضحيت مرة أخرى، بكل إحجام، بالواجب الذي كنت عازما على القيام به. و بعد أن اكتفيت بالحصول على أحسن المعلومات التي تمكنت من التقاطها عن هذا الأمير العجيب توجهت إلى بغداد عن طريق السليمانية.

31

(2) [الرسالة الثانية]

الوصول إلى السليمانية- زيارة الضباط الإيرانيين له- زيارته للباشا في السليمانية- وصف الحالة فيها- وصفه الباشا و حديثه معه- جدله في مجلس الباشا عن بعض الخرافات- وصف السليمانية- حادث في مقبرة السليمانية- استئذانه بالسفر و تقديم بعض الهدايا- منعه من زيارة آثار شهرزور- مقابلته للسرتيب قائد القوات الإيرانية في السليمانية- مغادرة السليمانية مع دليل إلى كفري- وصف الطريق- النذر كاهات- ذكر الجاف و الهماوند- النزول في زالة- المهمندار و القرويون- التوجه إلى ابراهيم خانجي- سليم أغا دلو- حالة الأمن في الطريق- قرية ابراهيم خانجي- رستم أغا- وصف الأكراد- الوصول إلى كفري‏

السليمانية- أول تشرين الثاني 1834 م‏

عزيزتي قبل يومين حررت رسالة إليك، لكنني وجدت أنني لا بد أن آخذها معي إلى بغداد لأنه لا يوجد بريد إلى لندن هنا. جاء إلى زيارتي يوم أمس بعد الفطور بعض الضباط الإيرانيين‏ (1) الذين يقودون الجند الإيراني المرابط هنا.

____________

(1) كانت السليمانية في هذا العهد تابعة لإيران، و كان يحكمها محليا سليمان باشا بن عبد الرحمن باشا بابان تحت إشراف حامية إيرانية ترابط فيها. أما السبب فهو النزاع العائلي الذي كان يحتدم يومذاك بين الأخوين سليمان و محمود، و المنافسة على تولي الحكم. و قد أدى هذا الخلاف بهما إلى الارتماء في أحضان إيران تارة و تركية تارة أخرى، و التجاء الأخوين كليهما إلى هذا التذبذب في الولاء عدة مرات.

و الحقيقة أن أباهما عبد الرحمن و أعمامهما قد فعلا ذلك من قبل أيضا، فكانت حالهم هذه من الأسباب المهمة للتصادم الذي تكرر حدوثه بين إيران و الدولة العثمانية في تلك الأزمان. كما كان من أسباب أفول نجم البابانيين و انحطاط

32

فرووا روايات مؤسفة عن الحالة العامة هنا، لكنها لم تكن اسوأ مما تدل عليه المظاهر و تؤيده. و بعد ذلك ذهبت لزيارة الباشا الذي ألفيته في خيمته محاطا بعدد من الأكراد الوسيمين، و لكن من دون مظهر فخم أو أبهة ذات شأن- مسكين الرجل! إنه لا قبل له بذلك. فإن باشوية السليمانية الصغيرة، غير الغنية مطلقا و لا القوية، كانت فريسة لمجموعة من النكبات التي أنزلتها إلى حضيض التعاسة. فقد داهمتها أولا النزاعات العائلية، أي الحرب الأهلية الناشبة بين أخوين ينشدان التفوق و السلطة. فأدى ذلك إلى تدخل أجنبي بطبيعة الحال، و وقعت الباشوية التي كانت تابعة إلى باشوية بغداد من قبل في أيدي أمير كرمنشاه الإيراني محمد علي مرزا. على ان النزاعات الداخلية و الهياجات ظلت مستمرة، حتى أضعفت الفريقين بحيث إن جارهما مير راوندوز (1) وجد من المناسب بعد موت محمد علي مرزا ان يكتسح البلاد و يلحق جزءا غير يسير منها بإمارته. فسبب له ذلك حربا مع الحكومة الأذربيجانية التي فرضت سلطتها على هذه الجهات، و حتمت على السليمانية المنكودة الطالع ان تقوم بأود الجيش الإيراني علاوة على دفعها الأتاوي للإيرانيين. ثم داهم البلاد الطاعون‏ (2) الذي افنى ما يزيد على نصف السكان في البلدة و ما يحيط بها من الريف. اما النصف الثاني فقد هاجر من استطاع منهم ان يترك البلاد إلى أماكن‏

____________

- شأنهم. و ندرج فيما يلي ما ورد في (أربعة قرون ...) في هذا الشأن: «... و لم تدم تسوية الأمور التي أجريت في المملكة البابانية في 1823 م (أي معاهدة أرضروم الأولى الموقعة في تموز 1823 م). فقد تلاها أول وجه من أوجه النضال الطويل بين الأخوين محمود باشا و سليمان باشا. و ظلت حامية إيرانية في السليمانية حتى توفي فتح علي شاه في 1834 م. و كانت المملكة البابانية في الحقيقة آخذة بالانحطاط منذ مدة. فكانت على هذا العهد تهيمن عليها إيران هيمنة لم تفقها فيها تركية بأي زمن كان. و قد سببت حالة النزاع بين الأخوين الاضطراب و الفوضى و الفقر. فأكمل الطاعون من بعد ذلك خراب المملكة ...».

(1) إنه محمد باشا الأعور (كور محمد باشا) المار ذكره في الرسالة السابقة.

(2) و هو نفس الطاعون الكبير الذي تفشى في بغداد و ما حولها ففتك فتكا ذريعا فيها في أواخرا أيام داود باشا، كما سيأتي تفصيله في رسائل قادمة من هذه الرحلة.

33

تخف فيها وطأة الأعباء و الأوزار- أي إلى راوندوز و كركوك و أربيل و سائر المناطق الكائنة في البلاد المنخفضة، بعد أن وجد ان لا معين له على البلوى و لا من يعمل على إعفاء الناس من الضرائب الحكومية. و على هذه الشاكلة تقوم إيران بتقوية أعدائها و إضعاف نفسها. لكن الباشا المسكين كان أضعف الناس على الإفلات من العاصفة، و ها هو يجلس الآن بين حطام العظمة الغابرة مرتبكا متحيرا إلى أقصى الحدود تجاه الاستجابة لجميع الطلبات التي تقدم إليه، مع أنه غير قادر على مقاومتها. و على هذا فلا أخالك تعجبين إذا ما علمت بأنني وجدت القليل من الأبهة و الفخامة، أو حتى أبسط وسائل العيش المريح من حوله. فقد استفسر رجاله من رجالي عما إذا كان عندي شي‏ء من السجاد أو «النمد» (1) ليفرش على الأرض غير المبلطة في الدار التي خصصت لإقامتي، لأن مثل هذه الأشياء كان يكاد يندر وجودها هنا. فلم أزود بأية واحدة منها بطبيعة الحال و كان أحد الأسباب لذلك عدم وجودها!!.

و لقد وجدت الباشا شخصا لطيفا، مطلعا بالنسبة للأكراد و تبدو عليه في الحقيقة مظاهر «العثمانلي» اكثر من المظاهر الكردية. فأمطرني بوابل من مختلف الاسئلة عن الحالة في اوربة، و علاقات كل دولة بالدول الأخرى، و خاصة عن العلاقات الموجودة بين الباب العالي و روسية و محمد علي پاشا.

و كان على اطلاع غير قليل بشؤون امريكا، فعمل على تصحيح ما كان يفكر به بعض الإيرانيين الموجودين في مجلسه، و بعض رجاله أيضا، من الأفكار القديمة بالنسبة لها. و قد جرى البحث في أحوال الهند، و ذكر الكثير عن الاختراعات الحديثة، و خاصة الاختراعات ذات الطابع الحربي. و جرنا موضوع تحسين عدة البندقية إلى البحث في طرق اطلاق النار المختلفة و في أحسن طريقة لمقاومتها و السيطرة عليها في مقابل ذلك. ثم ادى ذلك إلى ذكر موضوع كنت قد سمعت تلميحات إليه من قبل أكثر من مرة، و هو يقدم لنا نموذجا طريفا للخرافة و تفشيها بين هؤلاء الناس- أي نموذجا لسرعة التصديق و حسن النية من جهة، و للدجل السليط من جهة اخرى.

____________

(1) النمد بالفارسية هو الفرش الذي يصنع من اللباد (الچبن) و يفرش في مقام السجاد.

34

فالسادة كما تعلمين هم نسل النبي محمد، لكنهم ينقسمون عدة طبقات، و يتمتع بعضها بقدر من التوقير و التبجيل أكثر مما تتمتع به الطبقات الأخرى لأنها كما يعتد محبوة بمواهب خاصة مستمدة من أصلها المقدس.

و من هذه المواهب موهبة لا تدعي بها الا أسر قليلة و هي القدرة على تحمل النار و تأثيرها من دون أذى. فقد قيل لي في سوج بولاق أن إحدى الأسر المحبوة بهذه الموهبة كانت تقيم في قرية غير بعيدة عنا، و لكن المؤسف انه لم يكن بوسع أحد أن يأتي بشخص يقوم بهذا العمل بين يدي حينما أبديت رغبتي في مشاهدة هذه المعجزة. إذ يزعم أن الأشخاص الموهوبين هؤلاء يستطيعون الدخول إلى تنور تشتعل به النار حتى يصبح احمر من شدة الحرارة، و أنهم يكومون النار فوق أيديهم، و مع ذلك يصيح الفرد منهم «إنه بردان» فيخرج من دون أن يكون قد مسه شي‏ء من الأذى. و هم يستطيعون كذلك إخراج قطعة حديد ساخنة إلى درجة الاحمرار من النار دون أن تصاب أيديهم بأذى. و الخلاصة أننا إذا صدقنا ما يقال عنهم فإنهم يعتبرون مواد غير قابلة للاحتراق.

و قد كان الضحك على هذه الخرافة السخيفة شيئا على نفس المقدار من الإساءة و عدم الفائدة، لأن جميع هذه القصص مهما كان منشؤها لما كانت قد أيدتها عقيدة الأجيال التقليدية فإن دحضها كان لا يمكن ان يتم إلا بإخضاعها للاختبار التجريبي- الذي كانت الجهات المتمسكة بالخرافات تتحاشاه على الدوام حيث يكون من المحتمل اكتشاف الزيف المنطوي فيها. و لذلك كنت حينما تفرض عليّ التأكيدات على صدق هذه القدرة الخارقة من جميع الجهات أجيب فقط بأن هذه الأمور قد تكون صحيحة، و لكن الاعتقاد بها من دون شك أو ريبة يعتبر خارج قدرتي أنا حتى أكون قد شاهدت بأم رأسي بعض الأدلة التي لا تدحض- كأن يقوم أحد الموهوبين هؤلاء بإخراج قطعة من الحديد الساخن إلى درجة الاحمرار من التنور بيده العارية و مسكها لمدة ما بأصابعه هو- و عند ذاك أقتنع بما وهب له من القدرة الخارقة، غير أن جميع من في المجلس أجابني بصوت واحد يقول «لكن الحقيقة لا ريب فيها لأننا كلنا على‏

35

علم بصدقها» فقلت مصرّا «إنني حينما أجد قطعة من الحديد الحارة لدرجة الاحمرار في يد السيد سأصدق ذلك أنا أيضا، و أعترف بأن مثل هذه القدرة لا بد أن تكون من عند اللّه مهما كانت الغاية منها» «ستفعل، أليس كذلك؟» هذا ما أجابني به مرزا إيراني كان يحاول دوما استدراجي إلى الدخول في جدل ديني. ثم أردف قائلا «و هل ستوافق بعد ذلك على كل ما سيقوله؟ فأجبته بقولي «و لنفرض أنه سيصارحني بأن اللّه غير موجود، فهل تريدني ان أؤيده في مثل هذا الاعتقاد؟» غير أنه رد عليّ يقول «كلا»، لكن ذلك غير ممكن»- و عند ذلك أجبته «أبدا فإنه كان يحدث عندكم في السابق أن يقوم أناس من بينكم فيدعون بالربوبية و يزعمون أن لهم قوى خارقة، بينما كان غيرهم ينكرون وجود هذا الشي‏ء بالمرة. و لذلك يجب ان تلاحظوا بأنه ليس هناك من يستطيع أن يعد وعدا لا شائبة فيه بتصديق جميع ما قد يقوله شخص آخر قبل ان يسمع ما سيفضي به و يعرف ما إذا كان من المناسب ان يذعن له» فتدخل الپاشا و قال «ان ذلك حق، فمن غير المعقول ان يفعل ذلك». فسكت المرزا و لم يتفوه بشي‏ء بعد ذلك.

ثم قلت «و الآن أرجو أن يسمح لي الپاشا بأن أسأله عما إذا كان قد شهد في يوم من الأيام أحد هؤلاء السادة و هو يقوم بالمعجزات الخارقة» فكان جوابه سلبيّا. و بعد ذلك التفت إلى رجل مسن كان متحمسا جدّا في أثناء المناقشة و سألته «و هل شاهدت أنت ذلك؟» فأجابني يقول «كلا، لكنني كنت شاهدت أحدهم و هو يضع النار في فمه». فقلت «إن ذلك ما يمكن أن يفعله أي «حقه باز» أو مشعوذ بيننا، و يدل على أن ذلك كله يمكن أن يكون ضربا من الحيلة».

فعلق الپاشا بقوله «إنه يقول الصحيح، فقد شاهدت أنا بنفسي مثل هذا الحيل يقوم بها أولئك الناس. ثم التفت إلى جميع من اشترك في الحديث من حضار المجلس، و لكن لم يستطع و لا واحد منهم أن يقول إنه شاهد هو بنفسه أي شي‏ء من هذا القبيل. و لذلك ابتدرت المرزا قائلا بعدم اكتراث إنه بالنظر لأنه لم يقدم لإثبات المعجزات المزعومة سوى التقولات و الإشاعات فإنه لا يمكنه ان ينتظر مني ان أستسلم بحكمي أو رأيي الذي لا بد لي أن أحتفظ به حتى يكون هو مستعدّا لتقديم دليل أقوى مما جاء به من قبل.

36

و في اليوم التالي (أول تشرين الثاني) تمشيت لأشاهد البلدة و أحصل على فكرة عن الحالة فيها أحسن من الفكرة التي استطعت تكوينها بنظرتي السطحية الأولى. فتأكد لي أن الانطباعات التي تكونت عندي بتلك النظرة العابرة لم يكن بوسع الملاحظات الأخرى أن تحسنها في نظري أو تغير شيئا منها بأي مقدار كان. فقد كانت البلدة كلها ضنك و إملاق، و قذارة و دمار.

و لم يكن يلاحظ فيها و لا مسكن محترم واحد. كما لم يكن عند أي أحد من الناس، كبيرهم و وضيعهم، الرغبة الصادقة و لا الوسيلة اللازمة لترميم البيوت و تحسين شكلها أو حالتها، و لذلك أصبحت الأكواخ المقامة فوق أنقاض القديمة منها أحقر في وصفها من الحد الاعتيادي. كما أن أرض السليمانية، التي تبنى من طينها الدور، هي من النوع الهش الذي يكون قليل المقاومة للعوامل الجوية، فهي تفتتت حالما تترك لشأنها. فبفعل عدة أسباب و تأثيرها كادت البلدة ان تزول من الوجود تقريبا. على ان الاسواق كان منظرها أحسن مما كنت أتوقعه، بالنسبة للحالة في بقية البلدة. لأن الدكاكين معظمها و إن كانت مشغلة من قبل الباعة المتنقلين و باعة المفرد الذين يبيعون السلع التافهة، فإنها مع ذلك تتصف بشي‏ء من حسن المظهر، و كان من الممكن أن يلاحظ تجمع عدد غير يسير من الناس في الفسح المكشوفة التي تباع فيها منتجات القرى و الأرياف. فقد قيل لي إن السليمانية لا يزال يقيم فيها حوالي ألف إلى ألف و خمسمئة أسرة لكنني إذا أردت أن أحكم عليها من المظاهر أقول بأن الرقم الأول الذي ينطوي على مجموع يقدر بخمسة آلاف نسمة (1) على الأقل هو الأقرب إلى الحقيقة إذا لم يكن أقل منها.

و لما كانت البلدة نفسها واقعة في منخفض من الأرض فإنها لا يمكن ان ترى إلا من بعض المرتفعات المحيطة بها، و أحسن منظر لها يبين للناظر من رابيتين متخذتين مدافن للموتى- فهما تصلحان للسكن أحسن بكثير مما تصلح له البلدة نفسها. و بنزولي من إحدى هاتين الرابيتين التي كنت قد صعدت إليها

____________

(1) أي بمعدل خمسة أفراد للأسرة الواحدة على ما يبدو.

37

لأحصل منها على منظر عام للريف المحيط بها طرق سمعي صوت نسائي يندب بنحيب عال، فوجدت عن بعد بين القبور امرأة تجلس بالقرب من قبر حديث البناء كانت تبكي عليه و تعول بإشارات و حركات تنم عن أعمق الألم و أمضه. فذهبنا لنتبين أمرها، لكنها كانت على درجة من الانغماس في حزنها و أساها بحيث إنها لم تعبأ بنا، إذا كانت قد أحست بوجودنا حقّا، الأمر الذي كان من المحتمل أن لا يقع لأننا تقدمنا إلى حيث كانت تجلس. و قد كانت مشغولة بتزيين القبر بطريقة غريبة، شائعة بين الفقراء، و ذلك بوضع أحجار صغيرة بيضاء اللون بأشكال غريبة فوقه. و لكنها بين حين و آخر كانت تكف عن ذلك فتحرك يديها بما يدل على اليأس و القنوط، و تتفوه بنبرات مهووسة من الغم و الألم الممض الذي كان يدل على شي‏ء غير متناه من المحبة و التعلق.

و قد أثر حزنها و تدفق عاطفتها حتى على الخدم الذين كانوا يسيرون من ورائي، و هم القساة القلوب في الأحوال الاعتيادية. لأن ذلك كله لم يكن شيئا يراد به التصنع، أو الظهور بمظهر الحزن أمام الناس. فقد كانت المسكينة تجلس هناك وحيدة في تعاستها، بعيدة عن سمع أي كان من الناس و بصرهم، عدا المارة العابرين مثلنا، و هي تصب حزنها في أذنه هو وحده، الذي وجد من المناسب أن ينزل بها البلوى.

فقال أحد الخدم «إن هذه المسكينة لا بد أن تكون قد فقدت زوجا أو ولدا كان معيلها الوحيد، لأنك ترى يا سيدي ان مثل هذا الندب لا يمكن أن يصدر إلا ممن فقدت وحيدها. أما الذين لهم عوائل فيمكثون في بيوتهم، و هناك يبكون و يندبون».

و في هذا اليوم طلبت إلى الباشا أن يأذن لي بالسفر لعدم وجود ما يدعو إلى استمرار مكوثي في عاصمته، و لكونه هو المسكين كان منشغلا جدّا بشؤونه الخاصة بحيث لا يستطيع أن يعير التفاتا كبيرا لضيوفه. على أنه كان قد اغتنم الفرصة و أشار إلى خادمي من طرف خفي قبل هذا عما إذا كانت لدي أية بندقية أو مسدس أريد مبادلتهما بخيل أصيلة، فإنه كان يسره أن يفعل ذلك.

و لما لم يكن لدي أي مانع من زيادة عدد خيولي، بإضافة حصان كردي أصيل‏

38

إليها، بعثت ببندقية زائدة كانت عندي و مسدس ذي سبطانتين لأجل أن يتفحصها و يرى رأيه فيها. غير أنه قد تبين بأنه كان قد تنازل عن تلميحه الأول، و ربما كان السبب في ذلك أنه كان يأمل من قبل أن يجد البعض من هذه الأشياء طريقه إليه على شكل هدية، حيث إنه لم يوافق على مبادلتها بشي‏ء فأعيدت إليّ. و على هذا الأساس بعثت ببعض الحاجات الصغيرة التي كنت أعتقد أنها يمكن أن تحظى بالقبول عنده كهدية. فقبلت بتعارف و كلام لطيف.

لكن التناقص القليل الذي طرأ على الترحاب الذي قوبلت به هذا اليوم بي إلى الشك في ان آمال سموه لم تتحقق على الوجه المطلوب، فأعاقني ذلك عن تكرار الزيارة له.

و قد اضطررت اليوم أيضا إلى التعرض لإخفاق آخر من الإخفاقات المكدرة المذلة التي يتعرض لها الرحالون في البلاد القلقلة مثل هذه. فهناك على بعد عشرين إلى خمسة و عشرين ميلا من السليمانية سهل متسع ينتهي به الوادي‏ (1) الطويل الذي يستمد اسمه من اسم البلدة المشهورة فيه، و هو يحتوي كما يقال على بعض الآثار القديمة التي لم يرتادها إلا القليل من الأوروبيين حتى الآن. و من الأشياء الأخرى التي تعطي الأهمية لهذا السهل انه يحتوي على موقع مدينة كان يسميها الأقدمون سيازورس‏Siazurus ، و تعرف أطلالها حتى اليوم عند الأهلين باسم شهرزور. و لا بد أن يتبين لك في الحال من تقارب هذين الاسمين مقدار اللذة التي يشعر بها المختصون عند البحث فيه. و لو لم يدع الواجب صديقي ماكنيل للعودة إلى انكلترة، فقد كنت آمل ان آتي به إلى مثل هذا المكان البعيد و أنقب معه عن آثار شهرزور القديمة.

و لكني حينما أحبط ذلك المشروع و عدته هو و وعدت نفسي أن أذهب إلى هناك بنفسي و أقف على ما يمكن أن أجده أو أعثر عليه. و عند وصولي إلى هنا قدمت طلبا إلى الباشا ليأذن لي بالسفر إلى هذا الموقع و يزودني بدليل يساعدني على زيارة هذا الجزء من بلاده. فلم يصدر منه أي اعتراض بادى‏ء ذي بدء سوى بعض الملاحظات التي أبداها بعدم وجود شي‏ء هناك غير بعض القمم و التلال‏

____________

(1) لا شك أنه يقصد وادي شهرزور.

39

الملأى بكسر الفخار و الآجر، و بعدم وجود أبنية أو صخور منحوتة. لكنه أعترف أن التلال كبيرة جدّا، و ان هناك عدة مجموعات منها تقع كل منها على بعد غير يسير عن الأخرى. و لم تكن هذه الملاحظات لتثنيني عن رغبتي في مشاهدة المكان. و لذلك يمكنك أن تحكمي على مقدار ما أصابني من الكدر حين قال الباشا، عندما بعث الخادم ليأتيني بالدليل الذي كان سيأخذني لمشاهدة المكان، بأنه لا يمنعني من الذهاب إلى شهرزور و مشاهدتها إذا كنت مصرّا على ذلك لكنني إذا كنت سأقوم بتلك المحاولة فإنها ستكون مخالفة لرغبته و ما يشير به عليّ. فإنه يعتقد بأن المكان المذكور هو ملتقى اللصوص و الشقاة، و إذا ما حدث لا سمح اللّه شي‏ء لخيولي فإن شرفه هو سيمس بحادث ليس في مقدوره أن يمنعه أو يتلافاه. ثم قال انهم أكراد- بهائم- و من هو الذي يستطيع الاجابة على ما يمكن ان يفعلوه بدافع الاغراء بما ستراه أعينهم من الثروة الكبيرة التي يمكن أن تقع في قبضة أيديهم. و الخلاصة أنني كان يمكنني أن أذهب على مسؤوليتي أنا لا مسؤوليته.

و هذا توسع في الاعتراض تعرف أهميته في الشرق معرفة جيدة، و كثيرا ما ينتفع به في الظروف التي تكون فيها الغاية المنع عن القيام بشي‏ء من الظهور بمظهر المعارض فيه. و هو يضع المسؤولية على عاتق المغامر الذي يصر على ما يريد برغم التحذير المناسب و يبرى‏ء ساحة أولئك الذين يحذرونه من عواقب تسرعه- و هي العواقب التي يعلم المطلعون على الشخصية الشرقية تمام العلم انها يمكن بكثير من الاحتمال أن يعقدها عليه نفس الناس الذين يقدمون له الرأي فيها.

و لديّ أسباب تجعلني أشك في أن سبب إحجام الپاشا عن الموافقة على زيارتي لشهرزور هو الخوف الذي كان يساوره من أن هذه الزيارة قد يكون من شأنها أن تدحض جهوده في الظهور بمظهر الفقير في نظر الرأي العام، و خاصة في نظر الحكومة الأذربيجانية. لأن تلك المنطقة على ما يقال من أغنى المناطق في پاشويته، و ربما كان هو يفكر بأن غريبا مثلي يستطيع أن يخبر الجهات المعنية بالأمر عن مقدار الغنى الموجود فيها. و على كل فإنني بعد أن‏

40

جربت كل وسيلة للتأثير على رأي الپاشا في هذا الشأن، و حتى بعد أن طلبت ذلك بواسطة قائد الجند الإيراني المرابط هناك- و هو بحكم الضرورة ذو تأثير كبير، و كان يضحك على جميع الاعتراضات التي أثيرت ضد الرحلة- قد اضطررت إلى ترك المشروع و التخلي عنه، و قد كان الپاشا يصر على ان المجازفة عظيمة، و أنه لا يسعه ان يسمح بالمحاولة، و لذلك أكرهت على التخلي عن المجازفة بالذهاب إلى شهرزور ليقوم بها بطل أكثر حظّا مني. و قد سمعت بعد ذلك ان الپاشا كان محقّا إلى مدى غير يسير، لأن المكان في مثل هذا الموسم يكون غاصّا باللصوص الذين يتقاطرون إليه من الأصقاع الجبلية في كرمنشاه و همذان و أردلان، و لذلك كانت حادثة النهب أو اللصوصية حينما تقع يصعب اكتشاف الفاعلين و إنزال العقاب بهم.

و في خلال الحديث لم أسمع سوى قليل من التفصيلات الأخرى عن شهرزور، و ها إني ألخصها على الوجه الآتي: تحد السهل من الشرق و الجنوب جبال شاهقة كثيرة الوعورة، و هو يحتوي على مواقع و أطلال خمس أو ست من المدن أو البلدان القديمة. و تسمى إحداها القلعة، و هي عبارة عن تل كبير عال. و هناك بعد هذا ياسين تپة و كولعنبر، و عربت، و خرابة، و غير ذلك. و قد أخبرني شخص أو شخصان أن أحجارا ذات حجم كبير تحمل كتابات يعتقد انها مكتوبة بالحروف الأوروپية (اليونانية) تستخرج أحيانا عند الحفر في هذه السهول. و هم يقولون ان أحد الباليوزات‏ (1) من تبريز وجد حينما كان في طريقه إلى بغداد حجرا من هذه الاحجار في عربت. و سمعت كذلك ان حجرا آخر من هذا النوع عثر عليه أثناء الحفر في بردكر، و هي قرية تقع في أسفل الجبال الجنوبية الشرقية التي تحيط بالوادي. و قد حدثني أحد الشيوخ عن «بودخانة»، أو معبد للصور، وجد في إحدى جهات السهل و كان فيه حجر مغطى بالأحرف التي لم يستطع أحد حل رموزها في هذه البلاد.

____________

(1) الباليوز كلمة إيطالية الأصل، استعملت في أيام الحكم العثماني لتدل على معنى القنصل الأوروبي في البلاد التركية. و قد كانت تطلق على المقيم البريطاني في بغداد على الأخص.

41

و على هذا يبدو ان هذه المنطقة قد تصبح ذات يوم منجما للعاديات غير المستكشفة. و المقول ان السهل بإجماعه مغطى ببقايا الأبنية القديمة، و لكن من النادر ان يوجد فيها شي‏ء غير الآجر و الفخار و ما اشبه.

و في هذا اليوم أيضا جرت لي مقابلة مع محمد خان «سرتيپ» (1) أو قائد القوات الإيرانية في السليمانية، و هذه القوة تتألف من أربعمئة رجل و ثمانين مدفعيّا مع خمسة مدافع عادية و مدفعي هاون. و لا شك انها قيادة صغيرة لكنها كافية تمام الكفاية لواجب ابتلاع البلاد و النهب حينما لا يستطيعون الحصول على ما يكفيهم بالطرق الأخرى. و الحقيقة ان أي جزء من ايران أو البلاد المجاورة لها ليس في مقدوره بحالته الحاضرة ان يقوم بأعباء جيش فعال و يقيته. و يحاول الأمير في كرمنشاه الإبقاء على هذه الولاية تابعة لإيران في وجه پاشا بغداد الذي تتبع لحكومته في العادة، و حينما يحاول تحقيق ذلك بأقل ما يمكن من الكلفة و المصاريف لحكومته هو يقوم بتخريب ممتلكاته. على أن محمد خان بصرف النظر عن الجهة التي تؤخذ منها مصاريفه، كان بطلا أهلا للحفاظ على سطوة سيده ضد العالم أجمع! فإنك إذا ما أعطيته الوسائل و الإذن اللازم يستطيع أن يبيد المير في راوندوز، و يحبس پاشا بغداد في داخل حدوده‏

____________

(1) سرتيپ كلمة فارسية تعني في الوقت الحاضر رتبة في الجيش بدرجة رئيس أول. و قد ورد اسم سرتيپ محمد خان هذا في تقرير الفريق درويش باشا المعين لتعيين الحدود بين إيران و الدولة العثمانية من قبل السلطان في حوالي سنة (1260) للهجرة (طبعت التقرير وزارة الخارجية العراقية سنة 1953 م). فهو يقول في البند رقم 58 حول طوائف عشيرة البلباس: «.. و قد أرسل محمد باشا (المير محمد) قوة عسكرية إلى كويسنجق و استولى عليها ... و لم يستحسن المرحوم علي باشا (المقصود علي رضا باشا) والي بغداد هذه الحركة فأرسل قوة مسلحة تحت قيادة سليمان باشا متصرف السليمانية لمحاربة محمد باشا ... و لم يتمكن سليمان من القيام بأي عمل حازم و طلب نجدات من إيران و أرسل الإيرانيون سرتيپ محمد خان من تبريز مع قوة كافية و جرت معركة شديدة في قلعة دربند ... فطلب محمد باشا الصلح فوافق الباشا الموما إليه على ترك ثمانية قرى من كويسنجق إلى السليمانية ..».

42

ما بين النهرين. حيث إن بثلاثمئة «سرباز» (1) فقط و نصف هذا العدد من الخيالة استطاع ان يكتسح كرميان، أو البلاد الواطئة، على حد قوله، من الموصل إلى خانقين و من كرمنشاه إلى ما يقرب من أبواب بغداد. و لم يتوقف عن القيام بشي‏ء هائل جدّا في الحقيقة لو لم يعمد الپاشا إلى اتحافه بهدايا ثمينة و تقديم الكثير من العتاب و الاعتذارات السلمية. و الحق ان سرتيپ خان ينتمي إلى طبقة من الإيرانيين كثيرة العدد جدّا، أجاد في وصف أمثالهم موريير، و هم أشد المتبجحين ضلالا في الطبيعة و مع ذلك لا تعوزهم الشجاعة مثل المتبجحين في معظم البلاد الأخرى. و بينما كنت أستمع إلى قصص الخان عن مآثره- و مقدار الثناء الذي كان قد حصل عليه من ملك الملوك و المقابلة (خلوت) التي حظي بها بالمثول بين يدي جلالته- و عن الخطابات الطويلة التي كان يلقيها الأمير المالك، و الوعد الذي وعده به سموه بسيف مطعم بالذهب- و عن تذمراته المرة من عدم التقدير الذي تقابل به مزاياه، فلا يدفع له الأجر الكافي و لا المخصصات اللازمة، و لا يتمتع بالإجازات الضرورية لزيارة أسرته (التي فارقها منذ خمس سنوات) بل يؤمر بالعكس بالتوجه إلى هنا و هناك في حملات أخرى لأنه لا يمكن لأحد غير محمد خان ان يقوم بالعمل على أحسن وجه، و بكلمة أفضى عن تذمره من الحقيقة الجلية بأن الحكومة كانت تعلم أي خادم صالح هو السرتيپ خان و لكنها لم تكن تعرف كيف تستفيد منه- أقول بينما كنت أستمع إلى كل هذا تعلمت الكثير مما هو مهم و طريف، الكثير مما كنت أرغب في الوقوف عليه بشأن البلاد وعدوها پاشا راوندوز (2)، و حصلت على الكثير من التسلية كذلك. هذا علاوة على انني قد أرضيت على ما أعتقد الخان النزيه الذي هو في الحقيقة رجل صادق مخلص، يتناول كأسه كأي فرد منا.

____________

(1) سرباز كلمة فارسية تعني الجندي الراجل أو المنتمي إلى المشاة.

(2) هو كور محمد باشا- المير محمد- المار ذكره في الرسالة الأولى.

43

أول تشرين الثاني‏

زالة (1) قرية كردية متواضعة تتألف من ستة أو ثمانية دور. أكتب إليك يا عزيزتي من هذه الحفرة الشقية التعيسة لأنني قد توفرت لي ساعة من الزمن، و ليس لأن عندي شي‏ء مهم أكتبه. فقد غادرت السليمانية يوم أمس في حوالي الحادية عشرة قبل الظهر، بعد أن بقيت أنتظر و الحيوانات محملة و الخيول مسرجة من السابعة صباحا. لأن الپاشا لم يف بالوعد الذي كان قد قطعه لي بتخصيص دليل يأخذني في الطريق إلى بغداد. فالرجال العظام يأخذهم النسيان فيذهبون إلى النوم، و لا يتجاسر أحد على إيقاظ سموه. و لذلك جلست في عدتي أضرب بمهمازي و استشيط غيظا حتى حلت الساعة المعتادة التي يخرج فيها سموه من مخدعه، فقال لخادمي ان أشغالي قد غابت عن ذاكرته! و على هذه الشاكلة يؤدي طيش العظيم إلى إتعاب الصغير و خسارته في بعض الأحيان. و قد كان للمسكين شي‏ء من العذر، لأن شؤونه الخاصة كانت تربكه.

فقد اكتشفت بعد ذلك انه كان في اليوم الذي استأذنته بالسفر قد ترأس جلسة سرية مشوشة مع أغواته، عقدت للمناقشة في كيفية تزويد ثلة من الجند الإيراني ببعض الضروريات التي كانت تبلغ تكاليفها حوالي مئتي تومان- فلم يستطيعوا على ما قيل جمع هذا المبلغ من السليمانية و ربما كان هذا ينطوي على جزء من البرودة التي كنت أعتقد انها كانت بادية في تصرف الپاشا تجاهي في تلك الحادثة.

و حينما حضر الدليل كان دليلا جيدا مناسبا، كما كانت التعليمات التي زود بها دقيقة جدّا بالنسبة لما يختص براحتي و سلامتي. فقد كان عليه أن يوصلني إلى كفري و يكون مسؤولا عن سلامتي بقطع رأسه، تبعا للطريقة الشرقية في هذا الشأن. فبهذا الشكل تكتب الرسائل التي يزود بها السياح على سبيل التقديم من الأمراء إلى حكام الأماكن الواقعة في طريقهم، أو التعليمات‏

____________

(1) تقع اليوم في ناحية شيروانة التابعة لقضاء كفري، و يسكنها قسم من قبائل الجاف و لا سيما الروغزادي و الشاطري.

44

التي تعطى للأدلاء الذين يأخذونهم إلى حيث يريدون. و هكذا فإن عبد الله‏ (1) خان حينما كتب عني إلى أخيه صمد خان في سرادشت و سائر رؤساء القرى كان يرغب في أن أبعث في الطرق الواقعة داخل حدود المناطق التي يشملها حكمهم بسلامة و شرف، و أن يفهم بأن أية قطرة من الدم قد تسيل من أحد خيولي يكون جزاؤها خمسة آلاف تومان.

3 تشرين الثاني‏

و بدلالة عول خضر أغا غادرنا السليمانية في حوالي الساعة الحادية عشرة، و بعد أن اجتزنا السهل تسلقنا الجبال الغربية التي تحيط بالوادي الطويل المسمى باسمها، الذي ربما يبلغ إذا ما أضيف إليه سهل شهرزور سبعين إلى ثمانين ميلا في الطول. و من قمة الممر كان يمكن للعين أن تشرف على بلاد تنفرد في غناها، و تنحصر بين السلسلة التي كنا نقف فوقها، و على قمة بارزة الشموخ تقع على مسافة غير يسيرة منا و تكون في الحقيقة الحدود الفاصلة بين البلاد المرتفعة و المنخفضة. و قد كان عليّ في الحقيقة أن أسمي الأراضي التي تقع بيننا و بينها واديا لأنها كانت أخفض من الجبال المحيطة بها، لكنها كانت حقّا كتلة من أشد الجبال و الوهاد و عورة تزينها هنا و هناك شجيرات البلوط و الجوز المثمر في الأماكن التي كانت تقوم فيها القرى في يوم من الأيام، و الكروم و شجيرات الرمان و السماق التي لا تزال تنمو نموّا سريعا كثّا.

و لقد شققنا طريقنا عبر هذه البلاد الوعرة الصعبة إلى قرية كرداة التي كان من نصيبنا أن نقضي فيها ليلتنا في ذلك اليوم. فقوبلنا بكل أمارات الضيافة فيها بتأثير من أوامر الپاشا لكننا بلغنا بأن نكون على حذر تام من اللصوص الذين قيل عنهم على الأخص أنهم كثيرون نشطون فيها. و من صفات هذه القرية أن المئة و الخمسين إلى المئتي بيت التي تتكون منها يعود ما لا يقل عن ثلثها إلى سكانها اليهود. و قد ألفيت الأكراد و اليهود هنا يمتزجون امتزاجا حسنا فيما بينهم.

____________

(1) لا بد أن يكون عبد الله خان هذا من رجال الباشا في السليمانية.

45

و في هذا اليوم وجدنا على مسافة غير بعيدة من البلدة بركة جميلة غزيرة المياه تنبع من الأرض و تتصف، كما أكد لنا الناس، بخاصية الإبراء من الأمراض. و قد كان منبعها الأصلي محاطا بسد من الحجر، كما كان في الماء المنحصر على هذه الشاكلة عدد من الأسماك التي كانت تسبح و تتحرك غير عابئة بأحد لأن الناس لم يكونوا يتعرضون لها. على أن الجنود الروس الذين بعثوا إلى هنا من أذربيجان كانوا قد عملوا على اصطيادها و تقليل عددها برغم الإنذار بالموت الذي كان يصدر من الناس تجاه هذه الإساءة المدنسة للقدسية. فزعم أن بعض الذين أكلوا من هذا السمك قد ماتوا بنتيجة ذلك.

و قد تحدثت في هذا اليوم مع دليلنا في موضوع النذركاهات (أماكن النذور)، فكان تفسيره لها بسيطا. إذ قال لي «إن الشخص المريض حينما يرى في الحلم أحدا من الأئمة أو الرجال الصالحين يظهر في بقعة خاصة فإنه يعمر تلك البقعة، و حينما ينال مراده الذي كان ينتظره يبادر إلى تخليد المكان بمثل هذه الأكوام من الحجارة التي كثيرا ما نراها في طريقنا اعترافا منه بالجميل و إرشادا للآخرين عن هذه البقعة المقدسة. فيؤدي هذا إلى مجي‏ء المرضى الآخرين إليها و إضافة أحجار أخرى فوقها، و بمرور الوقت تصبح الأكوام عديدة و كبيرة. و كثيرا ما يشد الذين انتفعوا بهذه الوسيلة قطعا من ملابسهم كذلك في الشجيرات المحيطة بتلك البقع كما ترى». و هو يقول أيضا إن قبور العظماء من الرجال، أو الذين يقتلهم اللصوص أو يقتلون خيانة، لا توضع فوقها هذه العلامات، و لا تلقى مثل هذا النوع من الاحترام و التوقير. لكن عمودا يحمل علما في أعلاه قد يرفع أحيانا، أو قد توضع بقربه علامة غير هذه لتدل المسلمين الصالحين على المكان الذي يجب أن يترحموا فيه على الموتى.

و قد تحركنا في السابعة من صباح اليوم الثاني. فمررنا في طريقنا بمواقع عدد من القرى المهجورة التي كانت يوما ما تسبغ الحياة و الجمال على مرابعها و وديانها الصغيرة. لأن السكان قد هربوا عن هذه البلاد المنكودة الطالع و أخذوا معها ما كان فيها من سلم و ازدهار، فخلفوها فريسة للطغاة

46

و اللصوص. و في طريقنا هذا اليوم شاهدنا الكثير من آثار العنف و الضغينة، لأننا في مسافة لا تزيد على اثني عشر ميلا أبدلنا حراسنا و أدلاءنا مرتين. إذ لا يجرأ سكان القرية الواحدة على الدخول في حدود القرية الأخرى. و قد قص علينا دليلنا عول خضر أغا قصة طريفة في هذا الشأن، و هي أن قبيلة الهماوند التي تشغل بعض الأراضي القريبة من هذه المنطقة، و التي أكد لي أنها لا تزيد في عددها على الخمسمئة أو الستمئة أسرة، قد جعلت من نفسها عشيرة قوية تجاه عشيرة أخرى هي عشيرة الجاف‏ (1) التي تعد بين عشرة آلاف و اثني عشر

____________

(1) و الجاف عشيرة كبيرة من العشائر الكردية التي تتألف من أناس مقيمين في مختلف القرى و الأرياف التي تمتد من لواءي كركوك و السليمانية في العراق إلى منطقة جوانرورد في داخل الحدود الإيرانية، و من قبائل رحل يتجولون في ضمن المنطقة هذه أيضا. و تتألف العشيرة من قبائل عدة تنتشر في جهتي الحدود العراقية- الإيرانية. و ليست هناك رئاسة خاصة للعشيرة كلها و إنما يترأس كل قبيلة من القبائل المنضوية تحت لوائها رئيس من أسرة الإمارة المعروفة عندها و هي أسرة ظاهر بك.

أو (زاير) بالكردية، الذي يرجع بنسبه إلى بيرخضر شاهو الجد الأعلى الذي قدم من إيران (منطقة جوانرود). و هو رجل من السادة الهاشميين. كانت له رئاسة دينية في بادئ الأمر. و قد تفرعت الإمارة إلى ثلاثة فروع: (1) بهرام بيكيه (2) كيخسرو بيكيه (3) ولد بكيه. و قد لعبت قبائل الجاف بوضعها هذا دورا فعالا في الخصومات التي احتدمت بين العثمانيين و الإيرانيين حول الحدود و المطامع الإقليمية. و استفاد من ذلك على الأخص أمراء البابانيين الذين كانوا يتناحرون على الحكم في المنطقة.

و قد اقتضت الأحوال السياسية أخيرا أن تنقسم قبائل الجاف إلى جمهرتين أو مجموعتين: (1) جاف العراق أو جاف مرادي و (2) جاف إيران أو جاف جوانرودي. و تسكن قبائل الجاف العراقية في ناحية شيروانة التابعة لقضاء كفري.

و منطقة شهرزور التابعة لقضاء حلبجة في لواء السليمانية. و من أشهرها قبائل الميكايلي و الروغزادي و الطرخاني و الشاطري و الهاروني و الصداني و البوداخي و اليزدان بخشي و النجم الديني و الكلالي و غير ذلك.

أما الهماوند فهم من القبائل الكردية المعروفة بالشجاعة و البسالة. و يقيمون في منطفتي جمجمال و بازيان اللتين يمر منهما طريق كركوك- السليمانية الرئيس في-

47

ألف بيت أو خيمة بحيث لم يعد بوسع أي رجل من الجاف أن يتعدى إلى تخومها لأنه إذا ما فعل ذلك سرعان ما يقتل بدم بارد. بينما يركب الهماوند بجماعات تعد الواحدة منها عشرين أو ثلاثين خيالا فيذهبون إلى الجاف و ينهبون بيوتهم. لكنني أعتقد أن قوله هذا فيه شي‏ء من المبالغة، لأن الجاف يستطيعون أن يقدموا إلى الپاشا ألف خيال مقتدر في وقت الحاجة. و هم يقطنون في الغالب منطقة شهرزور، لكنهم ينتشرون أيضا على طول خط الحدود. هذا و قد اغتنم أحد أولئك التعساء من الجاف فرصة مرور قافلتنا فحمل نبالته و وجاهته سالمة إلى خارج المناطق الخطرة.

و قد تم آخر تبديل لحراسنا في جعفران بالقرب من سفح ممر سكرمة، إحدى بوابات كردستان الكبيرة في هذه الاصقاع. و لما كان قد رافقنا من هناك اثنان من الخبثاء الجريئين الشبيهين باللصوص فقد علق دليلنا عليهما بقوله إنهما يعدان بعشرين فارسا. ثم استطرد قائلا: «إن اللصوص يخشونهما و لا يجرأون على مهاجمتنا بوجودهما، لكننا يجب علينا أن نكون حذرين على كل حال، و لتكن حيوانات الحمل غير متباعدة، و نحن سنكلف أحد هذين بأن يسير في المقدمة.» فجد رفاقي في السير بعد أن صدر لهم مثل هذا الإنذار، و هم الذين يلجأون في كثير من الأحيان إلى حيلة التلكؤ و التباطؤ الخبيثة، حتى وصلنا إلى شدقي الممر بالسرعة اللازمة.

فوقفنا هنا وقفة قصيرة، لكنني سررت لذلك لأنها مكنتني من أخذ رسم‏

____________

- الوقت الحاضر، و لا تعد قبيلة الهماوند من القبائل الكبيرة. و يعتقد بعض المؤرخين أنهم في الحقيقة تفرعوا عن عشيرة الجاف الأصلية. و قد جاء في كتاب (عشائر العراق الكردية) أن لغتهم لا تختلف عن لغة الجاف، لكنها تختلف عن لغة أهل السليمانية و أطرافها المعروفة بلغة الكرمانج. و من وقائعهم المعروفة في تاريخ العراق الحديث مناوأتهم لباشوية بغداد و اضطرار الوالي عمر باشا سردار أكرم إلى تأديبهم بقسوة و التنكيل بهم فأدى ذلك إلى عزله. و لهم موقعة معروفة مع الجاف جرت في مكان يقع بين جمجمال و السليمانية يسمى (كرده لربويه) قتل فيها ابن كيخسرو بك الجاف.

48

تخطيطي سريع لهذه البوابة الطبيعية الفريدة، التي يسميها الأهلون تسمية في محلها فيطلقون عليها اسم «دربند». و قد استغرق صعودنا ساعة و نصف، و في النهاية وقفنا فوق القمة متطلعين من الخلف إلى البلاد الجبلية الموحشة التي اجتزناها. أما من الجهة الأخرى فقد كانت تمتد الأصقاع المنخفضة التي بقي علينا أن نجتازها قبل أن يكون بوسعنا الوصول إلى عاصمة الخلفاء العتيدة.

أقول الأصقاع المنخفضة لا المستوية، لأن البلاد التي صارت تمتد أمام أعيننا الآن كانت بعيدة كل البعد عن الاستواء على كونها من حيث الارتفاع النسبي أوطأ بكثير من المناطق التي خلفناها وراءنا. فقد كانت تقوم أمامنا قمم واطئة من التلال الجرداء المعتمة التي كانت تمتد امتدادا متسلسلا حالت كثافة الجو دون اكتشافنا لنهايته. أما الفسح التي كانت تتخلل تلك القمم فقد كانت تتقاطع معها على نفس النمط سلسلة من الروابي و الآكام الصغيرة. فكان المنظر العام بذلك مقفرا و معتما. و مع هذا فقد كانت هذه بلاد الآشوريين الأصلية، مهد الامبراطوريات الجبارة، و منبت الملوك العظام في الأزمنة الغابرة. و لم يكن يدور في خلد أحد أن هذه المفازة الصخرية الجرداء كانت بلاد سميراميس العظيمة، أو سارداناپولس‏ (1) المترف. على انها قد تكون الموطن اللائق ل «نمرود الصياد الجبار».

فأدت بنا نزلة صخرية مخفية، و مسافة عدة أميال قطعناها في البلاد المنخفضة التي أتيت على وصفها، إلى هذا المكان المسمى زالة، إنها مكان بسيط جدّا كما بينت من قبل، و الحقيقة أنني لم أر أسوأ من هذا المكان للمبيت.

و قد أزعجنا في هذا المكان، و في المنزل الذي نزلنا فيه الليلة الماضية، ما نشب من خصام بين مهمندارنا (2) و أهالي القريتين حول الشعير و التبن الذي‏

____________

(1) سميراميس هي ملكة آشور الأسطورية قريبة الإلهة عشتار، أما ساردانا بولس فهو أشور بانيبال الملك الآشوري ابن أسر حدون و قد ورد ذكره في الإنجيل باسم اسنابر.

(2) مهمندار كلمة فارسية بمعنى الرجل الذي يتولى شؤون الضيوف.

49

كان يجب أن يقدم لخيولنا، و الطعام لنا. فقد أشرت أكثر من مرة قبل هذا إلى العادة الشائعة في هذه البلاد، بأن المرموقين من الأجانب و الأشخاص الموصى بهم من الأصدقاء أو السلطات الحاكمة يعتبرون ضيوفا عامين و ليس مختصين بشخص دون آخر، و هم و الحالة هذه يزودون بالطعام و المنام على حساب الحكومة الاسمي أو الخانات و حكام الأماكن الواقعة على طريقهم.

و هذا امتياز تعد مساوئه أكثر من فوائده. فمن الطبيعي أن السائح من دونه لا تتهيأ له الفرصة للاتصال بالطبقات العليا من الناس، و قد يمر بالبلاد من دون أن يتسنى له الاطلاع على أي شي‏ء من عاداتهم و أحوالهم. لكنه في كثير من الأحيان يصبح قيدا يعيق تحرك السائح و ترتيباته، لأنه لا يستطيع اتخاذ ما يلزم للبقاء في بعض الأماكن أو التوجه إلى أخرى من دون مساعدة مضيفه و موافقته عليها. و قد تكون آراء المضيف نفسه مختلفة عن آراء ضيفه، أو مؤديه إلى الحيلولة دون تحقيق أعز رغباته عليه.

و في هذه الحالة، كنت أنا ضيفا على الپاشا في السليمانية. و تتطلب الأصول المتبعة في هذا الشان أن أستمر على كوني ضيفا ما دمت موجودا في بلاده. غير أنه لما كان هذا يعد شيئا باهظا في تكاليفه فقد حملت القرى التابعة له على تحمل النفقات، و حتى لو كانت هذه النفقات تقيد على حسابه من قبل خدامه فإن القرويين المساكين كانوا لا يستفيدون شيئا من ذلك لأن الخدام يستفيدون منها هم أنفسهم و يلقون العب‏ء على القرويين على كل حال. أما ما حدث في الليلة الماضية، فبعد كل ما فعله دليلنا عول خضر أغا لم يأت القرويون بالمقدار الكافي من العلف لخيولي، و لذلك أخبرت خدامي الخاصين بشرائه على حسابي أنا. و لا أدري إذا كانوا قد فعلوا ذلك أم لا، لكنني دفعت المبلغ المطلوب. و في هذه الليلة انتشر في القرية النحيب و العويل- فقد حرمت نساء الأسر الخمس أو الست التي تتألف منها القرية من ذخيرتها الشحيحة من الحبوب، و جاءت إحداهن إلى حيث كنت أمكث معولة مولولة لتسترجع دجاجتها الوحيدة التي كانت قد أخذت منها قسرا ليدخل ريشها في تكوين مخدتي، فاستعادتها حينما كانت السكين تهم بذبحها.

50

و ببضع بنسات أمكن الحصول على دجاجة أخرى، غير أن المهمندار تدخل في الأمر لأن شرفه وضع على المحك حيث إنه كان مسؤولا عن إعاشتي مجانا من جميع الوجوه، عدا الريح الذي كان ينتظره لنفسه، و لذلك استرجع الدراهم قسرا من العجوز صاحبة الدجاجة و أعادها إليّ. و قد بدأت، محاولات عدة لتسوية المشاكل بشراء ما كنا نحتاجه، لكن الدراهم و إن كانت تقدم بصورة سرية فإن الناس كانوا يخشون المهمندار بحيث يأبون تسلمها. و أخيرا، فبعد أن تم اعتصار كل ما يمكن استخراجه كانت الطريقة الوحيدة التي كان يترتب عليّ اتباعها لتحاشي لعنات المجتمع المنهوب هو أن أبعث أحد الخدم سرّا خلال الليل إلى دور المتضررين فأدفع لهم قيمة ما كان يؤخذ منهم مع إضافة قليلة. و كنت أعتمد في ذلك على نزاهة خادمي- و هو اعتماد قد يكون في غير محله بلا شك. لكنني لم يكن لدي وجه آخر للاختيار، و أعتقد أنه لا بد أن يكون قد نفذ ما كنت أعتمد عليه فيه جزئيّا على كل حال لأن معظم الناس جاءوا، حينما كنت أهم بالركوب في صباح اليوم الثاني، يودعونني بوداع حار و تمنيات طيبة.

كفري 4 تشرين الثاني‏

و من زالة، المكان الذي أرخت به كتابي الأخير، أوصلتني مسيرة اثنين و عشرين أو أربعة و عشرين ميلا إلى إبراهيم خانجي إحدى القرى الكردية التابعة لرئيس من رؤساء الكرد، حيث كنا سنقضي ليلتنا. و قد أدت بنا الأميال الخمسة أو الستة الأولى من طريقنا إلى بقعة صخرية فريدة لم أر مثلها قط.

لكن مقدار العشب الذي نبت برغم ذلك في الربيع و الصيف كان شيئا مدهشا.

فلا يزال قسم منه نابتا حتى الآن، بينما ترك القسم الأعظم منه بعد أن أشعلت فيه النار فسحا كبيرة من سطح الأرض و هي سوداء، مرقطة بالأحجار الرمادية.

ثم صعدنا بعد ذلك جبلا كثير الصخور يعلو إلى ارتفاع غير يسير، و هو آخر موقع ذي أهمية يحجز بيننا و بين دجلة. و قد كان أجرد من كل شي‏ء عدا بعض العشب، لكن شجرة عظيمة من أشجار البلوط كانت تنشر ظلها فوق‏

51

قمته، و هي لا بد أن تكون آخر ما بقي من غابة كانت تغطي هذه الجهات بأجمعها في يوم من الأيام. و هذه الشجرة مدينة في بقائها لتقليد من التقاليد لا يمكنني تفسيره- إذ ربما يكون أساسه قد ضاع بمرور الزمن. لأن جل ما يمكن معرفته اليوم في هذا الشأن هو أن المسافرين الذين يأوون إلى ظلها بعد صعود متعب سرعان ما يزول عنهم التعب و تدب فيهم القوة لمتابعة المسير. و قد كانت محاطة بجدار من حجر، و يطلق عليها «دور المنده».

و على بعد عدة أميال من الممر الصخري الذي نزلنا هذا الجبل منه وقفنا لنتناول فطورنا في قرية كردية حقيرة تسمى جان ريز، حيث يسكن سليم أغا رئيس أكراد الدلو (1) من فروع البابوات في السليمانية. و حينما أشرفنا على القرية لا حظنا وجود رماح و خيول مسرجة، ثم وجدنا عند وصولنا أن البك كان يعد العدة للخروج إلى الصيد لأنه كان محاطا برجال الحاشية المجهزين للركوب، و الذين كانوا يمسكون عددا من كلاب الصيد (السلق) بأربطتها، و يحملون فوق قبضات أيديهم الصقور الملفوفة رؤوسها بالغماء.

و قد حصلت لنا كلمة قالها الدليل، الذي تقدمنا بعدة ياردات، على ترحيب معهم بالمجاملة من هذا الرئيس الذي كان شخصا محبوب المظهر، يتجاوز منتصف العمر، بلحية يختلط فيها الشيب و تقاسيم تدل على قوة معتدلة.

ثم استنكر الاعتذار الذي تقدمت به عن تطفلنا عليه و اعتراض سبيل خروجه إلى الصيد. و حلف برأس الپاشا و عيونه هو بأنه يرحب بنا ألف مرة لا مرة واحدة.

على أنه تأسف لأن معدات الراحة عنده غير كافية، و طعامه غير مناسب بحيث إنه يخجل من الاحتفاء بنا بهذه الوسائل. حيث قال «لكننا نحن الأكراد أناس خشن نعيش في السهول و الجبال و ليس عندنا في أي وقت من الأوقات ما نفاخر به، و الآن فإن القليل الذي كان عندنا قد زال- فنحن ما بين أمير أو پاشا ننشد

____________

(1) جاء في النص 171 من كتاب العشائر العراقية (ج 2) أن الدلو يسكنون في أنحاء كفري و أنحاء خانقين ... و منهم بيت البيرقدار، كان رئيسهم يحمل بيرق البابان و الآن هذا البيت في أنحاء الصلاحية (كفري).

52

رغيف الخبز.» ثم مضى يقول هو يأخذ قطعة من الخبز الأسود الذي وضع بين أيدينا على الصينية مع شي‏ء من اللبن «انظر ماذا نأكل، فنحن و خيولنا نقتات على الشي‏ء نفسه. لقد كان بوسعنا من قبل أن نقدم لضيفنا رغيفا من خبز القمح، لكن ذلك العهد قد انتهى و علينا أن نقنع الآن بالرخيص».

و استطرد بعد ذلك يقول في نفس الموضوع الذي كنت أحاول إخراجه منه بأسئلة أوجهها له، أو بعلامات الاقتناع و العطف «فقد كنا نحن الأكراد في زمن من الأزمان جنودا أقوياء، و لم نكن نفكر بغير الركوب و التدرب على الحرب بالسيف و الرمح، و بالصيد و البزدرة، و ما أشبه من الألعاب. لأننا كان عندنا ما يكفي لمعيشتنا و كان فلاحونا يزرعون الأرض لنا، لكن كل رجل منا مضطر اليوم لأن يضع السيف و الرمح جانبا و ينصرف إلى «الجفت» (أي الثورين لسحب المحراث). و ما هو نفع الجندي يا سيدي حينما يأخذ بمباشرة المحراث؟ لكن الإيرانيين و الپاشا يتمادون في مطاليبهم كلها، فماذا تكون عاقبة ذلك- لا يبقى للفلاح سوى أن يلتجئ إلى الفرار و الذهاب إلى راوندوز و كرمنشاه أو الموصل أو أي مكان آخر بدلا من أن يبقى حيث لا يستطيع تحمل إخوانه- و لهذا تخلو البلاد من سكانها كما ترى.»

و قد كان البك كثير السؤال على الأخص عن الإنكليز و الروس مع أن جهله بالفريقين كان شديدا جدّا، فتركه و هو ممتن من زيارتي له على ما آمل.

لأنني بعد أن أشبعت رغبته بالبرهنة على قوة أسلحتي النارية، و خاصة مسدساتي الصغيرة التي كان يحتقرها إلى أن شاهد مفعولها و تأثيرها، قدمت له هدية من بعض المصنوعات الإنكليزية التي استأثرت بلبه إلى حد كبير، ثم افترقنا و نحن أحسن الأصدقاء.

فقلت لدليلنا عول خضر أغا حينما ابتعدنا «إن هذا الرجل المدني، هذا الأغا الذي استقبلنا بمثل هذا الاستقبال الحار، و رحب بنا مثل هذا الترحيب- لو فرضنا أننا لم تكن معنا أنت و لا أي دليل آخر من السليمانية، و التقينا به و بقافلته في البادية، فإنه لا أظنه كان سيتورع عن مهاجمتنا و سلبنا لو كان بوسعه أن يفعل ذلك؟» فأجاب و هو يضحك بمل‏ء شدقيه «أقسم برأس سليمان پاشا،

53

و برأسك يا سيدي أنك تعرف هذا الرجل كما أعرفه أنا على ما يبدو، و قد أصبت كبد الحقيقة. إن سليم أغا هو ابن بجدتها و الرجل المعد لهذا العمل. فهو عمل الحاجة يأكل الخبز معك باعتبارك ضيفا عنده و بعد أن يودعك بكلمات مثل «خوش أمدى و خدا حفيظ» يعمد إلى لف لحيته و تبديل لفته و يتنكر هو و رجاله بحيث لا تستطيع معرفتهم ثم يركب فيقطع الطريق عليك و يسلبك إلى حد العري ثم يتركك. إنه أشد الأوغاد شرّا في كردستان و أكثر الأوباش فقدا للضمير، إن هذا الرجل يا سيدي سلب النساء و تركهن عرايا هائمات في الصحراء.»

ثم سألته قائلا: «هل يعد هذا شيئا شائنا حتى في كردستان؟» فأجابني الدليل يقول: «إن هذا شائن عندنا بحيث إنني لا أعرف الكلمات المناسبة لوصفه. لكن سليم أغا هذا هو حيوان لا حياء له و لا شعور. فإن عنده تحت تصرفه حوالي أربعين أو خمسين خيالا، يستخدمهم في قطع الطريق بحيث يتعذر على القوافل و زوار كربلاء القادمين من إيران المرور منه. و هو يجرد جميع من يقبض عليهم من كل ما يملكون.» فسألته: «و لكن ماذا يقول الپاشا في كل هذا؟ ألا يعتبر الأغا من خدام سموه؟» «على وجه التأكيد» أجاب عول خضر أغا «و أن الپاشا لا بد أن يحرق أباه إذا فعل مثل هذه الأشياء، و لكن ماذا أقول يا سيدي؟ إن الپاشا عنده ما يكفي من المشاكل في بلده- إننا لا نحتفظ بالحاكم في منصبه مدة تكفي لأن يصبح قويّا بحيث يستطيع المحافظة على الهدوء التام و السكينة، و لذلك لا يسعنا سوى أن نبذل جهدنا على كل حال.

و لكن سليم أغا هذا أشد الأنذال خبثا، ألم يرك ذراعه يا سيدي؟ إننا نقول هنا بأن ذلك كان عقوبة من الله جوزي بها على صنيعه الشائن».

و بعد ذلك قلت له «حسنا و لكن رستم أغا الذي سنذهب إلى بيته هذه الليلة إن شاء اللّه، أي نوع من الرجال يمكن أن يكون؟ هلا يفعل مثل ما يفعله سليم أغا- ألا يسلبنا هو أيضا إذا تمكن من ذلك؟» فأجاب يقول «هناك شي‏ء من هذا القبيل في الحقيقة يا سيدي. إنه رئيس قبيلة الزنكنة (1)، و لكنه و للّه‏

____________

(1) جاء في النص 358 من كتاب الشرفنامة للبدليسي (حاشية المترجم الملا جميل-

54

الحمد من خدام سليمان پاشا. و مع هذا فإنه سيوصلك سالما إلى كفري إن شاء الله». فرددت عليه بقولي «إن شاء الله، إن شاء اللّه، و لكنني لا حظت من هذا كله أن كل رئيس من رؤساء الفروع القبلية هؤلاء يعمد إلى اللعب بنفس اللعبة في هذه البلاد». فأجاب «آه بارك اللّه سيدي، لقد قلت الحقيقة، و لكن هذا لم يكن كذلك دائما في أيام عبد الرحمن پاشا والد سليمان پاشا و محمود پاشا، فلم يكن يحدث في أيامه أي شي‏ء من هذا. فقد كان من الممكن لك أن تسير و الجواهر فوق رأسك و الذهب في يديك من أول الپاشوية إلى آخرها، أي من سرادشت إلى كفري و من كوي إلى بانه من دون أن يسألك أحد عن أي شي‏ء. إن الدنيا كانت هنا سلام عليكم، و عليكم السلام. و لكن النزاع بين الأخوين هو الذي جر الخراب على البلاد و أنزل بها البلايا. فمرة محمود و مرة سليمان من دون أن يبقى أحدهما أكثر من ثلاث سنوات. و بعد ذلك تدخل العجم لتسوية النزاع فأخذوا البلاد لأنفسهم و أكلوها هم و جيشهم.

ثم جاء على أثرهم الطاعون، و المجاعة، فعملا معا على استئصال شأفة الناس و إبقاء الأعداء لنا. و أصبح الحال بحيث إن السرقة حينما تقع يتهم بها كل فريق الفريق الآخر، أي خصمه. فخدام سليمان ينسبون انتهاك الحرمة لخدام محمود. بينما يرد خدام محمود عليهم بأن يعزوها إلى رجال سليمان. أما الحقيقة فهي أن الپاشا لم تبق له لديه القوة اللازمة لمعاقبة من يجده مذنبا أو يقترف خطأ، و لا للسيطرة على من تحدثه نفسه بالشر، لأن الإيرانيين يلتهمون كل شي‏ء يمكن ان يقع في قبضة أيديهم و بذلك يضطر الرجال النزهاء إلى الهرب فتبقى البلاد للصوص».

و لم يكن هناك ما يقال ضد هذا الكلام الصريح الصحيح، و لذلك غذذنا السير إلى قرية إبراهيم خانچي‏ (1).

____________

- روزبياني): و تقطن هذه العشيرة اليوم منطقة زنكنة المعروفة باسمها في ناحية قادر كرم، و يبلغ عدد أسرها (800) أسرة يقطنون 45 قرية تقريبا. و كان رئيسها عام 1834 م رستم أغا و اليوم عبد الكريم و آخرون.

(1) و هي مركز عشيرة الزنكنة.