شرح الحلقة الثالثة - ج4

- الشيخ حسن الفياض العاملي المزيد...
429 /
5

[الأصول العملية]

[تمهيد]

خصائص الأصول العمليّة

6

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

7

خصائص الأصول العمليّة عرفنا فيما تقدّم‏

(1)

أنّ الأصول العمليّة نوع من الأحكام الظاهريّة الطريقيّة المجعولة بداعي تنجيز الأحكام الشرعيّة أو التعذير عنها، و هو نوع متميّز عن الأحكام الظاهريّة في باب الأمارات، و قد ميّز بينهما بعدّة وجوه:

تقدّم سابقا أنّ الأحكام الظاهريّة تصدر من الشارع عند التزاحم الحفظي بين الملاكات الواقعيّة للأحكام؛ لبيان ما هو الأهمّ من هذه الملاكات عند عدم تمييز المكلّف لها، و قلنا: إنّها على قسمين: الأمارات و الأصول.

و تقدّم أيضا أنّ الأحكام الظاهريّة كلّها أحكام طريقيّة يراد بها التوصّل للحكم الواقعي، فهي لا تشتمل على مبادئ و ملاكات زائدة عن ملاكات و مبادئ الأحكام الواقعيّة، بل هي إبراز لما هو الأهمّ من ملاكات الواقع بداعي تنجيزها إذا كانت ملاكات الإلزام هي الأهمّ، أو التعذير عنها إن كانت ملاكات الإباحة هي الأهمّ.

إلا أنّ الحكم الظاهري المجعول في باب الأمارات يختلف عنه في باب الأصول و إن اتّحدا في كونهما حكما ظاهريّا، و أمّا حقيقة كلّ منهما و تمييز أحدهما عن الآخر فهذا ما سوف نبحث فيه الآن.

و لذلك نقول: اختلفت كلماتهم في الفرق بين الأمارات و الأصول على أقوال:

الأوّل: أنّ الفرق بينهما ينشأ من اختلافهما في سنخ المجعول في دليل حجّيّة الأمارة و دليل الأصل، فالمجعول في الأوّل الطريقيّة مثلا، و في الثاني الوظيفة العمليّة أو التنزيل منزلة اليقين بلحاظ الجري العملي بدون تضمّن لجعل الطريقيّة.

الاتّجاه الأوّل: ذكرت مدرسة الميرزا تبعا للشيخ الأنصاري أنّ الفارق بين الأمارات‏

____________

(1) في بحث الحكم الواقعي و الظاهري من أبحاث التمهيد من الجزء الأوّل للحلقة الثالثة، تحت عنوان: الأمارات و الأصول.

8

و الأصول ينشأ من نوعيّة و سنخ المجعول في كلّ منهما، و ذلك بأن يقال: إنّ المجعول في باب الأمارات هو الطريقيّة و العمليّة و الكاشفيّة، أي أنّ الشارع نزّل الأمارة منزلة العلم في الكاشفيّة و الطريقيّة، فهي و إن كانت كاشفيّتها و طريقيّتها ناقصة تكوينا، إلا أنّ الشارع بجعله الحجّيّة لها تمّم هذا الكشف، كما هو الحال في خبر الثقة مثلا.

بينما المجعول في باب الأصول أحد أمرين:

1- أن يكون المجعول تحديد الوظيفة العمليّة فقط في مقام الشكّ من دون أن يكون هناك أيّة كاشفيّة أو تنزيل، و إنّما يلحظ الشكّ فقط و يعالجه، كما هو الحال في الأصول العمليّة المحضة، كالبراءة و الاحتياط، فإنّ المجعول في الأوّل المعذّريّة و في الثاني المنجّزيّة عن المورد المشكوك من دون أن يكون فيهما كاشفيّة أو تنزيل أصلا.

2- أن يكون المجعول التنزيل أي أنّ الشارع ينزّل الأصل منزلة اليقين بلحاظ الجري العملي فقط الذي هو الخصوصيّة الثالثة لليقين، بناء على تقسيمات الميرزا و تصوّراته، فهذا النحو من الأصول العمليّة قد لوحظ فيه أن يكون باعثا و محرّكا تماما كاليقين، كما هو الحال في الاستصحاب حيث يقال: إنّ الشارع قد نزّل مؤدّى الاستصحاب أي الحكم المستصحب منزلة اليقين، فكأنّ الحكم ثابت واقعا، و هو يستدعي الجري العملي على طبقه.

و قد تقدّم الكلام عن ذلك، و مرّ بنا أنّ هذا ليس هو الفرق الحقيقي.

و حاصل فذلكة الموقف: أنّه لم يرد عنوانا (الأمارة) و (الأصل) في دليل ليتكلّم عن تمييز أحدهما عن الآخر بأي نحو اتّفق، و إنّما نعبّر بالأمارة عن تلك الحجّة التي لها آثارها المعهودة بما فيها إثباتها للأحكام الشرعيّة المترتّبة على اللوازم العقليّة لمؤدّاها، و نعبّر بالأصل عن ذلك الحكم الظاهري الذي ليس له تلك الآثار.

و قد عرفنا سابقا أنّ مجرّد كون المجعول في دليل الحجّيّة الطريقيّة لا يفي بإثبات تلك الآثار للأمارة.

و يرد عليه: أنّ هذا الفرق بينهما لا ينظر إلى حقيقة الأمارة و الأصل، و إنّما ينظر إلى كيفيّة صياغة الحكم الظاهري في موارد الأمارة و الأصل فقط، مع أنّه لا شكّ بوجود فارق جوهري و ثبوتي يختلف على أساسه الأصل عن الأمارة، سواء كان لسان جعله‏

9

عنوان الجري العملي و تحديد الوظيفة العمليّة، أم كان بلسان الطريقيّة و الكاشفيّة، فإنّ هذه مجرّد صياغات اعتباريّة.

و الحاصل أنّ عنواني الأمارة و الأصل لو كانا واردين في دليل شرعي- كالأخبار- كان لهذه التفرقة وجه؛ لأنّ الشارع يكون على هذا الأساس قد فرّق بينهما في الواقع و أنّه يوجد ملاك واقعي للفرق بينهما، فيكون ما ذكره الميرزا من الفارق الظاهري صحيحا؛ لأنّه لا يطالب بالكشف عن الفارق الثبوتي ما دام الشارع قد قال بوجوده واقعا. إلا أنّهما لم يردا في الأخبار كذلك، و عليه فلا مبرّر للتفرقة بينهما بأي نحو اتّفق.

و إنّما عنوانا الأمارة و الأصل من المصطلحات الأصوليّة للتعبير عن نحوين من الحكم الظاهري فيقال: إنّ الحكم الظاهري الذي يثبت به المدلول الالتزامي بحيث تترتّب الأحكام الشرعيّة على لوازمه الشرعيّة و العقليّة يعبّر عنه بالأمارة، بينما الحكم الظاهري الذي لا يثبت به إلا المدلول المطابقي فقط أو هو مع المدلول الالتزامي الشرعي دون العقلي يعبّر عنه بالأصل.

و من هنا ارتكز عندهم أنّ مثبتات الأمارة حجّة سواء كانت هذه اللوازم شرعيّة أم عقليّة، بينما مثبتات الأصل ليست حجّة إلا إذا كانت اللوازم شرعيّة فقط.

و حينئذ يبحث عن حقيقة المجعول في الأمارة و الأصل من أجل بيان النكتة الثبوتيّة في كلّ منهما و التي على أساسها حصل هذا الاختلاف، فالبحث ينبغي أن ينصبّ حول هذا الفارق الثبوتي و الذي هو من المخترعات الأصوليّة.

و قد تقدّم أنّ مجرّد كون المجعول في الأمارة الطريقيّة و الكاشفيّة و العمليّة دون الأصل لا يكفي لتبرير حجّيّة مثبتات الأمارة دون الأصل؛ و ذلك لأنّ هذه التفرقة لا تنظر إلى النكتة الثبوتيّة، و إنّما هي مجرّد صياغة إثباتيّة فقط.

و عليه فلو كان الأصل مجعولا بلسان الطريقيّة و الكاشفيّة أيضا لم تكن مثبتاته حجّة، بينما تكون مثبتات الأمارة حجّة حتّى لو كانت مجعولة بلسان الجري العملي و تحديد الوظيفة العمليّة، و هذا يعني أنّ الفارق أعمق من ذلك.

الثاني: أنّ الفرق بينهما ينشأ من أخذ الشكّ موضوعا للأصل العملي، و عدم أخذه كذلك في موضوع الحجّيّة المجعولة للأمارة.

10

و هذا الفرق مضافا إلى أنّه لا يفي بالمقصود غير معقول في نفسه؛ لأنّ الحجّيّة حكم ظاهري، فإن لم يكن الشكّ مأخوذا في موضوعها عند جعلها لزم إطلاقها لحالة العلم، و جعل الأمارة حجّة على العالم غير معقول.

و من هنا قيل بأنّ الشكّ مأخوذ في حجّيّة الأمارة موردا لا موضوعا، غير أنّنا لا نتعقّل بحسب عالم الجعل و مقام الثبوت نحوين من الأخذ.

الاتّجاه الثاني: في بيان الفرق بين الأمارة و الأصل ما يقال: من أنّ الشكّ قد أخذ في موضوع الأصل، بينما لم يؤخذ في موضوع الأمارة، فالفرق نشأ من هذه الجهة.

فمثلا البراءة و الاحتياط أخذ في موضوعهما الشكّ في التكليف أو الشكّ في المكلّف به، بينما خبر الثقة مثلا لم يؤخذ في موضوعه الشكّ.

و فيه أوّلا: أنّه لا يفي بالمقصود من التفرقة بين الأمارة و الأصل من حيث حجّيّة مثبتات الأمارة و لوازمها الشرعيّة و العقليّة و عدم حجّيّة اللوازم العقليّة للأصل؛ و ذلك لأنّه لا يكشف عن النكتة الثبوتيّة التي على أساسها حصل هذا الاختلاف، إذ مجرّد كون الشكّ مأخوذا في الأصل دون الأمارة ليس إلا صياغة اعتباريّة فقط؛ لأنّه لو فرض عدم أخذ الشكّ في موضوع الأصل مع ذلك لم تكن لوازمه العقليّة حجّة، و لو فرض أخذ الشكّ في موضوع الأمارة كانت لوازمها حجّة أيضا.

و ثانيا: أنّ أخذ الشكّ و عدمه غير معقول في نفسه؛ و ذلك لأنّ الحجّيّة المجعولة في الأمارات و الأصول حكم ظاهري، غايته إثبات التنجيز أو التعذير عن الحكم الواقعي، فلو لم يؤخذ الشكّ في موضوعه كما هو المدّعى في الأمارات لزم إطلاقها.

و هذا يعني أنّ الأمارة حجّة حتّى على العالم بالحكم الشرعي الواقعي، و من الواضح أنّ جعل الأمارة حجّة على العالم بالحكم غير معقول في نفسه؛ لأنّ هذه الأمارة إن كانت موافقة بحسب مؤدّاها للمعلوم كانت الحجّيّة للعلم فجعلها كذلك للأمارة لغو؛ لأنّه تحصيل للحاصل؛ لأنّ معناها أنّ من تنجّز عليه التكليف فهو منجّز عليه، و إن كانت مخالفة للمعلوم و مع ذلك كانت حجّة فلازمه كون الأمارة رادعة عن العمل بالعلم، و الردع عن العمل بالعلم مستحيل؛ لأنّ حجّيّة العلم يستحيل جعلها و يستحيل رفعها، كما تقدّم.

11

و من هنا لم يكن هناك معنى للتفرقة بين الأمارة و الأصل بأخذ الشكّ و عدمه، إذ لا يمكن تعقّل ذلك في نفسه.

فإن قيل: بأنّ الشكّ مأخوذ في الأصل موضوعا بينما الشكّ مأخوذ في الأمارة موردا لا موضوعا، بمعنى أنّ الشكّ مأخوذ في الأمارات و الأصول من حيث المورد و الظرف؛ لأنّهما حكم ظاهري و هو مجعول في مقام الشكّ في الحكم الواقعي غير أنّ الشكّ مأخوذ في موضوع الأصل أيضا دون الأمارة.

كان الجواب: أنّ هذا- لو سلّم- فهو يتخلّص من الاعتراض السابق، إلا أنّه مع ذلك ليس صحيحا؛ لأنّ الحكم الظاهري الذي يجعله الشارع إمّا أن يكون قد لوحظ فيه الشكّ أو لا.

فإن كان الشكّ ملحوظا فيه كان معناه أنّ الشكّ موضوع للحكم الظاهري سواء في ذلك الأمارة و الأصل؛ لأنّ معنى لحاظه كونه قيدا.

و إن لم يكن الشكّ ملحوظا من قبل الشارع كان الحكم الظاهري مطلقا سواء في ذلك الأمارة و الأصل، و إطلاقه يعني شموله لحالة العلم فيأتي الإشكال السابق.

و بتعبير آخر: أنّ الحكم الظاهري نوع واحد في عالم الجعل و الثبوت الذي هو عالم التشريع و لحاظ الحكم و الموضوع، و هذا النوع الواحد إمّا أن يلاحظ فيه الشكّ أو لا، فإن لوحظ كان مقيّدا و إن لم يلاحظ كان مطلقا، و لا يمكن فرض نوعين من الحكم الظاهري في مقام الجعل و الثبوت أحدهما أخذ و لوحظ فيه الشكّ دون الآخر.

نعم، يمكن فرض ذلك في عالم الإثبات و الصياغة الاعتباريّة كما هو مفاد الاتّجاه الثالث، فيأتي فيه الإشكال الذي سنورده عليه.

الثالث: أنّ الفرق بينهما ينشأ من ناحية أخذ الشكّ في لسان دليل الأصل، و عدم أخذه في لسان دليل حجّيّة الأمارة، بعد الفراغ عن كونه مأخوذا في موضوعهما ثبوتا معا.

و هذا الفرق لا يفي أيضا بالمقصود. نعم، قد يثمر في تقديم دليل الأمارة على دليل الأصل بالحكومة.

هذا، مضافا إلى كونه اتّفاقيا، فقد يتّفق أخذ عدم العلم في موضوع دليل‏

12

الحجّيّة كما لو بني على ثبوت حجيّة الخبر بقوله تعالى:

(فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ‏

(فهل يقال بأنّ الخبر يكون أصلا حينئذ؟!

الاتّجاه الثالث: يذهب إلى التفرقة بين الأمارة و الأصل على أساس ما هو المأخوذ في دليل حجّيّة كلّ منهما.

فإن كان المأخوذ في لسان الدليل الشكّ كان الحكم الظاهري أصلا، و إن لم يكن الشكّ مأخوذا في لسان الدليل كان أمارة، فالأصل هو ما أخذ الشكّ موضوعا في لسان دليله بينما الأمارة لم يكن الشكّ مأخوذا في لسان دليلها، هذا في مرحلة الإثبات و الصياغة.

و أمّا في مرحلة الثبوت و مقام الجعل و التشريع فلا فرق بين الأمارة و الأصل في كون الشكّ مأخوذا في موضوعهما معا؛ لأنّ الحكم الظاهري موضوعه الشكّ في الحكم الواقعي، فلا فرق بينهما من هذه الجهة.

و يرد على هذا الاتّجاه، أوّلا: أنّه لا يفي بما تقدّم من كون مثبتات الأمارة و لوازمها العقليّة حجّة دون الأصل؛ لأنّه مجرّد صياغة إثباتيّة و لا يبرز النكتة الثبوتيّة التي على أساسها حصل هذا الاختلاف.

نعم، لعلّ هذه التفرقة تنفع في حلّ مشكلة تقدّم الأمارات على الأصول بالحكومة، و ذلك بأن يقال: إنّ الحكومة التي هي نوع من التخصيص و التقييد و لكن بلسان رفع الموضوع إنّما تجري بين الدليلين اللفظيّين؛ لأنّ القرينة من شئون الألفاظ، و حيث إنّ هذا الاتّجاه يفرّق بين الأمارة و الأصل بلحاظ عالم الصياغة و الدليل، فهو ناظر إلى كيفيّة صياغة الدليل لفظا من كون الشكّ موجودا في موضوع دليل الأصل دون الأمارة.

و على هذا يقال: إنّ الأمارة حيث لم يؤخذ في موضوع دليلها الشكّ فهي مطلقة من هذه الناحية إثباتا لا ثبوتا، و مفادها جعل العمليّة و الطريقيّة و الكاشفيّة لكلّ ما ليس بعلم، فتشمل موارد الأصل أيضا، فإذا كان هناك أمارة في مورد الأصل تقدّمت عليه؛ لأنّها ترفع موضوعه بجعل العمليّة للمورد الذي قامت عليه، و بالتالي يرتفع الشكّ تعبّدا فلا يجري الأصل.

و ثانيا: أنّ هذه التفرقة ليست تامّة في تمام الموارد، بل هي مجرّد اتّفاق محض؛

13

و ذلك لأنّه إذا اتّفق و جعل الدليل خاليا من الشكّ كان أمارة، و أمّا إذا كان الشكّ مأخوذا في الدليل كان أصلا، و هذا قد يتّفق في بعض الحجج و الأمارات كخبر الثقة حيث إنّ بعض أدلّته كآية: (النبأ) و (النفر) لم يؤخذ في لسانها الشكّ فيكون الخبر أمارة، بينما بعض أدلّته الأخرى كآية: (السؤال) أخذ في لسانها الشكّ فيكون من ناحيتها أصلا، فهل يلتزم بكونه أصلا مع ذلك أو كونه أصلا و أمارة في آن واحد؟!

الرابع: ما حقّقناه في الجزء السابق‏

(1)

من أنّ الأصل العملي حكم ظاهري لوحظت فيه أهمّيّة المحتمل عند التزاحم بين الملاكات الواقعيّة في مقام الحفظ التشريعي عند الاختلاط و الاشتباه، بينما لوحظت في أدلّة الحجّيّة الأهمّيّة الناشئة من قوّة الاحتمال محضا.

و قد عرفنا سابقا أنّ هذه النكتة تفي بتفسير ما تتميّز به الأمارة على الأصل من حجّيّة مثبتاتها.

الاتّجاه الرابع: ما هو الصحيح و المختار من أنّ الشارع عند ما يجعل الحكم الظاهري في مقام الشكّ و الاشتباه بين التكاليف لدى المكلّف، تارة يجعله بلحاظ أهمّيّة المحتمل، و أخرى بلحاظ أهمّيّة الاحتمال، و ثالثة بلحاظ الاحتمال و المحتمل معا.

فإذا لوحظت في الحكم الظاهري أهمّيّة المحتمل أي نوعيّة الحكم المنكشف في هذا الحكم كان أصلا عمليّا، فمثلا البراءة و الاحتياط لوحظت فيهما قوّة المحتمل من نفي التكليف و المعذّريّة في البراءة، و من أهمّيّة الإلزام في الاحتياط و ذلك عند الاختلاط و الاشتباه و التزاحم الحفظي بين الملاكات الواقعيّة و عدم تمييز المكلّف لها.

و إذا لوحظت أهمّيّة الاحتمال أي قوّة الكاشف كان الحكم الظاهري أمارة، كخبر الثقة مثلا فإنّ الملاحظ فيه قوّة الكاشفيّة في الخبر الذي يأتي به الثقة بقطع النظر عن نوعيّة المحتمل و الحكم الذي يحكي عنه.

و إذا لوحظت قوّة الاحتمال و المحتمل معا كان أصلا تنزيليّا أو أصلا محرزا، كما هو الحال في الاستصحاب حيث لوحظ فيه قوّة الكاشفيّة الناشئة من غلبة أنّ ما يوجد يبقى، و لوحظ فيه قوّة المحتمل أيضا من توفّر أركان الاستصحاب في القضيّة المستصحبة.

____________

(1) في بحث الحكم الواقعي و الظاهري من أبحاث التمهيد تحت عنوان: الأمارات و الأصول.

14

و على هذا الأساس يمكننا أن نفسّر ما هو المرتكز عند الأصوليّين من تقديم الأمارات على الأصول، و من كون مثبتات الأمارة و لوازمها حجّة دون الأصل، و ذلك على أساس أنّ الكاشفيّة الموجودة في الأمارة نسبتها إلى المدلول المطابقي و المدلول الالتزامي على حدّ واحد، فهي كما تكشف عن المؤدّى تكشف عن كلّ لوازمها بنسبة واحدة، فحينما تجعل الحجّيّة لها على أساس قوّة الكاشفيّة فهذا يعني أنّ الحجّيّة ثابتة للمدلولين معا.

بينما في الأصل لم يلحظ إلا أنّ هذا الحكم الذي يحكي عنه الأصل ثابت، و أمّا لوازمه و مثبتاته فلم تجعل لها الحجّيّة؛ لعدم نظر دليل الحجّيّة؛ إليها، و معه يمكن للشارع أن يتعبّد بالمدلول المطابقي دون المدلول الالتزامي ظاهرا و إن كانا متلازمين واقعا.

و على هذا الأساس أيضا تتقدّم الأمارة على الأصل؛ لأنّها أخصّ من الأصل و نصّ في موردها، فتقدّم بنكتة الأخصّيّة و النصّيّة على ما سوف يأتي تحقيقه في بحث التعارض.

***

15

الأصول العمليّة الشرعيّة و العقليّة

16

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

17

الأصول العمليّة الشرعيّة و العقليّة و تنقسم الأصول العمليّة إلى شرعيّة و عقليّة.

فالشرعيّة هي ما كنّا نقصده آنفا، و مردّها إلى أحكام ظاهريّة شرعيّة نشأت من ملاحظة أهمّيّة المحتمل.

و العقليّة وظائف عمليّة عقليّة، و مردّها في الحقيقة إلى حقّ الطاعة إثباتا و نفيا، فحكم العقل مثلا بأنّ (الشغل اليقيني يستدعي الفراغ اليقيني) مرجعه إلى أنّ حقّ الطاعة للمولى الذي يستقلّ به العقل إنّما هو حقّ الطاعة القطعيّة، فلا تفي الطاعة الاحتماليّة بحقّ المولى. و حكم العقل بقاعدة قبح العقاب بلا بيان- على مسلك المشهور- مرجعه إلى تحديد دائرة حقّ الطاعة في التكاليف المعلومة خاصّة، بينما يرجع حكم العقل بمنجّزيّة التكاليف المحتملة عندنا إلى توسعة دائرة حقّ الطاعة، و هكذا.

تنقسم الأصول العمليّة إلى قسمين:

أحدهما: الأصول العمليّة الشرعيّة

و هي الأحكام الظاهريّة المجعولة بلحاظ أهمّيّة المحتمل و نوعيّة الحكم كالاحتياط و البراءة، فإنّها أصول عمليّة جعلها الشارع لتحديد الموقف العملي و الوظيفة عند الشكّ و الاشتباه أو المجعولة بلحاظ أهمّيّة الاحتمال و المحتمل معا، من قبيل الاستصحاب فإنّه أصل عملي محرز أو تنزيلي مجعول شرعا، فهذه الأصول كلّها تعبّدات محضة أنشأها الشارع.

الثاني: الأصول العمليّة العقليّة

و هي الأحكام التي يدركها العقل العملي، فيحكم بأنّ هذا ما ينبغي أن يكون عند الشكّ البدوي في الحكم الشرعي، أو عند الشكّ المقترن بالعلم الإجمالي، فالعقل هو الذي يحدّد وظيفة المكلّف العمليّة في مثل هذه الموارد.

18

و الملاك الكلّي في هذه الأصول العقليّة واحد، و هو تحديد دائرة حقّ الطاعة الثابتة للمولى عقلا، و أنّ حقّ الطاعة هل يثبت في هذا المورد أم لا؟

و من أمثلة هذه الأصول العقليّة:

أوّلا: قاعدة الاشتغال اليقيني التي تجري في الشبهات الموضوعيّة عند الشكّ في المكلّف به، فهذه القاعدة مرجعها في الحقيقة إلى تحديد دائرة حقّ الطاعة، و أنّ هذه الدائرة هل تختصّ بالامتثال اليقيني فقط أو تشمل الامتثال الاحتمالي أيضا؟ فيقال:

إنّ حقّ الطاعة الثابت للمولى لا يكفي فيه الامتثال و الطاعة الاحتماليّة، بل لا بدّ من الامتثال اليقيني؛ لكي يعلم بفراغ الذمّة و خروجها عن عهدة حقّ الطاعة، و أمّا الطاعة الاحتماليّة فلا تفي بفراغ الذمّة و خروجها يقينا عن العهدة و حقّ الطاعة.

و ثانيا: قاعدة البراءة العقليّة على مسلك المشهور، حيث ذهبوا إلى أنّ العقل يحكم في موارد الشبهات الحكميّة البدويّة بالبراءة و التأمين، فإنّ هذه القاعدة مرجعها في الحقيقة إلى أنّ دائرة حقّ الطاعة لا تشمل إلا التكاليف المقطوعة أي المعلومة يقينا، و أمّا التكاليف المظنونة و المشكوكة و المحتملة فهي ليست موردا لحقّ الطاعة.

و ثالثا: قاعدة الاحتياط العقلي في موارد الشبهات الحكميّة على المسلك المختار، فإنّها حكم عقلي مرجعها إلى أنّ دائرة حقّ الطاعة الثابتة للمولى تشمل كلّ انكشاف للتكليف، سواء كان بنحو قطعي أم ظنّي أم كان احتمالا فقط.

و هكذا البحث في سائر الأصول العمليّة العقليّة كالاحتياط في الشبهات المقرونة بالعلم الإجمالي، فإنّ العقل يحكم بلزوم الموافقة القطعيّة و حرمة المخالفة القطعيّة فيها، و ليس ذلك إلا لأنّ دائرة حقّ الطاعة تشمل كلّ انكشاف للتكليف الأعمّ من القطعي و غيره.

و كذا قاعدة التنجيز العقلي في موارد التعارض أو الدوران بين المتباينين، فإنّ مردّها إلى دائرة حقّ الطاعة أيضا.

و بهذا يظهر أنّ الأصول العمليّة العقليّة من المدركات العقليّة التي يستقلّ العقل بها في موارد الشكّ في الحكم الشرعيّ، و التي مرجعها إلى حقّ الطاعة سعة و ضيقا.

و للقسمين مميّزات يمكن ذكر جملة منها فيما يلي:

أوّلا: أنّ الأصول العمليّة الشرعيّة أحكام شرعيّة، و الأصول العمليّة العقليّة

19

ترجع إلى مدركات العقل العملي فيما يرتبط بحقّ الطاعة.

ثمّ إنّه توجد

فوارق نظريّة و عمليّة بين الأصول العمليّة الشرعيّة و العقليّة،

نذكر منها ما يلي:

أوّلا: أنّ الأصول العمليّة الشرعيّة مرجعها إلى حكم الشارع‏

فلا بدّ أن تكون صادرة من الشارع؛ لأنّه هو الذي يحدّد هذه الوظائف التي يرجع إليها المكلّف عند الشكّ في التكليف، فمدركها الآيات و الروايات أو الإجماع أو السيرة.

بينما الأصول العمليّة العقليّة مرجعها إلى حكم العقل العملي بأنّ هذا ما ينبغي أن يوجد و يكون، أي أنّ العقل يستقلّ بالحكم في تحديد الوظيفة العمليّة للمكلّف الشاكّ في التكليف، و هذا الحكم العقلي أساسه الذي يستند عليه هو دائرة حقّ الطاعة سعة و ضيقا و إثباتا و نفيا.

و هذا فارق نظري بين القسمين.

ثانيا: أنه ليس من الضروري أن يوجد أصل عملي شرعي في كلّ مورد، و إنّما هو تابع لدليله، فقد يوكل الشارع أمر تحديد الوظيفة العمليّة للشاكّ إلى عقله العملي، و هذا خلافا للأصل العملي العقلي، فإنّه لا بدّ من افتراضه بوجه في كلّ واقعة من وقائع الشكّ في حدّ نفسها.

ثانيا: أنّ الأصول العمليّة الشرعيّة ليس من الضروري وجودها في كلّ مورد مشكوك؛

و ذلك لأنّها أحكام شرعيّة مجعولة من قبل الشارع، و عليه فيمكن للشارع أن يجعل حكما شرعيّا فيحدّد على أساسه الوظيفة العمليّة للشاكّ في هذه الواقعة، و يمكنه ألّا يتدخّل مباشرة و ذلك بأن يوكل أمر تحديد الوظيفة العمليّة إلى حكم العقل، فلذلك يكون جعلها ممكنا كعدم جعلها أيضا.

و أمّا الأصول العمليّة العقليّة فمن الضروري أن تكون موجودة في كلّ واقعة من الوقائع المشكوكة سواء منها البدويّة أم المقرونة بالعلم الاجمالي؛ و ذلك لأنّها من مدركات العقل العملي المستقلّ بأنّ هذا ما ينبغي أن يوجد و يكون، ففي كلّ واقعة يحكم العقل إمّا بلزوم الامتثال و الإطاعة و إمّا بالتأمين و المعذّريّة، و إمّا بالتخيير و لا تخلو واقعة من أحد هذه الأحكام العقليّة.

ثمّ إنّ هذا الحكم العقلي قد يبقى بأن يصدر من الشارع حكما مؤيّدا و مرشدا

20

لحكم العقل، أو يسكت عنه كذلك، أو يصدر من الشارع ما يخالف حكم العقل هذا، و في هذه الحالة يستحيل أن يكون حكم العقل قطعيّا؛ لأنّه لا يمكن أن يصدر من الشارع ما يخالف أحكام العقل القطعيّة، بل يكون ظنّيّا، و حينئذ يكون صدور الحكم الشرعي متقدّما على حكم العقل الظنّي؛ لأنّه يكون إرشادا إلى عدم حجّيّة مثل هذا الحكم.

ثالثا: أنّ الأصول العمليّة العقليّة قد تردّ إلى أصلين؛ لأنّ العقل إن أدرك شمول حقّ الطاعة للواقعة المشكوكة حكم بأصالة الاشتغال، و إن أدرك عدم الشمول حكم بالبراءة، و لكن قد يفرض أصل عملي عقلي ثالث و هو أصالة التخيير في موارد دوران الأمر بين المحذورين.

ثالثا: أنّ الأصول العمليّة العقليّة يمكن إرجاعها إلى أصلين فقط،

و ذلك بأن يقال:

إنّ الأصول العقليّة مرجعها إلى تحديد دائرة حقّ الطاعة سعة و ضيقا أو إثباتا و نفيا، و حينئذ نقول: إنّ العقل تارة يدرك أنّ حقّ الطاعة منتف في هذه الواقعة المشكوكة فيحكم بالبراءة و التأمين، و ليس هناك شي‏ء آخر، فمثلا إذا كانت الشبهة بدويّة حكم العقل بالتأمين بناء على مسلك المشهور باعتبار أنّ حقّ الطاعة مختصّ بالتكاليف الثابتة بالقطع فقط، و أخرى يدرك ثبوت حقّ الطاعة فيحكم بالتنجيز كما إذا كانت الشبهة مقرونة بالعلم الإجمالي، فإنّه يحكم بالاحتياط و وجوب الموافقة القطعيّة فيكون حقّ الطاعة أوسع من العلم التفصيلي و العلم الإجمالي.

ثمّ إنّه قد يفرض وجود أصل عملي عقلي ثالث، و هو أصالة التخيير و ذلك فيما إذا كانت الواقعة المشكوكة يدور أمرها بين محذورين كالوجوب و الحرمة، فإنّ العقل لا يحكم بالاحتياط إذ يستحيل الجمع بين المحذورين معا؛ لأنّه من اجتماع الضدّين معا على موضوع واحد، و لا يحكم بالبراءة؛ لأنّ المكلّف عمليّا إمّا أن يفعل أو يترك، فلا يمكن التأمين عنهما معا لثبوت أحدهما واقعا فيلزم الوقوع في المخالفة القطعيّة و لو التزاما كما سيأتي في محلّه، فحينئذ يحكم بالتخيير.

و قد يعترض على افتراض هذا الأصل: بأنّ التخيير إن أريد به دخول التكليف في العهدة و اشتغال الذمّة و لكن على وجه التخيير فهو غير معقول؛ لأنّ الجامع بين الفعل و الترك في موارد الدوران بين المحذورين ضروري الوقوع، و إن أريد به‏

21

أنّه لا يلزم المكلّف عقلا بفعل و لا ترك و لا يدخل شي‏ء في عهدته فهذا عين البراءة.

و سيأتي‏

(1)

تفصيل الكلام حول ذلك في بحث دوران الأمر بين المحذورين إن شاء الله تعالى.

إشكال و جوابه:

إلا أنّ هذا الأصل العملي الثالث وجّه إليه اعتراضات منها هذا الاعتراض و حاصله: أنّ التخيير المفترض في موارد دوران الأمر بين المحذورين ما ذا يراد به؟

فإن أريد به كون التكليف داخلا في العهدة و الذمّة على نحو التخيير- بمعنى أنّ المكلّف يجب عليه تكليف ما في هذه الواقعة التي يدور أمرها بين الوجوب و الحرمة، فجامع التكليف داخل في العهدة، و الذمّة مشتغلة به إلا أنّ المكلّف مخيّر بينهما في مقام الامتثال فله أن يختار الحرمة أو الوجوب- فهذا غير معقول؛ و ذلك لأنّ الجامع بين الفعل و الترك و الذي يدخل في العهدة ضروري الوقوع؛ و ذلك لأنّ المورد يدور بين المحذورين فالمكلّف إمّا فاعل أو تارك لا محالة، و حينئذ لا نحتاج إلى الحكم بالتخيير؛ إذ لا فائدة منه عمليّا فيكون مثل هذا الأصل العقلي لغوا؛ لأنّه تحصيل للحاصل.

و إن أريد به كون المكلّف غير ملزم بشي‏ء من هذين التكليفين أي أنّه لا يدخل في عهدته و لا تشتغل ذمّته بشي‏ء منهما لا بنحو التفصيل و لا بنحو الجامع، فهذا عين البراءة؛ لأنّ البراءة معناها التأمين عن التكليف المشكوك، و حينئذ يلغي جعل التخيير؛ لأنّ البراءة تفي بالمقصود منه.

و بهذا يتّضح أنّه لا يوجد معنى محصّل للتخيير العقلي في هذا المورد.

و الجواب عنه سيأتي مفصّلا عند الكلام عن دوران الأمر بين المحذورين، و حاصله:

أنّ المراد من البراءة التأمين عن التكليف المشكوك في موارد الشبهات البدويّة، و أمّا الشبهات المقرونة بالعلم الإجمالي فلا تجري فيها البراءة للعلم بأصل التكليف و الذي يعتبر بيانا إجماليّا، و لذلك لا يمكن إجراء البراءة هنا ما دام العلم الإجمالي بالجامع موجودا، و إنّما تجري أصالة التخيير العقلي و التي نتيجتها عمليّا كالبراءة.

____________

(1) في البحث الثالث من أبحاث الوظيفة العمليّة في حالة الشكّ، تحت عنوان الوظيفة عند الشكّ في الوجوب و الحرمة معا.

22

و أمّا الأصول العمليّة الشرعيّة فلا حصر عقلي لها في البراءة أو الاشتغال، بل هي تابعة لطريقة جعلها، فقد تكون استصحابا مثلا.

و أمّا الأصول العمليّة الشرعيّة فلا يمكن حصرها عقلا، و ذلك لما تقدّم من أنّها أحكام شرعيّة يجعلها الشارع في موارد الشكّ في التكليف أو المكلّف به، و لهذا تكون تابعة لكيفيّة جعلها شرعا و للصياغة و الأسلوب التي تصاغ به هذه الأصول العمليّة، و عليه فقد يجعل الشارع البراءة أو الاحتياط و الاشتغال و قد يجعل الاستصحاب أو التخيير و نحو ذلك.

هذا كلّه بحسب الموضوعات الخارجيّة أي بلحاظ النظر إلى عالم الخارج، و أمّا بلحاظ عالم الجعل و التشريع فالشارع عند تصوّره الحكم المشكوك إمّا أن يؤمّن عنه، أو يجعله منجّزا فهي محصورة من هذه الناحية عقلا.

إلا أنّه بلحاظ الوقائع الخارجيّة فقد تكون في الواقعة خصوصيّة معيّنة يلاحظها الشارع فلا يجعل البراءة أو الاحتياط، بل يجعل بل يجعل الاستصحاب أو التخيير، إلا أنّ النتيجة عمليّا بالنسبة للمكلّف واحدة؛ لأنّه إمّا أن يفعل أو يترك.

رابعا: أنّ الأصول العمليّة العقليّة لا يعقل التعارض بينها لا ثبوتا- كما هو واضح- و لا إثباتا؛ لأنّ مقام إثباتها هو عين إدراك العقل لها، و لا تناقض بين إدراكين عقليّين.

و أمّا الأصول العمليّة الشرعيّة فيعقل التعارض بينها إثباتا بحسب لسان أدلّتها، و لا بدّ من علاج ذلك وفقا لقواعد باب التعارض بين الأدلّة.

رابعا: أنّ الأصول العمليّة العقليّة لا يعقل فيها التعارض‏

لا ثبوتا و لا إثباتا.

أما ثبوتا فلأنّ الأصول العمليّة العقليّة مرجعها إلى مدركات العقل العملي بما ينبغي أن يكون في حال الشكّ في التكليف الواقعي، فالعقل تارة يدرك أنّ ما ينبغي أن يكون هو الاحتياط و شغل الذمّة على أساس سعة دائرة حقّ الطاعة و شمولها للمورد كما في حالات الشكّ في المكلّف به و العلم الإجمالي، و أخرى يدرك بأنّ ما ينبغي أن يكون هو البراءة و التأمين عن الواقعة المشكوكة على أساس عدم شمول حقّ الطاعة للمورد كما في حالات الشبهات البدويّة، و حينئذ لا يقع التعارض بين هذين الإدراكين؛ لأنّ لكلّ منهما موضوعا يختلف عن الآخر فيستحيل اجتماعهما معا.

23

و أمّا إثباتا فلأنّ الأصول العقليّة لا فرق فيها بين مقام الإثبات و الثبوت، بمعنى أنّ مقام إثباتها هو نفسه عين مقام ثبوتها و إدراكها، و الوجه في هذا الاتّحاد بين المقامين هو: أنّ المدركات العقليّة لا تصدر من العقل و لا يحكم بها إلا بعد تحقّق موضوعها مع كلّ الخصوصيّات و القيود؛ لأنّ الموضوع بمثابة العلّة للحكم العقلي، فإذا أدرك العقل تمام الموضوع بجميع خصوصيّاته و حيثيّاته أصدر حكمه، و إن لم يلاحظ ذلك فإنّه لا يصدر حكما، و ما دام الأمر كذلك فإذا صدر الحكم العقلي إثباتا فهو ناشئ عن ملاحظة الموضوع ثبوتا، و قد قلنا: إنّ ملاحظة الموضوع و إدراكه عقلا يختلف حاله بين البراءة و الاحتياط؛ لأنّ موضوع كلّ منهما يختلف عن الآخر ثبوتا فكذلك إثباتا.

من هنا يقال: إنّ الأحكام العقليّة غير قابلة للتخصيص؛ لأنّها إمّا أن توجد أو لا، فإذا وجدت لا ترتفع إلا إذا ارتفع موضوعها حقيقة و لا وجه للاستثناء أو التخصيص أو التقييد لها بعد تحقّق موضوعها؛ لأنّه بمثابة العلّة و هي إذا تحقّقت تحقّق معلولها.

و أمّا الأصول العمليّة الشرعيّة فالتعارض يمكن تصوّره إثباتا لا ثبوتا، فهنا دعويان:

الأولى: أنّ التعارض مستحيل ثبوتا؛ و ذلك لأنّ الشارع الحكيم الملتفت عند ما يريد تشريع هذه الأحكام الشرعيّة لا بدّ أن يتصوّر موضوعها، فلكلّ واحد منها موضوع يختلف عن الآخر، و لذلك يستحيل أن يجعل حكمين ظاهريّين مختلفين على موضوع واحد؛ لأنّه تناقض يستحيل افتراضه بحقّ الشارع الحكيم.

الثانية: أنّ التعارض معقول إثباتا أي بلحاظ مرحلة صياغة دليل الحكم الظاهري، فهنا يمكن أن يفرض التعارض بلحاظ ألسنة هذه الأدلّة؛ لأنّ التعارض كما سيأتي من شئون عالم اللفظ، فقد يكون الدليل الذي يدلّ على الاحتياط يفترض موضوعا هو نفسه موضوع البراءة أو الاستصحاب؛ لأنّ كلّا منهما موضوعه الشكّ فيمكن تصوّر التعارض بينها، و هذا التعارض لا بدّ من عرضه على القواعد المقرّرة في باب التعارض لنرى أنّه من التعارض المستقرّ أو غير المستقرّ و كيفيّة علاجه.

خامسا: أنّه لا يعقل التصادم بين الأصول العمليّة الشرعيّة و الأصول العمليّة العقليّة، فإذا كانا مختلفين في التنجيز و التعذير، فإن كان الأصل العقلي معلّقا على‏

24

عدم ورود أصل شرعي على الخلاف كان هذا واردا، و إلا امتنع ثبوت الأصل العملي الشرعي في مورده.

خامسا: أنّه يستحيل تعقّل التصادم و التعارض بين الأصول العمليّة

العقليّة و الأصول العمليّة الشرعيّة، و من هنا يقال: إنّ ما حكم به العقل يحكم به الشرع أيضا هذا واقعا، و أمّا إذا فرض ظاهرا وجود تعارض بين أصلين أحدهما عقلي و الآخر شرعي على موضوع واحد فهنا صور:

1- أن يكون كلّ من الحكمين ينجّز الواقعة فهنا لا إشكال و لا تصادم أصلا.

2- أن يكونا معذّرين عن الواقعة فكذلك لا تصادم.

3- أن يكون الأصل العقلي منجّزا، و الأصل الشرعي معذّرا.

4- أن يكون الأصل العقلي معذّرا، و الأصل الشرعي منجّزا.

ففي الصورتين الثالثة و الرابعة تارة يفرض أنّ حكم العقل معلّق على عدم ورود أصل شرعي عملي، و أخرى يفرض كونه مطلقا من هذه الناحية.

فإن كان الأصل العقلي معلّقا على عدم ورود أصل شرعي كان ورود الأصل الشرعي على نفس موضوع الأصل العقلي رافعا للحكم العقلي لارتفاع قيده، فيكون واردا عليه.

و إن لم يكن الأصل العقلي معلّقا على ذلك، بل كان مطلقا فهنا إمّا أن نلتزم بأنّ هناك خطأ في مدركات العقل العملي أو نلتزم بعدم صحّة هذا الأصل الشرعي.

هذا كلّه في غير الحكمين القطعيّين كما هو واضح.

***

25

الأصول التنزيليّة و المحرزة

26

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

27

الأصول التنزيليّة و المحرزة الأصول العمليّة الشرعيّة: تارة تكون مجرّد وظائف عمليّة بلسان إنشاء حكم تكليفي ترخيصي أو إلزامي بدون نظر بوجه إلى الأحكام الواقعيّة، و هذه أصول عمليّة بحتة.

و أخرى تبذل فيها عناية إضافيّة إذ تطعّم بالنظر إلى الأحكام الواقعيّة، و هذه العناية يمكن تصويرها بوجهين:

تقسّم الأصول العمليّة الشرعيّة إلى قسمين:

أحدهما: الأصول العمليّة الشرعيّة التي تحدّد الوظيفة العمليّة و الموقف اتّجاه الواقعة المشكوكة، من دون النظر إلى الأحكام الواقعيّة، أي لا يوجد فيها شي‏ء من الكاشفيّة و الطريقيّة أصلا، و إنّما تجعل لأجل التنجيز أو التعذير فقط، كما هو الحال في البراءة و الاحتياط فإنّ المنظور في البراءة التأمين و التعذير عن الواقعة المشكوكة، و المنظور في الاحتياط تنجيزها، و لا نظر فيهما إلى الحكم الواقعي بوجه من الوجوه، لا بنحو إجمالي و لا بنحو تفصيلي، و هذه تسمّى بالأصول العمليّة المحضة أو البحتة.

ثانيهما: الأصول العمليّة الشرعيّة التي- مضافا إلى أنّها تحدّد الوظيفة و الموقف تجاه الواقعة المشكوكة- يوجد فيها عناية زائدة على ذلك و هي كونها ناظرة إلى الواقع بنحو من الأنحاء، كما هو الحال في قاعدة الاستصحاب و الفراغ، فإنّ الاستصحاب كما أنّه يحدّد موقف الشاكّ كذلك فيه نظر إلى الواقع؛ لأنّه يعتمد على أنّ الغالب فيما يوجد أن يبقى، فينزّل المستصحب منزلة المتيقّن من حيث الآثار المترتّبة عليه.

و المنظور في قاعدة الفراغ مثلا أنّ الغالب الإتيان بالفعل على وجهه الصحيح استنادا إلى غلبة الانتباه و التذكّر أثناء العمل، و من هنا لا تجري القاعدة إذا ثبت الغفلة و النسيان.

28

فهذه الأصول تسمّى بالأصول التنزيليّة أو المحرزة؛ لأنّه يوجد فيها عناية إضافية و هي النظر إلى الأحكام الواقعيّة.

و هذه العناية يمكن تصويرها بأحد وجهين:

أحدهما: أن يجعل الحكم الظاهري بلسان تنزيله منزلة الحكم الواقعي، كما قد يقال في أصالة الحلّ و أصالة الطهارة، إذ يستظهر أن قوله (عليه السلام): «كلّ شي‏ء لك حلال» أو «كلّ شي‏ء لك طاهر حتّى تعلم ...» يتكفّل تنزيل مشكوك الحليّة و مشكوك الطهارة منزلة الحلال الواقعي و منزلة الطاهر الواقعي، خلافا لمن يقول: إنّ دليل هذين الأصلين ليس ناظرا إلى الواقع، بل ينشئ بنفسه حليّة أو طهارة بصورة مستقلّة، و يسمّى الأصل في حالة بذل هذه العناية التنزيليّة بالأصل التنزيلي.

الوجه الأوّل: أنّ هذه العناية هي تنزيل المؤدّى منزلة الواقع، فينزّل الحكم الظاهري منزلة الحكم الواقعي، فالوجوب الظاهري كالوجوب الواقعي، و كذا الطهارة الظاهريّة كالطهارة الواقعيّة.

و توضيحه: أنّ دليل أصالة الطهارة أو أصالة الحلّيّة أي «كلّ شي‏ء لك طاهر حتّى تعلم أنّه قذر» و «كلّ شي‏ء لك حلال حتّى تعلم أنّه حرام» مفاده تنزيل مشكوك الحلّيّة و الطهارة منزلة معلومهما.

فمشكوك الطهارة محكوم ظاهرا بالطهارة أي نفس الطهارة الواقعيّة و ليست طهارة أخرى مستقلّة في نفسها، و هذا المعنى يستظهر من دليلهما بناء على كون الجملة إخباريّة عن كون كلّ شي‏ء طاهرا بما في ذلك المشكوك، فيكون مفادها أنّ معلوم الطهارة و مظنونها و مشكوكها و محتملها على حدّ سواء، و لا يخرج إلا ما كان معلوم القذارة و النجاسة فقط، فيكون المشكوك كالمعلوم محكوم ظاهرا بالطهارة الواقعيّة، كما أنّ معلوم الطهارة محكوم واقعا بالطهارة الواقعيّة، فصار الظاهر كالواقع من حيث كونهما معا طاهرين واقعا.

و أمّا إذا قلنا: إنّ دليل أصالة الطهارة أو الحلّيّة مفاده الإنشاء لا الإخبار فهذا يعني أنّ هذا الدليل يجعل و ينشئ طهارة ظاهريّة مستقلّة على مشكوك الطهارة، و كذلك يجعل و ينشئ حلّيّة ظاهريّة مستقلّة على مشكوك الحلّيّة، و هذا يعني أنّه لا نظر في‏

29

هاتين الأصالتين إلى الحكم الواقعي، و لسانهما لا يستفاد منه التنزيل لمشكوك الحلّيّة أو الطهارة منزلة معلومهما، فيكونان على هذا أصلين عمليّين بحتين.

و يسمّى الأصل العملي على القول الأوّل بالأصل التنزيلي بناء على هذه العناية.

و قد تترتّب على هذه التنزيليّة فوائد، فمثلا إذا قيل بأنّ أصل الإباحة تنزيلي ترتّب عليه حين تطبيقه على الحيوان مثلا طهارة مدفوعه ظاهرا؛ لأنّها مترتّبة على الحلّيّة الواقعيّة، و هي ثابتة تنزيلا فكذلك حكمها، و أمّا إذا قيل بأنّ أصل الإباحة ليس تنزيليّا، بل إنشاء لحلّيّة مستقلّة فلا يمكن أن ننقّح بها طهارة المدفوع، و هكذا.

و أمّا الثمرة العمليّة بين القولين فهي:

إذا قيل بأنّ أصالة الحلّيّة أصل تنزيلي بالنحو المتقدّم أي أنّها تثبت الحلّيّة الواقعيّة ظاهرا فعند ما نطبّقها على حيوان مشكوك الحلّيّة سوف نثبت الحلّيّة الواقعيّة ظاهرا، و حينئذ سوف يتنقّح موضوع طهارة مدفوع هذا الحيوان؛ لأنّ طهارة مدفوعه موضوعها الحيوان المحلل الأكل، و المفروض أنّ هذا الحيوان المشكوك قد ثبتت حلّيّته الواقعيّة ظاهرا ببركة أصالة الحلّيّة، فالموضوع متحقّق فيترتّب الحكم بطهارة مدفوع هذا الحيوان.

فلا فرق بين كون هذا الحيوان حلالا واقعا لقيام الدليل المحرز على حلّيّته، و بين كونه حلالا ظاهرا استنادا على أصالة الحلّيّة؛ لأنّه في كلا الحالين سوف نثبت الحلّيّة الواقعيّة إلا أنّها في الأوّل ثابتة وجدانا و في الثاني ثابتة تعبّدا و تنزيلا، و حينئذ يترتّب الحكم الشرعي؛ لأنّ موضوعه محرز فيحكم بطهارة مدفوعه؛ لأنّ الحلّيّة الواقعيّة ثابتة.

و أمّا إذا قيل بأنّ أصالة الحلّيّة أصل علمي بحث و ليس فيها أي نحو من التنزيل، فسوف يثبت بها حلّيّة ظاهريّة مجعولة بنحو الاستقلال على عنوان مشكوك الحلّيّة، و هذه الحلّيّة الظاهريّة تختلف عن الحلّيّة الواقعيّة، و حينئذ لا يتنقّح موضوع طهارة المدفوع؛ لأنّ موضوعها هو الطهارة الواقعيّة و هي ليست ثابتة لا وجدانا، و لا تعبّدا و تنزيلا.

و هكذا الحال بالنسبة لأصالة الطهارة.

30

و الآخر: أن ينزّل الأصل أو الاحتمال المقوّم له منزلة اليقين، بأن تجعل الطريقيّة في مورد الأصل، كما ادعي ذلك في الاستصحاب من قبل المحقّق النائيني‏

(1)

و السيّد الأستاذ

(2)

على فرق بينهما، حيث إنّ الأوّل اختار أنّ المجعول هو العلم بلحاظ مرحلة الجري العملي فقط، و الثاني اختار أنّ المجعول هو العلم بلحاظ الكاشفيّة، فلم يبق على مسلك جعل الطريقيّة فرق بين الاستصحاب و الأمارات في المجعول على رأي السيّد الأستاذ.

و يسمّى الأصل في حالة بذل هذه العناية بالأصل المحرز.

الوجه الثاني: أنّ هذه العناية هي تنزيل الأصل أو الاحتمال المقوّم له منزلة اليقين، و مثاله المعروف الاستصحاب، فإنّ الاستصحاب أصل مركّب من أركان أربعة: اليقين السابق، و الشكّ اللاحق، و وحدة القضيّة المتيقّنة و المشكوكة، و الأثر العملي، و فيه أيضا احتمال كاشف و هو غلبة ما يوجد يبقى.

و حينئذ يقال: إنّ دليل التنزيل تارة ينزّل الأصل نفسه أي الاستصحاب بأركانه منزلة اليقين.

و أخرى ينزّل الاحتمال المقوّم لهذا الأصل و الذي على أساسه كان كاشفا منزلة اليقين.

و في كلا الموردين يكون التنزيل منزلة العلم بلحاظ الطريقيّة؛ لأنّ للعلم أربع جهات، هي:

1- الصفتيّة، و هي كونه نورا يبعث على الإذعان و استقرار النفس.

2- الكاشفيّة عن متعلّقه بحيث يكون منيرا و كاشفا عما انصبّ عليه.

3- الجري العملي أي الباعثيّة و المحرّكيّة فعلا أو تركا.

4- المنجّزيّة و المعذّريّة و هو معنى الحجّيّة.

و الاستصحاب المنزّل منزلة العلم- إمّا في نفسه أو للاحتمال المقوّم له- يوجد فيه قولان:

أحدهما: للمحقّق النائيني حيث ذهب إلى أنّ المجعول في الاستصحاب هو تنزيله‏

____________

(1) فوائد الأصول 4: 486.

(2) مصباح الأصول 2: 38، و 3: 154.

31

منزلة العلم بلحاظ الجري العملي فقط، بخلاف الأصل العملي المحض فإنّ المجعول فيه المنجّزيّة و المعذّريّة فقط، و بخلاف الأمارة فإنّها مجعولة بلحاظ الطريقيّة و الكاشفيّة.

و الآخر: للسيّد الخوئي حيث ذهب إلى أنّ المجعول في الاستصحاب هو الطريقيّة و الكاشفيّة لا مجرّد الجري العملي.

فعلى القول الثاني لا يبقى فرق بين الاستصحاب و سائر الأمارات، و لذلك ذهب السيّد الخوئي إلى أنّ الاستصحاب أمارة، إلا أنّه يختلف عن سائر الأمارات في أنّ الشكّ أخذ في لسان دليله، بينما لم يؤخذ في لسانها مع وحدة المجعول فيهما، و لذلك تتقدّم سائر الأمارات عليه بالحكومة، فإذا قامت الأمارة ارتفع الشكّ فيرتفع موضوع الاستصحاب.

و هذا الأصل المأخوذ فيه هذه العناية يسمّى بالأصل المحرز.

و هذه المحرزيّة قد يترتّب عليها بعض الفوائد في تقديم الأصل المحرز على غيره، باعتباره علما و حاكما على دليل الأصل العملي البحت، على ما يأتي في محلّه إن شاء الله تعالى.

و الثمرة هي: أنّ الأصل المحرز يتقدّم على الأصل البحت و ذلك على أساس الحكومة، و توضيحه: أنّ الاستصحاب لمّا كان المجعول فيه تنزيله منزلة العلم، إمّا بلحاظ الجري العملي و إمّا بلحاظ الكاشفيّة كما تقدّم، فإذا قام الاستصحاب في مورد فهو يحقّق العلم تعبّدا و تنزيلا، و حينئذ يرتفع الشكّ فلا يجري الأصل العملي المحض؛ لأنّ موضوعه و هو الشكّ ارتفع بتحقّق العلم‏ (1).

و هناك معنى آخر للأصول العمليّة المحرزة ينسجم مع طريقتنا في التمييز بين الأمارات و الأصول، و هو أنّه كلّما لوحظ في جعل الحكم الظاهري ثبوتا أهمّيّة المحتمل فهو أصل عملي، فإن لوحظ منضمّا إليه قوّة الاحتمال أيضا فهو أصل عملي محرز، كما في قاعدة الفراغ و إلا فلا.

و المحرزيّة بهذا المعنى في قاعدة الفراغ لا تجعلها حجّة في مثبتاتها، إلا أنّ‏

____________

(1) و هذا النحو يسمّى بالحكومة الميرزائيّة، و إلا فلا يوجد حكومة بالدقّة؛ لأنّها من شئون عالم الألفاظ كما سيأتي، و الحال أنّ دليل الاستصحاب كغيره من أدلّة الأصول العمليّة قد أخذ في لسانه الشكّ و عدم العلم، فلا فرق بينهما من هذه الجهة.

32

استظهارها من دليل القاعدة يترتّب عليه بعض الآثار أيضا، من قبيل عدم شمول دليل القاعدة لموارد انعدام الأماريّة و الكشف نهائيّا، و من هنا يقال بعدم جريان قاعدة الفراغ في موارد العلم بعدم التذكّر حين العمل.

الوجه الثالث: ما اختاره السيّد الشهيد من تفسير لحقيقة الحكم الظاهري، و توضيحه: أنّ الشارع عند ما يجعل الحكم الظاهري في عالم التشريع و الواقع عند الشكّ و الاشتباه، تارة يلاحظ أهمّيّة الاحتمال الكاشف فيجعل الحجّيّة لهذه الكاشفيّة، كما هو الحال في الأمارات كخبر الثقة و حجّيّة الظهور.

و أخرى يلاحظ أهمّيّة المحتمل أي نوع الحكم كالتسهيل أو التنجيز فيجعل الحجّيّة للحكم الظاهري على أساس أهمّيّة المحتمل، و هذا ما يسمّى بالأصل العملي؛ لأنّه يحدّد الموقف و الوظيفة العمليّة للشاكّ من تنجيز أو تعذير، فإذا لم يلاحظ شيئا آخر مع أهمّيّة المحتمل سمّي بالأصل العملي البحت.

و ثالثة يلاحظ أهمّيّة المحتمل منضمّا إليها شيئا آخر و هو قوّة الاحتمال الكاشف أيضا، كما هو الحال في الاستصحاب و قاعدة الفراغ، و هذا ما يسمّى بالأصل العملي التنزيلي أو المحرز.

فالفرق بين الأصل العملي المحض و الأصل المحرز و التنزيلي هو كون الأوّل لوحظ فيه ثبوتا أهمّيّة المحتمل فقط، بينما الثاني لوحظ فيه أهمّيّة المحتمل و الاحتمال أيضا.

فقاعدة الاستصحاب لوحظ فيها نوع المحتمل أي نفس القضيّة المستصحبة المتواجد فيها الأركان الأربعة للاستصحاب، و لوحظ فيها قوّة الاحتمال الكاشف أي غلبة أنّ ما يوجد يبقى.

و قاعدة الفراغ لوحظ فيها نوع المحتمل و هو العمل الذي تمّ الفراغ منه، و قوّة الاحتمال الكاشف و هو غلبة التذكّر و الالتفات إلى الإتيان بالعمل على وجهه الصحيح.

إلا أنّ المحرزيّة الثابتة لقاعدة الفراغ لا تجعل مثبتات القاعدة حجّة، و لذلك إذا حكم بصحّة الوضوء الذي صلّى بعده الظهر استنادا إلى قاعدة الفراغ لا يعني ذلك أنّ الوضوء ثابت الآن ليجوز له الدخول بصلاة العصر بهذا الوضوء؛ و ذلك لأنّ‏

33

القاعدة غايتها التسهيل عن العمل الذي فرغ منه و هو صلاة الظهر في المثال لا أكثر، و أمّا العصر فلم يبدأ بها فيختلّ أحد ركني القاعدة فلا تجري.

نعم، ثبوت المحرزيّة لقاعدة الفراغ و استظهارها من أدلّتها يترتّب عليه بعض الآثار:

منها: أنّ قاعدة الفراغ لا تجري إذا انهدم ركنها الثاني؛ لأنّه ينهدم به الكاشف الذي لوحظ عند جعل هذه القاعدة، فإذا فرغ من العمل و شكّ في صحّته و لكنّه مع ذلك علم بأنّه لم يكن منتبها أثناء العمل، بل كان غافلا و ساهيا فهنا أماريّة الكشف تسقط فيزول الاحتمال الكاشف فلا تجري القاعدة، و هذا يعني أنّه لا بدّ من توفّر كلا الركنين في القاعدة لتجري، فإذا انتفى أحدهما ارتفعت.

***

34

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

35

مورد جريان الأصول العمليّة

36

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

37

مورد جريان الأصول العمليّة لا شكّ في جريان الأصول العمليّة الشرعيّة عند الشكّ في الحكم التكليفي الواقعي لتنجيزه كما في أصالة الاحتياط، أو للتعذير عنه كما في أصالة البراءة.

و لكن قد يشكّ في التكليف الواقعي و يشكّ في قيام الحجّة الشرعيّة عليه بنحو الشبهة الموضوعيّة كالشكّ في صدور الحديث، أو بنحو الشبهة الحكميّة كالشكّ في حجّيّة الامارة المعلوم وجودها.

ذكرنا أنّ الأصول العمليّة الشرعيّة أحكام ظاهريّة يجعلها الشارع عند الشكّ في التكليف الواقعي، و هي على قسمين: أصول تنزيليّة و أصول محضة، و يكون جعلها إمّا بداعي تنجيز الواقع على المكلّف و هذا هو الاحتياط، و إمّا بداعي التعذير عنه كما في البراءة و نحوها.

فموضوع الأصل و مورد جريانه إذا هو الشكّ في التكليف الواقعي.

و لكن قد يفرض نحو آخر من الشكّ و هو أنّ يشكّ في قيام الحجّة الشرعيّة و عدم قيامها عند الشكّ في الحكم الواقعي، و توضيح ذلك: أنّ المكلّف إذا شكّ في التكليف الواقعي فقد يقوم عنده حجّة ظاهريّة تعالج له الموقف و الوظيفة أمام هذا الواقع المشكوك، و قد لا يقوم عنده حجّة ظاهريّة على ذلك، و قد يشكّ في قيام مثل هذه الحجّة الظاهريّة و عدم قيامها.

و الشكّ في قيام الحجّة الشرعيّة يتصوّر بأحد نحوين:

الأوّل: أن يكون الشكّ فيها بنحو الشبهة الموضوعيّة، فهو يعلم بالحكم و لكنّه اشتبه عليه مصداقه، فمثلا يعلم أنّ الشارع قد جعل الحجّيّة لخبر الثقة فهو يعلم بالحكم، و لكنّه يشكّ في أنّ هذا الخبر الذي يعالج الواقعة المشكوكة هل هو خبر ثقة أو لا؟ فهذا شكّ في تحقّق المصداق، أو كأن يشكّ في صدور الخبر من‏

38

الشارع في هذه الواقعة و عدم صدوره بعد العلم بأنّ هناك أخبارا قد صدرت تعالج الشكّ.

الثاني: أن يكون الشكّ فيها بنحو الشبهة الحكميّة، أي أنّ هذه الأمارة الموجودة هل جعل الشارع الحجّيّة لها أو لا؟ فهو يعلم بأنّ الموضوع متحقّق في الخارج، و لكنّه لا يدري ما هو حكمه هل هو حجّة أو لا؟ كالشهرة مثلا فإنّها أمارة تكوينيّة تفيد الظنّ، و تعالج الشكّ في الواقعة المشكوكة و لكن لا يعلم هل جعل الشارع الحجّيّة لها أم لا؟

فتحصّل من ذلك أنّ هناك نحوين من الشكّ: أحدهما: الشكّ في الحكم الواقعي، و الثاني: الشكّ في قيام الحجّة الظاهريّة الشرعيّة في هذه الواقعة المشكوكة.

و السؤال هنا هو:

فهل يوجد في هذه الحالة موردان للأصل العملي، فنجري البراءة عن التكليف الواقعي المشكوك، و نجري براءة أخرى عن الحجّيّة أي الحكم الظاهري المشكوك، أو تكفي البراءة الأولى؟

و بكلمة أخرى: أنّ الأصول العمليّة هل يختصّ موردها بالشكّ في الأحكام الواقعيّة، أو يشمل مورد الشكّ في الأحكام الظاهريّة نفسها؟

فهل يوجد موردان للأصل العملي؟

أحدهما الأصل العملي الذي مورده الشكّ في الحكم الواقعي، فنجري البراءة مثلا للتأمين عن الواقع و الآخر الأصل العملي الذي مورده الشكّ في الحكم الظاهري، فنجري البراءة للتأمين عن هذه الحجّيّة المشكوكة و التي هي حكم ظاهري.

و بتعبير آخر: هل مورد الأصل العملي هو الشكّ في الحكم التكليفي الواقعي فقط، أو يشمل الشكّ في الحكم الظاهري أيضا؟

قد يقال بأنّنا في المثال المذكور نحتاج إلى براءتين، إذ يوجد احتمالان صالحان للتنجيز، فنحتاج إلى مؤمّن عن كلّ منهما:

أحدهما: احتمال التكليف الواقعي و لنسمّه بالاحتمال البسيط.

و الآخر: احتمال قيام الحجّة عليه، و حيث إنّ الحجّيّة معناها إبراز شدّة اهتمام المولى بالتكليف الواقعي المشكوك- كما عرفنا سابقا عند البحث عن حقيقة

39

الأحكام الظاهريّة

(1)

- فاحتمال الحجّة على الواقع المشكوك يعني احتمال تكليف واقعي متعلّق لاهتمام المولى الشديد و عدم رضائه بتفويته، و لنسمّ هذا بالاحتمال المركّب.

و عليه فالبراءة عن الاحتمال البسيط لا تكفي، بل لا بدّ من التأمين من ناحية الاحتمال المركّب أيضا ببراءة ثانية.

قد يجاب على ذلك: قال بأنّنا في المثال المذكور أي عند ما نشكّ في قيام الحجّيّة الشرعيّة سواء بنحو الشبهة الموضوعيّة أم بنحو الشبهة الحكميّة، نحتاج إلى إجراء براءتين، و لا تكفي البراءة الواحدة.

و توضيح ذلك: أنّه في المثال يوجد احتمالان يصلحان للتنجيز، فلا بدّ من إجراء البراءة في كلّ منهما لتحقّق موضوعها فيهما:

الأوّل: احتمال التكليف الواقعي، فإنّ هذه الواقعة المشكوكة يحتمل وجود حكم إلزامي منجّز فيها، و هذا يسمّى بالاحتمال البسيط.

الثاني: احتمال التكليف الظاهري، فإنّه يشكّ في قيام الحجّة الشرعيّة في هذه الواقعة المشكوكة، و هذا يعني أنّه يحتمل صدور ما يكون منجّزا ظاهرا لهذه الواقعة، بناء على ما تقدّم في تفسير حقيقة الحكم الظاهري من أنّه يجعل من أجل الحفاظ على ما هو الأهمّ بنظر الشارع من الملاكات و الأحكام الواقعيّة، و هذا معناه أنّه مع احتمال وجود مثل هذه الحجّة الظاهريّة فيحتمل وجود المنجّز للملاك الواقعي، فيكون هذا الاحتمال مساويا لاحتمال التكليف أيضا، إذ لا فرق بين المنجّزيّة الواقعيّة و الظاهريّة من حيث دخول التكليف في العهدة و الذمّة، و هذا الاحتمال يسمّى بالاحتمال المركّب.

و حينئذ نقول: إنّ جريان البراءة في الاحتمال البسيط يكفي للتأمين عن احتمال التكليف الواقعي الذي يحتمل كونه منجّزا، و لكنّها لا تكفي لإثبات التأمين عن احتمال التكليف و المنجّز الظاهري الذي يحتمل قيام الحجّة الشرعيّة عليه، و لذلك نحتاج إلى إجراء براءة ثانية لنفي هذا الاحتمال المركّب.

و قد يعترض على ذلك: بأنّ الأحكام الظاهريّة كما تقدّم في الجزء

____________

(1) في مباحث التمهيد من الجزء الأوّل للحلقة الثالثة، تحت عنوان: الحكم الواقعي و الظاهري.

40

السابق‏

(1)

- متنافية بوجوداتها الواقعيّة، فإذا جرت البراءة عن الحجّيّة المشكوكة و فرض أنّها كانت ثابتة يلزم اجتماع حكمين ظاهريّين متنافيين.

اعتراض على إجراء براءة ثانية عند الشكّ في الحجّة الظاهريّة

، بأنّه تقدّم سابقا أنّ الأحكام الظاهريّة كالأحكام الواقعيّة متنافية.

فكما أنّ الوجوب و الحرمة الواقعيّين متنافيان بلحاظ الملاكات و المبادئ، كذلك الأحكام الظاهريّة فإنّه لا يمكن اجتماع البراءة مع الاحتياط؛ و ذلك لما عرفنا في حقيقة الحكم الظاهري من أنّها خطابات لتعيين ما هو الأهمّ من الملاكات الواقعيّة عند الشكّ و الاشتباه.

و هذا يعني أنّ البراءة تكشف عن كون ملاكات الترخيص هي الأهمّ، بينما الاحتياط يكشف عن كون ملاكات الإلزام هي الأهمّ، و حيث لا يمكن الجمع بين هذين النحوين من الملاكات لتنافيهما فيكون اجتماع البراءة و الاحتياط مستحيلا؛ لأنّه يؤدّي إلى التكاذب بلحاظ الواقع الذي يحكيان عنه.

و من هنا يشكل على إجراء البراءة الثانية؛ و ذلك لأنّ الحجّيّة المشكوكة المحتمل كونها منجّزة للواقعة المشكوكة إذا كانت ثابتة شرعا فهذا يعني أنّ الملاكات الإلزاميّة هي الأهمّ بنظر الشارع، بينما البراءة تحكي عن كون ملاكات الترخيص هي الأهمّ فيقع التكاذب و التنافي بينهما، فجريان البراءة عن الحجّة المشكوكة يلزم منه اجتماع المتنافيين.

نعم، إذا لم تكن الحجّيّة المشكوكة ثابتة فلا تثبت إلا ملاكات الترخيص، إلا أنّنا حيث لا نقطع بعدم الحجّيّة و إنّما نحتملها فنحن نحتمل التكاذب و التنافي، و احتمال اجتماع المتنافيين، كالقطع باجتماعهما مستحيل.

و جواب الاعتراض: أنّ البراءة هنا نسبتها إلى الحجّيّة المشكوكة نسبة الحكم الظاهري إلى الحكم الواقعي؛ لأنّها مترتّبة على الشكّ فيها، فكما لا منافاة بين الحكم الظاهري و الواقعي كذلك لا منافاة بين حكمين ظاهريّين طوليّين من هذا القبيل.

و ما تقدّم سابقا من التنافي بين الأحكام الظاهريّة بوجوداتها الواقعيّة ينبغي أن‏

____________

(1) في مباحث التمهيد أيضا تحت عنوان: التنافي بين الأحكام الظاهريّة.

41

يفهم في حدود الأحكام الظاهريّة العرضيّة، أي التي يكون الموضوع فيها نحوا واحدا من الشكّ.

الجواب عن هذا الاعتراض‏

بأنّه لا اجتماع لحكمين ظاهريّين متنافيين إذا عرفنا ما يلي:

أوّلا: أنّ البراءة الثانية المراد إجراؤها عن الحجّيّة المشكوكة نسبتها إلى الحجّيّة المشكوكة كنسبة الحكم الظاهري إلى الحكم الواقعي، فكما أنّ مورد جريان الحكم الظاهري هو الشكّ في الحكم الواقعي كذلك البراءة الثانية مورد جريانها الشكّ في الحجّة المشكوكة، و كما أنّ الحكم الظاهري مبادئه هي الحفاظ على الملاكات الواقعيّة كذلك البراءة الثانية مبادئها الحفاظ على الأحكام الظاهريّة.

و حينئذ نقول: إنّه كما لا منافاة بين الحكم الواقعي و الحكم الظاهري كذلك لا منافاة بين البراءة الثانية و بين الحجّة المشكوكة على تقدير ثبوتها؛ و ذلك لأنّ البراءة الثانية موضوعها الشكّ في الحجّيّة، بينما الحجّيّة المشكوكة على تقدير ثبوتها يكون موضوعها الشكّ في الحكم الواقعي، و لذلك لم يجتمع حكمان ظاهريّان على موضوع واحد، بل الموضوع فيهما مختلف.

و على هذا فيمكن أن يجعل الشارع براءة ثانية عند الشكّ في الحجّيّة الظاهريّة، و ذلك إذا كانت ملاكات الترخيص هي الأهمّ.

و ثانيا: أنّ ما تقدّم في الجزء السابق من أنّ الأحكام الظاهريّة متنافية بوجوداتها الواقعيّة لا بوصولها، كان يقصد منه أنّ الشارع لا يصدر منه حكمان ظاهريّان على موضوع واحد سواء وصلا إلى المكلّف أم لا؛ لأنّ التنافي بينهما واقعي بقطع النظر عن مرحلة الوصول؛ و ذلك لأنّ الحكم الظاهري يكشف عن الواقع، فإذا جعل البراءة و الاحتياط على موضوع واحد حصل التكاذب و التنافي بلحاظ الواقع؛ لأنّهما يكشفان عن كون الأهمّ بنظر الشارع الترخيص و الإلزام و هما متكاذبان لا يمكن اجتماعهما و لحاظهما معا، سواء وصلا إلى المكلّف أم لا.

إلا أنّ هذا الكلام إنّما يتمّ في الأحكام الظاهريّة العرضيّة أي التي يكون موضوعها و موردها واحدا، فالبراءة و الاحتياط المجعولان عند الشكّ في الحكم الواقعي مستحيلان؛ لأنّهما في عرض واحد و على موضوع واحد.

42

و أمّا البراءة الثانية المجعولة عند الشكّ في الحجّيّة المشكوكة فلا تنافي الحجّيّة المشكوكة على تقدير ثبوتها؛ و ذلك لعدم وحدة الموضوع بينهما، إذ موضوع البراءة الثانية الشكّ في الحجّيّة، بينما موضوع الحجيّة على تقدير ثبوتها الشكّ في الحكم الواقعي، و هذا يعني أنّ البراءة الثانية في طول الحجّيّة، فإذا ثبتت الحجّيّة ارتفع موضوع البراءة، و إذا جرت البراءة الثانية فهذا يعني أنّ الحجّيّة غير ثابتة بحقّ المكلّف و غير واصلة إليه، و بالتالي لا تناف بينهما لاختلاف الموضوع فيهما، و شرط التنافي وحدة الموضوع.

و قد يعترض على إجراء براءة ثانية بأنّها لغو؛ إذ بدون إجراء البراءة عن نفس الحكم الواقعي المشكوك لا تنفع البراءة المؤمّنة عن الحجّيّة المشكوكة، و مع إجرائها لا حاجة إلى البراءة الثانية؛ إذ لا يحتمل العقاب إلا من ناحية التكليف الواقعي و قد أمّن عنه.

و هنا اعتراض آخر على إجراء البراءة

عن الحجّة المشكوكة مفاده أنّها لغو؛ و ذلك لأنّه إن أريد إجراء البراءة الثانية فقط من دون إجراء البراءة الأولى التي موضوعها الشكّ في الحكم الواقعي فهذه البراءة لا تنفع شيئا؛ لأنّه من دون التأمين مسبقا عن الحكم الواقعي لا يفيدنا التأمين عن الحجّة المشكوكة، إذ مع فرض ثبوت التأمين عن الحجّة المشكوكة إلا أنّ هذا لا يؤمّن عن الحكم الواقعي المشكوك و الذي من المحتمل أن يكون منجّزا، فالتأمين المراد إثباته بالبراءة الثانية لا يكفي ما دام الشكّ في الحكم الواقعي موجودا و الذي يعني أنّ احتمال المنجّزيّة لا يزال على حاله، فجعلها يكون لغوا إذ لا أثر لها.

و إن أريد إجراء البراءة الثانية بعد إجراء البراءة الأولى عن التكليف الواقعي المشكوك فهذه البراءة لا فائدة منها أيضا؛ لأنّها تحصيل للحاصل؛ لأنّه مع إجراء البراءة الأولى عن التكليف الواقعي المشكوك يثبت التأمين من ناحية الحكم المشكوك، فالمكلّف إذا ترك الواجب أو فعل الحرام حينئذ يكون معذورا لقيام المؤمّن الشرعي عنده فلا يكون مستحقّا للعقاب، و عليه فلا داعي لإجراء براءة ثانية عن الحجّة المشكوكة؛ لأنّه قد ثبت لديه مسبقا التأمين و عدم استحقاق العقاب، و المطلوب من البراءة حين إجرائها إثبات هذا الأمر لا أكثر، فمع ثبوتهما يكون إجراؤها لغوا

43

و تحصيلا للحاصل، و لذلك لا تجري البراءة في المكروهات و المستحبّات؛ إذ لا إلزام و لا عقاب فيهما ليؤمّن عنهما.

و بهذا يظهر أنّه لا معنى محصّل لإجراء براءة ثانية، بل تكفي البراءة الأولى.

و الجواب على ذلك: أنّ احتمال ذات التكليف الواقعي شي‏ء، و احتمال تكليف واقعي واصل إلى مرتبة من الاهتمام المولوي التي تعبّر عنها الحجّيّة المشكوكة شي‏ء آخر، و التأمين عن الأوّل لا يلازم التأمين عن الثاني.

أ لا ترى أنّ بإمكان المولى أن يقول للمكلّف: كلّما احتملت تكليفا و أنت تعلم بعدم قيام الحجّة عليه فأنت في سعة منه، و كلّما احتملت تكليفا و احتملت قيام الحجّة عليه فاحتط بشأنه.

و الجواب على هذا الاعتراض‏

أنّ البراءة الثانية المراد إجراؤها عن الحجّيّة المشكوكة تختلف عن البراءة الأولى التي تجري عن الحكم الواقعي المشكوك، و وجه الاختلاف بينهما هو الاختلاف في التأمين عن الاحتمال المنجّز.

و توضيحه: أنّ البراءة الأولى تجري لنفي التكليف المشكوك و التأمين عنه عند احتماله، بينما البراءة الثانية تنفي المنجّز عن هذا التكليف، فيوجد احتمالان:

أحدهما: احتمال التكليف الواقعي بذاته، و الآخر: احتمال قيام الحجّة و المنجّز على هذا التكليف؛ و الثاني يعني أنّه إذا ثبتت الحجّيّة و تمّت المنجّزيّة فهذا يعني الكشف عن اهتمام المولى بملاكات الإلزام، و لذلك أصدر إلزاما ظاهريّا للحفاظ على ملاكات الإلزام الواقعيّة.

و حينئذ نقول: إنّ الاحتمال الأوّل على فرض ثبوته فهو يثبت الحكم الواقعي ابتداء، فتكون المنجّزيّة لذات التكليف و البراءة الجارية هنا تؤمّن المكلّف من هذه الناحية.

بينما الاحتمال الثاني على فرض ثبوته فهو يثبت الحجّة و المنجّز الشرعي الظاهري، و الذي يعني أنّ ملاكات الإلزام هي الأهمّ بنظر المولى من غيرها، فالمنجّزيّة هنا لأجل هذا الأمر، و البراءة عند ما يراد إجراؤها هنا تؤمّن عن المنجّزيّة و عن التكليف بهذا المعنى، أي أنّ المولى لا يهتمّ باحتمال التكليف، و إنّما المهمّ بنظره ملاكات الترخيص و التسهيل.

44

و لهذا كان للبراءة الثانية فائدة سواء جرت البراءة الأولى أم لا، و ليست لغوا و تحصيلا للحاصل أو لا أثر لها، بل تفيد شيئا جديدا لم يكن موجودا حين إجراء البراءة الأولى، و هو التأمين لنفي الاهتمام المولوي بملاكات الإلزام، فالتأمين الثاني ليس نفس الأوّل، و التأمين الأوّل لا يلزم منه حصول التأمين الثاني.

و من هنا نتعقّل أن يقول الشارع: إنّه كلّما احتمل المكلّف التكليف و علم بعدم قيام الحجّة الظاهريّة عليه فهو في سعة منه، بينما يقول في مجال آخر: إنّه كلّما احتمل المكلّف التكليف و شكّ أو لم يعلم بعدم الحجّة الظاهريّة عليه فاللازم عليه الاحتياط.

و حينئذ فالمراد من إجراء البراءة الثانية التأمين من جهة الاحتياط الذي من الممكن أن يكون ثابتا عند الشكّ في قيام الحجّة الظاهريّة، بينما البراءة الأولى تفيد التأمين من جهة نفس الحكم الواقعي، فهناك منجّزيّتان محتملتان إحداهما منجّزيّة الحكم الواقعي و الأخرى منجّزيّة الاحتياط الظاهري و البراءة الأولى تجري للتأمين عن المنجّزيّة الأولى، و البراءة الثانية تجري للتأمين عن المنجّزيّة الثانية، و لا تلازم بين المنجّزيّتين و ليست إحداهما نفس الأخرى كما هو واضح.

و لكنّ التحقيق مع ذلك: أنّ إجراء البراءة عن التكليف الواقعي المشكوك يغني عن إجراء البراءة عن الحجّيّة المشكوكة، و ذلك بتوضيح ما يلي:

أوّلا: أنّ البراءة عن التكليف الواقعي و الحجّيّة المشكوكة حكمان ظاهريّان عرضيّان؛ لأنّ موضوعهما معا الشكّ في الواقع، خلافا للبراءة عن الحجّيّة المشكوكة فإنّها ليست في درجتها كما عرفت.

و التحقيق في المقام أن يقال:

إنّ البراءة الأولى تغني عن البراءة الثانية، فإذا جرت البراءة لنفي التكليف الواقعي المشكوك كفى ذلك في إثبات التأمين و نفي المنجّزيّة، و بالتالي نفي الحجّيّة المشكوكة، و لا نحتاج إلى إجراء براءة ثانية لنفي الحجّيّة المشكوكة.

و الدليل على ذلك‏

يتّضح من مجموع أمور:

[الأمر] الأوّل: أنّ البراءة الأولى و الحجّيّة المشكوكة حكمان ظاهريّان عرضيّان،

فهنا دعويان:

45

أمّا أنّهما حكمان ظاهريّان فلأنّ البراءة و الحجّيّة المشكوكة كلاهما يعالجان الشكّ و يحدّدان الموقف و الوظيفة العمليّة للمكلّف في طرف الشكّ، و أمّا أنّهما عرضيّان فلأنّ موضوعهما معا واحد، و هو الشكّ في الحكم الواقعي؛ لأنّ البراءة الأولى يراد إجراؤها عن الحكم الواقعي المشكوك للتأمين عنه، و الحجّيّة المشكوكة يراد بها على فرض ثبوتها تنجيز الحكم الواقعي المشكوك أيضا، فهما إذا حكمان ظاهريّان عرضيّان.

و أمّا البراءة الثانية فهي حكم ظاهري و لكنّها ليست في عرض الحجّيّة المشكوكة؛ و ذلك لأنّ موضوعهما مختلف، فالحجّيّة المشكوكة موضوعها الشكّ في الحكم الواقعي كما تقدّم، بينما البراءة الثانية موضوعها الشكّ في قيام الحجّة الظاهريّة على الحكم الواقعي المشكوك، فهي إذا في طول الحجّيّة المشكوكة؛ لأنّها متأخّرة رتبة عنها من حيث الموضوع.

ثانيا: أنّ الحكمين الظاهريّين المختلفين متنافيان بوجوديهما الواقعيّين، سواء وصلا أم لا، كما تقدّم في محلّه.

الأمر الثاني: أنّ الأحكام الظاهريّة كالأحكام الواقعيّة متنافية واقعا،

و لذلك كما أنّه يستحيل وجود حكمين واقعيّين على موضوع واحد كذلك يستحيل صدور حكمين ظاهريّين على موضوع واحد، سواء وصلا معا إلى المكلّف أم لا؛ و ذلك لأنّ الشارع الحكيم لا يصدر منه تشريعين متنافيين على واقعة واحدة.

و هذا الأمر واضح في الأحكام الواقعيّة؛ لأنّه يلزم منه اجتماع المحبوبيّة و المبغوضيّة و المصلحة و المفسدة على شي‏ء واحد، و أمّا في الأحكام الظاهريّة فلأنّها كما تقدّم تكشف عن الأهمّ من الملاكات الواقعيّة في نظر الشارع عند الشكّ و الاشتباه، فيستحيل أن يكون المهمّ بنظره الإلزام و الترخيص معا للتكاذب و التنافي بينهما.

ثالثا: أنّ البراءة عن التكليف الواقعي منافية ثبوتا للحجّيّة المشكوكة على ضوء ما تقدّم.

الأمر الثالث: أنّ البراءة الأولى و الحجّيّة المشكوكة بما أنّهما حكمان ظاهريّان‏

متنافيان و في عرض واحد، كما تقدّم في الأمرين السابقين، فهذا يعني أنّه يستحيل اجتماعهما، و لذلك إذا ثبت أحدهما ارتفع الآخر، و عليه فإذا جرت البراءة الأولى‏

46

لنفي الحكم الواقعي المشكوك كان معناه أنّه يستحيل ثبوت الحجّيّة المشكوكة؛ لأنّه على فرض ثبوتها سوف يثبت حكمان ظاهريّان عرضيّان على شي‏ء واحد، و هو مستحيل بمقتضى الأمر الثاني و تنافيهما- كما قلنا- ثبوتي أي بلحاظ مرحلة الواقع و التشريع سواء وصلا إلى المكلّف أم لا.

رابعا: أنّ مقتضى المنافاة أنّها تستلزم عدم الحجّيّة واقعا و نفيها.

الأمر الرابع: أنّ المنافاة بين البراءة الأولى و الحجّيّة المشكوكة تستلزم‏

أنّه إذا جرت البراءة عن الحكم الواقعي المشكوك كان من المستحيل ثبوت الحجّيّة المشكوكة واقعا، أي أنّ ثبوت البراءة يقتضي نفي الحجّيّة المشكوكة واقعا؛ للاستحالة المتقدّمة في الأمر الثاني و الثالث.

خامسا: أنّ الدليل الدالّ على البراءة عن التكليف الواقعي يدلّ بالالتزام على نفي الحجّيّة المشكوكة.

الأمر الخامس: أنّ الدليل الذي يدلّ على البراءة كحديث الرفع مثلا

أو الآيات الكريمة له مدلولان:

أحدهما: المدلول المطابقي و هو البراءة و التأمين و الذي معناه أنّ ملاكات الترخيص هي الأهمّ واقعا.

و الثاني: المدلول الالتزامي و هو أنّ ملاكات الإلزام ليست هي الأهمّ بنظر الشارع في هذه الواقعة، و الذي معناه أنّ الشارع لم يصدر منه ما ينجّز الواقع، فتكون الحجّيّة المشكوكة منفية بالمدلول الالتزامي لدليل البراءة.

و هذا يعني: أنّنا بإجراء البراءة عن التكليف الواقعي سنثبت بالدليل نفي الحجّيّة المشكوكة، فلا حاجة إلى أصل البراءة عنها و إن كان لا محذور فيه أيضا.

و النتيجة على ضوء ما تقدّم هي: أنّنا إذا أجرينا البراءة الأولى عن التكليف الواقعي المشكوك فسوف يثبت أوّلا التأمين، و الذي يعني أنّ ملاكات الترخيص هي الأهمّ بنظر الشارع واقعا.

و سوف يثبت ثانيا أنّ الحجّيّة المشكوكة منتفية على أساس أنّ دليل البراءة يدلّ بالالتزام على أنّ ملاكات الإلزام ليست مهمّة بنظر الشارع؛ و لأنّها تنافي ثبوت البراءة واقعا؛ لأنّهما حكمان ظاهريّان عرضيّان، و حينئذ لا نحتاج إلى إجراء براءة ثانية عند

47

الشكّ في الحجّيّة المشكوكة؛ إذ لا موضوع لهذه البراءة أصلا؛ لأنّ هذه الحجّيّة قد انتفت مسبقا، فلا معنى للشكّ فيها مجدّدا، فيكون إجراء براءة ثانية للتأمين عن شي‏ء غير ثابت أصلا.

و لذلك لا معنى و لا فائدة من البراءة الثانية لمحذور اللغويّة و انتفاء الموضوع.

و ما ذكره السيّد الشهيد من أنّه لا محذور في إجرائها لكن لا حاجة لذلك فيه مسامحة واضحة.

و يمكن تصوير وقوع الأحكام الظاهريّة موردا للأصول العمليّة في الاستصحاب، إذ قد يجري استصحاب الحكم الظاهري لتماميّة أركان الاستصحاب فيه و عدم تماميّتها في الحكم الواقعي، كما إذا علم بالحجّيّة و شكّ في نسخها فإنّ المستصحب هنا نفس الحجّيّة لا الحكم الواقعي.

بعد أن عرفنا أنّ البراءة الثانية لا تجري عند الشكّ في قيام الحجّة لعدم إمكانيّة تصوير معقول لها، إلا أنّه يمكن إجراء الاستصحاب في الأحكام الظاهريّة فيما إذا كانت أركانه تامّة فيها.

فمثلا إذا علم بقيام الحجّة الظاهريّة على الحكم الواقعي المشكوك ثمّ شككنا في نسخها، فهنا يمكننا إجراء الاستصحاب في الحكم الظاهري دون الواقعي.

و توضيحه: أنّ الحكم الواقعي مشكوك ابتداء فلا يجري فيه الاستصحاب؛ لعدم تماميّة أركانه فيه، بناء على القول بأنّ الاستصحاب لا يجري عند الشكّ في الشبهة الحكميّة.

و أمّا الحكم الظاهري فأركان الاستصحاب فيه تامّة؛ لأنّه متيقّن سابقا و مشكوك لاحقا مع وحدة القضيّة فيهما و وجود الأثر العملي التنجيزي لهذا الاستصحاب، فيجري استصحاب بقاء الحجّيّة عند الشكّ في نسخها (1).

____________

(1) طبعا النسخ معناه انتهاء سعة المجعول بلحاظ عمود الزمان؛ لأنّ النسخ بمعناه الحقيقي محال على المولى؛ لأنّه يلزم منه الجهل تعالى الله عن ذلك.

فإذا علمنا أنّ الشارع جعل الحجّيّة لأمارة ما ثمّ شككنا في نسخ هذه الحجّيّة و عدمه فيجري استصحاب بقاء حجّيّتها، و من الواضح أنّ الحجّيّة حكم ظاهري إلا أنّ أركان الاستصحاب تامّة بلحاظها، و أمّا بالنسبة للحكم الواقعي فهو مشكوك ابتداء و لا يقين سابق فلا يجري استصحابه.

48

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

49

1- الوظيفة العمليّة في حالة الشكّ [البدوي‏]

1- الوظيفة في حالة الشكّ البدوي 2- الوظيفة في حالة العلم الإجمالي 3- الوظيفة عند الشكّ في الوجوب و الحرمة معا 4- الوظيفة عند الشكّ في الأقلّ و الأكثر الوظيفة في حالة الشكّ البدوي 1- الوظيفة الأوّليّة في حالة الشكّ 2- الوظيفة الثانويّة في حالة الشكّ‏

50

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

51

الوظيفة الأوّليّة في حالة الشكّ‏

كلّما شكّ المكلّف في تكليف شرعيّ و لم يتأتّ له إقامة الدليل عليه إثباتا أو نفيا فلا بدّ من تحديد الوظيفة العمليّة تجاهه. و يقع الكلام أوّلا في تحديد الوظيفة العمليّة تجاه التكليف المشكوك بقطع النظر عن أي تدخّل من الشارع في تحديدها، و هذا يعني التوجّه إلى تعيين الأصل الجاري في الواقعة بحدّ ذاتها، و ليس هو إلا الأصل العملي العقلي.

و يوجد بصدد تحديد هذا الأصل العقلي مسلكان:

ذكرنا مرارا أنّ المكلّف الذي اختلطت عليه الملاكات و لم يميّز بينها نتيجة الشكّ و الاشتباه، لا بدّ له من الاستناد إلى أصل يحدّد له الموقف العملي تجاه هذا الواقع المشكوك من أجل التنجيز أو التعذير عنه، و ذكرنا أنّ الأصول العمليّة التي يلجأ إليها المكلّف على قسمين:

أحدهما: الأصول العمليّة العقليّة، و هي التي يدركها العقل و يحكم بها على أساس إدراكه لثبوت حقّ الطاعة أو عدم ثبوته.

و الآخر: الأصول العمليّة الشرعيّة و هي التي يجعلها الشارع لعلاج الشكّ و تحديد موقف المكلّف.

و من خلال ما تقدّم ظهر لدينا أنّ الأصول العقليّة متقدّمة على الأصول الشرعيّة، لأنّها موجودة في كلّ واقعة بحدّ ذاتها، بينما الأصول الشرعيّة ليس من الضروري وجودها في كلّ واقعة.

فالبحث ينبغي إذا أن ينصبّ حول مقامين:

الأوّل: في تحديد الوظيفة العمليّة العقليّة، أي الأصل الذي يحكم به العقل بقطع النظر عن وجود أصل شرعي إثباتا أو نفيا، فيبحث عن مقتضى الأصل‏

52

الأوّلي بلحاظ الواقعة المشكوكة بحدّ ذاتها.

الثاني: في تحديد الوظيفة العمليّة الشرعيّة، أي الأصل الذي جعله الشارع في الواقعة المشكوكة فقد يكون مطابقا للأصل العقلي و قد يكون مخالفا له.

و من أجل تحديد الأصل العملي العقلي يوجد مسلكان:

المسلك المشهور القائل بقبح العقاب بلا بيان، و الذي يؤمّن بالبراءة كأصل أوّلي.

و المسلك المختار القائل بأنّ العقل يحكم بالاحتياط على أساس حقّ الطاعة للمولى.

و حينئذ لا بدّ من استعراض المسلكين لنرى ما هو الصحيح منهما، فنقول:

1- مسلك قبح العقاب بلا بيان:

إنّ مسلك قاعدة قبح العقاب بلا بيان هو المسلك المشهور، و قد يستدلّ عليه بعدّة وجوه:

الأوّل: ما ذكره المحقّق النائيني (رحمه الله)

(1)

من أنّه لا مقتضي للتحرّك مع عدم وصول التكليف، فالعقاب حينئذ عقاب على ترك ما لا مقتضي لإيجاده و هو قبيح.

و قد عرفت في حلقة سابقة

(2)

أنّ هذا الكلام مصادرة؛ لأنّ عدم المقتضي فرع ضيق دائرة حقّ الطاعة و عدم شمولها عقلا للتكاليف المشكوكة؛ لوضوح أنّه مع الشمول يكون المقتضي للتحرّك موجودا، فينتهي البحث إلى تحديد دائرة حقّ الطاعة.

المسلك الأوّل: [مسلك قبح العقاب بلا بيان:]

هو المسلك المشهور القائل بأنّ العقل يحكم بقبح العقاب مع عدم البيان، و الذي مفاده أنّه مع عدم بيان التكليف للمكلّف يقبح عقابه على عدم التحرّك عنه فعلا أو تركا، فيكون العقل حاكما بالتأمين و نافيا للعقاب مع عدم علم المكلّف بالتكليف، و هو المطلوب.

و قد استدلّوا على ذلك بوجوه منها:

____________

(1) فوائد الأصول 3: 365.

(2) في بحث الأصول العمليّة من الحلقة الثانية، تحت عنوان: القاعدة العمليّة الأوّليّة في حالة الشكّ.

53

الأوّل: ما ذكره المحقّق النائيني (رحمه الله) من أنّ التكاليف إنّما تكون محرّكة للمكلّف فيما إذا كانت واصلة إليه، و أمّا وجودها الواقعي من دون وصول فلا يكفي للتحرّك، كما هو الحال في الأمور التكوينيّة، فإنّ الإنسان إذا علم بوجود الأسد في مكان فإنّه يتحرّك عنه فلا يقترب من المكان، و أمّا إذا لم يعلم بوجوده فلن يتحرّك عنه، بل يقتحم ذلك المكان، و هذا يعني أنّ الوجود الواقعي ليس هو المحرّك، بل المحرّك هو الوصول و العلم.

و في مقامنا إذا لم يعلم المكلّف بالتكليف فلن يكون لديه مقتضي التحرّك عنه فعلا أو تركا؛ لأنّ مقتضي التحرّك كما تقدّم هو الوصول و العلم، و المفروض انتفاؤه هنا، و حينئذ فإن عوقب على ترك التحرّك عمّا يقتضيه التكليف كان العقاب ثابتا من دون مقتضي لثبوته.

و من الواضح أنّ ثبوت العقاب مع عدم ثبوت موجبه و مقتضيه قبيح، إذ لازمه العقاب على ترك التحرّك عن تكليف لا يعلم بوجوده، و هو محال صدوره من الشارع الحكيم، و أمّا إذا علم بالتكليف و مع ذلك لم يتحرّك عنه فهو مستحقّ للعقاب؛ لأنّه قد ترك التحرّك عن التكليف الواصل إليه و المعلوم عنده، فيكون العقاب ثابتا لثبوت مقتضيه و موجبه، و بالتالي لا يكون قبيحا.

و هكذا يتّضح أنّ التحرّك فرع وجود موجب و مقتضي التحرّك، و أنّ استحقاق العقاب مترتّب على ذلك نفيا و إثباتا، و أنّ وصول التكليف و العلم به هو الذي يحقّق مقتضي التحرّك، و مع عدم الوصول و العلم لا يكون مقتضي التحرّك و استحقاق العقاب ثابتا.

و الجواب عنه: أنّه مصادرة على المطلوب، أي أنّ الدليل عين المدّعى.

و توضيح ذلك: أنّ العقل عند ما يواجه واقعة مشكوكة ينصبّ حكمه حول وجود حقّ الطاعة أو عدم وجوده، بمعنى أنّ حقّ الطاعة الثابت للمولى بحكم مولويّته هل يشمل كلّ انكشاف للتكليف، أم يختصّ بالتكاليف المعلومة فقط؟

فإن قيل باختصاصه بالتكاليف المعلومة كان معناه أنّ دائرة حقّ الطاعة ضيقة، و إن قيل بشموله كان معناه أنّ دائرة حقّ الطاعة واسعة.

و حينئذ نقول: إنّ وجود مقتضي التحرّك و عدم وجوده فرع تحديد دائرة حقّ‏

54

الطاعة سعة و ضيقا في مرحلة سابقة، فإن قيل بسعتها و شمولها للتكاليف المشكوكة أيضا كان مقتضي التحرّك موجودا، و بالتالي يحكم العقل باستحقاق العقاب على ترك التحرّك، و إن قيل بضيقها و اختصاصها بالتكاليف المعلومة فمقتضى التحرّك عند الشكّ و عدم العلم غير موجود فلا استحقاق للعقاب.

و هكذا يتّضح أنّ مصبّ البحث إنّما هو في تحديد دائرة حقّ الطاعة سعة و ضيقا، لنرى أنّ مقتضي التحرّك موجود أم لا.

و أما الاستدلال على البراءة بأنّ مقتضي التحرّك غير موجود في التكاليف المشكوكة من دون البحث عن دائرة حقّ الطاعة أوّلا فهو مصادرة على المطلوب؛ لأنّ المطلوب و هو إثبات البراءة بعدم التحرّك مترتّب على ثبوت ضيق دائرة حقّ الطاعة و التي لم يسلّم بضيقها بعد.

الثاني: الاستشهاد بالأعراف العقلائيّة، و قد تقدّم‏

(1)

أيضا الجواب بالتمييز بين المولويّة المجعولة و المولوية الحقيقية.

الدليل الثاني: الاستدلال على البراءة و كونها الحكم الأوّلي عند الشكّ في التكليف بما هو متعارف عند العقلاء، فإنّ سيرة العقلاء انعقدت على أنّ كلّ آمر يتعامل مع مأموريه وفق الطرق و الأساليب التي من شأنها أن تنجّز التكليف على مأموره، بحيث يستحقّ العقاب على مخالفة التكليف.

و العقلاء يرون أنّ الآمر لا يحقّ له أن يعاقب عبيده على مخالفة تكليف لم يصلهم فينجّز بشأنه، بل يرونه قبيحا و ظلما، و هذا يعني أنّ القاعدة من المرتكزات العقلائيّة مضافا إلى كونها عقليّة أيضا.

و على هذا فتكون التكاليف المعلومة و الواصلة هي المنجّزة و التي يستحقّ المكلّف العقاب على مخالفتها؛ لأنّ الشارع قد أمضى هذا البناء العقلائي إذ لم يعلم بوجود طريق خاصّ للشارع في هذا الصدد.

و الجواب: أنّ هذا مبني على كون المولويّة الشرعيّة كالمولويّة العرفيّة، إلا أنّه غير تامّ؛ و ذلك:

أوّلا: أنّ نفس المولويّة مفهوم كلّي مشكّك و ليست بمعنى واحد، أي أنّها تختلف‏

____________

(1) في نفس البحث من الحلقة الثانية و تحت نفس العنوان.