شرح الرسائل - ج1

- مصطفى الاعتمادي المزيد...
468 /
5

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم و به نستعين

الحمد للّه ربّ العالمين و الصلاة و السلام على محمّد و آله الطيبين الطاهرين و اللعن على أعدائهم أجمعين.

قال العلّامة شيخنا الأنصاري- (رحمه اللّه)- بعد الخطبة:

(فاعلم أنّ المكلّف)

الظاهر إرادة المجتهد لأنّ المقصود هو البحث عن الأدلّة التفصيلية التي بها يتوصّل المجتهد إلى الأحكام الشرعية

(إذا التفت)

قد يقال بأنّ قيد الالتفات لغو إذ كلّ مكلّف ملتفت لقبح توجّه التكليف إلى الغافل، فالصحيح أن يقال: المكلّف يحصل له امّا الشكّ في الحكم الخ، و فيه أنّ المراد هنا هو المكلّف الشأني، أعني: البالغ العاقل لا الفعلي، أعني: البالغ العاقل الملتفت القادر حتى يكون القيد لغوا و التقييد به من جهة أنّ حصول أحد هذه الحالات لا يمكن للغافل، ثمّ المراد به هو الالتفات الإجمالي، و هو التوجّه إلى أنّ الموضوع الفلاني له حكم من الأحكام الخمسة إذ معه يمكن حصول احدى الحالات، و أمّا الالتفات التفصيلي فهو عبارة عن العلم بالحكم معينا

(إلى حكم شرعي فإمّا أن‏

6

يحصل له الشكّ فيه أو القطع أو الظن)

و لم يذكر الوهم لأنّه الطرف المرجوح للظنّ‏

(فان حصل له)

القطع فهو المرجع، و إن حصل له الظن فيمكن أن يكون هو المرجع، و التفصيل في محلّه. و أمّا

(الشكّ)

فلكونه جهلا لا يعقل كونه مرجعا

(فالمرجع فيه هي القواعد الشرعية)

لا يخفى أنّ هذه القواعد بعضها شرعية و هو الاستصحاب على قول، و بعضها عقلية و هو التخيير، و بعضها شرعية و عقلية و هو البراءة و الاحتياط، فتسمية الجميع شرعية لإمضاء الشرع حكم العقل‏

(الثابتة للشاك في مقام العمل)

بمعنى أنّ المكلّف إذا لم يجد إلى الحكم الواقعي دليلا علميا أو ظنّيا يرجع في كيفية عمله إلى هذه القواعد

(و)

لذا

(تسمى بالأصول)

أي القواعد

(العملية)

فالدال على الحكم الواقعي يسمى دليلا و الدال على الحكم الظاهري الثابت للشاك يسمى أصلا.

(و هي منحصرة في أربعة)

لأنّ سائر الأصول بعضها مختص بالشبه الموضوعية فتدخل في الفروع الفقهية كقاعدة الصحّة و أمثالها، و بعضها يرجع إلى أحد هذه الأربعة، مثلا أصالة عدم الأكثر ترجع إلى البراءة و أصالة التوقّف إلى الاحتياط و أصالة العدم إلى الاستصحاب، و أمّا أصالة الطهارة فمختصة بباب الطهارة، و أمّا الأصول اللفظية كأصالة عدم القرينة و عدم التخصيص فتدخل في مباحث الظن، فالأصول الجارية في الشبهات الحكمية في جميع أبواب الفقه منحصرة في أربعة حصرا استقرائيا لامكان كون الأصل أقل من الأربع كأن يكون الأصل عند كلّ شك هو التخيير فقط أو البراءة مع الاحتياط فقط و هكذا، أو أكثر منها كأن يكون الأصل عند الشك في بقاء الحكم هو الاستصحاب و عند الشك في بقاء الموضوع هو النفي، كما أنّ مجاري هذه الأصول أيضا منحصرة في أربعة حصرا عقليا دائرا بين النفي و الإثبات كما قال‏

(لأنّ الشك إمّا أن يلاحظ فيه الحالة السابقة أم لا)

قوله: يلاحظ، إشارة إلى أنّ الحالة السابقة قد توجد و تلاحظ كما إذا شك في الرافع فإنّ من تيقّن في الطهارة و شك في الحدث يلاحظ حاله السابقة

7

و يستصحب الطهارة، و قد توجد و لا تلاحظ كما إذا شك في المقتضى فإنّ من استأجر دارا ثمّ شكّ في مدّة الإجارة لا يجوز له لحاظ الحالة السابقة عند بعض، و يأتي موارد عدم حجية الاستصحاب في بابه مفصلا فيجري مجراه أصل آخر و هذا معنى تداخل الأصول.

(و على الثاني)

أي إذا لم يلاحظ

(فإمّا أن يمكن الاحتياط أم لا. و على الأوّل)

أي إذا أمكن الاحتياط

(فإمّا أن يكون الشك في التكليف أو في المكلّف به. فالأوّل مجرى الاستصحاب)

فالمتطهر إذا شكّ في الحدث يستصحب الطهارة

(و الثاني)

أي صورة عدم إمكان الاحتياط

(مجرى التخيير)

كالشك في أنّ الاستعاذة أوّل الصلاة واجبة أو محرّمة

(و الثالث)

أى صورة الشك في التكليف‏

(مجرى أصالة البراءة)

كالشكّ في حرمة شرب التتن‏

(و الرابع مجرى قاعدة الاحتياط)

كالشك في أنّ الواجب صلاة الظهر أو الجمعة، و أورد على هذا التقسيم بأمور منها: أنّه جعل صورة عدم إمكان الاحتياط مجرى التخيير فقط و هي قد تكون مجرى البراءة كما لو شك في أنّ الاستعاذة أوّل الصلاة واجبة أو محرمة أو مستحبة فيجري البراءة، و منها غير ذلك.

و لذا قال‏

(و بعبارة أخرى الشكّ إمّا أن يلاحظ فيه الحالة السابقة أو لا.

فالأوّل مجرى الاستصحاب، و الثاني إمّا أن يكون الشك فيه في التكليف أو لا.

فالأوّل مجرى أصالة البراءة)

كالشك في حرمة التتن أو الشك في انّ الاستعاذة واجبة أو محرمة أو مستحبة

(و الثاني إمّا أن يمكن فيه الاحتياط أو لا، فالأوّل مجرى قاعدة الاحتياط، و الثاني مجرى قاعدة التخيير و ما ذكرنا هو المختار في مجارى الأصول الأربعة و قد وقع الخلاف فيها)

فأنكر الاخباريون مثلا اجراء البراءة في الشك في التكليف التحريمي و قالوا بالاحتياط

(و تمام الكلام في كل واحد يأتي في محله إن شاء اللّه، فالكلام يقع في مقاصد ثلاثة: الأوّل: في القطع، و الثاني: في الظن، و الثالث: في الأصول العملية التي هي المرجع عند الشك.

8

[المقصد الأول‏] الكلام في القطع‏

أمّا الكلام في المقصد الأوّل فنقول: لا إشكال)

عقلا

(في)

حجية القطع بمعنى‏

(وجوب متابعة القطع و العمل عليه ما دام موجودا لأنّه بنفسه طريق إلى الواقع)

بمعنى أنّ طريقية القطع عين ذاته و وجوب متابعته من لوازم ذاته كزوجية الأربعة

(و ليس طريقيّته قابلة لجعل الشارع إثباتا)

بأن يقول جعلته طريقا لأنّ جعله طريقا و الحال انّه طريق بذاته تحصيل للحاصل، مع أنّ طريقية القطع لو كان بجعل الشرع فنحتاج إلى دليل شرعي قطعي يدل على طريقية هذا القطع ثمّ نحتاج إلى قطع آخر يدل على طريقة ذلك القطع و هكذا و يتسلسل‏

(أو نفيا)

بأن يقول: ليس القطع طريقا لأنّ الذاتي كزوجية الأربعة لا يرتفع بالنفي مع أنّه لو حكم بعدم طريقيته لزم التناقض لأنّه إذا قطع بنجاسة البول مثلا يلزم أن يكون نجسا و غير نجس كما يأتي.

(و من هنا)

أي من أنّ القطع كشف تام يجب متابعته عقلا

(يعلم أنّ إطلاق الحجّة عليه ليس كإطلاق الحجّة على الامارات المعتبرة شرعا)

فإنّ القطع حجّة لغوية و هي ما وجب متابعته، و الامارات حجّة أصولية و هي ما اعتبره الشارع و معنى اعتبارها أنّها تثبت تعبّدا متعلّقاتها فتترتب آثارها فإذا قامت البيّنة على خمرية مائع يقال هذا مظنون الخمرية خمر فتترتب الحرمة، و إذا قام خبر الثقة على وجوب فعل يقال هذا مظنون الوجوب و مظنون الوجوب واجب فيترتب وجوب مقدمته و حرمة ضده، و هذه أي الحجّة الأصولية لا تصدق على القطع إذ لا يناله يد الجعل حتى يقع وسط لاثبات متعلّقه تعبّدا بل القاطع يرى المتعلّق و يرى أثره بلا وساطة القطع فيقول هذا خمر و الخمر حرام هذا واجب و الواجب يجب مقدمته.

9

قوله:

(لأنّ الحجّة عبارة عن الوسط الذي به يحتج على ثبوت الأكبر للأصغر، و يصير واسطة للقطع بثبوته له كالتغيّر لإثبات حدوث العالم)

لا يخفى أنّ هذه حجّة منطقية و موردها المتلازمان كالعلّة و المعلول أو المعلولين لثالث، فإنّ أحدهما يقع وسط لإثبات الآخر المسمى بالأكبر للأصغر إثباتا وجدانيا، مثلا الحدوث و التغير علّة و معلول، و الضاحك و الكاتب معلولان للانسان فيقال العالم متغير و المتغير حادث أو يقال بالعكس، و يقال الانسان كاتب و الكاتب ضاحك أو يقال بالعكس، و هذه أي الحجّة المنطقية لا تطلق على القطع و الظن الطريقيين إذ هما مجرّد مرات و ليس بينهما و بين متعلّقهما علقة التلازم حتى تقعا وسطا لإثباتها و ترتب آثارها كما يثبت بالتغير الحدوث، فالتي تصدق على الامارات دون القطع هي الحجّة الأصولية كما قال.

(فقولنا: الظن حجّة، أو البيّنة حجّة، أو فتوى المفتي حجّة، يراد به كون هذه الأمور أوساطا لإثبات)

متعلقاتها كخمرية مائع و وجوب فعل فيترتب الآثار أي‏

(أحكام متعلّقاتها: فيقال: هذا مظنون الخمرية، و كل مظنون الخمرية)

خمر

(يجب الاجتناب عنه. و كذلك قولنا: هذا الفعل ممّا أفتى المفتي بتحريمه)

أو دلّ الخبر على حرمته‏

(أو قامت البيّنة على كونه)

خمرا

(محرّما و كلّ ما كان كذلك فهو حرام)

تعبّدا فيترتب آثاره، و الكبرى المذكورة و إن كانت تشبه الكذب إذ الحرام نفس الفعل لا الفعل مظنون الحرمة إلّا أنّ اعتبار الظنّ شرعا جعله وسطا لإثبات متعلّقه تعبّدا فتشكل القياس الصوري بوساطته.

(و هذا بخلاف القطع، لأنّه)

لا يناله يد الجعل بل القاطع يرى المتعلّق و يرتب أثره كما قال:

(إذا قطع بوجوب شي‏ء فيقال: هذا واجب، و كل واجب يحرم ضده أو يجب مقدمته. و كذلك العلم بالموضوعات فإذا قطع بخمرية شي‏ء، فيقال: هذا خمر و كل خمر يجب الاجتناب عنه، و لا يقال: إنّ هذا معلوم الوجوب أو الخمرية و كل معلوم حكمه كذا، لأنّ أحكام الخمر إنّما تثبت للخمر لا لما علم‏

10

أنّه خمر)

فلو قال و معلوم الخمرية خمر أو حرام كان كذبا إذ لم يتعبّد الشرع بالقطع ليكون حجّة أصولية و ليس بينه و بين متعلّقه علقة التلازم ليكون حجّة منطقية.

(و الحاصل أنّ كون القطع)

الطريقي‏

(حجّة)

أصولية أو منطقية و قد مرّ تفسيرهما

(غير معقول لأنّ الحجّة ما يوجب القطع بالمطلوب)

أمّا وجدانا كالحجّة المنطقية، أو تعبّدا كالحجّة الأصولية

(فلا يطلق على نفس القطع.

هذا كلّه)

أي عدم الحجّية و الوساطة إنّما هو

(بالنسبة إلى حكم متعلّق القطع و)

المراد بالحكم الحرمة مثلا و بالمتعلّق‏

(هو الأمر المقطوع به)

كالخمر مثلا، و بالجملة القطع الطريقي لا يكون واسطة لإثبات الحرمة على متعلّقه أي الخمر لما أوضحناه من لزوم الكذب.

و المراد بالقطع الطريقي: أن يفرض أنّ الشارع حكم واقعا- مثلا- بحرمة الخمر فاتفق للمكلف قطع بهذه الحرمة أو بهذا الخمر و يسمى طريقيا، لأنّه مجرّد مرآة لمتعلّقه بلا دخل له في الحكم، و المراد بالقطع الموضوعي أن يفرض أنّ الشارع حكم واقعا مثلا بحرمة الخمر المقطوع فاتّفق للمكلف علم بأنّ هذا خمر و يسمى موضوعيا إذ الفرض أنّ الحرمة لم تتعلق بنفس الخمر بل للقطع مدخلية فيها، ففي القطع الطريقي الحرمة حكم متعلّق القطع و في الموضوعي حكم شي‏ء آخر كما قال‏

(و أمّا بالنسبة إلى حكم آخر)

أي الحرمة التي لم تتعلق بالخمر بل بمقطوع الخمرية

(فيجوز أن يكون القطع مأخوذا في موضوعه، فيقال: إنّ الشي‏ء المعلوم بوصف كونه معلوما حكمه كذا. و حينئذ فالعلم يكون وسطا لثبوت ذلك الحكم)

فيقال هذا مقطوع الخمرية و مقطوع الخمرية حرام‏

(و إن لم يطلق عليه الحجّة)

الأصولية

(إذ المراد بالحجّة في باب الأدلّة ما كان وسطا)

لإثبات متعلقه تعبّدا المستلزم‏

(لثبوت أحكام متعلقه شرعا)

كما مر مفصلا

(لا)

ما كان وسطا

(لحكم آخر)

نعم القطع و الظن الموضوعيان حجتان منطقيتان إذ هما بمنزلة العلة للحكم أي لا ينفكان عنه‏

(كما إذا رتّب الشارع الحرمة على الخمر المعلوم كونها خمرا لا على نفس‏

11

الخمر، و كترتّب وجوب الإطاعة على معلوم الوجوب لا الواجب الواقعي.

و بالجملة فالقطع قد يكون طريقا)

محضا

(للحكم و قد يكون مأخوذا في موضوع الحكم)

.

قوله:

(ثمّ ما كان منه طريقا)

حاصل الكلام: انّ الفرق بين القطع الطريقي و الموضوعي من ثلاث وجوه: أحدها ما تقدم من أنّ الطريقي لا يقع وسطا و لا يسمى حجّة، و الموضوعي يقع وسطا و لا يسمى حجّة، ثانيها: أنّ الطريقي‏

(لا يفرّق فيه بين خصوصياته من حيث القاطع)

بمعنى أنّ القطع الطريقي حجّة سواء حصل للقطاع أو للمتعارف مثلا

(و المقطوع به)

أي سواء حصل في الأحكام الفرعية أو الأصلية

(و أسباب القطع)

أي سواء حصل من الأدلة العقلية أو النقلية

(و أزمانه)

أي سواء حصل في زمان الانسداد أو الانفتاح مثلا

(إذ المفروض كونه طريقا إلى متعلّقه)

كالخمر

(فيترتب عليه «طريق» أحكام متعلّقه)

كالحرمة

(و لا يجوز للشارع أن)

يتصرّف في القطع الطريقي أي‏

(ينهى عن العمل به لأنّه «نهي» مستلزم للتناقض.

فإذا قطع كون مائع بولا من أي سبب كان)

بالأخبار أو بالرؤية

(فلا يجوز للشارع أن يحكم بعدم)

حجّية القطع و عدم‏

(نجاسته أو عدم وجوب الاجتناب عنه، لأنّ المفروض أنّه)

حكم الشرع بوجوب الاجتناب عن البول و المكلف قطع بأنّه بول و حينئذ

(بمجرد القطع يحصل له صغرى و كبرى، أعني قوله: هذا بول و كل بول يجب الاجتناب عنه، فهذا يجب الاجتناب عنه فحكم الشارع بأنّه)

لا يجب العمل بالقطع الطريقي أي‏

(لا يجب الاجتناب عنه مناقض له)

.

و أمّا القطع الموضوعي فيمكن أن يتصرف فيه الشرع و يفرق بين خصوصياته كما قال:

(إلّا إذا فرض عدم كون النجاسة و وجوب الاجتناب من أحكام نفس البول)

حتى يكون القطع الحاصل هنا طريقيا و حجة مطلقا

(بل من أحكام ما علم بوليته على وجه خاص من حيث السبب أو الشخص أو غيرهما)

كأن يقول‏

12

الشارع إذا علم بوليّة شي‏ء بالرؤية أو علم العادل بالبوليّة أو علم البوليّة يوم الجمعة مثلا يجب الاجتناب عنه‏

(فيكون)

القطع حينئذ

(مأخوذا في الموضوع.

و حكمه «مأخوذ» أنّه)

يرجع فيه إلى الدليل فقد يدل الدليل على أخذه في الموضوع مطلقا و قد يدل على اعتباره بوجه خاص كما قال‏

(يتّبع في اعتباره مطلقا أو على وجه خاص دليل ذلك)

هذا نائب فاعل ليتبع و المراد من‏

(الحكم الثابت الذي أخذ العلم في موضوعه)

هو وجوب الاجتناب الذي موضوعه المعلوم البولية.

(فقد يدل على ثبوت الحكم لشي‏ء بشرط العلم به)

مطلقا

(بمعنى انكشافه «شي‏ء» للمكلف من غير خصوصية للانكشاف)

من حيث الشخص و السبب و غيرهما.

(كما في حكم العقل بحسن إتيان ما)

أي كل فعل‏

(قطع العبد بكونه مطلوبا لمولاه)

كالإحسان‏

(و قبح ما)

أي كل فعل‏

(قطع بكونه مبغوضا)

لمولاه كالظلم فحكم العقل هو حسن الإتيان أو قبح الإتيان و موضوعه هو الفعل المقطوع مطلوبيته أو الفعل المقطوع مبغوضيته، فأخذ القطع المطلق في موضوع حكم العقل‏

(فإنّ مدخلية القطع)

بالموضوع أي‏

(بالمطلوبية أو المبغوضية في)

حكم العقل أي‏

(صيرورة الفعل حسنا أو قبيحا عند العقل)

أي مدخلية القطع‏

(لا يختص ببعض أفراده)

و الحاصل أنّ القطع بالموضوع المذكور له دخالة في الحكم العقلي المذكور من أي وجه حصل هذا القطع.

(و كما في حكم الشرع بحرمة ما علم أنّه خمر أو نجاسته)

فحكم الشرع، هو الحرمة و النجاسة و موضوعه، هو المعلوم الخمرية، فأخذ العلم في الموضوع‏

(بقول مطلق بناء على أنّ الحرمة و النجاسة الواقعيتين إنّما تعرضان مواردهما)

و هو المحرمات و النجاسات‏

(بشرط العلم)

بمعنى أنّ الخمر المعلوم، حرام و نجس‏

(لا في نفس الأمر كما هو قول بعض)

بأن يكون ذات الخمر حراما أو نجسا.

13

(و قد يدل دليل ذلك الحكم على ثبوته «حكم» لشي‏ء بشرط حصول القطع به من سبب خاص أو شخص خاص، مثل ما ذهب إليه بعض الأخباريين من عدم جواز العمل في الشرعيات بالعلم غير الحاصل من الكتاب و السنة)

فيجوز العمل في الشرعيات بالعلم الحاصل من الدليل النقلي فالحكم هو الجواز و الموضوع هو العمل بالأحكام الشرعية المقطوعة من سبب خاص‏

(كما سيجي‏ء،)

في التنبيه الثاني‏

(و)

مثل‏

(ما ذهب إليه بعض من منع عمل القاضي بعلمه في حقوق اللّه تعالى)

كقطع يد السارق، فيجوز عمل القاضي بعلم الشهود لا بعلمه، فالحكم هو الجواز و الموضوع هو القضاوة بعلم شخص خاص و هو الشهود.

قوله:

(و أمثلة ذلك)

توضيحه: أنّ اعتبار العلم الحاصل من سبب خاص أو شخص خاص، قد يكون بالنسبة إلى حكم القاطع كالمثالين المتقدمين، فانّ القاضي الذي هو قاطع لا يعمل بقطعه بل بقطع الشهود و المجتهد القاطع لا يعمل بقطعه الحاصل من الأدلة العقلية بل بالحاصل من الأدلة النقلية و قد يكون‏

(بالنسبة إلى حكم غير القاطع)

كالمقلد، و أمثلته‏

(كثيرة كحكم الشارع على المقلّد بوجوب الرجوع إلى الغير في الحكم الشرعي إذا علم به من الطرق الاجتهادية المعهودة)

فغير القاطع هو المقلّد و حكمه هو الوجوب و الموضوع هو الرجوع على المجتهد القاطع من سبب خاص متعارف‏

(لا)

إذا علم‏

(من مثل الرمل)

و هي الأشكال المخصوصة المنعقدة من النقاط الأربع يكشف بها الوقائع الخفية من الخير و الشر

(و الجفر)

و هي القواعد المنعقدة من الحروف يكشف بها المطالب الخفية

(فإنّ القطع الحاصل من هذه)

الأسباب الغير المتعارفة

(و إن وجب على القاطع)

أي المجتهد

(الأخذ به في عمل نفسه إلّا أنّه لا يجوز للغير تقليده في ذلك)

و الوجه أنّ قطع المجتهد بالنسبة إلى نفسه، طريقي و حجة مطلقا، و بالنسبة إلى غيره، موضوعي و حجة إذا حصل من سبب خاص، فتأمل‏

(و كذلك العلم‏

14

الحاصل للمجتهد الفاسق أو غير الإمامي)

أي الحاصل‏

(من الطرق الاجتهادية المتعارفة، فإنّه لا يجوز للغير العمل بها)

فغير القاطع هو المقلد و حكمه الوجوب، و الموضوع هو الرجوع إلى المجتهد العدل الإمامي، فأخذ في الموضوع القطع الحاصل لشخص خاص‏

(و كحكم الشارع على الحاكم بوجوب قبول خبر العدل المعلوم له «عدل» من الحس)

كالرؤية و السماع و غيرهما

(لا من الحدس)

الحاصل بالفكر فغير القاطع هو الحاكم و حكمه هو الوجوب، و الموضوع هو قبول الخبر الذي قطع به شخص خاص من سبب خاص.

(ثم)

أي الفرق الثالث، بين الطريقي و الموضوعي، أنّ‏

(من خواص القطع الذي هو طريق إلى الواقع، قيام الأمارات الشرعية)

كخبر الواحد و البيّنة

(و بعض الأصول العملية)

كالاستصحاب و أصالة الصحة

(مقامه «قطع» في العمل)

مثلا، إذا رتب الشارع، الحرمة و النجاسة و وجوب الحد، على نفس الخمر من دون اعتبار القطع، فإن قطع بخمرية شي‏ء ترتب عليه آثار الواقع، و كذا لو قامت البيّنة أو اقتضى الاستصحاب الخمرية لأنّ هذا معنى حجية البيّنة و هذا مقتضى أدلة الاستصحاب و سمّي محرز الحكم الشرع في مورده بالبناء على واقعية أحد المحتملين. نعم لا يقوم مقامه الأصول الغير الإحرازية كالاحتياط، فإنّه لو علم إجمالا خمرية أحد الإنائين فشرب أحدهما، لا يترتّب عليه وجود الحد، لأنّ مقتضى الاحتياط وجوب اجتناب كل من المشتبهين، لا أنّ كلا منهما خمر، و كالتخيير فإنّه لو تردد مائع بين كونه خمرا يحرم شربه أو خلا يجب شربه، للنذر مثلا، فاختيار جانب الخمرية يقتضي وجوب الاجتناب لا اثبات الخمرية و ترتيب آثارها و كالبراءة، فإنّه إذا احتمل مثلا كون مائع خمرا، أو ماء، فالبراءة تقتضي جواز الشرب، و لا يثبت كونه ماء واقعا، ليترتب عليه آثار الماء، كجواز التوضّي به‏

(بخلاف المأخوذ في الحكم على وجه الموضوعية فإنّه تابع لدليل الحكم، فإن ظهر منه «دليل» أو من دليل خارج اعتباره على وجه الطريقية للموضوع)

.

15

حاصله: أنّ القطع الموضوعي على قسمين: موضوعي طريقي، و موضوعي وصفي.

أمّا الأوّل: فهو أن تتعلق الحرمة مثلا، بالخمر مقيدا بالقطع، و لوحظ القطع بما هو كشف، و هذا يظهر تارة من دليل الحكم، بأن يقول: يحرم الخمر المنكشف بالقطع، و اخرى من الخارج، بأن يقول: مقطوع الخمرية حرام، و يقوم الإجماع بأنّ هذا القطع لوحظ بما هو كشف و حينئذ

(قامت الأمارات و الأصول مقامه)

.

و أمّا الثاني: فهو، أن يتعلق الحرمة بالخمر، مقيدا بالقطع، و لوحظ القطع بما هو وصف خاص، و هذا لا تقوم الأمارات و الأصول مقامه، كما قال:

(و إن ظهر منه اعتبار صفة القطع في الموضوع)

لا من حيث كونه طريقا بل‏

(من حيث كونها صفة خاصة قائمة بالشخص، لم يقم مقامه غيره)

.

ثمّ لا يخفى أنّ ما تقدّم، من أنّ الموضوعي يقع وسطا و لا يطلق عليه الحجة الأصولية، يعم الموضوعي الطريقي و الوصفي، كذلك ما تقدّم من أنّ الموضوعي، يمكن أن يفرق فيه بين الأسباب و الأزمان و غيرهما، يعم الطريقي و الوصفي‏

(كما إذا فرضنا أنّ الشارع اعتبر صفة القطع)

في الموضوع،

(على هذا الوجه)

، الخاص‏

(في حفظ عدد الركعات الثنائية و الثلاثية و الاوليين من الرباعية)

بأن يقول يجب في الصبح ركعتان مقطوعتان و في المغرب ثلاث ركعات مقطوعات، و في الظهرين و العشاء ركعتان مقطوعتان، بالفاتحة و السورة و ركعتان بالتسبيحات، ثم يقوم الإجماع على أنّ هذا القطع موضوعي وصفي كما في أعتق رقبة مؤمنة.

(فإنّ غيره «قطع» كالظن بأحد الطرفين)

أي، بأنّه صلى ركعة أو ركعتين مثلا

(أو أصالة عدم الزائد لا يقوم مقامه)

لأنّهما غير الصفة الخاصة

(إلّا بدليل خاص خارجي)

كأن يقول: يكفي الظن أو أصالة عدم الزائد في الركعات كلها

(غير أدلة حجية مطلق الظن في الصلاة)

و غيرها

(و أصالة عدم الأكثر)

لأنّ أدلة حجية مطلق الظن أو الأصل إنّما دلت على قيامهما مقام القطع في الطريقية، لا في جهة الصفة

16

الخاصة.

(و من هذا الباب عدم جواز أداء الشهادة استنادا إلى البيّنة أو اليد على قول)

بيانه: أنّ الشخص تارة يعلم بأنّ هذا الفرس لزيد، و تارة يظن بذلك، إمّا بإخبار العدلين أو برؤيته تحت يده مثلا، ففي صورة العلم، يجوز له الشهادة عند القاضي، و في صورة الظن، لا يجوز، إذ الشرع جوّز الشهادة عن علم، و الفرض أنّ العلم هنا أخذ صفة خاصة فلا يكفي الظن‏

(و إن جاز تعويل الشاهد في عمل نفسه بهما إجماعا)

حاصله أنّ الشخص تارة يريد شراء الفرس عن زيد، و تارة يريد أن يشهد بأنّه له، ففي مقام الشراء يقوم الظن مقام العلم لأنّ العلم هنا طريقي، و في مقام الشهادة لا يقوم، لأنّ العلم هنا وصفي، كما قال:

(لأنّ العلم بالمشهود به في مقام العمل على وجه الطريقية، بخلاف مقام أداء الشهادة إلّا أن يثبت من الخارج أنّ كلّما يجوز العمل به من الطرق الشرعية يجوز الاستناد إليه في الشهادة)

فيقوم الظن بالدليل الخارجي مقام القطع الموضوعي الوصفي‏

(كما يظهر من رواية حفص)

بن غياث‏

(الواردة في جواز الاستناد إلى اليد)

في الشهادة كما يجوز الاستناد إليه في الشراء.

(و ممّا ذكرنا يظهر أنّه لو نذر أحد أن يتصدّق كل يوم بدرهم ما دام متيقنا بحياة ولده)

فإن علم بالقرائن أنّ العلم هنا موضوعي وصفي‏

(فإنّه لا يجب التصدّق عند الشك في الحياة، لأجل استصحاب الحياة، بخلاف ما لو علّق النذر بنفس الحياة، فانّه يكفي في الوجوب، الاستصحاب)

فالقطع حينئذ طريقي محض.

(ثم إنّ هذا الذي ذكرنا من كون القطع مأخوذا تارة على وجه الطريقية و اخرى على الموضوعية، جار في الظن أيضا)

قيل المراد أنّ الظن أيضا إمّا طريقي و إمّا موضوعي، و قيل المراد أنّ الظن الموضوعي إمّا موضوعي طريقي و إمّا موضوعي وصفي و يؤيد الاحتمال الأوّل، قوله:

(و إن فارق العلم في كيفية

17

الطريقية حيث إنّ العلم طريق)

تام معتبر

(بنفسه و الظن المعتبر طريق)

ناقص يعتبر

(بجعل الشارع بمعنى)

أي معنى اعتباره‏

(كونه وسطا في)

إثبات متعلّقه و

(ترتب أحكام متعلّقه)

فيقال هذا المائع قامت البيّنة على خمريته و ما قامت البيّنة على خمريته خمر أي حرام و نجس‏

(كما أشرنا إليه سابقا، لكن الظن أيضا قد يؤخذ طريقا مجعولا إلى متعلّقه سواء كان موضوعا على وجه الطريقية لحكم متعلّقه أو لحكم آخر يقوم مقامه سائر الطرق الشرعية)

.

قيل: مراده أنّ الظن الموضوعي الطريقي، إمّا موضوع لحكم متعلّقه أي لحكم هو من سنخ حكم متعلّقه كأن يقول أوّلا: الخمر حرام، ثم يقول: إذا ظننت بخمرية مائع حرم، فجعل حرمة للمتعلق، أي الخمر و حكم من سنخه أي حرمة أخرى لمظنون الخمرية و مثل هذا في القطع ممتنع إذ يجتمع المثلان و في الظن معقول للجهل بالحرمة الأوليّة و قيل مراده أنّ الظن الطريقي المعتبر الذي هو موضوع للحكم الظاهري، إمّا طريق لحكم متعلّقه أي في صورة الإصابة أو طريق لحكم آخر، أي في صورة الخطأ و يؤيد الثاني، قوله‏

(فيقال حينئذ إنّه حجّة)

إذ يقع وسطا لاثبات حكم متعلقه و يقال هذا مظنون الخمرية و مظنون الخمرية خمر، أي حرام و نجس‏

(و قد يؤخذ موضوعا لا على وجه الطريقية لحكم متعلّقه أو لحكم آخر)

مراده أنّ الظن الموضوعي الوصفي أو مطلق الظن الموضوعي إمّا موضوع لحكم متعلقه، أي لحكم هو من سنخ حكم متعلقه كما مر توضيحه، أو لحكم آخر، بأن يقول: الخمر حرام، ثم يقول: إذا ظننت بخمرية مائع جاز شربه‏

(و لا يطلق عليه الحجة حينئذ)

كما مر في القطع الموضوعي‏

(فلا بد من ملاحظة دليل ذلك ثم الحكم بقيام غيره من الطرق المعتبرة مقامه)

قوله‏

(لكن الغالب فيه الأوّل)

أي طريقية الظن و هذا أيضا قرينة على أنّ مراده في القسم الأوّل الظن الطريقي.

و ينبغي التنبيه على أمور:

18

[الأول‏] الكلام في التجرّي‏

الأوّل)

بحث التجرّي: اعلم‏

(انّه قد عرفت أنّ القاطع)

بخمرية شي‏ء مثلا، يجب له العمل بقطعه و

(لا يحتاج في العمل بقطعه إلى أزيد من الأدلة)

و بعبارة أخرى، القاطع بالصغرى، أعنى: هذا خمر، لا يحتاج في عمله إلّا بضمّ الكبرى‏

(المثبتة لأحكام مقطوعه)

أعني قول الشارع: كل خمر حرام كما قال:

(فيجعل ذلك)

أي قول الشارع‏

(كبرى لصغرى قطع بها)

فيقول: هذا خمر، و كل خمر حرام‏

(فيقطع بالنتيجة، فإذا قطع بكون شي‏ء خمرا و قام الدليل على كون حكم الخمر في نفسها)

أي سواء قطع بها أم لا

(هي الحرمة، فيقطع)

بالقطع الطريقي‏

(بحرمة ذلك الشي‏ء)

و أمّا الظان بخمرية شي‏ء مثلا، فيحتاج في العمل بظنه إلى أمرين: اعتبار الظن و الأدلة المثبتة لحرمة الخمر حتى يقال هذا مظنون الخمرية و كل مظنون الخمرية حرام.

(لكن)

القطع قد يكون مطابقا للواقع، و قد يكون جهلا مركّبا فيقع‏

(الكلام في أنّ قطعه هذا هل هو حجة عليه من الشارع و إن كان مخالفا للواقع في علم اللّه فيعاقب على مخالفته «قطع»)

مطلقا و يثاب على موافقته مطلقا، سواء صادف الواقع أم لا

(أو أنّه حجة عليه إذا صادف الواقع؟)

فيعاقب على مخالفته و يثاب على موافقته إذا صادف الواقع‏

(بمعنى أنّه لو شرب الخمر الواقعي عالما، عوقب عليه في مقابل من شربها جاهلا)

فمعنى حجيّته أنّ الخمر الواقعي من شربها عالما يعاقب و من شربها جاهلا لا يعاقب‏

(لا أنّه يعاقب على)

التجرّي أي‏

(شرب ما قطع بكونه خمرا و إن لم يكن خمرا في الواقع.

ظاهر كلماتهم في بعض المقامات الاتفاق على الأوّل)

أي الحجّية مطلقا و استدل عليه بوجوه أربعة:

19

الأوّل: إجماع العلماء

(كما يظهر من دعوى جماعة الإجماع على أنّ ظان ضيق الوقت إذا أخّر الصلاة عصى و إن انكشف بقاء الوقت)

فمن اعتقد مثلا، بأنّه لم يبق من اليوم إلّا مقدار أداء الظهرين، يجب له العمل باعتقاده، فإذا خالفه و أخّر الصلاة عصى، بالإجماع، سواء صادف اعتقاده الواقع بأن خرج الوقت أو لم يصادف، بأن انكشف بقاءه، و ما هذا إلّا لكونه حجة مطلقا.

إن قلت: كلامنا في القطع و كلامهم في الظن.

قلت:

(فإنّ تعبيرهم بظن الضيق لبيان أدنى فردي الرجحان فيشمل القطع بالضيق)

لأنّه إذا كان الفرد الأدنى أي الظن، حجة مطلقا، فالفرد الأقوى بالطريق الأولى‏

(نعم)

هذا الإجماع لم يثبت، لوجود المخالف، إذ

(حكي عن النهاية و شيخنا البهائي، التوقّف في العصيان)

إذا انكشف الخلاف‏

(بل في التذكرة: لو ظن)

أو قطع‏

(ضيق الوقت عصى لو أخّر إن استمر الظن)

و القطع‏

(و إن انكشف خلافه)

أي بقاء الوقت‏

(فالوجه)

القوي‏

(عدم العصيان، انتهى. و استقرب العدم سيد مشايخنا)

السيد محمد المجاهد- ره-

(في المفاتيح.

و كذا لا خلاف بينهم ظاهرا في أنّ سلوك الطريق المظنون الخطر أو مقطوعه معصية يجب إتمام الصلاة فيه و لو بعد انكشاف عدم الضرر فيه)

فمن اعتقد بكون السفر خطريا، يجب له تركه، فإن خالف اعتقاده و سافر، يكون سفره معصية بالإجماع، و يتم صلاته و صيامه بالإجماع، سواء صادف اعتقاده الواقع بأن تضرر فيه، أو لم يصادفه، بأن لم يتضرر

(فتأمّل)

لأنّ بحثنا في القطع الطريقي و ما ذكر من اعتقاد الضرر من قبيل الموضوعي.

الدليل الثاني قوله:

(و يؤيده «إجماع» بناء العقلاء على الاستحقاق)

فمن خالف قطعه يستحق الذم باجماع العقلاء، سواء صادف قطعه الواقع أم لا.

(و)

الثالث:

(حكم العقل بقبح التجرّي)

أي مخالفة القطع الذي لم يصادف‏

20

الواقع و الفرق بين بناء العقلاء و حكم العقل هو أنّ الأوّل أمر تعبدي اجتماعي، و الثاني حكم انفرادي، بمعنى أنّ كل عاقل إذا راجع عقله يحكم بذلك مع قطع النظر عن سائر العقلاء.

(و)

الرابع قوله:

(قد يقرّر دلالة العقل على ذلك)

الاستحقاق‏

(بأنّا إذا فرضنا شخصين قاطعين)

بخمرية اناءين‏

(بأن قطع أحدهما بكون مائع معين خمرا و قطع الآخر بكون مائع آخر خمرا)

فخالفا قطعيهما

(فشرباهما فاتفق مصادفة أحدهما «قطعين» للواقع و مخالفة الآخر، فإمّا أن يستحقا العقاب، أو لا يستحقه أحدهما)

لا المصادف و لا غيره‏

(أو يستحقه من صادف قطعه الواقع)

أي شارب الخمر

(دون الآخر)

أي شارب الخل‏

(أو العكس، لا سبيل)

عقلا

(إلى الثاني)

و هو عدم استحقاقهما

(و الرابع)

و هو استحقاق شارب الخل دون الخمر

(و)

أمّا

(الثالث)

و هو استحقاق شارب الخمر دون الخل، لا سبيل إليه أيضا، لأنّه‏

(مستلزم لإناطة استحقاق العقاب بما هو خارج عن الاختيار)

يعني: المصادفة، حاصله أنّ الصادر منهما باختيارهما هو شرب مقطوع الخمرية و أمّا المصادفة و عدمها، فكلاهما خارجان عن الاختيار، فلو حكم باستحقاق المصادف و عدم استحقاق من لم يصادف، يلزم كون الاستحقاق و عدمه منوطين بأمرين خارجين عن الاختيار

(و هو مناف لما يقتضيه العدل، فتعين الأوّل)

أي استحقاق المصادف و غيره و هذا معنى حجية القطع مطلقا.

(و يمكن الخدشة في الكل، أمّا الإجماع، فالمحصّل منه غير حاصل)

أي لم يوجد هنا إجماع محصل‏

(و المسألة عقلية)

فالإجماع المحصّل على تقدير وجوده، لا ينفع هنا، لأنّ الإجماع إنّما يكشف به قول الإمام- (عليه السلام)- في المسائل الشرعية لا في مثل مسألة التجرّي التي هي عقلية. قوله‏

(خصوصا)

معناه أنّ الإجماع على تقدير تماميته لا ينفع فكيف ينفع‏

(مع مخالفة غير واحد، كما عرفت من النهاية و ستعرف من قواعد الشهيد- (قدّس سرّه)- و)

أمّا

(المنقول منه «إجماع»)

فهو بالطريق‏

21

الأولى‏

(ليس حجة في المقام.

و أمّا بناء العقلاء فلو سلّم فإنّما هو «بنا» على مذمّة الشخص من حيث إنّ هذا الفعل)

أي شرب الخل باعتقاد الخمرية

(يكشف عن وجود صفة الشقاوة فيه)

و بالجملة ذمّهم إنّما هو لأجل الشقاوة الباطنية

(لا على نفس فعله)

الخارجي الذي هو في الواقع شرب الخل، فنفس الفعل لا ذم له في الدنيا و لا عقاب له في الآخرة، فلم يثبت حجية القطع مطلقا

(كمن)

أي مثل التجرّي كمثل عبد

(انكشف لهم «عقلاء» من حاله أنّه)

شقي‏

(بحيث لو قدر على قتل سيده لقتله، فإنّ المذمة)

من العقلاء هنا، إنّما هي‏

(على المنكشف)

أي الشقاوة

(لا الكاشف)

أي القتل الخارجي لعدم تحقّق القتل.

(و من هنا يظهر الجواب عن قبح التجرّي)

عقلا

(فإنّه «قبح» لكشف ما تجرّى به)

يعني: شرب الخل باعتقاد الخمرية

(عن خبث الفاعل)

و شقاوته‏

(لكونه جريئا)

أي طاغيا

(و عازما على العصيان و التمرد، لا على)

أي ليس حكم العقل بالقبح من جهة

(كون الفعل مبغوضا للمولى)

لأنّ شرب الخل لا مبغوضية فيه.

(و الحاصل: أنّ الكلام في كون)

القطع حجة مطلقا بحيث يصير

(هذا الفعل الغير المنهيّ عنه واقعا)

أي يصير شرب الخل‏

(مبغوضا للمولى من حيث تعلّق اعتقاد المكلف بكونه)

خمرا

(مبغوضا)

و بالجملة النزاع في أنّ الحلال يصير حراما بسبب القطع أم لا

(لا في أنّ هذا الفعل)

أي شرب الخل‏

(المنهي عنه باعتقاده ينبئ عن سوء سريرة العبد)

أي يكشف عن سوء نيته‏

(مع سيده و)

عن‏

(كونه جريئا)

على المولى‏

(في مقام الطغيان و المعصية و)

عن كونه‏

(عازما عليه «مقام» فإنّ هذا)

الكشف‏

(غير منكر في هذا المقام، كما سيجي‏ء)

إنّ المتجرّي يستحق الذم، لشقاوته بلا شبهة.

(و)

بالجملة: العقل و العقلاء يحكمان باستحقاق الذم على الشقاوة

22

المنكشفة، لا على شرب الخل المقطوع خمريته، كما قال:

(لكن لا يجدي في كون الفعل محرّما شرعيا لأنّ استحقاق المذمّة على ما)

أي على الشقاوة التي‏

(كشف عنه الفعل لا يوجب استحقاقه «ذم» على نفس الفعل)

المباح واقعا

(و من المعلوم أنّ الحكم العقلي)

و العقلائي‏

(باستحقاق الذم، إنّما يلازم استحقاق العقاب شرعا إذا تعلق)

أي الذم‏

(بالفعل لا بالفاعل)

.

حاصله: أنّ الذم الدنيوي قد يتعلق بالفعل كالكذب و الظلم، و قد يتعلق بالفاعل كالشقي الأوّل مستلزم لحرمة الفعل و استحقاق العقاب الاخروي، دون الثاني و المفروض هنا الثاني، أي الذم على الشقاوة، فلا يستلزم حرمة الفعل و الاستحقاق.

(و أمّا ما ذكر من الدليل العقلي فنلتزم)

فيه بالشق الثالث، أي‏

(باستحقاق من صادف قطعه الواقع، لأنّه عصى اختيارا)

كسائر العصاة

(دون من لم يصادف)

لأنّه شرب الخل.

(قولك: إنّ التفاوت)

بينهما

(بالاستحقاق و العدم لا يحسن أن يناط بما)

أي بشي‏ء

(هو خارج عن الاختيار)

.

و بعبارة أخرى التفاوت بين الأشخاص بمناط أمر خارج عن الاختيار قبيح، فعقاب شارب الخمر بمناط المصادفة و عدم عقاب شارب الخل بمناط عدم المصادفة قبيح فيعاقبان بمناط الشرب الاختياري للخمر المقطوع‏

(ممنوع)

إذ لا قبح في هذا التفاوت.

توضيحه: أنّ شارب الخمر مثلا، على أقسام، فقد يشربها باجبار مجبر، و قد يشربها باختياره فيصادف الواقع، و قد يشربها باختياره فلا يصادفه.

أمّا الأوّل فلا يستحق ذما و لا عقابا

(فإنّ العقاب بما)

أي بالشرب الاجباري الذي‏

(لا يرجع بالاخرة)

أي لا ينتهي‏

(إلى الاختيار قبيح)

و هذا الفرض خارج عن‏

23

المبحث.

و أما الثاني فيستحق الذم، للشرب و العقاب للمصادفة و الوجه أنّ المصادفة ترجع بالآخرة إلى الاختيار، بمعنى أنّها و إن كان أمرا غير اختياري، إلّا أنّها معلولة للشرب الاختياري فتوجب الاستحقاق.

امّا الثالث فيستحق الذم للشرب و لا يستحق العقاب إمّا لعدم المقتضي و إمّا لوجود المانع، أعني: عدم المصادفة، لأنّه و إن كان لا يرجع إلى الاختيار أصلا أي ليس معلولا للشرب الاختياري لا عقلا و لا عادة، بل هو أمر اتفاقي من باب ما قصد لم يقع و ما وقع لم يقصد، إلّا أنّه يمكن كونه مانعا عن الاستحقاق كما قال:

(إلّا أنّ عدم العقاب)

للشرب‏

(لأمر)

أي لأجل عدم المصادفة الذي‏

(لا يرجع إلى الاختيار قبحه «عدم» غير معلوم)

و بالجملة، المصادفة نتيجة الشرب الاختياري، فتوجب الاستحقاق، و عدم المصادفة أمر اتفاقي غير اختياري يمنع به الاستحقاق.

(كما يشهد به)

أي بعدم قبح التفاوت بين الأشخاص بأمر خارج عن الاختيار

(الأخبار الواردة في أنّ: من سنّ سنّة حسنة كان له مثل أجر من عمل بها «سنّة» و من سنّ سنّة سيئة كان له مثل وزر من عمل بها.

فإذا فرضنا أنّ شخصين سنّا سنّة حسنة)

بأن بنيا مسجدين‏

(أو سيّئة)

بأن اخترعا دينين فاسدين‏

(و اتفق كثرة العامل بإحداهما و قلة العامل بما سنّه الآخر)

فصلى في أحد المسجدين ألف مصلّي و في الآخر مائة، و عمل بأحد الدينين ألف و بالآخر مائة

(فإنّ مقتضى الروايات كون ثواب الأوّل و عقابه أعظم)

من الثاني، فكثرة العامل و قلّته مع أنّهما أمران اتفاقيان خارجان عن اختيار الشخص، يوجبان التفاوت في كثرة الثواب و العقاب و قلّتهما

(و قد اشتهر أنّ للمصيب أجرين)

للاجتهاد و الاصابة

(و للمخطئ أجرا واحدا)

فالاصابة و الخطأ يوجبان التفاوت و لا يبعد جريان البيان المتقدم في هذه المقامات، بأن يقال: كثرة العامل‏

24

أو إصابة الفتوى للواقع معلول لأمر اختياري بالضرورة توجب كثرة الثواب، و أمّا قلّة العامل أو خطأ الفتوى فمن باب ما قصد لم يقع و ما وقع لم يقصد، و لا قبح في قلّة الثواب أو العقاب معه، فلا مانع فيما نحن فيه من التفاوت بين المصادف و غيره ببيان تقدم‏

(و الأخبار في أمثال ذلك في طرفي الثواب و العقاب بحد التواتر)

كتفاوت ثواب الإمام بكثرة المأموم و قلته‏

(فالظاهر أنّ العقل إنّما يحكم بتساويهما «شاربين» في استحقاق المذمة من حيث شقاوة الفاعل و خبث سريرته مع المولى لا في استحقاق المذمة على الفعل المقطوع بكونه معصية)

إذ لا ذم لشرب الخل فلا عقاب أيضا.

(و ربّما يؤيد ذلك)

أي استحقاق المصادف دون غيره‏

(انّا نجد من أنفسنا)

بحسب العادة

(الفرق في مرتبة الذم بين من صادف فعله الواقع و بين من لم يصادف)

مثلا من كان له عبدان فضرب أحدهما ابن المولى و ضرب الآخر ابنه الآخر معتقدين ذلك، فصادف أحدهما دون الآخر، فإنّ المولى و سائر العقلاء يذمّون المصادف أكثر من غيره، فتفاوت الذم عندنا يؤيد تفاوت العقاب عند الشارع، فيستحق شارب الخمر لا الخل‏

(إلّا أن يقال إنّ ذلك)

التفاوت‏

(إنّما هو في المبغوضات العقلائية)

لا في المنكرات الشرعية بمعنى أنّ العقلاء في صورة المصادفة يحصل لهم بغض شديد فيحتاج التشفي عنه إلى زيادة الذم كما قال:

(من حيث إنّ زيادة الذم من المولى و تأكد الذم من العقلاء بالنسبة إلى من صادف اعتقاده الواقع لأجل التشفّي المستحيل في حق الحكيم تعالى)

فهو تعالى لا يفرق بين المصادف و غيره إذ الداعي إلى التفاوت، أعني: التشفّي أمر مستحيل فيه‏

(فتأمل)

لأنّ الذم من العقلاء أيضا ربما لا يكون لأجل التشفّي كما في المثال المتقدم، إذا البغض فيه يحصل للمولى فقط و مع ذلك يفرّقون بين المصادف و غيره.

(هذا و قد يظهر من بعض المعاصرين التفصيل)

في استحقاق العقاب‏

(في صورة القطع بتحريم شي‏ء غير محرّم واقعا)

كالخل، فالأقوال ثلاثة؛ المشهور أنّ‏

25

التجرّي علة للقبح من حيث الفعل بمعنى أنّ الشرب يصير حراما يذم و يعاقب عليه و عند الشيخ- ره- علة للقبح من حيث الفاعل، بمعنى أنّ الشخص يذم في الدنيا على صفة الشقاوة و لا يصير الشرب حراما يعاقب عليه، و عند صاحب الفصول قد يصير الفعل حراما فيذم و يعاقب عليه و قد لا يصير فلا ذم و لا عقاب، نظير ضرب اليتيم إيذاء أو تأديبا

(فيرجح استحقاق العقاب بفعله «شي‏ء» إلّا أن يعتقد تحريم واجب)

توصلي أي‏

(غير مشروط بقصد القربة)

كما إذا قطع بأنّ هذا كافر واجب القتل و محرم الحفظ فتجرّى فحفظه، ثم انكشف أنّه كان شخصا واجب الحفظ

(فإنّه «شأن» لا يبعد عدم استحقاق العقاب عليه «فعل» مطلقا)

أي سواء كان مصلحة الواقع أقوى من مفسدة التجرّي كما لو كان نبيّا أو مساويا لها كما لو كان مثلا و فرضا مسلما فاسقا أو أضعف منها كما لو كان كافرا ذميا

(أو في بعض الموارد)

كالصورتين الأولتين‏

(نظرا إلى)

أي عدم الاستحقاق حينئذ لأجل‏

(معارضة الجهة الواقعية)

يعني: الوجوب التوصلي‏

(للجهة الظاهرية)

يعني:

التجرّي و إنّما قال غير مشروط إلخ لأنّ الاتيان بالواجب التعبدي من دون التفاوت و قصد لا حسن فيه أصلا حتى يعارض بقبح التجرّي بخلاف التوصلي فإنّ الاتيان به حسن على زعم صاحب الفصول و إن لم يلتفت المكلف إلى وجوبه و سيأتي دفعه‏

(فإنّ قبح التجرّي عندنا ليس ذاتيا)

لا ينفك كالظلم و ليس اقتضائيا محتاجا إلى الرافع كالكذب‏

(بل يختلف بالوجوه و الاعتبارات)

فإذا صادف الواجب الواقعي لا يقبح و إذا لم يصادفه يقبح نظير ضرب اليتيم للايذاء أو للتأديب‏

(فمن اشتبه عليه مؤمن ورع عالم، بكافر واجب القتل، فحسب أنّه «شخص» ذلك الكافر و تجرّى)

بقطعه‏

(فلم يقتله فإنّه لا يستحق الذم على هذا الفعل)

الذي هو في الظاهر حفظ الكافر

(عقلا عند من انكشف له الواقع)

أي إذا انكشف أنّ هذا التجري كان في الواقع حفظ مؤمن فلا يراه أحد مستحقا للذم و العقاب‏

(و إن كان معذورا لو)

عمل بقطعه و

(فعل)

القتل‏

(و أظهر من ذلك، ما لو جزم بوجوب‏

26

قتل نبيّ أو وصيّ فتجرّى فلم يقتله)

إذ عدم الاستحقاق هنا بديهي.

(أ لا ترى أنّ المولى الحكيم إذا أمر عبده بقتل عدو له فصادف العبد ابنه و زعمه «ابن» ذلك العدو)

المأمور بقتله‏

(فتجرّى فلم يقتله)

أي أ لا ترى‏

(أنّ المولى إذا اطّلع على حاله)

و تجريه‏

(لا يذمه على هذا التجرّي بل يرضى به و إن كان معذورا لو فعل)

لحجية القطع‏

(و)

كما لا يذمه على هذا التجري في صورة القطع‏

(كذا)

لا يذمه‏

(لو نصب له طريقا غير القطع)

أي نصب طريقا

(إلى معرفة عدوّه)

بأن قال إذا عرفت عدوي بشهادة العدلين فاقتله‏

(فأدى الطريق إلى تعيين ابنه فتجرّى)

بظنه‏

(و لم يفعل)

إذ فيه سرور المولى.

إن قلت: فعلى هذا يجوز لنا التجرّي عند قيام الأمارات، لأنّ احتمال اشتمال التجرّي على جهة محسنة موجبة للسرور موجود في جميع موارد الأمارات.

قلت:

(و هذا الاحتمال حيث يتحقّق عند المتجرّي لا يجديه إن لم يصادف الواقع)

بمعنى أنّ هذا الاحتمال قد يتحقق في نظر الشخص إلّا أنّه لا ينفعه إلّا إذا وافق الاحتمال للواقع و هو أمر اتفاقي لا دائمي‏

(و لذا يلزمه «شخص» العقل)

بالانقياد، أي‏

(بالعمل بالطريق المنصوب لما فيه «انقياد» من القطع بالسلامة من العقاب بخلاف ما لو)

تجرّى و

(ترك العمل به «طريق» فإنّ المظنون فيه «تجرّي» عدمها «سلامة»)

و بالجملة العاقل يختار الانقياد الذي هو مسلم النجاة دون التجرّي الذي قد يتفق اشتماله على جهة محسنة.

(و من هنا)

أي من أنّ التجرّي إذا صادف بالوجوب الواقعي يسقط عن الحرمة بالمرة

(يظهر أنّ التجرّي على الحرام في المكروهات الواقعية)

كمن قطع بحرمة الأكل جنبا فتجرّى فأكل، فإنّه‏

(أشد منه «تجري» في مباحاتها «واقعية»)

كمن قطع بحرمة النظر إلى المرأة التي يريد نكاحها فتجرّى فنظر إذ في الأول تجتمع الحرمة الظاهرية مع الكراهة فتشتد و في الثاني ليس إلّا الحرمة الظاهرية

(و هو

27

«تجرّي» فيها «مباحات» أشد منه «تجرّي» في مندوباتها «واقعية»)

كمن قطع بحرمة التعجيل في دفن الميت فتجرّى فعجل فإنّ استحبابه الواقعي يخفف حرمته الظاهرية بخلاف المباح‏

(و يختلف)

التجرّي‏

(باختلافها «مندوبات» شدة و ضعفا)

فإذا صادف باستحباب مؤكد يحصل فيه الضعف و في غير المؤكد يبقى على شدته بالنسبة

(كالمكروهات)

فإذا صادف بمكروه مؤكد يكون أشد مما صادف بمكروه غير مؤكد

(و يمكن أن يراعي في الواجبات الواقعية ما هو الأقوى من جهاته «واجب» و جهات التجرّي)

فإن صادف بواجب مؤكد تسقط حرمته بالمرة و إلّا فتخفف و لا تسقط رأسا كما مر في قوله: مطلقا أو في بعض الموارد.

(انتهى كلامه- رفع مقامه-.

أقول: يرد عليه أوّلا: منع ما ذكره من عدم كون قبح التجرّي ذاتيا)

بل يختلف بالوجوه و الاعتبارات‏

(لأنّ التجرّي على المولى قبيح ذاتا)

كما تقدم أنّ هذا غير منكر

(سواء كان)

القبح‏

(لنفس الفعل)

بأن يكون شرب الخل معتقدا خمريته حراما ذا عقاب كما هو المشهور

(أو لكشفه «تجرّي» عن)

الشقاوة و

(كونه جريئا)

كما عليه المصنف‏

(فيمتنع عروض الصفة المحسنة له «تجرّي»)

فمصادفته بالوجوب لا ترفع قبحه، إذ الذاتي لا يتغير

(و في مقابله «تجرّي» الانقياد)

و الاطاعة

(للّه تعالى فإنّه)

حسن بالذات‏

(يمتنع أن يعرض له جهة مقبحة)

إذ الذاتي لا يتغير.

(و ثانيا: أنّه لو سلم أنّه «تجرّى»)

ليس علة تامة للقبح فلا أقل من كونه مقتضيا له و حينئذ

(لا امتناع في أن يعرض له جهة محسنة لكنّه باق على قبحه ما لم يعرض له تلك الجهة)

لأنّ كلّ مقتض باق على اقتضائه إلى حصول الرافع كبقاء الكذب على قبحه إلى حصول المصلحة

(و ليس)

التجرّي من قبيل ضرب اليتيم أي‏

(مما لا يعرض له في نفسه حسن و لا قبح)

لأنّ ضربه بما هو هو لا حسن و لا قبيح‏

(إلّا بملاحظة ما يتحقق في ضمنه)

فإن ضربه تأديبا يحسن و إيذاء يقبح.

28

(و بعبارة أخرى)

القبائح على أقسام: بعضها علة تامة للقبح كالظلم، و بعضها مقتض له كالكذب، و بعضها يختلف بالوجوه كضرب اليتيم، و حينئذ

(لو سلمنا عدم كونه «تجرّى» علة تامة للقبح كالظلم فلا شك في كونه مقتضيا له كالكذب و ليس من قبيل الأفعال التي لا يدرك العقل بملاحظتها في أنفسها)

أي بما هي هي‏

(حسنها و لا قبحها)

كضرب اليتيم‏

(و حينئذ)

أي إذا كان من قبيل المقتضي‏

(فيتوقف ارتفاع قبحه على انضمام جهة)

محسنة

(يتدارك بها قبحه كالكذب المتضمن لانجاء نبيّ)

أو مؤمن.

إن قلت: سلمنا أنّ التجرّي مقتض للقبح لا يرتفع قبحه إلّا برافع، أي بانضمام جهة محسنة و لكن المفروض في كلام الفصول هو انضمام الرافع، أعني:

المصادفة بالوجوب الواقعي.

قلت:

(و من المعلوم أنّ)

الواجب الواقعي، أعني:

(ترك قتل المؤمن بوصف أنّه مؤمن في المثال الذي ذكره كفعله «قتل» ليس من الأمور التي يتصف بحسن أو قبح للجهل بكونه «قتل» قتل مؤمن)

.

حاصله: أنّ ترك قتل المؤمن و إن كان واجبا توصليّا يسقط بمجرد حصوله في الخارج إلّا أنّه إنّما يتصف بالحسن إذا كان عن توجه و التفات و أمّا ترك قتله غفلة عن الحال كما في المثال، فلا حسن فيه، كما أنّ قتله لا يتصف بالقبح فيه‏

(و لذا اعترف في كلامه بأنّه لو قتله كان معذورا، فإذا لم يكن هذا الفعل)

أعني: ترك قتل المؤمن‏

(الذي تحقق التجرّي في ضمنه مما يتصف بحسن أو قبح)

لأجل الغفلة

(لم يؤثر في اقتضاء ما يقتضي القبح)

فالتجرّي و إن صادف بالواجب إلّا أنّه لكونه مغفولا عنه لا يتصف بالحسن ليرفع قبح التجرّي‏

(كما لا يؤثر)

ترك الواجب الواقعي‏

(في اقتضاء ما يقتضي الحسن)

أي الانقياد فيما

(لو فرض أمره بقتل كافر فقتل مؤمنا معتقدا كفره)

فهذا القتل انقياد متصف بالحسن و قتل المؤمن‏

29

في ضمنه لكونه مغفولا عنه لا قبح فيه ليرفع حسن الانقياد كما قال:

(فإنّه لا إشكال في مدحه من حيث الانقياد و عدم مزاحمة حسنه بكونه في الواقع قتل مؤمن)

.

و بالجملة التجرّي إمّا علّة تامّة للقبح الفعلي أو الفاعلي فلا يمكن ارتفاعه بشي‏ء، أو مقتض للقبح الفعلي أو الفاعلي فلا يرتفع إلّا بما يصلح للرافعية و المصادفة للواجب الواقعي لكونه مغفولا عنه لا يصلح لرافعية قبحه.

(و دعوى أنّ الفعل الذي يتحقّق به التجرّي و إن لم يتصف في نفسه بحسن و لا قبح لكونه مجهول العنوان لكنّه لا يمتنع أن يؤثر في قبح ما يقتضي القبح بأن يرفعه)

حاصل الإشكال: إنّا سلّمنا أنّ الواجب الواقعي، أعني: ترك قتل المؤمن الذي تحقّق به التجرّي لا يتصف بالحسن لكونه مغفولا عنه لكنّه مشتمل على مصلحة ذاتية لا محالة فيمكن أن يؤثر في قبح التجرّي أي يرفع قبحه، ثم أورد المستشكل على نفسه بقوله‏

(إلّا أن نقول بعدم مدخلية الأمور الخارجة عن القدرة في استحقاق المدح و الذم)

.

و بعبارة اخرى مصادفة التجرّي بالواجب الواقعي خارجة عن الاختيار فلا تتصف بالحسن و لا توجب المدح، فكيف ترفع قبح التجرّي، كما أنّ مصادفة الانقياد بترك الواجب خارجة عن الاختيار لا تتصف بالقبح و لا توجب الذم و لا ترفع حسن الانقياد

(و هو «عدم» محل نظر بل منع)

لأنّ الأمر الخارج عن الاختيار مع عدم اتصافه في نفسه بحسن و لا قبح يمكن أن يكون له تأثير في الجملة و رافعية لقبح التجرّي ببركة المصلحة الذاتية و تقدم الشاهد الكامل على ذلك في كلام المصنف- ره- كما قال:

(و عليه «منع» يمكن ابتناء منع الدليل العقلي السابق في قبح التجرّي)

أي بطلان الدليل السابق كما ذكرنا سابقا إمّا مبني على كون الأمر الخارج عن الاختيار مانعا عن الاستحقاق و إمّا مبني على عدم المقتضي للاستحقاق في صورة عدم المصادفة.

30

توضيحه: أنّ المشهور كما تقدم استدلوا على الحرمة بوجوه: رابعها، إنّا إذا فرضنا شخصين شربا خمرين فصادف أحدهما دون الآخر يحكم باستحقاق كليهما لأنّ المصادفة و عدمها خارجان عن الاختيار فلا يوجبان التفاوت فأجاب المصنف- ره- بأنّه لا مانع من أن يكون الأمر الخارج عن الاختيار مؤثرا في عدم العقاب و استشهد بذلك بأخبار «من سنّ سنّة حسنة ...» فنقول أيّها الشيخ جعلت عدم المصادفة بالواقع مؤثّرا في عدم العقاب، فكذا صاحب الفصول يجعل المصادفة بالواجب مؤثرة في رفع قبح التجرّي.

(مدفوعة)

أي هذه الدعوى باطلة

(مضافا إلى الفرق بين ما نحن فيه)

أي مصادفة التجرّي بالوجوب‏

(و بين ما تقدم من الدليل العقلي كما لا يخفى على المتأمّل)

.

توضيح الفرق: أنّ الشيخ- ره- حكم في جواب الدليل السابق بأنّ التجرّي يقتضي القبح الفاعلي و عدم المصادفة يدفع القبح الفعلي و لا يرفع القبح الفاعلي و الفصول اعترف بأنّ التجرّي يقتضي القبح الفعلي و يدّعي كون المصادفة بالوجوب رافعا له.

و أنت خبير بأنّ كون الأمر الخارج عن الاختيار دافعا كما ذكره الشيخ لا يستلزم كونه رافعا على ما عليه الفصول، إذ الدفع أسهل من الرفع‏

(بأنّ العقل مستقل بقبح التجرّي في المثال المذكور و)

لا أثر لمصادفة الوجوب إذ

(مجرد تحقّق ترك قتل المؤمن في ضمنه «تجرّي» مع الاعتراف بأنّ ترك القتل)

لكونه مجهول العنوان‏

(لا يتصف بحسن و لا قبح لا يرفع قبحه و لذا يحكم العقل بقبح الكذب و ضرب اليتيم إذا انضم إليهما ما يصرفهما إلى المصلحة إذا جهل الفاعل بذلك)

الانضمام، فالكذب يقتضي القبح ما دام لم ينضم إليه جهة حسن أو انضم و لم يلتفت إليها الشخص، و أمّا إذا انضمت مع الالتفات فترفع قبحه، و ضرب اليتيم قبيح إذا لم ينضم إليه جهة التأديب أو لم يلتفت إليها الشخص، و إذا انضمت مع‏

31

الالتفات يكون حسنا.

(ثمّ إنّه ذكر هذا القائل)

في الفصول‏

(في بعض كلماته انّ التجرّي إذا صادف المعصية الواقعية)

بأن شرب الخمر الواقعي‏

(تداخل عقابهما)

أي التجرّي و المعصية

(و لم يعلم معنى محصل لهذا الكلام إذ مع كون التجرّي عنوانا مستقلا في استحقاق العقاب)

كما عليه صاحب الفصول‏

(لا وجه للتداخل إن أريد به وحدة العقاب)

أي إن أراد بالتداخل وحدة العقاب فلا وجه له بعد فرض استحقاق العقابين‏

(فإنّه «تداخل» ترجيح بلا مرجح)

إذ الفرض أنّ كلا منهما عنوان مستقل للاستحقاق‏

(و سيجي‏ء في الرواية أنّ على الراضي)

أي على من رضي بعصيان آخر

(إثما و على الداخل)

كشارب الخمر

(إثمان)

للرضا و العمل، فلم يحكم بالتداخل‏

(و إن أريد به «تداخل» عقاب)

شديد أي‏

(زائد على عقاب محض التجرّي)

كشرب الخل بقصد الخمر

(فهذا ليس تداخلا)

بل هو اجتماع العقابين‏

(لأنّ كل فعل اجتمع فيه عنوانان من القبح)

كشرب المغصوب النجس‏

(يزيد عقابه «فعل» على ما)

أي على الفعل الذي‏

(كان فيه أحدهما)

كشرب المغضوب الطاهر.

(و التحقيق)

كما تقدم‏

(إنّه لا فرق في قبح التجرّي بين موارده)

أي سواء صادف الوجوب أو غيره‏

(و انّ المتجرّي لا إشكال في استحقاقه الذم من جهة انكشاف خبث باطنه و سوء سريرته و جرأته، و أمّا استحقاقه للذم)

و العقاب‏

(من حيث الفعل المتجرّي في ضمنه)

كشرب الخل‏

(ففيه إشكال، كما اعترف به الشهيد- (قدّس سرّه)- فيما يأتي من كلامه)

.

قوله:

(نعم لو كان)

حاصله أنّ التجرّي على وجوه منها التجرّي على المعصية باتيان ما يعتقده معصية و قد عرفت أنّ حرمة الفعل هنا محل إشكال.

و منها:

(التجرّي على المعصية بالقصد إلى المعصية)

كما إذا قصد السرقة و لم يسرق‏

(فالمصرّح به في الأخبار الكثيرة العفو عنه)

أي عن القصد الذي تحقّق به التجرّي‏

32

(و إن كان يظهر من أخبار أخر العقاب على القصد أيضا مثل قوله (صلى اللّه عليه و آله و سلم): نية الكافر شر من عمله)

و الوجه المحتمل فيه أنّه ربّما ينوي ما لا يقدر من فعله مثلا ينوي الخلد في الكفر و لا يقدر عليه إلّا مدّة عمره و يريد اطفاء نور اللّه و لا يقدر على فعله و هكذا، و كذا معنى قوله (صلى اللّه عليه و آله و سلم): نيّة المؤمن خير من عمله‏

(و قوله- (عليه السلام)-: إنّما يحشر الناس على نيّاتهم)

فالنيّات محفوظة للعقاب و الثواب‏

(و ما ورد من تعليل خلود أهل النار في النار و خلود أهل الجنة في الجنة)

مع أنّهم لم يعصوا و لم يطيعوا إلّا سنين عددا

(بعزم كل من الطائفتين على الثبات على ما كان عليه من المعصية و الطاعة)

فعزمهم على الدوام‏

(لو خلدوا في الدنيا و ما ورد من أنّه إذا التقى)

من الملاقاة كناية عن الجدال‏

(المسلمان بسيفهما فالقاتل و المقتول في النار، قيل يا رسول اللّه: هذا القاتل)

حقه النار

(فما بال المقتول، قال (صلى اللّه عليه و آله و سلم): لأنّه أراد قتل صاحبه، و ما ورد في العقاب على فعل بعض المقدمات بقصد ترتب الحرام كغارس)

العنب بقصد إعمال‏

(الخمر و الماشي لسعاية «سخن چينى» مؤمن و فحوى ما دل على أنّ الرضا بفعل كفعله)

لأنّ الرضا بصدور المعصية عن شخص إذا كان معصية فقصد المعصية أولى بالمعصية

(مثل ما عن أمير المؤمنين- (عليه السلام)-: انّ الراضي بفعل قوم كالداخل فيه «فعل» معهم «قوم» و على الداخل إثمان: إثم الرضا و إثم الدخول.

و يؤيده «عقاب» قوله تعالى: (

إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفاحِشَةُ

)

أي يظهر العيب‏

(

فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ‏

)

إذ العذاب على حب شي‏ء يؤيد العذاب على قصده و لكن لا يدل عليه لضعف القصد عن الحب‏

(و قوله تعالى:

إِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ‏

)

أي تظهروه بالعمل‏

(

أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ‏

)

يحتمل إرادة العموم من الموصول فيشمل كل قصد و يحتمل إرادة خصوص الحسد أو الكفر مثلا

(و ما ورد من أنّ من رضي بفعل فقد لزمه)

ذلك الفعل‏

(و إن لم يفعل و ما ورد في تفسير قوله تعالى)

مخاطبا لنبيّه (صلى اللّه عليه و آله و سلم) قل: «لهؤلاء اليهود» قَدْ

33

جاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّناتِ وَ بِالَّذِي قُلْتُمْ‏ «خواسته شما»

(

فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ‏

)

في قولكم بأنّا نؤمن لرسول يأتي بقربان تأكله النار

(من أنّ)

سبب‏

(نسبة القتل إلى المخاطبين مع تأخّرهم عن القاتلين بكثير رضاهم بقتلهم)

يؤيد العقاب على قصد المعصية و لا يدل عليه لاحتمال ارادة انّ الرضا بالقتل مثلا، بحكم القتل في الذم و القبح لا في العقاب‏

(و قوله تعالى:

تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَ لا فَساداً

)

يؤيد العقاب على القصد و لا يدل عليه لاحتمال إرادة العقاب على الأفعال الصادرة بواسطة إرادة الفساد و العلوّ.

(و يمكن)

الجمع بين الأدلة الدالة على العفو و الدالة على العقاب بوجهين:

الأوّل:

(حمل الأخبار الأولة على من ارتدع عن قصده بنفسه و حمل الأخبار الأخيرة على من بقي على قصده حتى عجز عن الفعل لا باختياره)

فقاصد المعصية إن انصرف نادما عن قصده يعفى عنه و إن لم ينصرف بل عجز عن الفعل لمانع يستحق العقاب.

(أو)

أي الوجه الثاني أن‏

(يحمل الأوّل على من اكتفى بمجرد القصد و الثاني على من اشتغل بعد القصد ببعض المقدمات)

فقاصد اعمال الخمر مثلا إن لم يشتغل بشي‏ء من المقدمات لندم أو عجز فيعفى عنه و إن اشتغل بغرس العنب مثلا فيعاقب‏

(كما يشهد له)

أي للعقاب على المقدمات‏

(حرمة الاعانة على المحرّم حيث عمّه بعض الأساطين)

الاعانة

(لاعانة نفسه على الحرام)

بمعنى أنّ الاعانة أعم من اعانة الغير كعمال الظلمة و اعانة النفس بالاشتغال بالمقدمات‏

(و لعلّه «تعميم» لتنقيح المناط لا بالدلالة اللفظية)

لأنّ المتبادر من لفظ الاعانة هو اعانة الغير إلّا أنّ مناط الحرمة هاهنا، أعني: المعاضدة لحصول الحرام موجود هناك أيضا.

(ثمّ إنّ التجرّي على)

ستة

(أقسام يجمعها عدم المبالات بالمعصية أو قلّتها)

34

فخمسة منها مسبّبة عن عدم المبالات و الأخير مسبّب عن قلّتها.

(أحدها: مجرد القصد إلى المعصية.

و الثاني: القصد مع الاشتغال بمقدماته.

و الثالث: القصد مع التلبس بما يعتقد)

علما أو ظنّا معتبرا

(كونه معصية)

كشرب معتقد الخمرية فهذه الثلاثة تقدم حكمها.

(و الرابع: التلبس بما يحتمل كونه معصية رجاء لتحقق المعصية)

كشرب أحد الإناءين المشتبهين برجاء الخمرية

(و الخامس: التلبّس به لعدم المبالات بمصادفة الحرام)

كمن يشرب أحد الإناءين من دون رجاء و لا خوف.

(و السادس: التلبّس برجاء أن لا يكون معصية و خوف كونها معصية)

كشرب أحدهما برجاء الخليّة

(و يشترط في صدق التجرّي في الثلاثة الأخيرة عدم كون الجهل عذرا)

غرضه أنّ هذه الثلاثة مشتركة في كون الفاعل جاهلا بالحرمة و محتملا لها و الجهل قد يكون عذرا و قد لا يكون، فإن لم يكن عذرا

(عقليا أو شرعيا)

فيتحقق التجرّي كما إذا شك في صيرورة الخمر خلا فهذا الجاهل غير معذور لأنّ وظيفته استصحاب الخمرية فيكون الشرب تجرّيا و

(كما في الشبهة المحصورة الوجوبية)

كالشاك في القبلة فإنّ هذا الجهل ليس عذرا لأنّه يعلم إجمالا بوجوب الصلاة إلى احدى الجهات فتلزمه الصلاة إلى الأربع فلو ترك إحداها تجرّى‏

(أو التحريمية)

كالشاك في أحد الإناءين فإنّ هذا الجهل ليس عذرا لعلمه إجمالا بخمرية أحدهما، فلو شرب أحدهما برجاء الخمرية أو المائية أو بلا رجاء و لا خوف تحقّق التجرّي‏

(و إلّا)

أي و إن كان الجهل عذرا

(لم يتحقّق)

التجرّي لعدم‏

(احتمال المعصية و إن تحقق احتمال المخالفة للحكم الواقعي كما في)

الشبهات الخالية عن العلم الاجمالي و استصحاب التكليف و هي‏

(موارد أصالة البراءة)

كالشك في حرمة شرب التتن فهذا الجهل عذر عقلا لقبح العقاب بلا علم‏

35

فارتكابه ليس تجرّيا

(و استصحابها «براءة»)

كالشاك في صيرورة الخل خمرا فإنّه معذور شرعا لأنّ وظيفته استصحاب عدم الحرمة فارتكابه ليس تجريا و إن كان مخالفا للواقع.

(ثمّ إنّ الأقسام الستة كلها مشتركة في استحقاق الفاعل للمذمة من حيث خبث ذاته و جرأته و سوء سريرته و إنّما الكلام في تحقّق العصيان)

و العقاب‏

(بالفعل المتحقق في ضمنه التجرّي)

يعني قصد المعصية أو شرب معتقد الخمرية أو محتملها مثلا

(و عليك بالتأمل في كل من الأقسام)

قد عرفت أنّ مجرد القصد إلى المعصية معفو عنه و القصد مع الاشتغال بالمقدمات يحتمل العقاب عليه بمقتضى الجمع بين الأدلة و التلبس بمعتقد الخمرية مع كونه خلا في الواقع، قد عرفت فيه الأقوال، و إنّ مختاره فيه عدم العقاب، و إن تردد فيه أخيرا ففي محتمل التحريم بالطريق الأولى.

(قال الشهيد- قده- في القواعد لا تؤثّر نيّة المعصية عقابا و لا ذما ما لم يتلبس بها «معصية»)

سواء اشتغل بالمقدمات أم لا

(و هو «قصد» مما ثبت في الأخبار العفو عنه و لو نوى المعصية و تلبس بما يراه معصية)

لعله أراد الأعم من معتقد الحرمة و محتملها إذا لم يكن الجهل عذرا

(فظهر خلافها)

أي كان خلا مثلا

(ففي تأثير هذه النية نظر من أنّها لما لم يصادف المعصية صارت كنية مجردة)

عن العمل‏

(و هي غير مؤاخذ بها و من دلالتها على انتهاك الحرمة و جرأته على المعاصي و قد ذكر بعض الأصحاب أنّه لو شرب المباح)

المسلّم‏

(تشبيها بشرب المسكر فعل حراما)

لأنّ من شبّه بقوم فهو منهم، فإذا كان مجرد التشبيه بالحرام حراما فالتلبس بما يراه حراما حرام بالطريق الأولى‏

(و لعله)

أي تحريم التشبيه‏

(ليس لمجرد النيّة)

إذ تقدم أنّ نيّة الحرام المسلّم ليس بحرام فكيف نيّة التشبيه‏

(بل بانضمام)

التشبيه الخارجي الحاصل من‏

(فعل الجوارح و يتصور محل النزاع)

و النظر

(في صور)

من الأعراض و الأموال و النفوس تعرض لها لاهتمامها فقال:

36

(منها، لو وجد امرأة في منزل غيره فظنّها أجنبية فأصابها)

بالوطي‏

(فبان أنّها زوجته أو أمته.

و منها: لو وطئ زوجته بظن أنّها حائض فبانت طاهرة.

و منها: لو هجم على طعام بيد غيره)

أي أخذه بهجوم‏

(فأكله فتبين أنّه ملكه.

و منها: لو ذبح شاة بظن أنّها للغير)

أي ذبح‏

(بقصد العدوان فظهرت ملكه.

و منها: ما إذا قتل نفسا بظن أنّها معصومة)

أي محفوظة الدم‏

(فبانت مهدورة)

الدم‏

(و قد قال بعض العامة يحكم بفسق المتعاطي)

أي المرتكب على‏

(ذلك لدلالته على عدم المبالات بالمعاصي و يعاقب في الآخرة ما لم يتب عقابا متوسّطا بين الصغيرة و الكبيرة و كلاهما)

أي الحكم بالفسق و العقاب‏

(تحكم)

إذ لا دليل عليهما

(و تخرّص على الغيب)

إذ لا دليل على كون عقابه متوسطا فهو حكم بالغيب تخمينا و تخيلا

(انتهى.

[الثاني‏] القطع الحاصل من العقل‏

الثاني: إنّك قد عرفت)

سابقا في الفرق بين القطع الطريقي و الموضوعي‏

(أنّه لا فرق فيما يكون العلم فيه كاشفا)

أي طريقا

(محضا بين أسباب العلم)

بل هو حجة مطلقا أي سواء حصل من الأدلة الأربعة أي الكتاب و السنّة و الإجماع و العقل أو من غيرها كالرمل و الرؤيا

(و ينسب إلى غير واحد من أصحابنا الأخباريين عدم الاعتماد على القطع الحاصل من المقدمات العقلية القطعية الغير الضرورية)

حاصله: أنّ الدليل في المسائل الدينية الفقهية و الكلامية و الأصولية إمّا نقلي قطعي كنص الكتاب و الخبر المتواتر، و إمّا نقلي ظني كظواهر الألفاظ و خبر العادل، و إمّا عقلي ضروري و المراد منه هنا المشهورات التي توافق عليه العقول،

37

كوجوب شكر المنعم لاثبات وجوب المعرفة، و كقبح التجري لاثبات حجية القطع و إن خالف الواقع، و كحسن إعانة العاجز لاثبات استحبابها، و إمّا عقلي قطعي نظري كحكمه بأنّ السهو عيب على النبي (صلى اللّه عليه و آله و سلم) لسقوطه عن الاعتبار لاثبات امتناع سهوه (صلى اللّه عليه و آله و سلم) و كانتفاء المشروط بانتفاء الشرط لئلّا يكون الشرط لغوا لاثبات مفهوم الشرط و كحكمه بأنّ الأصل في الأشياء الإباحة لا إشكال في اعتبار النقلي القطعي و الظني المعتبر و العقلي الضروري و عدم اعتبار العقلي الظني، و أمّا العقلي القطعي النظري فالجمهور على اعتباره، و نسب إلى بعض الأخباريين عدمه‏

(لكثرة وقوع الاشتباه و الغلط فيها)

مثلا بعضهم يستدلون لامتناع سهوه (صلى اللّه عليه و آله و سلم) بأنّه عيب، و الآخرون يستدلون لامكانه بأنّه لطف على الأمّة لئلا يستهزئ بعضهم بعضا بالسهو فأحدهما خطاء

(فلا يمكن الركون)

أي الاعتماد

(إلى شي‏ء منها.

فإن أرادوا)

حاصله: أنّ قولكم لا يمكن الركون فيه أربع احتمالات:

الأوّل: إنّ العقلي النظري لا يحصل منه إلّا الظن فيتخيل أنّه قطع، و فيه: أنّه خلاف الوجدان و البديهة.

الثاني: إنّ المراد أنّه إذا أفاد القطع حجة و إذا أفاد الظن فلا، و هذا حق إلا أنّ المنسوب إلى الأخباري إنكار حجية القطع.

الثالث:

(عدم جواز الركون بعد حصول القطع فلا يعقل ذلك في مقام اعتبار العلم من حيث الكشف)

أي لا يعقل عدم الحجية في القطع الطريقي لأنّه إذا حصل القطع من مفهوم قوله- (عليه السلام)-: الماء إذا بلغ قدر كر لا ينجسه شي‏ء إنّ القليل يتنجّس بالملاقات فلو لم يجز الركون بهذا القطع فمعناه أنّه لا يتنجّس بالملاقات فيلزم التناقض‏

(و لو أمكن الحكم بعدم اعتباره لجرى مثله في القطع الحاصل من المقدمات الشرعية)

إذ الأدلّة كلّها مشتركة في الاشتباه و الغلط

(طابق النعل بالنعل)

و الحال أنّه لم يقل أحد بعدم حجية القطع الحاصل من النقل.

38

الرابع: قوله‏

(و إن أرادوا عدم جواز الخوض في المطالب العقلية لتحصيل المطالب الشرعية لكثرة وقوع الغلط و الاشتباه فيها)

بمعنى أنّ القطع بعد حصوله لا بدّ من العمل به من أي سبب حصل إلّا أنّه لا يجوز الرجوع من أوّل الأمر إلى الأدلّة العقلية ليحصل القطع‏

(فلو سلّم ذلك و اغمض)

النظر

(عن المعارضة بكثرة ما يحصل من الخطاء في فهم المطالب من الأدلة الشرعية)

.

حاصله: إنّا لا نسلم كثرة الغلط و على تقدير تسليمها، فالأدلّة الشرعية أيضا كذلك، فلا يجوز الخوض فيها أيضا لا من باب القياس بل من باب حكم العقل أي إذا حكم عقلك أيّها الأخباري بعدم جواز الخوض في العقلية فليحكم به في النقلية أيضا، و مع الاغماض عن المعارضة

(فله وجه)

لأنّ الدخول في دليل كثير الغلط مستلزم لتفويت المصالح الواقعية و هو قبيح‏

(و حينئذ فلو خاض فيها و حصل القطع بما لا يوافق الحكم الواقعي لم يعذر في ذلك لتقصيره في مقدمات التحصيل)

مثلا، إذا حكم بحلية شي‏ء كشرب التتن لدليل عقلي كأصالة الاباحة و كان في الواقع حراما لا يكون معذورا

(إلّا أنّ الشأن)

أي الكلام‏

(في ثبوت كثرة الخطاء)

في الأدلة العقلية

(أزيد ممّا يقع)

من الخطاء

(في فهم المطالب من الأدلّة الشرعية)

أي لم يثبت كون الخطاء في العقلية أزيد من النقلية.

(و قد عثرت)

أي صادفت‏

(بعد ما ذكرت هذا)

الذي نسب إلى الأخباري‏

(على كلام يحكي عن المحدث الأسترآبادي في فوائده المدنية قال في عداد «شمار» ما استدل به على انحصار الدليل في غير الضروريات الدينية بالسماع عن الصادقين- (عليهما السلام)-)

بمعنى أنّ الضروريات الدينية و هي المشهورات التي تطابق عليه آراء المتدينين كالاعتقادات الخمس في الكلام و الأدلة الأربعة في الأصول و الصلاة و الصيام في الفقه مستغنية عن الدليل، و أمّا النظريات المحتاجة إلى الدليل فدليلها منحصر في السنّة لأنّ الأخباري لا يعمل بالعقل النظري و لا بالكتاب ما لم يرد تفسير عن المعصوم و الإجماع معتبر من حيث كشفه عن‏

39

السنّة

(قال الدليل التاسع مبني على مقدمة دقيقة شريفة تفطّنت لها بتوفيق اللّه تعالى و هي أنّ العلوم النظرية)

أي المسائل المحتاجة إلى الاستدلال في كل علم من العلوم‏

(قسمان:

قسم ينتهي إلى مادة)

المراد من المادة كل واحد من الصغرى و الكبرى‏

(هي)

حسية كبعض الأوّليات نحو الواحد نصف الاثنين و الحسيات الظاهرية نحو الشمس مشرقة و الباطنية نحو لنا جوع و بعض الفطريات نحو الأربعة زوج و بعض المتواترات نحو مكة موجودة مثلا، حدوث العالم نظري ينتهي إلى الحسّي و هو التغير أو

(قريبة من الاحساس)

كالتجربيات نحو سقمونيا مسهل للصفراء، و كالعقليات الواضحة نحو العلم كمال و كالأوصاف التي آثارها حسيّة كالشجاعة و السخاوة، و كالمقدمة المتصلة إلى مقدمة حسيّة مثلا كون العالم محتاجا إلى المؤثّر مسألة نظرية تنتهي إلى حدوث العالم، و هي مقدمة متصلة بمقدمة حسيّة و هي تغير العالم‏

(و من هذا القسم)

علم الجغرافيا، فإنّ موضوعه الأرض، و علم الطب فإنّ موضوعه البدن، و

(علم)

الحكمة الرياضية أي‏

(الهندسة)

و موضوعه الكم المتصل تقول المثلث هو ما أحاط به ثلاثة خطوط مستقيمة، هذه حسيّة، ثم المثلث القائم الزاوية الذي ضلعاه أربعة أشبار مساحته ثمانية أشبار هذه نظرية تنتهي إلى قريب من الحسّ و هو أنّ أحد ضلعيه يضرب في نصف الآخر أي الأربعة في الاثنين فيحصل الثمانية

(و الحساب)

و موضوعه العدد تقول الواحد نصف الاثنين هذه ضرورية، و تقول مخرج ربع الخمس هو العشرون هذه نظرية تنتهي إلى قريب من الحس، و هو أن مخرج الربع الأربعة، و مخرج الخمس الخمسة، فيضرب الأربعة في الخمسة فيحصل العشرون فواحد منه ربع الخمس‏

(و أكثر أبواب المنطق)

كقولهم نقيض السالبة الكلية، الموجبة الجزئية و مباحث النسب الأربعة

(و هذا القسم)

من المعلوم‏

(لا يقع فيه الخلاف بين العلماء و الخطاء في نتائج الأفكار و السبب في ذلك انّ الخطاء في الفكر إمّا من جهة الصورة)

أي‏

40

هيئة القياس كأن يقول هذا الجدار شي‏ء فيه فأرة و كل فأرة لها اذن فهذا الجدار له اذن، و هذا غلط منشؤه الخطاء في الصورة لعدم تكرّر الوسط إذ كان حقه أن يقول و كل شي‏ء فيه فأرة له اذن، و هذا فاسد.

(أو من جهة المادة)

كأن يقول العالم أثر القديم و أثر القديم قديم فالعالم قديم، و هذا خطأ نشأ من الخطاء في الكبرى لأنّ أثر القديم لا يكون قديما لأنّ آثاره تعالى ليست من قبيل المعلولات الطبيعية التي لا تنفك عن العلة كنور الشمس بل من قبيل الأفعال الاختيارية

(و الخطأ من جهة الصورة لا يقع من العلماء لأنّ معرفة الصورة)

من كون الصغرى موجبة و الكبرى كلية الى آخره‏

(من الأمور الواضحة عند الأذهان المستقيمة و الخطاء من جهة المادة)

الصغروية و الكبروية

(لا يتصوّر في هذه العلوم لقرب المواد فيها إلى الاحساس)

بل و لا يقع الخطاء فيما يقطع به على سبيل البداهة إذا أي و إن لم يكن محسوسا أو قريبا منه كبعض الأوّليات نحو النقيضان لا يجتمعان و لا يرتفعان هذا إذا لم يكن مما توافق عليه العقول و أمّا العقلي الضروري فحجّة في جميع العلوم.

(و قسم)

من المسائل النظرية

(ينتهي إلى مادة هي بعيدة عن الاحساس و من هذا القسم الحكمة الالهية)

الباحثة عن أحوال المجردات كالواجب تعالى و صفاته و غيرها و موضوعها الوجود

(و)

الحكمة

(الطبيعية)

الباحثة عن أحوال الجسم‏

(و علم الكلام)

الباحث عن أحوال المبدأ و المعاد

(و علم أصول الفقه)

الباحث عن أحوال الحجة في الفقه‏

(و المسائل النظرية الفقهية)

الباحثة عن أحكام العبادات و المعاملات‏

(و بعض القواعد المذكورة في كتب المنطق و من ثم)

أي من أجل بعد مواد هذه العلوم عن الحس‏

(وقع الخلاف و المشاجرات بين الفلاسفة في الحكمة الالهية)

كاختلافهم في كيفية علمه تعالى هل هو متصل بذاته أو منفصل عنها الى آخره‏

(و الطبيعية)

كما يأتي من اختلافهم في أنّ الجسم مركّب من جوهرين أو جوهر واحد

(و بين علماء الإسلام في اصول الفقه و مسائل الفقه)

كما لا يخفى‏

41

(و علم الكلام)

كاختلافهم في إمكان سهو النبي (صلى اللّه عليه و آله و سلم)

(و غير ذلك)

كاختلافهم في المنطق في أنّ قولنا كل انسان كاتب بالقوة مثلا معناه كل انسان بالإمكان كاتب بالقوة أو معناه كل انسان بالفعل كاتب بالقوة

(و السبب في ذلك)

الاختلافات في العلوم‏

(انّ القواعد المنطقية إنّما هي)

آلة قانونية

(عاصمة)

للفكر

(من الخطاء من جهة الصورة لا من جهة المادة)

.

اعلم أنّ القياس من حيث الصورة إمّا اقتراني و إمّا استثنائي بأقسامها و من حيث المادة الصغروية و الكبروية إمّا برهاني مؤلّف من اليقينيات أو جدلي مؤلّف من المشهورات و المسلّمات، أو خطابي مؤلّف من المقبولات و المظنونات أو شعري مؤلّف من المخيلات أو مغالطي مؤلف من الموهومات و المشبهات، فالمنطق يعصم عن الخطاء في الصورة لا المادة

(إذ أقصى ما يستفاد من المنطق في باب مواد الأقيسة تقسيم المواد على وجه كلّي إلى أقسام)

و هي الصناعات الخمس المذكورة

(و ليست في المنطق قاعدة بها يعلم أنّ كل مادة مخصوصة داخلة في أي قسم من الأقسام)

فلا يعلم به أنّ قولنا أثر القديم قديم من اليقينيات البرهانية أو من الموهومات المغالطية نحو كل موجود متحيّز

(و من المعلوم امتناع وضع قاعدة يكفل بذلك)

لأنّ القضايا لا تعد و الأذهان مختلفة، فرب قضية تكون يقينية عند بعض و هي وهمية عند آخر.

(ثم استظهر ببعض الوجوه تأييدا لما ذكره)

كالأخبار الدالة على أنّه تعالى خلط الحق و الباطل و جعل تفريقهما إلى الأنبياء

(و قال بعد ذلك فإن قلت لا فرق في ذلك)

أي كثرة الغلط

(بين العقليات و الشرعيات، و الشاهد على ذلك ما نشاهد من كثرة الاختلافات الواقعة بين أهل الشرع)

مع تمسّكهم بالأدلة الشرعية

(في أصول الدين و في الفروع الفقهية.

قلت: إنّما نشأ ذلك)

الاختلاف‏

(من ضم مقدمة عقلية باطلة بالمقدمة النقلية الظنية أو القطعية)

مثلا يستفاد من بعض الأخبار أنّه (صلى اللّه عليه و آله و سلم) سها في صلاة

42

فقبلها بعضهم بانضمام حكم العقل بأنّ سهوه (صلى اللّه عليه و آله و سلم) لطف كما تقدم، و ردّها بعضهم و حكم بامتناع السهو منه (صلى اللّه عليه و آله و سلم) لأنّه عيب فمنشأ الاختلاف انضمام العقل و عدم الاكتفاء بالنقل.

ثم قال‏

(و من الموضحات لما ذكرنا من أنّه ليس في المنطق قانون يعصم من الخطاء في مادة الفكر أنّ المشائيين)

ذهبوا إلى أنّ الجسم الطبيعي و هو الجسم مع قطع النظر عن الصور النوعية كالخشب مع قطع النظر عن كونه سريرا مركّب من جوهرين أحدهما الهيولى و هي قوّة خاصة في الجسم بها يستعد للوجود، و الآخر الصورة الجسمية المحسوسة التي بها يوجد بالفعل فالماء مثلا مركّب من الهيولى و الصورة الجسمية المائية، و حينئذ فإذا صار هواء يبقى الهيولى بحاله و تنعدم الصورة الجسمية المائية و تحدث الصورة الجسمية الهوائية، و كذا إذا جعل الماء في إناءين يبقى الهيولى و ينعدم الجسم المتصل المائي و يحدث جسمان متصلان مائيان كما قال‏

(ادّعوا البداهة في أنّ تفرق ماء كوز إلى كوزين اعدام لشخصه)

أعني:

الجسم المائي المتصل الواحد

(و احداث لشخصين آخرين و على هذه المقدمة بنوا اثبات الهيولى)

.

اعلم أنّهم اثبتوا وجود الهيولى بمقدمتين إحداهما مسألة الاعدام و الاحداث بمعنى أنّ الماء الأوّل في المثال المفروض ينعدم و الآخران يحدثان، و الاخرى مسألة الارتباط بمعنى أنّ هذين الماءين لم يخلقا من كتم العدم بل من البديهي أنّ بينهما و بين السابق ما به الاشتراك و الارتباط، و هو الذي لا ينعدم بل يستمر في كلتا المرحلتين و سمّوه بالهيولى‏

(و الاشراقيين)

ذهبوا إلى أنّ الجسم جوهر واحد قابل للتشخّصات العارضة، فالماء جوهر واحد متصف بالفعل بالمائية و بالقوة بالهوائية، فإذا صار هواء لا ينعدم الجسم بل تزول وصف المائية و يتصف فعلا بالهوائية، و كذا إذا جعل في اناءين يبقى الجسم إلّا أنّه يزول الاتصال و يتصف فعلا بالانفصال، فلا حاجة بالتزام الهيولى كما قال:

(ادّعوا البداهة في أنّه ليس‏

43

أعداما للشخص)

و الجسم‏

(الأوّل و إنّما انعدمت صفة من صفاته و هو الاتصال)

فأحدهما خطاء قطعا مع أنّهما ادعيا البداهة، فليس في المنطق قاعدة بها يعلم أنّ المقدمات التي ذكرها الطرفان أيّها صادقة برهانية و أيّها كاذبة مغالطية، ثم الإشراقيون قائلون بأنّ العلم الحاصل عقيب الدليل لا يحصل من الدليل بل هو اشراق «تابش نور» و المشائيون يمشون على الاستدلال أي يعتقدون بحصول العلم من الدليل.

(ثم قال: إذا عرفت ما مهّدناه من المقدمة الدقيقة الشريفة فنقول إن تمسّكنا بكلامهم- (عليهم السلام)- فقد عصمنا)

و حفظنا

(من الخطاء و إن تمسّكنا بغيرهم لم نعصم عنه. انتهى كلامه. و المستفاد من كلامه عدم حجية ادراكات العقل في غير المحسوسات و)

في غير

(ما يكون مبادئه قريبة من الاحساس)

أي لا يكون حجة في غيرهما

(إذا لم تتوافق عليه العقول)

فادراك العقل حجة في ثلاث موارد:

أحدها، ضروريات العقول. ثانيها: المحسوسات. ثالثها: ما يقرب من الحس.

(و قد استحسن ما ذكره غير واحد ممّن تأخّر عنه، منهم السيد المحدث الجزائري- قده- في أوائل شرح التهذيب على ما حكي عنه، قال: بعد ذكر كلام المحدث المتقدم بطوله و تحقيق المقام يقتضي ما ذهب إليه)

المحدث المتقدم. ثم قال:

(فإن قلت قد عزلت)

أي أسقطت‏

(العقل عن الحكم في الأصول و الفروع فهل يبقى له «عقل» حكم في مسألة من المسائل.

قلت: أمّا البديهيات فهي له وحده و هو الحاكم فيها)

بمعنى أنّ الضروريات العقلية معتبرة في جميع العلوم و مثّلنا لها سابقا من الكلام و الأصول و الفقه و غيرها.

44

(و أما النظريات)

فإن كانت منتهية إلى الحس أو قريب منه فالعقل فيها أيضا معتبر كما تقدم مع الأمثلة، و إن كانت بعيدة عن الحس فإن لم يعارضه دليل آخر فكذلك و إن عارضه دليل آخر

(فإن وافقه «عقل» النقل و حكم بحكمه قدّم حكمه «عقل» على النقل وحده)

كحكم العقل بقبح قصد المعصية فإنّه موافق للنقل الدال على العقاب بقصد المعصية إلّا أنّه معارض بالنقل الدال على عدم العقاب بقصد المعصية فيقدّم العقل المؤيّد بالنقل على النقل المجرد.

(و أما لو تعارض هو و النقلي)

كانكار العقل وحده للمعراج الجسماني لأنّ الأفلاك لا تقبل الخرق و الالتئام «سوراخ شدن و بهم چسبيدن» و النقل المعتبر دل على تحقّق المعراج‏

(فلا شك عندنا في ترجيح النقل و عدم الالتفات إلى ما حكم به العقل)

وحده‏

(قال: و هذا)

أي تقديم النقل على العقل‏

(أصل يبتنى عليه مسائل كثيرة، ثم ذكر جملة من المسائل المتفرّعة)

منها: حكم العقل بامتناع سهو النبي (صلى اللّه عليه و آله و سلم) مع دلالة الأخبار على سهوه في صلاة، و منها: حكمه بامتناع المعاد الجسماني لامتناع اعادة المعدوم مع دلالة الأخبار على ثبوته، و منها: مسألة المعراج.

قال المصنف:

(أقول: لا يحضرني شرح التهذيب حتى ألاحظ ما فرع على ذلك)

و نحن ذكرنا بعضه‏

(فليت شعري)

«كاش مى‏فهميدم» حاصله أنّ بحثنا في القطع و تعارض القطع مع قطع أو ظن آخر كما فرض المحدث أمر غير ممكن أي‏

(إذا فرض حكم العقل على وجه القطع بشي‏ء)

كامتناع سهوه (صلى اللّه عليه و آله و سلم)

(كيف يجوز حصول القطع أو الظن من الدليل النقلي على خلافه)

فالنقل الدال على سهوه لا بد من طرحه‏

(و كذا)

العكس أي‏

(لو فرض حصول القطع من الدليل النقلي)

على سهوه مثلا

(كيف يجوز حكم العقل بخلافه على وجه القطع)

فتعارض القطعين غير معقول حتى يحكم بتقديم النقل.

(و ممن وافقهما)

أي الأسترآبادي و الجزائري‏

(على ذلك في الجملة، المحدث البحراني في مقدمات الحدائق حيث نقل كلاما للسيد المتقدم)

الجزائري، أي نقله‏

45

(في هذا المقام و استحسنه، إلّا أنّه)

وافقهما في الجملة، لأنّه‏

(صرّح بحجية)

الدليل‏

(العقلي الفطري الصحيح)

فالأسترآبادي و الجزائري، حكما بعدم اعتبار العقل إلّا في بعض الموارد كما تقدم، و لم يفصلوا بين العقلي الفطري و غيره، و لا بين الفقه و غيره، و أمّا البحراني فحكم في الفطري بالحجية مطلقا، و فصل في غيره فحكم في الفقه بعدم الحجية و حكم في غيره بمثل ما حكما به‏

(و حكم بمطابقته للشرع و مطابقة الشرع له)

.

اعلم انّ العقل الذي خلق اللّه النفوس عليه، إن كان خالصا عن كل وهم و خيال و لم يكن لشي‏ء آخر دخالة فيه أصلا، فيسمّى بالعقل الفطري أي الخلقتي الخالي عن عيوب الأوهام و منه صدر الأحكام البديهية التي هي في غاية البداهة، نحو لنا صانع و لنا وجود، فإنّ الشخص لو جعل في واد فارغ عن كل شي‏ء يحكم عقله هذا بأنّ له صانع، و إن خلط له شي‏ء آخر في حكمه أي كان حكمه بتأييد شي‏ء، فيقال له العقل بقول مطلق أي غير مقيّد بالفطري، و منه يصدر أكثر الأحكام المسمّى بالعقلية، سيما الأحكام الصادرة من فسقة زماننا، الذين يدّعون أنّ لهم عقل أفلاطون، و بالجملة تمييز أنّ أيّ حكم صدر من العقل الفطري و أيّ حكم صدر من العقل المطلق في غاية الإشكال، فكل يدعي عقله فطريا و عقل خصمه مخلوطا.

(ثم قال: لا مدخل للعقل في شي‏ء من الأحكام الفقهية من عبادات و غيرها و لا سبيل إليها إلّا السماع عن المعصوم- (عليه السلام)-)

لأنّها توقيفية أي محتاجة باعلان الشرع‏

(لقصور العقل)

المخلوط

(المذكور عن الاطلاع عليها «فقهية» ثم قال: نعم يبقى الكلام بالنسبة إلى ما)

أي المسائل التي‏

(لا يتوقف على التوقيف)

أي اعلام الشرع كالاعتقادات و مسائل أصول الفقه و غيرهما

(فنقول: إن كان الدليل العقلي القطعي المتعلق بذلك)

المسألة

(بديهيا ظاهر البداهة)

كقبح تكليف ما لا يطاق و وجوب شكر المنعم، فإنّهما

(مثل الواحد نصف الاثنين، فلا ريب في صحة

46

العمل به)

سواء عارضه دليل آخر أم لا،

(و إلّا فإن لم يعارضه دليل عقلي و لا نقلي فكذلك، فإن عارضه دليل عقلي آخر)

كما إذا حكم العقل بأنّ السهو عيب على النبي (صلى اللّه عليه و آله و سلم) و حكم أيضا بأنّه لطف على أمته‏

(فإن تأيّد أحدهما بنقلي)

كما تأيّد العقلي الثاني بالأخبار الدالة على سهوه (صلى اللّه عليه و آله و سلم) في صلاة

(كان الترجيح للمتأيّد بالدليل النقلي و إلّا)

كحكم العقلاء بأنّ الناس لا بد و أن يحشروا يوم القيامة بهذه الأبدان لأنّ الأعمال التي يجزى بها صدرت منها، مع حكمه أيضا بأنّ الناس يحشرون بغير هذه الأبدان لامتناع اعادة المعدوم و لم يتأيّد أحدهما بالنقل إذ المستفاد من النقل ليس إلّا مجرد الحشر فرضا

(فاشكال.

فإن عارضه «عقلي» دليل نقلي فان تأيّد ذلك العقلي بدليل نقلي)

كحكم العقل بقبح قصد المعصية فإنّه معارض بالنقل الدال على عدم العقاب بالقصد إلّا أنّه مؤيّد بالنقل الدال على العقاب بالقصد

(كان الترجيح للعقلي، إلّا أنّ هذا في الحقيقة تعارض في النقليات)

لتعارض النقل الدال على العقاب مع النقل الدال على عدمه‏

(و إلّا)

أي و إن لم يتأيّد العقل بالنقل كإنكار العقل للمعراج الجسماني فإنّه معارض بالنقل الدال على ثبوت المعراج الجسماني‏

(فالترجيح للنقلي وفاقا للسيد المحدث)

الجزائري‏

(المتقدم ذكره و خلافا للأكثر)

القائلين بتقديم العقل‏

(هذا)

أي عدم حجية العقل في الفقه مطلقا، و التفصيل في غير الفقه بين الصور المذكورة إنّما هو

(بالنسبة إلى العقلي بقول مطلق.

أمّا لو أريد المعنى الأخص و هو الفطري الخالي عن شوائب الأوهام)

أي لم يخلط بعيوب التوهّمات‏

(الذي هو حجة من حجج الملك العلّام)

أي به يحتج على وجوده تعالى‏

(و إن شذ وجوده في الأنام)

لأنّ أكثر الناس خلطوا عقولهم بالأوهام‏

(ففي ترجيح النقلي عليه إشكال)

يأتي وجهه‏

(انتهى)

.

و في كلام البحراني موارد للنظر:

الأوّل: انّه حكم بأنّ الأحكام الفقهية لا سبيل إليها إلّا السماع، فجعل النقل‏

47

مقدما على العقل مطلقا حتى العقل البديهي‏

(و لا أدري كيف جعل الدليل النقلي في الأحكام النظرية)

الفقهية

(مقدما على ما)

أي على العقلي الذي‏

(هو في البداهة من قبيل الواحد نصف الاثنين)

فإذا حكم العقل حكما قطعيا بديهيا ببطلان الصلاة في الدار المغصوبة مثلا و فرضا، فكيف يقدم عليه النقل الدال على صحتها فرضا

(مع أنّ ضروريات الدين و المذهب)

كالاعتقادات الخمس و الصلاة و الصيام‏

(لم يزد «بالاتر نيست» في البداهة على ذلك)

العقل البديهي، فكما أنّ البديهيات الدينية من الصلاة و الصيام لا تحتاج إلى السماع، فكذلك البديهيات العقلية كالمثال المفروض، فلا معنى لتقديم النقل عليها.

الثاني: قوله:

(و العجب مما ذكره في الترجيح عند تعارض العقل و النقل)

حاصله: أنّ البحراني حكم بترجيح النقل على العقل في غير الفقه أيضا حيث قال: و إلّا فالترجيح للنقلي. و فيه أنّه‏

(كيف يتصوّر الترجيح في القطعي)

أي كيف يقدّم النقل على العقل القطعي‏

(و أيّ دليل على الترجيح المذكور)

.

الثالث: قوله:

(و أعجب من ذلك الاستشكال في تعارض العقليين)

القطعيين‏

(من دون ترجيح)

حيث قال: فإن عارضه دليل عقلي آخر، إلى قوله:

و إلّا فاشكال‏

(مع أنّه)

لا يعقل تعارضهما أوّلا و

(لا اشكال في تساقطهما)

ثانيا.

الرابع: قوله:

(و)

أعجب من ذلك الاستشكال‏

(في تقديم النقلي على العقلي الفطري الخالي عن شوائب الأوهام مع أنّ)

تقديم الفطري على النقل لا شبهة فيه، لأنّ‏

(العلم بوجود الصانع- جلّ ذكره- إمّا أن يحصل من هذا العقل الفطري)

كمعرفة الأنبياء و غيرهم من ذوي الألباب‏

(أو ممّا دونه «كمتر از اين» من العقليات البديهية)

كعقل الأعرابي الحاكم بأنّ البعرة تدل على البعير و أثر الاقدام تدل على المسير أ فسماء ذات بروج و أرض ذات فجاج لا تدلّان على اللطيف الخبير

(بل النظريات المنتهية إلى البداهة)

كالمقدمات الاستدلالية التي ذكروها في الكتب الكلامية المنتهية إلى الدور و التسلسل و نحو ذلك.

48

(و الذي يقتضيه النظر وفاقا لأكثر أهل النظر أنّه كلّما حصل القطع من دليل عقلي)

فطريا كان أو غيره، بديهيا كان أو غيره‏

(فلا يجوز أن يعارضه دليل نقلي و إن وجد ما ظاهره المعارضة فلا بد من تأويله إن لم يمكن طرحه)

مثلا نعلم قطعا أنّه تعالى لا جسم له و لا عضو فيه فقوله تعالى: يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ‏ يعارضه ظاهرا فيأوّل اليد بالقدرة لأنّ الآية لا يمكن طرحها

(و كلّما حصل القطع من دليل نقلي مثل القطع الحاصل من إجماع جميع الشرائع)

و الملل‏

(على حدوث العالم زمانا)

.

الحدوث، إمّا زماني و هو المسبوقية بالعدم فقط كوجود العالم بعد عدمه، و إمّا ذاتي و هو المسبوقية بالغير أعم من الوجود و العدم كوجود النور بعد عدمه، و بالعكس و إمّا إضافي، و هو أن يكون حدوث شي‏ء متأخرا بالنسبة إلى حدوث الآخر كالابن و الأب، و على هذا قياس القديم‏

(فلا يجوز أن يحصل القطع على خلافه من دليل عقلي مثل استحالة تخلف)

أي انفكاك‏

(الأثر عن المؤثّر و لو حصل منه صورة برهان)

نحو العالم أثر القديم و أثر القديم قديم، فهذا برهان صورة و مغالطة حقيقة لكذب الكبرى كما قال:

(كانت شبهة في مقابل البديهة لكن هذا)

التعارض الذي حكم بكونه شبهة في مقابل البداهة إنّما يحصل في غير الفطري و البديهي كالمثال المتقدم و

(لا يتأتى في العقل البديهي من قبيل الواحد نصف الاثنين)

كقبح تكليف ما لا يطاق‏

(و لا في العقلي الفطري الخالي عن شوائب الأوهام)

كحسن الاحسان‏

(فلا بد في مواردهما)

أي البديهي و الفطري‏

(من التزام عدم حصول القطع من النقل على خلافه «عقل»)

أي نلتزم بأنّهما لا يعارضان بدليل نقلي قطعي أصلا حتى يكونا شبهة في مقابل البداهة

(لأنّ الأدلة القطعية النظرية في النقليات)

كالمتواتر و الإجماع المحصّل‏

(مضبوطة)

في كتبنا

(محصورة ليس فيها شي‏ء يصادم)

أي لا شي‏ء منها يعارض‏

(العقل البديهي أو الفطري)

.

(فإن قلت: لعل نظر هؤلاء)

الأخباريين‏

(في ذلك إلى ما يستفاد من الأخبار)

حاصله: أنّ إنكارهم حجية العقل في الجملة ليس من جهة كثرة الاشتباه بل من‏

49

جهة الأخبار الدالة على انحصار الطريق بالسماع عن الحجة- (عليه السلام)-

(مثل قولهم- (عليهم السلام)-: حرام عليكم أن تقولوا بشي‏ء ما لم تسمعوه منّا، و قولهم- (عليهم السلام)-: لو أنّ رجلا قام ليله و صام نهاره و حجّ دهره و تصدّق بجميع ماله و لم يعرف ولاية ولي اللّه فيكون)

بالنصب‏

(أعماله بدلالته فيواليه)

بالنصب أي من جاء بالأعمال الحسنة، و لكن لم يعرف حجة اللّه حتى يأخذ أحكامه منه و يطيعه في أعماله، بطلت أعماله، أي‏

(ما كان له على اللّه ثواب. و قولهم- (عليهم السلام)-: من دان اللّه)

أي تقرّب إلى اللّه‏

(بغير سماع من صادق فهو كذا و كذا إلى غير ذلك من)

الأخبار الدالة على‏

(أنّ الواجب علينا هو امتثال أحكام اللّه تعالى التي بلّغها حججه- (عليهم السلام)-.

فكل حكم لم يكن الحجة واسطة في تبليغه لم يجب امتثاله)

فالأحكام المدركة بالعقل لا يجب امتثالها و إن كانت قطعية مطابقة للواقع، لأنّ الحكم الواقعي ما لم يسمع عن الحجة يكون تعطيلا، كما قال:

(بل يكون من قبيل اسكتوا عما)

أي عن الحكم الذي‏

(سكت اللّه عنه، فإنّ معنى سكوته تعالى عنه «حكم» عدم أمر أوليائه بتبليغه)

إلى العباد لمصلحة في ذلك.

(و حينئذ)

كان الامتثال مشروطا بتبليغ الحجة

(فالحكم المستكشف بغير واسطة الحجة ملغى في نظر الشارع و إن كان مطابقا للواقع كما يشهد به تصريح الإمام- (عليه السلام)- بنفي الثواب على التصدّق بجميع المال مع القطع بكونه محبوبا و مرضيا عند اللّه)

فالعقل قاطع بحسن هذا الفعل، و هذا القطع مطابق للواقع بلا شبهة، و مع ذلك نفى الثواب عنه.

إن قلت: مقتضى هذه الأخبار اعتبار توسّط تبليغ الحجة و عدم اعتبار العقل و إن كان فطريا، فكيف استشكل البحراني في الفطري.

قلت:

(و وجه الاستشكال في تقديم النقلي على العقل الفطري السليم ما ورد من النقل المتواتر على حجية العقل)

الذي أودعه اللّه في الإنسان‏

(و انّه حجة باطنية، و أنّه مما يعبد به الرحمن و يكتسب به الجنان و نحوها «اخبار» مما يستفاد منه‏

50

كون العقل السليم)

الفطري‏

(أيضا حجة من الحجج، فالحكم المستكشف به حكم بلغه الرسول الباطني الذي هو شرع)

و نبيّ‏

(من داخل كما أنّ الشرع)

أي النبيّ‏

(عقل من خارج)

فله تعالى حجتان ظاهرية و باطنية يسميان بالرسول و الشرع و العقل.

(و مما يشير إلى ما ذكرنا من قبل هؤلاء)

أي هذا الذي ذكرناه من جانب الأخباريين من أنّ مرادهم مدخلية تبليغ الحجة في وجوب الامتثال يشير إليه‏

(ما ذكره السيد الصدر- ره- في شرح الوافية في جملة كلام له في حكم ما يستقل به العقل)

كحسن الاحسان و قبح الظلم‏

(ما لفظه: انّ المعلوم)

من الأخبار كما تقدم‏

(هو أنّه يجب فعل شي‏ء)

كالصلاة

(أو تركه)

كشرب الخمر

(أو لا يجب)

كالمستحبّات و المكروهات و المباحات‏

(إذا حصل الظن أو القطع بوجوبه أو حرمته أو غيرهما)

من الأحكام‏

(من جهة نقل قول المعصوم- (عليه السلام)- أو فعله أو تقريره لا أنّه يجب فعله أو تركه أو لا يجب)

كسائر الأحكام‏

(مع حصولهما من أي طريق كان)

أي و لو حصل من طريق العقل‏

(انتهى موضع الحاجة)

ففي الكلام إشارة إلى مدخلية توسّط الحجة.

(قلت: أوّلا)

انّ استدلالهم بهذه الأخبار فيه أربع احتمالات:

أحدها: دلالة الأخبار على عدم حجية القطع الحاصل من العقل. و فيه ما تقدم كرارا من أنّه لا يمكن المنع عن العمل بالقطع الطريقي من أي سبب حصل.

ثانيها: دلالة الأخبار على تقييد الأحكام الواقعية بالعلم الخاص، بمعنى أنّ الشارع لم يقل: الخمر حرام بل قال: الخمر المعلوم حرمته بالدليل الشرعي حرام، و فيه أوّلا: لزوم الدور، إذ يكون حينئذ ثبوت الحرمة للخمر في الواقع موقوفا على العلم بها و العلم بها موقوف على ثبوتها في الواقع، لأنّ المعلوم لا بد أن يثبت قبل العلم. و ثانيا: اشتراك الأحكام بين العالم و الجاهل ضروري.

51

ثالثها: ما يأتي في قوله: إلّا أن يدعى، إلى آخره.

رابعها: أنّ نفس الأحكام مطلقة، إلّا أن تنجّزها مشروط بصدورها عن الحجة.

و فيه: إنّا

(نمنع مدخلية توسّط تبليغ الحجة في)

تنجز الأحكام و

(وجوب اطاعة حكم اللّه سبحانه، كيف)

يكون له مدخلية

(و العقل بعد ما عرف أنّ اللّه تعالى لا يرضى بترك الشي‏ء الفلاني)

كردّ الوديعة

(و علم)

بالبديهة

(بوجوب إطاعة اللّه، لم يحتج ذلك)

أي ردّ الوديعة

(إلى توسّط مبلغ)

و بالجملة، فالعقل لا يحتمل مدخلية توسّط الحجّة.

(و دعوى استفادة ذلك)

أي مدخلية الصدور عن الحجة

(من الأخبار، ممنوعة، فإنّ المقصود من أمثال الخبر المذكور)

و هو قوله- (عليه السلام)-: حرام عليكم أن تقولوا بشي‏ء ما لم تسمعوا منّا، و غيره‏

(عدم جواز الاستبداد)

و الانفراد

(بالأحكام الشرعية بالعقول الناقصة الظنية)

أي لا يجوز لأحد أن يعتمد في الأحكام بالدليل العقلي الظني و يجعل نفسه بسبب ذلك مستغنيا عن سؤال الحجة

(على ما)

أي كما

(كان متعارفا)

بين الناس‏

(في ذلك الزمان)

السابق‏

(من)

الاستبداد بالعقل و

(العمل بالأقيسة و الاستحسانات من غير مراجعة حجج اللّه، بل)

يعملون بذلك‏

(في مقابلهم «حجج»)

كما هو دأب العامة

(و إلّا)

أي و إن لم يكن المقصود من الأخبار ما ذكر، بل مدخلية توسّط الحجة و تقديم النقل على العقل.

فيرد عليه أمران: أحدهما قوله:

(فإدراك العقل القطعي)

كما هو المبحث‏

(للحكم المخالف للدليل الشرعي)

و بعبارة أخرى: تعارض العقل و النقل‏

(على وجه لا يمكن الجمع بينهما في غاية الندرة بل لا نعرف وجوده)

إذ في جميع موارد تعارضهما يمكن جمعهما، مثلا نعلم بالعقل القطعي أنّه تعالى لا عضو له، فيعارضه قوله‏ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ‏ فيحمل اليد على النعمة و هكذا

(فلا ينبغي الاهتمام به «تعارض» في هذه الأخبار الكثيرة)

لأنّ الاهتمام التام بشي‏ء غير موجود أو نادر

52

الوجود لغو.

ثانيهما: قوله‏

(مع أنّ ظاهرها «أخبار»)

مطلق‏

(ينفي حكومة العقل)

مطلقا أي‏

(و لو مع عدم المعارض)

و الحال أنّ الأخباريين يعملون به عند عدم المعارض‏

(و على ما ذكرنا)

من أنّ المقصود من الأخبار عدم جواز الاستقلال بالعقل الناقص‏

(يحمل ما ورد من أنّ دين اللّه لا يصاب بالعقول)

.

إن قلت: في الأخبار تصريح بمدخلية توسّط الحجة و عدم اعتبار العقل القطعي أيضا لأنّ حسن التصدّق عقلي قطعي و قد نفى الثواب عنه.

قلت:

(و أمّا نفي الثواب على التصدّق مع عدم)

توسّط الحجة و عدم‏

(كون العمل به «تصدّق» بدلالة ولي اللّه)

فالمراد منه خلاف ظاهره لوجود القرينة و هي قوله:

(فلو أبقى على ظاهره يدل على عدم الاعتبار بالعقل الفطري الخالي عن شوائب الأوهام)

إذ الحاكم بحسن التصدّق هو العقل الفطري‏

(مع اعترافه «اخباري» بأنّه حجة من حجج الملك العلّام، فلا بدّ من حمله على)

خلاف الظاهر أي‏

(التصدقات الغير المقبولة مثل التصدّق على المخالفين)

من حيث إنّهم مخالفون، أي‏

(لأجل تديّنهم بذلك الدين الفاسد كما هو)

أي التصدّق بلحاظ أنّهم متدينون بالفاسد

(الغالب في تصدق المخالف على المخالف)

و العقل الفطري لا يحكم بحسن ذلك بل قبحه‏

(كما)

أنّ الغالب‏

(في تصدقنا على فقراء الشيعة)

هو التصدّق بلحاظ أنّهم شيعة أي‏

(لأجل محبّتهم لأمير المؤمنين- (عليه السلام)- و بغضهم لأعدائه أو)

حمله‏

(على أنّ المراد)

ليس هو عدم الثواب بل‏

(حبط ثواب التصدّق)

بمعنى أنّ تصدّقهم على الفقير حسن مأجور بحكم العقل الفطري، إلّا أنّ ثوابهم يذهب بالهدر

(من أجل عدم المعرفة لولي اللّه)

فإنّ بغض الولي سيّئة لا تنفع معها حسنة

(أو على غير ذلك)

بأن يقال: مراده- (عليه السلام)- نفي الثواب الموجب للجنّة بمعنى أنّ تصدّقهم مثاب و ثوابهم ينفعهم من حيث تخفيف العقاب، لا دخول الجنّة.

53

و بالجملة: ظاهر الرواية تدل على عدم اعتبار العقل مطلقا حتى الفطري و هو خلاف مذهب الأخباري أيضا، فلا بدّ من حملها على أحد ما ذكر.

(و ثانيا، سلّمنا مدخلية تبليغ الحجة في)

تنجز الأحكام و

(وجوب الاطاعة، لكنّا إذا علمنا إجمالا)

بالكبرى، أي‏

(بأنّ حكم الواقعة الفلانية)

كردّ الوديعة

(لعموم الابتلاء بها قد صدر يقينا من الحجة)

أي نعلم إجمالا بالضرورة أنّ الوقائع التي يكثر ابتلاء الناس بها صدر حكمها عن الحجة، هذا

(مضافا إلى ما ورد من قوله «النبي (صلى اللّه عليه و آله و سلم)» في خطبة حجة الوداع)

و هي حجته الأخيرة

(معاشر الناس)

جمع معشر بمعنى الجماعات‏

(ما من شي‏ء)

واجب‏

(يقرّبكم إلى الجنة و يباعدكم عن النار إلّا أمرتكم به و ما من شي‏ء)

حرام‏

(يقربكم إلى النار و يباعدكم عن الجنة إلّا و قد نهيتكم عنه)

يدل على أنّه (صلى اللّه عليه و آله و سلم) بيّن جميع الواجبات و المحرمات، أعم مما يكثر به الابتلاء أو قلّ‏

(ثم)

علمنا بالصغرى، أي‏

(أدركنا ذلك الحكم)

الذي صدر عن الحجة

(إمّا بالعقل المستقل)

كحكمه بوجوب ردّ الوديعة

(و إمّا بواسطة مقدمة عقلية)

كاستفادة تنجّس الماء القليل بالملاقات من قوله- (عليه السلام)-: الماء إذا بلغ قدر كر لا ينجسه شي‏ء، بانضمام مقدمة عقلية و هي انتفاء المشروط بانتفاء الشرط

(نجزم من ذلك)

بالنتيجة، أي‏

(بأنّ ما استكشفناه بعقولنا صادر عن الحجة- (عليه السلام)-)

حاصل البرهان، هكذا وجوب ردّ الوديعة الذي استكشفناه بعقولنا حكم يعم به البلوى، و كل حكم عام البلوى صدر عن الحجة فوجوب ردّ الوديعة صدر عن الحجة

(فتكون الاطاعة بواسطة الحجة.

إلّا أن يدّعى أنّ الأخبار المتقدمة و)

غيرها من‏

(أدلة وجوب الرجوع إلى الأئمة- (عليهم السلام)- تدل على مدخليّة تبليغ الحجة و بيانه «حجة» في طريق الحكم)

حاصله: أنّه لا يكفى في تنجز الأحكام مجرد صدورها عن الحجة، بل يشترط في تنجّزها السماع عنه- (عليه السلام)-

(و انّ كل حكم لم يعلم من طريق السماع عنهم- (عليهم السلام)- و لو بالواسطة)

كالسماع عن زرارة الذي سمع عنه- (عليه السلام)-

(فهو غير)

منجز

54

و لا

(واجب الاطاعة و حينئذ)

أي إذا كان السماع شرطا

(فلا يجدي)

مجرد

(مطابقة الحكم المدرك)

بالعقل‏

(لما صدر عن الحجة- (عليه السلام)-.

لكن)

فيه أوّلا: انّك‏

(قد عرفت عدم دلالة الأخبار)

على اعتبار السماع و لا الصدور، لأنّها إنّما تدل على عدم جواز الاستبداد بالعقول الظنية.

(و)

ثانيا:

(مع تسليم ظهورها)

في اعتبار السماع‏

(فهو «ظهور» أيضا من باب تعارض النقل الظني مع العقل القطعي، و لذلك)

التعارض‏

(لا فائدة مهمة في هذه المسألة إذ بعد ما قطع العقل بحكم)

كوجوب رد الوديعة

(و قطع)

أيضا

(بعدم رضاء اللّه جلّ ذكره بمخالفته)

أي قطع بعدم مدخلية السماع‏

(فلا يعقل ترك العمل بذلك)

الحكم‏

(ما دام هذا القطع باقيا، فكلّما دلّ على خلاف ذلك)

كالأخبار الدالة على مدخلية السماع‏

(فمؤوّل)

كما تقدم‏

(أو مطروح.

نعم، الانصاف أنّ الركون إلى العقل)

على وجهين:

أحدهما: الركون إليه لاستنباط الحكم كوجوب ردّ الوديعة و امتناع السهو على النبي (صلى اللّه عليه و آله و سلم) و غير ذلك.

ثانيهما: الركون إليه لاستنباط مناط الحكم، كأن يقال مناط حرمة الخمر هو الاسكار لا الحمرة و الميعان، لوجودهما في الدبس و الماء المباحان، أمّا الركون إليه في استنباط الحكم فلا إشكال فيه، و أمّا الركون إليه‏

(فيما يتعلق بادراك مناطات الأحكام)

كاسكار الخمر

(لينتقل منها «مناطات» إلى ادراك نفس الأحكام)

كحرمة النبيذ

(موجب للوقوع في)

الغلط و الاشتباه و

(الخطاء كثيرا في)

الواقع و

(نفس الأمر و إن لم يحتمل ذلك)

أي الوقوع في الخطاء

(عند المدرك)

لأنّ القاطع لا يحتمل الخلاف، فلو خاض في ذلك و قطع بما خالف الواقع لم يعذر فقول الأخباريين، إنّما يصحّ في هذا القسم فقط، ثم لا يخفى انّ القياس يوجب الظن و حصول القطع منه كما هو المبحث، نادر جدا.

(كما يدل عليه)

أي على عدم جواز الخوض لتنقيح المناط

(الأخبار)