شرح الحلقة الثالثة - ج1

- الشيخ حسن الفياض العاملي المزيد...
528 /
5

الإهداء

إلى سيّدي و مولاي الحجّة الغائب (عجّل الله فرجه) أهدي ثواب هذا العمل، راجيا منه القبول و أعتذر إليه عن كلّ تقصير أو نقص فيه، و أرجوه أن ينظر إليّ نظرة يتطلّع إليها كلّ محبّ.

6

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

7

المقدمة

تعتبر حلقات الأصول خطوة انتقالية في الدراسة الأصولية على مختلف المستويات، فمن الناحية العلمية حافظت الحلقات بسلسلتها الثلاثية- مضافا إلى التدرّج و عرض الفكرة و تعميقها- على مضمونها العلمي المتين الذي تميّز بالدقة و التحقيق و قوّة الاستدلال، بل و التجديد في تقديم أفكار علمية مبنية على أسس ثابتة.

و خير دليل على ذلك استناده في كثير من المسائل الأصولية و بنائها بناء جديدا على أسس علمية جديدة، من قبيل التواتر و الإجماع و الشهرة و السيرة، حيث أقام صرحها و شيدها على أساس المبنى العلمي المسمّى ب: (حساب الاحتمالات). و هذا لا يعني أنّه ألغى أو لا يعتقد بالمبنى الذي كانت قائمة عليه و مؤسّسة على طبقه، بل بمعنى أنّه يمكن بناؤها على ركائز أخرى أيضا لتقديمها أكثر قوّة و متانة و دقة، على أنّه توجد آثار و فوارق بين المبنيين إن من ناحية عملية و إن من ناحية علمية كما هو مبين في محله.

و من الناحية المنهجية فإنّ الحلقات تتميّز عن غيرها بالترتيب في المسائل الأصولية ترتيبا يختلف بعض الشي‏ء- أو كثيرا- عن غيرها، بحيث إنّ بعض المسائل قد أدرجت فيها تحت عنوان بينما هي كانت مدرجة فى غيرها من الكتب تحت عنوان آخر. و الملاحظ هنا يجد أنّ الترتيب الذي جاء به السيد الشهيد (رحمه الله) أفضل و أنسب.

و كذلك الأسلوب الذي أسمح لنفسي أن أطلق عليه السهل الممتنع، فإنّ سهولة التعبير و الصياغة و العرض و استعمال الكلمات و العبارات المتداولة و الواضحة يتضمّن العمق العلمي و الدقة الاستدلالية و قوّة الفكرة.

8

و من هنا كانت الحلقات لطالب العلم ضرورية لدراسة علم الأصول و استيعاب ما يحتويه من قواعد و مسائل، فإنّها تؤمّن له هذه الحاجة و تختصر له الطريق للوصول إلى الهدف.

و لذلك كان لا بدّ من الاعتناء بها دراسة و شرحا و تعليقا، و إعطائها المكانة التي تستحقها في هذا الفنّ.

و قد قام بعض الفضلاء من العلماء- جزاهم الله خيرا- بتقديم شروحات لها، و خاصة الحلقة الثالثة منها التي تمثل المرحلة الأخيرة من هذه الحلقات و التي تتميّز بالشمولية و الدقة أكثر، و هذه الشروحات ركز كل واحد منها على جهة ما.

و وجدت أنّ الطالب الدارس لهذه الحلقات يحتاج أيضا إلى الشرح المقطعي الذي اعتيد عليه في كثير من الكتب الدراسية، و هذا الشرح يمتاز عن غيره بأنّه يتناول كل فقرة و كل عبارة بالشرح و التوضيح، و يزيل كل الغموض و الخفاء الذي قد يكون موجودا، و يبرز النكات و الفكرة التي يريدها الكاتب من وراء كلماته أو من خلال تعبيراته.

و إن كان قد يؤاخذ على الشرح المقطعي بأمور لعلها صحيحة أيضا و لكنّها لا تشكّل مانعا من القيام به و تقديمه للقارئ سواء كان طالبا أم أستاذا لهذه المادة، فإنّ الفائدة المرجوّة تشملهما معا.

على أنّه حاولت في هذا الشرح أن تكون الأمثلة التي تحتاجها الفكرة الأصولية المعروضة في هذا الكتاب مستخرجة من واقع الفقه مهما أمكن؛ لأنّ العلاقة بين الأصول و الفقه هي علاقة التطبيق فعند ما عيّنا المثال فقهيا تقترب الفكرة إلى الذهن الفقهي و يعتاد على التطبيق أكثر.

مضافا إلى أنّني قد ذكرت بعض التعليقات على بعض المسائل في الهامش دون إدراجها في الشرح؛ لئلا يقع الخلط و الإيهام بين ما يريده الكاتب و ما يراه الشارح.

و لذلك كان الترتيب في هذا الشرح هو الاحتفاظ بالمتن ثم عرض الشرح ثم ذكر التعليق في الهامش.

و أخيرا أرجو أن يكون هذا العمل الذي جاء استجابة لدوافع واقعية و نفسية مقبولا عند الله- عزّ و جلّ- خدمة لدينه و لمن سلك هذا الطريق، على أنّ النقص و عدم‏

9

الكمال و التمام هما من صفات البشر العاديين أمثالي، فكل نقص وجد فهو منّي، و كل ما يمكن أن يكون كمالا فهو من الله تعالى.

نسأل الله تعالى القبول و التوفيق‏

حسن محمّد فياض حسين‏

10

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

11

تمهيد

تعريف علم الأصول‏

موضوع علم الأصول‏

الحكم الشرعي و تقسيماته‏

تقسيم بحوث الكتاب‏

12

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

13

تعريف علم الأصول‏

عرّف علم الأصول بأنّه: (العلم بالقواعد الممهّدة لاستنباط الحكم الشرعي)

(1)

.

المراد من العلم: هو حضور صورة الشي‏ء في الذهن، أو انطباع نفس ما هو موجود في الواقع الخارجي في الذهن، بنحو يكون ما في الذهن حاكيا و مطابقا للخارج حكاية و مطابقة تامّة لا يشوبها شكّ و لا يعتريها ريب. و لا يخفى أنّ أخذ العلم في تعريف علم الأصول لا يخلو من مسامحة؛ و إلا لزم الدور أو أخذ الشي‏ء في تعريف نفسه.

و المراد من القواعد: هي الضوابط العامّة الكليّة التي يوجد تحتها المصاديق و الجزئيّات المختلفة و المتنوّعة؛ و ذلك لأنّ القاعدة هي المفهوم الكلّي الذي يستنتج من مجموع المسائل الجزئيّة و المصاديق الخارجيّة.

و المراد من الممهّدة التي هي صفة للقواعد: هو التمهيد و التعبيد و تسهيل العبور إلى المقصود و الهدف و الغاية؛ ليصبح الوصول إلى استنباط الحكم الشرعي أمرا سهلا لمن سلك هذه الطرق الممهّدة، و هي القواعد الكليّة.

و المراد من الاستنباط: هو بذل الجهد و استفراغ الوسع لأجل معرفة ما هو مجهول بمعنى إرادة الاستخراج.

و المراد من الحكم الشرعي: هو التكليف الإلهي الأعمّ من الأحكام الخمسة أي الوجوب و الحرمة و الكراهة و الاستحباب و الإباحة، فهذا الحكم هو التكليف الذي يريده الشارع، و الذي يحكم العقل بلزوم إطاعته و السير على وفقه؛ لما فيه من الخير و الصلاح للإنسان في الدنيا و الآخرة.

____________

(1) انظر القوانين 1: 5، و ورد ما يقاربه في الفصول: 9، و هداية المسترشدين: 12.

14

و كلمة ممهّدة في هذا التعريف: إذا قرئت مبنيّة لاسم المفعول، فهذا يعني أنّ هذه القواعد موصوفة بصفة التمهيد في مرحلة سابقة عن تدوينها في علم الأصول، مع أنّ المراد من التعريف هو إعطاء الضابطة لمعرفة القاعدة الأصوليّة من غيرها، و الذي على أساسها يمكننا تمييز القواعد الأصوليّة عن غيرها. فإذا كانت هذه القواعد قد اكتسبت صفة التمهيد، فنسأل عن هذا الضابط الذي بموجبه كانت أصوليّة. فالتعريف قاصر عن أداء ما هو مطلوب منه، و هذا الإشكال ذكره السيّد الشهيد في الحلقة الثانية.

و أمّا إذا قرئت مبنيّة لاسم الفاعل فيرد عليه:

و قد لوحظ على هذا التعريف:

أوّلا بأنّه يشمل القواعد الفقهيّة كقاعدة أنّ (ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده).

الملاحظة الأولى على هذا التعريف: أنّ القواعد الفقهيّة كالقاعدة المذكورة و غيرها تقع في طريق الاستنباط، و تمهّد الطريق للوصول إلى الحكم الشرعي؛ إذ قاعدة الضمان مثلا يستخدمها الفقيه في مختلف أبواب المعاملات كالبيع و الإجارة و نحوهما، فهذا التعريف ينطبق على مثل هذه القاعدة فتدخل على هذا في علم الأصول؛ لأنّها قاعدة مهّدت لاستنباط الحكم الشرعي مع أنّه من المعلوم أنّها قاعدة فقهيّة و ليست أصوليّة. و هذا يعني أنّ التعريف غير مانع من دخول الأغيار تحته؛ لأنّ القاعدة الأصوليّة هي ما كانت لها الصلاحيّة لأن تجري في مختلف الأبواب الفقهيّة من دون استثناء، و هذه القاعدة و أمثالها مختصّة ببعض الأبواب الفقهيّة؛ لأنّها لا تجري في مثل باب الصلاة و الصوم و نحوهما من أبواب العبادات.

و ثانيا بأنّه لا يشمل الأصول العمليّة؛ لأنّها مجرّد أدلّة عمليّة و ليست أدلّة محرزة، فلا يثبت بها الحكم الشرعي، و إنّما تحدّد بها الوظيفة العمليّة.

الملاحظة الثانية على هذا التعريف: هي أنّه لا تدخل فيه الأصول العمليّة؛ لأنّها ليست إلا أدلّة لتحديد الموقف العملي و الوظيفة العمليّة للمكلّف اتّجاه الواقع المشكوك، فالبراءة و الاحتياط و نحوهما من الأصول العمليّة يستخدمها الفقيه عند الشكّ في الحكم الشرعي و الجهل به؛ لأجل تحديد الوظيفة و الموقف أمام هذا الواقع المجهول، فلا يستنبط منها حكم شرعي؛ لأنّه قد أخذ في موضوعها الشكّ في الحكم‏

15

الشرعي فلا يكون الحكم الشرعي محرزا بها. و على هذا فينبغي إخراجها عن علم الأصول؛ لأنّ التعريف غير منطبق عليها، إلا أنّها بلا شكّ من جملة القواعد الأصوليّة، و هذا يعني أنّ التعريف غير جامع؛ لأنّه أخرج من العلم ما كان داخلا فيه.

و مراده من الأدلّة العمليّة تلك القواعد التي تحدّد الموقف العملي اتّجاه الحكم الشرعي المشكوك و المجهول.

و مراده من الأدلّة المحرزة هي القواعد التي توصل و تكشف عن الحكم الشرعي، فهذه تحدّد الوظيفة و الموقف العملي أيضا إلا أنّها تحدّده وفقا للحكم الشرعي، بينما تلك تحدّد الموقف العملي على أساس طبيعة الشي‏ء المشكوك مع ظرف الشكّ إمّا بنحو الاجتماع أو كلّ واحد على حدة.

و ثالثا بأنّه يعمّ المسائل اللغويّة كظهور كلمة (الصعيد) مثلا؛ لدخولها في استنباط الحكم.

الملاحظة الثالثة: هي شمول هذا التعريف لمثل مسائل اللغة مع أنّها ليست من علم الأصول، بل و لا علم الفقه أيضا و إنّما هي من مختصّات علوم العربيّة، و مع ذلك فهذا التعريف ينطبق على بعضها كظهور كلمة الصعيد و نحوها، فإنّ الفقيه يحتاج إلى تنقيح‏ (1) ظهورها في مرحلة متقدّمة بحيث تكون ممهّدة لاستنباط الحكم الشرعي، فلا بدّ له من البحث عن تحديد مدلولها بنفسه أو الرجوع فيها إلى أهل اللغة، و هذا يجعلها من القواعد التي مهّدت للاستنباط و وقعت في طريق الوصول إلى الحكم الشرعي. و كذلك الحال بالنسبة لمسائل علم الرجال، فإنّ الفقيه يحتاج إلى البحث فيها حول التعديل و التوثيق و التضعيف و الجرح. و هذان الأمران يجعلان التعريف منطبقا على ما هو خارج عن العلم؛ لأنّه من الواضح أنّ بحوث اللغة و كذا بحوث علم الرجال علمان مستقلّان عن الأصول، بل و الفقه و إن احتاج الفقيه إليهما في استنباطه. و هذا يعني أنّ التعريف يشمل الأغيار فهو غير مانع أيضا.

أمّا الملاحظة الأولى فتندفع بأنّ المراد بالحكم الشرعي الذي جاء في التعريف:

____________

(1) فيبحث في أنّ المدلول لهذه الكلمة ما هو؟ و هذا البحث صغرى لكبرى في مسائل اللغة هي البحث عن ظواهر الألفاظ، أو البحث عن مدلولات الألفاظ، فهذه قاعدة كليّة احتاج إليها الفقيه في استنباطه.

16

جعل الحكم الشرعي على موضوعه الكلّي، فالقاعدة الأصوليّة ما يستنتج منها جعل من هذا القبيل، و القاعدة الفقهيّة هي بنفسها جعل من هذا القبيل، و لا يستنتج منها إلا تطبيقات ذلك الجعل و تفصيلاته.

أمّا الملاحظة الأولى فيجاب عنها بأنّ المراد من الحكم الشرعي الذي ورد ذكره في التعريف هو الحكم الكلّي لا الجزئي، بمعنى أنّ القاعدة الأصوليّة هي التي يستنبط منها جعل كلّي على موضوعه المقدّر الوجود بنحو القضيّة الحقيقيّة.

فالموضوع و المحمول في القضيّة المستنبطة عن القاعدة الأصوليّة كلاهما كلّي، بينما القاعدة الفقهيّة هي التي يستنبط منها جعل جزئي، فهي تطبيق لتلك الكليّة التي استنبطت من القاعدة الأصوليّة، و هذا يعني أنّ القاعدة الفقهيّة لا يستنبط منها إلا مصاديق و تطبيقات لذلك الجعل الكلّي و لا يستنبط منها جعل كلّي، بل هي بنفسها جعل كلّي.

و بهذا التفسير للحكم الشرعي و هو الجعل الكلّي سوف لا تدخل القواعد الفقهيّة؛ لأنّه لا يستنبط منها جعل كلّي و الذي هو المعنى المصطلح عليه في الأصول للحكم الشرعي، و إنّما يستنبط منها تطبيقات مصاديق لهذا الجعل الكلّي. و أمّا الجعل الكلّي نفسه فهو نفس و حقيقة القاعدة الفقهيّة؛ و لأجل زيادة توضيح هذا الفارق نضرب مثالا لذلك و هو قوله:

ففرق كبير بين حجيّة خبر الثقة و القاعدة الفقهيّة المشار إليها؛ لأنّ الأولى يثبت بها جعل وجوب السورة تارة و جعل حرمة العصير العنبي أخرى، و هكذا فهي أصوليّة. و أمّا الثانية فهي جعل شرعي للضمان على موضوع كلّي، و بتطبيقه على مصاديقه المختلفة كالإجارة و البيع مثلا نثبت ضمانات متعدّدة مجعولة كلّها بذلك الجعل الواحد.

هذا مثال لبيان الفرق بين القاعدة الأصوليّة و الفقهيّة، و هو أنّ مثل حجيّة خبر الثقة و التي هي من القواعد الأصوليّة حيث إنّه بتطبيق هذه الحجيّة على مختلف الأبواب الفقهيّة نستنتج جعلا كليّا كوجوب السورة أو حرمة العصير العنبي، و هذان الحكمان جعلان كلّيّان على موضوع كلّي، و هكذا نستطيع أن نثبت بها جعولات كليّة على موضوعات كليّة أخرى، و في مختلف الأبواب الفقهيّة. فهي قاعدة أصوليّة لذلك.

17

و أمّا القاعدة الفقهيّة كالقاعدة المشار إليها في الإشكال و هي قاعدة الضمان، فهذه نستطيع أن نثبت بها تطبيقات للضمان على مصاديق و موارد خارجيّة في بعض الأبواب الفقهيّة كالبيع و الإجارة و نحوهما، فالمستنتج من هذه القاعدة هو الجعولات الجزئيّة؛ لأنّها تابعة لمواردها و مصاديقها المشخّصة في الخارج، و لا يستنتج منها جعل كلّي، بل هي بنفسها جعل كلّي يوجد تحته مصاديق متعدّدة و جزئيّات مختلفة.

و هذه الضمانات المتعدّدة المستنتجة من قاعدة الضمان تعتبر أحكاما جزئيّة على موضوعها الجزئي. و بهذا ظهر الفرق بين القاعدتين، مضافا إلى أنّ القاعدة المذكورة مختصّة في بعض الأبواب الفقهيّة و لا تشمل مختلف الأبواب الأخرى كأبواب العبادات مثلا (1).

و أمّا الملاحظة الثانية فقد يجاب عليها تارة بإضافة قيد إلى التعريف، و هو (أو التي ينتهى إليها في مقام العمل) كما صنع صاحب (الكفاية)

(2)

.

الملاحظة الثانية- و هي عدم شمول التعريف للأصول العمليّة- فقد أجيب عليها أوّلا بإضافة قيد إلى التعريف المذكور من باب التتميم و الإلحاق و الاستدراك، كما صنع صاحب (الكفاية) حيث قال في تعريفه لعلم الأصول: (إنّ علم الأصول صناعة يعرف بها القواعد التي يمكن أن تقع في طريق استنباط الأحكام، أو التي ينتهى إليها في مقام العمل).

____________

(1) و هذا الكلام تامّ في مثل هذه القاعدة الفقهيّة، و أمّا غيرها من القواعد كقاعدة الفراغ و الصحّة و الطهارة و الحليّة فلا يتمّ فيها؛ لأنّ هذه القواعد يستنتج منها جعل كلّي على موضوع كلّي أيضا كالقاعدة الأصوليّة. فتبقى داخلة في التعريف المذكور و لا تخرج من التعريف حتّى على هذا التفسير للحكم الشرعي، مع أنّها قواعد فقهيّة و ليست أصوليّة؛ لأنّ بعضها مختصّ في الشبهات الموضوعيّة و بعضها في الشبهات الحكميّة، فلا تجري في مختلف الحالات و الشكوك فلذلك لا تكون أصوليّة؛ لعدم قابليّتها للجريان في مختلف الأبواب و الحالات مع أنّ التعريف منطبق عليها؛ لأنّ مثال قاعدة الطهارة أو الحليّة يستنبط منهما جعل كلّي على موضوع كلّي كقولنا: (كلّ شي‏ء طاهر، و كلّ شي‏ء حلال).

و لعلّ مراد السيّد الشهيد من قوله: (كالقاعدة المشار إليها) إشارة إلى ما ذكرناه من أنّ بعض القواعد الفقهيّة يستنبط منها جعل كلّي لا مجرّد تطبيقات و مصاديق للجعل الكلّي.

(2) كفاية الأصول: 23.

18

فعلى هذا سوف تدخل الأصول العمليّة؛ لأنّها قواعد ينتهى إليها في مقام العمل حيث إنّها تحدّد الوظيفة و الموقف العملي اتّجاه الواقع المشكوك، فيستفاد منها جعل كلّي ينتهي إليه المكلّف في مقام العمل، و بالتالي تندفع هذه الملاحظة بهذا القيد، إلا أنّ هذا القيد يؤكّد أنّ التعريف المذكور كان واردا عليه ذلك الإشكال؛ و إلا لما احتيج إلى هذا التتميم بالقيد المذكور.

و أخرى بتفسير الاستنباط بمعنى الإثبات التنجيزي و التعذيري، و هو إثبات تشترك فيه الأدلّة المحرزة و الأصول العمليّة معا

(1)

.

و أجيب ثانيا على الملاحظة الثانية بتفسير الاستنباط الوارد في التعريف بنحو يتلاءم و ينسجم مع الأصول العمليّة، فإنّا إذا فسّرنا الاستنباط بمعناه اللغوي و هو استخراج الحكم الشرعي، فهذا سوف لا ينعكس على الأصول العمليّة؛ لأنّه لا يستنبط منها حكم شرعي بهذا التفسير.

و أمّا على التفسير الآخر و الذى ذكره السيّد الخوئي فسوف تدخل الأصول العمليّة في التعريف حيث قال: (علم الأصول هو العلم بالقواعد التي تقع بنفسها في طريق استنباط الأحكام الشرعيّة الكليّة الإلهيّة ...) ثمّ قال: (إنّ المراد من الاستنباط هو الاثبات التنجيزي و التعذيري).

و على هذا التفسير الاصطلاحي للاستنباط سوف تندفع الملاحظة الثانية؛ لأنّ المراد من الاستنباط هو الإثبات سواء كان تنجيزا كالاحتياط و نحوه أو تعذيرا كالبراءة و نحوها، فالأصول العمليّة كالأدلّة المحرزة من هذه الناحية يشتركان معا في الإثبات؛ لأنّ الأدلّة المحرزة كالكتاب و السنّة مثلا يثبتان التنجيز و التعذير بواسطة إثباتهما للأحكام التكليفيّة الخمسة مباشرة. و أمّا الأصول العمليّة فهي تثبت التنجيز و التعذير بواسطة القواعد الأصوليّة الجارية في موردها عند ما يتحقّق موضوعها، فالبراءة مثلا تنفي التكليف فيثبت التعذير و الاحتياط يثبت التكليف فيثبت التنجيز، فالبراءة تؤمّن و تعذّر و الاحتياط يثبت و ينجّز، فموارد الأصول العمليّة تثبت أحد أمرين: فهي إمّا أن تنفي لزوم الفعل فتثبت التعذير، و إمّا أن تثبت لزوم الفعل أو الترك فتثبت التنجيز.

و بأحد هذين الوجهين سوف تنحلّ مشكلة الأصول العمليّة.

____________

(1) المحاضرات 1: 9.

19

و أمّا الملاحظة الثالثة فهناك عدّة محاولات للجواب عليها:

منها: ما ذكره المحقّق النائيني (قدّس الله روحه)

(1)

من إضافة قيد الكبرويّة في التعريف لإخراج ظهور كلمة (الصعيد)، فالقاعدة الأصوليّة يجب أن تقع كبرى في قياس الاستنباط، و أمّا ظهور كلمة (الصعيد) فهو صغرى في القياس و بحاجة إلى كبرى حجيّة الظهور.

تبقى الملاحظة الثالثة: و هي دخول المسائل اللغويّة و مسائل علم الرجال في التعريف المذكور؛ لأنّها قواعد تقع في طريق الاستنباط للحكم الشرعي، حيث يحتاج الفقيه إليها في كثير من الموارد و الحالات. و للإجابة عن هذا الإشكال وجدت عدّة محاولات أهمّها اثنتان:

المحاولة الأولى: ما ذكره المحقّق النائيني في تعريفه لعلم الأصول حيث قال: (إنّ علم الأصول عبارة عن العلم بالكبريات التي لو انضمّت إليها صغرياتها يستنتج منها حكم فرعي كلّي). فهذا التعريف يشتمل على قيد الكبرويّة، و هذا القيد أضافه الميرزا إلى التعريف بعد أن اعترف بأنّ تعريف المشهور السابق لا يخلو من مناقشات: إمّا من جهة عدم شموله لما هو داخل فيه، أو عدم طرده لما هو خارج عنه، فهو يرى أنّ هذا التعريف لا يرد عليه شي‏ء من الإشكالات و الملاحظات، و هذا القيد بالخصوص يحلّ الملاحظة الثالثة؛ و ذلك لأنّ القاعدة الأصوليّة وفقا لهذا القيد هي التي تقع كبرى في القياس الاستنباطي، و كلّ قاعدة تقع صغرى في هذا القياس فهي ليست قاعدة أصوليّة، فمثلا إذا أردنا استنباط حكم شرعي فرعي كلّي من آية أو خبر، فهو يتوقّف على عدّة أمور: منها سند الحديث، و منها مدلولات الكلمات الواردة في الخبر و معرفة معانيها و ظواهرها، و منها حجيّة الظهور أو حجيّة خبر الثقة. و هنا البحث الأوّل يتكفّل به علم الرجال، و الثاني يتكفّله علم اللغة العربيّة، و الثالث يتكفّله علم الأصول؛ و ذلك لأنّ حجيّة الظهور تقع كبرى في القياس الاستنباطي فيقال مثلا:

خبر الثقة دلّ على الوجوب، و خبر الثقة حجّة. إذا خبر الثقة الدالّ على الوجوب حجّة.

فهنا وقعت حجيّة خبر الثقة كبرى في القياس الاستنباطي و لذلك فهي قاعدة

____________

(1) فوائد الأصول 1: 29.

20

أصوليّة، بينما كلمة الصعيد مثلا فهي لا تقع كبرى في القياس، بل تقع صغرى حيث يقال: كلمة الصعيد ظاهرة في مطلق وجه الأرض، و كلّ ظاهر حجّة، إذا ظهور كلمة الصعيد حجّة. و كذلك الحال بالنسبة للمسائل الرجاليّة، حيث يقال مثلا:

زرارة ثقة و كلّ خبر ثقة حجّة فخبر زرارة حجّة، فدائما تقع المسائل اللغويّة و الرجالية صغرى في القياس الاستنباطي؛ لاحتياجهما إلى حجيّة الظهور و حجيّة خبر الثقة حيث تقعان كبرى لتلك المسائل.

و بهذا يتّضح أنّ ضابط كون القاعدة أصوليّة هي وقوعها كبرى في قياس الاستنباط للحكم الفرعي الكلّي الإلهي، و أمّا القاعدة التي تقع صغرى في هذا القياس فهي ليست أصوليّة، فتخرج مسائل اللغة و الرجال لوقوعها صغرى في هذا القياس دائما.

و يرد عليه: أنّ جملة من القواعد الأصوليّة لا تقع كبرى أيضا، كظهور صيغة الأمر في الوجوب، و ظهور بعض الأدوات‏

(1)

في العموم أو في المفهوم، فإنّها محتاجة إلى كبرى حجيّة الظهور، فما الفرق بينها و بين المسائل اللغويّة؟!

ما ذكره الميرزا النائيني يرد عليه أوّلا: أنّ قيد الكبروية الذي أضافه إلى التعريف- و الذي على أساسه تعرف القاعدة الأصوليّة من غيرها، و هو كونها واقعة كبرى في القياس الاستنباطي- و إن استطاع أن يحلّ مشكلة المسائل اللغويّة و الرجاليّة و إخراجها من التعريف؛ لأنّها لا تقع كبرى في القياس بل صغرى دائما-، إلا أنّه يلزم منه إشكال من جهة أخرى، و هي خروج بعض القواعد الأصوليّة من التعريف؛ لوقوعها صغرى في قياس الاستنباط. فمثلا ظهور بعض الأدوات في العموم أو المفهوم، أو ظهور صيغة الأمر في الوجوب تحتاج دائما إلى كبرى حجيّة الظهور، فيقال مثلا: هذه صيغة أمر و كلّ أمر ظاهر في الوجوب فهذه تقع صغرى لكبرى حجيّة الظهور، حيث يقال: و كلّ ظاهر حجّة إذن صيغة الأمر الظاهرة في الوجوب حجّة. فوقعت صيغة

____________

(1) من قبيل أداة الشرط لا الحصر؛ لأنّ الأولى ظاهرة في المفهوم بخلاف الثانية فهي نصّ فيه؛ لأنّها موضوعة لغة لذلك. و من قبيل الإطلاق بالألف و اللام و السياق، فإنّها ظاهرة في العموم و الاستيعاب، بخلاف كلمة كلّ و جميع فإنّها نصّ في ذلك؛ لكونها موضوعة لغة للاستيعاب و الشمول.

21

الأمر صغرى في القياس فيلزم ألّا تكون أصوليّة بناء على هذا القيد الذي ذكره الميرزا في إضافة قيد الكبرويّة إلى التعريف.

و كذلك بالنسبة لبعض أدوات العموم و المفهوم حيث يقال: إنّ النكرة في سياق النفي أو النهي ظاهرة في العموم فتحتاج إلى كبرى حجيّة الظهور أيضا؛ لإثبات حجيّة ظهورها في العموم.

و كذا أدوات الشرط الظاهرة في المفهوم حيث تكون دالّة على التوقّف و الالتصاق فتحتاج إلى حجيّة الظهور؛ لتنقيح أنّ ظهورها في المفهوم حجّة.

فهذه القواعد قد وقعت صغرى لحجية الظهور، كما وقعت كلمة الصعيد صغرى لحجيّة الظهور أيضا، فما هو الفرق بينهما و الذي على أساسه كانت تلك القواعد أصوليّة، و لم تكن كلمة الصعيد و نحوها من القواعد الأصوليّة رغم اشتراكهما في الاحتياج إلى حجيّة الظهور؟!

فهذا القيد الذي أضافه الميرزا لم يبيّن حقيقة القاعدة الأصوليّة؛ لأنّه غير تامّ في جميع القواعد الأصوليّة، فهناك فارق جوهري غير ما ذكره الميرزا يكون موجودا في تمام القواعد الأصوليّة و غير موجود في المسائل اللغويّة و الرجاليّة، و على أساسه ينبغي بيان ضابطة القاعدة الأصوليّة في التعريف‏ (1).

____________

(1) هنا يمكن أن يكون ما ذكره الميرزا من القيد في التعريف و الذي على أساسه أعطى الضابطة للقاعدة الأصوليّة صحيحا؛ و ذلك ببيان أنّ الميرزا قال في تعريفه بما حاصله: إنّ القاعدة الأصوليّة هي التي تقع كبرى دائما في قياس الاستنباط، و لا تقع صغرى أبدا في هذا القياس، بينما القاعدة غير الأصوليّة كالمسائل اللغويّة و الرجاليّة و الفقهيّة تقع صغرى دائما في القياس و لا تقع كبرى فيه أبدا. يبقى الإيراد الذي ذكره السيّد الشهيد من احتياج صيغة الأمر و نحوها إلى كبرى حجيّة الظهور، فهو و إن كان صحيحا إلا أنّه ليس إشكالا واردا على تعريف الميرزا؛ لأنّ وقوعها صغرى في القياس الذي ذكره السيّد الشهيد لا يضرّ و لا يمنع من كونها أصوليّة؛ لأنّ القياس الذي وقعت فيه صغرى ليس هو قياس الاستنباط الفقهي الذي يستنتج منه حكم فرعي كلّي على حدّ تعبير الميرزا؛ إذ قولنا: صيغة الأمر ظاهرة في الوجوب و كلّ ظاهر حجّة يستنتج منه أنّ صيغة الأمر حجّة في الوجوب، و هذه النتيجة ليست نتيجة فقهيّة؛ لأنّها ليست حكما شرعيّا. فهذا القياس ليس هو القياس الذي أراده الميرزا إذ الميرزا أراد القياس الفقهي الذي يستنبط منه الحكم الشرعي، فحينما نقول: ..

22

و كذلك أيضا مسألة اجتماع الأمر و النهي؛ فإنّ الامتناع فيها يحقّق صغرى لكبرى التعارض بين خطابي: صلّ و لا تغصب، و الجواز فيها يحقّق صغرى لكبرى حجيّة الإطلاق.

و يرد ثانيا على ما ذكره الميرزا من إضافة قيد الكبروية إلى التعريف- و الذي على أساسه أعطى ضابطة لتعريف القاعدة الأصوليّة-: أنّ مسألة اجتماع الأمر و النهي و التي هي من المسائل الأصوليّة تقع صغرى في القياس تارة لكبرى التعارض على القول بامتناع اجتماع الأمر و النهي في مصداق واحد، و أخرى لكبرى حجيّة الإطلاق على القول بجواز اجتماعهما في مصداق واحد. و توضيح ذلك: إنّه يوجد خلاف في مسألة اجتماع الأمر و النهي، فهناك قول بامتناع ذلك و قول آخر بجوازه كما سيأتي في محلّه. فعلى القول بامتناع اجتماع الأمر و النهي في مصداق واحد، فإذا صلّى المكلّف في مكان مغصوب فهذا الفرد الخارجي مصداق لأحد الخطابين، و لكن حيث إنّ خطاب (صلّ) يشمل هذا الفرد الخارجي و يعتبره مصداقا للمأمور به، و حيث إنّ خطاب (لا تغصب) يشمل هذا الفرد أيضا باعتباره محقّقا لماهيّة الغصب، فيقع التعارض بين الخطابين في هذا الفرد الخارجي؛ لأنّه يستحيل أن يكون مصداقا لكلا الخطابين بناء على القول بامتناع اجتماع الأمر و النهي، و يستحيل أن يكون مصداقا لأحدهما؛ لأنّه ترجيح بلا مرجّح، و حيث إنّ كلّا من الخطابين شامل لهذا

____________

... هذه صيغة أمر و كلّ أمر ظاهر في الوجوب يستنتج أنّ هذه الصيغة ظاهرة في الوجوب، و الوجوب حكم شرعي كلّي يفتي به الفقيه على أساس هذا القياس.

و بعبارة أخرى: يوجد هنا قياسان: قياس الاستنباط الفقهي و الذي يستنبط منه الحكم الشرعي الفرعي الكلّي.

و قياس الاستنباط الأصولي و الذي يستنبط منه قاعدة أصوليّة أو قاعدة فقهيّة. و الذي أراده الميرزا هو القياس الأوّل، و في هذا القياس لا تقع القاعدة الأصوليّة إلا كبرى، و هذا لا يمنع من وقوعها صغرى في القياس الثاني و لا يضرّ بأصوليّتها، ففي الحقيقة وقع خلط في إيراد السيّد الشهيد (رحمه الله) بين هذين القياسين. فما ذكره الميرزا صحيح و تامّ بالنسبة للقياس الفقهي و ما أورده السيّد الشهيد هو وقوعها صغرى في القياس الأصولي، و هذا يعني اختلاف الجهة و اللحاظ بين الميرزا و الشهيد. و بهذا يكون تعريف الميرزا و القيد الذي أضافه قادرا على دفع الملاحظة الثالثة.

23

المصداق فيتعارضان فيه، فتقع هذه المسألة صغرى لإحدى القواعد الكليّة و الكبرويّة في باب التعارض، و هي التساقط أو التخيير أو الترجيح، حيث يطبّق على هذه المسألة إحدى هذه الكبريات لتحديد ما هو الموقف العملي الذي يتّخذه الفقيه في عمليّة الاستنباط عند هذه المسألة. و هذا يعني أنّ هذه المسألة ليست أصوليّة؛ لوقوعها صغرى في قياس الاستنباط. و على القول بجواز اجتماع الأمر و النهي في مصداق واحد، فهذا يعني أنّ الصلاة في المكان المغصوب تحقّق مصداقا لكلا الخطابين، فمن جهة يقال: إنّ هذا الفرد الخارجي مصداقا للفرد الصلاتي المأمور به، و من جهة أخرى يقال: إنّه مصداق لماهيّة الغصب. فهو من جهة مأمور به لكونه صلاة، و من جهة أخرى منهي عنه لكونه غصبا، فسوف تقع مسألة اجتماع الأمر و النهي بناء على الجواز صغرى لكبرى حجيّة الإطلاق؛ لأنّ إطلاق الأمر بالصلاة شامل لهذا المورد و إطلاق النهي عن الغصب شامل لهذا المورد أيضا، و لمّا كان اجتماعهما ممكنا و جائزا فتقع مسألة الاجتماع صغرى لحجيّة الإطلاق، حيث يقال: هذا الفرد مصداق للصلاة و كل صلاة مأمور بها فهذا المصداق مأمور به، و هذا الفرد مصداق للغصب و كلّ غصب منهي عنه فهذا منهي عنه، فحجيّة الإطلاق وقعت كبرى و مسألة اجتماع الأمر و النهي وقعت صغرى لها فيلزم أن تكون أصوليّة بناء على تعريف الميرزا؛ لأنّه قيّد القاعدة الأصوليّة بكونها كبرى قياس الاستنباط (1).

و منها: ما ذكره السيّد الأستاذ من استبدال قيد الكبرويّة بصفة أخرى، و هي أن تكون القاعدة وحدها كافية لاستنباط الحكم الشرعي بلا ضمّ قاعدة أصوليّة أخرى‏

(2)

، فيخرج ظهور كلمة الصعيد؛ لاحتياجه إلى ضمّ ظهور صيغة افعل في الوجوب، و لا يخرج ظهور صيغة افعل في الوجوب، و إن كان محتاجا إلى كبرى حجيّة الظهور؛ لأنّ هذه الكبرى ليست من المباحث الأصوليّة للاتّفاق عليها

(3)

.

____________

(1) و هذا الإيراد أيضا قابل للنقاش كما تقدّم في الإيراد السابق بلا فرق بينهما، على أساس الاختلاف بين القياس الفقهي و القياس الأصولي.

(2) المحاضرات 1: 8.

(3) المحاضرات 1: 6.

24

المحاولة الثانية لدفع الملاحظة الثالثة: ما ذكره السيّد الخوئي (رحمه الله) من وصف القاعدة الأصوليّة بالوحدة، حيث قال في تعريفه لعلم الأصول: (هو العلم بالقواعد التي تقع بنفسها في طريق استنباط الأحكام الشرعيّة الكليّة الإلهيّة من دون حاجة إلى ضميمة كبرى أو صغرى أصوليّة أخرى إليها). و هذا يعني أنّ القاعدة الأصوليّة ضابطها أن تكون وحدها كافية لاستنباط الحكم الشرعي، من دون أن تحتاج إلى غيرها من القواعد الأصوليّة سواء وقعت صغرى أو كبرى في القياس، و أمّا مع احتياجها إلى غيرها من القواعد الأصوليّة سواء وقعت صغرى أو كبرى لها فهي ليست بأصوليّة، و على أساس هذا الضابط الجديد سوف لا تدخل مسائل اللغة و مسائل علم الرجال و القواعد الفقهيّة؛ و ذلك لأنّها محتاجة إلى ضميمة قاعدة أصوليّة إليها في قياس الاستنباط.

فمثلا: كلمة الصعيد لا تكفي وحدها لاستنباط الحكم الشرعي بوجوب التيمّم عند فقد الماء، بل هي بحاجة إلى ضمّ ظهور صيغة الأمر في الوجوب؛ لأنّ كلمة الصعيد وقعت مدخولا لصيغة الأمر بقوله تعالى: فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً (1) فما لم يتمّ لصيغة الأمر الظهور في الوجوب فلا يستنتج من كلمة الصعيد أي حكم شرعي، و هذه القاعدة التي انضمّت إلى كلمة الصعيد من القواعد الأصوليّة، ممّا يعني أنّ كلمة الصعيد و نحوها من مباحث اللغة ليست من القواعد الأصوليّة؛ لأنّها احتاجت إلى القاعدة الأصوليّة في قياس الاستنباط. و كذا الحال في مسائل علم الرجال، فهي تحتاج إلى ضمّ قاعدة حجيّة خبر الثقة إليها؛ ليستقيم الاستنباط للحكم الشرعي، و حجيّة خبر الثقة من القواعد الأصوليّة، فالاحتياج إليها يعني أنّ مسائل علم الرجال لا تدخل في الأصول و لا ينطبق عليها التعريف.

و لا يقال هنا: إنّ هذا الضابط يخرج منه بعض القواعد الأصوليّة؛ لاحتياجها إلى غيرها من القواعد الأصوليّة كظهور صيغة الأمر، حيث تحتاج إلى حجيّة الظهور.

و كذا غيرها من القواعد الأصوليّة كالعموم و المفاهيم و نحوهما حيث يقال: صيغة الأمر ظاهرة في الوجوب و كلّ ظاهر حجّة، فهنا وقعت صغرى لكبرى حجيّة الظهور و التي هي قاعدة أصوليّة، فيلزم ألّا تكون صيغة الأمر من القواعد الأصوليّة على هذا التعريف؛ لهذه الضميمة الأصوليّة.

____________

(1) النساء: 43. المائدة: 6.

25

فإنّه يقال في الجواب عن هذا الإشكال: إنّ احتياج صيغة الأمر إلى كبرى حجيّة الظهور لا يخرجها من كونها قاعدة أصوليّة؛ و ذلك لأنّ كبرى حجيّة الظهور ليست من القواعد الأصوليّة؛ بسبب الاتّفاق و التسالم عليها من قبل جميع العقلاء، فلا يوجد خلاف في حجيّة الظهور ليبحث عنها في الأصول لتكون قاعدة أصوليّة، بل هي من القواعد العقلائيّة و المرتكزات العرفيّة التي يقبلها العرف بأدنى توجّه و تأمّل، و هذا يعني أنّ صيغة الأمر لم تحتج إلى ضميمة قاعدة أصوليّة، بل احتاجت إلى ضميمة قاعدة عرفيّة عقلائيّة، فلذلك تكون داخلة تحت ضابطة التعريف من دون أي إشكال في المقام.

و بهذا ظهر أنّ القاعدة الأصوليّة هي التي لا تحتاج إلى أصوليّة أخرى، و إن احتاجت إلى بعض القواعد الأخرى العقلائيّة و العرفيّة أو بعض المسائل اللغويّة و الرجاليّة، فهذا لا يضرّ في أصوليّتها، كما أنّ حجيّة الظهور التي تحتاج إليها بعض القواعد الأصوليّة ليست أصوليّة؛ للاتّفاق عليها عند العقلاء فلا تدخل في علم الأصول، بل هي من المرتكزات العامّة عند العرف.

و نلاحظ على ذلك أوّلا: أنّ عدم احتياج القاعدة الأصوليّة إلى أخرى إن أريد به عدم الاحتياج في كل الحالات فلا يتحقّق هذا في القواعد الأصوليّة لأنّ ظهور صيغة الأمر في الوجوب مثلا بحاجة في كثير من الأحيان إلى دليل حجيّة السند حينما تجي‏ء الصيغة في دليل ظنّي السند، و إن أريد به عدم الاحتياج و لو في حالة واحدة فهذا قد يتفق في غيرها كما في ظهور كلمة الصعيد إذا كانت سائر جهات الدليل قطعيّة.

الإيراد الأوّل على ما ذكره السيّد الخوئي من تعريف هو: أنّ عدم الاحتياج الذي اشترطه في ضابطة القاعدة الأصوليّة إمّا أن يراد به عدم الاحتياج مطلقا و في كل الحالات فالقاعدة الأصوليّة هي التي لا تحتاج إلى قاعدة أصوليّة مطلقا، بل تكون بنفسها كافية لاستنباط الحكم الشرعي الكلّي، فهذا لا يتّفق في كثير من القواعد الأصوليّة لأنّها تحتاج إلى بعضها في أغلب الأحيان؛ فمثلا صيغة الأمر الظاهرة في الوجوب تحتاج في كثير من الأحيان إلى تنقيح دليل السند أو تنقيح الدلالة فيما إذا وردت في دليل ظنّي السند أو ظنّي الدلالة، فدلالة صيغة الأمر على الوجوب لا تتمّ لها الحجيّة فيما إذا لم تتنقح حجيّة السند و الدلالة، و هذا يعني أنّه بناء على تفسير

26

عدم الاحتياج بالعدم المطلق سوف تخرج مثل صيغة الأمر من ضابطة تعريف القاعدة الأصوليّة لاحتياجها إلى غيرها من القواعد الأصوليّة، لأنّ البحث حول حجيّة السند و حول حجيّة الدلالة بحث أصولي.

و إمّا أن يراد به عدم الاحتياج و لو في حالة واحدة أي مسمّى عدم الاحتياج الذي يصدق على المرّة الواحدة بأن كانت القاعدة الأصوليّة هي التي يستنبط منها حكم شرعي و تكون كافية في هذا الاستنباط و لو لمرّة واحدة على الأقل و إن احتاجت إلى غيرها في الحالات الأخرى، فهذا قد يتّفق في غير القواعد الأصوليّة أيضا بمعنى أنّ بعض القواعد غير الأصوليّة تكون و لو لمرّة واحدة كافية لاستنباط الحكم الشرعي وحدها من دون أن تحتاج إلى غيرها، كما في ظهور كلمة (الصعيد) فيما إذا كانت كلّ الجهات المعتبرة قطعيّة، فمن حيث السند يفترض أنّها وردت في القرآن الكريم أو السنّة المتواترة، و من حيث الدلالة يفترض كون الدلالة على الوجوب بنحو المفهوم الاسمي لا الصيغة التي هي معنى حرفي.

فهنا يكون البحث حول ظهور كلمة (الصعيد) بحثا أصوليّا بناء على هذا التفسير لعدم الاحتياج؛ لأنّها لم تحتج إلى غيرها من القواعد الأصوليّة، إذ المفروض أنّ جميع الجهات المعتبرة قطعيّة فلا بحث للفقيه إلا في تنقيح ظهور كلمة (الصعيد) ليستنبط الحكم الشرعي.

و بهذا ظهر أنّ هذا التعريف: إمّا أن يكون غير جامع بناء على التفسير الأوّل؛ لعدم الاحتياج، و إمّا أن يكون غير مانع بناء على التفسير الثاني، فهذا الوصف الذي أضافه إلى التعريف غير دقيق و ليس تامّا في جميع الموارد و الحالات‏ (1).

____________

(1) و يضاف أيضا: أنّه يلزم الدور من هذا التعريف؛ لأنّه قد عرّف القاعدة الأصوليّة: بأنّها القاعدة التي لا تحتاج إلى قاعدة أصوليّة أخرى، فهنا و بقطع النظر عن المراد من عدم الاحتياج قد أدخل في ضابط القاعدة الأصوليّة عدم الاحتياج إلى القاعدة الأصوليّة، مع أنّ المطلوب من الضابط إعطاء الحدّ أو الرسم الذي على أساسه تعرف القاعدة الأصوليّة، فقبل معرفة القاعدة الأصوليّة، كيف عرفنا أنّ تلك القاعدة الأخرى التي احتيج إليها كانت أصوليّة؟! فإمّا أن يلزم أخذ الشي‏ء في تعريف نفسه و الذي هو ملاك الدور، و إمّا أن يلزم منه التقدّم و التأخّر؛ لأنّ القاعدة الأصوليّة على هذا معلومة قبل هذا التعريف؛ و إلا لزم التعريف بالمجهول و الكلّ باطل.

27

و ثانيا: أنّ ظهور صيغة الأمر في الوجوب و أىّ ظهور آخر بحاجة إلى ضمّ قاعدة حجيّة الظهور، و هي أصوليّة؛ لأنّ مجرّد عدم الخلاف فيها لا يخرجها عن كونها أصوليّة؛ لأنّ المسألة لا تكتسب أصوليّتها من الخلاف فيها، و إنّما الخلاف ينصبّ على المسألة الأصوليّة. و هكذا يتّضح أنّ الملاحظة الثالثة واردة على تعريف المشهور.

الإيراد الثاني على ما ذكره السيّد الخوئي هو: أنّ احتياج ظهور صيغة الأمر في الوجوب و غيرها من الظهورات كظهور أدوات العموم و المفاهيم إلى حجيّة الظهور، و التي هي من القواعد الأصوليّة يعني أنّ عدم الاحتياج الذي ورد في التعريف غير تامّ كما تقدّم في الإيراد الأوّل، و مجرّد كون حجيّة الظهور من القواعد المتسالم و المتّفق عليها عند العقلاء لا يخرجها من كونها أصوليّة؛ لأنّ المسألة الأصوليّة لا تكتسب أصوليّتها من وجود الخلاف فيها؛ ليكون عدم الخلاف مخرجا لها من كونها أصوليّة.

و ليس هذا يعدو سوى مجرّد دعوى لا دليل عليها، بل يلزم على هذا خروج كثير من القواعد الأصوليّة؛ لعدم وجود الخلاف فيها، و يلزم دخول القواعد غير الأصوليّة؛ بسبب وجود الخلاف فيها أيضا، و كلاهما باطل. و إنّما الصحيح أنّ القاعدة تكون أصوليّة في مرحلة سابقة، ثمّ يطرأ عليها الخلاف و البحث، بمعنى أنّ الخلاف عارض على المسألة الأصوليّة، فيلزم أوّلا تنقيح المسألة الأصوليّة عن غيرها ليعرض الخلاف و البحث عليها ثانيا، فما ذكر من ادّعاء غير تامّ.

و بتعبير آخر: إنّ الخلاف من الأحكام الموجبة العارضة على المسألة الأصوليّة، و الأحكام الموجبة تستدعي ثبوت الموضوع أوّلا، فيلزم أن تكون أصوليّة المسألة متحقّقة في مرحلة متقدّمة على طروّ الخلاف عليها، ممّا يعني أنّ الخلاف في المسألة لا ربط له في تحديد أصوليّة المسألة؛ إذ لو كان شرطا فيها لكان دخيلا في الموضوع أيضا فيصبح الحكم محقّقا لموضوعه، و هو باطل. نعم الخلاف في المسألة يكشف عن كون المسألة المختلف فيها أصوليّة إلا أنّ هذا لا يعني أنّه هو الذي أكسبها هذه الصفة و جعل لها هذا العنوان.

و هكذا تبيّن أنّ الملاحظة الثالثة واردة على تعريف المشهور بكلّ صيغه و إضافاته و قيوده.

28

و الأصحّ في التعريف أن يقال: (علم الأصول هو العلم بالعناصر المشتركة لاستنباط جعل شرعي). و على هذا الأساس تخرج المسألة اللغويّة كظهور كلمة الصعيد؛ لأنّها لا تشترك إلا في استنباط حال الحكم المتعلّق بهذه المادّة فقط، فلا تعتبر عنصرا مشتركا.

هذا هو التعريف الصحيح بنظر السيّد الشهيد و الذي على أساسه سوف تحلّ كلّ الملاحظات و الإيرادات السابقة؛ و ذلك لأنّ الأصول العمليّة تشكّل عنصرا مشتركا في عمليّة الاستنباط تجري في مختلف الأبواب الفقهيّة، و يستنتج منها جعل شرعي كلّي. و أمّا القواعد الفقهيّة فهي لا تدخل في التعريف؛ لأنّها ليست عناصر مشتركة في عمليّة الاستنباط، و إنّما هي عناصر خاصّة؛ لأنّ الفقيه يستخدمها في بعض الأبواب الفقهيّة، و في بعض الشبهات لا جميع الأبواب و لا جميع الشبهات. نعم بعض هذه القواعد الفقهيّة يستنبط منها جعل كلّي شرعي كما تقدّم، كقاعدة الطهارة أو الحليّة إلا أنّها مختصّة ببعض الشبهات لا جميعها؛ لأنّها لا تجري في الشبهات الحكميّة، و كقاعدة الفراغ و أصالة الصحّة فهي و إن كانت تشكّل عنصرا مشتركا إلا أنّها أيضا مختصّة ببعض الشبهات و بعض الأبواب لا جميعها. و أمّا المسائل اللغويّة كظهور كلمة الصعيد و بعض المسائل الرجاليّة فهي عناصر خاصّة و ليست عناصر مشتركة؛ لاختصاصها ببعض الموارد و الحالات و الأبواب الفقهيّة.

فهذا التعريف لا يرد عليه شي‏ء من الإشكالات، مضافا إلى أنّه يعطي الضابطة العامّة لمعرفة القاعدة الأصوليّة و يميّزها عن غيرها، و هي القاعدة التي تعتبر عنصرا مشتركا يجري في مختلف الأبواب الفقهيّة بحيث يستنبط منها جعل شرعي كلّي. فهو تعريف جامع و مانع، بخلاف غيره من التعاريف فإنّها لا تخلو من الإشكال إمّا بعدم الطرد و إمّا بعدم العكس.

29

موضوع علم الأصول‏

30

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

31

موضوع علم الأصول‏

موضوع علم الأصول- كما تقدّم في الحلقة السابقة

(1)

-: الأدلّة المشتركة في الاستدلال الفقهي. و البحث الأصولي يدور دائما حول دليليّتها.

عادة يذكر لكلّ علم موضوع، و المراد من الموضوع هو ذاك المفهوم الكلّي الذي يكون جامعا بين موضوعات مسائل العلم. فإنّ العلم عبارة عن مجموعة من المسائل و لكلّ مسألة موضوع خاصّ يختلف عن الموضوع في المسألة الأخرى و محموله كذلك، و تكوّن بمجموعها مسائل العلم. و هذه الموضوعات و المحمولات المختلفة يجمعها مفهوم كلّي و قضيّة كليّة بموضوعها و محمولها، و هذا يعني أنّ الموضوع في حقيقته هو نفس مسائل العلم و ليس شيئا زائدا عليها و لذلك قالوا: إنّ الموضوع هو الذي يبحث فيه عن العوارض الذاتيّة للعلم، فموضوع كلّ علم إذن هو نفس مسائله و أبوابه و مباحثه و موضوعات مسائله و محمولاتها، و عليه فتكون النسبة بين العلم و موضوعه هي نسبة التساوي؛ غاية الأمر الفرق بينهما في الإجمال و التفصيل، فهما متّحدان في المفهوم و المصداق و مختلفان في الاعتبار، أي أنّ المغايرة بينهما اعتباريّة.

و على كلّ حال فقد عرّف موضوع علم الأصول بتعاريف عديدة و مختلفة، و التعريف الصحيح بنظر السيّد الشهيد هو ما ذكره بعض القدماء مع تطوير له؛ و ذلك لأنّهم ذكروا أنّ موضوع علم الأصول هو الأدلّة الأربعة، بينما الصحيح هو الأدلّة المشتركة في الاستدلال الفقهي خاصّة، و هذا أعمّ و أشمل من تعريف القدماء حيث خصّوا الموضوع بالأدلّة الأربعة فقط، بينما هو الأدلّة المشتركة التي تشمل الأربعة و غيرها من الأدلّة، فما ذكروه من الأدلّة صحيح و لكن ما حصروه من الأربعة غير صحيح، بل هو الأعمّ منها، فكلّ ما كان دليلا و عنصرا مشتركا في عمليّة الاستنباط

____________

(1) ضمن مباحث التمهيد، تحت عنوان: موضوع علم الأصول و فائدته.

32

و الاستدلال الفقهي بالخصوص فهو داخل في موضوع علم الأصول.

و البحث في علم الأصول يدور حول دليليّة هذه الأدلّة و أنّها هل تصلح لأن تكون عنصرا مشتركا في عمليّة الاستدلال أو لا تصلح لذلك؟ فيبحث في الأصول حول ما إذا كانت هذه القاعدة أو ذاك الدليل له الصلاحيّة للجريان في مختلف الأبواب الفقهيّة أو ليس له ذلك. فالبحث الأصولي ينصبّ حول دليليّة هذه القواعد الأصوليّة، فالبحث مثلا في حجيّة الظهور أو حجيّة خبر الثقة أو الملازمات العقليّة أو الأصول العمليّة ينصبّ حول إمكانيّة استنباط الحكم الشرعي منها، و أنّها هل تصلح للدلالة على الحكم الشرعي الكلّي و يعتمد عليها في إثبات المنجّزيّة و المعذّريّة أو لا؟

و بهذا ظهر أنّ مسألة الموضوع لعلم الأصول بل لكلّ علم من المسائل الواضحة عند العقلاء، بمعنى أنّ العقلاء بمجرّد التفاتهم إلى معنى الموضوع و ما هو المقصود منه يحكمون بلزوم الموضوع لكلّ علم، إلا أنّه مع ذلك فقد وقع التشكيك في وجود الموضوع لكلّ علم أو لعلم الأصول بخصوصه. و إلى هذا أشار السيّد الشهيد بقوله:

و عدم تمكّن بعض المحقّقين‏

(1)

من تصوير موضوع العلم على النحو الذي ذكرناه أدّى إلى التشكيك في ضرورة أن يكون لكلّ علم موضوع، و وقع ذلك موضعا للبحث، فاستدلّ على ضرورة وجود موضوع لكلّ علم بدليلين:

بعض الأصوليّين أنكر وجود موضوع لعلم الأصول، و بعضهم شكّك في ضرورة وجوده؛ و ليس ذلك إلا لعدم إمكانيّة تصوير الموضوع بالنحو الذي ذكرناه من كون الموضوع هو الجامع الكلّي بين موضوعات مسائل العلم، إلا أنّ التشكيك في الموضوع نشأ من مسألة أخرى و هي أنّهم عرّفوا الموضوع بأنّه ما يكون جامعا بين مسائل العلم.

و الحال أنّ مسائل العلم لا يمكن أن يوجد جامع بينها؛ لأنّ بعضها مباين للبعض في أكثر الأحيان؛ إمّا من جهة الموضوع، أو المحمول؛ فكيف يمكن تصوير مفهوم كلّي يكون جامعا بينها؟! و هذا الكلام ناظر إلى المسائل في مرحلة التدوين و التأليف، فإنّ بعض المسائل تكون مباينة لبعضها من جهة الموضوع كالفعل و الترك، أو المحمول كالوجوب و الحرمة أو الوجود و العدم و هكذا ... إلى آخره.

إلا أنّ الصحيح هو وجود موضوع لكلّ علم؛ لأنّ الموضوع ليس معناه الجامع بين‏

____________

(1) كالمحقّق العراقي في نهاية الأفكار 1: 9- 12، و السيّد الخوئي في المحاضرات 1: 20.

33

موضوعات مسائل العلم في مرحلة التدوين، و إنّما المراد منه المفهوم الكلّي الجامع لكلّ مسائل العلم قبل مرحلة التدوين و بقطع النظر عنها. و قد استدلّ على وجود الموضوع لكلّ علم بدليلين يضاف إليهما دليل ثالث على مبنى السيّد الشهيد:

أحدهما: أنّ التمايز بين العلوم بالموضوعات، بمعنى أنّ استقلال علم النحو عن علم الطبّ إنّما هو باختصاص كلّ منهما بموضوع كلّي يتميّز عن موضوع الآخر، فلا بدّ من افتراض الموضوع لكلّ علم.

الدليل الأوّل: ما ذكره المشهور من أنّ العلوم تتمايز عن بعضها لأجل التمايز بين موضوعاتها، فعلم النحو مثلا يمتاز عن علم الطبّ بموضوعه. فإنّ موضوع علم النحو الكلمة العربيّة و موضوع علم الطبّ الجسم الحي، فلأجل تمايز الموضوع بينهما امتاز هذان العلمان عن بعضهما، و على هذا فلا بدّ من افتراض موضوع لكلّ علم لكي يتحقّق التمايز بين العلوم؛ إذ لو لم يكن لكلّ علم موضوع خاصّ به لما حصل التمايز بين العلوم، و بما أنّ التمايز حاصل بين العلوم و التمايز لا يتمّ إلا باختلاف الموضوع فهذا يدلّ على وجود الموضوع لكلّ علم يمتاز عن موضوع العلم الآخر. و هذا الدليل مؤلّف من مقدّمتين: الأولى أنّ هناك تمايزا بين العلوم، و الثانية أنّ التمايز بين العلوم هو باختلاف موضوعاتها، فالنتيجة هي وجود الموضوع لكلّ علم و الذي على أساسه يحصل التمايز.

و هذا الدليل أشبه بالمصادرة؛ لأنّ كون التمايز بين العلوم بالموضوعات فرع وجود موضوع لكلّ علم، و إلا تعيّن أن يكون التمييز قائما على أساس آخر كالغرض.

هذا الدليل شبيه بالمصادرة و ليس مصادرة حقيقيّة؛ لأنّ المصادرة هي أن يكون الدليل عين المدّعى بأن يستدلّ على المطلوب بنفسه. و أمّا الشبيه بالمصادرة فهو أن يكون الدليل من لوازم و متفرّعات المطلوب، و هنا استدلّوا على وجود الموضوع لا بالموضوع نفسه ليكون مصادرة، بل بشي‏ء لازم و متفرّع عليه و هو التمايز، إذ التمايز بالموضوعات بين العلوم فرع وجود الموضوع أوّلا، فهو لازم و متفرّع على وجود الموضوع فيثبت الموضوع أوّلا، ثمّ تثبت لوازمه و متفرّعاته. فلذلك كان هذا الدليل شبيها بالمصادرة و ليس مصادرة حقيقية. و لا فرق بين المصادرة و الشبيه بها في كون‏

34

الاستدلال بهما على المطلوب باطلا: أمّا المصادرة فواضح؛ لأنّه يلزم من الاستدلال بالشي‏ء على نفسه الدور و الخلف و التقدّم و التأخّر؛ لكون المدّعى مأخوذا دليلا على نفسه، و هذا واضح البطلان‏ (1).

____________

(1) و أمّا الشبيه بالمصادرة فبطلان الاستدلال به على المطلوب من وجوه:

الأوّل: ما ذكره السيّد الشهيد من قاعدة الفرعيّة و هي القاعدة القائلة: إنّ ثبوت شي‏ء لشي‏ء فرع ثبوت المثبت له أوّلا. و هنا عند ما نثبت التمايز بين العلوم للموضوعات فهذا يلزم منه ثبوت الموضوع أوّلا، ثمّ يتفرّع عنه كون التمايز به. فما لم يثبت الموضوع في مرحلة متقدّمة فلا معنى للكلام عن التمايز بين العلوم بالموضوعات؛ إذ لعلّه لا يوجد موضوع للعلم و مع عدم وجوده لا محصّل للكلام عن كون التمايز بالموضوعات؛ إذ لعلّه شي‏ء آخر كالغرض و الغاية و نحو ذلك. فلا بدّ من إثبات الموضوع ثمّ ينتقل إلى الحديث عن كون التمايز به أو بغيره، فيعود الكلام إلى أصل وجود الموضوع و هو غير متحقّق بعد. فهذا وجه بطلان الاستدلال بلازم الشي‏ء على الشي‏ء نفسه و الذي هو المسمّى بالشبيه بالمصادرة.

الثاني: هناك مرتبة طوليّة بين الموضوع و بين التمايز بالموضوع، و الثاني في المرتبة الثانية لا يتحقّق إلا بعد تحقّق الأوّل فما لم تتحقّق المرتبة الأولى يلغو الكلام عن المرتبة الثانية، إذ الحديث عن المرتبة الثانية و هي تقتضي التسليم بوجود المرتبة الأولى، و مع التسليم بوجودها لا معنى للاستدلال عليها و على وجودها؛ إذ هو تحصيل الحاصل حينئذ. و مع عدم وجود المرتبة الأولى لا وجود للمرتبة الثانية أيضا، فكيف يستدلّ بشي‏ء معدوم على وجود شي‏ء؟! و هذا واضح البطلان.

الثالث: أنّه يوجد فرق بين مفاد كان التامّة و بين مفاد الناقصة؛ لأنّ الأولى تثبت أصل وجود الشي‏ء في مقابل عدمه، و الثانية تثبت وجود صفة و حكم لهذا الشي‏ء الثابت و الموجود في مقابل عدم ثبوت هذا الحكم أو الوصف، و أمّا أصل وجود الشي‏ء فهو مفروغ عنه و متحقّق في مرحلة سابقة. و هذا معناه أنّ مفاد (كان) الناقصة قد أخذ فيه الفراغ عن ثبوت الشي‏ء مقابل عدمه، و هنا كون التمايز بين العلوم بالموضوعات يثبت صفة التمييز إلى الموضوع و الذي هو مفاد (كان) الناقصة، و الذي معناه كما ذكرنا الفراغ عن ثبوت الموضوع في مرحلة سابقة، فلا معنى لإثبات وجود الموضوع بمفاد (كان) الناقصة؛ لأنّ إثبات وجوده بها معناه أنّه لم يكن ثابتا قبل ذلك، و هذا خلف ماهيّة و حقيقة كان الناقصة، فيلزم منه التقدّم و التأخّر و الخلف أو الدور، و الجميع باطل.

الرابع: أنّ الأحكام السلبيّة يجوز إسنادها إلى موضوع معدوم و إلى موضوع موجود، و أمّا الأحكام الإيجابيّة فلا يجوز إسنادها إلا إلى موضوع موجود، و هنا ثبوت التمايز بين العلوم إلى الموضوعات حكم إيجابي و صفة وجوديّة للموضوع. و هذا معناه لزوم كون الموضوع ..

35

و الآخر: أنّ التمايز بين العلوم إن كان بالموضوع فلا بدّ من موضوع لكلّ علم إذا: لكي يحصل التمايز. و إن كان بالغرض على أساس أنّ لكلّ علم غرضا يختلف عن الغرض من العلم الآخر، فحيث إنّ الغرض من كلّ علم واحد و الواحد لا يصدر إلا من واحد فلا بدّ من افتراض مؤثّر واحد في ذلك الغرض، و لمّا كانت مسائل العلم متعدّدة و متغايرة فيستحيل أن تكون هي المؤثّرة بما هي كثيرة في الغرض الواحد، بل يتعيّن أن تكون مؤثّرة بما هي مصاديق لأمر واحد.

و هذا يعني فرض قضيّة كلّيّة تكون بموضوعها جامعة بين الموضوعات و بمحمولها جامعة بين المحمولات للمسائل، و هذه القضيّة الكلّيّة هي المؤثّرة، و بذلك يثبت أنّ لكلّ علم موضوعا، و هو موضوع تلك القضيّة الكلّيّة فيه‏

(1)

.

الدليل الثاني: ما ذكره صاحب (الكفاية) للاستدلال على وجود الموضوع:

فتارة نقول بمقالة المشهور: من أنّ التمايز بين العلوم بالموضوعات، فيلزم وجود موضوع إذن؛ لكي يحصل التمايز المذكور فيكون المطلوب حاصلا، إلا أنّ هذا الافتراض غير صحيح كما تقدّم آنفا. فلا بدّ من فرض كون التمايز بين العلوم متحقّقا بشي‏ء آخر غير الموضوع.

و أخرى نقول: إنّ التمايز بين العلوم بلحاظ الأغراض فلكلّ علم غرض مختلف عن الآخر، و على هذا الافتراض يمكننا إثبات وجود موضوع العلم، و هذا الدليل مركّب من مقدّمتين و نتيجة:

____________

... موجودا و إلا لم يصحّ الحكم الإيجابي بالتمايز عليه، و مع الفراغ عن وجود الموضوع طبقا لهذا فلا داعي للاستدلال على ما هو موجود لإثبات وجوده؛ إذ ليس هذا إلا اللغو الباطل و تحصيل الحاصل.

و بهذا كلّه يتضح أنّ هذا الدليل غير تامّ. مضافا إلى الإشكال الذي ذكره صاحب (الكفاية) و إن كان غير تامّ كما هو الصحيح من أنّ التمايز بالموضوعات يستلزم تكثّر العلوم؛ لأنّ كلّ باب بل كلّ مسألة لها موضوع مختلف عنه في الباب و المسألة الأخرى، مع أنّه لا يقول أحد بأنّ باب الفاعل علم مستقلّ في مقابل باب المفعول رغم كونهما من حيث الموضوع و المحمول مختلفين، حيث يقال: الفاعل مرفوع، و المفعول منصوب.

(1) تجد خلاصة هذا البيان مع الإيراد عليه في ألسنة جملة من الأصوليّين، منهم المحقّق الأصفهاني في نهاية الدراية 1: 34، و السيّد الخوئي في هامش كتاب أجود التقريرات 1: 4.

36

المقدّمة الأولى: على افتراض أنّ التمايز بين العلوم إنّما هو بلحاظ الغرض، حيث إنّ لكلّ علم غرضا مستقلا عن الغرض من العلم الآخر، فهنا حيث إنّ مفهوم الغرض مفهوم واحد و بسيط فلا بدّ من فرض مؤثّر في هذا الغرض، و هذا المؤثّر في الغرض هو موضوع العلم.

المقدّمة الثانية: وفقا للقاعدة الفلسفيّة القائلة: بأنّ (الواحد لا يصدر إلا من واحد). فلا بدّ من فرض المؤثّر في الغرض واحدا؛ لأنّ الغرض واحد أيضا و هو لا يصدر إلا من واحد.

و النتيجة- بناء على هاتين المقدّمتين-: أنّ المؤثّر في الغرض- و الذي قد فرض كونه واحدا نظرا إلى وحدة الغرض نفسه- إذا فرضناه نفس مسائل العلم لم تتمّ المقدّمة الثانية؛ لأنّ مسائل العلم متعدّدة و متكثرة فكيف يصدر عن الكثير بما هو كثير واحد بسيط و هو الغرض، بحيث تكون هذه المسائل هي المؤثّرة فيه؟! فيلزم من هذا الغرض مخالفة القاعدة الفلسفيّة التي هي المقدّمة الثانية من هذا الدليل، فهذا الفرض باطل و مستحيل.

فيلزم أن نفرض وجود قضيّة كليّة مؤلّفة من موضوع و محمول هي المؤثّرة في الغرض؛ لأنّها واحدة فيصدر منها الواحد. و هذه القضيّة الكليّة من حيث الموضوع جامعة بين موضوعات المسائل، و من حيث محمولها جامعة بين محمولات المسائل، فتكون هذه القضيّة الكلّيّة المفروضة و التي موضوعها جامع بين موضوعات المسائل هي المؤثّرة في الغرض بلحاظ موضوعها. و هذا يعني أنّ تلك المسائل المتكثّرة قد أثّرت في الغرض و لكن لا بوصف كونها كثيرة، بل بلحاظ كونها مصاديق و أفرادا لذلك الموضوع الكلّي الجامع لها. فالمؤثّر في الغرض هو القضيّة الكليّة أوّلا و بالذات، ثمّ المسائل المتعدّدة ثانيا، و بالعرض باعتبارها مصاديق و تعيّنات لموضوع القضيّة الكلّيّة، و بهذا يثبت كون المؤثّر في الغرض أمرا واحدا هو القضيّة الكلّيّة.

ثمّ إذا نظرنا إلى موضوع تلك القضيّة الكليّة نجده جامعا بين موضوعات مسائل العلم، و لا يقصد من الموضوع المراد إثباته أكثر من ذلك. فثبت بهذا الدليل وجود موضوع لكلّ علم، و هذا الموضوع هو الموضوع الكلّي الجامع بين موضوعات مسائل العلم الواقع موضوعا للقضيّة الكليّة المفروضة و التي أثّرت في الغرض. و بهذا يتّضح أنّه‏

37

يمكننا إثبات وجود الموضوع للعلم من غير أن نفرض أنّ التمايز بين العلوم بالموضوعات، بل يمكننا إثباته بفرض أنّ التمايز بين العلوم بالغرض.

و قد أجيب على ذلك: بأنّ الواحد على ثلاثة أقسام: واحد بالشخص، و واحد بالنوع و هو الجامع الذاتي لأفراده، و واحد بالعنوان و هو الجامع الانتزاعي الذي قد ينتزع من أنواع متخالفة. و استحالة صدور الواحد من الكثير تختصّ بالأوّل‏

(1)

، و الغرض المفترض لكلّ علم ليست وحدته شخصيّة، بل نوعيّة

(2)

أو عنوانيّة

(3)

، فلا ينطبق برهان تلك الاستحالة في المقام.

أورد على هذا الدليل بمنع كلتا المقدّمتين:

أمّا المقدّمة الثانية: و هي قاعدة: (الواحد لا يصدر إلا من واحد)، فإنّ تطبيقها على الغرض غير تامّ؛ و ذلك لأنّ الواحد على ثلاثة أقسام هي:

الواحد الشخصي: و هو الجزئي الحقيقي كزيد فهو واحد بسبب تشخّصه و تعيّنه بالخارج.

و الواحد بالنوع: و هو الجامع الذاتي لأفراده أي الكلّي الذي يكون جامعا بين المصاديق و الجزئيّات و الأفراد كالإنسان الجامع بين الأفراد الموجودة في الخارج، و كالحيوان الجامع بين الأنواع، و كالناطق فهذه كلّها مفاهيم كليّة جامعة بين أفرادها و أنواعها بنحو تكون دخيلة في ذاتها و هي واحدة أيضا.

و الواحد بالعنوان: و هو الجامع العرضي و الانتزاعي و الذي يكون جامعا بين الأفراد و الأنواع المتخالفة، كالبياض الجامع بين الإنسان و الحجر و الطائر و القرطاس و الثلج ...

إلى آخره؛ و لكن هذا الجامع ليس دخيلا في حقيقة هذه الأنواع و الأفراد، و إنّما هو متفرّع منها بنحو العارض الخارج عن الذات، فهو مفهوم انتزاعي و عرضي و لكنّه واحد أيضا.

و القاعدة المذكورة مختصّة بالواحد الشخصي بمعنى أنّ الواحد الشخصي و هو الجزئي الحقيقي يستحيل صدوره من كثيرين و لا يصدر إلا من واحد فقط.

و أمّا الواحد بالنوع أو الواحد بالعنوان فهما يصدران من الواحد و من الكثير أيضا

____________

(1 و 2) كما ادّعاه السيّد الخوئي في المصدر السابق.

(3) كما ادّعاه المحقّق الأصفهاني في نهاية الدراية 1: 34.

38

كما هو مبرهن عليه في الفلسفة. و الغرض وحدته ليست وحدة شخصيّة؛ لأنّه ليس جزئيّا بل هو مفهوم كلّي، فهو إمّا واحد نوعي أو واحد عنواني على الخلاف في ذلك، و على كلا الأمرين لا تنطبق عليه القاعدة الفلسفيّة المذكورة و عليه فلا يشترط كون المؤثّر في الغرض واحدا أيضا، بل يمكن أن يكون المؤثّر فيه الكثير. فتلك القضيّة الكلّيّة المؤلّفة من موضوع جامع بين موضوعات مسائل العلم لا داعي و لا موجب لفرضها على هذا، بل يمكن أن تكون مسائل العلم بما هي كثيرة مؤثّرة في الغرض و لا يلزم من ذلك أي محذور.

و أمّا المقدّمة الأولى: و هي افتراض وجود غرض بسبب وجود المؤثّر و هو تلك القضيّة الكليّة المفترضة فيرد عليها: أنّه مع وجود المؤثّر يلزم وجود الغرض دائما و يمنع من تخلّفه عنه، و هذا الأمر غير متحقّق بنحو مطلق؛ لأنّا نجد أنّ الغرض يتخلّف في كثير من الأحيان مع وجود المؤثّر فيه، فنرى مثلا أنّ من يتعلّم المنطق أو النحو يخطئ في التفكير السليم و الصحيح و في النطق الصحيح مع كون المؤثّر موجودا؛ لأنّه قد تعلّم مسائل العلم، و هذا يعني أنّ الغرض قد تخلّف عن المؤثّر فيه.

إلا أنّ السيّد الشهيد لا يقبل كلا هذين الإيرادين و لذلك قال: (و أجيب على ذلك). و وجه ذلك:

أمّا المقدّمة الثانية: فالقاعدة الفلسفيّة لا تختصّ بالواحد الشخصي، بل تشمل الواحد بالنوع أيضا و الغرض واحد بالنوع‏ (1).

و أمّا المقدّمة الأولى: فلأنّه يشترط في تأثير المؤثّر في الغرض أن يتمكّن المتعلّم من استخدام مسائل العلم على وجهها الصحيح و في موردها و مصداقها، فهي تمكّنه من الوصول إلى الغرض فيما لو أحسن استخدامها لا مطلقا، و المخطئ لا يكون قد أحسن الاستعمال. فإذا تخلّف الغرض لم يصل إليه؛ لأنّه لم يتحقّق شرط التأثير.

و هكذا يرفض بعض المحقّقين‏

(2)

الدليل على وجود موضوع لكلّ علم، بل قد

____________

(1) بل إنّ القاعدة المذكورة مختصّة بالواحد الحقيقي أي العلّة الحقيقيّة و هي الحقّ سبحانه و تعالى، و لا تشمل العلل الاعتباريّة كالغرض في مقامنا، و لذلك وقع خلط بين المقامين.

(2) منهم المحقّق العراقي في المقالات 1: 37، و السيّد الخوئي في المحاضرات 1: 20.

39

يبرهن على عدمه بأنّ بعض العلوم تشتمل على مسائل موضوعها الفعل و الوجود و على مسائل موضوعها الترك و العدم، و تنتسب موضوعات مسائله إلى مقولات ماهويّة و أجناس متباينة كعلم الفقه الذي موضوع مسائله الفعل تارة و الترك أخرى و الوضع تارة و الكيف أخرى، فكيف يمكن الحصول على جامع بين موضوعات مسائله؟!

و لأجل عدم تماميّة الأدلّة التي ذكرت على وجود موضوع للعلم رفض بعض المحقّقين كالمحقّق العراقي وجود موضوع لكلّ علم، بل إنّ بعضهم كالسيّد الخوئي قد أقام البرهان على عدم وجود موضوع للعلم. و حاصل هذا البرهان أن يقال: إنّنا إذا أخذنا علم الفقه كمثال نجد أنّ بعض موضوعات مسائل هذا العلم تشتمل على الفعل و الوجود كالصلاة و الحجّ و نحو ذلك، و بعض موضوعات مسائله تشتمل على الترك و العدم كالصوم و حرمة الزنى و حرمة شرب الخمر و نحو ذلك، بل إنّنا إذا أخذنا باب الصلاة نجد أنّ الصلاة تشتمل على أفعال وجوديّة كالركوع و السجود و القراءة و هي من مقولات ماهويّة و أجناس متباينة، فإنّ الركوع و السجود من مقولة الوضع و القراءة من مقولة الكيف المسموع، و إذا أخذنا باب الصوم نجد أنّه يشتمل على تروك و أعدام و هي أيضا من مقولات ماهويّة و أجناس متباينة، كترك الكذب على الله و الرسول و الأئمّة فهي من مقولة الكيف المسموع، و كرمس الرأس في الماء فهي من مقولة الوضع و هكذا ... فكيف يمكن تصوير جامع كلّي بين هذه الأجناس المتباينة و المقولات الماهويّة المختلفة؟! إذ هي أجناس عالية ليس فوقها شي‏ء يمكن تصوير الجامع بينها. و عليه فكيف يمكن تصوير الموضوع؟! لأنّه الجامع الكلّي بين موضوعات مسائل العلم كما تقدّم.

و كذلك الحال لو أخذنا علم الأصول كمثال آخر، فإنّا نجده يشتمل على مسائل موضوعها الكشف و الإراءة للواقع كالأمارات و الأدلّة المحرزة، و على مسائل موضوعها الشك، و الجهل و عدم الانكشاف للواقع كالأصول العمليّة المحضة. فكيف يمكن الجمع بين الكشف و عدمه و بين الإراءة للواقع و الشكّ و الجهل به؟! إذ الجامع بينها جامع بين النقيضين و هو باطل و محال.

و على هذا الأساس رفض بعض الأصوليّين وجود الموضوع، و ليس ذلك إلا

40

لاستحالة تصوير هذا الجامع. و كيف يكون جامعا بين المسائل و الموضوعات المتخالفة و المتباينة و المتناقضة؟!

و على هذا الأساس استساغوا ألّا يكون لعلم الأصول موضوع، غير أنّك عرفت أنّ لعلم الأصول موضوعا على ما تقدّم‏

(1)

.

الصحيح هو وجود موضوع لكلّ علم من العلوم و من جملتها علم الأصول بدليل حاصله:

إنّ كلّ علم من العلوم له محور يدور البحث حوله، و كلّ مسائل العلم التي تدوّن في هذا العلم تأتي متأخّرة عن وجود هذا المحور، فهو موجود قبل أن تتحقّق المسائل في الخارج و لا يتوقّف وجوده على وجودها و لذلك يمكن أن تختلف هذه المسائل في مرحلة التدوين و التصنيف عن هذا المحور؛ نتيجة لتأثّر البحث أو الباحث بأمور خارجة عارضة عليه إلا أنّه لا يمنع من كون هذا المحور المذكور موجودا قبلها، و هو الباعث على تدوينها في هذا العلم.

فمثلا علم الفلسفة يدور حول محور واحد و هو الوجود أو الموجود بما هو موجود، و كلّ المسائل التي تبحث و تدوّن في هذا العلم تدور حول هذا المحور، إلا أنّنا نجدها في مرحلة التدوين و التصنيف تختلف عن هذا المحور فنجد موضوعات مسائل هذا العلم موزّعة على الوجود و العدم و الماهيّة و الوجوب و الإمكان و الضرورة و الحركة ... إلى آخره، و نجد أنّ الوجود و الذي هو المحور الذي يجب أن تدور البحوث حوله نجده يجعل محمولا لها، فيقال: الماهيّة موجودة و الإنسان موجود مع أنّها ليست إلا تعيّنات و مصاديق للوجود، فهي التي تحمل عليه بحسب الحقيقة و الدقّة، إلا أنّ هذا لا يشكّل مانعا و ذلك نتيجة لتأثّر الباحث بهذه الأمور فجعلها موضوعا و عكس الحمل.

و كذلك الحال بالنسبة لعلم الفقه فإنّ له محورا تدور حوله كلّ موضوعات مسائله، و هذا المحور هو الحكم الشرعي، فكلّ الأبواب الفقهيّة مهما اختلفت من جهة التدوين و التصنيف و مهما تغايرت ماهيّاتها و مقولاتها فهي تدور حول الحكم الشرعي، و الذي هو الأحكام التكليفيّة الخمسة الوجوب و الحرمة و الاستحباب و الكراهة و الإباحة و الأحكام الوضعيّة مثل الصحّة و الفساد و غيرها. و علم الأصول لا

____________

(1) في بداية هذا البحث.

41

يختلف عن بقيّة العلوم في وجود محور له تدور حوله موضوعات مسائله و هذا المحور هو: الأدلّة المشتركة في الاستدلال الفقهي خاصّة، فكلّ البحوث و المسائل الأصوليّة تدور حول هذا المحور و هل أنّها تشكّل دليلا على استنباط الحكم الشرعي الكلّي أو لا؟ فالبحث فيها حول دليليّتها و أنّها دليل أو ليست بدليل.

و هكذا يتّضح أنّ هناك محورا دائما لكلّ علم من العلوم تدور حوله كلّ البحوث المطروحة في هذا العلم.

و هذا المحور مفهوم كلّي جامع بين موضوعات مسائل العلم و يطلق عليه اسم موضوع العلم. فمقصودنا من موضوع العلم هو ذلك المفهوم الكلّي الجامع بين موضوعات المسائل و الذي يسمّى بالمحور، و على أساس هذا المحور تتمايز العلوم فيما بينها، و لذا صحّ ما قيل: من أنّ التمايز بين العلوم بالموضوعات بناء على أنّ المراد من الموضوع هو المحور الذي يدور حوله بحث كل مسائل العلم.

42

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

43

الحكم الشرعي و تقسيماته‏

44

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

45

الحكم الشرعي و تقسيماته‏

قد تقدّم في الحلقة السابقة

(1)

أنّ الأحكام الشرعيّة على قسمين: أحدهما الأحكام التكليفيّة، و الآخر الأحكام الوضعيّة، و قد عرفنا سابقا نبذة عن الأحكام التكليفيّة. و أمّا الأحكام الوضعيّة فهي على نحوين:

يقسّم الحكم الشرعي إلى قسمين، هما: الحكم التكليفي، و الحكم الوضعي.

فالحكم التكليفي: هو الخطاب الشرعي المتكفّل لتوجيه عملي مباشر لأفعال الإنسان و تنظيم أموره.

و الحكم الوضعي: لا يتعلّق مباشرة بأفعال الإنسان و إنّما له تأثير غير مباشر على أفعاله و تنظيم أموره.

ثمّ إنّ الحكم التكليفي يتكوّن من ثلاثة أمور هي: الملاك، و الإرادة، و الاعتبار.

فالملاك: هو المصلحة أو المفسدة التي يدركها الحاكم و يتصوّرها في الفعل أو الترك.

و الإرادة: هي المحبوبيّة أو المبغوضيّة للفعل بحسب ما فيه من الملاك.

و الاعتبار: عمليّة إنشاء الحكم و جعله على ذمّة المكلّف.

و هذه المراحل الثلاث مترابطة فيما بينها، فإنّ الإرادة إنّما تنشأ في نفس الحاكم على ضوء ما يحدّده من مصلحة أو مفسدة في الفعل، و بعد ذلك يصيغ إرادته بنوع الاعتبار و الجعل.

و الحكم التكليفي يقسم إلى الأحكام الخمسة تبعا لنوع الإرادة، فإنّه إذا كانت المحبوبيّة بدرجة عليا كان الحكم واجبا، و إذا كانت أقلّ كان مستحبّا، و المبغوضيّة إذا كانت عليا كان حراما و إلا كان مكروها، ثمّ إذا تساوت المحبوبيّة و المبغوضيّة أو لم يكن فيه شي‏ء منهما كان مباحا.

____________

(1) ضمن مباحث التمهيد، تحت عنوان: الحكم الشرعي و تقسيمه.

46

و أمّا الحكم الوضعي فهو ليس محتويا لمبادئ الحكم التكليفي، و إنّما هو خطاب يتعلّق بأمور لها تأثير على أفعال الإنسان فيكون له توجيه عملي لأفعال الإنسان بصورة غير مباشرة. فالحكم الوضعي ينصبّ على مسائل خارجيّة لها تأثير على سلوك الإنسان و فعله، و لكن لا ينصبّ مباشرة عليها كالشرطيّة و السببيّة و المانعيّة و الصحّة و الفساد و الجزئيّة، بل على الأمور الانتزاعيّة كالزوجيّة و الرقيّة و نحوهما، ثمّ إنّ الحكم الوضعي يقسم إلى قسمين:

الأوّل: ما كان واقعا موضوعا للحكم التكليفي، كالزوجيّة الواقعة موضوعا لوجوب الإنفاق، و الملكيّة الواقعة موضوعا لحرمة تصرّف الغير في المال بدون إذن المالك.

القسم الأوّل من الأحكام الوضعيّة هو: الأحكام الوضعيّة الواقعة موضوعا لحكم تكليفي بحيث يكون الحكم الوضعي متقدّما و سابقا من حيث الرتبة على الحكم التكليفي، فإنّه بعد فرض وجود الحكم الوضعي يفرض ترتّب الحكم التكليفي عليه مثال ذلك: مفهوم الزوجيّة المنتزع من عقد الزواج بين الرجل و المرأة، فإنّ مفهوم الزوجيّة قد جعل موضوعا لكثير من الأحكام التكليفيّة سواء من طرف الزوج أو الزوجة، فيجب الإنفاق على الزوج و يجب التمكين على المرأة.

و كذلك الحال بالنسبة لمفهوم الملكيّة المنتزع من العقد الواقع بين البائع و المشتري، فإنّ مفهوم الملكيّة يقع موضوعا لبعض الأحكام التكليفيّة كحرمة تصرّف البائع بالسلعة من دون إذن المشتري، و كوجوب تسليم السلعة إلى المشتري و نحو ذلك.

و هذا القسم يفترض فيه أوّلا الحكم الوضعي ثمّ ينشأ في طوله الحكم التكليفي.

الثاني: ما كان منتزعا عن الحكم التكليفي، كجزئيّة السورة للواجب المنتزعة عن الأمر بالمركّب منها، و شرطيّة الزوال للوجوب المجعول لصلاة الظهر المنتزعة عن جعل الوجوب المشروط بالزوال.

القسم الثاني من الأحكام الوضعيّة هو: الأحكام الوضعيّة المنتزعة من الحكم التكليفي، و هذا معناه افتراض الحكم التكليفي أوّلا ثمّ ينتزع منه الحكم الوضعي و في طوله، و لا يعقل وجود الحكم الوضعي إلا بعد افتراض وجود الحكم التكليفي؛ لكونه منتزعا منه، و مثاله: عنوان الجزئيّة المنتزع من الأمر بالمركّب منها كوجوب الصلاة

47

المركّب من عدد من الأجزاء و منها السورة، فلو لا وجود الأمر بالمركّب لم يمكن أن يتحقّق عنوان الجزئيّة للسورة؛ لأنّ الجزء لا يمكن أن يفترض أو يتصوّر إلا ضمن الكلّ و المركّب. و كذلك الحال في عنوان الشرطيّة، فإنّه لا يتحقّق إلا بعد افتراض وجود الأمر المشروط كوجوب الصلاة المشروط بالزوال، فانتزاع شرطيّة الزوال للصلاة لا يمكن فرضها و تصوّرها من دون افتراض الصلاة المشروطة بالزوال.

و هذا معناه أنّ مثل الجزئيّة و الشرطيّة من الأحكام الوضعيّة أمور انتزاعية من الأمر بالمركّب و الأمر بالمشروط، و هذا معناه أنّ وجودهما في طول ذاك المركّب و المشروط، و لا يعقل تصوّرهما بعنوانيهما بمعزل عن المركّب و المشروط.

و على هذا يقع البحث في أنّ المولى هل يمكنه أن يجعل هذين القسمين من الأحكام الوضعيّة بنحو الاستقلاليّة أو لا يمكنه؟ و لذلك قال السيّد الشهيد:

و لا ينبغي الشكّ في أنّ القسم الثاني ليس مجعولا للمولى بالاستقلال، و انّما هو منتزع عن جعل الحكم التكليفي؛ لأنّه مع جعل الأمر بالمركّب من السورة و غيرها يكفي هذا الأمر التكليفي في انتزاع عنوان الجزئيّة للواجب من السورة، و بدونه لا يمكن أن تتحقّق الجزئيّة للواجب بمجرّد إنشائها و جعلها مستقلا.

لا شكّ في أنّ القسم الثاني من الأحكام الوضعيّة و هو ما كان منتزعا من الحكم التكليفي كالجزئيّة و الشرطيّة لا يمكن جعله بالجعل الاستقلالي من المولى، و إنّما هو منتزع من جعل الحكم التكليفي. فالمولى يجعل الحكم التكليفي بنحو الاستقلاليّة ثمّ بتبع ذلك ينتزع منه الحكم الوضعي كالجزئيّة و الشرطيّة و لا يمكن جعله استقلالا؛ لأنّ ذلك خلاف فرضها منتزعة إذ معنى انتزاعها وجود شي‏ء متقدّم عليها في الوجود يكون له الجعل الاستقلالي.

و الدليل على ذلك أوّلا: أنّه مع جعل الأمر بالمركّب كالصلاة المركّبة من السورة و غيرها من الأجزاء كان هذا الجعل وحده كافيا في انتزاع عنوان جزئيّة السورة للمركّب الواجب أي الصلاة، و لا تحتاج إلى جعل مستقلّ لعنوان جزئيّة السورة؛ لأنّه يكون لغوا أو تحصيلا للحاصل، و بدون جعل الأمر بالمركّب أي إذا لم يجعل الشارع الصلاة واجبة أصلا فلا معنى لأن يكون هناك جعل استقلالي لجزئيّة السورة في الصلاة؛ إذ ما دامت الصلاة غير موجودة أصلا فلا معنى لوجود و جعل عنوان الجزئيّة

48

على أحد أجزائها، بل إنّه لا يمكن أن يتحقّق عنوان الجزئيّة للسورة و لو جعلت بالجعل الاستقلالي؛ لأنّ كونها جزءا يعني تصوّرها منضمّة إلى الكلّ و المركّب و بدون وجود المركّب أصلا يستحيل انتزاع عنوان الجزئيّة منه.

و بكلمة أخرى: إنّ الجزئيّة للواجب من الأمور الانتزاعيّة الواقعيّة، و إن كان وعاء واقعها هو عالم جعل الوجوب، فلا فرق بينها و بين جزئيّة الجزء للمركّبات الخارجيّة من حيث كونها أمرا انتزاعيا واقعيّا، و إن اختلفت الجزئيّتان في وعاء الواقع و منشأ الانتزاع، و ما دامت الجزئيّة أمرا واقعيّا فلا يمكن إيجادها بالجعل التشريعي و الاعتبار.

الدليل الثاني على أنّ مثل الجزئيّة و الشرطيّة لا يمكن جعلها بالجعل الاستقلالي عن المركّب: هو ما ذكره من كون الجزئيّة من الأمور الانتزاعيّة الواقعيّة. و قبل بيان هذا الدليل لا بدّ من الإشارة إلى نكتة أساسيّة و هي:

المراد من الأمور الانتزاعيّة الواقعيّة هي التي لها تحقّق وراء جعلها فلها وجود حقيقي تبعا لوجود منشأ انتزاعها بحيث تترتّب عليها الآثار و هي على قسمين:

الأوّل: المركّبات الخارجيّة و التي يكون عالم الجزئيّة فيها عالم التحقّق الخارجي التكويني.

و الثاني: المركّبات الشرعيّة و التي يكون عالم الجزئيّة فيها عالم الاعتبار و الجعل، و الأمور الانتزاعيّة الواقعيّة في مقابل الأمور الاعتباريّة التي أمرها بيد المولى كالطهارة التي هي شرط في الصلاة.

و حينئذ نقول: إنّ الجزئيّة ما دامت من الأمور الانتزاعيّة الواقعيّة التي لها تحقّق وراء انتزاعها- عالم وعاء واقعها هو عالم الجعل و الاعتبار للوجوب- فلها تحقّق في ذاك العالم في نفس المولى و جعله للأحكام. و هذا معناه أنّه لا فرق بين جزئيّة السورة في الواجب و بين جزئيّة الجزء كالغرفة مثلا في المركّبات الخارجيّة التكوينيّة، فإنّ كلّا منها يعتبر جزءا من الكلّ و المركّب، و لا يمكن انتزاع عنوان الجزئيّة للسورة أو للغرفة بمعزل عن هذا المركّب ما دامت الجزئيّة من الأمور الواقعيّة الانتزاعيّة الذي يفترض وجود واقع تتحقّق فيه الجزئيّة، نعم يختلف الأمر بين هاتين الجزئيّتين من جهة أخرى و هي وعاء الواقع و منشأ الانتزاع، حيث إنّ جزئيّة المركّبات الخارجيّة وعاء واقعها و منشأ

49

انتزاعها هو العالم الخارجي التكويني المادي، بينما جزئيّة السورة في المركّبات الشرعيّة وعاء واقعها و منشأ انتزاعها هو عالم الجعل و الاعتبار للأحكام الشرعيّة.

و على هذا فما دامت الجزئيّة من الأمور الانتزاعيّة الواقعيّة فلا يمكن إيجادها بالجعل الاستقلالي عن الأمر بالمركّب، و لا يمكن أن يكون هناك تشريع أو اعتبار يثبت عنوان الجزئيّة بنحو مستقلّ عن الأمر بالمركّب؛ و إلا لصارت من الأمور الاعتباريّة المحضة التي بيد الشارع جعلها ابتداء، و المفروض أنّها من الأمور الانتزاعيّة التي لها واقع وراء انتزاعها؛ و هو وعاء عالم الخارج التكويني أو عالم الجعل و الاعتبار، و على كلا الفرضين لا بدّ من فرض تحقّق المركّب أوّلا لينتزع منه الجزئيّة (1).

و أمّا القسم الأوّل فمقتضى وقوعه موضوعا للأحكام التكليفيّة عقلائيّا و شرعا هو كونه مجعولا بالاستقلال، لا منتزعا عن الحكم التكليفي؛ لأنّ موضوعيّته للحكم التكليفي تقتضي سبقه عليه رتبة، مع أنّ انتزاعه يقتضي تأخّره عنه.

و أمّا القسم الأوّل من الأحكام الوضعيّة و هو ما كان واقعا موضوعا للحكم التكليفي كالملكيّة و الزوجيّة و نحوهما، فلا إشكال في كونه مجعولا بالجعل الاستقلالي و ليس منتزعا عن الحكم الشرعي، فهنا دعويان:

الأولى: كونه مجعولا بالاستقلال.

و الثانية: كونه ليس منتزعا من الحكم الشرعي خلافا للشيخ الأنصاري. و الدعوى الثانية متفرّعة عن الأولى، و برهانه: أنّ الملكيّة و الزوجيّة من الأمور الاعتباريّة التي يعتبرها العرف و العقلاء عند حصول أحد أسبابها، و الشارع أمضى هذه الملكيّة و الزوجيّة و ليست من الأمور الانتزاعيّة لدى الشارع. نعم، قد يفرض الشارع بعض الشروط أو القيود أو الخصوصيّات أو ينفي بعضها، إلا أنّها ليست من الأمور الانتزاعيّة عن الحكم التكليفي. و إنّما هي تقع موضوعا للأحكام التكليفيّة، بحيث يترتّب على ثبوت الملكيّة أو الزوجيّة بأحد أسبابهما بعض الأحكام التكليفيّة. و هذا معناه افتراض وجود هذه الأحكام الوضعيّة في مرتبة سابقة و متقدّمة عن الأحكام التكليفيّة على أساس أنّ ما جعل موضوعا لشي‏ء بمقتضى موضوعيّته كونه متقدّما

____________

(1) هذا خلاصة الكلام في القسم الثاني و إن كان محلّا للشكّ عند بعضهم كالسيّد الإمام (رحمه الله) حيث برهن على إمكان جعلها بالجعل الاستقلالي راجع الرسائل ج 1 ص 116.

50

و سابقا عليه رتبة، و هذا يفترض كونها مجعولة بنحو الاستقلال و بمعزل عن تلك الأحكام التكليفيّة المترتّبة عليها؛ لأنّ فرض انتزاعها عنها يستلزم الدور أو التقدّم و التأخّر؛ إذ فرض كونها موضوعا يقتضي كونها متقدّمة و فرض كونها منتزعة يقتضي كونها متأخّرة، فيلزم كونها متقدّمة و متأخّرة في آن واحد من جهة واحدة و هو محال‏ (1).

و قد تثار شبهة لنفي الجعل الاستقلالي لهذا القسم أيضا، بدعوى أنّه لغو؛ لأنّه بدون جعل الحكم التكليفي المقصود لا أثر له، و معه لا حاجة إلى الحكم الوضعي، بل يمكن جعل الحكم التكليفي ابتداء على نفس الموضوع الذي يفترض جعل الحكم الوضعي عليه.

قد يقال: إنّ القسم الأوّل و هو الأحكام الوضعيّة الواقعة موضوعا للأحكام التكليفيّة يستحيل جعلها بالجعل الاستقلالي، بل لا بدّ من فرضها منتزعة من الأحكام التكليفيّة، فالملكيّة مثلا تنتزع من جواز التصرّف في ماله و حرمة تصرّف الغير به، و الزوجيّة تنتزع من جواز الاستمتاع للزوج و حرمته على غيره، و هكذا.

و يدّعى للبرهان على ذلك أنّ الجعل الاستقلالي لهذه الأحكام الوضعيّة لغو، و بيانه: أنّه إذا جعلت الملكيّة و نحوها بالجعل الاستقلالي:

____________

(1) و ممّا يدلّ على كونها أمورا اعتباريّة و ليست انتزاعيّة أنّها موجودة عند كلّ الناس حتّى الذين لا يؤمنون بالشرع و الشريعة، و هذا يعني أنّها مجعولة بنحو الاستقلال عن الأحكام التكليفيّة.

فمثلا قوله: (الناس مسلّطون على أموالهم) يستفاد منه ترتيب حرمة تصرّف الغير بأموال الناس و سلطنة الناس على أموالهم و تصرّفهم بها كيفما شاءوا، و هذان الحكمان ينتزعان من فرض وجود الملكيّة في مرحلة سابقة؛ و إلا لم يجز تصرّفهم أو لم يحرم تصرف غيرهم ما داموا ليسوا مالكين لها. و جواز الاستمتاع مترتّب و متفرّع من وجود علاقة الزوجيّة في مرتبة سابقة، و ليست الزوجيّة منتزعة من جواز الاستمتاع للزوج.

و عليه، فبمجرّد إيقاع عقد الزواج أو عقد البيع تتحقّق الملكيّة و الزوجيّة و إن لم يفرض وجود أي نوع من الأحكام التكليفيّة فيما بعد، و يدلّ على صحّة ذلك كونهما موجودين عند العرف و العقلاء جميعا. و لو كانتا منتزعتين من الأحكام التكليفيّة لم يصحّ تحقّقهما من دون فرض الأحكام التكليفيّة.

51

فإن لم يترتّب عليها الحكم التكليفي المقصود، كجواز التصرّف في ماله و سلطته عليه و حرمة ذلك على الغير لا يكون هناك أثر و لا فائدة من الجعل الاستقلالي المذكور و لا قيمة له؛ إذ ما لم يكن هناك أحكام تكليفيّة على هذا الموضوع فما هو الداعي و الغرض من جعله موضوعا بالجعل الاستقلالي؟! و ليس هو إلا عبثا و لغوا.

و إن كان هناك أحكام تكليفيّة فوقيّة على هذا الجعل الاستقلالي لم نكن بحاجة إلى مثل هذا الجعل أيضا؛ و ذلك لأنّه بالإمكان أن يجعل الشارع ابتداء مثل هذه الأحكام التكليفيّة بالجعل الاستقلالي من دون جعل الأحكام الوضعيّة. نعم، تكون هذه الأحكام الوضعيّة منتزعة منها، و هذا معناه أنّ الجعل الاستقلالي لا طائل تحته و لا فائدة منه ما دام بالإمكان وجود تلك الأحكام التكليفيّة بمعزل عنها، ففرضها موضوعا يمكن الاستغناء عنه بالجعل الابتدائي للأحكام التكليفيّة.

و على كلا التقديرين لا يكون هناك معنى و لا فائدة لجعل الأحكام الوضعيّة، بل بالإمكان جعل الحكم التكليفي ابتداء على نفس الموضوع الذي يفترض جعل الحكم الوضعي عليه، فيمكن للشارع أن يرتّب حقّ الاستمتاع و التمكين على نفس عنواني الزوج و المرأة من دون توسّط عنوان الزوجيّة، و يمكنه أيضا أن يحكم بأنّ الماء الملاقي للنجاسة يحرم شربه من دون توسّط كونه نجسا، و هكذا.

و الجواب على هذه الشبهة: أنّ الأحكام الوضعيّة التي تعود إلى القسم الأوّل اعتبارات ذات جذور عقلائيّة، الغرض من جعلها تنظيم الأحكام التكليفيّة و تسهيل صياغتها التشريعيّة، فلا تكون لغوا.

إنّ الأحكام الوضعيّة المذكورة كالملكيّة و الزوجيّة من الأمور العقلائيّة العرفيّة المرتكزة عندهم و التي يسيرون عليها بفطرتهم أو ببنائهم العرفي، و لذلك أصبح لهذه الأحكام الوضعيّة تأصّلا و تجذّرا و ارتكازا عندهم. و على هذا فالشارع عند ما أمضى هذه البناءات العقلائيّة كان الغرض من إمضائها و جعلها استقلالا أحد أمرين أو مجموعهما:

الأوّل: تنظيم الأحكام التكليفيّة حيث إنّ الأحكام الوضعيّة تكون محتوية و جامعة لعدد كبير من الأحكام التكليفيّة، فبدلا من الإتيان بكلّ هذه الأحكام التكليفيّة في‏

52

كلّ مرحلة يمكنه الإتيان بهذا الحكم الوضعي الشامل لها جميعا. و هذا الأمر مستحسن عقلا، و فيه فائدة و له أثر عملي و ليس لغوا.

الثاني: تسهيل صياغة الأحكام التشريعيّة؛ لأنّها مترتّبة على موضوعها و هو الحكم الوضعي، فتوجد حيثما وجد من دون حاجة إلى إيجادها بجعل آخر جديد. فهذه الطريقة توفّر كثيرا من الجعولات و لذلك فلها فائدة عظيمة فليست لغوا.

53

شمول الحكم للعالم و الجاهل‏

54

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}