شرح الحلقة الأولى

- السيد كمال الحيدري المزيد...
356 /
5

-

6

شكر و تقدير

بسم الله الرحمن الرحيم‏

الحمد لله ربّ العالمين و الصلاة و السلام على سيّدنا محمّد و على آله الطيبين الطاهرين.

أما بعد، فقد لاحظت ما كتبه تلميذنا العزيز الحجة الفاضل الشيخ سعد الغنامي دام توفيقه من تقرير ما ألقيته في سالف السنين في شرح كتاب الحلقة الأولى لسيدنا الشهيد محمد باقر الصدر (قدس سره)، فوجدت بعد ملاحظتها أنها استطاعت أن تستوعب التفاصيل التي عرضت لها بيسر و حسن بيان، و من ثمّ فهي تعبّر عن جهد فكري و علمي بذله الكاتب من أجل توضيح هذه الأفكار التي تعدّ خطوة أساسية لفهم الحلقات اللاحقة.

و إذ أُبارك له هذه المواهب، و أقدّر فيه هذه القابليات، أدعو الله العليّ القدير أن يأخذ بيده لما فيه المزيد من الرقي و التقدّم في طريق العلم و العمل الصالح.

كمال الحيدري‏

1 صفر الخير 1432 ه-

7

مقدمة المقرر

إن الحاجة إلى الأبحاث الأصولية، قائمة على عدّة مقدّمات بعد فرض تماميّتها، و محلُّ بحثها عادة هو علم الكلام، سنعرض هنا بعضها على نحو الإيجاز:

المقدمة الأولى: ثبت في محلّه أن الله سبحانه و تعالى واجب بالذات، و أن ما عداه من الممكنات جميعاً هي ممكنة بالذات، و معنى ذلك: أن هذه الممكنات جميعها و المخلوقات كلّها، و منها الإنسان، هم عبيد لله تعالى‏ (1).

إذن للوجود خالق هو الله سبحانه و تعالى، و الإنسان مخلوق له.

المقدمة الثانية: إنّ الإنسان، بما هو إنسان، لم يُخلق سدى، و إنما خُلق لغاية لا بدّ من الوصول إليها، و قد رسم الله تعالى له تلك الغاية، و أوضح له المسائل المرتبطة بالوصول إليها.

إذن: الإنسان مسئول أمام خالقه و ليس مهملًا أو متروكاً بلا تكليف.

____________

(1) العبوديّة على ثلاثة أنواع:

النوع الأوّل: عبودية بحكم الشرع، و مثالها الإنسان الذي يصحّ بيعه و ابتياعه.

النوع الثاني: العبوديّة التكوينيّة و هي عبوديّة خارجة عن الاختيار، و عامّة لكلّ المخلوقات و غير مختصّة بأحد دون آخر.

و من الواضح أنّ هذه العبوديّة من لوازم الإيجاد و الخلقة، و لا تقبل الجعل و الاتّخاذ، و منها كون الإنسان مملوك الوجود لربّه مخلوقاً مصنوعاً له، سواء جرى في حياته على ما تستدعيه مملوكيّته الذاتيّة و استسلم لربوبيّة ربّه العزيز أو لم يجر على ذلك.

النوع الثالث: العبوديّة الاختياريّة، و هي التي امتاز بها بعض المخلوقين بمحض إرادتهم بالقرب إلى الله تعالى.

راجع: اللباب في تفسير الكتاب، آية الله العلّامة السيد كمال الحيدري، نشر دار فراقد، قم، الطبعة الأولى 1430 ه-: ج 1، ص 339.

8

المقدمة الثالثة: ثبت في محلّه أيضاً أنّ الإنسان بعقله- الذي هو الرسول الباطن و الحجّة الباطنة كما جاء في الروايات‏ (1)- لا يستطيع أن يصل إلى الغاية المطلوبة، و أن يشرّع لنفسه الأحكام التي تساعده في الوصول إلى تلك الغاية، و إن كان بإمكانه إدراك جملة من الكلّيات و الأمور العامة، كإدراك أصل التكليف، إلا أنه لا يمكنه إدراك تفاصيل هذا التكليف و الأحكام التي يحتاجها للوصول إلى تلك الغاية المرسومة له في عالم الخلق.

و من هنا يبرز وجه الحاجة إلى النبوّة العامة لهداية الخلق و تحديد التكاليف و الأحكام الشرعية من أجل الوصول إلى تلك الغايات.

في ضوء هذه المقدمات يتّضح: أن الإنسان عبد و مخلوق لله تعالى، و أنّه لم يخلق سدىً، و أن الله أرسل له الأنبياء و الرسل بالدين و الشرائع، فلا بدّ أن يطبّق الإنسان عمله على وفق أحكام ذلك الدين و تلك الشريعة التي نزلت من عند الله تعالى؛ لأنه خالق الإنسان، و عارف بما يصلحه و ما يفسده.

و من هنا تبرز الحاجة إلى علم يعنى بهذا الأمر، و هو ما سيتناوله المصنف في بداية الحلقة الأولى تحت عنوان كلمة تمهيدية.

و قبل الدخول في شرح هذه الحلقة لا بدّ من الإشارة إلى أنّه ينبغي للطالب أن يطّلع أولًا على مقدّمة المصنف لهذه الحلقات، و كذلك على كتابه المعالم الجديدة للأصول.

ضرورة الاطلاع على مقدمة المصنف‏

إنّ هناك جملة من الكتب الدراسية المتّبعة في الحوزات العلمية لدراسة

____________

(1) في وصية الإمام موسى بن جعفر (عليه السلام) إلى هشام بن الحكم:) يا هشام إن لله على الناس حجّتين: حجّة ظاهرة و حجّة باطنة، فأما الظاهرة فالرسل و الأنبياء و الأئمة (عليهم السلام) و أما الباطنة فالعقول (انظر: الأصول من الكافي، الكليني، نشر دار الكتب الإسلامية، طهران، الطبعة الثالثة، 1405 ه-: ج 1، 16، ح 12.

9

علم الأصول تبدأ بكتاب معالم الدين‏ (1)، ثم كتاب القوانين‏ (2)، ثم فرائد الأصول‏ (3)، ثم كفاية الأصول‏ (4).

و قد وُضعت هذه الكتب لمرحلة تسمّى مرحلة السطح‏ (5)، و لا يمكن الانتقال إلى مرحلة بحث الخارج إلا بعد الانتهاء من دراستها.

إلا أنّ المصنّف (قدس سره) له بعض الملاحظات على هذه الكتب، ذكرها في مقدّمة هذه الحلقة، و أفاد: بأنّ هناك جملة من المبرّرات التي تدعونا إلى استبدالها بكتب دراسية أخرى تقوم مقامها، و تهيّئ الطالب للوصول إلى مرحلة بحث الخارج.

ثم بيّن المميزات و الخصوصيات التي تتوفّر عليها الحلقات الثلاث و التي تفتقدها تلك الكتب الدراسية القديمة.

من هنا تتّضح ضرورة و أهميّة الاطلاع على هذه المقدّمة قبل الدخول إلى دراسة الحلقات الثلاث لمعرفة سبب استبدال تلك الكتب القديمة بهذه الحلقات التي وضعها الأستاذ الشهيد (قدس سره).

و لا يخفى أنّ السيد الشهيد (قدس سره) وضع قبل هذه الحلقة كتاباً بعنوان المعالم الجديدة (6)، و بينه و الحلقة الأولى عموم و خصوص من وجه، لاشتراكهما في جملة من البحوث، و اختصاص كلّ واحد منهما بأبحاث لم يتناولها الآخر، فقد اختصّ كتاب المعالم الجديدة بجملة من البحوث‏

____________

(1) معالم الدين و ملاذ المجتهدين، للشيخ حسن نجل الشهيد الثاني زين الدين العاملي، المتوفّى 1011 ه-

(2) قوانين الأصول للميرزا أبو القاسم القمي، المتوفى 1231 ه-

(3) فرائد الأصول للشيخ مرتضى الأنصاري المتوفى 1281 ه-

(4) كفاية الأصول للشيخ محمد كاظم الخراساني، المعروف بالآخوند، المتوفى 1328 ه-

(5) تبدأ الدراسة الحوزوية بمرحلة المقدّمات، ثمّ السطح، ثمّ البحث الخارج‏

(6) سئل السيد الشهيد (قدس سره) عن الفرق بين كتاب المعالم الجديدة و الحلقة الأولى، فقال (قدس سره):) بينهما عموم و خصوص من وجه (.

10

المرتبطة بالتطوّر التاريخي لعلم الأصول، و اختصّ الحلقة الأولى بجملة من البحوث لم يتناولها كتاب المعالم الجديدة.

و الحريّ بالطالب أن يراجع في الحلقة الأولى ما يناظرها من بحوث في كتاب المعالم الجديدة، و ذلك لأنّ جملة من البحوث المجملة في أحدهما مفصَّلة في الآخر، فهي تشكّل عاملًا مشتركاً بينهما.

و كذلك ينبغي الرجوع إلى كتاب معالم الدين و ملاذ المجتهدين- الذي يمثّل أوَّلَ حلقة دراسية في الدراسات الأصولية القديمة- عند دراسة الحلقة الأولى‏ (1).

لا بدّ من التنويه إلى أن هذه المادة العلمية الماثلة بين يديك- قارئي العزيز- عبارة عن 23 درساً ألقيت عام 1406 ه- على ثلة من طلبة العلوم الدينية، و قد بذلنا قصارى جهدنا على إخراجها بحلّتها الجديدة، تسهيلًا على الطالب لتناولها، و حرصاً منّا على نشر آثار أستاذنا سماحة آية الله المحقق السيد كمال الحيدري- حفظه الله-.

تلخّص عملنا بالتحرير و صياغة العبارة، و إضافة العناوين، و الهوامش، إيماناً بما تقتضيه هذه المحاولة التي تحاشينا فيها الارتفاع بسقف الحلقة الأولى عمّا أريد لها، فأردنا أن تبقى الحلقة الأولى حلقة أولى، و لذا ارتأينا إيكال الطالب إلى دراسات متقدمة.

و في الختام لا يفوتني أن أتقدم بجزيل الشكر و الامتنان لسماحة السيد الأستاذ- أمد الله في عمره- لما أولاني من وقته و نصحه و إرشاداته في إخراج هذا الكتاب، أسأل الله العلي القدير أن ينفع به الإسلام و أهله.

20 محرم الحرام/ 1432 ه-

الشيخ سعد الغنامي‏

____________

(1) أشار المصنّف (قدس سره) إلى هذه النكتة في إرشاداته التي كان يوجّهها إلى الطلاب.

11

مقدمة المصنف‏

بسم الله الرحمن الرحيم

و الحمد لله رب العالمين و الصلاة و السلام على محمد و آله الطاهرين.

و بعد فان الدراسات العلمية لعلم أصول الفقه تمرّ في مناهج الحوزة عادة بمرحلتين، إحداهما: تمهيدية و هي ما تسمّى بمرحلة السطح. و الأخرى: المرحلة العالية و هي ما تسمّى بمرحلة الخارج. و تتّخذ هذه الدراسة في مرحلتها التمهيدية أسلوب البحث في كتب معيّنة مؤلّفة في ذلك العلم؛ يدرسها الطالب على يد الأساتذة الأكفاء، ليتهيّأ من خلال ذلك لحضور أبحاث الخارج.

و قد جرى العرف العامّ في حوزاتنا جميعاً على اختيار المعالم و القوانين و الرسائل و الكفاية كتباً دراسية للمرحلة المذكورة، و هذا عرف جرت عليه مناهج الحوزة منذ أكثر من نصف قرن و لم يطرأ تغيير ملحوظ باستثناء تضاؤل دور كتاب القوانين من بين هذه الكتب الأربعة ككتاب دراسي بالتدريج، و انصراف عدد كبير من الطلبة في الفترة الأخيرة عن دراسته، و استبداله بكتاب أصول الفقه كحلقة وسيطة بين المعالم و كتابي الرسائل و الكفاية.

و الحقيقة أن الكتب الأربعة المتقدمة الذّكر لها مقامها العلمي، و هي- على العموم- تعتبر حسب مراحلها التاريخية كتباً تجديدية ساهمت إلى درجة كبيرة في تطوير الفكر العلمي الأصولي على اختلاف درجاتها في هذه المساهمة، و قد يكون اختيار هذه الكتب الأربعة كتباً دراسية نتيجة عامل مشترك و هو ما أثاره كل واحد منها عند صدوره من شعور عميق لدى‏

12

العلماء بأهمّيته العلمية و ما اشتمل عليه من أفكار و نكات، هذا إضافة إلى ما تميّزت به بعض تلك الكتب من إيجاز للمطالب و ضغط في العبارة كالكفاية مثلًا.

و قد أدّت هذه الكتب الأربعة- مشكورة- دوراً جليلًا في هذا المضمار، و تخرَّج من حلقاتها الدراسية خلال نصف قرن الآلاف من الطلبة الذين وجدوا فيها سُلَّمهم إلى أبحاث الخارج. و لا يسعنا في هذا المجال إلا أن نستشعر- بعمق- بما لأصحاب هذه الكتب الأبرار (قدس اللَّه أسرارهم الزكية) من فضل عظيم على الحوزة و مسيرتها العلمية، و من جميلٍ لا يمكن أن ينساه أيّ شخص عاش على موائد تلك الأفكار الحافلة و نهل من نمير علومها، و نحن- إذ نقول هذا- نبتهل إلى المولى سبحانه أن يتغمّد مؤلّفي هذه الكتب من علمائنا الأعلام بعظيم رحمته، و يثيبهم بأفضل ثواب المحسنين.

غير أنّ هذا لا يحول دون أن نحاول تطوير الكتب الدراسية و تحسينها إذا وُجدت مبرّرات تدعو إلى ذلك، و أمكن وضع كتب دراسية أكثر قدرة على أداء دورها العلمي في تنمية الطالب و إعداده للمرحلة العليا.

و قد كنّا منذ زمن نجد أكثر من سبب يدعو إلى التفكير في استبدال هذه الكتب بكتب أخرى في مجال التدريس، لها مناهج الكتب الدراسية بحقّ، و أساليبها في التعبير و شرائطها. و مبرّرات التفكير في هذا الاستبدال و إن كانت عديدة و لكن يمكن اختصارها في مبررات أساسية محددة كما يلي:

المبرّر الأول: أن هذه الكتب الأربعة تمثّل مراحل مختلفة من الفكر الأصولي. فالمعالم تعبّر عن مرحلة قديمة تاريخياً من علم الأصول، و القوانين تمثل مرحلة خطاها علم الأصول و اجتازها إلى مرحلة أعلى على يد الشيخ الأنصاري و غيره من الأعلام، و الرسائل و الكفاية نفسهما نتاج أصولي يعود لما قبل مائة سنة تقريباً، و قد حصل علم الأصول بعد الرسائل و الكفاية على‏

13

خبرة مائة سنة تقريباً من البحث و التحقيق على يد أجيال متعاقبة من العلماء المجددين، و خبرة ما يقارب مائة سنة من البحث العلمي الأصولي جديرة بأن تأتي بأفكار جديدة كثيرة و تطوّر طريقة البحث في جملة من المسائل و تستحدث مصطلحات لم تكن؛ تبعاً لما تتكون من مسالك و مبانٍ، و من الضروري أن تنال الكتب الدراسية حظّاً مناسباً لها من هذه الأفكار و التطورات و المصطلحات؛ لئلّا يفاجأ بها الطالب في بحث الخارج دون سابق إعداد.

و هكذا يوجد الآن فاصل معنوي كبير بين محتويات الكتب الدراسية الأربعة و بين أبحاث الخارج، فبينما بحث الخارج يمثّل حصيلة المائة عام الأخيرة من التفكير و التحقيق، و يعبّر بقدر ما يتاح للأستاذ من قدرة عن ذروة تلك الحصيلة، نجد أنّ كتب السطح تمثّل في أقربها عهداً الصورة العامة لعلم الأصول قبل قرابة مائة عام، ساكتةً عن كلِّ ما استجدَّ خلال هذه الفترة من أفكار و مصطلحات.

و نذكر على سبيل المثال لما استجد من مطالب: أفكار باب التزاحم، و ما أشاده الميرزا من مسلك جعل الطريقية بتعميقاته و تفريعاته في مسائل قيام الأمارات مقام القطع الموضوعي و حكومة الأمارات على الأصول، و رفع قاعدة قبح العقاب بلا بيان بجعل الحجية، و فكرة جعل الحكم بنحو القضية الحقيقية بآثارها الممتدّة في كثير من أبحاث علم الأصول كبحث الواجب المشروط، و الشرط المتأخر، و الواجب المعلَّق، و أخذ العلم بالحكم في موضوع الحكم، و الوجه الجديد لبحث المعاني الحرفية الذي يختلف اختلافاً أساسياً عن الصورة الغريبة التي تخلقها آراء صاحب الكفاية في ذهن الطالب.

فإنّ هذه المطالب و غيرها مما أصبحت تشكّل محاور للفكر الأصولي الحديث هي نتاج الفترة المتأخرة الذي يظل طالب السطوح جاهلًا به تماماً،

14

إلى أن يواجه أبحاث الخارج و هو لا يملك تصوّرات ابتدائية أو وسطى عن تلك المطالب.

فالطالب لكي يتسلَّل من كتب السطح إلى درس الخارج كأنه يُكلَّف بطفرة، و بأن يقطع في لحظةٍ مسافةً لم يقطعها علم الأصول خلال تطوره التدريجي إلّا في مائة عام.

و كأنّ اختيار الكتب الدراسية من مراحل مختلفة للفكر الأصولي نشأ من الشعور بلزوم التدرّج في الكتب الدراسية من الأبسط إلى الأعمق، و لمّا كان علم الأصول في وضعه على عهد صاحب المعالم أبسط منه في عهد صاحب القوانين، و في هذا العهد أبسط منه في عهد الرسائل و الكفاية، فقد لوحظ أنّ هذا يحقّق التدرّج المطلوب إذا جعل الكتاب الدراسي الأول نتاج مرحلةٍ قديمة من علم الأصول، و ما يتلوه نتاج مرحلة متأخرة، و هكذا.

و هذا الشعور يشتمل على حقيقة و على خطأ.

أما الحقيقة فهي لزوم التدرج في الكتب الدراسية من الأبسط إلى الأعمق، و أما الخطأ فهو أنّ هذا التدرج لا ينبغي أن يكون منتزعاً من تاريخ علم الأصول و معبّراً عما مرّ به هذا العلم نفسه من تدرّج خلال نموّه، لأن هذا يكلّف الطالب أن يصرف وقتاً كثيراً في مطالب و أفكار لم يَعُدْ لها موضع في العلم بحسب وضعه الفعلي.

و إنما الوضع الصحيح في الكتب الدراسية الذي يشتمل على التدرج المطلوب، هو أن تتجه هذه الكتب جميعاً على اختلاف مراحلها الدراسية لعرض آخر ما وصل إليه العلم من أفكار و تحقيقات و مصطلحات، و لكن بدرجات من العرض تختلف من ناحية الكمّ أو الكيف، أو من الناحيتين معاً، و الاختلاف في الكمّ يعني التفاوت في المقدار المعطى من الأفكار، فبدلًا عن استعراض خمسة اعتراضات على الاستدلال بآية النبأ- مثلًا- يبدأ في‏

15

الحلقة الأولى باعتراض أو اعتراضين ثم يُستعرض عدد أكبر من الاعتراضات في حلقة تالية، و الاختلاف في الكيف يعني التفاوت في درجة عمق ما يطرح من فكرة، فحينما يراد الحديث عن مسلك جعل الطريقية مثلًا، يعرض في حلقة ابتدائية عرضاً ساذجاً بدون تعميق، ثم يعمَّق في حلقة لاحقة، فيعرض على نحو يميِّز فيه بين التنزيل و الاعتبار، و قد يعرض في حلقة أخرى حينئذ على نحو المقارنة بين هذين النحوين في النتائج و الآثار.

المبرّر الثاني: أن الكتب الأربعة السالفة الذّكر- على الرغم من أنها استعملت ككتب دراسية منذ أكثر من خمسين عاماً- لم تؤلَّف من قبل أصحابها لهذا الهدف، و إنما الّفت لكي تعبِّر عن آراء المؤلِّف و أفكاره في المسائل الأصولية المختلفة، و فرق كبير بين كتاب يضعه مؤلّفه لكي يكون كتاباً دراسياً و كتاب يؤلِّفه ليعبّر فيه عن أعمق و أرسخ ما وصل إليه من أفكار و تحقيقات، لأن المؤلف في الحالة الأولى يضع نصب عينيه الطالب المبتدئ الذي يسير خطوة فخطوةً في طريق التعرّف على كنوز هذا العلم و أسراره، و أما في الحالة الثانية فيضع المؤلف في تصوّره شخصاً نظيراً له مكتملًا من الناحية العلمية و يحاول أن يشرح له وجهة نظره و يقنعه بها بقدر ما يتاح له من وسائل الإقناع العلمي.

و من الواضح أن كتاباً يوضع بهذا الاعتبار لا يصلح أن يكون كتاباً دراسياً مهما كانت قيمته العلمية و إبداعه الفكري، و من أجل ذلك كانت الكتب الدراسية المتقدمة الذّكر غير صالحة للقيام بهذا الدور على جلالة قدرها العلمي لأنّها الّفت للعلماء و الناجزين لا للمبتدئين و السائرين.

فمن هنا لم يُحرص في هذه الكتب و أمثالها من الكتب العلمية المؤلفة للعلماء على إبراز كلّ خطوات الاستدلال و حلقات التفكير في المسألة الواحدة، فقد تحذف بعض الحلقات في الأثناء أو البداية، لوضوحها لدى‏

16

العالم، غير أنّ الصورة حينئذ تصبح غير واضحة في ذهن الطالب.

و على سبيل المثال لتوضيح الفكرة نذكر: أنه بُحث في التعبّدي و التوصّلي عن استحالة أخذ قصد الامتثال في متعلّق الأمر، و فُرّع عليه أنّ التعبدي لا يتميّز عن التوصّلي في مرحلة الأمر بل في مرحلة الغرض؛ إذ لا يستوفى غرضه إلّا بقصد الامتثال، و استنتج من ذلك عدم إمكان التمسك بإطلاق الأمر لإثبات كون الواجب توصلياً، و هذا لا يصلح أن يكون بياناً مدرسياً لأن البيان المدرسي بحاجة- لتكميل الصورة في ذهن الطالب- إلى إضافة عنصرين آخرين تركا لوضوحهما؛ أحدهما: أن قصد الامتثال إذا كان بالإمكان أخذه في متعلق الأمر فحاله حال سائر القيود يمكن نفيه بإطلاق الأمر.

و الآخر: أن الخطاب و الدليل مدلوله الأمر و الحكم، لا الملاك و الغرض، و أن استكشاف إطلاق الغرض دائماً إنما يتم عن طريق استكشاف إطلاق متعلق الأمر مع افتراض التطابق بين متعلق الأمر و متعلق الغرض، فحيث لا يتبرهن هذا الافتراض لا يمكن الاستكشاف المذكور.

و مثال آخر من باب التزاحم: فإنّ جُلَّ أحكام هذا الباب مبنيّة على أخذ القدرة شرطاً في التكليف، و عدم كونه دخيلًا في الإدانة و المنجزية فقط، بينما هذا المطلب لم يبحث بصورة مباشرة، و لم يوضَّح الربط المذكور بل بقي مستتراً.

و أيضاً أبرزت كيفية دلالة المطلق على الإطلاق بصورة مباشرة، بينما لم تبرز كيفية دلالة المقيد على أخذ القيد في الموضوع كذلك، و إنما بُحث ذلك ضمناً خلال بحث حمل المطلق على المقيَّد و كيفية علاج التعارض بينهما.

و من هنا لم يراع فيها أيضاً ما يجب أن يراعى في الكتب الدراسية من التدرج في عرض الأفكار من البسيط إلى المعقَّد، و من الأسبق رتبةً إلى‏

17

المتأخر، بحيث تعرض المسألة المتفرّعة ذاتاً في تصوّراتها على حيثيات مسائل أخرى بعد أن تكون تلك الحيثيات قد طرحت و بحثت.

و على سبيل المثال لتوضيح الفكرة: لاحظ بحث توقُّف العموم على إجراء الإطلاق و مقدمات الحكمة في المدخول، فإنّ تصوّر هذا الافتراض يستبطن الفراغ مسبقاً عن تصوّر مقدّمات الحكمة و وظيفتها، بينما يذكر ذلك البحث في العامّ و الخاصّ و تذكر مقدمات الحكمة بعد ذلك في مباحث المطلق و المقيد.

و لاحظ أيضاً الشرط المتأخر للحكم مثلًا، فإن تصوّر المشكلة فيه و تصوّر حلولها مرتبط بمجموعة أفكار عن الواجب المشروط، و طريقة السير من البسيط إلى المعقّد تقتضي تقديم هذه المجموعة من الأفكار على عرض مشكلة الشرط المتأخر و بحثها، بينما وقع العكس في الكفاية و غيرها.

و مثال آخر: أنّ تصوّر التخيير بين الأقلّ و الأكثر و افتراض استحالته دخيل في استيعاب قاعدة إجزاء الأوامر الاضطرارية عن الواقع، فإذا بُحثت هذه القاعدة بعد افتراض تصوّر مسبق عن التخيير المذكور، كان فهمها للطالب و تصوّرها أيسر.

و من هنا لم يراع فيها ما يجب أن يراعى في الكتب الدراسية من توفير فهم مسبق عند الطالب للمسائل و القواعد التي يستعان بها لإثبات المدَّعى في مسألة أخرى و البرهنة عليها، أو لاقتناص الثمرة الأصولية لها.

فالإطلاق و مقدمات الحكمة تدخل كدليلٍ لإثبات دلالة الأمر على الوجوب، و لإثبات دلالته على العينية و التعيينية و النفسيّة، و لإثبات دلالة الجملة الشرطية و غيرها على المفهوم و هكذا، مع أن الطالب في الكتب القائمة لا يُعطى فكرة عن الإطلاق و مقدمات الحكمة إلّا بعد الفراغ عن جميع مباحث الأوامر و النواهي و المفاهيم و أحكام التعارض- بما فيها قواعد الجمع‏

18

العرفي- قد تدخل في علاج كثير من ألوان التعارض بين الأدلة اللفظية المستدلّ بها على حجية أمارة أو أصل من الأصول فيقال مثلًا: إن دليل وجوب الاحتياط حاكم على دليل البراءة، أو وارد، أو أن دليل البراءة مخصّص قبل إعطاء تصورات و أفكار محددة عن أحكام التعارض و قواعد الجمع بين الأدلة التي لا تقع إلّا في نهاية أبحاث الأصول ... و مسألة اقتضاء النهي للبطلان تدخل عندهم في اقتناص الثمرة من بحث الضد، إذ جعلوا ثمرة اقتضاء الأمر بشي‏ء للنهي عن ضده بطلان العبادة، و في اقتناص الثمرة من بحث امتناع اجتماع الأمر و النهي، إذ جعلوا ثمرة هذا البحث بطلان العبادة بناءً على القول بالامتناع و تقديم جانب النهي، مع أن الطالب لا يدرس مسألة اقتضاء النهي للبطلان و لا يأخذ عنها تصوّراً علمياً إلّا بعد الفراغ عن مسألتي الضد و الامتناع، و هكذا إلى كثير من هذه النظائر.

و من هنا لم يحرص أيضاً على إبراز الثمرة بكثير من المطالب التي يتبيّن من خلالها الارتباط بين تلك المطالب بعضها ببعض، فاهملت في كثير من الأحيان أوجه العلاقة بين الأفكار الأصولية و لم يتعرض لها إلّا بقدر ما يحتاج إليه في مقام الاستدلال على مطلب أو إبطاله، فبُحث- مثلًا- المعنى الحرفي و جزئيته و كلّيته، و لكن لم يُربط ذلك بالتمسك بالإطلاق في المعاني الحرفية، و ظلّ الطلبة يكرِّرون أن البحث في المعاني الحرفية لا أثر له، و بحث الوجوب التخييري و الكفائي بحثاً تحليلياً، و لكن لم يربط ذلك بأثره في التمسك بالإطلاق أو الأصل العملي عند الشك في نوعية الواجب، و بدا كأنه بحث تحليليّ بحت.

و من هنا لم يُحرص أيضاً على وضع كثير من النكات و المباحث في موضعها الواقعي و بصيغةٍ تتناسب مع كلّيتها و أهميّتها، و إنّما دُسّت دسّاً في مقام علاج مشكلة، أو دفع توهّم، أو أثيرت من خلال تطبيقٍ من تطبيقاتها.

19

و من الواضح أن العالم الممارس يستطيع من خلال ذلك أن يضع النكتة في موضعها الواقعي و يعطيها حدودها المناسبة، و لكن قلّما يتاح ذلك للطالب فيبقى فهمه لتلك النكات و المطالب فهماً تجزيئياً و ضمن دوائر محدودة.

خذ مثالًا على ذلك: أركان تنجيز العلم الإجمالي الأربعة التي عرضناها في الحلقة الثانية، فإنّ الكتب التي تتحدّث عنها حينما تناولت منجزية العلم الإجمالي لم تضع لها أركانها بصيغها الفنية العامة، و إنما عقدت تنبيهات كحالات جزئية طبّقت من خلالها ضمناً تلك الأركان إثباتاً و نفياً، و في حالة من هذا القبيل لن يخرج الطالب غالباً بصورة محدّدة و رؤية واضحة لهيكل تنجيز العلم الإجمالي بما يشتمل عليه من قواعد و أركان.

و من هنا لم يحرص أيضاً على اجتناب استعمال مصطلحات لم يأت بعد تفسيرها، لأن الحديث في تلك الكتب مع العالم لا مع الطالب، و العالم محيط بتلك المصطلحات منذ البدء، و لهذا نجد في الصفحة الأولى من الكفاية استعمال مصطلح حجّيّة الظنّ بناءً على تقرير دليل الانسداد على الحكومة، و هو مصطلح لا يُكشف النقاب عنه إلّا في أواسط الجزء الثاني من الكتاب.

المبرر الثالث: و هو أيضاً ناتج عن الحالة العامة التي لوحظت في المبرر السابق، و هي أن المؤلفين كانوا يكتبون لأمثالهم لا للمبتدئين.

و حاصل هذا المبرر: أن المقدار الذي ينبغي أن يعطى من الفكر العلمي الأصولي في مرحلة السطح يجب أن يحدد وفقاً للغرض المفروض لهذه المرحلة، و الذي أعرفه غرضاً لهذه المرحلة تكوين ثقافة عامة عن علم الأصول لمن يريد أن يقتصر على تلك المرحلة، و الإعداد للانتقال إلى مرحلة الخارج لمن يريد مواصلة الدرس، و هذا هو أهمّ الغرضين. فلا بد إذن أن يكون المعطى بقدر يكفل ثقافة عامة تحقِّق هذا الإعداد، و توجد في الطالب فهماً مسبقاً بدرجة معقولة لما سوف يتلقّى درسه من مسائل، و مرتبة من‏

20

العمق و الدقة تتيح له أن يهضم ما يواجهه في أبحاث الخارج من أفكار دقيقة موسّعة و بناءات فكرية شامخة. و من الواضح أن هذا يكفى فيه أن تتوفر الكتب الدراسية على إعطاء علم الأصول بهيكله العام، و لا يلزم أن يمتد البحث في تلك الكتب إلى التفريعات الثانوية و يتلقّى و جهات نظر فيها، بل الأفضل أن تترك هذه التفريعات على العموم إلى أبحاث الخارج ما دامت المفاتيح التي سوف يتسلّمها الطالب كافية لمساعدته على الدخول فيها بعد ذلك مع أستاذ بحث الخارج.

و على هذا الأساس نرى من المهم أن يحصل الطالب على تصورات شبه معمَّقة عن الأحكام الظاهرية، و طريقة الجمع بينها و بين الواقع، و الفرق بين الأمارات و الأصول، و سنخ المجعول في أدلة الحجية، و أثر ذلك على أبواب مختلفة كباب حكومة الأمارة على الأصل، و حكومة الاستصحاب على البراءة، و قيام الأمارة مقام القطع الموضوعي، لأن هذه الأفكار تعتبر أساسية بالنسبة إلى الهيكل العام لعلم الأصول.

و أما أن يحاط الطالب علماً بأن استصحاب عدم التذكية- مثلًا- حاكم على أصالة البراءة و يستطرق من ذلك إلى بحث طويل و معمّق في نفس جريان استصحاب عدم التذكية و موارد جريانه في الشبهات الموضوعية و الحكمية، فهذا مما لا يدخل في نطاق الغرض من مرحلة بحث السطح.

هذا فضلًا عن الاستطرادات التي وقعت فيها تلك الكتب كاستطرادها للحديث عن قاعدة لا ضرر و لا ضرار و نحو ذلك، أو التوسّعات التي تزيد عن الحاجة لمرحلة السطح في استعراض الأقوال و نقل الأدلة، و استيعاب النقض و الإبرام، حتى بلغت الأقوال التي أحصاها الشيخ في الرسائل في الاستصحاب و بحث كل واحد منها بحثاً مفصلًا أربعة عشر قولًا.

المبرر الرابع: أنّ الطريقة المتَّبعة في تحرير المسائل و تحديد كل مسألة

21

بعنوان من العناوين الموروثة تاريخياً في علم الأصول لم تعد تعبّر عن الواقع تعبيراً صحيحاً، و ذلك لأن البحث الأصولي من خلال اتساعه و تعمقه بالتدريج- منذ أيام الوحيد البهبهاني إلى يومنا هذا- طرح قضايا كثيرة جديدة ضمن معالجاته للمسائل الأصولية الموروثة تاريخياً، و كثير من هذه القضايا تعتبر من الناحية الفنية و من الناحية العملية معاً أهمّ من جملة من تلك المسائل الموروثة، بينما ظلّت هذه القضايا تحت الشعاع و لا تبرز إلّا بوصفها مقدمات أو استطرادات في مباحث تلك المسائل.

و يمكنك أن تلاحظ بهذا الصدد المباحث العقلية التي أدرجت في الجزء الأول من الكفاية تحت عناوين البحث عن الملازمة بين وجوب الشي‏ء و وجوب مقدمته و الملازمة بين الأمر بالشي‏ء و النهي عن ضده و هكذا، فإن هذه العناوين باعتبار كونها تاريخية و موروثة في علم الأصول استأثرت بالمسائل المبحوثة، مع أنّه وقع البحث في داخل تلك المسائل عن كثير من القضايا العقلية المهمة التي بقيت بلا عنوان، و كأنها مجرّد أبحاث تمهيدية أو استطرادية، فإمكان الشرط المتأخر أو استحالته و إمكان الواجب المعلق أو استحالته و ضرورة تقيد التكليف بعدم الاشتغال بالمزاحم و عدم جواز تضييع المقدمات المفوّتة إلى غير ذلك من القضايا بقيت كأجزاء من أبحاث تلك العناوين التاريخية، بينما كل واحدة منها تشكّل بحثاً أصولياً مهمّاً من الناحية الفنية و من ناحية ترتب الثمرة الأصولية، و لا تقلّ أهمية عن تلك المسائل التاريخية الموروثة بل قد تكون أهمّ منها.

فالأصوليون- مثلًا- حاروا في كيفية تصوير الثمرة لبحث الملازمة بين وجوب الشي‏ء و وجوب مقدمته، مع أنّهم لم يتوصّلوا إلى أفكارهم عن الواجب المعلق أو الشرط المتأخر و نحوهما إلّا لتحقيق ثمرات عملية واضحة، و مع هذا حشروا كل هذه الأفكار ضمن تلك المسألة التي لا يعرفون كيف‏

22

يوضّحون ثمرتها العملية، و ضاعت بذلك على الطالب قيمة تلك الأفكار و مغزاها العملي، حتى أنّ كثيراً من الطلبة يرون أنّ التوسّع في داخل المسألة التي ليس من الواضح أنّ لها ثمرة عملية مجرد تطويل و توسيع لعملية لغو لا مبرر له، بل إنّ هذا الحشر في كثير من الأحيان يؤدّي إلى إيحاءات خاطئة.

فمثلًا: مشكلة المقدمات المفوتة و وجوب تحصيلها حشرت في سياق الوجوب الغيري، و فرّعت على تبعية الوجوب الغيري للوجوب النفسيّ في الإطلاق و الاشتراط، و هذا يوحى بالارتباط، مع أنّ مشكلة المقدمات المفوتة مشكلة قائمة تحتاج إلى تفسير و اكتشاف قانونها الأصولي سواء قلنا بالوجوب الغيري أو لا، فهي ترتبط بالمسئولية المولوية تجاه المقدمة و هي مسئولية لا شكّ فيها و لا شك في تبعيتها لفعلية الوجوب النفسيّ سواء كانت هذه المسئولية عقلية بحتة و من تبعات محركية الوجوب النفسيّ أو كانت مشتملة على ما يسمّى بالوجوب الغيري.

هذه هي أهمّ المبرّرات التي تدعو إلى التفكير بصورة جادّة في استبدال الكتب الدراسية القائمة و الاعتقاد بعدم صلاحيتها في مجال التدريس على الرغم من قدسيتها العلمية و التأريخية.

و قد صدرت في العقود الثلاثة الأخيرة عدة محاولات للاستبدال و التطوير في الكتب الدراسية، و كان من نتاج هذه المحاولات كتاب «مختصر الفصول» كتعويض عن القوانين، و كتاب «الرسائل الجديدة» اختصاراً للرسائل كتعويض عنها، و كتاب «أصول الفقه» كحلقة وسيطة بين المعالم و كتابي الرسائل و الكفاية. و هي محاولات مشكورة و تمثّل جهوداً مخلصة في هذا الطريق، و قد يكون أكثرها استقلالية و أصالة هو المحاولة الثالثة باعتبارها تصنيفاً مستقلًا و ليس مجرّد اختصار لكتاب سابق، و لكنها لا تفي مع ذلك بالحاجة لعدة أسباب:

23

منها: أنها لا يمكن الاقتصار عليها في السطح و الاكتفاء بها عن جميع الكتب الدراسية الأصولية و إنما هي مرشّحة لتكون الحلقة الوسيطة بين المعالم و كتابي الكفاية و الرسائل على ما يبدو من ظروف وضعها، و من الواضح أنّ هذا أشبه ما يكون بعملية الترقيع، فهي و ان حرصت على أن تعطي للطالب غالباً الأفكار الحديثة في علم الأصول بقدر ما أتيح للمؤلف إدراكه و استيعابه، و لكنها تصبح قلقة حين توضع في مرحلة وسطى، فيبدأ الطالب بالمعالم ليقرأ أفكاراً أصولية و مناهج أصولية في البحث وفقاً لما كان عليه العلم قبل مئات السنين، ثم ينتقل من ذلك فجأة و بقدرة قادر ليلتقي في أصول الفقه أفكاراً أصولية حديثة مستقاة من مدرسة المحقق النائيني على الأغلب، و من تحقيقات المحقق الأصفهاني أحياناً، و بعد أن يفترض أنّ الطالب فهم هذه الأفكار نرجع به خطوة إلى الوراء ليلتقي في الرسائل و الكفاية بأفكار أقدم تاريخياً بعد أن نوقش جملة منها في الحلقة السابقة و استبدلت جملة منها بأفكار أمتن. و هذا يشوّش على الطالب مسيره العلمي في مرحلة السطح و لا يجعله يتحرك في الاتجاه الصحيح.

و منها: أنّ أصول الفقه على الرغم من أنه غيَّر من المظهر العام لعلم الأصول- إذ قسّمه إلى أربعة أقسام بدلًا عن قسمين، و أدرج مباحث الاستلزامات و الاقتضاءات في نطاق المباحث العقلية بدلًا عمّا درج عليه المؤلّفون من ذكرها ضمن مباحث الألفاظ- و لكن هذا لم يتجاوز التصرف في كيفية تقسيم مجموعة المسائل الأصولية المطروحة في الكتب السابقة إلى مجاميع، فقد صنِّفت في أربع مجاميع كما أشرنا بدلًا عن مجموعتين، و لم يمسّ هذا التصرف جوهر تلك المسائل و لم يستطع أن يكتشف- مثلًا- في مقدمات مسألة الملازمة بين وجوب الشي‏ء و وجوب مقدمته مسائل أصولية لها استحقاقها الفني لأن تُعرض كمسائل أصولية في نطاق الأدلة العقلية.

24

و هكذا اقتصر التغيير على المظهر و لم يتجاوزه إلى الجوهر.

و منها: أنّ الكتاب لا تعبِّر بحوثه عن مستوى واحد من العطاء كيفاً و كمّاً أو عن مستويات متقاربة، بل إنّ الكتاب في بعض مباحثه يتوسّع و يتعمق، بينما يختصر و يوجز في مباحث أخرى.

فلاحظ- مثلًا- ما يشتمل عليه من تحقيق موسّع فيما يتصل باعتبارات الماهية في بحث المطلق و المقيّد، و ما يشتمل عليه من توسّع و إطناب في مباحث الحسن و القبح العقليين، و ما يشتمل عليه من توسّع كذلك في إثبات جريان الاستصحاب في موارد الشكّ في المقتضى، بل الملحوظ في كثير من بحوث الكتاب أنّه لا تنسيق بينها و بين بحوث الكفاية التي فرض منهجياً أن تكون بعده في الخطّ الدراسي، فجملة من المسائل تعرض بنحو أوسع مما في الكفاية و أعمق لا يبقي مبرراً لدراسة المسألة نفسها من جديد في الكفاية، و جملة أخرى من المسائل تعرض موجزة أو ساذجة على نحو يبقي للكفاية قدرتها على إعطاء المزيد أو التعميق.

و قد رأينا أنّ الاستبدال يجب أن يتمّ بصورة كاملة فيعوّض عن مجموعة الكتب الدراسية الأصولية القائمة فعلًا بمجموعة أخرى مصمّمة بروح واحدة، و على أسس مشتركة، و على ثلاث مراحل، و هذا ما قمنا به- بعون اللَّه و توفيقه- آخذين بعين الاعتبار النقاط التالية:

أولًا: إنّ الهدف الذي جعلنا على عهدة الحلقات الثلاث تحقيقه و صمّمناها وفقاً لذلك، هو ما أشرنا إليه سابقاً من إيصال الطالب إلى مرحلة الإعداد لبحث الخارج و جعله على درجة من الاستيعاب للهيكل العام لعلم الأصول، و من الدقّة في فهم معالمه و قواعده تمكّنه من هضم ما يعطى له في أبحاث الخارج هضماً جيداً.

و لهذا حرصنا على أن نطرح في الحلقات الثلاث أحدث ما وصل إليه‏

25

علم الأصول من أفكار و مطالب، من دون تقيّد بما هو الصحيح من تلك الأفكار و المطالب، لأن الإعداد المذكور لا يتوقّف على تلقّى الصحيح بل على الممارسة الفنيّة لتلك الأفكار، و ان كنّا آثرنا اختيار الصحيح كلّما لم نجد محذوراً منهجياً و تدريسياً في ذلك، و لكنا أحياناً طرحنا و جهات نظر غير صحيحة و إن كانت حديثة، لأن طرح وجهة النظر الصحيحة لم يكن بالإمكان أن يتمّ إلا من خلال طرح وجهة النظر غير الصحيحة و مناقشتها، و مستوى الحلقة لا يتحمّل استيعاب كل ذلك، فاقتصرنا على إعطاء وجهة النظر غير الصحيحة مؤجّلين إعطاء وجهة النظر النهائيّة إلى حلقة تالية أو إلى أبحاث الخارج. و من هنا لا يمكن التعرّف على آرائنا النهائيّة من خلال هذه الحلقات حتى و لو صيغ بيان الرأي فيها صياغةً تدلّ على التبنّي و الارتضاء.

ثانياً: إنّ الحلقات الثلاث تحمل جميعا منهجاً واحداً تستوعب كل واحدة منها علم الأصول بكامله و لكنها تختلف في مستوى العرض كمّاً و كيفاً و تتدرج في ذلك، فيعطى لطالب الحلقة الأولى أو الثانية قدر محدّد من البحث في كل مسألة، و يؤجل قدر آخر من المسألة إلى الحلقة التالية، و هذا التأجيل يقوم، إما على أساس تقدير قابلية استيعاب الطالب و تفادي تحميله ما يفوق هذه القابلية، أو على أساس أنّ القدر الآخر مبنيّ على مطالب و نكات متواجدة في مباحث أخرى من المسائل الأصولية و لم تعطَ فعلًا للطالب، فيؤجّل ذلك القدر من المسألة إلى أن يعطى للطالب هذه النكات التي يرتبط ذلك القدر بها.

و لم يتمثّل التدرّج في العرض في كل حلقة بالنسبة إلى سابقتها، بل تمثّل أيضاً في نفس الحلقة الواحدة وفقاً لنفس الأسباب من الناحية الفنية، فالحلقة الثانية تتصاعد بالتدريج و الحلقة الثالثة يعتبر الجزء الثاني منها أعلى درجةً

26

من الجزء الأول، لأن الطالب كلما قطع شوطاً أكبر في الدراسة تعمّق ذهنياً من ناحية، و ازداد استيعاباً للمطالب الأصولية من ناحية أخرى، و ذلك يرشّحه لتقبّل المزيد من التحقيق فيما يرتبط بتلك المطالب، و يتوقّف عليها من نكات المسائل الأخرى و حيثياتها.

ثالثاً: إنا لم نجد من الضروري حتى على مستوى الحلقة الثالثة استيعاب كلّ الأدلة التي يستدلّ بها على هذا القول أو ذاك. فبالنسبة إلى أصل البراءة و الاحتياط- مثلًا- لم نُحِط بكلّ الآيات و الروايات التي استدلّ بها على هذا أو ذاك، لأن هذه الإحاطة إنما تلزم في بحث الخارج أو في تأليفٍ يخاطب به العلماء من أجل تكوين رأي نهائي، فلا بدّ حينئذ من فحص كامل، و أما في الكتب الدراسية لمرحلة السطح فليس الغرض منها- كما تقدّم- إلا الثقافة العامة و الإعداد، و على هذا الأساس كنا نؤثر في كل مسألةٍ الأدلّة ذات المغزى الفني، و نهمل ما لا يكون له محصّل من الناحية الفنيّة.

رابعاً: إنّا تجاوزنا التحديد الموروث تاريخياً للمسائل الأصولية، و أبرزنا ما استجدّ من مسائل و أعطيناها عناوينها المناسبة. و أما بالنسبة إلى التصنيف الموروث للمسائل الأصولية إلى مجموعتين، و هما مباحث الألفاظ و الأدلّة العقلية فلم نجد مبرراً للعدول عن التصنيف الثنائي إلى مجموعتين إلى تصنيف آخر، و لكن أدخلنا تعديلًا عليه بجعل المجموعتين هما مباحث الأدلة و مباحث الأصول العملية، ثم صنّفنا المجموعة الأولى إلى الدليل الشرعي و الدليل العقلي، و قسّمنا الكلام في الدليل الشرعي إلى البحث في الدلالة، و البحث في السند، و البحث في حجية الظهور، كل ذلك من أجل تقريب التصنيف الأصولي للمسائل إلى واقع عملية الاستنباط و ما يقع فيها من تصنيف للمواقف، فكما أنّ عملية الاستنباط تشتمل على مرحلتين مترتّبتين، و هما: الأدلة و الأصول كذلك البحث في علم الأصول يصنَّف إلى هذين‏

27

الصنفين، و كما أنّ الفقيه في مجال الأدلة تارة يستدلّ بالدليل الشرعي و أخرى بالدليل العقلي كذلك علم الأصول يبحث الأدلة الشرعية تارة و الأدلة العقلية أخرى، و كما أنّ الفقيه حين يواجه دليلًا شرعياً يتكلم عنه دلالةً و سنداً وجهة كذلك علم الأصول يبحث الجهات الثلاث في الدليل الشرعي.

و هذا الحرص على تطبيق التصنيف الأصولي للقواعد على عملية الاستنباط قد لا يكون له مغزى من الناحية الفنية البحتة، و لكنه مهم من الناحية التربوية و جعل الطالب مأنوس الذهن بالقواعد الأصولية بمواقعها المحدّدة في عملية الاستنباط، و هذا يمتاز على التصنيف الثنائي المشهور، و يمتاز على التصنيف الرباعي الذي اقترحه المحقق الأصفهاني و سار عليه كتاب أصول الفقه إذ في كلا التصنيفين تُفصَل حجية الظهور و حجية السند عن أبحاث الدلالة بينما الجهات الثلاث متلاحمة مترابطة في عملية الاستنباط، فلكي يوحي التصنيف بصورة للقواعد الأصولية تتفق مع مواقعها في عملية الاستنباط لا بدّ من اتّباع ما ذكرناه.

خامساً: إنّا لاحظنا في استعراضنا لآحاد المسائل- ضمن التصنيف المذكور- الابتداء بالبسيط و الانتهاء إلى المعقّد، و التدرّج في عرضها حسب درجات تعقيداتها و ترابطاتها، و حرصنا على أن لا نعرض مسألة إلّا بعد أن نكون قد استوفينا مسبقاً كل ما له دخل في تحديد التصورات العامة فيها، و أن لا نعطي في كل مسألة من الاستدلال و البحث إلا بالقدر الذي تكون أصوله الموضوعية مفهومة بلا حاجة إلى الرجوع إلى مسألة لاحقة.

و قد كلّفنا هذا- في جملة من الأحيان- أن نغيّر ترتيب المسائل من حلقة إلى أخرى، فمثلًا: قدّمنا الكلام عن امتناع اجتماع الأمر و النهي على الكلام عن بحث الملازمة بين وجوب الشي‏ء و وجوب مقدمته في الحلقة الثانية، بينما عكسنا المطلب في الحلقة الثالثة، و النكتة في ذلك أنّ إبراز بعض‏

28

النكات في مسألة الوجوب الغيري للمقدمة، يتوقّف على فهم مسبق لمسألة الامتناع، من قبيل اقتناص الثمرة بلحاظ أداء القول بالوجوب الغيري لمطلق المقدمة إلى سقوط الحرمة حتى عن المقدمة غير الموصلة لامتناع اجتماع الأمر و النهي، كما أنّ إبراز بعض النكات في مسألة الامتناع ينبغي أن يكون بعد الإحاطة بحال الوجوب الغيري من قبيل أنّ امتناع الاجتماع كما يكون في الأمر النفسيّ مع النهي كذلك في الأمر الغيري مع النهي أيضاً، ففي الحلقة الثانية أبرزنا الثمرة في بحث الوجوب الغيري فناسب تأخيره عن بحث الامتناع، و في الحلقة الثالثة أبرزنا تعميم الامتناع للأوامر الغيرية فناسب تأخيره عن بحث الوجوب الغيري، و هكذا جاء الترتيب بين المسائل مختلفاً في الحلقتين لنكتة من هذا القبيل أو لنكات أخرى مقاربة.

سادساً: وجدنا أنّ تعدّد الحلقات شي‏ء ضروري لتحقيق المنهج الذي رسمناه لأن إعطاء مجموع الكمية الموزّعة للمسألة الواحدة في الحلقات الثلاث ضمن حلقة واحدة تحميل فجائيّ للطالب فوق ما يطيقه، و يكون جزءاً من تلك الكمية عادةً مبنياً على مسائل أخرى بعد لم يتّضح للطالب حالها، بل إنّا وجدنا أنّ تثليث الحلقات شي‏ء ضروري أيضاً على الرغم من أنّ الحلقة الأولى يبدو أنّها ضئيلة الأهمية، و قد يتصوّر الملاحظ في بادئ الأمر إمكان الاستغناء عنها نهائياً، و لكن الصحيح عدم إمكان ذلك، لأننا بحاجة- قبل أن نبدأ بحلقة استدلالية تشتمل على نقض و إبرام- إلى تزويد الطالب بتصورات عن المطالب و القواعد الأصولية حتى يكون بالإمكان في تلك، الحلقة الاستدلالية أن نضمِّن استدلالنا و نقضنا و إبرامنا لهذه المسألة أو تلك هذا المطلب الأصولي أو ذاك، و لهذا رأينا أن نضع الحلقة الأولى لإعطاء هذه التصورات العلمية، فيخرج منها الطالب و هو يعرف معنى الظهور التصوري و التصديقي، و الأمارة، و الأصل، و المنجزية و المعذرية، و الجعل‏

29

و المجعول، و المعنى الاسمي و الحرفي، و الحاكم و الوارد و المخصّص، و القرينة المتصلة و المنفصلة، و الإطلاق و العموم، و الفرق بينهما إلى كثير من هذه المصطلحات و المقولات الأصولية التي تحتاج الحلقة الاستدلالية إلى استخدامها باستمرار.

و نضع الحلقة الثانية بوصفها حلقة استدلالية بحقّ، و لكن بدرجة تتناسب معها. و تمثل الحلقة الثالثة المستوى الأعلى من الاستدلال الذي يكفي لتحقيق الهدف المطلوب من دراسة السطح.

سابعاً: إنّ كل حلقة و إن كانت تستعرض علم الأصول و مباحثه على العموم و لكن مع هذا قد نذكر بعض المسائل الأصولية أو النكات في حلقة ثم لا نعيد بحثها في الحلقة التالية اكتفاء بما تقدّم، لاستيفاء حاجة المرحلة- أي مرحلة السطح- بذلك المقدار، و هذا ما وقع- مثلًا- في بحث الطرق التي يمكن استعمالها لإثبات السيرة المعاصرة للمعصومين (عليهم السلام) فإنّنا استعرضنا أربع طرق في الحلقة الثانية و لم نجد موجباً لإعادة البحث عن ذلك في الحلقة الثالثة.

و إنما نجمع كل الكمية التي تحتاجها مرحلة السطح في حلقة متقدمة أحياناً لأحد الأسباب: إما لسهولة مفردات الكمية و إمكان تفهّمها من قبل طلبة تلك الحلقة، و إما لوجود حاجة ماسّة إلى تفهّم تلك الكمية بكاملها في تلك الحلقة بالذات لارتباط فهم جملة من مسائلها الأخرى بذلك، و إما للأمرين معاً، كما هو الحال في البحث المشار إليه- أي بحث الطرق لإثبات السيرة المعاصرة- فإنه بحث عرفيّ قريب من الفهم، و ليس طالب الحلقة الثانية بحاجة إلى مران علمي أكبر لاستيعابه، و هو في نفس الوقت يشكّل الأساس لفهم طريقة استدلال الحلقة نفسها بالسيرة على حجّيّة خبر الثقة، و على حجية الظهور، و على حجية الاطمئنان.

30

ثامناً: إنّا لم نُدخل على العبارة الأصولية تطويراً مهمّاً، و لم نتوخَّ أن تكون العبارة في الحلقات الثلاث وفقاً لأساليب التعبير الحديث، و إنما حاولنا ذلك إلى حد ما في الحلقة الأولى فقط، و أما في الحلقتين الثانية و الثالثة فقد حرصنا أن تكون العبارة سليمة و وافية بالمعنى، و لكن لم نحاول جعلها حديثة، و لهذا جاء التعبير في الحلقتين العاليتين مقارباً في روحه العامة للتعبير المألوف في الكتب العلمية الأصولية، و إن تميّز عنه بالسلامة و الوضوح و وفاء العبارة بالمعنى، و ليس ذلك لعدم إيماننا بأهمية تنشئة الطالب الحوزوي على أساليب التعبير الحديث بل لاعتبارين آخرين قدّمناهما على ذلك.

أحدهما: أنّنا نريد أن نمكّن الطالب تدريجاً من الرجوع إلى الكتب العلمية الأصولية القائمة فعلًا و فهمها، و هذا لا يتأتى إلا إذا خاطبناه بعبارة قريبة من مفردات تلك الكتب، و لقّناه من خلال الحلقات الثلاث المطالب الأصولية بنفس المصطلحات التي تستعملها تلك الكتب، حتى و لو كانت هذه المصطلحات تشتمل على خطأ في تركيبها اللفظي، و أما إذا كتبنا الحلقات الثلاث بأساليب التعبير الحديث و وضعنا بديلًا مناسباً عن المصطلحات القديمة فسوف تنقطع صلة الطالب بمراجع هذا العلم و كتبه، و يتعسّر عليه الرجوع إليها، و هذا يشكّل عقبة كبيرة تواجه نموّه العلمي.

و على هذا الأساس اكتفينا من التجديد في أساليب التعبير الأصولي بما أنجِزَ في الحلقة الأولى و انتقلنا بالطالب في الحلقتين العاليتين إلى أرضية لغوية قريبة مما هو مألوف في كتب الأصول.

و الاعتبار الآخر: أن الكتب الدراسية الأصولية و الفقهية المكتوبة باللغة العربية تتميز عن أي كتاب دراسي عربي في العلوم المدنية بأنها كتب لا تختصّ بأبناء لغة دون لغة، و كما يدرسها العربي كذلك يدرسها الفارسي و الهندي و الأفغاني و غيرهم من أبناء الشعوب المختلفة في العالم الإسلامي،

31

على الرغم من كونها كتباً عربية، و هؤلاء يتلقّون ثقافتهم العربية من المصادر القديمة التي لا تهيئ لهم قدرة كافية لفهم اللغة العربية بأساليبها الحديثة، فما لم يحصل بصورة مسبقة تطوير و تعديل في أساليب تثقيف هؤلاء و تعليمهم اللغة العربية يصعب اتخاذ أساليب التعبير الحديث أساساً للتعبير في الكتب الدراسية الأصولية.

تاسعاً: أشرنا آنفا إلى أنّا حرصنا على سلامة العبارة و ان تكون واضحة وافية بالمعنى، و لكن هذا لا يعنى أن تُفهَم المطالبُ من العبارة رأساً، و إنما توخّينا الوضوح و السلامة بالدرجة التي تضمن أن تُفهَم المطالب من العبارة في حالة دراستها على الأستاذ المختصّ بالمادة، لأن الكتاب الدراسي لا يطلب منه التبسيط أكثر من ذلك كما هو واضح. نعم يمكن للطالب الألمعي في بعض الحالات أن يمرّ على الحلقة الأولى مروراً سريعاً مع الأستاذ أو يقرأها بصورة منفردة و يراجع الأستاذ في بعض النقاط منها، إلا أن هذا استثناء، و المفروض على العموم أن تدرس الحلقات الثلاث جميعاً.

و بهذا تختلف الحلقات الثلاث عن الكتب الدراسية الأصولية القائمة فعلًا و تتفق مع مناهج الكتب الدراسية الحديثة، فإنّ الكتب الدراسية الأصولية القائمة فعلًا لا تحتوي على الصعوبة و التعقيد في الجانب المعنوي و الفكري منها فقط، بل إنّها تشتمل على الصعوبة و التعقيد في الجانب اللفظي و التعبيري أيضاً، و لهذا تجد عادة أن المدرّس حتى بعد أن يشرح الفكرة للطالب تظلّ العبارة مستعصية على الفهم، و يحسّ الطالب بالحاجة إلى عون الأستاذ في سبيل تطبيق تلك الفكرة على العبارة جملةً جملة، و ليس ذلك إلا لأن العبارة قد طُعّمت بشي‏ء من الإلغاز: إما لإيجازها، أو للالتواء في صياغتها، أو لكلا الأمرين، بينما الكتب الدراسية التي تسير عليها مناهج الدراسة في العالم اليوم لا تحتوي على هذه الصعوبة؛ لأن العبارة فيها وافية، و هذا ما جرينا عليه في‏

32

هذه الحلقات، فقد جاءت العبارة فيها وافية بالمراد، لا بمعنى أنّ الطالب يقتنص المراد من العبارة فقط بل بمعنى أنّه حين يشرح له أستاذه المعنى يجده منطبقاً على العبارة و لا يحسّ في التعبير بالتواء و تعقيد.

عاشراً: أجدني راغباً في التأكيد من جديد على أن تبنّي وجهة نظر أو طريقة استدلال أو مناقشة برهان في هذه الحلقات لا يدلّ على اختيار ذلك حقّاً، كما أنّ المضمون الكامل للحلقات الثلاث لا يمثّل الوضع التفصيلي لمباحثنا الأصولية و لا يصل إلى مداها كمّاً أو كيفاً. و من هنا كان على الراغبين في الاطلاع على متبنّياتنا الحقيقية في الأصول و على نظرياتنا و أساليب استدلالنا بكامل أبعادها أن يرجعوا إلى بحوث في علم الأصول.

بقي أخيراً أن نوجّه بعض الإرشادات إلى الطلبة الكرام الذين أعدت هذه الحلقات الثلاث لهم و إلى أساتذتهم الأعلام و ذلك ضمن ما يلي:

أولًا: إنّ الجدير بتدريس الكفاية قادر على تدريس الحلقات الثلاث جميعاً، كما أنّ القادر على تدريس المعالم قادر على تدريس الحلقة الأولى، و القادر على تدريس أصول الفقه يقدر على تدريس الحلقة الثانية بدون شكّ فضلًا عن الأولى.

ثانياً: إنّ المرجّح لطلبة الحلقة الثالثة أن يطالعوا- قبل درس كل مسألة فيها- المسألة نفسها من الحلقة السابقة لأن ذلك يساعدهم على سرعة تفهّم الدرس الجديد الذي كثيراً ما يشتمل جزءاً منه على نفس المطالب المتقدّمة في الحلقة السابقة و لكن بشكل مضغوط و موجز.

كما أنّا نرجّح لمن يقوم بتدريس الحلقة الثانية أن يطالع- عند التحضير- نفس المبحث من الحلقة الثالثة؛ لأن ذلك يعطيه رؤية أوضح لما يريد أن يتولّى تدريسه.

ثالثاً: إن طلبة الحلقة الأولى يناسبهم أن يطالعوا المعالم الجديدة في‏

33

الأصول لأن هذه الحلقة هي اختصار مع شي‏ء من التعديل و التطوير لكتاب المعالم الجديدة في الأصول، و الفارق بينهما أنّ كتاب المعالم الجديدة حينما وضعناه أدخلنا في حسابنا الهواة أيضاً و حاولنا أن نشرح الأفكار فيه بطريقة تتيح لهم أن يفهموها من الكتاب نفسه بدون حاجة إلى مدرّس، و أما الحلقة الأولى من هذه الحلقات الثلاث فقد وضعناها لطلبة العلم خاصّة و افترضنا أنها تُتلقّى من خلال الدرس.

رابعاً: إنّ من المفيد أن يتّخذ الطالب من بعض الكتب الدراسية القديمة مراجع له ككتابي أصول الفقه و الكفاية خلال البحث، و حيث إنّ المنهجة مختلفة فالمأمول في مدرسي الحلقة الثالثة أن يرشدوا تلامذتهم إلى موضع المسألة التي يدرسونها و محلّ التعرض لها في كتابَي أصول الفقه و الكفاية لأن ذلك يوسّع من مدارك الطالب و يسرع به نحو النضج العلمي المطلوب.

خامساً: ينبغي للطالب أن يحاول استيعاب شرح الأستاذ و كتابته لكي تنمو لديه ملكة الكتابة العلمية، و تترسّخ في ذهنه مصطلحات العلم و لغته و أفكاره و يكون أكثر استعداداً لكتابة أبحاث الخارج فيما بعد.

هذا و نسأل المولى سبحانه و تعالى أن يتقبّل هذا بلطفه، و ينفع به طلبتنا و أبناءنا الأعزاء في الحوزات العلمية، و أن ينفعنا به، يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَ لا بَنُونَ إلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ. و الحمد للَّه رب العالمين و لا حول و لا قوّة إلا باللَّه العلي العظيم.

النجف الأشرف‏

18/ رجب/ 1397 ه-

محمد باقر الصدر

34

مقدمة الحلقة الأولى‏

بسم اللَّه الرحمن الرحيم

و الحمد للَّه رب العالمين و الصلاة و السلام على محمد و آله الطاهرين.

و بعد فان هذه هي الحلقة الأولى من دروس في علم الأصول وضعناها للمبتدئين بدراسة هذا العلم و تتبعها حلقتان أخريان إن شاء اللَّه تعالى و يتكامل من خلال الحلقات الثلاث إعداد الطالب للدراسة العليا و حضور أبحاث الخارج.

و قد شرحنا في مقدّمة هذه الحلقة ما يتعلق بهذه الحلقات الثلاث و منهجها و طريقة تدريسها إن شاء اللَّه تعالى، و من اللَّه سبحانه نستمدّ العون و التوفيق.

النجف الأشرف‏

جمادى الأولى 1397 ه-

محمد باقر الصدر

35

التمهيد

* التعريف بعلم الأصول‏

* جواز عملية الاستنباط

* الحكم الشرعي و تقسيمه‏

36

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

37

التعريف بعلم الأصول‏

كلمة تمهيدية

بعد أن آمَنَ الإنسانُ بالله و الإسلام و الشريعة، و عرفَ أنه مسئولٌ بحكم كونه عبداً لله تعالى عن امتثال أحكامه، يُصبح ملزَماً بالتوفيق بين سلوكه في مختلف مجالاتِ الحياة و بين الشريعة الإسلامية، و باتخاذ الموقفِ العمليّ الذي تفرضُه عليه تبعيَّتُه للشريعة، و لأجل هذا كان لزاماً على الإنسان أن يُعيّنَ هذا الموقفَ العملي، و يعرفَ كيف يتصرَّفُ في كلِّ واقعة.

و لو كانت أحكامُ الشريعة في كل الوقائع واضحةً وضوحاً بديهياً للجميع لكان تحديد الموقف العمليِّ المطلوب تجاهَ الشريعةِ في كلِّ واقعةٍ أمراً ميسوراً لكلّ أحد، و لما احتاجَ إلى بحثٍ علميّ و دراسةٍ واسعة، و لكنَّ عوامل عديدةً، منها بعدُنا الزمنيُّ عن عصرِ التشريع أدَّتْ إلى عدم وضوحِ عددٍ كبير من أحكام الشريعةِ، و اكتنافِها بالغموض.

و على هذا الأساسِ كان من الضروريِّ أن يوضَعَ علمٌ يتَولّى دفعَ الغموضِ عن الموقِف العمليِّ تجاهَ الشريعةِ في كلِّ واقعةٍ بإقامةِ الدليل على تعيينه.

و هكذا كان. فقد أُنشِئَ علمُ الفقهِ للقيام بهذه المهمّةِ، فهو يشتملُ على تحديدِ الموقفِ العمليّ تجاهَ الشريعةِ تحديداً استدلالياً، و الفقيهُ في علمِ الفقهِ يُمارسُ إقامةَ الدليلِ على تعيينِ الموقفِ العمليِّ في كلِّ حدَثٍ من أحداثِ الحياة، و هذا ما نُطلقُ عليه اسمَ عمليةِ استنباطِ الحكم الشرعيّ.

38

و لأجل هذا يمكنُ القولُ بأنَّ علمَ الفقهِ هو: علمُ استنباطِ الأحكامِ الشرعيةِ، أو علمُ عمليةِ الاستنباطِ، بتعبيرٍ آخر.

و تحديدُ الموقفِ العمليِّ بدليلٍ، يتمُّ في علمِ الفقهِ بأسلوبين:

أحدُهما: تحديدُه بتعيين الحكمِ الشرعي.

و الآخرُ: تحديدُ الوظيفةِ العمليةِ تجاهَ الحكمِ المشكوكِ بعدَ استحكامِ الشكِّ و تعذُّرِ تعيينه. و الأدلةُ التي تُستعملُ في الأسلوب الأول نسمّيها بالأدلةِ، أو الأدلّة المحرزة؛ إذ يُحرَزُ بها الحكمُ الشرعيّ. و الأدلّةُ التي تُستعملُ في الأسلوبِ الثاني تسمّى بالأدلةِ العمليةِ، أو الأصولِ العملية.

و في كلا الأُسلوبين يمارسُ الفقيهُ في علم الفقهِ استنباطَ الحكمِ الشرعيّ، أي يحدِّدُ الموقفَ العمليَّ تجاهَه بالدليل.

و عملياتُ الاستنباطِ التي يشتملُ عليها علمُ الفقهِ بالرغم من تعدُّدِها و تنوُّعِها، تشتركُ في عناصر موحَّدةٍ و قواعِدَ عامَّةٍ تدخلُ فيها على تعدُّدِها و تنوُّعِها، و قد تطلّبَتْ هذه العناصرُ المشتركةُ في عمليةِ الاستنباطِ وضعَ علمٍ خاصٍّ بها لدراستِها و تحديدِها و تهيئتِها لعلم الفقهِ، فكانَ علمُ الأصول.

39

الشرح‏

في ضوء ما ذكرنا (1) من أنّ الله سبحانه و تعالى واجب بالذات و أنه خالق، و أنّ ما عداه من الممكنات مخلوقة له، و بقانون وجوب شكر المنعم، و لزوم طاعة العبد لمولاه، يجب على العبد أن يطبّق عمله على مقتضى تلك الأحكام النازلة منه تعالى، في جميع المجالات المختلفة و الأبعاد المتعددة.

مسئولية المكلف و ضرورة الاجتهاد

ممّا اختصّ به الدين الإسلامي كونه خاتم الأديان السماوية، و أنه أكمل الأديان، كما كُتب له البقاء إلى قيام الساعة، للقدرة التي يستطيع بها أن يواكب البشرية إلى قيام الساعة، إلا أن عدم قدرة الإنسان على إدراك تفاصيل الشريعة و الأحكام التي يحتاجها تلجئه إلى الأخذ بزمام الاجتهاد و الذي نعني به: عميلة استنباط الحكم الشرعي من المصادر و الأدلّة المعتبرة.

بعبارة أخرى: إن الشريعة الإسلامية هي خاتمة الشرائع السماوية، و الإنسان مسئول عن تطبيق عمله على وفق الشريعة، و هنا لا يخلو الأمر: إما أن تكون هذه الشريعة- بما تنطوي على أحكام لتنظيم حياة الإنسان- واضحة كلَّ الوضوح، و بديهية لا تحتاج إلى تأمّل و استدلال، فهنا يُعمل بها، و يتمّ المطلوب.

و أما على فرض كون هذه الشريعة و أحكامها و ما يحتاجه الإنسان لتنظيم حياته ليست بذلك الوضوح الذي يستطيع كل إنسان الرجوع إليها

____________

(1) في المقدّمة.

40

و الأخذ بها لتطبيقها في حياته العملية، فبناء على هذا الفرض نحتاج إلى عملية استنباط هذه الأحكام من المصادر الموجودة بأيدينا- كالكتاب و السنّة- التي وضعتها الشريعة بنفسها لاستنباط الأحكام الشرعية. و هذا واضح بأدنى تأمّل.

أما العوامل التي أدّت إلى عدم الوضوح البديهي في أحكام الشريعة، فيمكن الإشارة إلى أهمّها:

1- البعد عن مصدر النصّ الشرعي‏ (1).

2- الدسّ و التزوير و الجعل و الوضع في روايات النبي (صلى الله عليه و آله) و أئمّة أهل البيت (عليهم السلام).

3- التعارض المتراءى بين النصوص الشرعية.

4- الوضع السياسي الحاكم على زمن أئمة أهل البيت (عليهم السلام) و الذي أدّى إلى عدم بيان الأحكام الواقعية، و إنما جملة منها كانت مبنيّة على أساس التقية.

هذه العوامل و غيرها كلّها أدّت إلى أن لا تكون أحكام الشريعة الإسلامية واضحة وضوحاً بيّناً، بحيث يستطيع أن يرجع إليها كلّ مكلّف للعمل بها، مما يبرز أهميّة البحث العلمي في دفع الغموض بإقامة الدليل المعتبر على تعيين الموقف الشرعي من خلال التمسّك بعملية الاجتهاد أو ما يسمّى بعميلة استنباط الحكم الشرعي من الأدلّة المعتبرة.

لقد تعرّض المصنّف (قدس سره) لهذه الأبحاث بناءً على مقدّمة مطوية يأتي‏

____________

(1) لا يتبادر عند قولنا إن أحد عوامل الغموض هو بعدنا عن عصر النص و التشريع أن الأحكام كانت واضحة كلَّ الوضوح في عصر النص و التشريع لكل أحد بالنحو الذي تكون فيه كلُّ الأحكام بديهية، و إنما الأمر على نحو القضية النسبية، بمعنى أن الوضوح الموجود في عصر النص و التشريع، أكثر مما عليه هو في العصور اللاحقة و في عصرنا.

41

الحديث عنها في الحلقة الثانية، و حاصلها: إن لله سبحانه و تعالى في كل واقعة حكماً فإن كان الحكم واضحاً و بديهياً عملنا به، كما في أصل وجوب الصلاة و عدد ركعات الصلاة، و إن لم يكن كذلك فنحتاج إلى علم يتولّى بيان الأحكام التي هي غير واضحة و غير بديهية كما في الشكوك المرتبطة بالصلاة، فإنها مسائل غامضة تحتاج إلى تعيين لأحكامها.

و من هنا نشأ علم الفقه ليبيّن الأحكام في حالة غموضها لا في جميع الحالات.

تحديد الموقف العملي‏

قبل الدخول في بيان تحديد الموقف العملي لا بدّ أن يعلم أن اصطلاح الموقف العملي يطلق و يراد به أحد معنيين:

الأول: يطلق و يراد به الأصل العملي/ الدليل غير المحرز الذي هو أحد أقسام الدليل الشرعي و قسيم الدليل المحرز (1).

الثاني: يطلق و يراد به الأعمّ من الأدلّة المحرزة و الأصول العملية. أي ذلك الحكم الذي نحتاج إليه للعمل به، أعمّ من كونه دليلًا كاشفاً عن الحكم الشرعي، أو أصلًا عملياً يعيّن الوظيفة العملية في حالة الشكّ و الحيرة، ذلك التعيين القائم على أساس الاستدلال و البرهان لا على الادعاء و الرأي الشخصي.

ثم إن تحديد الموقف العملي هو أحد وظائف الفقيه التي يمارسها للكشف عن دليل الحكم الشرعي، و يتمّ ذلك بأحد أسلوبين:

الأول: بيان الدليل على الحكم الشرعي من خلال ورود نصّ من‏

____________

(1) الأصول العملية ليس لها نظر إلى بيان حكم الله و الكشف عنه، و إنما هي لبيان وظيفة المكلّف لكي لا يبقى متحيّراً في مقام الشك. سيأتي بيانه لاحقاً.

42

الكتاب أو السنّة تجاه حدث و واقعة ما، و هو ما يعبّر عنه بالأدلّة المحرزة.

الثاني: بيان الدليل على الحكم الشرعي من خلال الأخذ بأصول وضَعَها الشارع عند تعذُّر الدليل المحرز- كما في الأسلوب الأول- و استحكام حالة الشكّ و الشبهة و الحيرة. و هو ما يعبّر عنه بالأصول العملية.

لا يخفى أن هناك ترتّباً طولياً بين هذين الأسلوبين، بمعنى: عند تعيين الموقف العملي بواسطة الدليل الشرعي المحرز إزاء واقعة من الوقائع لا يترك مجال أمام الأصل العملي، و إنما يصار إلى الأصل العملي في تحديد الموقف العملي بعد تعذّر الدليل الشرعي المحرز. وعليه لا يمكن الانتقال إلى الأسلوب الثاني- الأصول العملية- في تعيين الموقف العملي إلا بعد تعذّر إيجاد دليل شرعيّ محرز على حكم تلك الواقعة.

أقسام الأدلة

إن الدليل الذي يعتمده الفقيه لاستنباط الحكم الشرعي، ينقسم إلى قسمين:

القسم الأول: الدليل الذي يشكّل عنصراً مشتركاً/ عامّاً في عملية الاستنباط، بمعنى: أنه يدخل في أكثر من عملية لاستنباط الحكم الشرعي.

القسم الثاني: الدليل الذي يكون عنصراً خاصّاً في عملية الاستنباط. بمعنى: أنه لا يدخل إلا في المسألة المبحوث عنها في تلك الواقعة (1).

و لمّا كانت عملية الاستدلال تعتمد على عناصر مشتركة عامّة، و عناصر خاصّة، كان من الضرورة تمييزها بعلم خاصّ، و هو علم أصول الفقه‏ (2).

و من هنا نحتاج إلى تعريف علم الأصول.

____________

(1) سيأتي بيان الأقسام مفصّلًا عند تعريف علم الأصول‏

(2) يبدأ تاريخ علم أصول الفقه عند الفصل بين العناصر المشتركة و العناصر الخاصة. منه‏

43

أضواء على النص‏

قوله (قدس سره): بعد أن آمن الإنسان بالله و الإسلام و الشريعة. هناك فرق بين الإسلام و بين الشريعة، و الكلام فيه مرتبط بدراسات أخرى.

قوله (قدس سره): و على هذا الأساس كان من الضروري أن يوضع علم .. باعتبار القاعدة المستبطنة في هذه الكلمات، و هي أن لله تعالى في كل واقعة حكماً.

قوله (قدس سره): يحدّد الموقف العملي تجاهه بالدليل‏ أعمّ من كونه دليلًا لبيان الحكم الشرعي، أو أصلًا عملياً هو أيضاً حكم من الأحكام الشرعية.

قوله (قدس سره): فكان علم الأصول‏ أي فوجد علم الأصول، لأن كان هنا بمعنى كان التامّة و ليست الناقصة.

44

تعريف علم الأصول‏

و على هذَا الأساسِ نرى أن يعرّفَ علمُ الأصولِ بأنه «العلمُ بالعناصر المشتركةِ في عمليةِ استنباطِ الحكم الشرعي».

و لكي نستوعبَ هذا التعريفَ يجبُ أن نعرِفَ ما هي العناصرُ المشتركةُ في عملية الاستنباط.

و لنذكرْ- لأجلِ ذلك- نماذجَ بدائيةً مِن هذه العمليةِ في صِيَغٍ مختصرةٍ لكي نصلَ عن طريق دراسةِ هذه النماذجِ، و المقارنة بينها، إلى فكرةِ العناصر المشتركةِ في عمليةِ الاستنباط.

افرضوا أن فقيهاً واجهَ هذه الأسئلة:

1. هل يحرُمُ على الصائم أن يَرتمِسَ في الماء؟

2. هل يجبُ على الشخص إذا وَرِث مالًا من أبيه أن يؤدِّيَ خمسَه؟

3. هل تبطلُ الصلاةُ بالقهقهةِ في أثنائها؟

فإذا أرادَ الفقيهُ أن يجيبَ على هذه الأسئلةِ، فإنه سوف يجيبُ على السؤالِ الأولِ مثلًا بالإيجاب و أنه يحرُمُ الارتماسُ على الصائم، و يستنبطُ ذلك بالطريقةِ التالية: قد دلّتْ روايةُ يعقوبَ بنِ شعيبٍ عن الإمام الصادقِ (عليه السلام) على حرمةِ الارتماسِ على الصائم، فقد جاءَ فيها أنّه قال: لا يَرتَمِسُ المُحْرِمُ في الماء و لا الصائمُ.

و الجملةُ بهذا التركيبِ تدلّ في العرفِ العامِّ على الحرمةِ، و راوي النصِّ يعقوبُ بنُ شعيبٍ ثقةٌ، و الثقةُ و إن كان قد يخطئُ أو يشذّ أحياناً و لكنَّ الشارعَ أمرنا بعدم اتّهامِ الثقةِ بالخطإ أو الكذبِ، و اعتبرَه حجّةً، و النتيجةُ هي: أن الارتماسَ حرامٌ.

45

و يجيبُ الفقيهُ على السؤالِ الثاني بالنفي؛ لأن روايةَ عليَّ بن مهزيار جاءَت في مقام تحديد الأموال التي يجب فيها الخمس و ورد فيها أن الخمس ثابت في الميراث الذي لا يحتسب من غير أب و لا ابن، و العرف العام يفهم من هذه الجملة أن الشارع لم يجعل خمساً على الميراث الذي ينتقل من الأب إلى ابنه، و الراوي ثقة و خبر الثقة حجّة، و النتيجة هي أن الخمس في تركة الأب غير واجب.

و يجيب الفقيه على السؤال الثالث بالإيجاب؛ بدليل رواية زرارة عن الإمام الصادق أنه قال: «القهقهة لا تنقض الوضوءَ و تنقض الصلاة» و العرف العامّ يفهم من النقض أن الصلاة تبطل بها، و زرارة ثقة، و خبر الثقة حجّة، فالصلاة مع القهقهة باطلة إذن.

و بملاحظة هذه المواقف الفقهية الثلاثة، نجد أن الأحكام التي استنبطها الفقيه كانت من أبواب شتى من الفقه، و أن الأدلّة التي استند إليها الفقيه مختلفة، فبالنسبة إلى الحكم الأول استند إلى رواية يعقوب بن شعيب، و بالنسبة إلى الحكم الثاني استند إلى رواية علي بن مهزيار، و بالنسبة إلى الحكم الثالث استند إلى رواية زرارة.

و لكلّ من الروايات الثلاث متنها و تركيبها اللفظي الخاصّ الذي يجب أن يُدرَس بدقّة و يُحدَّد معناه، و لكن توجد في مقابل هذا التنوّع و هذه الاختلافات بين المواقف الثلاثة عناصر مشتركة أدخلها الفقيه في عملية الاستنباط في المواقف الثلاثة جميعاً.

فمن تلك العناصر المشتركة: الرجوع إلى العرف العامّ في فهم الكلام الصادر عن المعصوم، و هو ما يعبَّر عنه بحجّية الظهور العرفي. فحجّية الظهور إذاً عنصر مشترك في عمليات الاستنباط الثلاث، و كذلك يوجد عنصر مشترك آخر و هو حجّية خبر الثقة.

46

و هكذا نستنتج أن عمليات الاستنباط تشتمل على عناصر مشتركة كما تشتمل على عناصر خاصّة.

و نعني بالعناصر الخاصة تلك العناصر التي تتغيّر من مسألة إلى أُخرى. فرواية يعقوب بن شعيب عنصر خاصّ في عملية استنباط حرمة الارتماس؛ لأنها لم تدخل في عمليات الاستنباط الأخرى، بل دخلت بدلًا عنها عناصر خاصة أخرى كرواية عليّ بن مهزيار و رواية زرارة.

و نعني بالعناصر المشتركة القواعد العامّة التي تدخل في عمليات استنباط أحكام عديدة في أبواب مختلفة.

و في علم الأصول تُدرَس العناصر المشتركة، و في علم الفقه تُدرَس العناصر الخاصّة في كلّ مسألة.

و هكذا يُترك للفقيه في كل مسألة أن يفحصَ بدقّةٍ الروايات و المداركَ الخاصّةَ التي ترتبط بتلك المسألة، و يدرس قيمة تلك الروايات، و يحاول فهمَ ألفاظها و ظهورِها العرفي و أسانيدها، بينما يتناول الأصوليُّ البحثَ عن حجّية الظهور و حجية الخبر، و هكذا.

و علم الأصول لا يحدّد العناصر المشتركة فحسب، بل يحدد أيضاً درجات استعمالها، و العلاقة بينها، كما سنرى في البحوث المقبلة إن شاءَ اللَّه تعالى.

47

الشرح‏

يرى المصنّف (قدس سره) أن علم الأصول هو: العلم بالعناصر المشتركة في عملية استنباط الحكم الشرعي. أي هو العلم الذي يحتاجه الفقيه في عملية استنباط الحكم الشرعي.

و يظهر من التعريف أن لعملية استنباط الحكم الشرعي جزءين:

الأول: العناصر المشتركة.

الثاني: العناصر الخاصّة.

و الأصولي- بما هو أصوليّ- يبحث العناصر المشتركة، أي: إذا نظرنا إلى عملية استنباط الحكم الشرعي من خلال جهة العناصر المشتركة العامة، فهذا ما يتولّاه الأصولي في علم الأصول.

و الفقيه- بما هو فقيه- يبحث العناصر الخاصّة، أي: إذا نظرنا إلى عملية استنباط الحكم الشرعي من خلال جهة العناصر المختصّة، فهذا ما يتولّاه الفقيه في علم الفقه.

و العلم بالعناصر المشتركة في تلك العملية يسمَّى بعلم الأصول، و العلم بالعناصر الخاصة هو علم الفقه‏ (1).

العناصر المشتركة

عند الوقوف على المراد من العناصر المشتركة، سوف يتّضح المراد من‏

____________

(1) يطلق) علم الفقه و يراد به أحد معنيين:

الأول: العلم بعملية استنباط الحكم الشرعي.

الثاني: العلم بالعناصر الخاصة، و يقع هنا في قبال) علم الأصول (. و تفصيل ذلك موكول إلى دراسات أخرى.

48

علم الأصول، و كذلك يتضح المراد من العناصر الخاصة التي تدخل في عملية الاستنباط.

ذكر المصنّف (قدس سره) ثلاثة أمثلة- على حدّ تعبيره نماذج بدائية- لعملية استنباط الحكم الشرعي، حاول من خلالها التمييز بين العناصر المشتركة و العناصر الخاصة في هذه العملية.

إذا جئنا إلى المثال الأول: هل يحرم على الصائم أن يرتمس في الماء؟، نجد أن المصادر الروائية المتوفّرة بأيدينا دلّت على أن الارتماس في الماء بالنسبة إلى الصائم مبطل لصومه، و هذا ما أشارت له رواية يعقوب بن شعيب عن الإمام الصادق (عليه السلام)، إذ ورد فيها: لا يرتمس المحرم في الماء، و لا الصائم‏ (1). و المراد من الحرمة هنا الحرمة الوضعية، أي البطلان‏ (2).

فهنا يمكن أن نلحظ عدة أمور:

الأول: إن وصول الرواية إلينا، تارة يكون من خلال السماع من الإمام المعصوم مباشرة، فلا إشكال و لا شبهة في وجوب العمل بها؛ لعصمته عن الخطأ و الاشتباه و السهو و النسيان و الكذب و ما شابه. و أخرى يكون وصول الرواية إلينا من الإمام المعصوم (عليه السلام) عن طريق شخص غير معصوم، و يحتمل فيه الخطأ و الاشتباه و السهو و النسيان و الكذب و نحو ذلك، و رواية حرمة ارتماس الصائم في الماء نقلت إلينا عن طريق يعقوب بن شعيب، فمن حقّنا أن نسأل: هل يمكن الاعتماد على هذه الرواية التي نقلت إلينا عن طريق خبر الواحد في الأحكام الشرعية؟

____________

(1) الفروع من الكافي، مصدر سابق: ج 4، ص 353 ح 2. محلّ شاهدنا في هذه الرواية هو الحكم الثاني منها حرمة ارتماس الصائم في الماء دون الحكم الأول و هو حرمة ارتماس المحرم للحج‏

(2) سيأتي بيان الفرق بين الحكم التكليفي و الحكم الوضعي.

49

هنا تلجئنا الضرورة لعقد بحث عن حجّية خبر الواحد في الأحكام الشرعية، و أن المخبر إذا كان شخصاً واحداً، و نقل لنا رواية عن الإمام المعصوم (عليه السلام)، فهل يقبل قوله أم لا (1)؟

الثاني: الرجوع إلى العرف العامّ في محاوراتهم العرفية لتحديد أن الرواية التي دلّت على حرمة ارتماس الصائم في الماء، أنصّ هي في المطلوب أم ظاهرة، أم لا شي‏ء منهما (2)؟

بعبارة أخرى: ما ذا يفهم العقلاء من هذه الرواية في محاورتهم العرفية؟

و هذا ما يعبّر عنه بالعرف العام‏ (3)، أو بالظهور العرفي‏ (4).

الثالث: إن مضمون هذه الرواية هو حرمة الارتماس في الماء، و هو من مفطرات الصوم.

و بملاحظة هذه الأمور الثلاثة يتضح أن الاستدلال على حرمة الارتماس على الصائم، بحاجة إلى عناصر ثلاثة:

الأول: حجّية خبر الثقة في الأحكام الشرعية.

الثاني: الرجوع إلى العرف العام و المحاورات العرفية.

الثالث: مضمون الرواية.

و كذلك المقال في المثال الثاني، و هي مسألة الميراث الذي لا يحتسب، حيث ذكر الفقهاء في محلّه: أن الميراث تارة يحتسب و أخرى لا يحتسب، و مثاله: كما لو كان لزيد رحم بعيد فمات، و انحصرت الوراثة فيه، و لا وارث للميّت غيره، فيسمّى ميراثاً لا يحتسب؛ لأن الذي ورث المال لم يكن يحتسب‏

____________

(1) سيأتي البحث في حجّية خبر الواحد لاحقاً

(2) سيأتي البحث فيه عند التمييز بين النصّ و الظاهر و المجمل‏

(3) هناك فرق بين العرف العامّ و العرف الخاصّ. سيأتي بيانه في الأبحاث اللاحقة

(4) يأتي بحثه في حجّية الظهور.

50

أنه سيرثه، فقالوا هنا بوجوب الخمس.

و أما إذا كان الميراث مما يحتسب، أي يعلم الإنسان أنّه إذا مات الأب فالابن هو الذي يرثه، أو إذا مات الابن فالأب هو الذي يرثه، فيسمى ميراثاً يحتسب، أي أن الوارث يحتسب بأنّه لو مات فلان فهو وارث له، فقالوا هنا بعدم وجوب الخمس.

و مسألة الميراث، ليست بغنى عن العناصر الثلاثة في عملية الاستدلال على عدم وجوب الخمس في تركة الأب أو الابن من حجّية خبر الواحد و بحث الظهور و ما يرتبط بالحكم الذي جاءت به الرواية في المقام. و هكذا الحال في المثال الثالث و هو مبطلية القهقهة للصلاة في أثنائها.

و بيان الحكم الشرعي في كل واقعة من هذه الوقائع الثلاث، يتوقّف على معرفة كيفية الاستدلال. ففي المثال الأول: اعتمد الفقيه على رواية يعقوب بن شعيب‏ لا يرتمس المحرم في الماء و لا الصائم‏ و الجملة بهذا التركيب تدلّ على الحرمة في العرف العامّ، و حيث إن يعقوب ثقة، و خبر الثقة حجّة بجعل الشارع، فالنتيجة: أن الارتماس حرام.

و أما المثال الثاني: اعتمد الفقيه فيه على رواية علي بن مهزيار، الدالّة على عدم ثبوت الخمس في الميراث الذي لا يحتسب من غير أب و لا ابن‏ (1) و العرف العامّ يفهم من هذه الجملة عدم وجوب الخمس على الميراث من الأب، و حيث إن عليّ بن مهزيار ثقة، و خبر الثقة حجّة، فالنتيجة: عدم وجوب الخمس في تركة الأب.

و أما المثال الثالث: اعتمد الفقيه فيه على رواية زرارة القهقهة لا تنقض‏

____________

(1) تهذيب الأحكام، الشيخ الطوسي، تحقيق: السيد حسن الموسوي الخرسان، نشر دار الكتب الإسلامية، طهران: ج 4، ص 141، ح 398.

51

الوضوء و تنقض الصلاة (1)، و العرف العام يفهم من النقض أن الصلاة تبطل بها، و حيث إن زرارة ثقة، و خبر الثقة حجّة، فالنتيجة: أن الصلاة مع القهقهة باطلة.

و عند دراسة هذه الأمثلة الثلاثة، نجد في طيّات عملية الاستدلال عناصر مشتركة و أخرى مختصّة:

فأما العناصر المشتركة فهي:

أولًا: الأخذ بخبر الثقة، و اعتباره حجّة في الأحكام الشرعية.

ثانياً: الرجوع إلى الفهم العامّ في فهم النص الديني.

و أما العناصر المختصّة فهي: أن الأحكام المستنبطة كانت من أبواب مختلفة: الصيام، و الخمس، و الصلاة، و لكلّ حكم روايته الخاصّة به.

وظيفة علم الأصول‏

تتلخّص وظيفة علم الأصول بأمرين:

الأول: بحث العناصر المشتركة في عملية استنباط الحكم الشرعي.

الثاني: بحث العلائق القائمة بين العناصر المشتركة في عملية استنباط الحكم الشرعي، فإن هناك جملة من العناصر المشتركة ترتبط بالدليل الشرعي، و أخرى ترتبط بالأصول العملية، فتكون بعض العناصر المشتركة حاكمة و واردة و عامّة و مخصّصة و مطلقة و مقيّدة لعناصر مشتركة أخرى‏ (2).

أضواء على النص:

قوله (قدس سره): يجيب على السؤال الأول مثلًا بالإيجاب‏. التعبير بمثلًا لأنها مسألة فقهية مختلف فيها، و البحث فيها موكول إلى محلّه.

____________

(1) الفروع من الكافي، مصدر سابق: ج 3، ص 364، ح 6

(2) سيأتي البحث لاحقاً في تعارض الأدلّة الشرعية.

52

قوله (قدس سره): و لكن الشارع أمرنا بعدم اتهام الثقة بالخطإ أو الكذب و اعتبره حجة، أي يجب العمل بكلامه، و هذا معنى التنجيز و التعذير الذي سيأتي في محلّه من بحث القطع.

قوله (قدس سره): و لكلّ من الروايات الثلاث متنها و تركيبها اللفظي الخاصّ الذي يجب أن يُدرس بدقّة و يُحدّد معناه‏، و هذا ما يقوم به الفقيه في علم الفقه.

قوله (قدس سره): و علم الأصول لا يحدّد العناصر المشتركة فحسب‏ أي أن وظيفته ليست منحصرة في هذا الأمر.

قوله (قدس سره): كما سنرى في البحوث المقبلة إن شاءَ اللَّه تعالى‏ يعني: في بحث تعارض الأدلّة الشرعية.

53

موضوع علم الأصول‏

لكل علمٍ- عادةً- موضوعٌ أساسيٌّ ترتكزُ جميع بحوثه عليه، و تدور حولَه و تستهدفُ الكشفَ عما يرتبطُ بذلك الموضوعِ مِن خصائصَ و حالاتٍ و قوانينَ. فالفيزياءُ مثلًا موضوعُها الطبيعةُ، و بحوثُ الفيزياء ترتبطُ كلُّها بالطبيعة و تحاولُ الكشفَ عن حالاتِها و قوانينِها العامّة.

و النحوُ موضوعُه الكلمةُ؛ لأنه يبحثُ عن حالاتِ إعرابها و بنائها و رفعها و نصبها. فما هو موضوعُ علم الأصول، الذي تدورُ حولَه بحوثُه؟.

و نحن إذا لاحظْنَا التعريفَ الذي قدَّمْناه لعلم الأصول، استطعْنا أن نعرفَ أن علمَ الأصول يدرُسُ- في الحقيقة- الأدلّةَ المشتركةَ في علم الفقه لإثبات دليليَّتها، و بهذا صحَّ القولُ بأنَّ موضوعَ علم الأصول هو الأدلّةُ المشتركةُ في عملية الاستنباط.

54

الشرح‏

المراد من موضوع علم الأصول- عادة- هو ذلك المحور الذي تدور مسائل العلم حوله، فإذا كانت المسائل المطروحة في علمٍ ما، ترتكز و تجتمع حول محور و مركز واحد، فإن ذلك المركز و المحور يكون موضوعاً لذلك العلم.

إن محور مسائل علم النحو هي الكلمة من حيث الإعراب و عدمه، من الرفع و النصب و الجرّ و غيره، و هكذا في علم الصرف، فإنّ محور مسائله هو الكلمة، و لكن من حيث الإعلال و عدمه، لا من حيث الإعراب و عدمه.

و موضوع كلّ علم يؤخَذ من الحدود التي تؤخذ في تعريف ذلك العلم، بمعنى أن الحدود التي نأخذها في تعريف علم ما، تلقي الضوء على المحور الذي يشكّل موضوع ذلك العلم، و المركز الذي تدور مسائل ذلك العلم حوله.

بناء على هذه المقدّمة التوضيحية نقول: قد تقدّم أن تعريف علم الأصول هو العلم بالعناصر المشتركة العامة لا الخاصة، فيكون موضوع علم الأصول هو تلك العناصر المشتركة العامة من حيث دليليتها و عدم دليليتها.

و بيان ذلك: إن وظيفة علم الأصول هو البحث عن العناصر المشتركة العامة، و لكن لا مطلق العناصر المشتركة، و إنما العنصر الذي فيه إمكانية أن يكون دليلًا يعتمد عليه في عملية الاستنباط الشرعي. فخبر الواحد عنصر مشترك؛ لدخوله في كثير من مسائل الفقه مع إمكانية الاعتماد عليه في عملية الاستنباط الشرعي، بخلاف ما نجده في القياس و الاستحسان و المصالح المرسلة و نحو ذلك من العناصر المشتركة في عملية الاستدلال الفقهي عند مدرسة الصحابة، فكلّ واحد منها القياس و الاستحسان و المصالح المرسلة يشكّل عنصراً مشتركاً بلا إشكال، و لكن لا يشكّل دليلًا يمكن الاعتماد عليه‏