شرح الحلقة الثالثة - ج6

- الشيخ حسن الفياض العاملي المزيد...
287 /
5

الخاتمة في تعارض الأدلّة

1- تمهيد

2- قاعدة الجمع العرفي‏

3- التعارض المستقرّ على ضوء دليل الحجّيّة

4- حكم التعارض على ضوء الأخبار الخاصّة

6

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

7

تمهيد ما هو التعارض المصطلح؟

8

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

9

1- تمهيد ما هو التعارض المصطلح؟

التعارض المصطلح: هو التنافي بين مدلولي الدليلين، و لمّا كان مدلول الدليل هو الجعل فالتنافي المحقّق للتعارض هو التنافي بين الجعلين دون التنافي بين المجعولين أو الامتثالين؛ لخروج مرتبة المجعول و مرتبة الامتثال عن مفاد الدليل كما تقدّم في الحلقة السابقة

(1).

تعريف التعارض: التعارض لغة من العرض، و هو ذو معان عديدة.

منها: إظهار الشي‏ء، فيقال: عرض الأمر أي أظهره، و هنا يكون كلّ من الدليلين يحاول أن يظهر نفسه في مقابل الآخر.

و منها: التمانع أيضا، أي تعارض الأمران بمعنى تمانعا.

و أمّا اصطلاحا: فقد ذكر المشهور أنّ التعارض هو التنافي بين مدلولي الدليلين أو التنافي بين الدليلين في الحجّيّة.

و هذا معناه أنّ المدلولين للدليلين هما المتنافيان، و لمّا كان المدلولان هما الجعل فالتنافي يقع بين الجعلين، و لذلك فالتعارض هو التنافي بين الجعلين، دون المجعولين أو الامتثالين؛ لأنّ المجعول عبارة عن فعليّة الجعل في الخارج، و الامتثال هو مرحلة التحرّك و الانبعاث أو الزجر و الامتناع أي هو مرحلة المتطلّبات.

و هذان الأمران خارجان عن مدلول الدليل؛ لأنّ مدلوله هو جعل الحكم على موضوعه المفروض و المقدّر الوجود.

____________

(1) في أوّل بحث التعارض، تحت عنوان: التعارض بين الأدلّة المحرزة.

10

و أمّا المجعول فهو حكم اعتباري انتزاعي و ليس حقيقيّا؛ لأنّ العقل عند ما يلاحظ وجود الموضوع في الخارج مع سائر قيوده و شروطه يراه فعليّا على المكلّف فيسمّى بالمجعول، و أمّا الامتثال فهو حكم العقل بلزوم الإطاعة للتكليف و الجري على وفق ما يتطلّبه في مقام العمل من فعل أو ترك.

و بتعبير آخر: إنّ التنافي يمكن ملاحظته في ثلاث مراحل:

الأولى: مرحلة الجعل أي التنافي بين الحكمين؛ لأنّ الجعل عبارة عن الحكم الكلّي على موضوعه الكلّي المقدّر الوجود. و هو مدلول للدليل؛ لأنّ الدليل مفاده الجعل و الحكم، كما في (أقيموا الصلاة)، فإنّ هذا الدليل مفاده أو مدلوله جعل وجوب الصلاة.

الثانية: مرحلة المجعول، أي التنافي في الفعليّة؛ لأنّ المجعول هو الحكم الفعلي الذي صار موضوعه فعليّا و منجّزا على المكلّف بتحقّق قيوده و شروطه، كما في وجوب الحجّ على المستطيع فإنّه يصبح فعليّا بتحقّق الاستطاعة في الخارج.

الثالثة: مرحلة الامتثال في عالم المتطلّبات؛ لأنّ كلّ تكليف يقتضي متطلّبات على طبقه، فحرمة شرب الخمر تقتضي الامتناع و الزجر عن الشرب.

ففي مرحلة الجعل إذا وقع التنافي بين الحكمين كان كلّ منهما معارضا للآخر، كما في: (صلّ و لا تصلّ).

و هنا حيث يستحيل تشريع مثل هذين الحكمين للتناقض بينهما فيستحيل صدورهما من الشارع معا، و لذلك يقع التكاذب و التنافي بينهما.

و أمّا في مرحلة المجعول فالتنافي بين الحكمين في مرحلة الفعليّة بحيث يكون كلّ منهما معارضا للآخر فيها، فهذا إنّما يكون في فرض إمكان وصول الحكمين المتنافيين إلى المكلّف، و لمّا كانا متنافيين و متضادّين فلا يمكن فرض وصولهما معا، و مع عدم وصولهما معا لا يكون بينهما تناف و لا تعارض بلحاظ الفعليّة و المجعول.

و فرض التنافي في الفعليّة يكون فيما إذا كان أحد الدليلين قد أخذ في موضوعه عدم الآخر كما في الحكم الواقعي و الحكم الظاهري، فإنّهما لا يكونان فعليّين على المكلّف معا؛ لأنّ تحقّق موضوع أحدهما يعني ارتفاع موضوع الآخر، و كما في الوضوء و التيمّم أيضا.

11

و أمّا في مرحلة الامتثال فالتنافي بينهما لا يكون بلحاظ الجعل و لا المجعول؛ لإمكان جعلهما معا و لإمكان فعليّتهما معا أيضا، و لكن يقع التنافي بلحاظ قدرة المكلّف على الجمع بينهما، و هذا هو ما تقدّم في بحث الترتّب و التزاحم الامتثالي.

كما في (صلّ، و أزل النجاسة)، فإنّه لا تنافي بين الجعلين لعدم التناقض و التضادّ بينهما، كما و يمكن أن يكونا فعليّين على المكلّف لتحقّق موضوع كلّ منهما؛ لأنّ الموضوعين متغايران، و لكن في مقام العمل و الامتثال قد يفرض التنافي بلحاظ قدرة المكلّف.

كما إذا ضاق الوقت بحيث لا يمكنه إلا امتثال أحدهما فقط، فهنا لا يسري هذا التنافي إلى الدليلين، بل يكونان معا صادرين من الشارع، و لكن يكون كلّ منهما مشروطا بترك الآخر حال تساويهما في الأهمّيّة أو أحدهما فقط إذا كان أقلّ أهمّيّة.

و بهذا يظهر أنّ التعارض المصطلح هو التنافي بين الدليلين أي بين الجعلين أو بين مدلولي الدليلين؛ لأنّ المدلول هو الجعل أيضا.

و لا يقع التعارض المصطلح إلا بين الأدلّة المحرزة؛ لأنّ الدليل المحرز هو الذي له مدلول و جعل يكشف عنه، و أمّا الأدلّة العمليّة المسمّاة بالأصول العمليّة فلا يقع فيها التعارض المذكور، إذ ليس للأصل العملي مدلول يكشفه و جعل يحكي عنه، بل الأصل بنفسه حكم شرعي ظاهري.

موضوع التعارض: تقدّم أنّ الأدلّة على نحوين: أدلّة محرزة و أدلّة عمليّة أو أصول عمليّة، و التعارض المصطلح إنّما يكون موضوعه الأدلّة المحرزة لا الأصول العمليّة، فهنا مطلبان:

الأوّل: كون الأدلّة المحرزة هي الموضوع للتعارض، و هذا واضح؛ لأنّ الأدلّة المحرزة كالأمارات مثلا يراد بها استكشاف الحكم الشرعي؛ لأنّها طرق للكشف عن الواقع، فهي تحكي عن الحكم الموجود في الواقع، و هذا معناه أنّه يوجد لها مدلول و جعل تحكي و تكشف عنه و هو الحكم الشرعي، و لذلك يقع التعارض بلحاظ الأدلّة المحرزة سواء كانت قطعيّة كالخبر المتواتر و الاجماع أم كانت ظنّيّة كخبر الثقة.

الثاني: كون الأدلّة العمليّة أو الأصول العمليّة خارجة عن موضوع التعارض.

و هذا وجهه أنّ الأصل العملي لا يحكي عن الواقع و لا يكشف عن الجعل‏

12

الشرعي؛ لأنّه ليس له مدلول يكشف و يحكي عنه، و إنّما هي مجرّد وسائل لتسجيل الوظيفة العمليّة على المكلّف حال الشكّ و عدم وجود الدليل على الحكم الشرعي، فهي تحكي و تكشف عن موقف عملي تسجّله على ذمّة المكلّف و لا تحكي عن الحكم الشرعي و الجعل، و لذلك لا يقع التعارض بين البراءة و الاحتياط مثلا بحسب المصطلح؛ لأنّ التعارض الاصطلاحي هو التنافي بين الدليلين أو الجعلين أو مدلولي الدليلين بحيث لا بدّ من فرض جعلين متنافيين و الأصول ليس مفادها ذلك، بل البراءة لسانها التعذير و التأمين، و الاحتياط لسانه التنجيز؛ هذا بلحاظ ما تحكي عنه الأصول أي بلحاظ مدلولها.

نعم، الأصول نفسها مجعولات شرعيّة أي هي أحكام شرعيّة ظاهريّة جعلها الشارع حال الشكّ، و هذا معناه أنّه يوجد دليل شرعي أو عقلي دلّ على البراءة أو على الاحتياط، و لمّا كان موضوع البراءة و الاحتياط واحدا؛ لأنّه الشكّ في الحكم الواقعي، فيقع التعارض بين الأدلّة الدالّة على البراءة و الاحتياط، بمعنى أنّ جعل البراءة حال الشكّ يتنافى مع جعل الاحتياط حاله، و لذلك لا بدّ من حلّ ذلك.

و قد تقدّم منّا في بحث الأصول العمليّة حلّ هذا التنافي و أنّه ليس مستقرّا؛ لأنّ موضوع البراءة و إن كان الشكّ و لكنّه الشكّ في التكليف، بينما موضوع الاحتياط هو الشكّ في المكلّف به، أو الشكّ البدوي من دون فحص، أو الشكّ المقرون بالعلم الإجمالي؛ و لذلك لا يدخل في بحث التعارض الاصطلاحي حقيقة.

و حينما نقول في كثير من الأحيان: إنّ الأصلين العمليّين متعارضان، لا نقصد التعارض المصطلح بمعنى التنافي بينهما في المدلول، بل التعارض في النتيجة؛ لأنّ كلّ أصل له نتيجة معلولة له من حيث التنجيز و التعذير، فإذا كانت النتيجتان متنافيتين كان الأصلان متعارضين، و كلّما كانا كذلك وقع التعارض المصطلح بين دليليهما المحرزين؛ لوقوع التنافي بينهما في المدلول.

دفع إشكال: أمّا الإشكال فحاصله: أنّ ما ذكرتم من عدم وقوع التعارض بلحاظ الأصول العمليّة و أنّها خارجة عن موضوع التعارض الاصطلاحي، يتنافى مع ما يقال عادة و في كثير من الأحيان: من أنّ الأصلين متعارضان، كما في جريان الأصول في أطراف العلم الإجمالي، فإنّه يقال بتعارضهما و تساقطهما، و كما في تعارض‏

13

الاستصحابين السببي و المسبّبي في بعض الموارد، فإنّه يحكم بترجيح أحدهما على الآخر.

و الحاصل: أنّ قواعد التعارض تطبّق على التعارض بين الأصلين فكيف يقال بخروجها عن موضوع التعارض؟!

و أمّا الحلّ: فإنّ التعارض الذي يطلق على الأصول العمليّة في حال جريانها في مورد واحد، إنّما هو التعارض بمعنى التنافي في النتيجة العمليّة التي يؤدّي إليها كلّ واحد منهما، و ليس المقصود منه التعارض الاصطلاحي بمعنى التنافي بين الجعلين أو مدلولي الدليلين. و عليه، فالتعارض ليس بمعناه الاصطلاحي، بل بمعناه اللغوي و هو التمانع.

فإذا تعارضت البراءة و الاحتياط أو البراءة و الاستصحاب المنجز، كان معنى ذلك أنّ النتيجة التي تؤدّي إليها البراءة و هي التعذير و التأمين متنافية مع النتيجة التي يؤدّي إليها الاحتياط و الاستصحاب المنجّز، و هذا التنافي في النتيجة معناه التنافي في المعلول لكلّ منهما؛ لأنّ التعذير معلول للبراءة و التنجيز معلول للاحتياط مثلا، و من ثمّ يطلق التعارض على مثل البراءة و الاحتياط إذا اجتمعا في مورد واحد، و هذا الإطلاق ليس بالمعنى الاصطلاحي بل بالمعنى اللغوي. هذا فيما إذا لاحظنا نفس الأصل العملي.

و أمّا إذا لاحظنا الدليل الدالّ على الأصل العملي، فلاحظنا دليل البراءة مثلا «رفع ما لا يعلمون»، و لاحظنا دليل الاحتياط مثلا (لا تقتحم الشبهات) أو (احتط لدينك)، فهنا إذا اجتمعت البراءة و الاحتياط في مورد لم يكن بينهما بذاتيهما تعارض بالمصطلح، و لكن بلحاظ الدليل الدالّ عليهما يقال بوقوع التعارض المصطلح بين دليل البراءة و دليل الاحتياط على فرض تماميّته؛ لأنّ الدليلين متنافيان بلحاظ المدلول أي بلحاظ الجعل الشرعي، فإنّ البراءة حكم شرعي و الاحتياط حكم شرعي و هما متنافيان فلا يمكن جعلهما على موضوع واحد.

و من هنا نعرف أنّ التعارض بين أصلين عمليّين مردّه إلى وقوع التعارض المصطلح بين دليليهما، و كذلك الأمر في التعارض بين أصل عمليّ و دليل محرز، فإنّ مردّه إلى وقوع التعارض بين دليل الأصل العملي و دليل حجّيّة ذلك الدليل المحرز

.

14

و هكذا نعرف أنّ التعارض المصطلح يقوم دائما بين الأدلّة المحرزة.

و بناء على ما تقدّم نقول: إنّه لا تعارض بين الأصلين العمليّين بذاتيهما، و إنّما التعارض بينهما بلحاظ الدليلين الدالّين عليهما، و لا تعارض أيضا بين الأصل العملي و الدليل المحرز و إنّما التعارض بينهما بلحاظ الدليل الدالّ على الأصل العملي مع الدليل المحرز نفسه، فهنا أمران:

الأوّل: عدم وقوع التعارض بين الأصلين أنفسهما و رجوعه إلى الدليلين الدالّين عليهما، و هذا ما تقدّم بيانه سابقا.

الثاني: عدم وقوع التعارض بين الأصل العملي و الدليل المحرز كما إذا تعارضت البراءة في مورد مع خبر الثقة، أو تعارض الاستصحاب مع خبر الثقة، فهنا لا تعارض بين نفس الاستصحاب كأصل عمليّ و بين خبر الثقة كدليل محرز؛ و ذلك لأنّ الأصل العملي كما تقدّم لا يحكي و لا يكشف عن المدلول و الجعل الشرعي، و إنّما يحدّد و يسجّل الوظيفة العمليّة للشاكّ فقط.

و لكن لو لاحظنا الدليل المحرز الدالّ على الاستصحاب كالروايات التي استعرضناها سابقا في بحث الاستصحاب، وجدنا أنّه يوجد تعارض بين تلك الروايات و بين الأدلّة الدالّة على حجّيّة خبر الثقة، فإنّ الروايات الدالّة على الاستصحاب تجعل له الحجّيّة في مورده، و كذا الروايات الدالّة على خبر الثقة أو السيرة العقلائيّة الممضاة الدالّة عليه تجعل له الحجّيّة في مورده، فيقع التعارض بين الدليلين الدالّين على جعل الحجّيّة للاستصحاب و لخبر الثقة، و حينئذ لا بدّ من علاج هذا التعارض من الجمع بينهما أو الترجيح أو التساقط.

و بهذا يتّضح لنا أنّ موضوع التعارض الاصطلاحي هو الأدلّة المحرزة، و لكن تارة يكون بين الأدلّة المحرزة مباشرة كما في التعارض بين خبرين مثلا أو التعارض بين رواية و آية ظنّيّة الدلالة.

و أخرى يكون بين الأدلّة المحرزة بتوسّط التعارض بين الأصلين العمليّين أو الأصل العملي مع الدليل المحرز، كما هو الحال في التعارض بين الأصلين الذي يستتبع التعارض بين الدليلين الدالّين عليهما، و كما هو في مورد التعارض بين الأصل العملي و الدليل المحرز فإنّه يرجع إلى التعارض بين دليل الأصل العملي مع الدليل المحرز.

15

ثمّ إنّ الدليلين المحرزين إذا كانا قطعيّين فلا يعقل التعارض بينهما؛ لأنّه يؤدّي إلى القطع بوقوع المتنافيين. و كذلك لا يتحقّق بين دليل قطعيّ و دليل ظنّي؛ لأنّ الدليل القطعي يوجب العلم ببطلان الدليل الظنّي و زوال كاشفيّته، فلا يكون دليلا و حجّة؛ لاستحالة الدليليّة و الحجّيّة لما يعلم ببطلانه.

وصلنا إلى أنّ موضوع التعارض هو الدليلان المحرزان، و لكنّ الأدلّة المحرزة على أقسام فهل كلّ أقسامها تدخل في موضوع التعارض أم بعضها فقط؟

و الجواب: أنّ بعض الأدلّة المحرزة تدخل في موضوع التعارض لا كلّها.

و بيان ذلك أن يقال: إنّ الأدلّة المحرزة بلحاظ نفسها تنقسم إلى الأدلّة المحرزة القطعيّة و الأدلّة المحرزة الظنّيّة، و لكن بلحاظ مورد اجتماعهما تنقسم إلى ثلاث حالات:

الأولى: أن يجتمع دليلان قطعيّان على مورد واحد، و هذا مستحيل؛ لأنّ فرض اجتماعهما مع كونهما قطعيّين متخالفين يؤدّي إلى اجتماع النقيضين أو الضدّين و هو محال بالبداهة، و لذلك لا يمكن أن يجتمع مثل الخبر المتواتر أو الإجماع المتخالفين في المدلول و الجعل الشرعي على موضوع واحد و إلا للزم المحال، و هكذا لا يجتمع مثل الآية القطعيّة الدلالة مع الخبر المتواتر المخالف لدلالتها.

الثانية: أن يجتمع دليل قطعي مع دليل ظنّي، كما إذا اجتمع الخبر المتواتر أو الآية القطعيّة الدلالة مع خبر الثقة المخالف لمدلولهما، فهنا أيضا لا يعقل التعارض من باب أنّ الدليل القطعي يرفع موضوع الدليل الظنّي؛ لأنّ الدليل الظنّي مورده و ظرفه إنّما هو حالة الشكّ، و مع قيام الدليل القطعي لا شكّ في الواقع، فيرتفع موضوع الدليل الظنّي فتبطل كاشفيّته و طريقيّته، و مع بطلانها لا يكون حاكيا و لا كاشفا عن المدلول و الجعل ليقع التعارض بينه و بين المدلول و الجعل الذي يكشف عنه الدليل القطعي.

و بتعبير آخر: إنّه مع وجود الدليل القطعي لا يكون الدليل الظنّي حجّة و لا دليلا و لا طريقا كاشفا عن المدلول و الجعل؛ لأنّه لا موضوع له أصلا فهو منتف في نفسه، و إذا كان كذلك فلا يعارض غيره؛ لأنّه صار بحكم المعدوم.

الثالثة: أن يجتمع دليلان ظنّيّان، كاجتماع خبرين على موضوع واحد، كما إذا أخبر ثقة بحرمة لحم الأرنب و أخبر ثقة آخر بحلّيّته و هكذا، فهنا يقع التعارض؛ لأنّ‏

16

موضوع الحجّيّة أي حجّيّة خبر الثقة يشملهما معا على حدّ واحد لكونهما واجدين لتمام الشرائط المعتبرة، و ليس أحدهما رافعا لموضوع الآخر ليحكم بسقوطه رأسا، و لذلك لا بدّ من علاج هذا التعارض؛ لأنّ كلّا منهما يحكي و يكشف عن مدلول و جعل مخالف للآخر.

إذن يدخل في موضوع التعارض خصوص الدليلين المحرزين الظنّيّين فقط دون غيرهما.

و إنّما يتحقّق التعارض بين دليلين ظنّيّين؛ و هذان الدليلان إمّا أن يكونان دليلين لفظيّين، أو غير لفظيّين، أو مختلفين من هذه الناحية.

فإن كانا دليلين لفظيين- أي كلامين للشارع- فالتعارض بينهما على قسمين:

أحدهما: التعارض غير المستقرّ، و هو التعارض الذي يمكن علاجه بتعديل دلالة أحد الدليلين و تأويلها بنحو ينسجم مع الدليل الآخر.

و الآخر: التعارض المستقرّ الذي لا يمكن فيه العلاج.

حالات الدليلين الظنيّين المحرزين: انتهينا إلى أنّ موضوع التعارض هو الدليلان المحرزان الظنّيّان، و لكن هذان الدليلان من حيث كونهما لفظيّين أو غير لفظيّين أو مختلفين ينقسمان إلى ثلاثة أقسام:

القسم الأوّل: أن يكون الدليلان معا لفظيّين. كما إذا تعارض خبران أو آية ظنّيّة الدلالة مع خبر ثقة، فالتعارض بينهما على نحوين:

أحدهما: التعارض غير المستقرّ، و المقصود به التعارض الذي يمكن حلّه و علاجه عن طريق الجمع العرفي، بحيث يمكننا أن نحمل أحدهما على الآخر كالمطلق و المقيّد و العامّ و الخاصّ، أو نعدّل دلالة أحدهما بحيث تنسجم مع دلالة الآخر فيما إذا كان هناك مبرّر لهذا التعديل كما في موارد القرينة و الحكومة.

فمثلا إذا ورد (أكرم العالم) و (لا تكرم الفاسق) أمكن الجمع بينهما بتقييد الأوّل بغير الفاسق أي حمل المطلق على المقيّد.

و كما إذا ورد (الكرّ ألف و مائتا رطل) و ورد (الكرّ ستمائة رطل)، فإنّه يحمل أحدهما على المدني و الآخر على العراقي، بحيث تعدّل الدلالة فيهما بنحو يتمّ الانسجام بينهما.

17

و الآخر: التعارض المستقرّ، و المقصود به عدم إمكانيّة الجمع العرفي بينهما، و هذا حكمه التساقط أو التخيير أو الترجيح.

و سوف نتحدّث بالتفصيل عن هذين النحوين، و لكن هنا نشير إليهما بصورة مختصرة فنقول:

ففي حالات التعارض المستقرّ يسري التعارض إلى دليل الحجّيّة؛ لأنّ ثبوت الحجّيّة لكلّ منهما- كما لو لم يكن معارضا- يؤدّي إلى إثبات كلّ منهما و نفيه في وقت واحد؛ نظرا إلى أنّ كلّا منهما يثبت مفاد نفسه و ينفي مفاد الآخر، و يبرهن ذلك على استحالة ثبوت الحجّيّتين على نحو ثبوتهما في غير حالات التعارض، و هذا معنى سراية التعارض إلى دليل الحجّيّة لوقوع التنافي في مدلوله‏

.

النحو الأوّل: التعارض المستقرّ بين الدليلين الظنّيّين فمؤدّاه سريان التعارض من الخبرين مثلا إلى الدليل الدالّ على حجّيّتهما، و هو دليل الحجّيّة العامّ، فإنّ دليل حجّيّة الخبر شامل لكلا الخبرين على حدّ واحد لاستجماعهما لشرائط الحجّيّة في أنفسهما.

و عليه، فشموله لأحدهما فقط يؤدّي إلى الترجيح من دون مرجّح و هو باطل، و عدم شموله لهما خلاف ما فرضناه من كونهما جامعين لشرائط الحجّيّة الذي يعني أنّ موضوع الحجّيّة موجود في كلّ منهما.

و مع ثبوت الموضوع لا بدّ من ترتيب الحكم عليه، إلا أنّ شموله لهما معا يؤدّي إلى محذور لا يمكن الالتزام به؛ و ذلك لأنّ كلّا من هذين الدليلين كما يثبت مؤدّاه بحسب مدلوله المطابقي فهو ينفي مؤدّى الآخر بحسب مدلوله الالتزامي، فيقع التعارض و التنافي بلحاظ المدلول المطابقي في كلّ منهما مع المدلول الالتزامي فيهما.

فإذا ورد خبر في وجوب صلاة الجمعة يوم الجمعة و ورد خبر في وجوب الظهر في هذا اليوم، كان الخبر الأوّل دالّا بالمطابقة على وجوب الجمعة و بالالتزام على نفي وجوب الظهر؛ لأنّه لمّا كان حاكيا و كاشفا عن الواقع فهو يدّعي أنّ الملاك الأهمّ في الواقع هو صلاة الجمعة دون غيرها، و هكذا الحال بالنسبة للخبر الآخر، و حينئذ فالالتزام بهما معا يؤدّي إلى ثبوت الحجّتين المتنافيتين و هو مستحيل؛ لأنّه لا يمكن أن يتعبّدنا الشارع بالمتكاذبين معا، و من هنا سوف يسري التعارض إلى دليل الحجّيّة؛ لأنّ دليل الحجّيّة بتطبيقه على الخبر الأوّل يفيد التعبّد بمدلوله، و بتطبيقه على الخبر الثاني‏

18

يفيدنا أيضا التعبّد بمدلوله، فيقع التنافي بلحاظ المدلولين المفادين بدليل الحجّيّة العامّ.

و لذلك إمّا أن يحكم بتساقطهما أو بالتخيير بينهما بعد فرض عدم إمكان ترجيح أحدهما على الآخر ببعض المرجّحات الخاصّة التي سوف تأتي.

و أمّا في حالات التعارض غير المستقرّ فيعالج التعارض بالتعديل المناسب في دلالة أحدهما أو كليهما، و معه لا يسري التعارض إلى دليل الحجّيّة؛ إذ لا يبقى محذور في حجّيّتهما معا بعد التعديل.

و لكنّ هذا التعديل لا يجري جزافا، و إنّما يقوم على أساس قواعد الجمع العرفي التي مردّها جميعا إلى أنّ المولى يفسّر بعض كلامه بعضا، فإذا كان أحد الكلامين صالحا لأن يكون مفسّرا للكلام الآخر جمع بينهما بالنحو المناسب.

و مثل الكلام في ذلك ظهور الحال.

النحو الثاني: التعارض غير المستقرّ بين الدليلين، فلا يؤدّي إلى سريان التعارض إلى الدليلين.

و الوجه في ذلك: هو أنّ هذا التعارض يمكن علاجه و حلّه بنحو يمكن فيه بعد تعديل دلالة أحدهما أو كليهما الجمع بينهما و الأخذ بهما معا، فيكون دليل الحجّيّة شاملا لهما معا؛ لإمكان التعبّد بمدلوليهما من دون تناف و تكاذب بينهما.

فمثلا موارد المطلق و المقيّد و العامّ و الخاصّ و الحكومة، يمكن فيها علاج التعارض البدوي بحمل المطلق على المقيّد و العامّ على الخاصّ و المحكوم على الحاكم، و هذا الحمل سوف يؤدّي إلى إيجاد بعض التعديل في دلالة الدليل أو في دلالة كلا الدليلين معا، و معه يصبح الأخذ بهما ممكنا لزوال التنافي و التكاذب، و حينئذ يشملهما دليل الحجّيّة من دون أيّ محذور في ذلك، و هذا هو معنى عدم سريان التعارض إلى دليل الحجّيّة؛ لأنّه يزول في مرحلة سابقة.

و لكنّ هذا التعديل في دلالة أحد الدليلين أو في كلتا الدلالتين لا يكون جزافا و تبرّعا محضا، و إنّما هو على أساس قواعد الجمع العرفي الآتية، فإذا تمّت بعض هذه القواعد فهي، و إلا فلا معنى للجمع من دون أيّ مبرّر أو أيّ ملاك، و لهذا فقاعدة الجمع أولى من الطرح إنّما هي فيما إذا كان الجمع له ما يبرّره عرفا بحسب ما هو المتعارف و المعمول به في المحاورات العرفيّة لا مطلقا.

19

و على هذا فإذا كان أحد الكلامين صالحا للقرينيّة و للتفسير أمكن الجمع العرفي و إلا فلا، و سيأتي شرح ذلك في محلّه مفصّلا.

و ما ذكرناه من حلّ التعارض فيما إذا كان أحد الكلامين مفسّرا و قرينة على المراد من الآخر، كذلك نقوله فيما إذا كان ظهور حال المتكلّم قرينة مفسّرة للمراد من أحد الدليلين أو كليهما.

فالإطلاق المقامي مثلا أو الإطلاق الحكمي يمكن الأخذ به فيما إذا كان يصلح للقرينيّة و تفسير المراد من أحد الكلامين، فإذا فرضنا كون أحد الكلامين صادرا و كان فيه ظهور حالي مقامي في أنّ المعصوم (عليه السلام) في مقام البيان للأجزاء و الشرائط، فإنّه بهذا الإطلاق و الظهور الحالي ننفي جزئيّة أو شرطيّة ما يشكّ لاحقا في جزئيّته و شرطيّته.

و عليه، فإذا ورد دليل آخر و كان واجدا لهذا الشرط أو للجزء المشكوك و لكنّه لم يكن لهذا الدليل إطلاق مقامي و ظهور حالي في أنّه في مقام البيان لتمام الأجزاء و الشرائط، فإنّه بمقتضى الإطلاق المقامي و الظهور الحالي الموجود في الدليل الأوّل نحمل ما ورد في الدليل الثاني على كون ما أتى به ليس جزءا و شرطا، و لكنّه يجوز الإتيان به و لا يكون وجوده جزءا و شرطا كما لا يكون عدمه مضرّا و مبطلا، فهو على نحو الاستحباب أو الجواز لا على نحو الوجوب و اللزوم.

هذا كلّه فيما إذا كان الدليلان الظنّيّان لفظيّين.

و إن كان الدليلان معا غير لفظيّين أو مختلفين كان التعارض مستقرّا لا محالة؛ لأنّ التعديل إنّما يجوز في حالة التفسير، و تفسير دليل بدليل إنّما يكون في كلامين و ما يشبههما، و إذا استقرّ التعارض سرى إلى دليلي الحجّيّة، فإن كانا لفظيّين لوحظ نوع التعارض بينهما و هل هو مستقرّ أو لا؟ و إن لم يكونا كذلك فالتعارض مستقرّ على أيّة حال. و البحث في تعارض الأدلّة يشرح أحكام التعارض غير المستقرّ و التعارض المستقرّ معا

.

و أمّا القسم الثاني و الثالث: أن يكون الدليلان غير لفظيّين أو أحدهما لفظيا و الآخر غير لفظي.

كما إذا تعارضت شهرتان في الفتوى، أو شهرة فتوائيّة مع خبر ثقة، فهنا التعارض‏

20

بينهما يكون مستقرّا بمعنى أنّه يسري إلى دليل الحجّيّة في كلّ منهما، و لا يمكن أن يفرض كون التعارض بينهما غير مستقرّ؛ لأنّ التعديل و الجمع العرفي إنّما يكون فيما إذا كان أحد الدليلين قرينة مفسّرة للمراد من الآخر.

و هذا إنّما يكون فيما إذا كان كلا الدليلين لفظيّين؛ لأنّ التفسير و التعديل إنّما يكون بلحاظ الكلام أو ما يشبه الكلام، كالظهور الحالي المتقدّم، فإنّه صالح لتفسير المراد من الكلام الآخر، و أمّا إذا لم يكونا لفظيّين أو كان أحدهما غير لفظي فالتفسير و القرينيّة مفقودة.

و عليه، فما دام التعارض مستقرّا بين الشهرتين مثلا أو بين الشهرة و الخبر، فلا بدّ من ملاحظة الدليلين الدالّين على حجّيّتهما؛ لأنّ التعارض سرى إلى دليل الحجّيّة في كلّ منهما.

و هنا إذا لاحظنا دليل الحجّيّة فيهما فقد يكون الدليل في كلّ منهما لفظيّا، و أخرى غير لفظيّين، و ثالثة مختلفين.

فإن كانا معا لفظيّين فتارة يكون التعارض مستقرّا و أخرى غير مستقر، كما تقدّم آنفا، كما إذا فرضنا كون الدليل الدالّ على حجّيّة خبر الثقة هو الأخبار القطعيّة، و فرضنا كون الدليل الدالّ على حجّيّة الشهرة هو قوله: «خذ بما اشتهر بين أصحابك ...».

و إن كانا معا غير لفظيّين- كما إذا كان دليل حجّيّة خبر الثقة السيرة العقلائيّة و كان دليل حجّيّة الشهرة هو الإمضاء و التقرير أو قاعدة اللطف مثلا- أو كان أحدهما لفظيّا و الآخر غير لفظي، فهنا يقع التعارض المستقرّ بينهما، أي بين الدليلين الدالّين على الحجّيّة؛ لما ذكرناه الآن من عدم إمكان فرض القرينة و التفسير و التعديل في غير الكلام أو ما يكون كالكلام.

***

21

الورود و التعارض‏

22

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

23

الورود و التعارض‏

و على ضوء ما تقدّم نعرف أنّ الورود- بالمعنى الذي تقدّم في الحلقة السابقة

(1)

- ليس من التعارض، سواء كان الدليل الوارد محقّقا في مورده لفرد حقيقيّ من موضوع الدليل المورود، أو نافيا في مورده حقيقة لموضوع ذلك الدليل.

أمّا في الأوّل فواضح. و أمّا في الثاني فلأنّ التنافي إنّما هو بين المجعولين و الفعليّتين لا بين الجعلين، فالدليلان (الوارد و المورود) كلاهما حجّة في إثبات مفادهما، و تكون الفعليّة دائما لمفاد الدليل الوارد؛ لأنّه ناف لموضوع المجعول في الدليل الآخر.

و على هذا صحّ القول بأنّ الدليلين إذا كان أحدهما قد أخذ في موضوعه عدم فعليّة مفاد الدليل الآخر فلا تعارض بينهما، إذ لا تنافي بين الجعلين، و يكون أحدهما واردا على الآخر في مرحلة المجعول و الفعليّة.

الورود و التعارض: الورود معناه أن يكون أحد الدليلين رافعا لفعليّة الدليل الآخر و ذلك برفع موضوعه رفعا حقيقيّا، هذا إذا كان نافيا، و أمّا إذا كان مثبتا فيكون أحد الدليلين موجدا و محقّقا لفرد حقيقيّ من موضوع الدليل الآخر، و الورود بكلا نحويه خارج عن باب التعارض.

أمّا الورود المثبت فلأنّ الدليل الوارد لا يتنافى مع الدليل المورود؛ لأنّه مثبت لموضوعه و لا ينفيه، و التعارض كما ذكرنا هو التنافي بين الدليلين بلحاظ مدلوليهما، و هذا غير متحقّق؛ لأنّ المدلولين لا تنافي بينهما في الدليلين الوارد و المورود.

و مثاله ما إذا قيل: (أكرم العالم)، ثمّ ورد دليل آخر يقول: (إنّ التقي عالم)، فهنا يكون الدليل الوارد مثبتا لفرد من أفراد العالم على نحو الحقيقة، و إن كان لسان هذا

____________

(1) في أوائل بحث التعارض، تحت عنوان: التعارض بين الأدلّة المحرزة.

24

الإثبات اعتباريّا و جعليّا؛ لأنّه وارد من الشارع فالادّعاء موجود في عالم التعبّد لا في عالم الوجود الخارجي التكويني.

و لا تنافي بين هذين الدليلين لا في عالم الجعل و التشريع؛ لأنّه يمكن جعلهما و تشريعهما معا من دون أيّة منافاة أو تكاذب و تمانع بينهما، و لا في عالم الفعليّة و المجعول؛ لأنّهما معا مثبتان، و لا تنافي بين الحكمين و المجعولين فيهما و لا في عالم الامتثال؛ لأنّه يمكنه إكرام العالم و يمكنه إكرام التقي أيضا.

و مثاله أيضا: دليل حجيّة الأمارات فإنّه يعتبر واردا على دليل جواز الإفتاء بما هو حجّة؛ لأنّه يوجد فردا حقيقيّا من أفراد الحجّيّة.

و أمّا الورود النافي و الرافع لموضوع الدليل المورود، فإنّه لا تنافي بينهما بلحاظ الجعل و التشريع بل يمكن جعلهما معا، و إن كان هناك تناف بينهما؛ لأنّ أحدهما يثبت الحكم لهذا الفرد و الآخر ينفيه عنه؛ و ذلك لأنّ هذا التنافي لن يؤدّي إلى التعبّد بالمتنافيين؛ لأنّ الدليلين الوارد و المورود و إن كان كلّ واحد منهما حجّة في نفسه إلا أنّهما لن يكونا فعليّين معا؛ لأنّ الدليل الوارد دائما يرفع موضوع الدليل المورود و مع ارتفاع موضوعه لا يكون الحكم فيه فعليّا، بل هو منتف لانتفاء موضوعه، فليس هناك إلا حكم واحد في عالم الفعليّة و المجعول.

و مثاله ما إذا قيل: (أكرم العالم)، ثمّ ورد دليل آخر يقول: (العاصي ليس بعالم)، فإنّه في الدليل الأوّل كان الحكم منصبّا على كلّ أفراد العالم من دون تفصيل بينها، فكلّ فرد من أفراد العالم يجب إكرامه، بينما الدليل الثاني يخرج العاصي العالم حقيقة عن كونه عالما بالتعبّد، فهو إخراج حقيقي لهذا الفرد و لكن لسان هذا الإخراج و منشؤه هو عالم التعبّد و الاعتبار، لا الواقع الخارجي؛ لأنّه في الواقع الخارجي فرد من أفراد العالم، و لكنّه أخرج عن فرديّته حقيقة بنحو من الاعتبار و التعبّد، فكأنّه قال:

(اعتبر العاصي ليس بعالم أي اجعله غير عالم)، و هذه القضيّة حقيقيّة في عالم الجعل و الاعتبار، فالإخراج حقيقي و لكن في عالم الجعل.

و عليه، فسوف يكون الدليل الوارد متقدّما على الدليل المورود حتما؛ لأنّه يرفع موضوعه بلحاظ هذا الفرد، فلا يكون حكم الدليل المورود فعليّا فيه، و إنّما الحكم الفعلي هو ما يدلّ عليه الدليل الوارد.

25

و الحاصل: أنّ الدليلين الوارد و المورود و إن كان بينهما تناف بلحاظ المجعولين الفعليّين فيهما إلا أنّه بدوي و غير مستقرّ؛ لأنّه يزول تلقائيّا بعد معرفة أنّ الدليل الوارد يرفع موضوع الدليل المورود، فإنّ رفعه لموضوعه يعني رفع المجعول الفعلي فيه أيضا، فلا تنافي بين المجعولين في الحقيقة كما لا تنافي بين الجعلين معا، لإمكان التعبّد و العمل بكلا الدليلين.

و بهذا اتّضح خروج باب الورود بكلا قسميه أي (النافي و المثبت) عن باب التعارض؛ لأنّه لا تنافي بين الجعلين أو مدلولي الدليلين، و لا تنافي بين المجعولين لأنّ أحدهما فعلي و الآخر مرتفع لارتفاع موضوعه، و لمّا كان الورود المثبت خارجا عن محلّ كلامنا؛ لأنّه لا يوجد فيه أيّ تناف، فالحديث عن الورود النافي هو محطّ البحث، و لذلك نقول:

ثمّ إنّ ورود أحد الدليلين على الآخر يتمّ- كما عرفت- برفعه لموضوعه، و هذا الرفع على أنحاء:

منها: أن يكون رافعا له بفعليّة مجعوله، بأن يكون مفاد الدليل المورود مقيّدا بعدم فعليّة المجعول في الدليل الوارد.

و منها: أن يكون رافعا له بوصول المجعول لا بواقع فعليّته و لو لم يصل.

و منها: أن يكون رافعا له بامتثاله، فما لم يمتثل لا يرتفع الموضوع في الدليل المورود.

أقسام الورود الرافع و النافي: أو الورود من جانب واحد.

الدليل الوارد الرافع لموضوع الدليل المورود بلحاظ كيفيّة الرفع فيه ينقسم إلى عدّة أقسام أهمّها:

أوّلا: أن يكون الدليل الوارد رافعا لموضوع الدليل المورود بلحاظ فعليّة مجعوله، بحيث إذا صار المجعول في الدليل الوارد فعليّا فيرتفع به موضوع الدليل المورود، و هذا معناه أنّ الدليل المورود مقيّد بعدم فعليّة المجعول في الدليل الوارد، و أمّا إذا كان الدليل الوارد غير فعلي فسوف يكون الدليل المورود فعليّا حينئذ؛ لتحقّق قيده و هو عدم فعليّة الدليل الوارد، و من هنا نلاحظ أنّه لا يمكن أن يكونا فعليّين معا.

و ثانيا: أن يكون الدليل الوارد رافعا لموضوع الدليل المورود بلحاظ وصوله إلى‏

26

المكلّف، فإذا صار فعليّا و وصل إلى المكلّف بأن علم المكلّف به إمّا علما حقيقيّا كالقطع و إمّا بالتعبّد كالأمارات و نحوها، فهنا يكون الدليل الوارد رافعا لموضوع الدليل المورود؛ لأنّه وصل إلى المكلّف، و أمّا إذا لم يصل إلى المكلّف فهو لا يكون رافعا لموضوع الدليل المورود حتّى و لو كان فعليّا في الواقع بأن تحقّق موضوعه و سائر ما يتعلّق به، إلا أنّه ما دام لم يعلم به المكلّف و لم يحرزه فهو لا يكون واصلا، و القيد هنا الوصول لا الفعليّة.

و ثالثا: أن يكون الدليل الوارد رافعا لموضوع الدليل المورود بلحاظ الامتثال، فإذا صار فعليّا و وصل إلى المكلّف بأنحاء الوصول و امتثله ارتفع بذلك موضوع الدليل المورود، و أمّا إذا لم يمتثله فحتّى لو كان فعليّا و واصلا إلى المكلّف فلا يرتفع موضوع الدليل المورود به؛ لأنّ شرطه و قيده غير متحقّق و هو امتثال الدليل الوارد فيكون فعليّا.

و هناك حالتان أخريان لم يذكرهما السيّد الشهيد هنا، و هما: مرتبة التنجّز، و مرتبة الجعل؛ لأنّ مراحل تعارض الحكمين خمس:

1- الجعل 2- الفعليّة 3- الوصول 4- التنجّز 5- الامتثال.

و لعلّه لعدم أهمّيّتهما أو لندرة وقوعهما في الفقه.

و مثال الأوّل: دليل حرمة إدخال الجنب في المسجد الذي يرفع بفعليّة مجعوله موضوع صحّة إجارة الجنب للمكث في المسجد، إذ يجعلها إجارة على الحرام، و دليل صحّة الإجارة مقيّد بعدم كونها كذلك.

و مثال الثاني: دليل الوظيفة الظاهريّة الذي يرفع بوصول مجعوله عنوان المشكل المأخوذ في موضوع دليل القرعة.

و مثال الثالث: دليل وجوب الأهمّ الذي يرفع بامتثاله موضوع دليل وجوب المهمّ، كما تقدّم في مباحث القدرة

(1).

مثال الدليل الوارد الرافع بفعليّة مجعوله لموضوع الدليل المورود: ما إذا ورد حرمة دخول الجنب إلى المسجد، فإنّه يعتبر واردا على مثل دليل الإجارة، بمعنى كونه رافعا لموضوع الإجارة المتعلّق بدخول الجنب إلى المسجد؛ لأنّ موضوع الإجارة مقيّد بعدم‏

____________

(1) في بحث الدليل العقلي من الجزء الأوّل من الحلقة الثالثة، تحت عنوان: شرطيّة القدرة بالمعنى الأعمّ.

27

كون الإجارة على الحرام، و المقيّد هو: «إنّ شرط الله قبل شرطكم» أو «إلا شرطا حلّل حراما أو حرّم حلالا»، و دليل حرمة دخول الجنب إلى المسجد يوجد فردا من أفراد الحرام في الخارج فيكون رافعا و نافيا لموضوع الإجارة في هذا المورد.

و يلاحظ هنا: أنّ الدليل الوارد إنّما يكون رافعا لموضوع الدليل المورود فيما إذا كان مجعوله فعليّا لا مطلقا، بمعنى أنّ حرمة دخوله إلى المسجد فعليّا لكونه جنبا بالفعل، و مع الحرمة الفعليّة يرتفع موضوع الإجارة؛ لأنّه مقيّد بأن لا يكون متعلّقه حراما بالفعل.

و مثال الدليل الوارد الرافع بوصوله: الأحكام الظاهريّة التي أخذ في موضوع العلم مع الدليل القطعي.

فإنّ الدليل القطعي يعتبر واردا بوصوله إلى المكلّف على تلك الأحكام الظاهريّة، كأصالة الطهارة مثلا، أو أصالة الحلّيّة أو أصالة البراءة، فإنّ المأخوذ في ألسنتها عدم العلم فيكون وصول الحكم بالدليل القطعي واردا.

و مثاله أيضا: دليل القرعة لكلّ أمر مشكل مع الوظيفة الظاهريّة الثابتة بالأمارات أو الأصول العمليّة، فإنّ وصول الحكم بالأمارة أو الأصل إلى المكلّف يعتبر واردا على دليل القرعة و رافعا لموضوعه؛ لأنّه بوصول الحكم يرتفع كونه مشكلا أي غير مشخّص و لا محدّد؛ لأنّ الحكم قد تحدّد بتلك الأصول و الأمارات.

و مثال الدليل الوارد الرافع بامتثاله: حالات التزاحم بين الأهمّ و المهمّ، فإنّ الدليل الدالّ على الأهمّ يعتبر واردا على الدليل المهمّ؛ لأنّه يرفع موضوعه حال الاشتغال بامتثال الأهمّ، بناء على ما تقدّم في مباحث القدرة من أنّ كلّ تكليف مشروط بالقدرة التكوينيّة بالمعنى الأعمّ، بمعنى عدم الاشتغال بواجب آخر لا يقلّ أهمّيّة، فإنّه إذا اشتغل بالأهمّ ارتفع موضوع المهمّ، و إذا لم يشتغل به و عصاه كان موضوع المهمّ فعليّا بناء على إمكان الترتّب.

و قد يتّفق التوارد من الجانبين، و بعض أنحاء التوارد كذلك معقول و يأخذ مفعوله في كلا الطرفين. و بعض أنحائه معقول و يكون أحد الورودين هو المحكّم دون الآخر، و بعض أنحائه غير معقول فيؤدّي إلى وقوع التعارض بين الدليلين المتواردين.

أقسام التوارد من الجانبين: هناك عدّة أقسام للتوارد من الجانبين أهمّها:

28

الأوّل: أن يكون التوارد من الجانبين بحيث يكون كلّ منهما رافعا لموضوع الآخر، و هذا معناه أنّ كلّ واحد منهما مقيّد بعدم ثبوت الآخر، فيكون الأثر المطلوب و هو رفع الموضوع ملحوظا و فعليّا في كلا الطرفين، و هذا معقول في نفسه و لكنّه يؤدّي إلى انتفائهما معا.

الثاني: أن يكون التوارد من الجانبين و لكن يكون الأثر المطلوب في أحدهما دون الآخر، بحيث يكون أحد الدليلين المتواردين هو المؤثّر في رفع موضوع الآخر دائما دون العكس، و هذا معقول في نفسه أيضا.

الثالث: أن يكون التوارد من الجانبين و لكنّه غير معقول في نفسه بحيث يكون تقييد أحدهما بعدم الآخر غير ممكن لاستلزامه المحذور، و هذا يؤدّي إلى التعارض بين الدليلين المتواردين.

فمثال الأوّل: أن يكون الحكم في كلّ من الدليلين مقيّدا بعدم ثبوت الحكم الآخر في نفسه، و حينئذ حيث إنّ كلّا من الحكمين في نفسه و لو لا الآخر ثابت فلا يكون الموضوع لكلّ منهما محقّقا فعلا، و هذا معنى أنّ التوارد نفذ و أخذ مفعوله في كلا الطرفين.

مثال الأوّل: أي التوارد من الجانبين المعقول و الذي يؤدّي إلى نفوذ التوارد و تأثيره في كلا الطرفين، ما إذا قلنا بأنّ الحكم في كلا الدليلين مقيّد بعدم ثبوت وجود الدليل الآخر بنحو العدم اللولائي لا العدم الفعلي، أي أنّه لو لا وجود الدليل الدالّ على هذا الحكم لكان الحكم في الدليل الآخر فعليّا، و هكذا العكس، فإذا لاحظنا الدليل الأوّل نجد أنّ الحكم فيه فعلي لو لا وجود ذاك الدليل الدالّ على الحكم الآخر، و لكن حيث إنّ الدليل الدالّ على الحكم الآخر موجود فيكون الحكم في الدليل الأوّل منتفيا لارتفاع موضوعه، و هكذا الحال إذا لاحظنا الدليل الثاني فإنّ الحكم فيه يرتفع لعدم تحقّق موضوعه.

و بهذا يكون التوارد من الجانبين نافذا و مؤثّرا بحيث يكون كلا الحكمين منتفيا معا.

و تطبيقه الفقهي ما إذا وجب الحجّ بالاستطاعة و وجبت زيارة الإمام الحسين (عليه السلام) يوم عرفة بالنذر، فهاهنا يكون وجوب الحجّ مقيّدا بعدم ثبوت و وجود الدليل‏

29

الدالّ على الحكم الآخر، فمع وجود الدليل الآخر سوف يرتفع موضوع وجوب الحجّ؛ لعدم تحقّق موضوعه، و يكون وجوب الزيارة مقيّدا أيضا بعدم وجود و ثبوت الدليل الدالّ على وجوب الحجّ، فمع وجوده و ثبوته يكون وجوب الزيارة منتفيا لعدم تحقّق موضوعه، و النتيجة هي عدم ثبوت الحكمين معا بسبب التوارد من الجانبين.

و هذا النحو معقول في نفسه؛ لأنّه لن يلزم منه توقّف أحد الحكمين على عدم الآخر، و إنّما هو متوقّف على عدم وجود الدليل على الحكم الآخر، أي أحد الحكمين متوقّف على عدم وجود المقتضي للحكم الآخر لا على عدم الحكم الآخر ليلزم أن يكون أحد الضدّين متوقّفا على عدم الضدّ الآخر.

و مثال الثاني: أن يكون الحكم في أحد الدليلين مقيّدا بعدم ثبوت حكم على الخلاف، و أمّا الحكم الثاني فهو مقيّد بعدم امتثال حكم مخالف، ففي مثل ذلك يكون دليل الحكم الثاني تامّا و مدلوله فعليّا، و بذلك يرتفع موضوع دليل الحكم الأوّل. و أمّا دليل الحكم الأوّل فيستحيل أن ينطبق مدلوله على المورد؛ لأنّه إن أريد به إثبات مفاده حتّى في غير حال امتثاله فهو مستحيل؛ لأنّ غير حال امتثاله هو حال فعليّة الحكم الثاني التي لا يبقى معها موضوع للحكم الأوّل.

و إن أريد إثبات مفاده في حال امتثاله خاصّة فهو مستحيل أيضا؛ لامتناع اختصاص حكم بفرض امتثاله كما هو واضح.

مثال الثاني- أي التوارد من الجانبين المعقول في نفسه و الذي يؤدّي إلى تقديم أحدهما فقط دون الآخر-: ما إذا كان أحد الحكمين مقيّدا بعدم ثبوت حكم على الخلاف بينما الحكم الثاني مقيّدا بعدم الاشتغال بامتثال حكم مخالف له.

فهنا سوف يتقدّم دليل الحكم الثاني على دليل الحكم الأوّل- و إن كان التوارد من الجانبين؛ لأنّ القيد فيه هو عدم الاشتغال بحكم مخالف له، فإذا فرض وجود حكم مخالف له و كان فعليّا و واصلا إليه، فإن اشتغل به ارتفع الموضوع فيه و إن لم يشتغل به كان موضوعه فعليّا.

و أمّا الحكم الأوّل فدليله لن يتقدّم على دليل الحكم الثاني؛ و ذلك لأنّ القيد فيه هو عدم ثبوت حكم على الخلاف، فمع ثبوت الحكم المخالف له- سواء كان فعليّا أم لا و سواء كان مشتغلا به أم لا- فسوف يرتفع موضوعه؛ لعدم تحقّق القيديّة.

30

نعم، إذا لم يثبت ذاك الدليل الدالّ على الحكم المخالف له فيكون موضوع الدليل الأوّل فعليّا، إلا أنّ هذا الفرض خلاف ما فرضناه من ثبوت الحكمين معا، فإنّه في هذه الحالة يكون الدليل الدالّ على الحكم المخالف موجودا و لا معنى لفعليّة الدليل الدالّ على الحكم الأوّل؛ و ذلك لأنّه إن أريد إثبات فعليّته في غير حالة الاشتغال به فهذا مستحيل؛ لأنّ حالة عدم امتثاله و عدم الاشتغال به هي حالة فعليّة الحكم الثاني؛ لأنّه مقيّد بعدم الاشتغال بحكم مخالف، فما دام لم يشتغل بالحكم المخالف الذي هو مفاد الدليل الأوّل كان الحكم الثاني فعليّا، و مع فعليّته يرتفع موضوع الحكم الأوّل لعدم تحقّق موضوعه و هو عدم ثبوت الحكم على الخلاف؛ لأنّ المفروض ثبوته حينئذ.

و إن أريد به إثبات فعليّته حال الاشتغال به ففي هذه الحالة- و إن كان قيد الحكم الثاني غير متحقّق- يلزم محذور كون الحكم مقيّدا بحال الاشتغال به، ممّا يعني أنّ فرض ثبوته هو فرض الاشتغال به، فما لم يشتغل به لا يكون ثابتا، و هذا واضح البطلان؛ لأنّ الحكم يثبت أوّلا ثمّ يصير فعليّا و منجّزا، ثمّ يشتغل به المكلّف أو لا يشتغل به، و لذلك إمّا يكون عاصيا أو مطيعا، و إلا لانتفى العقاب في صورة الترك؛ لأنّه لا يكون ثابتا، و العقاب إنّما يكون على مخالفة الحكم الثابت على ذمّة المكلّف.

و تطبيقه الفقهي: ما إذا كان وجوب الحجّ مقيّدا بعدم الاشتغال بالضدّ الآخر، أي بعدم الاشتغال بالحكم المخالف له، و كان وجوب النذر مقيّدا بعدم ثبوت الحكم على الخلاف المستفاد من قوله: «إلا شرطا حلّل حراما» أو «شرط الله قبل شرطكم».

فهنا يكون وجوب الحجّ فعليّا و متقدّما على وجوب النذر فيما إذا اشتغل به، و أمّا إذا لم يشتغل به فيستحيل أن يكون وجوب النذر فعليّا؛ لأنّه مقيّد بعدم ثبوت حكم على الخلاف، ممّا يعني أنّ ثبوت وجوب الحجّ عند تحقّق الاستطاعة يمنع من فعليّة وجوب النذر؛ لأنّه حكم على الخلاف.

و حينئذ إن أريد ثبوت وجوب النذر فتارة يراد ثبوت وجوبه و فعليّته حال الاشتغال به، و أخرى في غير حالة الاشتغال به.

أمّا الثانية فهي صورة فعليّة وجوب الحجّ؛ لأنّه يكون فعليّا في حال عدم الاشتغال بواجب آخر.

و أمّا الأولى فهي صورة ثبوت وجوب النذر حال الاشتغال به و هذا باطل في‏

31

نفسه؛ لأنّ الوجوب يثبت في مرتبة سابقة على الاشتغال، و الاشتغال متأخّر في الرتبة و الوجود على ثبوت الحكم.

و بهذا يكون وجوب الحجّ أي الدليل الدالّ على الحكم المقيّد بعدم الاشتغال بالآخر ثابتا دائما، و بثبوته يرتفع موضوع دليل الحكم الآخر المقيّد بعدم ثبوت حكم على الخلاف؛ لأنّه يكون حكما على الخلاف.

و مثال الثالث: أن يكون الحكم في كلّ من الدليلين مقيّدا بعدم حكم فعليّ على الخلاف، ففي مثل ذلك يكون كلّ منهما صالحا لرفع موضوع الآخر لو بدأنا به، و لمّا كان من المستحيل توقّف كلّ منهما على عدم الآخر يقع التعارض بين الدليلين على الرغم من ورود كلّ منهما على الآخر، و يشملهما أحكام التعارض‏

.

مثال الثالث: أي التوارد من الجانبين غير المعقول، ما إذا كان كلّ من الدليلين مقيّدا بعدم ثبوت و وجود الدليل الآخر بنحو العدم الفعلي، أي أنّه إذا كان أحدهما ثابتا بالفعل فيرتفع الآخر، فيكون كلّ منهما رافعا لموضوع الآخر بثبوته و وجوده الفعلي. أو بتعبير آخر: يكون كلّ من الحكمين مقيّدا بعدم ثبوت حكم على الخلاف، فمع ثبوت الحكم على الخلاف يرتفع الموضوع.

فهنا إذا بدأنا بالحكم الأوّل نلاحظ أنّ ثبوته و وجوده يعني ارتفاع موضوع الحكم الآخر؛ لأنّه مقيّد بعدم ثبوت حكم على الخلاف، و هنا حكم على الخلاف، و إذا بدأنا بالحكم الثاني نلاحظ أيضا أنّ ثبوته يرتفع به موضوع الحكم الأوّل المقيّد بعدم ثبوت حكم على الخلاف؛ لأنّه حكم على الخلاف أيضا.

و هذا نتيجته أنّ كلا الحكمين مقيّد أحدهما بعدم ثبوت الآخر، و هذا معناه أنّ كلّا منهما متوقّف ثبوته على عدم ثبوت الآخر، و حيث إنّهما ضدّان فيلزم أن يكون أحد الضدّين متوقّفا على عدم الضدّ الآخر، و هذا مستحيل في نفسه؛ لما تقدّم سابقا في مباحث الضدّ و غيره أنّ الضدّ لا يكون عدمه من أجزاء العلّة لوجود الضدّ الآخر.

و في هذه الحالة لا يعقل مثل هذا التوارد؛ لأنّه يؤدّي إلى المحذور العقلي؛ لأنّ قبول هذا التقييد فيهما يؤدّي إلى التصديق بكون عدم أحد الضدّين علّة للآخر، و هو مستحيل، و ما يلزم منه المحال فهو محال أيضا.

و لذلك يقع التعارض بين الدليلين لو فرض وجودهما بهذا النحو من التقييد،

32

بحيث نقطع إمّا بعدم صدورهما معا أو بصدور أحدهما فقط، فنطبّق عليهما أحكام التعارض الآتية.

و بهذا يكون القسم الثالث من التوارد من الجانبين داخلا في باب التعارض بالمصطلح؛ لأنّه يؤدّي إلى التنافي بين الجعلين و الدليلين.

و تطبيقه الفقهي ما إذا كان وجوب الحجّ و وجوب النذر مقيّدا كلّ منهما بعدم الآخر، فيكون ثبوت وجوب الحجّ متوقّفا على عدم ثبوت وجوب النذر، و وجوب النذر متوقّفا على عدم ثبوت وجوب الحجّ، و تكون النتيجة توقّف الشي‏ء على نفسه و هو دور ممتنع.

و سنتكلّم فيما يأتي عن أحكام التعارض ضمن عدّة بحوث‏

.

***

33

2- قاعدة الجمع العرفي‏

و نتكلّم في بحث هذه القاعدة عن:

1- النظريّة العامّة للجمع العرفي.

2- و عن أقسام الجمع العرفي- أو أقسام التعارض غير المستقرّ- و ملاك الجمع في كلّ واحد منها و تكييفه على ضوء تلك النظريّة العامّة.

3- و عن أحكام عامّة للجمع العرفي تشترك فيها كلّ الأقسام.

4- و عن نتائج الجمع العرفي بالنسبة إلى الدليل المغلوب.

5- و عن تطبيقات للجمع العرفي وقع البحث فيها.

فهذه خمس جهات رئيسية نتناولها بالبحث تباعا.

34

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

35

1- النظريّة العامّة للجمع العرفي‏

تتلخّص النظريّة العامّة للجمع العرفي في أنّ كلّ ظهور للكلام حجّة ما لم يعدّ المتكلّم ظهورا آخر لتفسيره و كشف المراد النهائي له، فإنّه في هذه الحالة يكون المعوّل عقلائيّا على الظهور المعدّ للتفسير و كشف المراد النهائي للمتكلّم، و يسمّى بالقرينة، و لا يشمل دليل الحجّيّة في هذه الحالة الظهور الآخر

.

الجهة الأولى: يبحث فيها عن النظريّة العامّة للجمع العرفي:

و تتلخّص النظريّة العامّة للجمع العرفي في أن تكون هناك دلالتان، تكون إحداهما مفسّرة للأخرى، فإنّه في هذه الحالة تكون الدلالة المفسّرة موجبة للتغيير و التبديل في الدلالة المفسّرة، فيجمع بين الدلالتين بحمل الدلالة المفسّرة على الدلالة المفسّرة.

و الوجه في ذلك: هو أنّ حجّيّة الظهور معناها أنّ كلّ ظهور للكلام يكون حجّة في نفسه، إلا إذا نصب المتكلّم قرينة على الخلاف، فمع عدم نصب القرينة على الخلاف يؤخذ بما ظهر من كلامه و يكون هو الحجّة، فإذا قال مثلا: (رأيت أسدا) و لم ينصب القرينة المتّصلة انعقد لهذا الكلام ظهور في إرادة إخطار صورة الأسد الحقيقي، و هذه الإرادة جدّيّة أيضا.

و أمّا إذا قال: (رأيت أسدا يرمي أو يلقي كلمة)، فهذا الكلام المتّصل يعتبر قرينة صارفة لانعقاد ظهور (الأسد) في معناه الحقيقي، و لذلك يتبدّل و يتغيّر معناه وفقا للقرينة الصارفة، فيكون المراد هو الرجل القوي الشجاع على مستوى الإرادة الاستعماليّة و الإرادة الجدّيّة معا.

و في مقامنا هكذا أيضا، فإنّ المتكلّم إذا لم يعدّ كلاما آخر لتفسير المراد الاستعمالي أو الجدّي من كلامه الأوّل فينعقد الظهور على طبق كلامه الأوّل، و يكون حجّة ما

36

لم يعارض بكلام آخر منفصل، فإنّه في حالة وجود الكلام المنفصل اللاحق يقع التعارض بين الظهور و يقدّم الأقوى منهما على الآخر.

و أمّا إذا أعدّ المتكلّم كلاما آخر لتفسير المراد من كلامه الأوّل، فيكون هذا الإعداد- سواء كان شخصيّا أم نوعيّا- هو المناط عند العقلاء و العرف لتفسير المراد الجدّي و النهائي من كلامه، بحيث يكون المراد منعقدا على أساس الكلام الثاني لا الكلام الأوّل، و لذلك يوجب التغيير و التبديل في الظهور الأوّل بحيث لا ينعقد إلا على أساس الظهور الثاني.

و هذا الإعداد يسمّى بالقرينة، فيكون الدليل الثاني أو الكلام الآخر قرينة مفسّرة على المراد من الكلام الأوّل، و حينئذ ينعقد الظهور طبقا للقرينة و يكون هو الحجّة، و أمّا ظهور الدليل الأوّل ذي القرينة فلا ينعقد أساسا أو ينعقد و لكنّه لا يكون حجّة و لا يشمله دليل حجّيّة الظهور؛ لأنّ العرف و العقلاء لا يرونه حجّة مع وجود الظهور الآخر المفسّر له.

و الإعداد للتفسير تارة يكون شخصيّا و أخرى نوعيّا، و لذلك قال السيّد الشهيد:

و هذا الإعداد تارة يكون شخصيّا و تقوم عليه قرينة خاصّة، و أخرى يكون نوعيّا، بمعنى أنّ العرف أعدّ هذا النوع من التعبير للكشف عن المراد من ذلك النوع من التعبير، و تحديد المراد منه، و الظاهر من حال المتكلّم الجري وفق الإعدادات النوعيّة العرفيّة.

فمن الأوّل قرينيّة الدليل الحاكم على المحكوم، و من الثاني قرينيّة الخاصّ على العامّ.

الإعداد للتفسير المسمّى بالقرينة على قسمين:

الأوّل: الإعداد الشخصي بأن يكون هناك قرينة خاصّة و شخصيّة أعدها المتكلّم لتفسير المراد النهائي من كلامه، كما إذا قال: (رأيت أسدا) ثمّ قال عقيب ذلك أعني به الرجل الشجاع، و هذا ما يسمّى بالحكومة التفسيريّة اللفظيّة عند الآخوند.

و كما إذا قال: (الطواف في البيت صلاة) فإنّه حاكم على (شرطيّة الطهارة) بمعنى كونه موسّعا لدليل الشرطيّة لتشمل الطواف أيضا، و هذا هو معنى الحكومة عند الميرزا و غيره.

37

الثاني: الإعداد النوعي، و ذلك بأن يكون أحد الكلامين مفسّرا و قرينة على الآخر عند العرف و النوع العقلائي، وفقا لما هو المعمول عندهم في محاوراتهم العرفيّة و أساليب الكلام، بحيث يكون كلّ متكلّم داخلا في هذا البناء العرفي النوعي العامّ؛ لأنّ الغالب أنّ المتكلّم العرفي لا يشذّ عن طريقة العرف و النوع في أساليب المحاورات و التفاهم، و إلا للزم عليه نصب القرينة الشخصيّة على أنّ لديه طريقة أخرى غير طريقة العرف العامّ و النوع.

و عليه، فما دام المتكلّم تابعا للمحاورات العرفيّة فكلّ ما يعتبر قرينة عندهم يكون قرينة في كلام المتكلّم باعتباره داخلا معهم في البناء.

و من هذا القبيل قرينة التقييد و التخصيص، فإنّ العرف العامّ يحمل العامّ على الخاصّ و المطلق على المقيّد، فإذا أفاد المتكلّم بكلامين و كان أحدهما أخصّ من الأوّل كان هذا قرينة عرفيّة نوعيّة على أنّ المراد من الكلام الأوّل هو وفق المراد من الكلام الثاني، فيحمل عليه و يجمع بينهما جمعا عرفيّا.

و أمّا كيفيّة الجمع العرفي على أساس القرينة فهو راجع إلى نوعيّة القرينة؛ و ذلك لأنّ القرينة تارة تكون متّصلة و أخرى منفصلة، و لذلك نقول:

و كلّ قرينة إن كانت متّصلة بذي القرينة منعت عن انعقاد الظهور التصديقي أساسا و لم يحصل تعارض أصلا، و إن كانت منفصلة لم ترفع أصل الظهور و إنّما ترفع حجّيّته لما تقدّم، و هذا هو معنى الجمع العرفي.

نتيجة الجمع العرفي: و على أساس ما تقدّم نصل إلى النتيجة من الجمع العرفي، و هي تختلف باختلاف نوعيّة القرينة.

فتارة تكون القرينة متّصلة أي أنّ الكلام الثاني متّصل بالكلام الأوّل، كما إذا قال:

(رأيت أسدا يرمي)، فهنا ظهور الكلام له ثلاث مراحل:

الأولى: مرحلة المدلول التصوّري، و هذه لا تتغيّر و لا تتبدّل؛ لأنّها ثابتة على أساس الوضع القائم بين اللفظ و المعنى، بحيث يتبادر إلى الذهن المعنى الموضوع له من اللفظ عند صدوره و لو كان من غير ذي شعور أصلا، و لذلك فكلمة (الأسد) ظاهرة ظهورا تصوّريا في معناها الحقيقي و هو الحيوان المفترس.

الثانية: مرحلة المدلول الاستعمالي أي التصديقي الأوّل، و هذا المدلول لمّا كان دلالة

38

تصديقيّة فلا بدّ فيه من النظر إلى حال المتكلّم، و أنّه أراد استعمال الكلمة (الأسد) على طبق معناها الحقيقي أم لا؟ و هذا يرتبط بذكر ما يكون صارفا لهذه الدلالة في الكلام و حيث إنّه ذكر القرينة الصارفة و هي (يرمي) فيكون مراده الاستعمالي هو الأسد المجازي أي الرجل الشجاع، و من هنا كانت القرينة المتّصلة صارفة للظهور الاستعمالي و المدلول التصديقي الأوّل و مانعة من انعقاده على طبق المدلول التصوّري.

الثالثة: مرحلة المدلول الجدّي أو الدلالة التصديقيّة الثانية، و هذا ينعقد على وفق المدلول الاستعمالي، و هو هنا الرجل الشجاع فيكون المراد الجدّي للمتكلّم هو الرجل الشجاع لا الحيوان المفترس.

و حجّيّة الظهور تنعقد على أساس المراد الجدّي للمتكلّم، و هو هنا الرجل الشجاع أي على طبق القرينة و لا يحصل أيّ تعارض؛ لعدم وجود إرادتين مختلفتين، و إنّما هناك إرادة واحدة فقط.

و أخرى تكون القرينة منفصلة كما إذا قال: (رأيت أسدا) ثمّ عقّب ذلك بعد فترة بقوله: (يرمي قوسا)، فهنا ينعقد للكلام الأوّل ظهور تصوّري و استعمالي و إرادة جدّيّة في الحيوان المفترس، و بتطبيق حجّيّة الظهور عليه يكون ظهور كلامه الأوّل في الحيوان المفترس حجّة، إلا أنّه لمّا جاء الكلام الثاني كان هناك تعارض بين حجّيّة الظهور الأوّل في الحيوان المفترس و بين ظهور الكلام الثاني في إرادة الرجل الشجاع، و حينئذ يقدّم الدليل الثاني؛ لكونه قرينة عرفيّة مفسّرة للمراد الجدّي النهائي، و بهذا التقديم سوف ترتفع حجّيّة الظهور عن الظهور الأوّل و تنعقد على طبق الظهور الثاني.

و بهذا يكون الكلام المنفصل الذي فيه القرينة المفسّرة رافعا لحجّيّة ظهور الكلام الأوّل و ليس مانعا من أصل انعقاد الظهور في نفسه؛ لأنّ الظهور ينعقد على طبق المدلولين التصوّري و التصديقي الأوّل؛ لأنّه لم ينصب فيه قرينة على الخلاف، و إنّما القرينة المخالفة جاءت منفصلة عن الظهور فهي تعارض حجّيّته فقط. و هذا تقدّم سابقا في بحث حجّيّة الظهور.

و بهذا يتّضح لنا معنى الجمع العرفي بشكل مجمل و مختصر، و أمّا التفصيل فهو ضمن البحوث الآتية.

39

و أمّا الفرق بين القرينة الشخصيّة و القرينة النوعيّة فهو مرتبط بكيفيّة إثباتهما؛ و لذلك يقول:

و القرينيّة الناشئة من الإعداد الشخصي يحتاج إثباتها إلى ظهور في كلام المتكلّم على هذا الإعداد، من قبيل أن يكون مسوقا مساق التفسير للكلام الآخر مثلا.

و القرينيّة الناشئة من الإعداد النوعي يحتاج إثباتها إلى إحراز البناء العرفي على ذلك، و الطريق إلى إحراز ذلك غالبا هو أن نفرض الكلامين متّصلين و نرى هل يبقى لكلّ منهما في حالة الاتّصال اقتضاء الظهور التصديقي في مقابل الكلام الآخر، أو لا؟

فإن رأينا ذلك عرفنا أنّ أحدهما ليس قرينة على الآخر؛ لأنّ القرينة باتّصالها تمنع عن ظهور الكلام الآخر و تعطّل اقتضاءه. و إن رأينا أنّ أحد الكلامين بطل ظهوره أساسا عرفنا أنّ الكلام الثاني قرينة عليه.

و الكلام الآن في كيفيّة إحراز القرينيّة: بقي علينا أن نعرف كيف نحرز أو نثبت أنّ الكلام الثاني قرينة على تفسير المراد من الكلام الأوّل.

و هنا نقول: أمّا القرينيّة الناشئة من الإعداد الشخصي فالأمر فيها واضح جدّا؛ لأنّ المتكلّم إذا أراد أن يذكر كلاما مفسّرا لكلامه الأوّل و مبيّنا للمراد النهائي منه فعليه أن يذكر ما يكون كذلك بشكل واضح و بيّن؛ لأنّ هذه القرينة لمّا كانت شخصيّة و غير متعارفة لدى النوع فاللازم على المتكلّم بيانها بشكل واضح و جلّي ليتّضح مراده الجدّي النهائي؛ لأنّه في مقام البيان و التفهيم كما هو الغالب و ليس في مقام التقيّة و الإجمال.

و حينئذ يأتي بكلام يكون ظاهرا في القرينيّة من قبيل أدوات التفسير مثلا (أعني، أقصد، أريد، أي ...).

و أمّا القرينيّة الناشئة من الإعداد النوعي، فهي لمّا كانت تابعة لما هو المتعارف عند العقلاء و النوع في محاوراتهم و أساليب التفاهم فيما بينهم، فاللازم حينئذ إحراز هذا البناء العرفي.

و طريقة إحراز البناء العرفي العامّ الدالّ على القرينيّة هي أن نفرض الدليلين متّصلين دائما.

40

و توضيحه: أنّ المتكلّم تارة يأتي بكلامين متّصلين و أخرى منفصلين.

ففي حال الاتّصال يكون إحراز القرينيّة واضحا؛ لأنّه إن كان في كلاميه المتّصلين ما يوجب صرف الظهور الأوّل و انعقاده على طبق الظهور الثاني بأن كان الثاني مقيّدا أو مخصّصا فهو و إلا فلا، فإذا قال: (أكرم علماء هذه البلدة و لا تكرم علماء تلك البلدة) لم يكن الكلام الثاني المتّصل قرينة نوعيّة صارفة فيبقى ظهور الكلام الأوّل على حاله، و أمّا إذا قال: (أكرم علماء هذه البلدة و لا تكرم الفسّاق منهم) كان الكلام الثاني قرينة نوعيّة عرفيّة دالّة على أنّ المقصود من العلماء غير الفسّاق أي العلماء العدول فقط دون غيرهم.

و أمّا في حالة الانفصال كما إذا تكلّم بكلام صباحا ثمّ تكلّم بكلام آخر عصرا، فهنا لكي نحرز أنّ الكلام الثاني قرينة عرفيّة نوعيّة أو لا نجمع الكلامين معا بنحو متّصل، و نلاحظ حال الظهور التصديقي في كلّ منهما، فإن بقي الظهور التصديقي في كلّ منهما على حاله لم يكن فيهما تلك القرينة النوعيّة، و إن تغيّر الظهور في أحدهما كان أحدهما قرينة نوعيّة على صرف الظهور، بمعنى عدم انعقاده حال الاتّصال ممّا يعني أنّه ليس حجّة حال الانفصال.

فمثلا إذا قال: (أكرم العلماء) في الصباح ثمّ عصرا قال: (لا يجوز إكرام أي عالم) فهنا لو فرضناهما متّصلين معا كأن قال: (أكرم العلماء و لا يجوز إكرام أي عالم) فهنا لا يكون أحدهما قرينة نوعيّة على بيان المراد؛ لأنّهما معا عامّين و شاملين لكلّ العلماء ممّا يعني وقوع التعارض بينهما.

و أمّا إذا قال: (أكرم العلماء) صباحا ثمّ قال عصرا: (لا تكرم الفسّاق)، فهنا لو فرضناهما متّصلين معا كأن قال: (أكرم العلماء و لا تكرم الفسّاق) كان الثاني قرينة نوعيّة على تفسير المراد الجدّي و النهائي من الأوّل؛ لأنّه يكون مخصّصا أو مقيّدا له بحيث يكون المراد النهائي (أكرم العلماء إلا الفسّاق).

و بهذا ظهر أنّ إعداد القرينة الشخصيّة يرتبط بما يذكره نفس المتكلّم من كلام ظاهر في التفسير، بينما إعداد القرينة النوعية فهو بما يراه العرف أنّه قرينة، و هذا معناه الرجوع إلى البناء العرفي لمعرفة وجود مثل هذه القرينة في كلام المتكلّم أو لا.

و هذا يتمّ بتحويل الكلام المنفصل إلى متّصل فيكون حاله حال الكلام المتّصل‏

41

ابتداء، فإن كان أحدهما قرينة نوعيّة تمنع من انعقاد الظهورين معا فالكلام الثاني يكون قرينة، و إن لم يكن كذلك بأن كان الظهور تامّا في كلّ منهما فلا يكون بينهما تلك القرينة النوعيّة.

و على هذا الضوء نعرف أنّ القرينيّة مع الاتّصال توجب إلغاء التعارض و نفيه حقيقة، و مع الانفصال توجب الجمع العرفي بتقديم القرينة على ذي القرينة لما عرفت، كما أنّ بناء العرف قائم على أنّ كلّ ما كان على فرض اتّصاله هادما لأصل الظهور فهو في حالة انفصاله يعتبر قرينة و يقدّم بملاك القرينيّة.

اختصاص الجمع العرفي بالقرينة المنفصلة: و على ضوء ما تقدّم تعرف أنّ الجمع العرفي إنّما يكون في القرائن المنفصلة لا المتّصلة؛ و ذلك لأنّ الجمع العرفي يكون في فرض وجود دلالتين إحداهما مفسّرة للأخرى.

و هذا المعنى لا يوجد في القرائن المتّصلة؛ و ذلك لأنّ الكلام سوف ينعقد على طبق القرينة المتّصلة من أوّل الأمر، فلا يكون للكلام إلا دلالة تصديقية واحدة و إرادة جدّيّة واحدة فقط؛ لما تقدّم من أنّ القرينة المتّصلة توجب هدم الظهور التصديقي و عدم انعقاده على طبق المدلول التصوّري الوضعي.

ممّا يعني تكوين ظهور للكلام على طبق القرينة كما في (رأيت أسدا يرمي)، فإنّ كلمة (يرمي) توجب صرف الظهور التصوّري لكلمة (الأسد) عن معناها الوضعي و تكوّن ظهورا على طبقها و هو الرجل الشجاع.

و أمّا في القرينة المنفصلة فالظهور ينعقد أوّلا ثمّ يعارضه ظهور آخر أقوى منه بحيث يكون رافعا لحجّيّته، و هذا معناه فرض وجود دلالتين تكون إحداهما مفسّرة للمراد النهائي من الأخرى، بحيث يقع التعارض غير المستقرّ و الذي نتيجته الجمع العرفي.

و الحال أنّه في القرائن المتّصلة لا يوجد تعارض أصلا، و بالتالي لا موضوع للجمع العرفي، بينما في القرائن المنفصلة يوجد التعارض بين الظهورين و لكن يجمع بينهما جمعا عرفيّا؛ لأنّه تعارض غير مستقرّ.

هذه هي نظريّة الجمع العرفي على وجه الإجمال، و ستتّضح معالمها و تفاصيلها أكثر فأكثر من خلال استعراض أقسام التعارض غير المستقرّ التي يجري فيها الجمع العرفي.

42

و خلاصة البحث من الجمع العرفي نقول: إنّ الجمع العرفي عبارة عن القرينيّة الخاصّة أو العامّة الموجبة لتفسير المراد الجدّي النهائي من الكلام، و سوف تتّضح هذه النظريّة أكثر عند الحديث عن أقسام الجمع العرفي أو أقسام التعارض غير المستقرّ.

***

43

أقسام الجمع العرفي و التعارض غير المستقرّ

44

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

45

2- أقسام الجمع العرفي و التعارض غير المستقرّ

الجهة الثانية يبحث فيها عن أقسام الجمع العرفي.

و أهمّها، ثلاثة هي: الحكومة- التقييد- التخصيص.

الحكومة:

من أهمّ أقسام التعارض غير المستقرّ أن يكون أحد الدليلين حاكما على الدليل الآخر، كما في «لا ربا بين الوالد و ولده»

(1)

الحاكم على دليل حرمة الربا، فإنّه في مثل ذلك يقدّم الدليل الحاكم على الدليل المحكوم.

و الحكومة تعبير عن تلك النكتة التي بها استحقّ الدليل الحاكم التقديم على محكومه، فلكي نحدّد مفهومها لا بدّ أن نعرف نكتة التقديم و ملاكه، و في ذلك اتّجاهان:

تعريف الحكومة:

الحكومة: هي أن يكون هناك دليلان أحدهما فيه ما يكون قرينة لتفسير المراد من الدليل الآخر، بحيث يكون الدليل الحاكم نافيا أو مثبتا لموضوع الدليل المحكوم أو لمحموله.

فمثلا قوله (عليه السلام): «لا ربا بين الوالد و ولده» يعتبر حاكما على دليل حرمة الربا الثابت بقوله تعالى: وَ حَرَّمَ الرِّبا (2) و هنا يكون الدليل الحاكم رافعا لموضوع الربا في هذا المورد، و أنّه لا يتحقّق الربا فيما بين الأب و ابنه.

و مثلا قوله (عليه السلام): «الطواف في البيت صلاة» يعتبر حاكما على دليل شرطيّة الطهارة في الصلاة «لا صلاة إلا بطهور»؛ لأنّه يثبت فردا من موضوع الصلاة

____________

(1) انظر: وسائل الشيعة 18: 135، أبواب الربا، ب 7، ح 1 و ح 3.

(2) البقرة: 275.

46

ادّعاء و اعتبارا و هو الطواف، أي أنّه ينزّل الطواف منزلة الصلاة، فهذا من الحكومة المثبتة للموضوع ادّعاء.

و مثلا قوله (عليه السلام): «لا ضرر و لا ضرار في الإسلام» أو أدلّة نفي الحرج و الضرر و العسر الثابتة كتابا و سنّة تعتبر حاكمة على أدلّة الأحكام الواقعيّة، بمعنى أنّه لم يشرّع الحكم الضرري أو الحرجي في الإسلام، فهذا النوع من الحكومة بلحاظ الحكم أي أنّه ينفي ثبوت الحكم الضرري و الحرجي في الإسلام.

و من خلال هذه الأمثلة نلاحظ أنّ الحكومة عبارة عن تصرّف الدليل الحاكم بموضوع الدليل المحكوم نفيا أو إثباتا أو بالمحمول فيه كذلك، و لكن النفي أو الإثبات في الحكومة اعتباري أو ادّعائي و ليس حقيقيّا و واقعيّا.

فإنّ الربا لا ينتفي بين الأب و ابنه حقيقة؛ لأنّه واقع بينهما لا محالة، إذ هو الزيادة و الربح على المال إلا أنّه منتف تعبّدا، أي أنّ الشارع لا يعتبر هذا الربا الواقعي ربا فينزله منزلة العدم.

و الحكومة تعتبر من أقسام القرينيّة الشخصيّة التي أعدّها المتكلّم بنفسه لتفسير المراد النهائي من كلامه.

و هي من أهمّ أقسام التعارض غير المستقرّ؛ لأنّها أقوى و أصرح من التقييد و التخصيص و الأظهريّة؛ و ذلك لأنّ المتكلّم بنفسه نصب هذه القرينة و أعدّها بشخصه، بينما تلك القرائن كان إعدادها نوعيّا؛ لأنّ العرف و العقلاء هم الذين يجعلونها قرائن مفسّرة لا شخص المتكلّم.

و البحث في الحكومة ينصبّ أوّلا عن النكتة الموجودة في الدليل الحاكم الموجبة لتفسير المراد النهائي من الدليل المحكوم، فإنّه على أساس هذه النكتة أو الملاك أو الضابط كانت الحكومة من القرائن.

و هنا يوجد اتّجاهان لتفسير هذه النكتة و الملاك التي كان التقديم لأجل وجودها:

الاتّجاه الأوّل لمدرسة المحقّق النائيني (قدّس الله روحه)

(1)

، و حاصله: أنّ الأخذ بالدليل الحاكم إنّما هو من أجل أنّه لا تعارض في الحقيقة بينه و بين الدليل المحكوم؛ لأنّه لا ينفي مفاد الدليل المحكوم، و إنّما يضيف إليه شيئا جديدا، فإنّ مفاد الدليل‏

____________

(1) راجع فوائد الأصول 4: 410، و أجود التقريرات 2: 505- 506.

47

المحكوم مردّه دائما إلى قضيّة شرطيّة مؤدّاها في المثال المذكور: أنّه إذا كانت المعاملة ربا فهي محرّمة، و كلّ قضيّة شرطيّة لا تتكفّل إثبات شرطها، و لهذا يقال:

إنّ صدق الشرطيّة لا يستبطن صدق طرفيها. و مفاد الدليل الحاكم قضيّة منجّزة فعليّة مؤدّاها في المثال نفي الشرط لتلك القضيّة الشرطيّة، و أنّ معاملة الأب مع ابنه ليست ربا، فلا بدّ من الأخذ بالدليلين معا.

ملاك الحكومة: ذكرنا أنّ الملاك و النكتة الموجودة في الدليل الحاكم هي الأساس الموجب لتقديمه على الدليل الحاكم، و لكن يوجد اتّجاهان لتفسير هذه النكتة و الملاك هما:

الاتّجاه الأوّل: ما ذكره الميرزا و مدرسته و حاصله كما في (فوائد الأصول) أن يقال: إنّ الدليل الحاكم يتقدّم على الدليل المحكوم؛ لأنّه لا تعارض بينهما أصلا، بحيث يرجع مفاد أحد الدليلين إلى نحو تصرّف في عالم التشريع في عقد وضع الآخر، كما هو الغالب مع بقاء الموضوع على حاله في عالم التكوين.

و هذا التصرّف تارة يكون بنحو الرفع لموضوع الآخر كما في حكومة الأمارات على الأصول أو حكومة الأصول على بعضها.

و أخرى يكون بإدخال ما يكون خارجا عن الموضوع حقيقة من قبيل: «الطواف في البيت صلاة»، حيث أدخل الطواف في الصلاة فكان حاكما على أدلّة الطهارة مثلا كقوله: «لا صلاة إلا بطهور».

و إمّا بالتصرّف في عقد الحمل كقوله تعالى: وَ ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ‏ (1) و كقوله (صلى الله عليه و آله و سلم): «لا ضرر و لا ضرار» بناء على كون الحرج و الضرر من حالات الحكم لا الموضوع، فإنّهما حاكمان على أدلّة الأحكام الأوّليّة.

و أمّا الوجه في تقديم الدليل الحاكم فهو أنّ الدليل المحكوم إنّما يثبت الحكم على فرض وجود موضوعه كما هو الشأن في كلّ القضايا الحقيقيّة، و الدليل الحاكم ينفي وجود الموضوع أو يثبته، فلا يمكن أن يتعارض قولنا: (أكرم العلماء) مع قولنا:

(النحوي ليس بعالم) أو (المنجّم عالم)؛ لأنّ الدليل الحاكم دائما يتكفّل بيان ما لا يتكفّل بيانه الدليل المحكوم.

____________

(1) الحج: 78.

48

و قد أوضح السيّد الشهيد مراده من ذلك فقال: إنّ الدليل الحاكم يتكفّل شيئا جديدا إضافيّا لم يتعرّض له الدليل المحكوم، و هو بيان أنّ هذا المورد موضوع أو ليس بموضوع، بينما الدليل المحكوم يتكفّل ببيان القضيّة الشرطيّة ككلّ القضايا الحقيقيّة؛ لأنّ مفادها و جوهرها القضيّة الشرطيّة.

ففي مثال الربا يكون الدليل المحكوم مفاده: (أنّ المعاملة إذا كانت ربويّة فهي محرّمة)، أي يبيّن ثبوت الحكم على فرض ثبوت الشرط أو الموضوع، و لا يتعرّض إلى أنّ الشرط في هذا المورد ثابت أو ليس بثابت؛ لأنّ صدق الشرطيّة إنّما هو بصدق طرفيها في عالم جعلها لا في عالم الخارج و التكوين.

و لذلك لا يقع التعارض بين الدليلين؛ لأنّ كلّ واحد منهما يتعرّض لمطلب لا يتعرّض له الآخر فيمكن الأخذ بهما؛ لأنّه لا تنافي بين مفادهما أصلا لاختلاف الجهة في كلّ منهما.

و هذا الاتّجاه غير صحيح؛ لأنّ دليل حرمة الربا موضوعه ما كان ربا في الواقع، سواء نفيت عنه الربويّة ادّعاء في لسان الشارع أو لا، و الدليل الحاكم لا ينفي صفة الربويّة حقيقة و إنّما ينفيها ادّعاء، و هذا يعني أنّه لا ينفي الشرط في القضيّة الشرطيّة المفادة في الدليل المحكوم، بل الشرط محرز وجدانا، و بهذا يحصل التعارض بين الدليلين، فلا بدّ من تخريج لتقديم الدليل الحاكم مع الاعتراف بالتعارض.

و يرد على هذا الاتّجاه: أنّ ما ذكره من عدم وقوع التعارض بين الدليلين الحاكم و المحكوم غير تامّ، بل التعارض واقع بينهما لا محالة و إن كان هذا التعارض غير مستقرّ؛ لأنّه في النتيجة يتقدّم الدليل الحاكم على المحكوم.

أمّا وقوع التعارض بين الدليلين فلأنّ الدليل المحكوم مفاده- كما في مثال الربا- أنّه متى ما تحقّق الربا واقعا و حقيقة كان حراما، أي ثبوت الحكم على تقدير ثبوت الشرط أو الموضوع واقعا.

و الثبوت الواقعي للشرط أو الموضوع يشمل ما إذا كان هناك نفي تعبّدي للموضوع أو الشرط و ما إذا لم يكن مثل ذلك؛ لأنّه في كلا الموردين الربا متحقّق واقعا و إن نفاه الشارع في بعض الموارد، إلا أنّ نفي الشارع له تعبّدا لا يعني انقلاب‏

49

الواقع و انتفاء الربا حقيقة؛ و ذلك لأنّ الربا معناه الزيادة الناشئة من المعاملة أو القرض، و هذه الزيادة موجودة حقيقة و واقعا حتّى في المورد الذي ينفيه الشارع؛ لأنّ الزيادة متحقّقة بين الولد و ابنه وجدانا.

و من جهة الدليل الحاكم فإنّه ينفي تعبّدا و ادّعاء ثبوت الشرط أو الموضوع في هذا المورد أو ذاك، و لكنّه لا ينفي ثبوت الشرط أو الموضوع حقيقة و واقعا، ممّا يعني أنّ الشرط أو الموضوع لا يزال ثابتا في الواقع، فالدليل الحاكم لا ينفي الشرط في القضيّة الشرطيّة وجدانا.

و عليه، ففي الربا بين الوالد و الولد الربا حقيقة موجود؛ لأنّ الزيادة موجودة وجدانا، و حينئذ يقع التعارض بين الدليل الحاكم الذي ينفي الحكم عن هذا المورد و بين الدليل المحكوم الذي يثبت هذا الحكم لهذا المورد.

و نحن و إن كنّا نشعر وجدانا بتقديم الدليل الحاكم على الدليل المحكوم إلا أنّ هذا التقديم مسبوق بوجود التعارض بينهما؛ لأنّ موضوعهما واحد في الخارج‏ (1).

____________

(1) هذا ما ذكره السيّد الشهيد هنا، و يمكن أن يضاف إلى ذلك: أنّه لا يتمّ في مثل حكومة أدلّة نفي الضرر و الحرج؛ لأنّ أدلّتها ناظرة إلى نفي الحكم، و الأدلّة الأوّليّة ناظرة إلى ثبوت الحكم، ممّا يعني أنّ الموضوع فيهما واحد و هو الحكم، فأدلّة الضرر و الحرج تنفيه بينما الأدلّة الأوّليّة بإطلاقها و عمومها تثبت الحكم حتّى في موارد الضرر و الحرج؛ فالتعارض واقع لا محالة، و لا يمكن حلّه بما ذكره؛ لأنّه ليس الدليل المحكوم ناظرا إلى القضيّة الشرطيّة بينما الدليل الحاكم ناظر إلى نفي أو ثبوت الموضوع أو الشرط، بل كلاهما ناظران إلى الحكم نفيا و إثباتا.

مضافا إلى أنّ نفي الموضوع أو الشرط أو إثباتهما في الدليل الحاكم إنّما لا يوجب التعارض فيما إذا كان نفيا أو إثباتا حقيقيّا و واقعيّا، كما هو الحال في دليل الأمارات مع قاعدة قبح العقاب بلا بيان، فإنّ ثبوت البيان في الأمارات إن كان حقيقيّا ارتفع موضوع القاعدة حقيقة و لا تعارض، و إن لم يكن واقعيّا فالموضوع ثابت واقعا فيقع التعارض بينهما لا محالة.

و هذا معناه أنّ نفي التعارض يؤدّي دائما إلى النفي أو الإثبات الواقعيّين، و هذا هو الورود لا الحكومة؛ لأنّ الورود كما تقدّم ينفي أو يثبت الفرد أو الموضوع واقعا، و لكن بلسان التعبّد أي طريقه هو التعبّد؛ لأنّ النفي أو الإثبات الواقعيّين تارة يكونان من ذاتهما بأن كان هذا الفرد خارجا أو داخلا من ذاته كما في دخول العالم في قولنا: (أكرم العلماء) و خروج ...

50

الاتّجاه الثاني: و هو الصحيح، و حاصله: أنّه بعد الاعتراف بوجود التعارض بين الدليلين يقدّم الدليل الحاكم تطبيقا لنظريّة الجمع العرفي المتقدّمة؛ لأنّ الدليل الحاكم ناظر إلى الدليل المحكوم، و هذا النظر ظاهر في أنّ المتكلّم قد أعدّه لتفسير كلامه الآخر فيكون قرينة، و مع وجود القرينة لا يشمل دليل الحجّيّة ذا القرينة؛ لأنّ دليل حجّيّة الظهور مقيّد بالظهور الذي لم يعدّ المتكلّم قرينة لتفسيره، فبالدليل الناظر المعدّ لذلك يرتفع موضوع حجّيّة الظهور في الدليل المحكوم، سواء كان الدليل الحاكم متّصلا أو منفصلا، غير أنّه مع الاتّصال لا ينعقد ظهور تصديقي في الدليل المحكوم أصلا، و بهذا لا يوجد تعارض بين الدليلين أساسا، و مع الانفصال ينعقد و لكن لا يكون حجّة لما عرفت.

الاتّجاه الثاني: ما يختاره السيّد الشهيد و حاصله: أنّ وجه تقديم الدليل الحاكم على الدليل المحكوم هو النظر.

و بيان ذلك: أنّه مع وجود الدليلين يقع التعارض بينهما كما عرفنا؛ لأنّ الدليل الحاكم لا ينفي موضوع الدليل المحكوم حقيقة و إنّما ينفيه ادّعاء و تعبّدا، و لكن هذا التعارض غير مستقرّ؛ لأنّه يجمع بينهما جمعا عرفيّا على أساس الإعداد الشخصي للقرينة.

فالمتكلّم عند ما جاء بالدليل الحاكم يكون قد أعدّه إعدادا شخصيّا لبيان و تفسير مراده النهائي من الدليل المحكوم؛ و ذلك لأنّ العرف يرى أنّ المتكلّم من حقّه أن ينصب قرينة على تحديد مراده النهائي من كلامه، فيكون الدليل الحاكم حينئذ قرينة أعدّها المتكلّم لبيان هذا المراد النهائي، و مع وجود هذه القرينة الشخصيّة سوف يكون الظهور في الدليل الحاكم هو الحجّة دون الظهور في الدليل المحكوم، فإنّه لا يشمله دليل الحجّيّة لارتفاع موضوع حجّيّة الظهور عنه.

و بكلمة أوضح: إنّ العرف يرى أنّ المتكلّم له أن ينصب القرينة المحدّدة لمدلول كلامه النهائي، و له ألّا ينصب مثل هذه القرينة.

____________

... الجاهل منه، و أخرى يكونان بلسان التعبّد و عن طريق الشارع كما في ثبوت البيان و العلم بالأمارات و الأصول و دخولهما في موضوع قاعدة قبح العقاب بلا بيان، و كما في خروج الشكّ بقيام الأمارات و الأصول في مورده، و بهذا يظهر أنّ هذا التخريج لا يكفي و ليس تامّا لبيان النكتة و الملاك في تقديم الحاكم على المحكوم.

51

فإن نصب القرينة لتحديد مراده النهائي فإن كانت في دليل متّصل فتقدّم أنّه لا يوجد تعارض أصلا؛ لأنّه لن ينعقد للكلام الأوّل ظهور مستقلّ عن القرينة، بل ينعقد الظهور من أوّل الأمر على طبق القرينة، ممّا يعني أنّ القرينة تعتبر صارفة لظهور ذي القرينة رأسا، و تكون حجّيّة الظهور ابتداء موضوعها الظهور الذي انعقد على طبق القرينة، كما في قولنا: (أكرم العلماء و النحوي ليس بعالم).

و أمّا إن كانت القرينة منفصلة بأن جاء بكلامين مع فاصل زماني بينهما فقال:

(أكرم العلماء)، ثمّ قال: (النحوي ليس بعالم) أو (المتّقي عالم)، فهنا ينعقد للكلام الأوّل ظهور و ينعقد للكلام الثاني ظهور أيضا، و يقع التعارض بين الظهورين، و لكن لمّا كان المتكلّم له الحقّ بأن يحدّد مراده النهائي وفق القرينة سواء كانت متّصلة أم منفصلة- و هذا الحقّ ثابت له على أساس أنّ العرف يرى ذلك- فتكون القرينة المنفصلة في الكلام الثاني رافعة لموضوع الحجّيّة عنه.

بمعنى أنّ حجّيّة الظهور في الكلام الأوّل سوف تنهدم و ترتفع لوجود المعارض الأقوى، و هو القرينة الشخصيّة التي أعدّها المتكلّم بنفسه و كان من خلال الكلام الثاني ناظرا إلى الكلام الأوّل و مبيّنا لمراده الجدّي النهائي منه.

و الحاصل: أنّ حجّيّة الظهور مقيّدة بأن لا ينصب القرينة على الخلاف، فإذا نصب القرينة على الخلاف كانت رافعة لحجّيّة الظهور فيما إذا كانت منفصلة، و كانت هادمة لأصل الظهور فضلا عن حجّيّته إذا كانت متّصلة.

و بذلك نعرف أنّ ملاك الحكومة هو النظر الشخصي للمتكلّم بحيث يكون قد أعدّ الكلام الثاني ليكون قرينة على تفسير مراده النهائي، و لذلك يتقدّم الدليل الحاكم وفقا لتقدّم القرينة على ذي القرينة.

ثمّ إنّ النظر الذي هو ملاك التقديم يثبت بأحد الوجوه التالية:

الأوّل: أن يكون مسوقا مساق التفسير بأن يقول: أعني بذلك لكلام كذا، و نحو ذلك.

الثاني: أن يكون مسوقا مساق نفي موضوع الحكم في الدليل الآخر، و حيث إنّه غير منتف حقيقة فيكون هذا النفي ظاهرا في ادّعاء نفي الموضوع و ناظرا إلى نفي الحكم حقيقة.

52

الثالث: أن يكون التقبّل العرفي لمفاد الدليل الحاكم مبنيّا على افتراض مدلول الدليل المحكوم في رتبة سابقة، كما في «لا ضرر» أو «لا ينجّس الماء ما لا نفس له» بالنسبة إلى أدلّة الأحكام و أدلّة التنجيس‏

.

أقسام النظر: عرفنا أنّ الحكومة ملاكها النظر، و هذا النظر الشخصي يقسّم إلى ثلاثة أقسام، و بلحاظه تقسّم الحكومة إلى ثلاثة أقسام أيضا:

الأوّل: الحكومة التفسيريّة، و معناها أن يكون النظر الشخصي الذي أعدّه المتكلّم ثابتا ببعض الأدوات الدالّة على التفسير أو ما يشبهها من قبيل: (أعني، أقصد، مرادي، أي ...) إلى آخره.

فإذا قال: (أكرم كلّ عالم)، ثمّ قال بعده: (أعني بذلك الفقهاء)، فهذا الكلام الثاني يعتبر حاكما و ناظرا إلى الكلام الأوّل، و هذا النظر ثبت بكلمة (أعني) الدالّة على التفسير، و لذلك سمّيت الحكومة تفسيريّة هنا.

الثاني: الحكومة التنزيليّة، و معناها الادّعاء و التعبّد برفع الموضوع أو ثبوته، ممّا يعني أنّ الموضوع موجود واقعا و حقيقة و ليس منتفيا، أو أنّه منتف واقعا و حقيقة و ليس ثابتا، و لكن لمّا ادّعى الشارع ذلك و تعبّدنا بانتفاء الموضوع أو بثبوته فيكون هذا اللسان أي نفي الموضوع أو إثباته ناظرا في الحقيقة إلى نفي الحكم أو إثباته؛ لأنّ أحد الألسنة البلاغيّة لنفي الحكم هي نفي موضوعه أو لإثباته إثبات موضوعه.

و يكون النظر ثابتا حينئذ على أساس هذا اللسان الادّعائي التنزيلي، و لذلك سمّيت الحكومة تنزيليّة؛ من قبيل قوله (عليه السلام): «لا ربا بين الوالد و ولده» الحاكم على دليل حرمة الربا و هو قوله تعالى: وَ حَرَّمَ الرِّبا؛ و من قبيل قوله (عليه السلام):

«الطواف في البيت صلاة» الحاكم على دليل «لا صلاة إلا بطهور».

فإنّ المثال الأوّل ينفي فيه الدليل الحاكم الموضوع ادّعاء، بمعنى تنزيله منزلة العدم، و لمّا كان موجودا حقيقة فالنفي للموضوع يكون ناظرا إلى نفي الحكم حقيقة، و بذلك يثبت النظر بملاك التنزيل.

و المثال الثاني يثبت الدليل الحاكم فيه كون الطواف فردا أو موضوعا من الصلاة، و لمّا لم يكن كذلك حقيقة فيكون ناظرا إلى إثبات حكم الصلاة له حقيقة، و بذلك يكون ناظرا إلى دليل شرطيّة الطهارة بملاك التنزيل.

53

الثالث: الحكومة المضمونيّة، و معناها أن يكون مضمون أحد الدليلين قد لوحظ فيه مضمون الدليل الآخر تقديرا، كما في قوله: «لا ضرر و لا ضرار» الحاكم على أدلّة الأحكام الأوّليّة، فإنّه قد افترض فيه أنّ تلك الأدلّة إن أدّت إلى حكم ضرري فهو منتف، أي أنّه ناظر إلى مضمون الدليل المحكوم على فرض حصوله.

و هكذا بالنسبة لدليل: «لا ينجّس الماء ما لا نفس له» الحاكم على أدلّة النجاسة، فإنّه يفترض أنّ تلك الأدلّة في حال تحقّق هذا المورد فتكون منتفية عنه، أي أنّه ينفيها على فرض حصولها في هذا المورد.

و إذا قارنّا بين الاتّجاهين أمكننا أن ندرك فارقين أساسيّين:

أحدهما: أنّ حكومة الدليل الحاكم على الاتّجاه الثاني تتوقّف على إثبات النظر، و أمّا على الاتّجاه الأوّل فيكون الدليل الحاكم بمثابة الدليل الوارد، و قد مرّ بنا في الحلقة السابقة

(1)

أنّه لا يحتاج تقدّمه على دليل إلى إثبات نظره إلى مفاده بالخصوص، بل يكفي كونه متصرّفا في موضوعه.

الفارق بين الاتّجاهين: يوجد فارقان أساسيّان بين الاتّجاهين المذكورين في تفسير الملاك و المناط للحكومة:

الفارق الأوّل: أنّه على الاتّجاه الثاني الذي اختاره السيّد الشهيد يكون الملاك في الحكومة هو النظر، و لذلك نحتاج إلى إثبات النظر بأحد الطرق المتقدّمة سابقا لتقديم الدليل الحاكم على الدليل المحكوم، و أمّا إذا لم يحرز النظر بأن قطع بعدمه أو شكّ فيه فلا حكومة بين الدليلين إمّا جزما و إمّا لكون الشكّ شكّا في الشبهة المصداقيّة.

و على هذا الاتّجاه نعرف أنّ الفارق بين الحكومة و الورود يكون في أمرين:

الأوّل: أنّ الحكومة يشترط فيها النظر بينما الورود لا يشترط فيه النظر.

الثاني: أنّ الحكومة تنفي أو تثبت الموضوع ادّعاء و تعبّدا لا حقيقة، بينما الورود ينفي أو يثبت الموضوع حقيقة.

و أمّا الاتّجاه الأوّل الذي اختاره الميرزا و مدرسته من كون الملاك في الحكومة هو أنّ الدليل الحاكم فيه خصوصيّة إضافيّة زائدة عمّا هو موجود في الدليل المحكوم، فالمهمّ هو إحراز وجود مثل هذه الزيادة و الإضافة سواء كان ناظرا إلى الدليل المحكوم أم لا،

____________

(1) في بحث التعارض، تحت عنوان: الحكم الأوّل قاعدة الجمع العرفي.

54

فإنّ وجود الخصوصيّة و عدمها أمر واقعي إمّا أن توجد أو لا توجد، فمع وجودها يكفي لتقديم الدليل الحاكم سواء كان ناظرا إلى الدليل المحكوم أم لا.

و على هذا الاتّجاه سوف يكون الفارق بين الحكومة و الورود في أمر واحد فقط؛ و ذلك لأنّهما يشتركان معا في عدم اشتراط النظر، و أمّا الفارق بينهما فهو أنّ الحكومة تنفي أو تثبت ادّعاء و تعبّدا، بينما الورود ينفي أو يثبت حقيقة لا ادعاء و تعبّدا.

و الفارق الآخر: أنّ الاتّجاه الثاني يفسّر حكومة مثل: «لا حرج» و «لا ضرر» و «لا ينجّس الماء ما لا نفس له»؛ لوجود النظر فيها، و أمّا الاتّجاه الأوّل فلا يمكنه أن يفسّر الحكومة إلا فيما إذا كان لسانه لسان نفي الموضوع للدليل الآخر.

الفارق الثاني: أنّه على الاتّجاه الثاني يمكن تفسير حكومة أدلّة نفي الحرج و الضرر على الأحكام الأوّليّة على أساس النظر فيها إلى مضمون تلك الأحكام تقديرا بحيث تقدّر وجود الحكم الضرري أو الحرجي و تنفيه.

و هكذا مثل دليل: «لا ينجّس الماء ما لا نفس له» الحاكم على أدلّة التنجيس، فإنّه يفترض مضمون تلك الأدلّة تقديرا و ينفيه عن هذا المورد، و الملاك هو النظر، و بهذا يكون ملاك النظر جاريا في تمام أقسام الحكومة.

و أمّا بناء على الاتّجاه الأوّل القائل باشتمال الدليل الحاكم على خصوصيّة إضافيّة زائدة، فهذا يمكن أن يفسّر به حكومة الدليل الحاكم النافي أو المثبت لموضوع الدليل المحكوم، و أمّا حكومة أدلّة نفي الضرر و الحرج و نفي التنجيس عن الماء بالنسبة لما لا نفس له فهذا لا يمكن تفسيرها على أساس الخصوصيّة الزائدة فيها؛ لعدم اشتمالها على مطلب زائد و إضافي‏ (1).

***

____________

(1) و لكن يمكن أن يقال: إنّه على الاتجاه الأوّل يكون دليل نفي الضرر و الحرج رافعا للحكم الضرري أو الحرجي، ففيه تصرّف في أدلّة الأحكام الأوّليّة بحيث يضيّق من دائرتها فتختصّ في الأحكام التي لا توجب الضرر أو الحرج؛ لأنّ الحكومة هنا تنفي الحكم بمعنى أنّها تضيّق الحكم في أدلّة الأحكام الأوّليّة و تصرفه عن الحكم الضرري أو الحرجي، و لذلك كان المناط و الملاك موجودا هنا أيضا.