رحلتان إلى الحجاز ونجد

- محمد بهجة البيطار المزيد...
178 /
5

تقديم‏

لسنا في حاجة إلى تبيان خصائص أدب الرحلات، لأن ما كتب عن هذا الصنف من الأدب كثير كثير، و لكننا نود أن نشير إلى أن الرحلات إلى أرض الحجاز جد كثيرة، و الباعث عليها أداء فريضة الحج. و لكن القليل من هذه الرحلات تم لأسباب أخرى، مثل الرحلة التي قام بها علّامة الشام الكبير محمد بهجة البيطار عام 1920 م، و الذي زار الحجاز و مشارف نجد بمهمة و طنية سياسية لمقابلة العاهل السعودي الأمير عبد العزيز آل سعود [آنذاك‏] و تبليغه رسالتين: الأولى من المصلح الإسلامي الكبير محمد رشيد رضا، و الثانية من الأمير فيصل بن الحسين حاكم الشام آنذاك، حول توحيد كلمة العرب و المسلمين لمواجهة المخاطر الخارجية. و قد صادفت الشيخ البيطار مشاق جمة وصفها في رحلته، و هي صعوبات تتعلق بانفلات الأمن على طريق الحاج، و تحكم روح الغزو و منطق السلب و النهب بالكثير من الأعراب.

و هذا الوصف الذي قدمه الشيخ محمد بهجة البيطار كان آخر العهد بهذه الفوضى التي نشبت في جزيرة العرب منذ مطالع العهد العثماني، عند ما نزعت السلطنة في الأستانة من أيدي زعامات العرب التقليدية جميع الامتيازات التي منحتها دولة المماليك لهم، إذ كانوا في دولة المماليك أصحاب سلطة فعلية و ألقاب شريفة و مخصصات معتبرة، و لذلك كان الأمن‏

6

مبسوطا في ربوع الجزيرة بما فيها بادية الشام، و كان طريق الحاج آمنا من تعديات المتعدين، و لكن السلطنة العثمانية بنزعتها المركزية، و بعدم تقديرها لطبيعة أهل البادية و خصوصيتهم، و محاولاتها المستمرة لتحطيم البنى التقليدية للزعامات التاريخية، التي تحتل في نفوس أهل البادية معان كبيرة، ساهمت من حيث تدري أو لا تدري بخلق حالة الفوضى التي استمرت عدة قرون، و لم يقيض لها أن تنتهي إلا في الثلث الأول من القرن العشرين، في عهد الملك عبد العزيز آل سعود، عند ما بسطت الدولة السعودية نفوذها على نجد و الحجاز.

و لذلك شكلت هذه التجربة مصدر سعادة للكثير من العرب، و خصوصا في بلاد الشام، الذين كانوا في ذلك الزمن أي في عشرينيات القرن العشرين، يتطلعون إلى بناء كيان عربي مستقل يشمل فيما يشمله الجزيرة العربية و الهلال الخصيب، حيث كانت أنظار الزعامات الوطنية و الدينية ترنو إلى جزيرة العرب، منتظرة أن يكون زعيم العرب أجمعين من هذه البلاد الشريفة، و لم يكن مستغربا أن ينظر الكثيرون إلى الملك عبد العزيز آل سعود كمعقد أمل و رجاء في زمن تكالبت فيه المطامع الغربية على المنطقة العربية، و هذا ما نلمسه بشكل واضح وجلي في الرحلة الثانية التي يضمها هذا الكتاب، و هي رحلة الشيخ محمد سعود العوري قاضي القدس الشريف، الذي حج إلى الأراضي المقدسة في الحجاز عام‏

7

1929 م مكرسا جانبا مهما من حديثه عن مزايا و خصال الملك عبد العزيز، الذي كان يمثل بالنسبة أشبه بمخلّص للعرب من واقعهم المظلم، مشددا في كل حديث له على ضرورة توحيد كلمة العرب، و إيجاد مرجعية عليا لهم، تشبه الاتحاد، خصوصا أنه من أبناء فلسطين الذين كانوا يرون الصهاينة يقضمون الأرض شيئا فشيئا تحت نظر الانتداب البريطاني، الذي كان يوفر الحماية لهم.

و تعلق أهل الشام بزعامات الجزيرة العربية في ذلك الزمن لم يكن محصورا بأشخاص معينين، بل كان يشكل مصدر إجماع بين جميع أطياف العمل السياسي، و لكن الخلاف كان على الأسماء، فهناك أحزاب كانت تؤيد أشراف مكة، و أحزاب أخرى كانت تؤيد السعوديين، ففي سورية كان الخلاف بين الزعماء الوطنيين في العشرينيات و الثلاثينيات أيام الانتداب الفرنسي، على اسم زعيم سوريا المستقبلي؛ هل هو أحد أشراف مكة أم أحد أبناء الملك عبد العزيز آل سعود، إذ كان الزعيم شكري القوتلي من أبرز المنادين بتسلم الملك فيصل بن عبد العزيز الحكم في سوريا بعد أن تصبح مملكة دستورية، في حين كان الحزب المنافس له يدعو للها شميين؟.

و لذلك فالرحلتان اللتان يضمهما هذا الكتاب، يضافان إلى جملة الوثائق التاريخية التي تخص تلك المرحلة الحساسة و المفصلية من تاريخ العرب الحديث، و يصوران بشكل أو بآخر

8

حقيقة المشاعر و التطلعات التي كانت تشغل أبناء الشام في تلك الحقبة الخطيرة.

صدرت الرحلة الأولى في دمشق عام 1967 م أي بعد كتابتها بنحو 47 سنة، و قد ذكر الشيخ البيطار أنه تركها كما هي لم يغير في صياغتها شيئا «لتبقى لها صورتها الأولى و لتحمل جوها الأصيل»، في حين صدرت الرحلة الثانية في القاهرة عام 1930 م في المطبعة السلفية بعد أن نشرت على حلقات في جريدة «الصراط المستقيم»، كما أشار إلى ذلك الشيخ العوري في معرض حديثه.

و رغم التفاوت بين الرحلتين من حيث الأسلوب وسعة الأفق، إلا أن ما يجمعها أنهما يخصان عالمين من بلاد الشام، كانت لديهما رؤية متقاربة لواقع و مستقبل العرب و المسلمين في ذلك الوقت، على الرغم من أن عقدا من الزمن يفصل بين الرحلتين. و هو عقد شهد تحقق المشاريع الاستعمارية الغربية في بلاد الشام على أرض الواقع، و تقسيم هذا الإقليم العربي إلى سبع دول مختلفة، قبل أن تتحد أربع منها في الدولة السورية.

و لم نتدخل في صياغات الرحلتين، و ما فعلناه فقط هو تخريج الآيات القرآنية الواردة في النصين، كما عرّفنا ببعض الأسماء الواردة قدر المستطاع.

تيسير خلف دمشق 10 شباط 2009 م.

9

الرحلة النجدية الحجازية صور من حياة البادية 1338 ه- 1920 م‏

بقلم محمد بهجة البيطار الدمشقي‏

10

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

11

الفهرس‏

مقدمة 13

طريق السفر 15

واقعتنا مع الأعراب من بني عطية 22

الساعة الثانية الرهيبة 30

الساعة الثالثة المشؤومة 34

عود إلى وصف الطعام و المنام و الركوب 42

نبذة من أخبار المتدينة 45

قرية الحائط 47

حال البلد الطيب العلمية 54

المدارس الأميرية 54

العلماء الغرباء في طيبة الغراء 56

رجوعي من المدينة المنورة إلى دمشق 57

الرسالة الأولى 58

الرسالة الثانية 62

الرسالة الثالثة 64

ترجمة محمد بهجة البيطار الدمشقي 69

12

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

13

[مقدمة مولف‏]

بسم اللّه الرحمن الرحيم‏

الحمد للّه حق حمده، سبحانه لا نحصي ثناء عليه هو كما أثنى على نفسه، نحمده و نشكره، و نتوب إليه و نستغفره، و نصلي و نسلم على من أرسل رحمة للعالمين سيدنا محمد، و على سائر إخوانه الأنبياء و المرسلين، و من تبعهم بإحسان.

و بعد، فلما انقضى عهد الحكومة التركية في ديار الشام، و حلّت محلها الحكومة العربية الأولى التي ترأسها الأمير فيصل بن الحسين، قبل أن يصير ملكا، دعا إليه الإمام السيد محمد رشيد رضا من مصر ليكون عونا له في الشؤون العربية و الإسلامية، فكان منهما أن اعتزما إرسال كتابين باسمهما مع رسولين أمينين يبلغان رسالتيهما كتابة و مشافهة إلى الأمير عبد العزيز آل سعود في نجد، قبل أن يكون ملكا أيضا، و هما يدعوان إلى نصر الإسلام، و عقد اتفاق عام بين جميع أمراء الجزيرة العربية و أئمتها الكرام دفعا للعدوان الأجنبي. و تم اختيارهما لهذا الضعيف ليبلغ الرسالة الدينية التي كتبها السيد محمد رشيد رضا صاحب «المنار»، و للأخ شلاش النجدي الذي كان مؤتمن الأمير فيصل لإيصال الرسالة السياسية، فسافرنا بمشيئة اللّه متوكلين عليه، مسلّمين أمرنا إليه، و لقينا من المخاطر و الأهوال ما تشيب له النواصي، و كنا نحتسب ذلك عند اللّه، و نرجو أن يكون ذلك جهادا في سبيله، و ابتغاء رضوانه و مثوبته، و يجد القارئ وصفا لذلك كله في‏

14

مذكراتي هذه المفصلة عن هذه الرحلة التي امتدت خمسين يوما.

و قد أشار عليّ بعض الإخوان بنشر هذه الرحلة لطرافتها و لتصويرها الواقعي الأمين لفترة مضطربة رهيبة من حياة الجزيرة العربية، كانت تتخطف فيها لأرواح و تسلب الأموال و تنتهك الحرمات، و لتذكير المسلمين بالخط الحديدي الحجازي الذي يربط بين الأقطار و يقرب الأمصار، عسى أن يكونوا أكثر جدا في تجديده، و أوفر حرصا على إعادته لفوائده الروحية و الاقتصادية و الاجتماعية. و قد آثرت أن تطبع الرحلة كما كتبت أول مرة، و لم أعمل فيها يد التنقيح أو التهذيب لتبقى لها صورتها الأولى و لتحمل جوها الأصيل.

و في آخر الرحلة ثلاثة كتب مهمة في موضوعها. و رأيت أخيرا أن أكتب ترجمة موجزة لحياتي و ألحقها بها. و الحمد للّه رب العالمين.

محمد بهجة البيطار

15

[طريق السفر]

يوم السبت في 8 جمادى الثانية عام 1338 ه «1920 م»

باسمه تعالى و بحمده‏

سرنا على بركة اللّه و يمنه، و سار بنا القطار الحجازي الخاص من «محطة القنوات» في دمشق الشام، الساعة الثالثة و عشر دقائق صباحا، و مررنا بالمحطات‏ (1) التالية:

«الكسوة» في الساعة الرابعة و الدقيقة العشرين.

«دير علي» الساعة الخامسة. ثم «المسمية» في الساعة الخامسة و النصف، و قد شاهدنا بها آلة ميكانيكية لاستخراج الماء. و فيها ماء عذب خفيف.

«جباب» الساعة السادسة، و لم نقف عندها، أما في المحطات الأولى فقد وقفنا في كل منها بضع دقائق.

«خبب» في الساعة السادسة و الربع، ثم «المحجة» بعد ربع ساعة، ثم «إزرع» في تمام الساعة السابعة، ثم «خربة الغزالة» في السابعة و الدقيقة الخامسة و العشرين، و هي أول قرية اجتمعنا فيها بإخواننا الميدانيين‏ (2)، ثم وصلنا إلى «درعا» الساعة الثامنة، و هي أرقى من كل ما سبقها من المحطات، و أبنية الحكومة فيها فخمة، و قد تجولنا فيها قليلا، و لم‏

____________

(1) بالتوقيت الغروبي لا الزوالي.

(2) نسبة لحي الميدان الدمشقي.

16

تتيسر لنا زيارتها كلها، و لا زيارة إخواننا الميدانيين فيها، و فيها نزل لطيف، و قد أنسنا فيها بلقاء أبناء عمنا الأفندية حمدي و بشير و فهمي، و جلسنا عندهم نحو نصف ساعة، و ابتعنا من مخزنهم و غيره بمقدار مائتين و خمسين قرشا، و ابن عمنا حسني أفندي هو محاسب حوران الآن سلمهم اللّه، و في درعا فرع للخط من جهة الغرب إلى حيفا.

و تابعنا سيرنا فبلغنا «المفرق» في الساعة الحادية عشرة و الدقيقة الخامسة عشرة، و قد شاهدنا بأم العين آثار المعارك الدموية الهائلة التي جرت في تلك البقعة بين العرب و الترك، من عظام بالية، و قطارات معطلة، و تحصينات مخربة، فحسبنا اللّه و نعم الوكيل.

و بلغنا «خربة السمرا» الساعة الثانية عشرة مساء، ثم «الزرقاء» في الساعة الواحدة ليلا، و هي قرية يسكنها الجركس، و الذي اشتهرت به هو عينها الشهيرة بعين «الزرقاء»، و هي نهر في الجنوب الغربي و يمتد من البلقاء إلى بحيرة لوط (3). ثم «عمّان» الساعة الثانية ليلا، و فيها آلة ميكانيكية لاستخراج الماء، و قد تناولنا في المحطة طعام العشاء، و شربنا الشاي و القهوة، و دار بيننا حديث في أخلاق الحجازيين، و الشاميين و النجديين، و اتفقنا على أنه لا معصوم إلا من عصم اللّه، ثم بتنا ليلتنا في قطارنا، و قد جالت في‏

____________

(3) أي البحر الميت.

17

صدري هذه الآبيات التي وجهت بها إلى صديقنا الأستاذ عبد الحكيم الطرابلسي مدير مدرسة التوفيق و هي:

«فاتحة القول»

ديونك يا عبد الحكيم فأنصف‏* * * و بادر إلى توفير مال بها يفي‏

و إن شئت أن تحيا عزيزا مكرّما* * * فكن رجلا في كل حال و موقف‏

«دمعة حب، ولوعة شوق»

أتذكر إذ ودعتكم ظهر «جمعة»* * * و حبّيك يا هذا لقد كان متلفي‏

و نيران شوقي بعد بعدي و غربتي‏* * * أثارت لهيبا في الحشا ليس ينطفي‏

«الدواء الناجع»

لئن كنت يا خلي، و «بهجة» مهجتي‏* * * مشوقا كشوقي مع مزيد تلهف‏

فعندك من أصحابنا من يذيبه‏* * * و لو شوق يعقوب إلى شخص يوسف‏

«خاتمة القول»

سلام على أهلي و صحبي و معهد* * * على بعدهم عني يزيد تأسفي‏

سأذكرهم ذكرا حثيثا يهزني‏* * * سريعا إلى ذاك المكان المشرّف‏

يوم الأحد في 9 جمادى الثانية عام 1338 ه

صلينا فريضة الفجر مع الإخوان في القطار، ثم تجولنا في المحطة و رأينا فيها منشآت الحكومة، و هي أرقى من كل ما سبقها ما عدا درعا، و دور موظفي الحكومة مبنية كلها بالقرميد و الحجر، فوق سفح الجبل، بناء هندسيا، و فيها نزل لطيف مشتمل على غرفتين للمنام، و حجرتين للطعام. و فيها

18

قطار معطل مع شاحناته، اشترينا منها بمائة قرش طعاما، و بارحناها في الرابعة و الدقيقة العشرين صباحا.

جرى القطار بنا بعد عمان بقليل في نفق ببطن الجبل نحو دقيقتين، و مررنا على جسر القصر، ثم بلغنا «القصر» الساعة الخامسة و النصف، ثم «لبّن» الساعة السادسة و الربع، ثم «الجيزة» الساعة السادسة و النصف و فيها آلة ميكانيكية لجر الماء. ثم «ضبعة» في الساعة الثامنة و الدقيقة العشرين، و قد لقينا فيها شيخا من عرب بني صخر و اسمه الشيخ السطل، و قدم لنا جرعة من اللبن، و لم يقبل الثمن، و دعانا لتناول الطعام عنده فشكرنا له، و هو محافظ الخط هناك، و أعراب بني صخر منتشرون من حدود عمّان، إلى القطرانة، و قد رأينا بعضهم في الطريق.

ثم «خان الزبيب» الساعة التاسعة. و من عجيب ما رأينا في هذا المكان في بركة ماء توضأنا منها حيات ماء بحجم سلك الكهرباء، قد انتظمت في بطنها حبات سوداء، بمقدار العدسة. و تبلغ الحية طولا أكثر من عشرة أذرع، ممتدة في الماء بشكل خطوط مستقيمة، و منكسرة، و منحنية، فسبحان الخلاق العظيم.

ثم «سواقة» الساعة العاشرة و عشر دقائق، ثم محطة القطرانة الساعة الحادية عشرة و خمس دقائق، و فيها آلة ميكانيكية لإخراج الماء و حمله إلى الخزانات. و قد لقينا فيها الأستاذ فارس الذي كان معلم الإنكليزية في «المدرسة

19

الكاملية»، و هو موظف في إدارة الحكومة، و سألني عن كتب نافعة له في الدروس العربية و الأدبية، فذكرت له ما حضرني، و عرّفني بحضرة المهندس المقيم هناك خليل بك المقدسي فحصلت بيننا المعرفة و الأنس، و كتبت هناك مكتوبين أحدهما لآلي، و الثاني لأخينا الطرابلسي و سلمتهما لدائرة البريد، و بتنا في القطرانة، و حملوا منها الأخشاب و الحديد و الرمل، و البنزين لإصلاح السكة الحديدية في عدة مواضع.

يوم الاثنين في 10 جمادى الثانية عام 1338 ه

تحرك بنا القطار الساعة الثالثة صباحا، فبلغنا «منزلة» الساعة الرابعة، ثم «فريفرة» الساعة الخامسة، ثم «الحسا» الخربة الساعة السادسة، ثم «جروف» الخربة الساعة الثامنة، ثم «عنزة» الخربة الساعة التاسعة، ثم «وادي الجردون» الساعة العاشرة و خمس دقائق، ثم «معان» المغرب، و كان القطار يقف بنا في الطريق وقوفا طويلا، لإصلاح ما تعطل من السكة الحديدية، و قيده من قبل المهندس خليل بك الذي ركب معنا هو و معنا هو و معاونه رمزي أفندي التركي من أجله، و استقبلنا في معان الشيخ إسماعيل بك القزاز، قائد الحملة هناك، و هو رجل مكي الزي و الأصل، يحسن اللغة التركية، ثم دعانا فتناولنا طعام المساء عنده، و بتنا ليلة الثلاثاء في القطار، بمحطة معان.

20

يوم الثلاثاء في 11 جمادى الثانية عام 1338 ه

تجولنا صباح الثلاثاء في قرية «معان» التي هي في غرب الخط على مسافة نصف ساعة منه، و هي منقسمة إلى قسمين «جنوبي» يسمى «معان المصرية» و شمالي يسمى «معان الشامية» و بينهما مقدار ربع ساعة، و في كل منهما مكتب بسيط و غالب بائعيها من أهل مكة المكرمة، و قد تناولنا الشاي في دار شاب نجيب من أهل «المدينة المنورة» و اشتريت منها طعاما بأربع ليرات عثمانية ذهبا.

و قد قضينا يوم الثلاثاء في «معان» منتظرين جنود القزاز، التي جهزها بما يلزم لتصحبنا إلى «مدائن صالح» ثم إلى «المدينة المنورة» و تناولنا الطعام مساء عند القزاز أيضا، فحياه اللّه، ثم بتنا ليلة الأربعاء في قطارنا بمعان أيضا.

يوم الأربعاء في 12 جمادى الثاني عام 1338 ه

جرى بنا القطار الساعة الثالثة من صباح الأربعاء، صحبة رفقائنا من دمشق، و هم الشيخ شلاش العقيلي النجدي من قرية «بريدة» و قريبه الشاب عبد اللّه النجدي من قرية «الرّس»، و هما رفيقا نجد، و الشيخ محمد أمين الرّبو التاجر المدني، و سليمان بن زيد و أصله نجدي من «قرية حائل» و هما يؤمان البلد الطيب، و قد صحبنا جنود القزاز، و هم ثمانية نفر، و معهم زاد السفر، و قد تدججوا بالسلاح،

21

حماية لأنفسهم و لنا من أعراب تلك البطاح، و لم يتيسر لنا أن نجتاز سحابة ذلك النهار، أكثر من ثلاث محطات، تبلغ 55 كم، و هي من معان «464» كم من الشام، إلى غدير الحاج «480» كم إلى بئر الشدية «492» كم إلى العقبة «519» كم، و كلها مواقف خربة، عطلتها مدافع الحرب، و سبب هذا البطء إحصاء جسور الخط العامرة و الخربة، و أخذ ارتفاعها، و معرفة أبعادها، و كذا منشآت الحكومة، و بيان ما تخرب منها و ما يلزم لإصلاحه، و صرنا نقف عند الجسور و الأمكنة الخربة وقوفا طويلا، و حضرة المهندس يفصّل القول في ما يكتبه تفصيلا، فأدركنا الغروب في «العقبة» و بتنا فيها ليلة الخميس في 13 جمادى الثانية عام 1338 ه، و قد تعطلت بعض آلات القطار فأصلحها السائق صباح الخميس.

يوم الخميس في 13 جمادى الثانية عام 1338 ه

ساربنا القطار الساعة الثانية صباحا، و اجتزنا في هذا النهار أربع محطات مسافتها «56» كم، و هي: وادي الرتم، و تل الشحم، و الرملات، و المدوّرة. و قد بتنا ليلة الجمعة في المدورة، و كان سبب تأخرنا و بطئنا ملاحظة الأمكنة المعطلة من جهة، و نقل الرمال عن السكة من جهة ثانية، و أول هذا الرمل الذي صادفنا في المدورة، و آخره بين وادي الشحم و بئر هرماس، على مسافة عشرة كيلومترات من كل منهما.

22

واقعتنا مع الأعراب من بني عطية

و ما نبالي إذا أرواحنا سلمت‏* * * بما فقدناه من مال و من نشب‏

في الساعة الثالثة و النصف «وقت الظهيرة» من هذا اليوم الخميس 13 جمادى الثانية 1338 ه، نفر لنا بين تل الشحم و الرملات «551- 560» كم، فئة قليلة من الأعراب راكبين فوق ظهور الأيانق و الأباعر، حاملين البنادق على أكتفاهم، و المسدسات و المدي بأيديهم، فوجهوا سلاحهم أولا نحو رئيس الحركة، و آذنوه بالقتل إذا هو لم يقف، فوقف قطاره مضطرا.

لم يكد يقف القطار عن الحركة حتى انقضوا علينا منحدرين كالسيل الجارف، و البرق الخاطف، و هم يقولون:

«وش علومكم، وش عندكم، حنّا ما نبغي غير الذهب»، فقال لهم بعضنا: نحن جماعة من الجنود و الشيوخ نحمل المكاتيب من رؤساء العرب، و من سمو الأمير فيصل، لنوصلها إلى سمو الأمير علي في المدينة المنورة، من أجل إصلاح الطريق و تمشية القطار، و حفظ حقوقكم و صركم، و إن في ذهاب القطار بين المدينة المنورة و دمشق حاملا للمسافرين آمنين مطمئنين فيه على أنفسهم و أموالهم، من الفوائد لكم ما لا يخفى عليكم.

قال بعضهم هذا الكلام و باب القطار يحميه رجل منا، و باقي الجنود يتهيؤون بحمل بنادقهم و سائر سلاحهم للدفاع، و إذا ببعضهم يقول: أفسحوا افتحوا لنرى من في القطار، و أنزلوا حارس الباب عنوة، و أخذوا الشيخ شلاش النجدي إلى مكان‏

23

بعيد، و دار بينه و بين بعضهم حديث، و تسلق بعض عفاريتهم سطح القطار، و كسر نوافذ الزجاج و دخل شاهرا السلاح، و كسر الآن زجاج النافذة الشمالية و دخل، ثم هجم آخرون من الباب و بأيديهم المسدسات و المدي، فقال لهم أحد الجنود: يا بني عطية: ستندمون على هذا العمل، و ستحرمون حقكم في المستقبل. و لكنهم أخذوا يسلبون بلا مبالاة، و يختارون ما خف حمله، و غلا ثمنه، بحال مخيفة مرعبة، و وجوه و أزياء تقشعر منها الأبدان، و ساعة رهيبة تشيب لهو لها الولدان، و وجدوا معنا شيخا ضعيفا من عرب «عنزة» فقال بعضهم بصوت عال: «حامد» و قال الآخر: حامد بن عبد اللّه فقالوا: اقتلوه، فصوّب بعضهم البندقية لقتله، و مدّ الآخر المدية لذبحه، قلت «أنا»: لا تقتلوني، و ليس لكم ثأر عندي، ثم سلبوه اثنين و أربعين جنيها ذهبا إنكليزيا، و أربعة و تسعين مجيديا، و شبرية، و محزوم بارود و حق «ذهبة» مجيدي 2 و نصف، و ثلاث عبي «40 مجيدي»، و عقال عدد 1، و ثوبين باليين.

و انبعث إليّ شقي منهم فسلبني أربعين جنيها عثمانيا ذهبا، و عددا من المجيديات، و نقودا صغيرة، و لم يبقوا عندي شيئا من النقود لا فضة و لا ذهبا، و سلبوني عباءتي و عقالي وجبتي و قنبازي و جاكيتي و زنارين و لم يبقوا على بدني غير السروال و القميص و الصدرية، و أصابني من جراء ذلك برد شديد، و ألم في معدتي عظيم، و عاود سلبي ثلاث مرات، و أحدهم كان يهوي بالمدية علي و يحاول بها قتلي، و يقول لي أين الذهب؟ يريد بذلك إخباره عن مقدار ذهبي و ذهب غيري‏

24

حتى يتم لهم أخذه بسهولة، قلت لهم أنا ما معناه: هذه أول مرة حللنا فيها أرضكم يا بني عطية، و كنا نظن أن إيقافكم للقطار بهذه السرعة، من أجل إكرامنا، و إنزالنا ضيوفا عندكم كما هي عادة العرب الكرام، و لكنكم أو سعتمونا سلبا و نهبا، و إهانة و سبّا، فخيبتم رجاءنا فيكم، و تركتمونا لا زاد و لا طعام و لا نقود، و بيننا و بين الجهات التي نقصدها أيام، فأين الكرم، و الإباء و الشمم، أهذه هي عادة العرب الكرام؟ ألا و إنكم ستندمون على ما فعلتم بنا، «و سيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون» و لكن أولئك السفهاء الجهال، كانوا من الذين يعبدون الدرهم و الدينار، فلم يردوا لي غير الجبة و الزنار!

ما سلبوه من رفاقنا في الرحلة

1- الشيخ شلاش النجدي: مائة ليرة ذهبية، فروة ثمينة، قنبازان، بندقية، محزم مملوء خراطيش، شداد.

2- الشيخ محمد أمين المدني: ثلاثمائة جنيه ورقا، و أمانات و غيرها بمقدار مائتي جنيه.

3- الشاب عبد اللّه النجدي: عباءة، قنباز، حذاء، ثوب جديد غير مخيط، عقالان، 3 قمصان، لباسان، و واحد و عشرون مجيديا.

4- سليمان النجدي من حائل: مسدس إنكليزي، 6 دلال قهوة كبيرة نحاس، ستون مجيديا، خرطوش «عشرون مشطا» عباءة، عمامتان، ثوب، عقال.

25

ما سلبوه من أصحابنا جنود إسماعيل بك القزاز

1- عبد اللّه كلش الضابط المكي 3 بدلات عسكرية، قميصان من المضام، صوف 2، عمامة روز 2، حرام أسود، 3 سراويل، 13 جنيها من الذهب الإنكليزي، نصف جنيه مصري، عقال، حذاء «بيتون» جديد، جوارب زوج عدد 2 «32» مجيديا أمانة، تنكة سمن أمانة الجند، دخان عدد 2.

2- الوكيل بشير حسن المكي: 6 جنيهات إنكليزية ذهبا، عباءة كبيسية، عقال، 6 أثواب زرق، 5 عراقيات، قمصان، 7 سراويل.

3- العريف حسن جنيني النابلسي: عباءة أميرية، عقال، كبود إنكليزي، سترى و بنطال، 3 جنيهات إنكليزية.

4- الجندي اسكندر الكردي: ليرتان عثمانيتان ذهبا، كبود إنكليزي، بطانيتان، كمر شامي، كفية سوداء.

5- الجندي سليم الشامي: 3 جنيهات إنكليزية ذهبا، 6 مجيديات، عباءة إنكليزية، معطف «كبود» إنكليزي، بنطلون و سترة، بطانية، حطة، عقال.

6- الجندي أحمد المغربي: كبود إنكليزي، عباءة عسكرية، بطانيتان، عراقيتان «قميصان»، ثوبان أزرقان، 3 سراويل، حرام بلاس.

7- الجندي محمد نجم: 7 قمصان، 4 سراويل، ثوبان من الخام، 3 حزامات مشكلة، 3 طاقيات، حزام، 19 مشطا

26

خرطوشا، كمر قطن، كبود، ليرة عثمانية ذهبا، 5 ليرات إنكليزية ذهبا، معطف و سروال، «سترة و بنطلون».

8- الجندي حسن الشامي: بدالة، كبود، بطانية.

9- داود ضابط الرهط الثالث: لحاف، 3 بطانيات، كفيتان، حذاء «كندرة»، 17 جنيها إفرنجيا، نصف جنيه ورقا، بدلتان قماش، تنكة سمن، مشلح، عقال، 4 سراويل، 4 ثياب.

10- الجندي حس كلّسلي بن سليمان: 3 جنيهات إنكليزية ذهبا، كبود إنكليزي، مشلح، 3 أثواب.

11- الجندي حنفي علي عينتابي: عباءة، مشلح، بطانية، جنيهان إنكليزيان، 4 مجيديات.

12- الجندي أمين علي الهندي: 5 جنيهات إنكليزية، ثوب، قميص، أغراض أميرية، خرطوش.

و تقدر خسائر حضرة المهندس و سائر الموظفين بمئة جنيه على الأقل، عوض اللّه المصابين خيرا، و على السالبين الظالمين من اللّه ما يستحقون.

و عميد هذه العصابة الظالمة «محمد بن دغيمان من السبوت»، و «سليمان من جماعة جنود بن فرحان» كما أخبرنا بذلك خوينا حامد العنزي. و من ريب أمر هذه الفئة الشقية أن سالب رفيقنا «شلاش» منها، هو الذي للشيخ شلاش عليه اليد البيضاء، فقد أخرجه من السجن مرتين.

و ما أكثر نزول هؤلاء الأرذال عند القزاز ضيوفا، و جنود القزاز أصحابنا هم الذين يقدمون لهم الطعام و يقومون‏

27

بخدمتهم، و هم يعرفونهم فردا فردا، و من أصحابنا الجنود من أقام عندهم أولئك القرود مددا طوالا، اشتغلوا عندهم بها رعاة و خداما.

فياللّه من هؤلاء اللئام، ما أفسد و دهم، و ما أنقض عهدهم، و ما أشد غدرهم و كيدهم، ساق اللّه لهم من جنوده من يرغم أنوفهم، و يخضع شياطينهم، و ما هو من الظالمين ببعيد.

يوم الجمعة في 14 جمادى الثانية عام 1338 ه

مشينا صباح الجمعة من المدوّرة 3 محطات، و هي حارة العمارة، ذات الحد، بئر هرماس، و مسافتها «60» كم «577- 637» و سبب هذا البطء شغلنا بإزاحة الرمل عن طريق السكة، و ما أكثره ثمّ.

يوم السبت في 15 جمادى الثانية عام 1338 ه

توجهنا صباح السبت الساعة الثانية عشرة و الدقيقة الخامسة عشرة من بئر هرماس، فقطعنا بسرعة زائدة الحزم، و المحطب، و وصلنا «تبوك» بسلام الساعة السادسة، و ابتاع لنا الشيخ شلاش منها عباءة، و اجتمعنا فيها بصديقنا الشيخ عبد القادر النوشاهرلي، و هو مدير تلك الناحية، و قد تناولنا طعام الغداء «رزا و لحما و يقطينا» في دار «جلوي» أحد أجواد «تبوك» و كان المدعوون أكثر من خمسين رجلا. ثم طفنا

28

«تبوك» مع صديقنا «النوشاهرلي» فإذا شجرها النخيل، و يقدر بنحو ثلاثة آلاف شجرة على أقل تقدير. و فيها قليل من شجر الدراق، و الليمون الحلو، و العنب، و التين. و أهلها أهل بادية، و رأينا العين التي زادت ببركة النبي صلى اللّه عليه و سلم، و شربنا من مائها العذب، و نظرنا قلعتها التي بناها السلطان سليم، وجددها السلطان محمد سنة 1064 ه، [1653- 1654 م‏]، و هي قلعة مبنية بالحجر، تبلغ مساحتها نحو أربعين ذراعا في أربعين طولا و عرضا، و فيها حجر و غرف صغيرة مهجورة. و فيها مدفعان قديمان يقال إنهما من زمن السلطان سليم، و قد أصلحهما الترك أيام الحرب،

و أدينا في مسجدها صلاة الظهر مؤتمنين بالامام الشيخ عبد القادر، أنا و رجلان آخران و رأينا فيها اثنين من جنود المدينة المنورة، بعثهما على الفرار الشوق لأهلهما في سورية، و القلة و الجوع في الجندية شأن العشرات الفارين من ثمّ، المنقطعين على الطريق، حسبنا اللّه و نعم الوكيل. و شعرنا من «تبوك» بتغير الطقس، و شدة الحر. و توجهنا منها باسم اللّه قاصدين الحجر «مدائن صالح» الساعة الثامنة و النصف بعد الظهر، فقطعنا باقي النهار «60» كم من «697- 757» و بلغنا «المستبقعة» الساعة الحادية عشرة و النصف مساء و هي من حدود بني عطية، فإن أول حدهم «القطرانة» و آخرها «المعظم» قبل «الحجر» و قد أنشدنا ليلة الأحد في «المستبقعة» بقطارنا:

29

و ليل قضيناه بأرض عطية* * * بقرب من الأعداء، قبّح من ليل‏

طوينا بذاك الحي ليلة خائف‏* * * نهدّد فيها بالثبور و بالويل‏

فلما بدا وجه الصباح جرى بنا ال* * * قطار بهاتيك الأباطح كالسيل‏

يوم الأحد في 16 جمادى الثانية عام 1338 ه إلى 21 منها

تحرك بنا القطار الساعة الثانية عشرة و الدقيقة الخامسة و الأربعين من صباح الأحد، و وصلنا «الأخضر» الساعة الثالثة، و قرأنا على حجر هناك أن السلطان سليم جدد بناء «القلعة» في شوال سنة 938 [ه، 1532 م‏] و هي في غرب «الأخضر» و وصلنا بحوله تعالى و حمده «المعظم» آخر حدود بني عطية الساعة الخامسة صباحا، و دخلنا في حدود «عرب بلي» و شيخهم «حمد بو شامة» فنسأل اللّه السلامة.

و قد رأينا في هذه المحطة دوائر الحكومة، فإذا بها خمس منها، و في كل دار عدة حجر، و أرضها من المرمر، و لم تنل منها يد التخريب و التدمير ما نالت من غيرها في سائر المحطات، التي يقدر ما ضاع فيها بمئات الألوف من الجنيهات، فاللهم ألهم المسلمين صبرا، و عوضهم عن أموالهم خيرا.

30

الساعة الثانية الرهيبة

من لدغته حية مرة* * * أصبح مذعورا من الحبل!

دخل الخوف القلوب، و استولى الرعب على النفوس، و صرنا نظن بتأثير الوهم الجبال جمالا، و الغزال غزوا، و الجنود من الهنود الفارين، بعض أولئك الناهبين السالبين، و إليك مثالا مما اتفق لنا من ذلك:

لم نكد نتعدى المعظّم إلى «خشم صنعا» مسافة «26» كم «832- 858» حتى جاءتنا الأخبار، بأن الأعراب قد أناخوا على جانب السكة في «دار الحمراء» على مسافة «27» كم منا، فقلنا حسبنا اللّه و نعم الوكيل، نعم المولى و نعم النصير.

فجرى بنا القطار سريعا، و طفق ينهب المفاوز نهبا، و لكنه لم يجز بضعة كيلومترات، و بعض الجنود فوق سطح القطار، لينظروا من ينحدر إلينا من قمم الجبال، أو يظهر لنا من وراء الآكام و الرمال، أو يخرج من بطون الأودية و الأوكار، حتى أرسل المهندس إلى الشيخ شلاش يقول: نرى عن بعد رجالا قريبين من السكة، و نرى آثار أقدام مواشيهم، فهل نوقف القطار، أو نستمر على تسييره؟ فأجابه الشيخ شلاش بأنا لا نؤخذ ثانية على غرة، كما جرى لنا في تلك المرة، فالأولى أن نوقف القطار و نخيفهم بعددنا و عددنا، فخرج الجنود شاكي السلاح، و صعدوا سطح القطار مستعدين للكفاح، و طفقوا ينشدون السراب البعيد، و ينادون العدو الذي لا يسمع و لا يجيب، و قد كثر الضجيج و النداء، و طبقوا به أرجاء الفضاء،

31

حتى ظننا أنا توسطنا جمعا من الأعداء، ثم مشى بنا القطار على هذه الحال، من الرجيف و الوجيف، و اللغط و الصريخ، حتى بلغنا دار الحمراء، و حمدنا اللّه تعالى على السلامة.

و أقبل علينا هناك بدوي يرعى إبل عرب عنزة، فطفق قومنا يسألونه عن مواطن العرب، و هل هم في بعد عنا أو قرب، و قد عرفه خوينا حامد ابن عبد اللّه، و بعد العناق و التقبيل، أخبره خوينا الخبر، و قص عليه القصص. ثم أرسل لنا الشيخ شلاش يقول: هنا نلقي عصا التسيار، و ننزل نحن و متاعنا من القطار، فنزلنا و أنا ثالث الرفيقين «شلاش و قريبه عبد اللّه» في هاتيك الأرض المترامية الأطراف القفراء. و ودعنا الجنود و سائر الإخوان بالبكاء، و كل منا يدعو لصاحبه بالسلامة، و جرى القطار بهم قاصدا المدينة المنورة، و استأجر الشيخ شلاش من راعي الإبل جملا لحمل أثقالنا إلى حضرة الشيخ سلطان الفقير العربي السنحي، شيخ عرب «عنزة» الذي هو على مسافة ثلاث ساعات من دار الحمراء، من جهة الشرق الشمالي، و دفع له أجرة جمله ليرة ذهبا، و زاده مجيدين إكراما له، فطابت نفسه، و تهلل وجهه، و سقانا من حليب ناقته، و مشى الجمل أمامنا و جرينا نحن وراءه في جبال منفصلة بعضها عن بعض، على أشكال مختلفة، و هي ناصبة ماثلة مختلفة الحجوم، طلعها كأنه رؤوس الشياطين، و لكن حصباء تلك الأرض نقية جدا، و كأنها الدر، بين أبيض و أحمر،

32

و أسود و أخضر، و أرضها كلها ذات رمال، بين هاتيك الجبال.

و لم نزل نجد في سيرنا حتى بلغنا منزل الشيخ بعد الغروب، و معنا رفيقنا حامد العنزي، فاستقبلنا الشيخ بالمصافحة، و للشيخ شلاش بالتقبيل و المعانقة، و سلامهم لطيف بسيط مشتمل على العناق و التقبيل، و ينادي بعضهم بعضا بالأسماء مجردة عن الكنى و الألقاب، و قد سلم أحد صبيانهم على حامد الشيخ الذي يناهز السبعين، بقوله كيف أنت يا حامد، عساك طيب يا حامد. و في نحو الساعة الثالثة ليلا قدّم لنا الشيخ الطعام من الرز و اللحم، و الطعام كان كثيرا جدا، و قد أكل منه من لا أحصيهم عدّا، فحيا اللّه الكرم العربي.

و هذه القبيلة ديّنة، و قد أدينا مع كثير منهم صلاة العشاء، و شيخهم سلطان الذي هو عميدهم يخاف من اللّه عز و جل، و يحب أهل العلم و الفضل، و قد سرّ مني كثيرا، و التمسوا مني أن أكون عندهم خطيبا، على أن يقدم لي كل ما يلزم، و يعاملوني كما يعامل أهل العلم، و يزوجوني بنتا من كرائم بناتهم، فشكرت فضلهم و شهامتهم، و اعتذرت لهم بأني خطيب و مدرس في الشام، و بأن خطيبتي هناك قريبتي، و أقمنا عند الشيخ و في ضيافته خمسة أيام، مشمولين بالخير و الإنعام، و سررنا هناك بلقاء الشيخ محمد رميح التاجر النجدي، و كنا نكثر من التردد إلى خيمته، و كان يحبني و يكرم وفادتي كل مرة، و أكثرت هناك من الوعظ و الإرشاد، و الدعوة

33

إلى الاتحاد، و نزع الضغائن و الأحقاد، و أبنت لهم سوء نيات الأجانب نحو المسلمين عامة، و العرب خاصة، فتحمسوا و دعوا بالنصر و الفتح المبين، للإسلام و المسلمين.

«سلمنا الشيخ محمد رميح مكتوبا ليوصله إلى أهلنا في الشام، و تركنا عند الشيخ سلطان صندوق الثياب ليبقى عنده أمانة إلى رجوعنا فنستلمه إن شاء اللّه».

يوم الجمعة في 22 جمادى الثانية عام 1338 ه

و في صباح هذا اليوم ودعنا الشيخ سلطان، و معنا «خويّان» متجهين جهة الشرق، على ظهور الإبل، و عند الغروب وصلنا أرض أخيه متعب شيخ «الإخوان» الذين لا يشربون الدخان، و تناولنا طعام المساء عند الشيخ التيهي، و قد تبادلنا البحث معه في مسائل الإسلام و الإيمان، و كيفية دعوة النبي عليه الصلاة و السلام، و حكم استعمال الدخان، و الهجرة من أرض الكفر إلى أرض الإيمان، و امتدت المذاكرة بيننا إلى الساعة الثامنة ليلا، و قد تفاهمنا في كل هذه الأبحاث، و الشيخ متعب كان إذا رأى أن الصواب في جانبي يرجع إليه، و قد ودعناهم صباح «السبت في 23 جمادى الثانية عام 1338 ه».

34

الساعة الثالثة المشؤومة

و صرت إذا أصابتني سهام‏* * * تكسرت النصال على النصال‏

ركبنا صباح هذا اليوم و أخذنا في السير جهة الشرق، و بعد الظهر هبطنا واديا و جلسنا فيه حصة لطيفة للراحة، و لم نكد نركب الإبل حتى انقض علينا من سفح الجبل ستة من العبيد السود، راكبين الخيل، مزنرين بأمشاط الخرطوش و على أكتفاهم البنادق، فلما دنوا منا حملوا البنادق بأيديهم، و في أثناء ذاك الطراد و اللحاق انبعث أشقاهم إلي، و وجّه بندقيته نحوي، محاولا قتلي، فنزلت بسرعة عن جملي، ثم جالوا جولة حولنا، و أخذوا بأطرافنا محاولين سلبنا، و وقع بصر رفيقنا شلاش على عميدهم، فقال له رفيقنا: أجئتم لأخذنا أم لدعوتنا و أن غدانا اليوم عند عمك «هايس الهزّاع» فالتفت ذاك إلى جماعته و قال بهم: «غرف يا عيال» ثم استلم بعضهم بعضا عناقا و تقبيلا، و جلسوا حلقة مستديرة «يتناشدون العلوم» و جلست أنا في ناحية منفردا، ثم ركبوا و ركبنا، و شرقوا و غربنا، و اجتمعنا هناك برجل يقال له «صالح» من عرب «هتيم» قد شهد الحالة، فهنأني و قال لي:

كل صدفة بسلامة يا خطيب، فقلت في نفسي: لا أكثر اللّه من أمثال هذه الصدف، و قال آخر: لو لا المعرفة لأخذنا، و قال آخر: الحمد للّه على نجاتك منهم، و قد وقاك اللّه شرهم، فقلت له: و لما ذا قصدوني قصدا خاصا، و ما ذا كانوا يريدون أن يفعلوا بي، فقال: إنهم كانوا يحاولون قتلك، أو لم تنظر كيف مدّ كبيرهم البندقية عليك، فقلت: يا سبحان اللّه و لما ذا؟

35

أكان لهم ثأر عندي، أم لكوني بزي أهل العلم الذي أشرتم علي به وهم يأبونه، أم ما ذا؟ فقال بعضهم: ظنوك بعصابتك البيضاء أحد المتدينة، و أولئك يستجيزون سفك دماء هؤلاء، و هؤلاء يثأرون لأنفسهم منهم، فقلت لهم: ألم تشيروا عليّ أنتم بوضع العمامة بعد نزعها و تقولوا إنا قد بلغنا أرض المتدينة؟

اللهم إني حرت في أمر المتدينة و خصومهم، و وضع العمامة و نزعها، و اللهم إني أبرأ إليك من استحلال سفك الدماء، بمجرد اختلاف الأزياء .. و قال آخر: إنهم ظنوك تاجرا بزي أهل العلم، فقادهم إلى ما حماك اللّه تعالى منه طمعهم في المال، قلت: و لكنهم لم يجدوا مني أدنى صعوبة و لا مقاومة فكان حسبهم أن يسلبوني مالي، و يطلقوا سبيلي، قالوا: إن و فرة المال، تغريهم بقتل الرجال، حتى يطمس الأثر، و ينعدم الخبر! قلت الحمد للّه الذي لم أكن موضع ظنهم، و لا هدف سهمهم، و هو اللطيف الخبير، و قد كفانا بنو عطية شر المال و لم يبقوا معنا درهما و لا دينارا، و كان أصابني تورّم في رجلي من المشي و وجع أليم من الركوب، و أضيف إلى ذلك هذه الخطوب، مع تغير الطعام و الشراب و المنام و الأصحاب و المركوب، فعظم الأمر علي، وجالت الدموع في عيني، و أخذتني من الغربة الوحشة، و من هذه الصدف الدهشة، و نزلنا بعد ساعة عند خوينا الجديد «صالح» من «هتيم» فاستلقيت على الطراحة، و جلس العرب حولنا، و هم يسلمون و يتكلمون، و أنا غير شاعر بما يقولون.

36

يوم الأحد في 24 جمادى الثانية عام 1338 ه إلى 26 منها

و في صباح هذا اليوم ركبنا «مع خوينا صالح» و معه خوي عنزي اسمه «سليم» و اختار السفر إلى نجد «خوينا العنزي سلطان» سمي شيخهم سلطان الفقير، و في مساء اليوم وصلنا أرض الشيخ «سعد» ابن عم الشيخ سلطان، و بقينا في ضيافته ثلاثة أيام، و وجدنا قومه يقيمون الصلاة، و يسألون عن أحكام الزكاة كجماعة الشيخ سلطان، و هم يسألون عن حكم استعمال الدخان، و يذكرون تحريم المتدينة له، و إحراقهم لشاربيه، و كانت دارت مذاكرة بيني و بين بعض محرميه من المتدينة المعتدلين الذين لا يشربونه و لا يؤذون على شربه أحدا، و يعبدون اللّه لا يشركون به شيئا. فذكر لي من دلائل تحريمه عنده كونه: من الإسراف، و مسكرا من الخبائث، فذكرت له جواب مبيحيه، و هو أن الإسراف أمر نسبي غير محدد في الشريعة و أن ما يكون إسرافا في حق إنسان، يعد تقتيرا بالنسبة إلى آخر، فمن تحقق فيه معنى الإسراف بسبب شرب الدخان فذاك يحرم عليه.

و أما قياسه على الخمر في الإسكار فذاك قياس مع الفارق، و اللّه تعالى يقول في الخمر «إِنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَداوَةَ وَ الْبَغْضاءَ فِي الْخَمْرِ وَ الْمَيْسِرِ وَ يَصُدَّكُمْ‏

37

عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَ عَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ» (4)، و الدخان لم يتحقق فيه وصف من هذه الأوصاف، فهو لم يوقع بين شاربيه و لا غيرهم العداوة و البغضاء و لم يصد شاربيه عن ذكر اللّه و لا عن الصلاة، بل في شاربيه العلماء و الصالحون، و القول بتحريمه قد أوقع بين المسلمين من العداوة و البغضاء أكثر من شربه، و أما كونه من الخبائث فهذا غير متفق عليه، و شاربوه لا يعدونه كذلك، على أنه لو ثبت خبثه فما كل خبيث محرم، و قد ورد أن البصل و الثوم شجرتان خبيثتان، و لم يقل بتحريمهما أحد، فتبين أن الخبائث المحرمة هي المنصوص عليها في مثل قوله تعالى: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَ الدَّمُ‏ (5) الآية. قلت له: و لو سلّمنا جدلا أن الدخان محرم كالخمر لكان لك في تحريم الخمر في كتاب اللّه عز و جل ما يدعو إلى حسن الأسوة، و الخمر قد ورد النهي عن شربه تدريجا، فنهي الناس عنه أولا إذا أرادوا الصلاة، قال تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَ أَنْتُمْ سُكارى‏ حَتَّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ‏ (6) ثم جاء التذكير بمضارّه في قوله: إِنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَداوَةَ وَ الْبَغْضاءَ فِي الْخَمْرِ وَ الْمَيْسِرِ

____________

(4) سورة المائدة، الآية 91.

(5) سورة المائدة، الآية 3.

(6) سورة النساء، الآية 44.

38

وَ يَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَ عَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ‏ (7)؟ ثم جاء التحريم القطعي لشربه بعد أن سهل عليهم تركه في قوله تعالى: إِنَّمَا الْخَمْرُ وَ الْمَيْسِرُ وَ الْأَنْصابُ وَ الْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ‏ (8)، فانتهى الناس عن شربه و كسروا الدنان التي كانوا يعتّقونه بها، فأنت ترى أن الخمر الذي اشتد ضرره، و خبث أثره، قد حرمه اللّه تعالى، على يد النبي عليه الصلاة و السلام، تحريما تدريجيا، بآيات في القرآن، جارية على سنته تعالى في تكميل الإنسان، بتصحيح عقائده، و إصلاح أعماله. فلو أنكم جريتم على هذه السنّة، و دعوتم إلى سبيل ربكم بالحكمة و الموعظة الحسنة، لأطفئت بينكم و بين خصومكم هذه الفتنة، و أسبغ اللّه عليكم النعمة، نعمة التأليف المذكورة في قوله تعالى: وَ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْداءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْواناً (9) فتقبّل هذه النصيحة بقبول حسن، و قال إنها و الحق يقال: غالية الثمن، قلت: ثمنها العمل بها، و سترى إن شاء اللّه حسن أثرها، و تتلذذ باقتطاف ثمرها إن شاء اللّه تعالى.

____________

(7) سورة المائدة، الآية 91.

(8) سورة المائدة، الآية 90.

(9) سورة آل عمران، الآية 16.

39

ثم قلت: و عندي أن الرأي المناسب بترك الدخان، هو أن تتفق مع الآباء على منع أولادهم من شربه، و منعهم إياهم من مخالطة شاربيه، فإن شرب الدخان ليس ضروريا و لا فطريا للإنسان، و شاربوه يدركون ضرره في أجسامهم و عقولهم و أموالهم أكثر من غيرهم، و لكن العادة هي التي سهلت شربهم له، و تمكنت من نفوسهم بطول الزمن. أما أولادهم فليسوا كذلك فلو لوحظوا من قبل المرشدين، و الخطباء، و الآباء، و ذكر لهم ما في التدخين من الضرر و الكراهية شرعا و طبعا، لأصبح أولئك الأطفال يكرهونه أشد الكراهية، و ينهون عن شربه، و يدعون إلى تركه، و بذاك يبطل شربه أو يخف جدا، و يقل عدد الشاربين له، و يكون لكم بذلك إن شاء اللّه الأجر العظيم، فأبدى شكره و ارتياحه لما قلت، و وعدني بالعمل، وفّقه اللّه و إيانا، لما يحبه و يرضاه.

يوم الأربعاء في 27 جمادى الثانية عام 1338 ه

ثم استأنفنا السير صباح هذا اليوم على بركة اللّه عز و جل و حسن تيسيره، فأدركنا المساء عند بعض العرب و لم نصادف بحمد اللّه شيئا.

40

يوم الخميس في 28 جمادى الثانية عام 1338 ه الساعة الرابعة المشؤومة

ثم استأنفنا السير صباح هذا اليوم، و في وقت الظهر، أطلق علينا بعض الأعراب الرصاص من وراء جبل، فانطلق «خوينا صالح الهتيمي» نحوهم يلوّح لهم بطرف عباءته و يصفّر لهم «إشارة إلى أنهم أصحاب» ثم أطلقوا علينا الرصاص المرة الثانية و الثالثة، و اشتد الأمر، و خشينا الضرر، فانطلق «خوينا سلطان العنزي» بناقته حتى وصل قريبا من صخرة كبية، فأناخ عندها، و حمل بندقيته، و وجهها عليهم يحاول رميهم، فنهيناه، و ناداه بعض أصحابنا لأن لا يفعل، ثم جاء «خوينا الهتيمي» بعد مذاكرة معهم، و قد نجانا اللّه تعالى منهم.

خلاصة أحوالنا من 16 جمادى الثانية عام 1338 إلى 3 رجب الفرد 1338

طعامنا: إما أرز و فوقه لحم مطبوخ على أصول البدو، أو أرز وحده و السمن و المزيج باللبن يضعونه بإناء فوق الدست الكبير، ثم يستديرون حول الدست و يجلسون في الغالب القرفصاء، و تمتد الأيدي العامرة المشمّرة إلى المرافق إلى الأرز، و يأخذون منه مل‏ء الكف و الأصابع، ثم يرصونه رصا محكما حتى يصير كالقنابل اليدوية، ثم يمدون الأصابع التي‏

41

تحمل الأرز إلى وعاء السمن يغمسونه بها، ثم يخرجونه و يأكلونه هنيئا، و يشربون بعد الطعام حليب النوق بوعاء كبير مريئا، و كنت حملت ملعقة من الشام، فأضاعها أحد رفقائنا في الطريق أيام ركوبنا في القطار، فأهداني الشيخ سلطان الفقير شيخ عنزة ملعقة من نحاس، و أخرى لآكل بإحداهما، فإذا ضاعت أكلت بالثانية، و أهديته بيت أقلام و فيه أقلام «مراسم»، و ورقا و ظروفا. ثم أضاع إحدى الملعقتين رفيقنا، و منعني الأكل بالثانية، و قال: لا يجوز أن تأكل بالملعقة بعد اليوم، حتى نرجع من نجد، قلت: و لما ذا؟ قال: أما العرب من أهل البادية فيظنون أنك جاسوس من قبل الإنكليز، فضحكت كثيرا، و قلت له: الأكل بالملاعق و غيرها عادة أكثر أهل الحضر، و ليست من خصائص الإنكليز و لا غيرهم من أمم الغرب، و للجاسوس علائم و أمارات يعرف بها غير الأكل بالملعقة، فأي ارتباط و مناسبة بين الأكل بالملعقة و هذه التهمة؟ قال: هم لا يفهمون غير هذا. قلت له: فهمنا حال البداوة، فما بال الحضريين ينكرون؟ قال: أولئك يعدّون الأكل بغير الكف و الأصابع بدعة. قلت: البدعة المذمومة في الشرع، هي التي تحل محل السنة و تبطلها، و السنن ما كانت من جنس المفروضات و الواجبات، كما ترى في سنن الوضوء و الصلاة و الصيام مثلا، و ما يظهر فيه معنى الذكر و العبادة و يتقرب به إلى اللّه عز و جل، أما وسائل الطعام و الشراب، فليست من هذا الباب، و هي تختلف باختلاف البلاد و العباد، ألا ترى أن‏

42

النبي عليه الصلاة و السلام كان يأكل مما يليه، و في هذا من الأدب ما لا يخفى، و لو كانت الملاعق في بلاده عليه الصلاة و السلام و نهى عن الأكل بها، و آثر الأكل باليد عليها لتم لهم ما يريدون، و لكن كل ذلك لم يكن، و المعقول أنها لو كانت في بلد النبي صلى اللّه عليه و سلم لاستعملها، لأنها أقرب إلى آداب الطعام التي كان يرمي إليها، و إلى النظافة التي كان يحثّ عليها.

عود إلى وصف الطعام و المنام و الركوب‏

قلنا إن طعامنا في مدة ثمانية عشر يوما إما أرز مع اللحم، أو الأرز وحده، أو التمر، أو حليب النوق وحده، و التمر وحده هو زادنا حيث لم نجد العرب، و حليب النوق هو الذي نصطبح به عندهم ثم نبقى عليه إلى المساء أحيانا، أما الخبز فلا أثر له هناك، و أما الشراب فهو من ماء رملي وسخ جدا، و هو الذي كانوا يطبخون به الطعام، فيقع الرمل فيه تحت أسناننا و أضراسنا، و لو كنا في الشام، لأصابنا منه مرض عظيم، و لكن المولى لطيف خبير. و قد كنا نتيمم كل هذه المدة لعدم تيسر الماء و نصلي جماعة على التراب، و كنت أقصر الصلاة دائما، و أجمع جمع تقديم و تأخير عند الضرورة، و أما المركوب فظهور الإبل التي تحمل أثقالنا إلى بلد لم نكن بالغيه إلا بشق الأنفس، و قد اعتدنا ركوبها و سهل علينا بالتمرن‏

43

و العادة، و صرنا نجد الراحة في ذلك بعد الآلام التي قاسيناها، فالحمد للّه رب العالمين.

و قد ظللنا نركب الإبل خمسة عشر يوما، تسعة أيام من عند الشيخ سلطان الفقير إلى قرية الحائط، و ستة أيام من قرية الحائط إلى المدينة المنورة على ساكنها أفضل الصلاة و السلام كما سيأتي بيانه.

و أما النوم فعلى الأرض تحت الخيام أو تحت السماء، و العرب ليس عندها للضيف إلا الطعام و القهوة، و ينام الإنسان و إلى جانبه الجمال التي تأكل طوال الليل، و كذا الغنم و الماعز و الكلاب التي تنبح فيظن النائم أن العدو يحاول قتل الرجال، و سلب الأموال، و الأهواء العاصفة التي تخفق طول الليل فتصم الآذان، و يرحم اللّه القائلة:

لبيت تخفق الأرواح فيه‏* * * أحب إليّ من قصر منيف‏

ما أعجب حكمها، و لكني أعود فأقول: لا عجب في حكمها لأنها لم تحكم حكما عاما، على أن البداوة خير من الحضر، و لكنها قالت «أحب إلي» و هي معذورة في ذلك لأنها بدوية الأصل و المنشأ، و العادة حببت إليها ذلك، كما أني أوثر الحضر، لأن التربية الحضرية مالت بي إليه، و كم من أهل الحضر من مدح حال البداوة و أثنى عليها، و بالعكس، و الحق أن في كلّ مزايا و خواص لا تنكر، و ليس هنا موضع تفصيلها.

ثم إن البرد هناك شديد جدا، و العرب تقول: منع البرد البرد «أي منعت البرودة النوم» و كان حالنا كما قال الشاعر:

44

«ما أذوق المنام إلا غرارا». و لكن من رحمة اللّه بي أنه كان معي الحرام و المخدة و الطراحة التي كنت أجد بها عظيم النعمة و الراحة، و لو لا الثياب التي بقيت عندي بعد السلب، و أدوات النوم التي رأوها و سلمها المولى منهم، لكنت في أسوأ حال، فالحمد للّه الخبير المتعال.

و أما الحوادث و النوادر و الفظائع أثناء الطريق، ففي الوقائع التي حدثت لأهل البداوة في غزو بعضهم لبعض و هم يقولون: هنا ذبح فلان، و هناك قتل فلان، و هنالك أخذ حلال فلان، و لم أسمع في طول تلك الأيام إلا الحوادث الفظيعة و ما أشبهها، و إلا الأناشيد التي لا أفهمها، و لم أتكلم مدة سفري معهم إلا بمقدار ما تلجئني إليه الضرورة، و في كل يوم كان يشتد بنا الخطر، و يزداد ضيق الصدر، و لا ندري متى يوافينا الأجل؟ و لا كيف يكون القتل، و كل يوم كنت أتلو فيه قوله تعالى: «وَ ما تَدْرِي نَفْسٌ ما ذا تَكْسِبُ غَداً وَ ما تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ» (10).

و ما زلت على هذه الحال، و أنا صابر ثابت صامت، حتى بلغنا «قرية الحائط» يوم الثلاثاء في 4 رجب الفرد عام 1338 ه.

____________

(10)- سورة لقمان، الآية 34.

45

نبذة من أخبار المتدينة

لم يتفق لنا أن نزلنا عند عرب في مدة ثمانية عشر يوما:

«من 16 جمادى الثانية إلى 3 رجب» إلا و قصوا علينا نبذة من أخبار المتدينة، حتى وصلنا قرية «الحائط» و هي في شمال المدينة المنورة على مسافة أربع مراحل منها، و هنالك مجمع أخبارهم، و مشهد آثارهم، و خلاصة ما اتصل بنا من أمرهم أن بعض وعاظ نجد و مرشديهم انبثوا في بعض القبائل و العشائر الحجازية، و طفقوا يدعونهم إلى اللّه و يعلمونهم أحكام الصلاة و الزكاة و ينهونهم عن الغزو و أكل الحرام، فاستجاب لهم بعض القبائل كبني سالم، و كالشيخ متعب «و الشيخ من عنزة» مع طائفة من قومهما فحسنت حالهم، و صاروا يقيمون الصلاة، و يؤتون الزكاة، و تركوا الغزو و السلب، و جلبوا كتبا في التوحيد و الفقه من نجد يتعلمون بها أحكام دينهم، ثم تبعهم بعض العشائر «كمطير، و عتيبة و حرب و غيرهم» فباعوا إبلهم و غنمهم و معزهم، و بنوا القرى من أجل أن يتحضروا و يتفرغوا لعبادة ربهم، و قالوا إن في اقتناء الوبر مشغلة عن طاعة اللّه عز و جل، ثم اشتدت حاجتهم إليها لعدم وجود ما يغنيهم عنها، و قد كانوا من قبل مولعين بالغزو، و أشربوا في قلوبهم حب الأكل منه، فراحوا يغزون تحت اسم «الإسلام» و سموا أنفسهم «المتدينة» و «الإخوان». و هم يعطون عميدهم من الغنائم الخمس، و هو يحمي ظهرهم، و يشد

46

أزرهم، و يقسم الغنائم بينهم، و يبني لهم القرى، و يعمر لهم فيها المساجد، و قد سمعت أن قراهم الآن قد بلغت الخمسين، و أنهم صاروا يقاربون أعداد خصومهم، و قد انتشروا ألوفا مؤلّفة بين نجد و الحجاز، و يمتازون من خصومهم بقوة البأس، و شدة المراس، و القلوب القوية التي لا يجد الخوف إليها سبيلا، و هم ينقضون على خصومهم بسيوفهم اللامعة، كالرعد القاصف، و البرق الخاطف، و السيل الجارف، و إذا غدوا من أهلهم قالوا لهم: سلوا اللّه لنا الشهادة، فيفعلون.

و هم يضربون الرقاب و يتمسحون بدماء القتلى زيادة في اغتنام الأجر و الثواب!!

و هم طوائف مؤلفة من أكثر العشائر البدوية الجهال، ما كانوا يدرون ما الكتاب و لا الإيمان، و هم قد قرروا الجهاد، حتى يفنوا عن آخرهم أو يفنوا خصومهم، و يرثوا أرضهم و ديارهم و أموالهم، و قد اتسعت دائرة نزالهم، و امتدت ساحة قتالهم، حتى بلغت أطراف المدينة المنورة، حماها اللّه تعالى و صانها، فهم يهاجمون العرب في تلك الجهات، و يرجعون منها بالغنائم، و هم يجدّون في هذه السبيل، و لا يرجعون من حرب إلا بين قاتل و قتيل.

«نعود إلى ما كنا فيه» قلنا: إنا بلغنا قرية الحائط يوم الثلاثاء في 4 رجب الحرام عام 1338 ه، دخلناها و تناولنا طعام الغداء عند حاكمها الشريف عبد المطلب بن غالب، و طعام العشاء عند الشيخ خلف بن جابر أحد شيوخها، و أشار

47

علينا جميع من اجتمعنا بهم بأن لا نتجاوزها إلى نجد، و أن لا نخطو قدما واحدة من بعد، و قالوا إن الخطر على حياتي «بالمائة تسعون» و قال رفيقنا الشيخ شلاش: أنا لا آمن عليك من شر المتدينة، و أنا لست كهيئتك، أنا نجدي، و أنت من أهل الشمال، و هم يكفرونهم و يكفرون حكامهم، و يستحلون دماءهم و أموالهم، و يتقربون بقتلهم إلى اللّه، و أنا أؤدي الأمانة بتمامها، و آتيك بجوابها، فقبلنا النصيحة، و آثرنا ذلك على أن نقتل شر قتلة، بتلك الأيدي الجائرة الأثيمة، و كتبنا كتابا نعتذر به عن عدم الوصول و في ضمنه الأمانة و المذكرات، و لم نترك شيئا مهما إلا ذكرناه، و عسى أن يكون الجواب إن شاء اللّه وافيا بالمقصود، شافيا لما في الصدور، ثم ودعنا الأخ شلاش و رفيقنا الشاب النشيط عبد اللّه صباح يوم الأربعاء بالدموع، سهّل المولى عليهما، و أنجح مقاصدهما آمين.

قرية الحائط

قرية الحائط واقعة في شمال المدينة المنورة على أربع مراحل منها، و هي ذات نخيل كثير و فيها عيون عذبة، و أهلها قوم كرام، و هم فيما بينهم على اتفاق تام، و قد كانت هذه القرية في الأصل لعرب عنزة، ثم امتلكها منهم ابن الرشيد، بعد حرب ظفر فيها، و عامل أهل الحائط على نخيلها، على أن يكون ثمره بينه و بينهم مناصفة، ثم استقلوا بأنفسهم، فحاربهم منذ سنين و حاول استردادها منهم فلم يفلح، و في أول‏

48

الثورة العربية طلبوا شريفا ليكون حاكما عليهم فأرسل إليهم، و جلالة ملك الحجاز يأخذ منهم زكاة الثمار العشر فقط، و لا تزال تتجاذبها أنظار الطامعين، من ابن الرشيد و المتدينين، و هم لا يرغبون غير حكم الشريف، و مستعدون لقتال من يبغي عليهم.

قضيت في هذه القرية ثمانية أيام، و كنت ضيف شريفها الشاب الأديب عبد المطلب، و رفيقه المهذب النجيب الشريف حميّد، و كنت أنام عند خطيبها الصالح البركة الشيخ مبروك النجدي، و نقرأ عنده بعد العشاء و بعد صلاة الفجر و أثناء النهار أيضا، دروسا في الحديث و الفرائض و النحو و الصرف، و قد ألقيت يوم الجمعة بعد أداء الفريضة في جامعها درسا عاما، فسّرت فيه قوله تعالى: «وَ إِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ» (11) فظهر الخشوع، و سالت الدموع، و استلموا بعد الدروس يديّ مصافحة و لثما.

من يوم الثلاثاء 4 رجب إلى يوم الثلاثاء في 11 رجب عام 1338 ه

بذلت المجهود، و أرخصت النفس و النفيس في سبيل الوصول إلى نجد، و الرجوع عن طريق المدينة المنورة، فحالت الأقدار بيني و بين نجد، و تيسر لي السفر إلى المدينة تيسّرا

____________

(11) سورة البقرة، الآية 210.

49

عجيبا، فصدق فينا المثل: «أردت عمرا و أراد اللّه خارجة»، إذ أردنا نجدا و أراد اللّه الحجاز، و إليك البيان:

لما اضطررت للبقاء في قرية الحائط منتظرا رفيقي الأخ شلاش اشتد شوقي لشدّ الرحال إلى المسجد النبوي، و الحظوة بشرف الزيارة المباركة، و أداء الصلاة في تلك الروضة المطهرة بين البيت و المنبر التي هي من رياض الجنة، و كنت كلما تذكرت أن صلاة في مسجده عليه الصلاة و السلام أفضل من ألف في غيره إلا المسجد الحرام، هزني الشوق و ازدادت عوامل الرغبة.

و كنت أسأل اللّه أن ييسر لي سبيل الوصول و الزيارة، و لم أكد ألبث هنالك أياما حتى عرض لشيوخ «الحائط» الكرام السفر إلى مدينة النبي عليه الصلاة و السلام، و هم: الشيخ خليل مقبل، و الشيخ خلف بن جابر، و الشيخ علي بن سليمان، و حضرة الخطيب الشيخ مبروك، و معهم نحو خمسة عشر رجلا، فعقدت النية على السفر معهم، و ارتاحوا هم لذلك جدا، و كتبت للأمير علي ولي عهد الملك و حاكم المدينة المنورة، على لسان الشريف عبد المطلب كتابا ذكرت له فيه الغرض للشريف عبد المطلب أيضا بأن ضيفنا «محمد بهجة» أحب التشريف بلقائكم مع الوفد.

ركبنا الإبل يوم الثلاثاء 11 رجب، و قضينا في مسيرنا ستة أيام، و في صباح الأحد 16 رجب بلغنا مدينة الرسول صلى‏

50

عليه و على آله و صحبه أفضل الصلاة و السلام، و كانت قد جالت في خاطري هذه الأبيات:

قصيدتي النبوية

لمسجدك المحبوب يا خير ساكن‏* * * بطيبة إنا قد طوينا المراحلا

صلاة به عدّت كألف بغيره‏* * * و في زروة المختار نلنا الفضائلا

ألا يا رسول اللّه قد جئتنا بما* * * بإسعاد كل الناس قد كان كافلا

فعلّمت أميّا، و أرشدت حائرا* * * و أيقظت مغرورا و أدبت جاهلا

فصلى عليك اللّه يا سيد الورى‏* * * لخير بني الإنسان قد جئت حاملا

***

و ذاك كتاب اللّه ما زال بيننا* * * يؤيد حقا ثم يزهق باطلا

أفاض على الغبراء شمسا فأشرقت‏* * * على كل مفضول و من كان فاضلا

دعا أمة التوحيد بعد تمزق‏* * * لحسن اتحاد يدحر الخطب نازلا

و لكن أبى أهلوه إلا تفرقا* * * و إلا عداء بينهم و تخاذ

***

ألا ليت شعري هل درى الخلق‏* * * جرى في جهات الشرق أم دام غافلا

حروب تشيب الطفل قبل مشيبه‏* * * و تترك رب الفكر حيران ذاهلا

لقد شنها أحلاف جهل و فتنة* * * و من كان عن سبل الشريعة مائلا

و دانوا لرب العالمين بزعمهم‏* * * فسلبهم نيل لمن كان نائلا

و قد أرخصوا الأرواح دون منالهم‏* * * و ما رجعوا إلا قتيلا و قاتلا

بضرب رقاب أو بحز حلاقهم‏* * * و سفك دماء تترك الأرض سائلا

51

و تقطيع أجسام و إحراق أضلع‏* * * ليأكلها في النار ما كان آكلا

و تقسيم أموال و ترك عوائل‏* * * يتامى أيامى لا ترى قطّ عائلا

فذا بعض ما يجري و ما قد سمعته‏* * * على كثب منهم و قد كنت سائلا

***

حنانيك يا رباه ما ذا أصابنا* * * و ما ذا دهى الإسلام سرعان عاجلا

و أنت رعاك اللّه يا نسل يعرب‏* * * أ لست ترى في ذاك مجدك زائلا

لقد عم هذا الشر كل ابن حرة* * * فأحنى له ظهرا و أثقل كاهلا

سلام على يوم نرى العرب تنقي‏* * * به غدر من قد كان للعرب خاذلا

دخلت المدينة المنورة في ركب مؤلف من نحو ثلاثين رجلا من عرب البادية و من قرية الحائط، و أنا معهم على ظهر ناقتي بزي بدوي، أشعث أغبر، من و عثاء السفر، و عليّ كوفية و عباءة، حافي القدمين، ملثم الوجه بادي العينين، و ما زلنا نجد السير حتى بلغنا منزل ولي العهد، سمو الأمير علي في منتصف العنبرية، على طريق السكة الحديدية، فأنخنا أمام الباب، و رأينا عشرات مزدحمين هناك، من أهل المدينة و الأعراب، فسألنا رجل من طرف سموه:

أمعكم كتاب، فناوله أحد الشيوخ مكتوب الشريف عبد المطلب الذي كتبته بخطي على لسانه، فلم يلبث الرسول أن رجع إلينا يقول: أين الشامي؟ فتقدمت إليه، فقال: مولانا الأمير في انتظارك، فأنشدت في نفسي قول القائل: «متى‏

52

أضع العمامة تعرفوني» فتعممت على الطربوش و لبست جبتي و جوربي، ثم دخلت على سموّه و سلّمت عليه، فحياني بألطف تحية بعد أن نهض سموّه واقفا على قدميه، ثم أكرمني بالجلوس إلى جانبه، و سألني عن صحتي و أحوالي و مقدمي، فأجبته بخلاصة أيام السلام و ما لقيته من شديد الخطر، فهنأني بالسلامة، و خيرني بين السفر و الإقامة، فبينت لسموّه سبب السفر ثم أحضر حاجبه و أوصاه بي، و أمر بإعداد محل لي أنزل فيه، فذهبت مع الحاجب داعيا شاكرا فضله، و جلست حصة لطيفة عند حضرة الحاجب «جميل بك الراوي البغدادي» و بعد تبادل عبارات السلام و المعرفة، استدعى سيادته «تلفونيا» رشيد أفندي الغز الدمشقي «من قرية داريا» المقيم في المدينة المنورة بوظيفة مهندس للخط، و هو محبوب هناك جدا لاستقامته و كرمه، فلما انتهى إلينا سلّم علينا و جلس، و بعد معرفة اسمي و لقبي قام واقفا و جدّد السلام و الاحترام، و قال: إن بني البيطار هم سادتنا و مرشدونا، و ما منهم إلا عالم أو متعلم، فحياني جميل بك ثانية و قال تنزل ضيفا في دار رشيد أفندي، و إذا عرض لك أمر أو غرض فنرجو إخبارنا «بالتلفون» عنده، فشكرت غيرته و همّته، و ذهبت مع رشيد أفندي حتى انتهينا إلى داره في المحطة بأقصى المدينة من جهة الشمال، و بعد تناول طعام الغداء، مع ضيوفه: حضرة مصطفى أفندي عبد الهادي النابلسي و ولده الملازم منير أفندي و غيرهما، استأذنته‏

53

بالاغتسال في بيته و لم أذهب للحمام إذ ليس عندي شي‏ء من النقود، و بعد الاغتسال و تغيير الثياب، ذهبت قاصدا المسجد النبوي و هو يصحبني، فقطعنا العنبرية و المناخة و سوق المدينة، حتى انتهينا إلى باب الحرم، و هناك أثّر فيّ الخشوع، و اغرورقت عيناي بالدموع، و اشتد خفقان قلبي، حين دخولي على النبي صلى اللّه عليه و سلم، و لم أكد أضع رجليّ في عتبة الحرم حتى استلمني دليلان، و تنازعني عاملان، هذا يقول:

من الشام، و الآخر يجيبه: نعم و لكنه قدم من معان، ثم سألاني تحقيق الخبر و هما يتجاذبان ردائي، فقلت لهما: أيها الإخوان، إني منتسب إلى العلم الشريف مثلكما، و أحبّ أن ألتزم الزيارة الشرعية بعد أداء تحية المسجد في الروضة بين المنبر و البيت، ثم أدعو متوجها جهة القبلة بالدعوات الخيرية، و إني شاكر فضلكما و غير ناس إكرامكما، ثم ذهبت و صليت ركعتين في موقف النبي صلى اللّه عليه و سلم للصلاة، ثم بسطت يدي إلى السماء و دعوت بخيري الدنيا و الآخرة لي و لأهلي و أصحابي و إخواني، و تلاميذ «مدرستنا التوفيق خصوصا» وفقهم اللّه و المسلمين أجمعين لما يحبه و يرضاه، و لم أنس بفضل اللّه أحدا أبدا، فأسأل اللّه القبول، إنه أكرم مسؤول، ثم ذهبت و تشرفت بزيارة النبي صلى اللّه عليه و سلم و زيارة صاحبيه أبي بكر و عمر «رضي اللّه عنهما» و سكان البقيع و حمزة عم الرسول صلى اللّه عليه و سلّم و شهداء أحد، رضي اللّه عنهم أجمعين.

54

حال البلد الطيب العلمية

البلد الطيب كسائر البلاد أصابته الحرب بنقص من الأموال، و الأنفس و الثمرات، فأخرته في كل شي‏ء تأخيرا محسوسا، أما دروس الحرم النبوي العامة فدرس في تفسير القاضي البيضاوي، و آخران في الفقه و التصوف، و أما دروسه الخاصة فمبادئ الفقه و النحو لأفذاذ من الطلاب، و قد شغل الناس أمر المعاش بغلاء الحاجيات، و قلة الموارد.

المدارس الأميرية

في المدينة المنورة أربع مدارس أميرية، و هي العلوية، و العبدلية، و الفيصلية، و الزيدية، على أسماء أنجال جلالة الملك الكرام، و قد زرتها كلها في اليوم الثاني و الثالث، و علمت أنها أسست في أوائل الثورة العربية، و لكل مدرسة مدير و معاون، و في كل منها ثلاثون تلميذا فأكثر، و دروس كل منها:

القرآن الكريم و التوحيد و الفقه الإسلامي و الحساب، و ليس للغة العربية فيها أثر، و قد سألنا عن سبب ذلك، فقالوا: إن النظام الموضوع من قبل المعارف لا يساعد، لأنها مدارس ابتدائية، قلت يا سبحان اللّه، أ ليس فن النحو من الدروس الابتدائية الحاجيّة، التي تبنى عليها العلوم الشرعية، و هل هو أدقّ من مسائل الفقه و التوحيد، اللذين تقرئونهما للتلاميذ؟

فوعدوني بالعناية بتدريس النحو متى رخص لهم فيه، و ذكر