رحلة في الجزيرة العربية الوسطى

- شارل هوبير المزيد...
166 /
5

[المدخل‏]

6

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

7

صورة شارل هوبير بالثياب العربية

8

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

9

مقدمة الناشر

هذا الكتاب هو أول ترجمة عربية لرحلة شارل هوبير (1837- 1884) الاستشكافية الأولى إلى مناطق شمال شبه الجزيرة و ذلك خلال السنوات 1878- 1882 حيث عثر على أبرز اكتشاف أثري في المنطقة هو حجر تيماء.

نشرت تفاصيل هذه الرحلة التي بدأها هوبير من البصرة في 14 أيّار 1878 في نشرة الجمعية الجغرافية الفرنسية سنة 1884، أثر مصرعه بالقرب من بلدة العلا في 29 تموز من العام نفسه على يد دليله ابن شميلان من شيوخ قبيلة هيثم.

أعقب هوبير هذه الرحلة برحلة ثانية الى المنطقة بدأها في حزيران 1883 بهدف تأمين نقل حجر تيماء الى فرنسا، و لمواصلة أبحاثه الأثرية و وضع خرائط للمنطقة بتكليف من الجمعية الجغرافية الفرنسية، و الجمعية الآسيوية و وزارة الإرشاد العام الفرنسية. و خلال الرحلتين أقام هوبير علاقات جيدة مع حاكم المنطقة محمد بن الرشيد، و تبادل معه الهدايا و السيوف، و بدوره قام ابن الرشيد بتأمين حراس و أدلّاء لمساعدة هوبير خلال تجواله.

و بعد مرور سبع سنوات على مصرع هوبير، صدر في باريس سنة 1891، كتاب بعنوان «يوميات رحلة في شبه الجزيرة العربية 1883- 1884» تضمن كتابات هوبير خلال رحلته الثانية، و التي كان أودع قسما منها لدى القنصلية الفرنسية في جدة قبل بضعة أيام من مصرعه. و كانت الكتابات عبارة عن خمسة دفاتر صغيرة الحجم ضمنها هوبير يومياته و انطباعاته، و رسومه للنقوش الحجرية. و أشار نائب القنصل الفرنسي في جدة فيلكس دو لوستالو(Fe ?lix de Lostalot) في رسالة الى ظروف مصرع هوبير فقال إن هوبير غادر جدة مساء 26 تموز 1884 يرافقه خادمه محمود و دليلين. و أن هوبير اغتيل في 29 تموز من قبل الدليلين الذين سجنا الخادم محمود لمدة يومين، إلى أن اغتنم هذا الأخير الفرصة المؤاتية للفرار باتجاه المدينة المنورة، و انتقل بعدها إلى حائل ثم إلى جدة. و بقي جثمان هوبير ملقيا في العراء لمدة يومين، الى ان تم نقله الى جدة حيث دفن. أشرف نائب القنصل الفرنسي في جدة بمساعدة ترجمان من أصل جزائري مقيم في مكة المكرمة يدعى سي عزيز على المفاوضات لاسترجاع أوراق هوبير و حجر تيماء، و كذلك الاقتصاص من القتلة. و قام سي عزيز بالمفاوضات مع ابن الرشيد بشكل سري، ذلك ان هوبير كان يقوم برحلته رغم معارضة السلطات العثمانية التي كان ابن الرشيد متحالفا معها. و يعتقد ان ابن الرشيد هو الذي كلف ابن شميلان بقتل هوبير خارج حدود إمارته في بلدة العلا.

و خلال مرحلة المفاوضات مع ابن الرشيد وصل الى جدة المستشرق الهولندي كريستيان‏

10

سنوك هيروغرونيه(ChriStian Snouch Hurgronje) الذي كان ينوي السفر سرا الى مكة المكرمة بهدف انجاز اطروحة حول المجتمع المكي و قام هيروغرونيه خلال وجوده في جدة بترجمة بعض الرسائل لصالح القنصلية الفرنسية، و بدوره قام بإبلاغ صديقه المستشرق الألماني جوليوس أوتينغ(Julius Euting) عن المساعي الفرنسية لاستعادة حجر تيماء.

و الجدير بالذكر ان أو تينغ كان برفقة هوبير في تيماء عند ما قاما سوية بشراء الحجر و ارساله الى حائل بعد ان قاما بنقل النص المحفور عليه. و تطورت الأمور فيما بعد عند ما التقى هيروغرونيه في مكة المكرمة بسي عزيز الذي أخبره بمراحل المفاوضات مع ابن الرشيد و قد حاول سي عزيز الحصول من هيروغرونيه على مبلغ يفوق الخمسة آلاف فرنك فرنسي الذي وعد به من قبل القنصلية الفرنسية في حال انجاز المفاوضات بنجاح.

و نتيجة شكوك القنصل الفرنسي من أن يكون هيرو غرونيه يعمل مع الألمان بهدف الحصول على حجر تيماء، قام بنشر مقال في جريدة «الوقت»(Le TemPS) في باريس في الخامس من تموز 1884 وصف فيه الأيام الأخيرة لشارل هوبير، و اتهم هيرو غرونيه المقيم في مكة المكرمة سرا تحت اسم عبد الغفار بالسعي للحصول على حجر تيماء لصالح أوتينغ الموجود في دمشق. و قد ترجم هذا المقال الى العربية و التركية، و على الفور أرسل قائمقام مكة المكرمة بعض الجنود الى هيروغرونيه حيث أمر بمغادرة المدينة خلال بضعة ساعات، و بالفعل تم ترحيله برفقة الجنود الى جدة.

هكذا تم افشال محاولة الألمان الحصول على حجر تيماء. و بعد حوالي العام على مصرع هوبير تم الحصول على الحجر و أرسل الى باريس حيث يعرض حاليا في متحف اللوفر.

ان هذا الحجر الذي يعود تاريخه الى القرن الخامس قبل الميلاد، و الذي يعود الفضل في اكتشافه الى هوبير، يعتبر من أبرز الاكتشافات الأثرية في شبه الجزيرة العربية خلال القرن التاسع عشر. و يظهر هذا الحجر الذي حفر باللغة الارامية أحد الكهنة الذي استقدم إلها جديدا الى تيماء، فأنشأ لهيكل الأله المعبود وقفا، و قد مثل الاله في زي أشوري، و ظهر في أسفل الرسم رسم الكاهن الذي شيد النصب.

أن المعلومات و الانطباعات التي سجلها هوبير خلال رحلته الأولى في شمال شبه الجزيرة العربية و التي نقدمها في هذه الترجمة، هي على درجة كبيرة من الأهمية بحيث إنها تعتبر بالاضافة الى سلسلة الأبحاث التي قام بها الرحالة الأوروبيون في المنطقة خلال القرن التاسع عشر أمثال و ليم بالغريف، و اروليخ سيتزن، جورج والين، الليدي آن بلنت، و لويس بوركهاردت، و شارل دوتي و غيرهم من أبرز النصوص التي تصف منطقة شمال شبه الجزيرة العربية خلال النصف الاخير من القرن التاسع عشر.

11

تنبيه الناشرين الفرنسيين‏ (*)

في 29 تموز 1884، قضى الرحّالة المقدام الذي ننشر له اليوم بيانات رحلاته و مفكراته اغتيالا. فمنذ عام 1874، و ما ان بلغ السابعة و الثلاثين من العمر، حتى وقع اختيار شارل هوبير المدفوع بشغف الاستكشافات الجغرافية على الجزيرة العربية. و كان قد قام برحلة استكشافية أولى من 1878 الى 1882 دونت نتائجها في نشرة الجمعية الجغرافية (1).

( Le BulleTin de la Societe de Geographie )

. ما شاهده في هذه الرحلة أثار فيه رغبة جامحة بإعادة الكرة. كان نقش تيماء بوجه خاص، الذي اكتشفه منذ عام 1880، يقضّ مضجعه. و في حزيران 1883، انطلق من جديد برعاية وزارة التربية العامة و أكاديمية النقوش و الآداب و الجمعية الجغرافية، فتوقّف فترة في دمشق، و زار حائل مجددا و حصل على حجر تيماء ثم انكفأ الى جدّة واثقا من كنزه هذه المرة.

وحدها رسالة من السيد دولوستالو، قنصل فرنسا في جدّة (2) تعطينا بعض التفاصيل عن النهاية الغامضة التي وضعت حدا لمجرى هذه الحياة التي كان مبدأها الطاغي الجرأة البالغة حدّ المجازفة.

«اغتيل السيد هوبير في 29 تموز 1884 خلال رحلة علمية على أيدي المرشدين اللذين اختارهما للاستدلال على الطريق.

و قد شكلت الرغبة في الاستيلاء على اسلحة الضحية و أغراضه الثمينة دافع الجريمة.

كان هوبير قد غادر جدة في ليل 26 الى 27 تموز برفقة خادمه محمود و دليليه. و كان محمود يتبع الطريق و يقود الجمال المحمّلة بالأمتعة بينما يبتعد السيد هوبير و مرشداه باستمرار عن الطريق تارة الى اليمين و تارة الى اليسار، إمّا لتدوين بعض الكتابات القديمة أو لنقل رسم او لتسجيل ملاحظة علمية. ثم يتم اللقاء في المنطقة المحددة للتوقف لتناول بعض الطعام و أخذ قسط من الراحة. و انقضى يوما 27 و 28 تموز بلا عائق.

____________

(*) مقدمة كتاب" يوميات رحلة في شبه الجزيرة العربية" الذي صدر في باريس سنة 1891 و تضمن ما خلفه شارل هوبير من ملاحظات و كتابات و رسوم. و قد رأينا ترجمتها لما فيها من معلومات مفيدة للقارى‏ء.

[الناشر].

(1) الفصل الثالث لعام 1884، ص 289- 363، 468- 531

راجع ف. برجيه" الجزيرة العربية قبل النبي محمد بالإستناد إلى النقوش" باريس، 1885، ص 22- 23

(2) المذكرة الوحيدة التي نشرت عن هوبير وردت في رأس كتالوج بيع مكتبته الذي صدر عام 1885 في ستر سبورغ عند المكتبي بيغان. و تتضمن بعض النسخ من هذا المنشور و صورة ليتوغرافية لهوبير.

12

في التاسع و العشرين، ولدى وصول محمود الى محطة الاستراحة، وجد الجميع في المكان و رأى المرشدين يؤديان الصلاة و السيد هوبير ممددا على مسافة قريبة تحت معطف عربي. فاعتقد ان سيّده نائم و شرع ينزل حمولة الجمال. فجأة شعر بندقيتين مصوّبتين الى صدره و سمع صوت أحد المرشدين يقول له: «حذار، إلق سلاحك و إلّا عاملناك كسيّدك ههنا لدى أدنى حركة عدائية». فنظر و رأى السيد شارل هوبير ممددا على الجانب الايسر بينما كامل الجانب الأيمن من الرأس مدمّى، لكن الوجه هادى‏ء و مرتاح و كأنه نائم. من المرجّع ان تكون طلقة مسدّس أطلقت من مسافة قريبة جدا فيما هو نائم، هي التي حتّمت الموت.

بقي محمود أسير المجرمين مدة يومين ثم تمكن من الفرار. فتوجّه الى المدينة ثم الى حائل و عاد أخيرا الى جدّة ليضع نفسه بتصرّف نيابة القنصلية الفرنسية المكلّفة بمتابعة انزال العقوبة بالمجرمين. و هو لا يزال فيها.»

بقيت جثّة السيد شارل هوبير معرّضة للهواء بضعة أيام و قيل ان بعض المارة حفروا أخيرا حفرة و دفنوه فيها.

و بعناية جديرة بخالص الثناء، تسلّم السيد دو لوستالو ذخيرة الميت. و بعد سنة و في خضم صعوبات جمة تمّ التغلّب عليها بالاصرار على العمل و بالرغم من نقص لا يصدّق في الامكانيات، سلّم السيد دو لوستالو وزير التربية العامة حجر تيماء الجدير بان يقارن من حيث قدمه و أهميته بنصف ميشا (1). و عند ما درست لجنةCorpus inscriptionum semiticarum و أمين عام الجمعية الجغرافية الملاحظات، فقد أقرّوا أهميتها البالغة حتى بعد نشر عدد كبير من النصوص النقوشية المدوّنة فيها (2). و بالفعل، لا يتناول هذا النشر سوى جزء من النقوش النبطية، أما النقوش من النوع الصفيتي(Safai ?tique) فلم تمسّ، كما و ان الناحية الجغرافية من العمل تحتفظ بكامل جدّتها. مما حدا بالجمعية الآسيوية و الجمعية الجغرافية ان تتولى طباعة هذه المفكرات. و قد قامت المطبعة الوطنية و وزارة التربية العامة بسخائهما المعهود بتسهيل مشروع لا اعتبار فيه إلّا للمصلحة العلمية.

الى ذلك، كانت مهمتنا محدّدة بوضوح، اذ كان المطلوب منا ان نعيد نشر الدفاتر الصغيرة الخمسة التي وضعت بين أيدينا كما هي بالضبط. خلال جزء من رحلته الثانية، اصطحب السيد هوبير السيد اوتينغ، و هو عالم يتمتّع بتقدير. فإلى أي مدى امتد تعاون‏

____________

(1),Journal des de ?bats 26 كانون الأول 1884.

(2) أنظرCorpus inscriptionum semiticarum ، الجزء الثاني، النقوش الآرامية، ص 107 و الصفحات اللاحقة.

13

السيد اوتينغ في المفكرات التي ننشرها؟ هذا ما لم يكن في وسعنا تقصيه. اننا لا نكفل سوى أمر واحد، و هو ان الاشخاص الذين سيستخدمون هذا الكتاب يمكنهم ان يركنوا اليه كما لو انه من مدوّنات هوبير الاصلية. و سيقول السيد اوتينغ، اذا رأى ذلك مناسبا، ما كانت حصته في العمل المشترك. لقد كانت رشمات النقوش النبطية بحوزته. و قد نشر كتابه‏Nabatoeische Inschriften بالاستناد الى هذه الرشمات‏ (1). و إذ رغب السيد دوفوغيه، مفوّض الجزء الارامي من الCorpus inscriptionum semiticarum استخدام هذه الوثائق الثمينة لإنجاز الملزمة المقبلة، فقد سارع السيد اوتينغ الى ارسالها لنا و من دواعي سرورنا ان نشكره على ذلك.

في تنفيذ عملنا بالتحديد، و اجهتنا صعوبات مع كل خطوة. فالسيد هوبير لم يكن فقيها لغويا بالمهنة. و في نقل الكتابات لم يكن مصرّا على التوافق مع نفسه دائما. و أخيرا، أفسحت الصياغة المستعجلة للمفكرات المجال للكثير من التردّد. فإذا لم نأخذ بعين الاعتبار سوى انتظام الخط، و تماثل لون الحبر و العناية التي رسمت بها الرسمات و كتبت بها النقوش، لحملنا ذلك على الاعتقاد بان السيد هوبير استفاد من احدى إقاماته في حائل او في جدة لكتابة يومياته. و في الواقع، لا يبدو انه بامكان مسافر ايجاد ترتيب ملائم لتنفيذ أعمال بهذا الوضوح خلال تجواله في مناطق صحراوية. و لكن لا مجال للشك، فقد وضعت المفكرات بالشكل النهائي يوما بيوم تقريبا. و هذا ما يحرص المؤلف على ذكره في مناسبات مختلفة. و إذا اعترف أحيانا بتأخره بضعة أيام في عمله، بدا و كأنه يعتذر لا خلاله بالبرنامج الذي خطّه لنفسه. من جهة أخرى، يصرّح قطعا بان مفكراته الخمس قد أرسلت الى باريس في 27 حزيران 1884 من مرفأ جده الذي وصل اليه في 20 من الشهر نفسه، مما يجعل فرضية صياغة يوميات رحلته في هذه المدينة أمرا مستحيلا عاما.

ان الملاحظات السابقة تجيب فكرة تخطر على البال ازاء الكلمات التي تركت مواضعها بيضاء في مخطوطة هوبير. و اننا في الواقع نتساءل كيف ان المؤلف الذي لا يزال موجودا في الموقع و المحاط بمرشديه من سكان البلاد لم يستطع اعادة تركيب اسماء عدة بلدات بالاستعانة بذاكرة الاشخاص الذين يحيطونه. صحيح ان الاسم مكتوب بالرصاص أحيانا، و لكن في الغالب نجد الثغرة كاملة أو يملأها جزء من الكلمة كتب بالحبر. فلو ان‏

____________

(1) اوتينغ‏Nabatoeische Inschriften aus Arabian ,Euting برلين 1885. كانت هذه النقوش قد نشرت قبل ذلك بالإستناد إلى رشمات السيد دوتي في‏Notices et extraits des manuscrits لأكاديمية النقوش و علم الأدب القسم الثاني، (نشرت في طبعة مستقلة صدرت عام 1887)

14

هوبير كتب مفكراته في نهاية رحلته لجاء التفسير طبيعيا، و لكن بما ان هذا الامر مستبعد بالتأكيد، فلا بد من إيجاد تفسير آخر لهذه الشكوك.

عند ما نرى العناية الدقيقة التي دوّنت بها الملاحظات، و عند ما نجد الاشارات الى محطات التوقف لدقيقتين او ثلاث دقائق، لا يمكننا الاعتقاد بان الاغفالات المشار إليها ناتجة عن اهمال المؤلف. بل يمكن الافتراض بان هوبير كان يأمل بتوظيف المواد التي جمعها و التوسّع في استقرائها. كما يجدر ان ننسب الاهمال الذي يشوب الصياغة لجهة الأسلوب إلى السبب نفسه، و هو إهمال ترك عمدا حتى عند ما كان بالامكان تصحيحه من دون خوف من ارتكاب خطأ.

و مع انه كان متآلفا جدا مع لغة العرب الذين كان يتجوّل بينهم، الا ان إلمام هوبير باللغة الفصحى كان غير كاف. ففي دفتره الاول بدأ يكتب بنفسه اسماء البلدات بالأحرف العربية لكنه سرعان ما اكتشف مساوى‏ء طريقة العمل هذه فقرّر لاحقا ان يسأل السكان الاصليين أنفسهم ليسجّل مباشرة على دفتره املاء الكلمات التي كان يسمع لفظها. الا ان الكتبة البدو الذين استعان بهم لم يكونوا ضليعين بلغتهم. فهم بالتأكيد لا يخطئون في لفظ الاحرف الصامتة التي تختلط بسهولة على الاوروبيين كالقاف و الكاف مثلا، و لكنهم في المقابل، كانوا يرتكبون الخطأ الشائع جدا بين العرب الاميين بحذف اللام في أل التعريف أمام الاحرف الشمسية مكتفين بوضع الشدة على أول حرف صامت في الكلمة.

كما كانوا يكثرون و يبالغون في استخدام الألف الProsthe ?tique و يحذفون الاحرف الصوتية الطويلة و بالعكس يطيلون بعض الاحرف الصوتية القصيرة.

كان من السهل تصحيح العدد الاكبر من هذه الاخطاء البسيطة و لكن في بعض الاحيان كان من المستحيل اعطاء القراءة الصحيحة. لذا، بدا من المستحسن عدم اخضاع املاء الكتبة البدو لمراجعة صارمة. فمن شأن التصحيح الكبير الايحاء للقارى‏ء بأنه يستطيع التذرّع بطريقة الكتابة المعتمدة في المفكرات لتصحيح الاملاء الوارد عند أحد المؤلفين العرب او عند رحّالة اوروبي آخر. و لكن هذا غير ممكن، اذا لا يجوز تصحيح قواميسنا التي تكتب اسم نبتة صحراوية «ضومران»، و هي نوع من النعناع البري، بحجة ان مفكرات هوبير أوردتها بشكل «ضمران».

كما اننا لم نر من المفيد اخضاع طريقة الكتابات الفرنسية المعتمدة من قبل هوبير لانتظام تام. اذ لم يكن بإمكاننا التأكد من ان تمثيل الهاء في نهاية الكلمة تارة بالy و تارة اخرى بال‏e ?h أو الah على سبيل المثال، لا يعود الى رغبة الرحّالة في تسجيل تنوّع اللفظ الذي كان يسمعه، فتنظيم هذه الاختلافات انه يرى ضرورة في ذلك. هناك بالتأكيد

15

حالات حيث يلزم التصحيح منذ المقاربة الأولى. فنجد مثلا «أبيث» او «أبيت» محل «أبيض» مكتوبة بالأحرف العربية بدقة. و لكن عند التفكير نتساءل ما اذا كان ذلك يعود لخطأ في اللفظ من النوع الذي نلاحظه في اللهجة الجزائرية حيث غالبا ما يقال «مريته» و ليس «مريضه» بدلا من ان نرى في هذه الشواذات نتيجة للفظ الجرماني للمؤلف. لقد حملنا هذا السبب الى الاحتفاظ بالنقل الذي اعتمده هوبير بالرغم من شوائبه.

و تشمل المفكرات عددا كبيرا من الكلمات العربية المستخدمة تارة محل الكلمة الفرنسية المقابلة (راس، سنة ... الخ)، و تارة أخرى لغياب مرادف و مطابق في لغتنا (نفوذ، هاء).

لم يكن بالامكان استخدام ملاحظات شارل هوبير الفلكية التي لم تحتسب بعد، و التي اعتمد واضع خرائط الشمال الحقيقي في اتجاهها دون مراعاة الميل الزاوي للبوصلة.

أما الارتفاعات (المقاسة بالمضغاط) فقد اعطيت من دون الاخذ بعين الاعتبار الفارق الذي كان سيطرأ عليها بفعل المقارنة مع الملاحظات التي أجريت عند سطح البحر.

لذا، لا يترتب على الجغرافيين اعطاء هذه الخرائط صفة نهائية، و لو تسنّى للرحالة مراجعتها لعدّلها بلا ريب في اكثر من نقطة. إلّا انها كانت ضرورية لفهم يوميات الرحلة و قد وضعها السيد م. ج. هانسن بمنتهى الدقة و العناية.

في الختام، لا بد من شكر المطبعة الوطنية على مساهمتها الكريمة التي منحتنا اياها و على الاهتمام المتأني الذي بذلته في هذا العمل العسير. و راقب السيد فيليب برجيه تنفيذ الصور طبق الاصل بنظرة الباليوغرافي الماهر. و أخيرا راجع السيد م. و. هوداس، الاستاذ في مدرسة اللغات الشرقية، النسخ بصفته مستعربا متمرسا. فإذا حظي هذا الكتاب كما نأمل ذلك، بموافقة المحكمين المختصين، فإننا نطلب منهم ان ينسبوا الجدارة الى هؤلاء المعاونين الممتازين و بالأخص الى الاخير الذي أخذ على عاتقه المهمة الاكثر صعوبة و أنجزها على أكمل وجه.

أرنست رينان باربيه دومينار ك. مونوار

16

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

17

منذ بداية تكليفي بمهمة علمية في الجزيرة العربية في عام 1878، اصطدمت بعقبات أخرتني و بصعوبات أشرت إليها في تقريري إلى سيادة الوزير.

فقد اجهضت المحاولة الأولى للوصول إلى الجوف مع الشيخ محمد طوخي بسبب ثورة الدروز، و الاتفاق الذي عقدته من ثم مع سطام بن شعلان، شيخ الرولة لم يسفر عن نتيجة بسبب نكث هذا الأخير بوعده. و تكرر الأمر في الاتفاقية التي أبرمتها مع الشيخ علي القريشي.

اخيرا عثرت على الأدلّاء اللازمين لي عند شيخ البصرة، محمد الخليل، حيث كانوا في ضيافته. و هم بواقان‏ (1) و رجلان من سكان كاف. و اتفقت معهم بالرغم من تحذيرات شيخ البصرة المعترضة و الذي بيّن بأنه لا يستطيع أن يضمن بأي شكل تنفيذهم لوعودهم و بأنني أعرض نفسي في أبسط الاحتمالات للسلب و التخلي عني في الصحراء. كنت أستعجل التخلص من سماع هذه النصائح الحكيمة. و غادرت البصرة دون إبطاء في اليوم التالي مع رفاقي الجدد. كان ذلك في 14 مايو (أيار) و كانت عنز محطتنا الأولى بعد اجتياز أم الرمان.

عنز، القرية المؤلفة من 300 نسمة و الرابضة على تلة صغيرة، هي آخر بلدة مأهولة في الصحراء. و من هنا نلفت الانتباه إلى أن عنز تضم سكان نصارى بمجملهم بالرغم من موقعها بصفتها مركزا متقدما، أي بين الدروز و البدو المسلمين.

هنا التقينا خمسة من العرب يخيّمون خارج الأسوار و يرغبون في الذهاب إما إلى‏

____________

(1) البواق هو عربي طرد من قبيلته و حكم عليه بالنفي المؤبد بسبب الغدر أو أي جرم آخر يمس الشرف فلا يعود أحد يثق بكلامه. يمتهن عادة المهن التي لا يمكن الإفصاح عنها، عند حدود الصحراء ملجأه الدائم. راجع نشرة الجمعية الجغرافيةBulletin de la Socie ?te ?de Ge ?ographie

الفصلين الثالث و الرابع 1884 ص. 289 و 468

18

كاف أو إلى جوارها. كانوا ينتظرون مسافرين آخرين لينضموا إليهم و ليشكلوا قافلة صغيرة. فغادروا معنا في اليوم التالي.

و لما كنا قلة، فقد سعينا إلى تجنب لقاءات خطرة دائما في بداية دخولنا الى الصحراء. فسرنا ابتداء من 15 مايو (أيار) بشكل متعرج تحاشيا للقاء العرب، بناء على المعلومات التي جمعناها في البصرة و في عنز بشأن مختلف المخيمات.

في صبيحة 16 مايو (أيار)، خيّمنا على بعد 3 كيلو مترات شمال شرق القصر الأزرق.

و للأسف لم أستطع الاقتراب منه أكثر من ذلك لأن جميع الأراضي المحيطة بالقصر المبني في منخفض كانت لا تزال موحلة بسبب أمطار الشتاء. و من بعيد رأيته عبارة عن برج مربع مبني من الحجر المنحوت، معزول تماما و قد بدت لي أعاليه أطلالا.

من المرجح أن القصر قائم منذ اقدم العصور، و لا بد أنه كان إحدى محطات الطريق المؤدية إلى وسط الجزيرة العربية عبر دومة الجندل.

كان قبلي المؤلفين العرب يطلقون على الأراضي المحيطة اسم عميري أو عامري.

و ذكر ذلك الدرويش المجهول، الذي ترك كتابا عن طريق الحج من القسطنطينية إلى مكة، و أضاف: إن النبي محمد (صلّى اللّه عليه و سلّم)‏ تقدم إبّان حملته إلى الشمال حتى بلغ هذا القصر و مسيله المرجح بأنه وادي الرايل؛ المكان مثير للاهتمام، فمن هنا يبدأ وادي سرحان الممتد جنوبا حتى آبار جراوي على مسافة يومين من الجوف.

صادفت وادي الرايل بعد ظهر اليوم نفسه و لما يزل في بعض الحفر ماء بالرغم من تقدم الموسم.

لم نتوقف على مرأى من القصر إلا مدة تناول الغداء ثم انطلقنا فورا؛ إذ لا تقترب المجموعات القليلة العدد كمجموعتنا عادة إلى هذا الحد من هذا المكان الذي اشتهر بأسوأ سمعة. فاللصوص يرتادون باستمرار القصر الأزرق بصفته نقطة عبور.

يمتد سهل الأزرق على عدة كيلومترات و كل الأرض صالحة و التربة التحتية صلصالية فيما شجيرات الصحراء، التي تشكل غذاء الإبل، كثيفة و قوية.

ما إن غادرنا هذا المكان حتى عادت الأرض مضطربة و تظهر آثار عديدة بركانية الأصل. من حين إلى آخر اجتزنا أجزاء من الصحراء حجرة كليا تزداد و عورة كلما

19

اقتربنا من كاف التي وصلناها في اليوم التالي من 17 مايو (أيار) قرابة المساء، كنا قد مشينا معظم الليل.

الكاف‏

و يقدم الرحالة سيتزن,(Seetzen) استنادا إلى أحد أدلائه، يوسف الملكي، خط سير يضع كاف على مسافة خمسة أيام سير من البصرة. إلا أننا نلاحظ الخطأ فورا لدى ذكر اترا و قراقر على أنهما تقعان قبل كاف.

بالمقابل، فإن سيتزن يعطينا المعلومات الأولى التي نملكها عن هذا المكان، حيث يقول إن كاف هي قصر بات أطلالا على قمة تلة محاطة كليا بمستنقع يمنع الاقتراب منه. و يوجد هنا بعض الآبار و شجر نخيل بري لا يثمر.

كنت قد علمت لدى وصولي عند الدروز، بأن كاف هي اليوم قرية صغيرة مأهولة و قد حمّلني شيخ الدروز، نجم الأطرش، رسالة الى شيخها.

عند ما وصلنا إلى الواحة كنت بالطبع ضيف دليلي محمد، و لكن نظرا الى فقره و فقر أهله، عرض علي بنفسه منذ اليوم التالي إسكاني عند الشيخ الذي كان ينتظر إستضافتي عنده.

عبد الله الخميس‏ (1) شيخ كاف، رجل في الخمسين من عمره تقريبا (هو نفسه يجهل عمره بالضبط) يدل غياب العضل و ملامحه الهزيلة و النافرة على أنه بدوي الأصل.

بشأن تاريخ القرية أخبرني عبد الله بأن والده، دغيري الخميس، كان أول من استقر فيها قبل خمسين عاما لما كان هو عبد الله لا يزال طفلا صغيرا. أما أنّ ينابيع المكان العديدة الصغيرة كانت تشكل آنذاك مستنقعا عند سفح التلة كما قال يوسف الملكي، فأمر لم يعد عبد الله يتذكره. و مهما يكن من أمر فإن الينابيع الاثني عشرة الموجودة هنا باتت كلها تحبس في أحواض صغيرة. و إذا قست في الرابعة صباحا

____________

(1) الليدي آن بلانت تسمية عبد الله الخميس.

20

حرارة عشرة منها، وجدت ان معدّل الأحواض المعرّضة للشمس يبلغ+ 50، 24 درجة و معدل تلك المحمية تحت النخيل يبلغ+ 10، 21 درجة. و من ثم فإن معدل حرارة المنطقة مرتفع جدا. و قد أكّد لي عبد الله أن الحرارة بالفعل أكثر ارتفاعا في كاف في الصيف منها في الجوف، و أنه نادرا ما تمطر في الشتاء. و المؤشر الآخر لهذه الحرارة يكمن في وجود النخيل المزدهر تماما في كاف أما الماء المشوب بملوحة طفيفة فطيّب المذاق.

تمتد القرية الهلالية الشكل من الشرق إلى الغرب و تتألف من مجموعتين، واحدة من ثمانية منازل و الأخرى من تسعة تفصلهما الينابيع و ال 450 نخلة. إلى جانب النخيل لا نجد سوى شجرتي رمان و عدد من شجرات الاثل. يستخدم خشبها في صنع عارضات خشبية لصناعة الأبواب و أسقف المنازل. أما السكان البالغ عددهم 90 شخصا فيملكون ثلاثين جملا و ما يوازيها من الماعز و خمسة عشر خروفا بالإضافة إلى بضع دجاجات. و ليس لديهم ثيران أو خيول.

ان وجود هذه الواحة الصغيرة مدين لوجود الينابيع أولا و من ثم لوجود منجم ملح يعود دخله إلى الشيخ نفسه. و يأتي هذا النتاج من جبل صغير يبعد 5 كيلومترات إلى جنوب كاف و تحمله الإبل إلى مقربة من القرية في تجاويف تحوي ما بين 40، 0 م إلى 50، 0 م من الماء يذوب الملح فيها ثم يتبلور بالتبخر. إنه شديد البياض لكن طعمه شديد المرارة. يباع لقبائل الصحراء و تنقله جمال الشيخ بالتهريب إلى البصرة و حوران و جبل الدروز.

البيوت نظيفة من الخارج و لكنها و سخة في الداخل. الجميع يرتدون الزي البدوي.

لا أحد يعرف القراءة أو الكتابة. و كالعادة فإن أمراض العيون كثيرة.

في صبيحة 19 مايو (أيار) جاءني عبد الله و هو متزوج ثلاث نساء، مصطحبا ابنه الوحيد و قد أصيب بتلبك معوي. كما جلب معه في الوقت نفسه فنجان قهوة مملوءا بالماء طالبا مني أن أقرأ عليه الكلمات الضرورية ليشفى المريض الصغير.

سأكون أول أوروبي تسلق الصخرة التي يقوم عليها قصر السيد. إنها صخرة وحيدة، و ثمة صخرتان اخريان أصغر حجما موجودتان حول كاف. قدرت ارتفاعها بقرابة 80 مترا فوق السهل. أما قمتها فعلى شكل مائدة مستديرة و يبلغ محيطها 3000 متر. و هي مكونة كليا من كتل بركانية ضخمة سوداء صلبة جدا غارقة في‏

21

غلاف ترابي تتداخل فيها بضع طبقات من الجير الجميل الشديد الصلابة و البياض، و كنت قد صادفته على الطريق بين الأزرق و كاف.

تتألف الأطلال التي تتوج الهضبة العليا من حائط بارتفاع 3 إلى 4 أمتار و بسماكة تتراوح ما بين نصف متر و متر واحد يحاذي حدود القمة الشرقية للصخرة. أما الجوانب الثلاثة الأخرى فليس لديها جدران و من المرجح انها كانت عامودية.

الطريق المؤدية إلى الهضبة و المقوّضة كليا تقع أيضا في الجهة الشرقية و تبدأ من مقبرة كاف الواقعة عند قاعدة الهضبة.

باب حائط الدفاع هذا كان مقفلا بمصراعين من الحجر الأسود شبيه بتلك الأبواب التي نصادفها بكثرة في اطلال المدن في لجا و جبل الدروز و حوران و التي رأيتها دارجة الاستعمال في بعض الحدائق في تدمر. كان أحد المصراعين على الأرض تحت المدخل.

على الهضبة كذلك غرفتان صغيرتان دون سقف تستندان إلى حائط السور، و إلى الشمال تبدو جدران مبنى صغير يضم أيضا غرفتين. باتجاه باب حائط السور، حوض مدوّر مسوّر قطره 4 أمتار و عمقه متر واحد. و على مسافة قريبة يبدو في الأرض تجويف طبيعي على شكل مغارة. و لا بد ان يكون هذان التجويفان قد استعملا كحوضين للماء. بين الحوضين حجر حممي ضخم، متعرج الشكل، بقياس متر مكعب تقريبا حفرت عليه بعض العلامات الشبيهة بتلك التي لا يزال البدو يستخدمونها حتى يومنا هذا لدمغ إبلهم و يسمونها" وسم" أي علامة.

و بما أن الصخرة خالية من أي آثار بنيان أخرى، اعتقد بأن ما كان قائما هنا لم يكن سوى مركز محصن في موقع طبيعي و من الممكن إعادته حصنا منيعا.

من قمة هضبة قصر السيد نكتشف هذه الأرض و هذه الجبال الجرداء المقفرة في كامل قباحتها و قد زاد من وحشتها شظايا الحجارة السوداء التي تغطيها. لذا فإن العين تنظر بارتياح إلى الواحة المنتشرة في سفح الجدار الجنوبي للصخرة. و في البعيد، على مسافة ستة أميال‏ (1)، نرى منظر من وادي السرحان‏ (2).

____________

(1) يستعمل دائما الميل الجغرافي الموازي ل 1852 مترا.

(2) اجتزناه في المكان نفسه للوصول الى كاف و قد استغرق الاجتياز ساعة و 30 دقيقة مما يعطي الوادي قرابة 5 كيلومترات من العرض بالخط الذي كنا نسير به انذاك.

22

على مسافة ستة أميال جنوبا و بانعطاف 70 درجة شرقي كاف، توجد واحة صغيرة أخرى تدعى اتسرا (1). و المساكن فيها مبنية من الحصى الأسود كمساكن حوران و ليس بالآجر كمساكن كاف. و هي بلدة قديمة هجرت على غرار كاف و سكنت من جديد من بعد كاف بعشر سنوات. و هي تعد اليوم 20 بيتا و حوالي 100 نسمة يتمتعون بمياه النبع كل السنة كسكان كاف. يوسف الملكي، في بيان رحلته، يطلق على هذه البلدة اسم إثرا.

في 20 مايو (أيار) 1880، قمت بقياس حرارة الجوفي كاف، ساعة بعد ساعة في ظل النخيل و سجلت هنا نتيجة القياس:

الساعة 4+ 50، 13 درجة/ الساعة 10+ 70، 28 درجة/ الساعة 4+ 10، 33 درجة

5+ 10، 15/ 11+ 80، 30/ 5+ 32

6+ 90، 16/ ظهرا+ 60، 31/ 6+ 90، 30

7+ 80، 19/ 1+ 50، 32/ 7+ 40، 26

8+ 22/ 2+ 70، 32/ 8+ 20، 26

9+ 40، 26/ 3+ 80، 33/ 9+ 80، 25

منطقة كاف- إثرا مثيرة للاهتمام إذ إنها الأقل ارتفاعا بين حوران و الجوف. و هنا تنتهي الجداول النازلة من حوران، و الشعيب القادم من الجنوب يجري في خماد و وادي سرحان. هذا ما يفسر أيضا بقاء منسوب الينابيع ثابتا بالرغم من ندرة الأمطار. و هذا المنسوب ليس كبيرا كما رأينا أعلاه و يكفي لسقي 450 نخلة.

و من خلال معدل الضغط الجوي في كاف أدركت أن ارتفاعها 498 مترا.

لا استطيع مغادرة هذه الواحة من دون ذكر غوارماني‏ (2) مر بها عام 1864 و ذكر أن.

كاف التي دمرت في القرن الخامس عشر و أعيد بناؤها في القرن الثامن عشر، كانت فيما مضى محطة للقوافل من دمشق إلى المدينة. و بالإضافة إلى كاف التي يقدر سكانها ب 250 نسمة و إثرا التي يطلق عليها اسم ايتيرا و عدد سكانها 300 نسمة،

____________

(1) أنظر: أحمد شرف الدين: «المدن و الأماكن الأثرية في شمال و جنوب الجزيرة العربية» ص 34، 35 [المترجم‏].

(2)

Itine? raire de Je? rusalem au Neged Septentrional par M. Guarmani, Bulletin de la socie? te? de Ge? og- raphie, Septembre 5681 )

23

فإن هذا الرحّالة يذكر أيضا: اكيله‏

AKeile

15 نسمة، الجوتي‏El Gotti 150 نسمة- الأخضرEl Ekder 150 نسمة- الاوسفواسيه‏El Uscevuasce 200 نسمة (1).

اما بالنسبة الى العصر الذي شهد تدمير كاف، فمن الصعب نفي أو تأكيد حصوله في القرن الخامس عشر لأن أيا من المؤلفين لم يأت على ذكر ذلك على حد علمي.

و أما بالنسبة لتاريخ إعادة إعمارها فقد أوردت رواية الشيخ الخميس ابن الرجل الذي أحيا الواحة. و أخيرا فيما يتعلق بمحطة للقوافل فإنني لا أعتقد بوجود مثل هذه الطريق المارة بكاف بين دمشق و المدينة في أي وقت، فالقافلة تتحرك ببطء شديد و لا يمكنها اجتياز هذه الوجهة حيث، لا بد من البقاء خمسة أيام دون العثور على ماء كاف. و بالنسبة الى البلدات الأربع الأخرى التي ذكرها غوارماني فإني لم أسمع بها قط. و أما بالنسبة الى السكان فإنني أصرّ على أرقامي فالتعداد كان في غاية السهولة بحيث لا يمكن أن أكون قد أخطأت.

كنت قد اتفقت مع الشيخ عبد الله الخميس على أن يكون هو دليلي إلى الجوف و حددنا انطلاقنا بتاريخ 21 مايو (أيار). و انضم إلينا اثنان من سكان الجوف كانا ينتظران منذ وقت ان يتسنى لهما مسافرين ينضمان إليهم و غادرنا كاف عند شروق الشمس يودعنا كل رجال كاف حتى مسافة بعيدة عن الواحة.

مع أننا كنا نسير على أرض مستوية، فقد كنا في منطقة جبلية إنما شكلها خاص جدا. المنطقة مكونة من هضبة حجرة شاسعة خرجت من أرضها كمية من الارتفاعات (الجيولوجية) على شكل إهليلجي و مخروطات و شعفات منفصلة كليا بعضها عن بعض و لا يربط فيما بينها أي رابط بينما قممها على شكل طاولات.

و علاوة على ذلك لا يسودها أي وحدة اتجاه، فهي إثرا من الشمال إلى الجنوب و من الشرق إلى الغرب و يتراوح ارتفاعها ما بين 20 و 100 متر.

من المدهش أن نكتشف أن كل هذه الارتفاعات مصنوعة من الكلس الأبيض الذي ينتج رملا جميلا جدا من اللون نفسه و قد سقط عليه سيل من الحصى الأسود المفحم. و هي على أي حال الأرض نفسها التي صادفتها قبل الوصول إلى كاف بيوم.

____________

(1) يرى التحرير من المفيد التذكير بأن السيد غوارماني قد نقل الأسماء العربية كما تيسر له ذلك بالإيطالية التي حافظ عليها هوبير في ما أورده.

24

كل هذه التلال المميزة و خاصة بين إثرا، كاف و وادي سرحان تحمل اسم القدير (1) أو وريق‏ (2) الشامل.

عند الظهر مررنا بواقعة لا تزال للاسف تتكرر كثيرا في الصحراء. فما أن أوشكنا أن ندخل مجرى وادي سرحان حتى صادفنا شخصا معه ثلاثة أشخاص يحتضرون و على مقربة جثة. كانوا أربعة دراويش تجرأوا على مغادرة الجوف منذ ثمانية أيام سيرا على الأقدام قاصدين كاف و منها دمشق دون ماء و دون مؤن تقريبا. كانوا يعتمدون على مصادفة مخيمات بدو و الوصول إلى محطتهم الأخيرة متنقلين من مخيّم إلى آخر. أصبحوا" جلدا و عظما" كما يقال بالعامية. أما الميت المحمّص فقد اقتسم رفاقه أسما له بالرغم من إشرافهم على الموت هم أيضا.

أعطيت كل واحد منهم ليترين من الماء و قليلا من الطحين الذي استهلكوه فورا.

و لاحظت بأن عبد الله بدلا من أن يدلّهم على وجهة كاف و هي أقرب نقطة، دلّهم على إثرا و ذلك لتجنيب بيته واجب إطعامهم. عند الظهر، كما قلت أعلاه، دخلنا مجرى وادي سرحان حيث سرنا حتى الساعة الثالثة. ثم تركناه إلى الغرب و دخلنا من جديد منطقة جبلية مغطاة كليا بالحجارة السوداء و تدعى المسماEl Misma و هي أخذت اسمها من الجبل الرئيس الكائن في الجوار، و الذي شاهدته صبيحة اليوم التالي على مسافة 12 ميلا الى الشرق. و هو عبارة عن سلسلة طويلة تمتد من الشمال إلى الجنوب الغربي‏ (3).

في هذا اليوم دخلنا مجددا الى وادي سرحان و شاهدت هنا مشهدا رائعا. فعلى مد النظر، كانت الأرض المستوية تماما مغطاة بطبقة رقيقة من الملح الناصع البياض.

إذ تركنا هذه الأرض إلى يسارنا، التففنا حولها لمدة ثلاث ساعات فما كان يجوز حتى التفكير باجتيازها، ذلك أن الأرض تحت طبقة الملح تبقى رطبة و شديدة الانزلاق و لا تستطيع الجمال السير عليها. هناك درب ضيقة تحاذي هذه السكّة و لكن في بعض الأماكن أجبرتنا صخور على يميننا على اجتياز بعض الأجزاء ففعلنا باتخاذ أوسع‏

____________

(1) القدرة الصغيرة [ملاحظة التحرير].

(2) يوجد أيضا جبل وريق شمال مقاق.

(3) هذا الجبل يدعى أيضا المسما السرحان لتمييزه عن جبل مسما الكائن في منتصف الطريق بين جبل أجا و تيما. السيد غوارماني يدعوه خطأ نسمه- السرحاني و خارطة السيدة بلانت تحمل اسم مزمه.

25

الاحتياطات و بترك الحرية الكاملة للجمل الذي يحرص على عدم الابتعاد عن الدرب و لا عن خطوات الرجل الذي يسير أمامه و يشجعه.

و إلى جانب خطر الانزلاق و الوقوع من على ظهر جمل، هناك خطر السقوط في أحد الثقوب الموحلة المكسوة بطبقة ملح رقيقة جدا و هي كثيرة في هذه المستنقعات. هذه المنطقة تدعى الحاصوته‏El Hac ?otah .

عند المساء أقمنا مخيمنا بالقرب من أربعة آبار تدعى المالحات و قد أحسنت تسميتها لأن مياهها التي لا تبعد أكثر من 5، 1 متر عن الأرض شديدة الملوحة.

و في الغد، 23 مايو (أيار)، أخذنا في الصباح ماء من آبار قدير المازرGedeir El Mazer و في المساء أخذنا ماء من آبار القدير على أرض الميسري‏ (1)، و مخيمنا لتلك الليلة كان في النبع‏Nebay و هو اسم المنطقة كلها ابتداء من آبار قدير المازر.

مصدر اسم النبع هو حصن صغير بات أطلالا يقع على مسافة كيلومتر تقريبا جنوب غربي آبار القديرGedeir .

الآبار التي صادفتها حتى الآن لا تخلو عموما من المياه طوال السنة و لكنها تميل إلى الملوحة و تنبعث منها رائحة كريهة جدا. هذه الآبار هي مجرد حفر غير مسورة.

بيان رحلة يوسف الملكي يذكر أيضا آبار قدير المازر و لكنه يسميه كدير.

في 24 مايو (أيار) وصلنا في الصباح إلى آبار قسايم و مساء إلى آبار الجراوي‏ (2) التي خلت من المياه فيما كنا نعتمد عليها.

من كاف إلى النبع، الطريق السارية في كثير من الأحيان في مجرى الوادي ممتعة جدا، فالأرض رملية باستمرار و يعمّها الاخضرار. ابتداء من النبع تندر النباتات و تصبح الأرض صخرية و المنظر رتيبا. في بعض الأحيان يبرز الصخر و غالبا ما نسير على حصى مدحرجة مكتلة. و ابتداء من آبار الجراوي تتلاشى النباتات كليا و يحل الرمل و الحصى محلها.

عجلنا في سيرنا و لم نضرب الخيام إلا بعد منتصف الليل في و لمى‏Ouelma ، لأننا لم نعثر على ماء في آبار الجراوي.

____________

(1) المويسري لدى غوارماني و معزرة لدى السيدة بلانت.

(2) الجراني عند كارلو غوارماني و يراني عند السيدة آن بلانت.

26

إلى الجوف‏

الخامس و العشرون من مايو (أيار) كان يوما شاقا إذ لم يتبق لنا من الماء إلا ما يكفي لصنع الخبز. و بما أنه لا يوجد آبار بعد الجراوي فكان لا بد لنا من السير دون توقف حتى الجوف. هكذا بقينا اثنتين و عشرين ساعة على السرج. كنا قد انطلقنا في الرابعة صباحا و وصلنا إلى نهاية مطافنا في 26 أيار في الثانية فجرا و قد عانيت من العطش كثيرا.

منذ الصباح أصبحت الأرض حجرة كليا فهي مغطاة بشظايا صغيرة شبيهة بصوان البندقية، قاتمة اللون، تلمع و كأنها مطلية بالبرنيق و منظرها متعب جدا للعيون. هنا الأرض خالية من النباتات. في الثامنة مساء هبت علينا ريح شرقية دامت ساعتين و رفعت ميزان الحرارة الى+ 42 درجة. كان الحر خانقا و تلبدت السماء بالغيوم كليا قرابة التاسعة و لكن بالرغم من بضعة قطرات من المطر ظل الجو حارقا طوال الليل.

لا يعتمد خط السير في الصحراء مطلقا على طبيعة الأرض المتفاوتة الملاءمة، و لا حتى على الكلأ الضروري للجمال، بل يتوقف على الماء التي نجده في الطريق. لذا، فإن وجهات السير ليست سوى خطوط آبار.

غالبية هذه الآبار حفرها البدو على أراضي مراعيهم. و عند ما كانت المصلحة التجارية أو السياسية أو الدينية تفرض مرورا متكررا عبر مختلف اراضي القبائل العربية التي ليس لديها آبار عند حدودها منعا للغزوات العدوة المغيرة، كان يتم حفر بئر أو بئرين إضافيتين للوصل بينها.

فيما عدا ذلك من الواضح أنه كلما قّلّ العمل لحفر بئر كلما ازداد عددها. هذا ما ينطبق على الآبار في وادي سرحان، و هذا ما يفسر العثور على أسماء جديدة في كل مرة تجري مقارنة بين ضاربي الطرق المعروفين حتى يومنا هذا من حوران الى الجوف.

في سبيل إبراز أوجه التشابه و الاختلاف فيما بينهم، سأورد هنا المعروف منها حتى اليوم:

27

بيان رحلة يوسف الملكي/ طريق م. غوارماني/ طريق السيد و السيدة بلانت/ طريقي أنا

البصرة/ كاف/ ملاخ/ البصرة

Habkeh

حبكه/ البريده/ كاف/ عنز

Esrak

اسراك/Rseba رسيبا/Ithery اثرا/ وادي الرايل‏

Ittra

اثرا/Abou Terifian ابو طريفيان/Shadjbeh شاحبه/ ازرق‏

Kerakor

قراقر/El Adeimat العضيمات/Kerraghiz كراغيز/ كاف‏

كاف/El Meheder المهدر/Mahiyeh ماهيه/El Melkhat

Kader

كادر/Weset وسط/Maazreh مازره/ الملخات‏

Unimel Phenadschi

/ الميسري/Schaybeh شايبه/El Mazer

Kleia

قليعة/El Nebach النباش/ قصر/ المازر

رشوف‏El Sceba / الشيبا/ جراوي/Gedir جدير

El Uescece

الوسيسه/ الميسري‏

El Nebece

النبش/ الجدير

El Gerani

الجراني/ القسايم‏

Sbeha

سبيحه/ الجراوي‏

Al Scegar

/ الشجار

Giof

الجيوف‏

الى خطوط الآبار الأربع هذه، اضيف خطا خامسا سجله لي شخص جوفي المولد يقيم حاليا في حائل و هو صانع الاسلحة غانم:

الأرزق- الحريم- العمري، جبل العربي- المعاصر- المشاش- قراقر- وصث-Wic ?eth البيضا- التياج- شعار- شقير- النبك أبو قصر- صبيحة.

من السهل العثور في الخريطة على نقاط التقاء هذه الخطوط المختلفة و على نقاط تقاطعها و من ثمّ على الوجهات التي تتبعها.

ميقوعه‏Miqou`a هي بئر أخرى معروفة جدا في الوادي.

في الجوف، نزلت عند الشيخ سلطان بن حبوب ابن أخ غافل الذي استضاف فيما مضى بالجريف و رفيقه و الذي توفي منذ عشر سنوات. سلطان هو صهر عبد الله الخميس شيخ كاف.

استقبلني بكل حفاوة، جوهر الذي يحكم الجوف باسم سيده الأمير محمد ابن رشيد.

28

و هو زنجي جميل قامته 75، 1 متر، في العقد الخامس من العمر تقريبا، ينضح وجهه ذكاء. لا تفارق الابتسامة شفتيه و تصرفاته في غاية اللباقة و قد استقبلني دوما بكثير من الترحاب كما و أنه أجلسني دائما في مقعد الشرف ليس في مضافته فحسب بل ايضا عند ما كان يقصدني.

في كل زياراتي كان يطلب تقديم الماء المحلّى الساخن (و هو الشاي البدوي) و القهوة بوفرة ثم يطلب جلب أفضل التمر مع الزبدة. و قبل كل شي‏ء كان يطلب إعداد نارجيلته الخاصة خصيصا لي. و هو يدخن بالفعل، و إذا كان يسمح لنفسه هذا الخرق الخطير لمعتقدات الوهابيين المتزمتة فهو في المقابل شديد التقيد بتلك التي تحرّم الموسيقى و الغناء.

الجوف التي كانت في منتهى المرح فيما مضى حسب بلجريف، لم تعد تحوي اليوم ربابة واحدة. و قد ذهب في حفاوته في محادثتنا الأولى إلى حد القول لي:" مسلم أو نصراني سوا سوا" أي" المسلمون و المسيحيون سواسية".

الجوف، إحدى أقدم واحات الجزيرة العربية، حملت لقبها هذا مع بطليموس و قبل ذلك بكثير تحدث عنها عدد كبير من المؤلفين العرب. فقد أطلق عليها أو لهم اسم" دميثه" فيما سماها الآخرون دومة الجندل‏ (1) و هو الاسم الذي تعرف به عند العرب الحاليين. و أحد النصوص الآشورية التي أوردها م. رولنسن تذهب إلى حد افتراض وجود هذه البلدة في القرن السابع قبل الميلاد تحت اسم" دومات" مع ملك يدعى" أكبر" (2) هزم في حملة شنتها الجيوش الآشورية في عهد اسوراحدين (680- 669 ق. م).

لكننا لا نعرف عن هذه البلدة سوى اسمها و لا بد لنا من الوصول إلى الهجرة لنخرج إلى النور. ففي ذلك الحين كان ملكها من قبيلة كنده يدعى عقيدرOkeider (أكيدر) و كان نصرانيّا أرسل إليه النبي محمد (صلّى اللّه عليه و سلّم)‏ جيشا مؤلفا من أربعمئة فارس لإخضاعه و جعله يعتنق الإسلام. هذه القلة من الرجال حاصرته و أجبرته على الاستسلام مما يعطي فكرة هزيلة عن قوة أو شجاعة الأمير، أو عن حب‏

____________

(1) يأتي اسم جوف عمير الذي تحمله عند بعض المؤلفين، من قبيلة بني عمير الذين رفعوها من اطلال دومة الجندل القديمة.

(2)

J. Havlevy, Essai Sur les inscriptions du Safa, Extraits du Journal Asiatique, Septie? me Se? rie, Tome IV, Ernest Leroux, Paris, De? cembre 4781

.

29

رعاياه له. فقد افتدى شخصه الثمين مقابل ألفين و ثمانمئة جمل، و أربعمئة درع و ما يعادلها من الرماح و حضر شخصيا أمام النبيل في المدينة بثوب من الحرير و الذهب و قد علق صليبا من الذهب على صدره. و اعتنق الإسلام هو و شعبه و حافظ على عرشه بدفع الجزية (1).

و بحسب ما اورده بعض المؤلفين فإن الجوف كغيرها من البقاع ضمت سكانا بدلوا مرارا معتقداتهم الدينية عبر التاريخ، و تنقلوا من الوثنية الى اليهودية فالنصرانية و أخيرا الإسلام.

اعتبارا من ذلك الزمن فقدت الجوف دورها و لم يعد الجغرافيون العرب الإدريسي و ياقوت أو حمداني يذكرونها إلا بالاسم.

في أواخر القرن الماضي، ضمت الجوف الى الوهابيين بعد ان شهدت حربا أهلية و أرسل إليها ابن سعود حاكما لوقف الاضطرابات و خطباء لتوعية الناس.

و جاء تدمير الامبراطورية الوهابية على يد محمد علي، باشا مصر، فعادت الفوضى الى الجوف. و قد دام هذا الوضع حتى عام 1838 و هي الحقبة التي احتل فيها عبد الله بن الرشيد مجددا الجوف لحسابه الخاص لدى قيامه بنجدة مواطنيه شمّر الذين كانوا في صراع مع سكان سوق دلهميةDelhemiat المقيمين في حي الخراوي و كانوا قد أصبحوا في فترة معينة الأكثر ضعفا. و بذلك وفق بين الجميع.

كان هذا الوضع الجديد ضاغطا على الجوفيين و ما أن أدركوا ضعف حكم ابن سعود حتى فكروا في استغلاله لاسترداد استقلالهم. فثاروا و طردوا الأمير الشمّري. و من المرجح أن يكون الرولاRouala قد دفعوهم إلى ذلك إذ إن قبيلتي نايف و شعلان كانتا منذ أمد بعيد تستفيدان من ضريبة صغيرة من الجوف كما و أنهم إلى جانب عداوتهم الدائمة لشمّر لم يكونوا يوما حتى في عصرهم الذهبي أصدقاء الوهابيين.

و مهما يكن من أمر فإن الأمير الشمّري طلال بن رشيد الذي كان يحكم آنذاك لم‏

____________

(1) ذكر ابن هشام في السيرة النبوية ج 2 أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم)‏ بعث خالدا بن الوليد الى أكيدر بن عبد الملك صاحب دومة و كان نصرانيا ثريا، فترصد له خالد و انقض على فرسانه فقتل أخاه، و أسر أكيدر و أرسله الى النبي محمد (صلّى اللّه عليه و سلّم)‏: «فحقن دمه، و صالحه على الجزية، ثم خلى سبيله فرجع الى قريته». ابن هشام: «السيرة النبوية» ج 2 ص 526.

30

يكن ليتحمل ذبذبات الاستقلال. النفود صعب و لكنه لا يشكل عقبة كما و أنه لا وجود للعقبات بالنسبة الى العرب عند ما يتعلق الأمر بحملة عسكرية.

كل هذا جرى عام 1853. و لم يكد يمضي شهر على الثورة، حتى كان طلال بن رشيد مع رجاله من شمر أمام الواحة. و قد استقدم من حائل مدفعين صغيرين على الأرجح من أجل النيل من معنويات المحاصرين. و بالفعل أطلقت بعض الطلقات. روح المقاومة كانت في سوقي أدرع مارد و عين ام سالم المأهولين من عرب ارحيمات‏Erheimat و أصلهم من جوار النجف في بلاد ما بين النهرين.

بعد حصار دام عشرين يوما، هو جمت السوقان و دمّرتا كليا. و قد رأيت أطلالهما.

و ظل برج مارد الشهير المجصص حديثا و المسقوف، مسكونا. أمّا السكان المتحمّسون فمن لم يقتل منهم في الهجوم اضطر إلى مغادرة الواحة نهائيا إلى المنفى. و منذ ذلك الحين استتب السلام.

ما يفسر هذه الانقسامات الداخلية هو أن الجوف ليست وحدة موحدة. فهي تتألف من خمس عشرة مدينة صغيرة بنيت متلاصقة، إنما يحيط بكل واحدة منها سور و لا وصول إليها إلا من باب واحد. كل مدينة أسستها قبيلة مختلفة و لها شيخ خاص.

فيما يلي لائحة بها:

الوادي، على بعد ميلين شمال شرق مارد.

قراثين، في أسفل الواحةQerathin .

عين أم سالم، أطلال، سكنها فيما مضى بدو الرولا (عنزه).

أدرع مارد، في أسفل السابقة، أطلال، كان اصل سكانها من شقرا جنوب القصيم.

هذه السوق التي يسميها مؤلفون آخرون ببساطة الدير هي أشهر سوق بسبب برج المارد الموجود فيها و المرجح أنه كان مبنيا كليا من الحجر الكبير المقصّب و كما ذكرت أعلاه، فإن هذا البرج قد رمم مؤخرا و قد أعيد انشاء الجزء الأعلى المدمر بالآجر.

الكايد،El Q`aid إلى الغرب.

السعيدين،El S`aidin التي يسميها و الين السيديجين. مع برج حصين القصير.

سكانها المؤلفون من خمسة فصائل من قبائل مختلفة كانوا أعداء سوق أدرع مارد.

31

السلمان، في وسط الواحة تقريبا.

الحبوب (الحبوه) عند غوارماني.

السعيدان الموقع نفسه و السكان لغروتي‏Ghroththy .

الرحبيين، كان يسكنها قديما بدو تميم أما حاليا فيسكنها مهاجرون من رحيبة في سورية.

علاج اسسها و سكنها بنو طفيلة.

عشيب.

خزما مأهولة ببدو سرحان الذين لا يزال قسم منهم رحّلا مع شمّر في بلاد ما بين النهرين. و فيها بئر تعطي أفضل ماء في الجوف. كما فيها أيضا متولدون و هم زنوج منحدرون من عبيد جاؤوا فيما مضى من مكة.

دلهمية التي دمرها الأمير الشمّري لدى غزوة 1838 في هذا الحي بنى الحاكم الشمّري منزله و هو حصن قوي.

غوطة، في اسفل الواحة يسكنها بشكل حصري عمال جاؤوا اصلا من جبة فهم من شمّر.

تلاحظ تباينات طفيفة في لائحة الأسواق هذه إذا ما قورنت بلائحتي و الين و غوارماني و مرد ذلك يكمن في تعدد أسماء هذه الأسواق، و على سبيل المثال فإن عين أم سالم تدعى أيضا غرب.

منذ أن أصبح الأمير شمّر ملكا مطلقا في الجوف، تراجعت علاقات الواحة مع الرولة عما كانت عليه في السابق خاصة و أن الأخيرين غير مربكين في تصريف نتاج قطعانهم من الصوف و الزبدة. و على أي حال فإن هذه المواد ليست مفقودة عند الجوفيين الذين يتسلّمونها حاليا من الشرارات الخاضعين بأجمعهم لشّمر و يدفعون لهم جزية.

علاقات الرولة كانت بإستمرار أكبر مع سورية منها مع الجوف. ففيها يبيعون منتوجاتهم و يشترون الأصناف القليلة التي يحتاجون إليها كالثياب و الأرز و القمح.

و هم إلى ذلك يبيعون في سورية جمالهم بأسعار أفضل بكثير.

في القرن الماضي و قبل أن يغزو الوهابيون الجوف، كان بدو الحسرةEl Hessere و بنو صخر يترددون أيضا على الواحة.

32

في المقابل لا بد للشرارات من أن يبتهجوا لأنهم أجبروا على وقف حملات النهب بين الجوف و فلسطين، و بين تيماء و الجبل، ذلك أنهم محاطون كليا بالصحارى و ليسوا على اتصال بأي مركز مهم بحيث لا سبيل لتصريف أصوافهم و لا جمالهم الممتازة الأصل.

الآن يزودون الجوف بالصوف و الزبدة و حتى بالحليب عند ما لا يبعدون عنها أكثر من مسافة يوم الى يومين سيرا. و يتسلمون مقابل ذلك تمورا و أقمشة و بعض الحاجيات الضرورية لحياة المخيمات و التي لا يستطيعون صناعتها بانفسهم كرحال الجمال و الجلود المدبوغة، إلخ ...

لا تنتج الجوف سوى التمور التي تضاهي أفضل أنواع تمور الجزيرة العربية، و قليلا من القمح بكمية غير كافية. أما الصناعة فتقتصر على صنع عباءات خفيفة بنية، تباع بحسب نوعيتها بمجيدية أو اثنتين، و صنادل و مصنوعات جلدية أخرى و أسرجة و بعض الأغراض الحديدية غير المتقنة.

بسبب ندرة العملات، تجري عمليات البيع و الشراء بالمقايضة. لدى وصولي إلى الجوف، توقفت عند المنازل الأولى لمعاينة الوقت في ساعتي و تسجيله بالقلم.

كانت الساعة الثانية صباحا. و بالرغم من أن الوقت كان مبكرا جدا، فقد خرجت امرأة شابة من منزل مجاور و قدمت طاسة من الماء إلى الرجال الذين كانوا برفقتي. فقالوا لها تهذيبا بأن تقدم لي الماء أولا ففعلت. و بعد ما شربت و أعطيت الطاسة لرفاقي، أعطيتها قطعة نقود بقيمة ربع مجيدية (1) عرفانا لها بالجميل.

فأخذتها و سألت عما تكون و عند ما علمت بالأمر ابدت دهشة كبيرة. فسألها عبد الله عندئذ ما إذا كانت قد رأت نقودا من قبل فأجابت" أبدا".

الماء، سبب وجود النخيل و من ثمّ الإنسان في الواحة، و يجري الماء من الينابيع و من الآبار و من الخزانات، التي لا تستقبل الماء إلا فيما ندر فقلما تمطر السماء. و الماء عديم الطعم أو كريه المذاق و عسير الهضم. الاستثناء الوحيد هو بئر غخزمة في السوق التي تحمل هذا الاسم كذلك. فماؤها أطيب مذاقا.

العديد من السكان اكدوا لي أن الماء يتناقص، و أنه كان أغزر بكثير في الأزمنة

____________

(1) المجيدية الفضية تساوي 4 فرنكات و 44 سنتيما.

33

الغابرة. مما يفسر بشكل طبيعي تناقص السكان فتعدادهم لم يعد كما كان عليه في سالف الزمان.

في الشرق حيث لا يوجد أي إحصاء، يجري تقدير عدد سكان بلدة ما، تبعا لعدد مواقد النار أو لعدد البالغين الذين يستطيعون حمل البندقية أو بالاستناد إلى المعلومات التي يمكن الحصول عليها. كل هذه الوسائل تسمح بالتوصل إلى تعداد تقريبي عند ما يمكن اللجوء الى هذه الأساليب. و على العموم يمكن استعمالها في كل مكان إلا في بلد عربي حيث أي سؤال بهذا الصدد يثير الشكوك دائما.

هناك وسيلة تخمين طريفة إلى حد ما و دقيقة جدا لم أر أي رحالة يذكرها إنما لا يمكن استعمالها بيقين إلا في نجد نفسها، و هي الاستعلام عن عدد الأماكن في الجامع الرئيس.

أحدى النقاط الأساسية لدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب هو أداء صلاة الظهر يوم الجمعة التي تقام في الجامع. اما الصلوات الأربع الأخرى ليوم الجمعة و صلوات أيام الاسبوع الأخرى تقام في المساجد الموجودة في كل سوق، و قد شجع ذلك إنشاء جوامع في شبه الجزيرة العربية الوسطى بحيث وسع البناء ليستوعب جميع الذكور البالغين. و على العموم الجميع يعرف عددهم، و علاوة على ذلك فإن كل واحد منا يستطيع تقدير العدد بنفسه؛ بما أننا نعرف أن الناس يقفون جنبا إلى جنب في صفوف تتباعد فيما بينها بمسافة 70، 1 متر تقريبا. إذا كان كل رجل يشغل بالضبط في الجامع المساحة التي يحتاج إليها لينام، فلنقسم مساحة الجامع الكاملة على هذا المستطيل و نحصل على عامل صالح لعدد السكان.

على أن هذا الأسلوب لا يمكن تطبيقه في الجوف تحديدا. ذلك أنه على الرغم من وجود جامع في قصر الحاكم إلا أنه يتعذر على كثير من السكان الوصول إليه.

أول رحالة خمّن عدد السكان من دون أن يزور الجوف هو وليم بوركهاردت. و ذكر سبع أسواق بمعدل مئة بيت لكل سوق أي 6000 نسمة في الحد الاقصى. بلجريف قدرها عام 1862 ب 34000 نسمة و بعد سنتين قدرها كارلو غوارماني عام 1864 ب 6000 نسمة مع ثلاث عشرة سوقا.

بناء على ما عرفته خلال إقامتي في الجوف و في الجبل فيما بعد، هناك 1500 بندقية تقريبا و مع ذلك فأنا لا أعتقد أنه يمكن تقدير سكان الجوف بأكثر من 12000 نسمة.

34

فيما يلي اسماء البلدات الواقعة في محيط مدينة الجوف بالتحديد:

سكاكاSekaka في سفح جبل حماميةHamamieh و تبعد 45 كيلومترا تقريبا شمال شرق الجوف و فيها 8000 نسمة تقريبا و هي موجودة منذ قرن فقط، و مع أنها آخر مدن الجوف، إلا أنها في أوج ازدهارها، و منذ ضمت إلى الشمر لا تنفك تجتذب سكان المدن الأخرى. الماء فيها و فير جدا و على عمق أقل منها في الجوف.

قاراQara و تبعد حوالي 32 كيلومترا إلى الشمال، 70 درجة شرق الجوف مع 1000 نسمة تقريبا.

سحاراSehara و تبعد 10 كيلومترات شمال غرب الجوف و فيها 50 نسمة.

حسيّةHasia على مسافة 7 كيلومترات شمالا، 35 درجة غرب الجوف و فيها 50 نسمة.

البلدتان الأخيرتان القديمتان قدم الجوف نفسها، كانتا كبيرتين فيما مضى و لكنهما تلاشتا.

جاوا على طريق سكاكا، تبعد 21 كيلومترا من الجوف.

مويسن‏Moueisen أبعد بقليل من جاوا تقع في منتصف الطريق تماما ما بين الجوف و سكاكا.

مويسن و جاوا المعاصرتان للجوف و سحارا و حسية هي اليوم اطلال و مهجورة.

منذ لقائي الأول مع جوهر، حاكم الجوف، أطلعته على نيّتي بالذهاب الى حائل.

فصوّر لي فورا أن الرحلة مستحيلة و وصف لي أهوال النفود و استحالة اجتيازها في الصيف. و قال لي:" النفود هو الآن بحر من النار التي ستلتهمك و لن يقبل أحد بأن يكون مرشدا لك"، فأجبته بأنني أعلم علم اليقين أن بعض البدو يجتازونها أحيانا في عز الصيف و أنه بإمكاني أن أفعل مثلهم.

لم أزد إلحاحي في ذلك اليوم و لكنني أثرت هذه المسألة مجددا في اليوم التالي بعد ما قدمت له هداياي اذ ذاك تبددت بالفعل معظم العقبات. و لم يعد يستوقفه سوى مسألة الدليل، و لكني عند ما كررت طلبي في أن يجد لي دليلا في الذهاب إلى الأمير محمد ابن رشيد، سيده، و عدني بسهولة بتأمينه.

و عثر على الدليل في آخر يوم من شهر مايو (أيار) و حدد الرحيل في اليوم التالي. هذا

35

الدليل اسمه محارب و هو رجل مسن صغير القامة ضامر الجسم بوجه" مهرج" يرافقه صهره صايل. و هما من الجوف و قد اجتازا النفود مرارا.

نحو النفوذ

في الأول من يونيو (حزيران) نهضنا جميعا قبل الفجر بوقت طويل، و بدأنا مل‏ء القرب، و تجهيز المؤن في أكياس، و آخر التوصيات و وداع الأهل و الأصدقاء، و بالأخص التردد الشديد الذي ينتاب العربي دائما لحظة الغياب في رحلة طويلة جعلت مسيرتنا تتأخر حتى السادسة و النصف صباحا.

و ما أن خرجنا من وادي الجوف، أي بعد ربع ساعة، حتى وصلنا إلى هضبة حجرة ليست سوى تكملة للهضبة الممتدة من شمال الواحة حتى آبار جراوي. و بعد نصف ساعة من السير على هذه الهضبة تراءى لنا في البعيد أمامنا خط أبيض في البدء ثم تحوّل إلى لون الزهر الباهت لدى اقترابنا منه. إنه النفود! لقد بلغناه في ساعة و نصف الساعة.

كل من قرأ وصف النفود بقلم جيفورد بلجريف‏ (1) يتذكر اللوحة المحبطة التي يعكسها الرحالة الإنكليزي عن هذه الصحراء. يقول:" لكثرة ما سمعنا من روايات عن النفود رواها لنا البدو و غيرهم، بتنا نتوقع أشياء رهيبة، لكن الواقع تجاوز في هوله كل ما روي لنا و كل ما تخيّلناه". ثم يصف الصحراء وصفا خياليا. فالصحراء عنده مجرد تلال رمال متحركة بارتفاع يتراوح ما بين 200 و 300 قدم. لا ترى العين من قممها سوى بحر هائل من نار. و قال:" يمتد أمامنا سهل شاسع تكوم رمله الاحمر في تلال يبلغ ارتفاعها ما بين 200 و 300 قدم تسري متوازية من الشمال إلى الجنوب.

و تشهد منحدراتها المائلة و قممها المدورة بأخاديدها العميقة في كل الاتجاهات على عنف عواصف الصحراء. يبدو المسافر و كأنه سجين في هاوية من الرمل ترتفع من‏

____________

(1)

W, G. Palgrave. Une anne? e de voyage dans l`Arabie Centrale( 2681- 3681 ). Paris. Hachette Cie.

المجلد الأول، ص 87. 1866

36

حوله أسوار التلال الحارقة، و إذا نظر أمامه فهو لا يرى سوى بحر واسع من نار تنفخه السموم التي ترفع أمواجه المحمرة إلخ ...".

لذا فقد كانت مفاجأتي سارة لدى اكتشافي أن في كل هذا مبالغة متمادية و أن اجتياز النفود متعب للإبل على أبعد حدود و لكنه إلى جانب هذه النقطة السلبية يتمتع بميزات عديدة تحدوني إلى الاعتقاد بأنه لا يوجد بدوي واحد لا يفضل النفود على أي صحراء أخرى.

و تكمن ميزة النفود في أفلاجه‏ (1) إلى جانب كونه صحراء ذات رمل صاف كليا لا يشوبه أي خليط من التراب أو الحصى أو أي مادة غريبة أخرى. و الفلج في النفود هو تقعير بشكل نصف بيضاوي ينغرز عند انعطافه عميقا في الرمل. و يشبه إلى حد بعيد الأثر الذي يتركه حافر حصان عملاق، هذا الحافر المفرغ قليلا من تحت على شكل قوس دائرة يبلغ قطره ما بين 300 و 400 متر و يغوص عند رأسه فقط إلى 50، 60، 70 و حتى 80 مترا في الرمل. و الوجهة هي وجهة سير هذا الحصان باتجاه الشمال- الغربي. إن انحدار الجدران الداخلية لنضوة الحصان مدهش بسبب نعومة الرمل. فهو يبلغ ما بين 50 و 60 درجة. لذا فإن أصغر شي‏ء يرمى على هذا المنحدر يتدحرج إلى الاسفل مثيرا جرفا رمليا. و لكن على الرغم من إحتمال انهيارات متواصلة، يبقى الفلج ثابتا و يحافظ باستمرار على مظهره. بعض هذه الأفلاج تخرق كل سماكة طبقة الرمل و تكشف في القعر تارة تربة صلصالية و تارة أخرى صخورا و حجارة كلسية و صوانية، و يمثل فلج عيون قفيعة و فلج البيضا المسجلتين على الخريطة هذه الحالة بالتحديد و هما في الوقت عينه من أعمق الأفلاج.

بناء على هذا الوصف ندرك مغالطة وصف بلجريف، فنزول و صعود هذه الأفلاج غير وارد، ذلك أن منحدر جدرانها لا يسمح بالصعود و لا بالنزول. و الطريق التي تسلك تلتف حولها أو تجتازها من الوراء عند وتر القوس.

تعلو عددا كبيرا من الأفلاج و عموما الكبيرة منها، في الغرب و في الغالب في الجنوب الغربي قمة عالية من الرمل متوجة هي الأخرى بقمة بارتفاع 3 إلى 4 أمتار و عرة

____________

(1) لقد احترمنا كتابة السيد هوبير، إذ يفترض كتابةFouldj مع المصوت القصير.-Fouldj فلج و بالجمع الأفلاج‏.Afladj هو اسم منطقة في نجد، و هي كلمة عربية نجدها بصيغة فلجةFeldja مطبقة على نفس العارض الأرضي في المدونة الطوبوغرافية لعرب الصحراء لقسطنطين [التحرير]

37

المنحدر. و كما لاحظت الليدي آن بلانت، فإن هذه القمم تتمايز بلونها الأبيض عن لون باقي النفود و لكنه مجرد خداع البصر، اذ تبين من مقارنة عينية كنت قد جلبتها معي بعينات أخرى من النفود، أنها لا تختلف عنها في التركيب و اللون.

إلى جانب هذه الأفلاج و هذه القمم العالية التي تتوجها، لا بد من وصف ميزة أخيرة للنفود ألا و هي الأمواج الكبيرة التي تقطعه في بعض الأماكن، و تمتد من الشرق إلى الغرب و تعلو عن المستوى العام عموما بارتفاع 60، 15 و حتى 20 مترا. و قممها تبدو هي أيضا بيضاء. و نصادف ثلاثا أو أربعا على الطريق المؤدية من الجوف إلى الجبل.

يخيل إلينا أن صحراء من الرمل الصافي كهذه لا بد أن تكون أبشع وحشة وجدت، و لكن الواقع مغاير تماما بفضل نباتات كثيفة و قوية نسبيا تؤمن غذاء للجمال على طول الطريق تقريبا.

عند ما لم يتسن لنا أن نرى سوى الحماد بشجيراته الصغيرة النحيلة كالأدر و الغضا التي لا يتجاوز ارتفاعها قدمين، تسرنا المفاجأة لرؤية هذه الشجيرات نفسها بارتفاع 3 و 4 أمتار في النفود. النفود هو جنة الجمل.

و بالإضافة إلى الشجرتين أعلاه المشتركتين بينها و بين الحماد و باديات أخرى فإن النفود يملك شجرتين خاصتين هما الأرطي و الحمضي الرمث. أولى هاتين النبتتين لذيذة جدا و الأخرى يبلغ طولها ارتفاعا لا بأس به. و من النباتات العشبية نذكر الأفضل منها و هي وفق تدرج النوعية: النصي‏noc ?y السبطSabath الصرفج‏Sarfadj و الحمرا (1).

كل هذه النباتات، و بالأخص العشبية منها، تحب التجمع، و في بعض الأحيان لا تنتج مقاطعات شاسعة إلا نوعا واحدا. النصي نبتة اجتماعية بامتياز لكن النفود يكشف عن مزاياه بصفته مرعى صالحا بشكل خاص في شتاء ماطر (2). بضع‏

____________

(1) الأرطي‏yerta المرجح أنه مماثل لأرض الصحراء، هو الColligonum Comoserm ، و النصي‏Noc ?y المطابق بالتاكيد للneci الصحراوي هوArthratherum Plumosum ، و الصبات و الحري‏Sebot (راجع كازيمرسكي، القاموس العربي‏Dictionnaire Arabe ، المجلدI ص 1044) هو الArthratherum Pungens ، الصرفج‏Sarfadj أوArfej هو ال‏Anvillea Radiata كل هذه النباتات هي جزء من النباتات الصحراوية و كذلك الفرا و الحمرا اللتان لا نستطيع ان نعطي مرادفا دقيقا لهما [التحرير].

(2) الأمطار ليست كثيرة في النفود، لكنها أحيانا غزيرة جدا. السيد غوارماني يروي أنه خلال اجتيازه الصحراء هطل المطر مدة 36 ساعة في 11 و 12 مايو (أيار).

38

ساعات من المطر تكفي لتبرعم الحبوب التي يعج بها رمل النفود و بعد خمسة عشر يوما يغطي الأرض بساط من الخضرة من مختلف أنواع النباتات بأوراق سميكة مملوءة بالعصارة. هذه الفترة هي" العشب" (1)Asoub و يمكن فيها إطلاق الإبل و الخراف في النفود دون الاهتمام بإروائها. فطالما" العشب" قائم لن تحتاج إلى تناول الماء.

أول فكرة تتبادر إلى الأذهان حول أصل طوبوغرافيا النفود، هي أن الأفلاج تكونت بفعل الأعاصير أو الأمطار المدرارة التي لا بد أنها تجتاح المنطقة من وقت إلى آخر، و لكن سرعان ما نتخلى عن هذا الافتراض لدى رؤية تواتر و تمائل الأفلاج. و إذا افترضنا أنها تكونت بفعل الريح فبفضل الريح أيضا تزول. غير أن شيئا من هذا القبيل لا يحصل. البدوي يؤكد لك أنه لا وجود أبدا لرياح عاتية في النفود فحسب، بل إنه لم يلاحظ تغييرا في وضع أو موقع فلج طيلة عشرين و ثلاثين و أربعين سنة من التجوال فيه. لكن ثمة أفلاجا لاحظها البدوي بسبب أحجامها الكبيرة و شكلها أو أعماقها و من بينها عيون قفيعة و البيضا المذكورتين آنفا و المعروفتين منذ أجيال.

و بالرغم من ذلك فإني لا أجرؤ على القول مع العربي أو مع دليلي إن النفود ثابت لا يتغير بل إنني أؤكد عكس ذلك مستندا في ذلك على الوقائع الآتية:

1) لقد صادفت مرات عدة مساحات ممهدة تبلغ 40، 50، و 60 هكتارا لا يمكن تفسير وجودها بغير الأفلاج المردومة. و قد استطعت على سهلين كبيرين منها تتبع الحدود العليا لجدران الفلج القديم إلى الغرب.

2) الرياح السائدة في النفود هي الرياح الغربية (2) و الدليل على ذلك يتمثل أولا في انحناء كل النباتات نحو الشرق، ثم في الحاجز الرملي الموجود شرقي كل الدغال أو الشجيرات و الجذوع العارية في الغرب. هذه الملاحظة تبرهن في الوقت نفسه أنّ النفود ينتقل من الغرب إلى الشرق. و إذا كان ينتقل فمن الواضح أنه لا ينتقل بكليته، و أن الريح لا تحرك إلا الطبقات السطحية و أن الجزء الاكبر من الرمل المجروف يقع في الأفلاج. يمكننا الاستخلاص من هنا أن حركة النفود الانتقالية

____________

(1) العشوب: موسم المراعي [التحرير].

(2) قارن من أجل ظواهر مماثلة تقرير السيد دوفيريه‏Duveyrier حول رمال و رياح الصحراء في مجلد

La Comission suPe? rieure Pour l`examen du Projet de mer inte? rieure de M. le Commandant Roudair, 2881

ص 279- 295 [التحرير].

39

بطيئة جدا حاليا بسبب العقبات التي تصادفها في التلال و الكثبان العالية و لأن معظم الرمل المنقول، إن لم يكن كله، تبتلعه الأفلاج. إذا صحت هذه النظرية، يفترض أن تكون الأفلاج قليلة أو معدومة في الطرف الغربي من النفود إذ لا بد أنها ردمت أولا. غير أنني لا أملك أي واقعة مؤكدة لأوردها بهذا الشأن و البدو الذين استعلمتهم لم يقدّموا سوى معلومات متناقضة كما أن الوضع في شرق النفود، لا يضيئ مطلقا على الموضوع إذ إن بعض نقاط الاستدلال فيه معروفة منذ وقت قصير جدا لنتمكن من إعطاء إيضاحات.

تبقى مسألة واحدة للإيضاح و هي الأهم. و مرد عدم معالجتي لها في البدء هو أنني لا أملك معلومات لحلها و أريد طرحها فقط ألا و هي أصل النفود. لقد ظننت فترة من الزمن أن هذا الركام الهائل من الرمل قد يكون نتيجة تحلل صخور من الصلصال الرملي تقع غربا و بالأخص جنوب- غربي النفود و التي تشكل بقاياها جبال مسما، عوجا، حلوة، عدنان، حلوان، خلا إلخ ... و لكن إلى جانب كون حجم النفود الضخم يبدو لي أكبر بكثير من الصخور التي قد تكون قد وجدت في المناطق المذكورة أعلاه، لا بد من افتراض سيطرة رياح مختلفة عن الرياح السائدة حاليا. و أخيرا الاعتراض الأكبر يكمن في تفسير تكوين الأفلاج. في هذه الظروف، أعتقد أن الحذر يقضي بانتظار ملاحظات جديدة سعيا وراء تفسير ظاهرة تكوين النفود.

علماء الجغرافيا العرب القدامى كانوا يعرفون النفود تحت اسم الضاحي و الطعوس و يتذكرون خصائصه المتمثلة بهذه التلال الرملية و غياب الماء و شجيرة الغضا و النصي. أما اليوم فاسما الضاحي و الطعوس اصبحا مجهولين و لكن في المقابل يستعمل البدو حاليا اسم الرمل العالي‏ (1) بينما سكان المدن في الجبل يطلقون عليه اسم النفود باستمرار.

فور الخروج من الجوف و خلال اجتياز الهضبة الصخرية، نشاهد على مسافة عشرين كيلومترا في الجنوب- الغربي، رأس سلسة من الجبال تمتد من الشمال- الشرقي إلى الجنوب- الغربي على امتداد 40 كيلومترا. إنه جبل ثوي‏Theoui الذي يحيط به النفود و لا يحبس الماء أبدا عند ما تمطر.

هل يجب مطابقة هذه الصحراء مع الدهناء؟، و هي أرض شاسعة تعود لبني تميم‏

____________

(1)Ramel Aaly أي" الرمل العالي" [التحرير].

40

و تقع شمال- شرق جبل شمّر في مكان آخر، يصفه هماكر على النحو الآتي بالاستناد إلى قاموس عربي قديم‏ (1)" الدهناء الواقعة في أراضي تميم تمتد من حران‏Haran حتى رمل يبرين". إنها من أخصب مراعي الله بالرغم من افتقارها للماء.

و لكن عند ما تكتسي الأرض بالخضرة في الربيع، يقيم العرب فيها تجمعا كبيرا و يقولون إن هواءها صاف جدا و إن أحدا لا يصاب فيها بالحمّى إلخ ... هذه مسألة احتفظ لنفسي بمعالجتها لاحقا.

لم نحثّ الجمال و لم نقطع في اليوم الأول سوى 22 ميلا في عشر ساعات سير. لأننا لم نكن في عجلة من أمرنا، و على الرغم من الريح الشرقية فقد كانت الحرارة محتملة جدا بفضل نسمة خفيفة ظلت تنفح كل النهار. فقد كان مشهد النفود جديدا و غريبا و قد وجدته ساحرا.

في اليوم التالي، وصلنا إلى وادي شقيق في التاسعة. اذ انطلقنا منذ الثالثة و النصف للاستفادة من برودة الصباح.

يتراوح عرض وادي شقيق ما بين كيلومتر و كيلومترين و حركة أرضه مضطربة جدا و قعره حجر و منخفض عن مستوى النفود بمسافة 40 إلى 50 مترا. في بعض الأماكن من مجرى النهر، يبرز الصخر و في أماكن أخرى تتكون الأرض من شظايا صغيرة من صوانات قداحات البندقية (صوان عسقلي) و تتناوب التلال الحجرة مع تلال من رمل النفود. و بقدر ما سمح لي مظهر الأرض بتكوين رأي، فلا بد أن يكون وادي شقيق يستقبل جزءا كبيرا من مياه النفود المحيط، مشكلا نوعا ما قمعا للآبار التي تحمل الاسم نفسه و ربما أيضا لآبار الزهيري‏El Zehry .

وصلنا إلى بئري الزهيري في الحادية عشرة. و بالرغم من قطرهما الذي يجاوز المترين، فإن نور النهار لا يصل إلى قعرهما و لم نتمكن من رؤيته. و قبل إنزال السطل و الحبال، رمى محارب حجرا للتأكد من وجود الماء في البئرين فرد صوتا أصمّ.

و الحجر الثاني و الثالث و الرابع أعطت النتيجة إياها في البئرين. لقد امتلآ بالرمل بفعل هبوب الريح. و بعد ما تأكدنا تماما من ذلك غادرناهما متجهين نحو الغرب، فوصلنا بعد ساعتين إلى بئري الشقيق و كان فيهما ماء.

____________

(1)

H. A. Hamaker, Specimen Catalogi Coc. Oriental. Bible Acad. Lugduno- Batavae, Lug.

ص. 101، 1820Bat .,

41

بئرا الزهيري اللتان تتساويان في عمقهما مع بئري الشقيق، تغوصان في التربة نفسها و من المرجح أن تاريخهما يعود إلى الحقبة نفسها، غير أننا لا نعرف لهما سوى اسمهما الأخير و في حد علمي لم يجر قط ذكر اسم البئرين الأوليين.

السيد غوارماني الدقيق جدا في اصطلاحات الصحراء لم يرهما، لذا فهو لم يذكر سوى بئر" شقيق" الذي يقول إن طلال بن رشيد قد دمره ليمنع غزوات الرولة. كل الرحالة الآخرين يقولون إن لهذه الآبار جدرانا. و الحقيقة هي أن عبر طبقة الرمل التي تبلغ سماكتها ما بين 7 و 8 أمتار، تتألف الجدران من حجارة مقصّبة وضعت دون ملاط. أما باقي البئر فقد حفر في الصخر بشكل بدائي. حافات الآبار بليت و باتت مصقولة بفعل الحبال التي ترفع السطول منذ قرون.

بالقرب من البئرين كانت بعض الأسمال مبعثرة على الأرض، روى لي محارب بشأنها قصة محزنة تدعوا الى الرثاء. ففي الأيام الأخيرة من شهر نيسان الماضي، غادر درويش جبه قاصدا الجوف سيرا على الأقدام وحيدا لا يحمل معه سوى قربة صغيرة فيها بضعة ليترات من الماء و قليلا من الطحين. و يبدو أنه وصل إلى بئري الشقيق و لكن لافتقاره الى الماء منذ يوم أو يومين و من دون حبال و لا دلو لسحب الماء من البئر مات ميتة تدعو للشفقة. و قد رأى جثته بعض الفرسان الذين انطلقوا من حائل بعد عشرة أيام. هل فسدت المياه لطول ركودها بسبب عدم سحب الماء منها منذ فترة طويلة؟ أم ربما بسبب رمي جثة الدرويش في البئر سأل محارب؟ فالواقع هو أن مياه البئرين كانت تفوح منهما روائح نتنة لا تحتمل من حامض الهيدروجين المكبرت و حتى الجمال اشمأزت. و مع ذلك فقد اضطررنا إلى مل‏ء القربة التي أفرغناها منذ مغادرتنا الجوف.

كانت حرارة الماء في الدلاء الأخيرة التي رفعت+ 10، 23 درجة. إذا كان النفود مرادفا احيانا في الحديث في البلاد العربية لصحراء خالية من الماء، فإن هذه الصحراء تبدأ فعليا من آبار الشقيق و الزهيري و تنتهي في قرية جبه. غياب الماء هو نقيصة النفود الوحيدة. و هذه النقيصة الوحيدة تجعل اجتيازه مضنيا. و لو لا ذلك لتمتّع الناس و الحيوانات فيه لوفرة العلف و الخشب.

أعتقد أن بوركهاردت هو أول من لاحظ أنه باستثناء الصحراء الكبرى في الجنوب و الربع الخالي و النفود ما بين آبار الشقيق وجبه، لا يوجد في باقي الجزيرة العربية مسيرة أخرى بهذا الطول دون ماء. كان بإمكانه أن يضيف خط الجوف نحو العراق‏

42

و هو أكثر طولا إلى درجة يتعذر معها استخدامه. و لاجتيازه لا بد من القيام بانعطافة كبيرة عبر آبار الهازل و لوقه للوصول إلى آبار شبيكة على درب زبيدة (درب الحج العراقي).

ما إن تزوّدنا بالماء حتى استأنفنا مسيرتنا بسرعة. في اليوم التالي، أي في 3 حزيران، لمحنا من مخيّمنا المسائي و من قمة فلج كبير إحدى قمتي صخرتي العليّم الشهيرتين و في 4 حزيران في الحادية عشرة صباحا كنا نخيّم بجوارهما.

انقضى جزء من يوم 3 حزيران و من صبيحة 4 حزيران في اجتياز منطقة النفود المسماة" الفلوح" (1) و هي الأكثر اضطرابا على طول الطريق من الجوف الى جبه و التي تشتمل على أكثر الأفلاج عمقا و أكثر أمواج الرمل إرتفاعا و من ثمّ فهي أشد الأفلاج إرهاقا لدى اجتيازها. و هي في الوقت نفسه أصعبها بالنسبة إلى العرب، إذ إن الانعطافات الكثيرة تجبرهم على الالتفاف حول الأفلاج و اختيار أسهل الأماكن منالا لاجتياز القمم، كثيرا ما تجعلهم يضيّعون الاتجاه و تطلقهم في مسارات خاطئة متسببة بهدر للوقت و بكثير من التعب دون جدوى.

يسبق الفلوح منطقة موجيان و هي أكبر من الفلوح و تستمد اسمها من تلة كبيرة جدا ترتسم بخط أبيض في الأفق من الشرق إلى الغرب خلال عدة ساعات و تحد الفلوح من الشمال.

في هذه المرة على الأقل لم يرتبك دليلي محارب. منذ انطلاقنا من الجوف كان قد سألني ما إذا كان لدي بوصلة و كلما انتابه شك حول الوجهة، التفت إلي سائلا باقتضاب:" الدرب؟" (الطريق)، و بعد مراجعة جهازي كنت أجيبه بمزيد من الاقتضاب مشيرا إلى هدفنا على الطريقة العربية، أي بشق الأفق بخط عمودي و يدي مفتوحة و ذراعي ممدودة.

صخور عليّم السعد أو عليّم النفود و المسماة عادة عليم هي عبارة عن قمتين من الحجر الرملي‏ (2) تتباعدان بقرابة 200 متر و تتجاوزان بحر الرمل، الجنوبي بأربعين‏

____________

(1) «الفلوح هي الجزء الأكثر و عورة من النفود و الأصعب للاجتياز. إنها سلسلة من التلال الوعرة و من الوديان العميقة حيث لا بد من القيام بالتفافات كثيرة في كل الاتجاهات و الابتعاد في كثير من الأحيان عن الخط المستقيم و اللحاق به فيما بعد بصعوبة كبيرة» (ص. 20 غوارماني).

(2) بلجريف يقول خطأ إنهما من الغرانيت.

43

مترا تقريبا و الشمالي بضعفها تقريبا. من بعيد و حتى مسافة قريبة نوعا، تذكّر قمتاهما برؤوس الأهرام كما تبدو من القاهرة. أما منحدراتهما التي تشكل مع الأفق زاوية تبلغ 45 درجة، فصعبة التسلق لأنها مغطاة بأنقاض الصخور التي تعطيها عن قرب هيئة كومة من الحصى. و على مسافة 4 كيلومترات شمال- شرق صخور العليّم، تلة أخرى طولها كيلومتر واحد و تتجاوز بعض قممها الرمل بعشرة أمتار تقريبا.

رؤية هذه المنارة في بحر الرمل هذا، يولد فرحا إذ بالإضافة إلى أنها تدل على أننا في الطريق الصحيح، فهي تلفت المسافر القادم من الجنوب لحظة رؤيتها إلى أنه قطع ثلث طريقه.

هذه الطريق التي كانت بدءا من الجوف تتجه إلى الجنوب الشرقي، ستتجه الآن انطلاقا من صخور العليّم إلى الجنوب و تميل بضع درجات إلى الغرب.

بعد توقف دام ساعة تابعنا طريقنا. كانت الطريق سهلة نسبيا طيلة باقي هذا اليوم و لكن النباتات شحت عن السابق. الغضا غاب كليا تقريبا و في المقابل" الأرطي" النادرة شمال العليم أصبحت شائعة في الجنوب و لكن نباتات الجمل المفضلة أي النصي و حامض الرمث فلا تزال وافرة.

بدت لي السماء صافية عشية هذا اليوم، فاتخذت موقعا لقياس ارتفاع نجمة القطب و قد منحني ذلك فرصة مراقبة ظاهرة غريبة. كنت لم أزل أضبط أفقي في الزجاج عند ما هب نسيم غربي ناعم. و عند ما أصبحت في وضع المراقبة تعذر علي الحصول على تماس أطراف النجمة التي لم تكن واضحة. من جهة جهاز المسح و لولب التوقف كانا لا يعملان إلا بصرير. فتوقفت حالا و اكتشفت انه مهما كان النسيم ضعيفا فهو يحمل رملا في غاية النعومة يشوّش الصورة المعكوسة بتراكمه على الأفق و في الوقت نفسه يملأ كل أجزاء جهاز المسح بالرمل.

في اليوم التالي (5 حزيران) انطلقنا منذ الثانية فجرا للاستفادة من البرودة. و لكن بعد نصف ساعة اضطررنا إلى التوقف. كان الليل حالكا و قد اختفى كل أثر للدرب فجأة فعدلنا عن السير حتى بواسطة البوصلة. و انتظرنا بوادر الفجر الأولى ممددين على الرمل فيما كانت جمالنا التي لم نتركها تغيب عن نظرنا، ترعى و هي محمّلة.

قرابة السادسة و النصف صباحا التففنا حول فلج كبير يحمل اسم عيون قفيعة لأن‏

44

قعر الصخرتين يشبه عينان طويلتان ضخمتان. و بعد ربع ساعة فلج ثان بأحجام الفلج الأول نفسه و لكنه لا يحمل اسما. قعره هو أيضا من الصخر العاري. قرابة الثامنة مررنا في طريقنا بقرب كومة من الحطب أضاف إليها محارب بضعة أغصان و تدعى" سميحة". و أضاف دليلي أن قصة حب ترجع إلى ألف عام ترتبط بها. هذا النصب الخشبي الذي شيّد تخليدا للموت يخدم منذ ذلك الحين على أنه مرقب لاجتياز النفود.

قرابة الواحدة و النصف من بعد الظهر، التففنا حول فلج كبير يحمل قعره بقعتين ضخمتين بيضاوين. إنه عمق سجيلي يطفو هنا و يبدي مظهر الأرض المحيطة بآبار الزهري و الشقيق. هذا الفلج يدعى البيضا.

أسجل هنا للمستكشفين في المستقبل خصوصية لافتة للانتباه. فبين سميحة و فلج البيضا نمرّ على تلة رملية نستطيع من قمتها أن نرى في آن واحد قمة جبل جبة و قمة أعلى صخرة للعليم.

الطريق التي قطعناها اليوم تجتاز منطقة من أهدأ مناطق النفود. فلا وجود لذيول الرمل شرقي الشجيرات، و لا الشجيرات محنية بفعل الريح في أي اتجاه. و لكن اللافت أكثر هو أننا رأينا طوال اليوم آثارا عديدة لأخفاف الجمال و أظلاف الغزلان و بقرات الواحات‏ (1) التي لا تلبث الريح أن تمحوها. و قد أزالت هذه الآثار العديدة كل تردد بشأن الاتجاه الذي يجب أن نسلكه، فما علينا إلا أن نتبعها.

اليوم السادس و الأخير منذ مغادرتنا الجوف كانت إلى حد ما نظير اليوم الذي سبق وصولي إلى هذه المدينة. فمياه بئر الشقيق تسببت بجعلي مريضا بالرغم من أني غليتها مع الفحم و خففتها بالشاي. صرت أعاني التعب و القيظ و أود الخروج من النفود. تلك كانت أيضا حال رفاقي الذين أصبحوا فجأة شديدي التجهّم.

انطلقنا في السير في الواحدة بعد منتصف الليل و لما كان الليل حالكا طلب مني محارب قنديلي فأشعلته و راح يسير في الطليعة على قدميه. سارت الدرب الآن دون انقطاع و ما كان علينا سوى أن نتبعها. النباتات أصبحت أكثر ندرة منها في الأمس و كذلك بقيت آثار الجمال عديدة. في الثانية عشرة و النصف ظهرا، وصلنا فجأة أمام‏

____________

(1),Alcelaphus bubalus ,le Bubale de Pline [التحرير].

45

جبل جبه. و أبعد بقليل، رأيت الى اليسار في منخفض أرض، سهلا كبيرا ناصع البياض كأنه" سبخة". في هذا القعر قرية جبه التي لا نراها بعد إذ تخفيها كتل صخرية. نسير ساعة بعد و فجأة من قمة آخر تلة رمل نكتشف كل الوادي. في العمق يبدو شريط طويل من شجر النخيل محاطا بجدران، تختبئ فيها القرية.

عند ما نطل فجأة على هذا الحوض الشاسع بانعكاساته الفضية الكامدة التي يتمايز عليها اخضرار النخيل الجميل بعد ما توالى أمام أعيننا على امتداد أيام لون النفود الزهري الرتيب و عند ما تنير كل هذا شمس الظهيرة نظل مبهورين أمام لوحة تبدو خلابة.

قبل دخول جبه أسمح لنفسي بإبداء بعض الآراء حول النفود.

من الصعب جدا تحديد مسار الخط المتبع لاجتياز النفود لأننا نلف باستمرار تقريبا حول الأفلاج، فلا شئ سوى تعرجات و صعود و هبوط. أما الطريق الفعلية أو الدرب المتبعة كتلك التي كثيرا ما تشكل الطرق في الصحراء، فلا وجود لها إنما نتبع دائما اتجاها. و مع إقراره بأن هذا الاتجاه" يحمل الاسم غير الملائم، الطريق" إلا أن السيد غوارماني يروي أن" الدرب من جيوف- عامر هي من صنع بني هلال" (1). و في سبيل ذلك ردمت و ديان و سطحت تلال و سويت أرض النفود الرملية المضطربة كبحر هائج قدر الإمكان.

راضي، دليل السيد و السيدة بلانت روى لهما أنه تحت الرمل، طريق معبدة بالحجارة أنشئت بحجارة جلبت من جبل شمّر. و كان بإمكان المسافرين أن يسألاه لمإذا أتت هذه الحجارة من جبل شمّر طالما أن حجارة جبل الجبة هي أقرب بمسافة يومين سيرا على الأرض، و لكن من الواضح أن هذه المعلومات فيها خطأ.

لاجتياز النفود هناك درب واحدة هي بعرض قائمة الجمل 25 إلى 30 سنتمترا علما بأن هذا المسار يختفي في الأماكن التي تلعب فيها الريح. لدى اجتيازنا الفلوح، رأيت آثار جمال ممحية فورا مع ريح ضعيفة نسبيا. فالرمل كان قد عاد منسابا كبحيرة ماء على مسافة مترين و راءنا.

أفضل دليل و الدليل الوحيد في هذا العبور المضني هو بعر الجمل. فالجمل ينتزع‏

____________

(1)

Itine? raire de Je? rusalem au Neged Septentrional, par M. Guarmani, Bulletin de la Socie? te? de Ge? o-

ص. 504، 1856graphie ,Novembre

46

و هو يمشي لقمة من كل النباتات الموجودة على طريقه. فهو يمضغ و يجتر و يهضم باستمرار دون ان يتوقف. و بعره هو الذي خطط الطريق عبر النفود. و شكل البعر و حجمه هو شكل و حجم تمرة أو زيتونة كبيرة. إنه أسطواني، مخروطي، متماسك جدا، يجف بسرعة و يصبح قاسيا جدا و يظل تحت سماء الجزيرة العربية الرؤوفة سنوات عديدة.

في مناطق النفود الوعرة و المعرّضة للرياح يغطيها الرمل بسهولة، و هذا مفهوم، و لكن النسيم التالي يعود فيكشفها بالسهولة نفسها.

تحمل وجهة عبور النفود هذه اسم خط أبو زايد و أيضا اسم ضيعة عيّاش، و يستعمل الأول في شمال النفود و الثاني في الجنوب.

قضى و الين ستين ساعة لاجتياز المسافة بين الجوف وجبة. و السيد غوارماني قطعها بتسع و أربعين ساعة و نصف الساعة. و حسبت السيد بلجريف أنه قد صرف على الأقل خمسا و ثمانين ساعة. أما أنا فقد اجتزت المسافة في ست و سبعين ساعة. من هنا ترى مدى صعوبة وضع خطوط سير أو خريطة منطقة عند ما لا يشير المسافر إلى السرعة التي سار فيها.

فيما يخصني، على الرغم من جودة مطيتي، كانت لدي أسباب لعدم الاستعجال اذ كنت ارغب في رؤية النفود على راحتي و مراقبته، لذلك فقد سرت تقريبا باستمرار على الأقدام بمعدل 4 كيلومترات تقريبا في الساعة. و لكن أن يكون السيد بلجريف الذي عانى كثيرا في هذه الصحراء و كان مستعجلا للخروج منها قد قضى خمسا و ثمانين ساعة فلا بد أن يكون مرد ذلك الى ركوب جمال من نوعية متدنية جدا. و ما يفسر سرعة و الين هو أنه لم يكن لديه أي متاع و كان يتنقل على ظهر ذلول شراري أي على جمل من أفضل الأنواع في الجزيرة العربية الشمالية. بالنسبة الى السيد غوارماني، نعرف أنه اجتاز النفوذ مستعجلا على ظهر حصان. و في المحصلة مع ذلول جيد بالإمكان دون إرهاق المطيّة إنجاز هذا العبور في ثلاثة أيام بسهولة.

جبّة

ما إن هبطنا منحدر آخر تلة من النفود حتى وجدنا أنفسنا في سهل جبة التي لا تبتعد أكثر من 500 متر و التي يبدو مظهرها الجديد متعة للعين. بعض‏

47

غرسات إثل‏Ithel هرمة خارج الجدران تنعش المنظر.

على غرار الجوف فإن جبة مبنية من الآجرّ المطبوخ في الشمس. غير أن جدران بعض المنازل مصنوعة من الحصى. الانطباع الأول في منتهى الإيجابية. جدران الأسوار و الأبراج التي تتخللها محفوظة جيدا و مظهرها سار. أما الداخل فلا يتجاوب مع الخارج كما هو الحال في كل مكان تقريبا في الشرق.

الحوض الذي تقع فيه جبة له شكل طوبوغرافي خاص. فهو حوض يبلغ طوله ما بين 8 و 9 كيلومترات من الشرق إلى الغرب و عرضه 5 كيلومترات من الشمال الى الجنوب. أما قعره البالغ عمقه 835 مترا فيقع على مستوى أدنى من مستوى النفود ب 60 مترا تقريبا.

لقد تمت مطابقة جبة بأينا بطليموس‏ (1) مما يثبت عراقة قدمها. و على أي حال فإن الاسمين ذوا دلالة واحدة و معناهما البئر أو النبع. و قد احتفظ السكان بذكرى نبع غزير كان يتدفق من جبل جبه.

السكان البالغ عددهم حوالي 800 نسمة يتحدرون من قبيلة شمّر الرمال. و هي سلالة صغيرة قليلة التطور. و هم غير محبوبين على الإطلاق في الجبل بسبب عدم انفتاحهم و اختلاطهم و بخلهم على الضيف. و تروي الليدي آن بلانت أنها شكت من معاملتهم.

لا وجود لأي زراعة بأستثناء النخيل التي يستخدمون من أجلها قرابة أربعين بئرا تقع مياهها على عمق 12 أو 15 مترا تقريبا، و لا يتبدل مستواها ابدا كما أكدوا لي. الدوالي، و هي عديمة الطعم، و لكنني أفضلها على ماء الجوف. بعض الآبار يعطي مياها مالحة غير قابلة للشرب. الحرارة التي قيست في بعض الآبار التي كانت تسحب منها المياه منذ عدة ساعات كانت في كل مرة تسجل+ 9، 22 درجة.

التمور صغيرة ورديئة، و يعزو السكان ذلك إلى المياه المالحة، و لكنني أعتقد أنهم هم وحدهم سبب ذلك لأن أشجار النخيل مهملة. الكميات القليلة من الأرز و القمح التي يحتاجون إليها يستقدمونها من حائل. و موقعهم في وسط النفود يسمح لهم لحسن الحظ بتربية بعض قطعان الإبل بسهولة.

____________

(1)-

A. Sprenger, Die Alte Geographie Arabiens. Aus Grundlage der Entwicklungs geschichte der Semi

ص. 171. 1875tismus .Nachdruck D .Ausgabe ,Bern ,

48

على مسافة 3 كيلومترات غربي القرية، تنتصب بعض قمم الصلصال الرملي و أعلاها هي أم السلمان‏ (1). و قد تسلقتها غداة وصولي إلى جبه، بالرغم من تحذيرات السكان الذين قالوا لي إنه لا يوجد طريق اليها، و قد تأكد لي صحة ذلك. إلى مستوى ثلثي الارتفاع لا يواجه الصعود أي صعوبة. و لكن من بعد ذلك يصبح المنحدر وعرا جدا تغطيه شظايا من الحجر الرملي تبدو و كأنها متفحمة و تشبه في شكلها القرميد المكسّر.

و يبدو و كأن الجبل كان مغطى بقشرة بسماكة 3 الى 4 سنتيمترات تمّ تكسيرها في مكانها. هذه الشظايا هي في حالة انعدام توازن بسبب قوة انحدار القمة لدرجة أن أدنى ملامسة لها تجعلها تسقط جارفة معها كتلة ضخمة من الحجارة. و بديهي في هذه الحالة أن القدمين لا تكفيان وحدهما لبلوغ القمة و هما أقل كفاية للنزول.

عند بلوغي القمة بعد شروق الشمس بقليل، تسنى لي التمتع بمشهد رائع و مؤثر.

ان قمة أم السلمان بمنحدرها الوعر جدا من الجهة الشرقية، تنزل عموديا من الجهة الغربية. و على امتداد مترين، لا يتعدى عرض القمة مترا واحدا بحيث لا يتسع إلا لجلوس شخصين. كانت ريح الظهر تعصف قوية و لا تسمح بالوقوف، فجلست مستندا الى الصخر.

لحسن الحظ لقيت مكافأة على تعبي و آلامي (إذ تجرحت يداي و بالأخص قدماي) برؤية مشهد رائع و بالأخص في رأس أعلى صخرتي العليّم و هو الدافع الرئيس لصعودي.

فإن ارتفاع هذه القمة يسمح لي بالتأكد من مسار طريقي. كما استطعت أن أرى جبلا طويلا قرب الجوف و جبل شمّر في الجنوب و جبل عوثة على مسافة عشرة كيلومترات شرقي جبة.

تبدو لي أم السلمان فوهة بركان لم يتبق منها سوى جدارها الشرقي. هذا الافتراض يفسر و عورة المنحدر الخارجي للقمة من الجهة الشرقية و عموديّة الجدار الغربي.

مغادرتي المفاجئة لجبه لم تسمح لي بالتوغل أكثر من أبحاثي بهذا الصدد لكنني ألفت نظر المستكشفين المقبلين كما أوصي بتسلق القمة لهواة الانفعالات.

و قد سجل جهازي لقمة رأس سلمان، ارتفاعا بلغ 370 مترا فوق مستوى أرض جبة.

____________

(1) و الين يسميها مسلمان، غوارماني أمّ سنمان، ام السلمان، كما و أن جبل جبة يشير الى مجمل الجبل الذي تبلغ مساحته ما بين 3 و 4 كيلومترات مربعة. و أعلى قمة فيه لا تزال تدعى رأس سلمان.

49

و استكمالا لما عرفته عن جبل جبة (1)، لا بد من الإضافة، وفق ما أورده السكان، لأنني لم أعثر على أثر لذلك لدى المؤلفين العرب، أن اسمه كان قديما القطيفة. و إلى ذلك فإن مظهره الموحش و منحدراته المكسوة بالردم أكسبته سمعة سيئة ساهم فيها الى حد بعيد الجن الذين كان لديهم قصر و كنوز مخفية على قمة هذا الجبل في غابر الزمان. لذا يجب عدم الإلحاح على السكان للحصول على دليل أو رفيق تسلّق. يكفي أنهم يسمحون لك بالقيام بذلك و أن يستقبلوك لدى عودتك بينهم إذ لا بد أن تكون رائحة كبريت تفوح منك.

لدى عودتي الى مضافة شيخ عقيل الذي كنت ضيفا عنده، وجدت بدويا يروي أن الأمير محمد بن رشيد قد غادر عاصمته حائل منذ بضعة أيام و أنه موجود حاليا في أم القلبان و هي قرية في النفود تقع على مسافة يوم شرق- جنوب- شرقي جبه التي جاء منها البدوي. فسألته ما إذا كان الأمير سيبقى بعض الوقت في هذا المكان و يعود بعد ذلك الى حائل أو إنه سينطلق في رحلة في الصحراء و لكنه لم يستطع إجابتي.

إلى أم القلبان‏

كنت أعلق أهمية بالغة على لقاء أمير شمّر. و لم اكن واثقا من الاستقبال الذي سألقاه من الأمير و إن كنت لا أشاطر دليلي المخاوف التي بدأ يكشفها تدريجيا بهذا الخصوص كلما اقتربنا من الجبل، لكنني كنت أفضل أن يستقبلني الأمير بنفسه. دون أن يعكر ذلك تصرف شخص من اتباعه يسي‏ء الي و لا يريد الأمير منعه.

لاحقا، و بعد ما تعرفت بصورة أفضل إلى الرجال و شتى الأمور، تأكد لي أنني حزرت. و منذ عودتي إلى أوروبا، جاءت معرفتي بالمحن التي تعرض لها

____________

(1) ليدي آن بلانت تفترض هنا وجود بحر قديما. و لكن من دون نفي هذا الاحتمال قطعيا، فإنني ألفت الى أن تأكل الصخور الواقعة غرب جبة و الذي قد يوحي بهذه الفكرة يمكن أن نعزوه الى سبب آخر. فقد لاحظت مرارا خلال أسفاري خطوطا أفقية عميقة على مجموعات صخرية توحي فورا و بالأخص من بعيد بأنها ناجمة عن ملامسة المياه بالرغم من استحالة القبول بهذا السبب. لذا، لا بد في الغالب من ان ننسب هذه الخطوط الى تفتت طبقة متوسطة تتفتت تحت تأثير كل العوامل الجوية. و إنني أعطي هنا دورا ثانويا للغاية لفعل الريح الذي أعتقد أنه ضخم في كثير من الأحيان.

50

السيد شارل دوتي في ظرف مماثل لترسخ قناعتي‏ (1).

قررت المغادرة فورا الى أم القلبان. و بعد ما ضمدت كل جروحي التي أصابتني خلال تسلقي و نزولي لرأس سلمان امتطيت الرحل مجددا و غادرت جبة بعد الثالثة مساء.

و بعد ساعتين كنا نخيم قرب صخور عوثة لصنع الخبز. و لم تمض ساعة حتى انطلقنا للاستفادة من برودة المساء و سرنا لمدة ساعتين إضافيتين. و إذ بدا النفود صعبا من جديد أقمنا مخيما لقضاء الليل. ابتداء من جبة و حتى صخور عوثة تخلو الأرض من الرمل و لكنها محرومة أيضا من كل النباتات. إن مظهرها الأبيض يجعل اجتيازها صعبا جدا خلال النهار إذ إن انعكاس النور يرهق العيون.

في اليوم التالي 8 حزيران، انطلقنا في الثالثة فجرا. و على الرغم من تضاؤل عدد الأفلاج المنتظمة فإن النفود لم يكن سهلا البتة فأودية كثيرة تتخلله، و كثيرا ما يبرز الصخر العاري.

لم نتوقف إلا ساعة واحدة في الصباح لتناول الفطور ثم تابعنا سيرنا نحث الجمال باستمرار للوصول قبل هبوط الليل. كلما تقدمنا، كنت أرى محاربا يزداد قلقا من الاستقبال الذي ينتظرنا هناك. فإذا كان استقبالي سيئا ربما تأثر مثلي من غضب الأمير. و من جهة أخرى فإن محاربا يصلّي بانتظام، إذ هو مؤمن حقا و من ثم ليست قيادة شخص غير مؤمن إلى الأمير مسألة سهلة بالنسبة إليه. و قد سألني مرتين أو ثلاث مرات خلال اليوم الأخير بشي‏ء من القلق ما إذا كنت متأكدا و جازما أنني سألقى استقبالا جيدا. فطمأنته و تمكنت من إقناعه تقريبا.

منذ ما قبل الظهر بدأنا نصادف بدوا، إمّا فرادى أو مع قطعان إبل أو ماعز أو خراف. و علمنا من هؤلاء الرعاة أنّ الأمير في أم القلبان لتفقد جزء من قطعانه و أنه باق فيها لبضعة أيام.

قبل وصولنا إلى مقصدنا بساعتين قال لي محارب إنه يستحسن أن يسبقني ليعلن‏

____________

(1) دوتي وصل الى حائل خلال غياب الأمير و استقبله عنبر، أحد عبيده الذي عينه واليا حتى يعود. و قد أصدر عنبر، بالاعتداد الذي يميزه و الذي تبين لي فيما بعد، أمرا الى السيد دوتي بمغادرة أراضي شمر فورا و هدد الرجلين من هتيم اللذين أتيا به بالموت إذا لم يعودا أدراجهما معه من حيث أتوا مع العلم أن السيد دوتي كان مزودا برسالة توصية للأمير من والي المدينة.

( Wanderungen zwrischen Teima, Hail, Khaibar und Bereida, von Charles Mac Doughty Globus, 2881,

(ص. 250

51

وصولي إلى الأمير. و لكي يزيد من تشريفي و من أجل السرعة طلب مني استخدام ذلولي. كنت امتطي كما في كل رحلاتي جملا رائعا يسري في شرايينه دم شراري.

كانت ناقة في السابعة من العمر تثير إعجاب البدو بشكلها الأنيق. فتبادلنا المطايا و رحل مسرعا، سعيدا بمطيته الرائعة.

كلما تقدمنا ازداد عدد القطعان و أصبحت الحركة أكثر نشاطا. كانت رؤية النفود فجأة عارما بالحركة، مشهدا جديدا علينا بعد ما أمضينا أياما في الصحراء المطلقة. و قد حافظت الصحراء على مظهرها الذي بدت فيه منذ مغادرتنا جبه أي إن الأفلاج كانت نادرة و كأن تلالا استبدلت بها كان جزء منها موازيا لطريقنا لحسن الحظ. فبدلا من أن نضطر إلى اجتيازها ما كان علينا إلا أن نسير بمحاذاتها.

قبل وصولنا بدقائق، رأيت محاربا يطل علينا من جديد منفرج الأسارير معلنا أنه قابل الأمير الذي بدا مسرورا و أراد أن يستقبلني على الفور. ما عاد دليلي يتوقف عن الثرثرة ارتياحا و فرحا و يصيح في كل لحظة" الحمد لله"، و هذا ما ردّدته كل مرة بورع.

كنا نهبط عندئذ فلجا ضخما، أحد أكبر الأفلاج التي شاهدتها في النفود حيث تقوم في قعره أم القلبان بنخيلها الأخضر المتمايز بشكل لطيف جدا عن الرمل الأحمر. كانت تسودها حركة هائلة. صفوف لا متناهية من الإبل تطلق كلها خوارها كما تفعل عادة لدى عودتها من المراعي في المساء، تروح و تجي‏ء. و صوت السواني يشنف الآذان.

انبسطت أمامنا ملكية واسعة سرنا بمحاذاتها حتى وسطها و رأينا آنذاك بابا كبيرا بمصراع واحد مواجها الشمال. و بدا في المحيط بعض الرجال بقمصان ناصعة البياض. فمنذ غادرت سورية لم أعد معتادا على هذه النظافة الفخمة. كان هؤلاء الرجال بكوفياتهم الحمراء الصارخة، مزودين بعصي طويلة من أغصان النخيل يبلغ طولها حوالي 60، 1 متر طردوا بها البدو الجالسين بالقرب من الباب بقساوة شديدة.

اخذ أحد هؤلاء الرجال ناقتي من اللجام و سار بها عبر ممر طويل إلى باحة كبيرة ثم فتح بابا آخر يفضي إلى فناء حيث ترجلت. كان بانتظاري هنا رجل يعتمر كوفية من الحرير الأصفر و عقالا مقصب بالذهب و على كتفيه عباءة سوداء مطرزة بالذهب‏

52

حول العنق، يحمل بيده سيفا بمقبض وزينة من الفضة الخالصة، و بادرني ب" السلام عليك" فرددت بتودد" و عليك السلام" فأبلغني تحية الأمير و أنه مكلف بمرافقتي إليه.

أخذني بيميني ليثبت لي أنني في أمان و جعلني أعبر بابا صغيرا فوجدنا أنفسنا أمام حوض يغذيه ماء جار. و أبعد منه يمتد بستان جميل، مزروع بشكل شبه حصري بالرمان يسود فيه ظل و برودة لذيذان.

درنا حول الحوض و وجدت نفسي في حضرة أربعين رجلا مصفوفين بشكل دائري يجلسون جميعا القرفصاء على الأرض. و يمتد السجاد أمام منزل صغير. هنا كان يجلس الأمير وحيدا و ظهره مسند إلى سرجه لدى وصولي، وقف اثنان من المساعدين ليسمحا لي بدخول الدائرة. حييت الأمير فنهض عندئذ و أضاف في رده على تحيتي:" مرحبا" ثم أعطاني يده على الطريقة العربية أي دون أن يشدها ثم قبّل السبابة و جعلني أجلس إلى جانبه.

و سألني بكثير من الاهتمام ما إذا كانت رحلتي موفقة و لم ألق مشقة أو تعبا ثم استفسر عن هدف رحلتي و تطرق إلى هذا الموضوع مرارا ليس في هذا المساء فحسب بل لاحقا أيضا. فهو لا يعتقد أبدا أن العلم وحده يدفع أيا كان للسفر في صحاري الجزيرة العربية حيث لا يرى هو فيها أي شي‏ء علمي على الإطلاق. ثم طلب مني أخبارا سياسية و بالأخص ما قيل في دمشق و حوران بشأن الغزو الذي قام به قبل شهرين في وادي سرحان متوغلا إلى ما هو أبعد من القصر الأزرق إلى ما يقل عن مسافة يوم من جبل الدروز و قد شعر مدحت باشا، و الي دمشق في ذلك الحين، بقلق عميق من جراء ذلك. و حدثني أيضا عن السيد و السيدة بلانت اللذين امضيا ثمانية عشر شهرا في حائل. و قد احتفظ بذكرى طيبة عنهما و لكنه ابدى تعجبا شديدا لرؤية السيد بلانت لا يقبل أبدا فنجان القهوة إلا بعد زوجته و يجعلها دائما تمر قبله، و تجلس دائما في المرتبة الثانية إلخ ... و سألني ما إذا كانت الأمور تجري على هذا النحو عند جميع النصارى. و لكن أكثر ما أدهش الأمير و جميع العرب كذلك هو رؤية ليدي آن بلانت تمتطي حصانا و على اكمل وجه.

بلغ الأمير محمد بن رشيد من العمر ستا و أربعين سنة طوله 65، 1 م. وجهه ينضح بالعزم و معبّر. نظره ثاقب و كثير الحركة و هو يتنقل باستمرار من شخص إلى آخر

53

مما يجعله يبدو دائم القلق. في المقابل ابتسامته سخية و عذبة جدا و لحيته الخفيفة الشعر و السوداء تشهد على أنه بدوي. و هو محدث و يحب الدعابة.

رأيته شديد الاهتمام باستمرار بضيفه، بأن يكون مرتاحا في جلوسه و يأخذ راحته تماما. و قد أوصاني دائما بألا أقلد مواطنيه بل أن أتبع تقاليدنا نحن مؤكدا لي أن ذلك يسعده.

و سرعان ما كسبت وده و قبل وصولي إلى حائل كنت متاكدا من أنه لن يضع أي مانع لإنجاز مهمتي. أما فيما يتعلق بعزمي على الذهاب إلى القصيم و أبعد منه، فقد حثني منذ اليوم الأول على عدم تحقيق ذلك فتلك البلاد سيئة من كل الأوجه كما قال. و أضاف:" ستبقى معنا" و لكي أتكيف فورا مع المحيط الجيد الذي سيصبح محيطي بعد الآن، شرع يعطيني أسماء ضباطه الرئيسين الماثلين أمامنا في الدائرة.

إنما هاكم سمة تصور المسلم، و هي من وراء المظاهر الأكثر توددا و لطافة تسمح ببروز الوهابي.

منذ اللحظات الأولى من محادثتنا، بعد تبادل اللياقات، و ما إن عرف نيتي بالإقامة في بلد عربي، حتى شعر بوخز ضمير إزاء البقاء طويلا على اتصال مع شخص غير مؤمن، لكن فكره المتنور من نواح أخرى دفعه إلى كتم هذا الوخز. و لكي يريح ضميره سألني بغتة ما إذا كنت أعرف شهادة الدين الإسلامي فأجبت بالإيجاب فقال" ردّدها" فتلوت في الحال بمنتهى الجدية:" لا إله إلا الله محمد رسول الله".

الدقة تقضي بأن اذكر كلمة" أشهد" قبل الجملة المقدسة، إلا أنه شاء التغاضي عن هذه الثغرة. و لم أكد ألفظ الشهادة العزيزة على المؤمنين و التي استقبلها كل الجمع بهمس مؤيد، حتى صاح الأمير فرحا:" و الله انت مسلم عندي". منذ تلك اللحظة التي لم يعد يخالجه فيها أي تأنيب ضمير، تحرر من كل قيد و عاملني كأخ في الدين، أي كندّ له.

و في ختام دراسة العادات الموجزة، أضيف أنه طوال إقامتي في الجبل و باستثناء مرة أو مرتين أصابتني بسبب حسد أشخاص آخرين، فقد تمتعت بحظوة الأمير و ابن عمه حمود و كل عائلتهما الثابتة. فكنت أدخل بحرية تامة إلى كل مكان و الجميع كانوا ينادونني بالأخ و الصديق. و في نهاية إقامتي، قال لي الأمير مرارا إنني اصبحت الآن واحدا منهم و إنني شمّري.

54

أوفر حظا من بالغرايف وليدي آن بلانت. لم أختبئ قطّ لتدوين ملاحظاتي و كتابة مذكراتي. و في كثير من الأحيان عند ما كنت أرغب في الحصول على الكتابة الصحيحة للأسماء الجغرافية، كان الأمير يكتبها لي بنفسه. الرسائل العديدة التي تسلّمتها من الأمير و من أصدقائي في الجبل منذ مغادرتي الجزيرة العربية تثبت لي أنني تركت ذكرى طيبة فعلا. و أنا مدين للأمير بكل ما أنجزته في مهمتي و سأحفظ له امتناني دوما.

لقد بذل جهده باستمرار لثنيي عن القيام برحلاتي في القصيم و في الحجاز لأن الخطر فيهما كان، كما تبين لي لاحقا، حقيقيا. و لكن عند ما أعطاني موافقته، بذل كل ما في وسعه لضمان نجاحي. فعلى الرغم من غرابة الأمر و خطره على هيبته كأمير مسلم و وهابي كان دوما يعطيني رسائل توصية عند ما كان يرى ذلك ضروريا.

بعد وصولي بأربعة أيام، غادر الأمير و حاشيته أم القلبان للعودة إلى حائل.

في فجر 12 حزيران كان الجميع ممتطين الرحال فسرنا ثلاث ساعات خببا باتجاه الجنوب الشرقي. في ختام هذا الوقت وصلنا إلى أحد حصون جبل شمر المسمى الاصور. و كانت مطابخ الأمير التي سبقتنا بوقت طويل، قد أعدت الفطور. تلت الوجبة قيلولة طويلة و بعدها وضعت علامة تسديد من ورق على صخرة مجاورة و مارسنا الرماية لمدة ساعة. و اكتشفت بهذه المناسبة أن الأمير كان في عداد رماة الجبل الماهرين.

الاصور هو مورد حيث تحبس مياه المطر على ارتفاع معين في الجبل في شق غرانيتي، بقي فيه ماء إلى ما بعد رحيلنا.

على مسافة ساعة سير من أم القلبان، توقف النفود فجأة كما بدأ. و الحد الفاصل حاد إلى درجة يمكن معها وضع قدم في النفود و الأخرى على الغرانيت الذي يليه.

عند الثالثة من بعد الظهر، امتطينا الجمال و غادرنا الاصور. و خببا وصلنا بعد ساعتين إلى اللقيثة (1) و هي قرية جميلة يملك فيها الأمير ملكية رائعة من النخيل و أشجار الفاكهة. فقضينا الليل فيها.

____________

(1) و الين يسميها لقيطة، غوارماني ليشيته، السيدة بلانت الاميتت.