شرح الرسائل - ج2

- مصطفى الاعتمادي المزيد...
600 /
3

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم‏

الحمد للّه رب العالمين، و الصلاة و السلام على محمد و آله الطاهرين، و لعنة اللّه على أعدائهم أجمعين إلى يوم الدين.

[المقصد الثالث في الشك‏]

(الكلام في الشك المقصد الثالث من مقاصد هذا الكتاب في الشك قد قسّمنا في صدر هذا الكتاب المكلّف الملتفت)

و بيّنا المراد من المكلّف و انّ قيد الالتفات ليس بلغو

(إلى الحكم الشرعي العملي)

أي الفرعي، قد أوضحنا المراد من هذه القيود الثلاثة و ما يحترز بها عنه في شرحي المعالم و القوانين في تعريف الفقه‏

(في الواقعة)

متعلّق بالحكم‏

(على ثلاثة أقسام لأنّه إمّا أن يحصل له القطع بحكمه الشرعي و إمّا أن يحصل له الظن و إمّا أن يحصل له الشك.

و قد عرفت أن القطع حجة في نفسه لا لجعل جاعل و الظن)

و إن لم يكن حجة في نفسه لاحتمال مخالفته للواقع إلّا أنّه‏

(يمكن)

ذاتا بالضرورة و وقوعا عند غير ابن قبة

(أن يعتبر في الطرف المظنون لأنّه كاشف عنه «طرف» ظنّا لكن)

مجرد الامكان غير كاف بل‏

(العمل به و الاعتماد عليه في الشرعيات موقوف على وقوع التعبّد به شرعا)

أو عقلا

(و هو «تعبّد» غير واقع إلّا في الجملة، و قد ذكرنا موارد وقوعه في الأحكام الشرعية في الجزء الأوّل من هذا الكتاب)

كظواهر الألفاظ، و قول اللغوي على احتمال، و الاجماع المنقول في الجملة، و الشهرة عند بعض، و خبر

4

الثقة، و أمّا الظنون المعتبرة في الموضوعات، كالبيّنة و اليد و السوق و غيرها، فمبيّنة في الفقه و عرفت أنّ ما لم يرد اعتباره في الشرع كقول اللغوي و الاجماع المنقول و الشهرة على قول و خبر الفاسق فهو داخل في الشك، فالمقصود هنا بيان حكم الشك بالمعنى الأعم من الشك الاصطلاحي و من ظن غير ثابت الاعتبار.

(و أمّا الشك فلما لم يكن فيه كشف أصلا)

لا تاما و لا ناقصا لأنّه عبارة عن الترديد و الجهل البسيط

(لم يعقل فيه أن يعتبر)

بأن يقول اعمل بشكّك‏

(فلو ورد في مورده «شك» حكم شرعي)

أو عقلي‏

(كأن يقول الواقعة المشكوكة)

الحكم‏

(حكمها كذا)

أي الحلية مثلا

(كان حكما ظاهريا لكونه مقابلا للحكم الواقعي المشكوك بالفرض)

أعلم أنّ الحكم الواقعي هو الحكم المجعول للموضوعات من دون اعتبار علم المكلّف به أو جهله، و أنّه مشترك بين العالم و الجاهل و ثابت على كل حال أي علم به المكلّف أو اعتقد خلافه أو ظن به أو بخلافه أو غفل عنه أو شك فيه كأن يقول في الواقع الصلاة واجبة، التتن حرام، و الحكم الظاهري هو الحكم المجعول للموضوعات بملاحظة عدم العلم بأحكامها الواقعية، كأن يقول: الواقعة المشكوك حكمها الواقعي حكمها البراءة أو الاحتياط أو الاستصحاب أو التخيير، أو يقول: الواقعة التي قام على حكمها الواقعي خبر الثقة أو الشهرة أو الاجماع فحكمها هو مؤدى الامارة، فالحكم الظاهري أعم من مؤدّيات الأصول الجارية عند الشك و مؤديات الامارات المعتبرة.

(و يطلق عليه)

أي على الحكم الظاهري‏

(الواقعي الثانوي أيضا)

أمّا تسميته بالواقعي‏

(لأنّه حكم واقعي للواقعة المشكوك في حكمها)

فكما أنّ الحرمة حكم واقعي للخمر فالحلّيّة أيضا حكم واقعي للخمر المشكوك حكمها لأنّ كل أمر ثابت له واقعية في حد نفسه‏

(و)

أمّا تسميته بالثانوي لأنّه‏

(ثانوي بالنسبة إلى ذلك الحكم المشكوك فيه لأنّ موضوع هذا الحكم الظاهري و هو الواقعة المشكوك في حكمها لا يتحقق إلّا بعد تصوّر حكم نفس الواقعة و الشك فيه)

حاصله: أنّ‏

5

موضوع الحكم الظاهري لا يتحقق إلّا بعد جعل الحكم الواقعي، لأنّ موضوعه مثلا هو التتن المشكوك حكمه، و هذا العنوان لا يتحقق إلّا بعد أن يجعل الشارع للتتن حكما في الواقع و يلتفت إليه المكلّف و يشك فيه، و إذا كان تحقق موضوع الحكم الظاهري متأخّرا عن جعل الحكم الواقعي، فنفس الحكم الظاهري أيضا متأخّر عنه كما يأتي:

(مثلا شرب التتن في نفسه)

لا بما هو مشكوك الحكم‏

(له حكم)

في الواقع‏

(فرضنا فيما نحن فيه شك المكلّف فيه، فإذا فرضنا ورود حكم شرعي لهذا الفعل المشكوك الحكم كان هذا الحكم الوارد متأخرا طبعا عن ذلك المشكوك)

لما تقدم و يأتي‏

(فذلك الحكم)

المجعول لشرب التتن بما هو هو

(حكم واقعي بقول مطلق و هذا)

الحكم‏

(الوارد)

لشرب التتن بما هو مشكوك الحكم‏

(ظاهري لكونه المعمول به في الظاهر و واقعي ثانوي لأنّه)

أي الحكم الوارد للشرب بما هو مشكوك الحكم‏

(متأخّر عن ذلك الحكم)

المجعول للشرب بما هو هو

(لتأخّر موضوعه)

و هو الشرب المشكوك الحكم‏

(عنه)

أي عن جعل حكم للشرب بما هو.

(و يسمّى الدليل الدال على هذا الحكم الظاهري)

المجعول في مورد الشك‏

(أصلا)

كأصالة البراءة و الاحتياط و الاستصحاب‏

(و أمّا ما دل على الحكم الأوّل علما)

كالمتواتر

(أو ظنا معتبرا)

كخبر الثقة

(فيختص باسم الدليل)

فعلم الفرق بين الحكم الواقعي و الظاهري، و الدليل و الأصل، و لا يخفى أنّ الأدلة الظنية لكشفها عن الواقع ظنا تسمّى أدلة للأحكام الواقعية إلّا أنّ العمل بها لمّا كان موقوفا على جعل الشارع تكون مؤدّياتها أحكاما ظاهرية كمؤدّيات الأصول كما مر و يأتي‏

(و قد يقيد)

الدليل‏

(بالاجتهادي كما أنّ الأوّل)

أي الأصل‏

(قد يسمى بالدليل مقيّدا بالفقاهتي)

و بالجملة ما دلّ على هذا الحكم الظاهري المجعول في مورد الشك يسمّى تارة بالأصل و تارة بالدليل الفقاهتي، و ما دل على الحكم الواقعي المشترك بين العالم و الجاهل يسمّى تارة بالدليل و تارة بالدليل الاجتهادي.

6

(و هذان القيدان اصطلاحان من الوحيد البهبهاني لمناسبة مذكورة في تعريف الفقه و الاجتهاد)

لأنّ الفقه هو العلم بالأحكام أعم من الواقعية و الظاهرية، و لمّا كان الأصل دليلا على الحكم الظاهري فناسب تسميته بالدليل الفقاهتي، و الاجتهاد هو استفراغ الوسع لتحصيل الظن بالأحكام الواقعية، و موجب الظن هو غير الأصول من الأدلة، فناسب تسميته بالدليل الاجتهادي‏

(ثم إنّ الظن الغير المعتبر حكمه حكم الشك)

في الرجوع إلى الأصول العملية

(كما لا يخفى.

و ممّا ذكرنا من تأخر مرتبة الحكم الظاهري عن الحكم الواقعي لأجل تقيد موضوعه بالشك في الحكم الواقعي)

لأنّ موضوع الحليّة الظاهرية هو شرب التتن المشكوك حكمه الواقعي، و هذا العنوان لا يتحقق إلّا بعد جعل حكم للتتن في الواقع و شكّ المكلف فيه‏

(يظهر لك وجه تقديم الأدلة)

العلمية و الظنّية

(على الأصول)

أي إذا دلّ المتواتر أو خبر الثقة على حرمة التتن يعمل به و لا يجري الأصل‏

(لأنّ موضوع الأصول يرتفع بوجود الدليل)

لأنّ التتن مثلا موضوع لأصالة الحلية ما دام يصدق عليه أنّه شي‏ء مشكوك الحكم، و بعد قيام الدليل على الحرمة يخرج عن كونه مشكوك الحكم‏

(فلا معارضة بينهما)

أي الأصل و الدليل‏

(لا لعدم اتحاد الموضوع)

فقط

(بل لارتفاع موضوع الأصل و هو الشك بوجود الدليل)

.

حاصله: أنّه إذا كان مرتبة الحكم الظاهري متأخرة عن الواقعي فلا يقع التعارض بين الأصل و الدليل لوجهين: أحدهما: تغاير الموضوع، فإنّ موضوع الدليل الدال على الحرمة هو التتن لا بشرط، و موضوع الأصل المقتضي للحل هو التتن بشرط الشك، كما لا تعارض بين الماء حلال و الخمر حرام. ثانيهما: الورود فإنّ موضوع الأصل يرتفع عند قيام الدليل لأنّ التتن موضوع لأصالة الحل ما دام يصدق عليه أنّه شي‏ء مشكوك الحكم، و بعد قيام الدليل على الحرمة لا يصدق عليه أنّه مشكوك الحكم.

7

(أ لا ترى أنّه لا معارضة و لا تنافي بين كون حكم شرب التتن المشكوك حكمه هي الاباحة)

الظاهرية

(و بين كون حكم شرب التتن في نفسه)

أي‏

(مع قطع النظر عن الشك فيه هي الحرمة)

الواقعية

(فإذا علمنا بالثاني)

أي بالحرمة الواقعية

(لكونه علميا)

أي بسبب كونه معلوما بالدليل‏

(و الفرض سلامته «ثاني» عن معارضة الأوّل «اباحة» خرج شرب التتن عن موضوع الدليل الأوّل)

المراد بالأوّل هو الاباحة و دليله الأصل‏

(و)

موضوعه‏

(هو كونه مشكوك الحكم لا عن حكمه «أصل»)

و هو الإباحة

(حتى يلزم فيه «خروج» تخصيص و طرح لظاهره «أصل» و فرق الورود و التخصّص و التخصيص و الحكومة و التوفيق العرفي و الجمع الدلالي يأتي مشروحا في أوّل التعادل و الترجيح.

الأدلة واردة أو حاكمة على الأصول‏

(و من هنا)

أي من أنّ تقديم الدليل على الأصل من باب الورود لا التخصيص‏

(كان اطلاق التقديم و الترجيح في المقام)

أي كان قولهم بأنّ الدليل يقدّم و يرجّح على الأصل‏

(تسامحا، لأنّ)

التقديم و

(الترجيح فرع المعارضة)

و المورود عليه لا يعارض الوارد

(و كذلك اطلاق الخاص على الدليل، و العام على الأصل فيقال يخصص الأصل بالدليل أو يخرج عن الأصل بالدليل و يمكن أن يكون هذا الاطلاق)

أي قولهم بأنّ الدليل مقدم و راجح و مخصص للأصل‏

(على الحقيقة)

لا على المسامحة

(بالنسبة إلى الأدلّة الغير العلمية)

بمعنى أنّ تقدم الدليل العلمي كالمتواتر على الأصل من باب الورود و الخروج الموضوعي، و تقدم الدليل الظني كخبر الثقة عليه من باب التخصيص، و الخروج الحكمي لأنّ موضوع الأصل هو عنوان عدم العلم أعم من الشك و الظن كأنّه قال إذا لم يعلم حكم التتن فهو حلال، و حينئذ فإن دل المتواتر على حرمة التتن فيخرج عن موضوع الأصل، أعني: عدم العلم، و إن دل خبر الثقة مثلا عليها فيبقى في موضوع‏

8

الأصل إلّا أنّ خبر الثقة يقدم على الأصل من باب التخصيص.

(بأن يقال أنّ مؤدى أصل البراءة)

أي مقتضاه‏

(مثلا أنّه إذا لم يعلم حرمة شرب التتن فهو غير محرّم، و هذا عام)

شامل لصورتي الشك و قيام خبر الثقة على الحرمة

(و مفاد الدليل الدال على اعتبار تلك الامارة الغير العلمية المقابل للأصل)

أي مقتضى أدلّة حجية خبر الثقة الدال على الحرمة

(أنّه إذا قام تلك الامارة الغير العلمية على حرمة الشي‏ء الفلاني فهو حرام، و هذا)

أي دليل حجية خبر الثقة

(أخص من دليل)

حجية

(أصل البراءة مثلا)

لأنّ مقتضى أدلة حجية أصل البراءة حلّية التتن في صورة الشك، و في صورة قيام خبر الثقة على الحرمة، و مقتضى أدلة حجية خبر الثقة حرمة التتن في صورة قيام خبر الثقة فقط

(فيخرج به «دليل» عنه «أصل».

و كون دليل تلك الامارة أعم من وجه باعتبار شموله لغير مورد أصل البراءة لا ينفع بعد قيام الاجماع على عدم الفرق في اعتبار تلك الامارة حينئذ)

أي حين كون النسبة عموم من وجه‏

(بين مواردها)

حاصل الاشكال: أنّ أدلّة اعتبار الخبر ليست بأخص مطلقا من أدلة اعتبار الأصل حتى يكون الخبر مخصصا للأصل، بل النسبة بينهما العموم من وجه لأنّ مقتضى أدلّة البراءة اعتبارها مطلقا أي سواء قام الخبر على خلافها أم لا، و مقتضى أدلة الخبر اعتباره سواء جرت البراءة أم لا، إذ قد تكون المسألة موردا لأدلة البراءة فقط كالشك في التتن مع انتفاء الخبر على الحرمة فيعمل بها حينئذ، و قد يكون مورد الأدلة حجية الخبر فقط كالعلم اجمالا بوجوب الظهر أو الجمعة مع دلالة خبر معتبر على تعيين الظهر مثلا فيعمل به حينئذ، و قد تكون موردا لهما كالشك في التتن مع قيام الخبر على الحرمة، و حينئذ فيتعارضان فلا بد من الرجوع إلى المرجح و إن فقد فإلى التخيير، و جوابه أنّ النسبة و إن كانت عموما من وجه إلّا أنّ الإجماع قام على اعتبار الخبر في مادة الاجتماع إذا كان معتبرا في مادة افتراقه.

9

(و توضيح ذلك)

أي تقديم الدليل الغير العلمي على الأصل بعنوان التخصيص لا الورود

(إنّ كون الدليل رافعا لموضوع الأصل و هو «موضوع» الشك)

و عدم العلم‏

(إنّما يصح في الدليل العلمي حيث إنّ وجوده «دليل» يخرج حكم الواقعة عن كونه مشكوكا فيه)

أي قيام المتواتر على حرمة التتن يخرجه عن كونه غير معلوم الحكم، فيقدم المتواتر على الأصل بعنوان الورود

(و أمّا الدليل الغير العلمي كخبر الثقة فهو بنفسه)

أي مع قطع النظر عن دليل اعتباره‏

(بالنسبة إلى أصالة الاحتياط و التخيير كالعلم رافع للموضوع، و أمّا بالنسبة إلى ما عداهما فهو بنفسه غير رافع لموضوع الأصل و هو «موضوع» الشك)

و عدم العلم‏

(و أمّا الدليل الدال على اعتباره «دليل» فهو و إن كان علميا)

كالأدلة الأربعة الدالة على اعتبار خبر الثقة

(إلّا أنّه لا يفيد إلّا حكما ظاهريا نظير مفاد الأصل)

.

و بالجملة نفس خبر الثقة الدال على حرمة التتن لا يوجب العلم بالحكم الواقعي و دليل حجيته، أعني: الأدلّة الأربعة أيضا لا يوجب العلم بحرمة التتن واقعا، بل يوجب العلم بحجية الخبر الموجبة للعلم بحرمة التتن ظاهرا. و بالجملة ما قامت عليه الامارة أعني حرمة التتن واقعا فمظنون لا معلوم و ما هو معلوم بملاحظة أدلّة الحجية هو حرمته ظاهرا كما أنّ أصالة البراءة لا توجب العلم بالحلّية الواقعية و دليل حجيتها أعني الأدلة الأربعة أيضا لا يوجب العلم بها بل يوجب كون الحلّية التي هي مؤدّى الأصل حكما ظاهريا كما قال.

(إذ المراد بالحكم الظاهري ما ثبت لفعل المكلّف بملاحظة الجهل بحكمه الواقعي)

فمؤديات الأصول و الأدلّة الغير العلمية كلّها أحكام ظاهرية و الحكم الواقعي هو الحكم‏

(الثابت له «فعل» من دون مدخلية العلم و الجهل)

كما مرّ فراجع‏

(فكما أنّ)

دليل حجية الأصل و هو

(قوله- (عليه السلام)-: كل شي‏ء مطلق حتى يرد فيه النهي. يفيد الرخصة في الفعل الغير المعلوم ورود النهي فيه)

أي يفيد حلّيته من حيث إنّه غير معلوم الحرمة

(فكذا ما دل على حجية)

الأدلة الغير

10

العلمية كآية النبأ الدالة على حجية الخبر الدال مثلا على حرمة التتن، و الأدلّة الدالّة على حجية

(الشهرة الدالة مثلا على وجوب شي‏ء)

كالصلاة عند ذكر اسم النبي (صلى اللّه عليه و آله و سلم)

(يفيد)

حرمة ذلك أو

(وجوب ذلك الشي‏ء من حيث إنّه مظنون)

.

قوله‏

(مطلقا أو بهذه الامارة)

اشارة إلى أنّ دليل حجية الشهرة مثلا إن كان هو الانسداد فمقتضاه كون الوجوب الذي أدّى إليه الشهرة حكما ظاهريا من حيث إنّه مظنون بالظن المطلق و إن كان لحجيتها دليل خاص فمقتضاه كون الوجوب حكما ظاهريا من حيث إنّه مظنون بالشهرة.

(و لذا)

أي لأجل أنّ أدلة اعتبار الظن توجب كون مؤدّى الظن حكما ظاهريا كمؤدى الأصل‏

(اشتهر أنّ علم المجتهد بالحكم)

الظاهري‏

(مستفاد من صغرى وجدانية و هي هذا ما أدى إليه ظنّي و كبرى برهانية و هي كلما أدّى إليه ظنّي فهو حكم اللّه في حقي)

فإنّ البرهان القاطع قام على حجية ظن المجتهد

(فإنّ الحكم المعلوم منهما هو الحكم الظاهري)

إذ علمت أنّ مجرد الظن لا يوجب العلم بالحكم الواقعي و دليل حجية هذا الظن أيضا لا يوجب العلم بالحكم الواقعي، بل يوجب العلم بكون مؤدّى الظن حكما ظاهريا.

و بالجملة

(فإذا كان مفاد)

دليل حجية

(الأصل ثبوت الاباحة)

ظاهرا

(للفعل الغير المعلوم الحرمة و مفاد دليل)

حجية

(تلك الامارة ثبوت الحرمة)

ظاهرا

(للفعل المظنون الحرمة كانا متعارضين لا محالة)

و تعارضهما بنحو العموم من وجه كما شرحناه‏

(فإذا بنى على العمل بتلك الامارة)

لقيام الاجماع على أنّه إذا عمل بالامارة في مادة افتراقها يعمل بها في مادة تعارضها مع الأصل أيضا

(كان فيه خروج عن عموم الأصل و تخصيص له لا محالة)

كما مرّ توضيحه، فليس هنا تخصّص و ورود.

(هذا و لكن التحقيق إنّ دليل تلك الامارة و إن لم يكن كالدليل العلمي رافعا لموضوع الأصل)

بمعنى أنّا نسلّم الفرق بين الدليل العلمي القائم على حرمة

11

التتن و بين الدليل العلمي القائم على حجية الخبر الدال على حرمته، إذ الأوّل يخرج التتن عن موضوع الأصل و الثاني لا يخرجه عنه لبقاء الجهل بالنسبة إلى الواقع، نعم يوجب العلم بحجية الخبر و كون مؤدّاه حكما ظاهريا

(إلّا أنّه)

أي دليل تلك الامارة

(نزل شرعا منزلة الواقع)

بمعنى أنّ دليل تلك الامارة يدل على تنزيلها منزلة العلم، فكما أنّه إذا دلّ المتواتر مثلا على حرمة التتن فهو يخرج عن موضوع الأصل لحصول العلم بحرمته بالوجدان و كذا إذا دلّ الخبر مثلا على حرمته يخرج عن موضوع الأصل تعبّدا لأنّ الأدلة تقتضي تنزيله منزلة العلم‏

(فهو)

أي دليل تلك الامارة

(حاكم على)

دليل‏

(الأصل لا مخصّص له)

.

الفرق بين الحكومة و التخصيص أنّ الخاص بحكم العقل قرينة على التصرّف في العام فإذا قال: اكرم العلماء، و قال: لا تكرم النحاة، يلاحظ العقل عدم امكان العمل بهما و كون الثاني أقوى دلالة، فيحكم بأنّه قرينة للتصرّف في الأوّل، و الحاكم بنفس لفظه يتصرّف في المحكوم، فإنّه إذا قال: متى شككت فابن على الأكثر، و قال: لا شك لكثير الشك، يكون الثاني تفسير للأوّل أي يفهم من لفظه أنّه ناظر إليه و مبيّن لحدّه و أنّ المراد الشك المتعارف، و كذا ما نحن فيه فإنّ معنى قوله صدّق العادل إنّ المراد من قوله إذا لم تعلم حرمة شي‏ء فهو حلال غير صورة وجود الخبر و أنّ صورة وجود الخبر داخل في العلم تعبّدا

(كما سيتضح إن شاء اللّه)

في مبحث التعارض و الترجيح.

(على أنّ ذلك)

أي تخصيص أدلّة الأصول بأدلّة الامارات‏

(إنّما يتم بالنسبة إلى الأدلّة الشرعية)

الدالة على حجية الاستصحاب و البراءة و الاشتغال‏

(و أمّا الأدلّة العقلية القائمة على البراءة و الاشتغال)

و التخيير

(فارتفاع موضوعها بعد ورود الأدلّة الظنّية واضح)

.

حاصل الكلام: أنّ الأصول الأربعة بعضها شرعي- أي قام عليه الدليل الشرعي فقط- و هو: الاستصحاب عنده- (رحمه اللّه)-، و بعضها شرعي و عقلي و هو:

12

البراءة و الاشتغال، و بعضها عقلي فقط و هو: التخيير، ثمّ إنّ موضوع الأصول الشرعية أي الاستصحاب و البراءة و الاشتغال الشرعيين عدم العلم، فيكون دليل اعتبار الامارات مخصّصا لأدلّة الأصول الشرعية كما مرّ، و موضوع البراءة العقلية عدم البيان، و موضوع الاشتغال العقلي احتمال العقاب، و موضوع التخيير عدم ترجيح أحد الطرفين.

فيكون دليل اعتبار الامارات واردا على دليل الأصول العقلية و رافعا لموضوعها إذ بعد قيام الخبر على الحرمة يخرج التتن عن موضوع البراءة العقلية و هو عدم البيان‏

(لجواز الاقتناع بها)

أي يمكن اكتفاء العقل بالظن‏

(في مقام البيان و)

بعد قيام الخبر على وجوب الظهر يخرج الجمعة عن موضوع الاشتغال العقلي لجواز

(انتهاضها)

أي قيام الأدلّة

(رافعا لاحتمال العقاب كما هو ظاهر، و أمّا التخيير فهو أصل عقلي لا غير)

كما ذكرنا، و بعد قيام الخبر على طرف الوجوب يخرج طرف الحرمة عن موضوع التخيير و هو عدم الترجيح.

(و اعلم أنّ المقصود بالكلام في هذه الرسالة)

ليس جميع الأصول بل‏

(الأصول)

الأربعة

(المتضمّنة لحكم الشبهة في الحكم الفرعي الكلي)

كالشك في حرمة التتن و وجوب الصلاة على النبي (صلى اللّه عليه و آله و سلم)

(و إن تضمّنت)

هذه الأصول‏

(حكم الشبهة في الموضوع أيضا)

كالشك في نجاسة هذا و خمرية ذاك. و بالجملة محل البحث هو الأصول الأربعة من حيث جريانها في الشبهات الحكمية و إن كانت تجري في الشبهات الموضوعية أيضا.

(و هي منحصرة في أربعة: أصل البراءة، و أصل الاحتياط، و التخيير، و الاستصحاب بناء على كونه حكما ظاهريا)

أي بناء على كونه من الأصول التعبدية الجارية في مورد الشك‏

(ثبت التعبّد به من الأخبار إذ بناء على كونه مفيدا للظن)

و ثبت التعبّد به ببناء العقلاء

(يدخل في الامارات الكاشفة عن الحكم الواقعي)

كالخبر و الشهرة

(و أمّا الأصول المشخّصة لحكم الشبهة في الموضوع)

أي‏

13

الأصول المختصة بالشبهات الموضوعية

(كأصالة الصحّة و أصالة الوقوع فيما شك فيه بعد تجاوز المحل)

و أصالة عدم النسيان و الغفلة

(فلا يقع الكلام فيها إلّا لمناسبة يقتضيها المقام)

و بالجملة وظيفة الأصولي هي البحث عن حكم الشبهات الحكمية الكلية، و أمّا الشبهات الموضوعية الجزئية فتبيّن في الفقه.

(ثمّ إنّ انحصار)

الأصول الجارية في الأحكام في الأربعة استقرائي و انحصار

(موارد الاشتباه في)

مجاري‏

(الأصول الأربعة عقلي)

كما مرّ في صدر الكتاب‏

(لأنّ حكم الشك أمّا أن يكون ملحوظا فيه اليقين السابق عليه «شك»)

كما في الشك في الرافع كمن تيقّن في الطهارة و شك في رافعية المذي أو في حدوث الحدث‏

(و أمّا أن لا يكون سواء لم يكن يقين سابق عليه)

كالشك في حرمة التتن‏

(أم كان و لم يلحظ)

كما في الشك في المقتضى عند بعض كتغيّر الماء الكثير بالنجس حيث يشك في أنّه يقتضي بقاء النجاسة بعد زواله بنفسه أم لا، و كما إذا شكّ في الفراغ مثلا فإنّه يجري فيه قاعدة الاشتغال و لا حاجة إلى استصحاب الاشتغال.

(و الأوّل هو مورد الاستصحاب)

سواء كان الشك في التكليف أو في المكلّف به أمكن الاحتياط أم لا

(و الثاني أمّا أن يكون الاحتياط فيه ممكنا أم لا، و الثاني هو مورد التخيير)

سواء كان الشك في نوع التكليف كالشك في أنّ هذا واجب أو حرام أو في المكلّف به كالشك في أنّ هذا واجب و ذاك حرام أو بالعكس‏

(و الأوّل أمّا أن يدل دليل عقلي أو نقلي على ثبوت العقاب بمخالفة الواقع المجهول)

كالشك في المكلّف به‏

(و أمّا أن لا يدل، و الأوّل مورد الاحتياط، و الثاني مورد البراءة، و قد ظهر مما ذكرنا أنّ موارد الأصول قد تتداخل)

أي يكون مورد واحد موردا للبراءة و الاستصحاب مثلا

(لأنّ المناط في الاستصحاب ملاحظة الحالة السابقة المتيقّنة و مدار الثلاثة الباقية على عدم ملاحظتها و إن كانت موجودة)

ففي مثال تغيّر الماء من يذهب إلى اعتبار الحالة السابقة في الشك في‏

14

المقتضي يتمسّك بالاستصحاب، و من لا يذهب إليه يتمسّك بالأصول الأخر كأصالة الطهارة، و عند الشك في الفراغ لك أن تلاحظ السابق و تجري الاستصحاب، و أن لا تلاحظه فتجري القاعدة فافهم.

(ثم إنّ تمام الكلام في الأصول الأربعة يحصل باشباعه «كلام» في مقامين:

أحدهما: حكم الشك في الحكم الواقعي من دون ملاحظة الحالة السابقة الراجع)

أي حكم هذا الشك يرجع‏

(إلى الأصول الثلاثة. الثاني: حكمه «شك» بملاحظة الحالة السابقة و هو «حكم» الاستصحاب.

المقام الأوّل: في الأصول الثلاثة

و أمّا المقام الأوّل)

أي حكم الشك من دون لحاظ السابق‏

(فيقع الكلام فيه في موضعين)

أحدهما: مبحث الشك في التكليف، ثانيهما: مبحث الشك في المكلّف به كما قال‏

(لأنّ الشك أمّا في نفس التكليف و هو النوع الخاص من الالزام و إن علم جنسه «تكليف»)

و هو الالزام‏

(كالتكليف المردّد بين الوجوب و التحريم)

فالشك في التكليف عبارة عن الشك في نوعه سواء علم جنسه كصورة الدوران بين المحذورين فإنّ الالزام بواحد من الفعل و الترك معلوم أم لا كالشبهة الوجوبية و التحريمية

(و أمّا في متعلّق التكليف مع العلم بنفسه «تكليف» كما إذا علم وجوب شي‏ء و شك بين تعلّقه بالظهر و الجمعة)

هذه شبهة حكمية

(أو علم وجوب)

قضاء

(فائتة و تردّد بين الظهر و المغرب)

هذه شبهة موضوعية، أمّا الموضع الثاني فيأتي في محلّه.

الكلام في الشك في التكليف‏

(و الموضع الأوّل)

أي مبحث الشك في التكليف‏

(يقع الكلام فيه في‏

15

مطالب)

ثلاث‏

(لأنّ التكليف المشكوك فيه أمّا تحريم مشتبه بغير الوجوب)

كالشك في حرمة التتن‏

(و أمّا وجوب مشتبه بغير التحريم)

كالشك في أنّ الصلاة عند ذكر اسم النبي (صلى اللّه عليه و آله و سلم) واجب أم لا

(و أمّا تحريم مشتبه بالوجوب)

كالشك في وجوب رد السلام على المصلّي و حرمته.

(و صور الاشتباه كثيرة)

تبلغ 26 صورة: 1- حرمة اباحة. 2- م كراهة 3- م استحباب 4- م وجوب 5- م ح ك 6- م ح س 7- م ح ج 8- م ك س 9- م ك ج 10- م س ج 11- م ح ك س 12- م ح ك ج 13- م ك س ج 14- م ح س ج 15- أحكام خمسة 16- ح ك 17- ح س 18- ح ج 19- ح ك س 20- ح ك ج 21- ح س ج 22- ح ك س ج 23- ك س 24- ك ج 25- ك س ج 26- س ج.

لا خلاف في عدم جواز الالتزام بشي‏ء من المحتملات في شي‏ء من الصور بمعنى أنّه إذا دار الأمر مثلا بين الوجوب و الجواز لا يجوز الأخذ بالوجوب واقعا أو الجواز واقعا لأنّه تشريع و قس عليه سائر الصور و لا خلاف في نفي كل واحد من الخصوصيات باستصحاب العدم بالنسبة إلى ما يترتب عليه من الأثر الشرعي إذا لم يلزم مخالفة عملية معلومة كما يأتي توضيحه في مسألة الدوران بين المحذورين.

بل الخلاف إنّما هو في التكليف المحتمل من حيث إجراء البراءة عنه أو وجوب الاحتياط، و لذا لم يجعل كل صورة عنوانا مستقلا بل انحصر العنوان في الشبهة التحريمية و الشبهة الوجوبية و الدوران بينهما، و لم يتعرّض لصور الدوران بين الوجوب و الحرمة و غيرهما من الأحكام الثلاثة للاتفاق فيها على البراءة لعدم امكان الاحتياط و اعتذار عن ترك التعرّض بالشبهة الاستحبابية و الكراهية و الدوران بينهما بقوله‏

(و هذا)

أي حصر العنوان في الثلاثة

(مبني على اختصاص التكليف بالالزام)

بمعنى أنّ مقتضى أدلّة البراءة هو رفع الكلفة و المشقة المحتملة عن عهدة المكلّف، و مقتضى أدلّة الاحتياط ثبوت الكلفة و المشقة المحتملة، و الكلفة إنّما هي في الوجوب و الحرمة لترتب العقاب على المخالفة لا في‏

16

الاستحباب و الكراهة لعدم العقاب على المخالفة، فيحكم بجواز كل من الفعل و الترك قطعا و لا يحتاج اختيار أحدهما بالبناء على حكم خاص‏

(أو اختصاص الخلاف في البراءة و الاحتياط به «الزام»)

أي سلّمنا أنّ أدلّة الطرفين تجري في الاستحباب و الكراهة و أنّهما أيضا كلفة إلّا أنّهم مجمعون على البراءة فيها كالشبهة الموضوعية.

(فلو فرض شموله)

أي الكلفة و نزاع العلماء

(للمستحب و المكروه يظهر حالهما من الواجب و الحرام فلا حاجة إلى تعميم العنوان)

فالشبهة الاستحبابية كالوجوبية فالبراءتي يحكم بنفي كلفة الاستحباب، و الاحتياطي يحكم بشمول أدلة الاحتياط لكن بنحو الاستحباب، و الشبهة الكراهية كالتحريمية بالتقرير المذكور، و الدوران بينهما كالدوران بينهما في أصالة التخيير

(ثم متعلّق)

أي موضوع‏

(التكليف المشكوك أمّا أن يكون فعلا كلّيا متعلّقا للحكم الشرعي الكلّي كشرب التتن المشكوك في حرمته)

فإنّه فعل كلّي له حكم كلي شك في أنّه الحرمة أو الاباحة

(و الدعاء عند رؤية الهلال المشكوك في وجوبه.

و أمّا أن يكون فعلا جزئيا متعلّقا للحكم الجزئي)

فإنّ فردا من الفعل يكون موضوعا لفرد من الحكم‏

(كشرب هذا المائع المحتمل كونه خمرا)

و بالجملة الشك في التكليف أمّا شبهة حكمية و أمّا موضوعية

(و منشأ الشك في القسم الثاني)

أي الشبهة الموضوعية

(اشتباه الأمور الخارجية)

فإنّ الخمر يشبه بمائع آخر، و النجس يشبه الطاهر

(و منشؤه في الأوّل)

أي الشبهة الحكمية

(أمّا عدم النص في المسألة كمسألة شرب التتن، و أمّا أن يكون اجمال النص كدوران الأمر في قوله تعالى:

حَتَّى يَطْهُرْنَ‏

بين التشديد و التخفيف مثلا)

بناء على عدم كون كل قراءة متواترة عن النبي (صلى اللّه عليه و آله و سلم) و عدم جواز الاستدلال بكل قراءة

(و أمّا أن يكون تعارض النصّين و منه «تعارض» الآية المذكورة بناء على تواتر القراءات)

السبع بل العشر عنه (صلى اللّه عليه و آله و سلم) أو جواز الاستدلال بكل قراءة، فراجع مبحث حجّية الكتاب.

17

(و توضيح أحكام هذه الأقسام)

و هو اثنى عشر لأنّ الشك في التكليف أمّا شبهة وجوبية أو تحريمية أو دائرة بينهما، و كل منها أمّا شبهة موضوعية أو حكمية ناشئة من فقدان النص أو اجماله أو تعارض النصّين، و لو لاحظت جميع الصور فتبلغ إلى مائة و أربع لأنّ الأقسام السابقة أعني ستا و عشرين صورة كل واحدة منها أمّا شبهة موضوعية أو حكمية لفقدان النص أو اجماله أو تعارض النصين، و هذا التقسيم الصغير و الكبير يجري في مبحث الشك في المكلّف به أيضا

(في ضمن مطالب)

ثلاثة:

(الأوّل دوران الأمر بين الحرمة و غير الوجوب من الأحكام الثلاثة الباقية.

الثاني: دوران الأمر بين الوجوب و غير التحريم.

الثالث: دوران الأمر بين الوجوب و التحريم.

الشبهة التحريمية

[المطلب الأوّل فيما دار الأمر فيه بين الحرمة و غير الوجوب‏]

(فالمطلب الأوّل فيما دار الأمر فيه بين الحرمة و غير الوجوب، و قد عرفت أنّ متعلّق الشك تارة الواقعة الكلّية كشرب التتن و منشأ الشك فيه عدم النص أو اجماله أو تعارضه، و أخرى الواقعة الجزئية فهاهنا)

أي في الشبهة التحريمية

(أربع مسائل:

[المسألة الأولى فيما لا نص فيه و فيها اقوال‏]

[القول الأول البراءة و احتج له بالأدلة الأربعة]

الأولى: فيما لا نص فيه، و قد اختلف فيه على ما يرجع إلى قولين)

لأنّ التفصيل المنسوب إلى المحقق من البراءة فيما يعم به البلوى و الاحتياط في غيره فاسد كما يأتي‏

(أحدهما: اباحة الفعل شرعا و عدم وجوب الاحتياط بالترك.

و الثاني: وجوب الترك و يعبّر عنه بالاحتياط، و الأوّل منسوب إلى المجتهدين، و الثاني إلى معظم الاخباريين)

و الفريقان متّفقان على عدم جواز الالتزام بأحد الحكمين لكونه تشريعا محرّما، و الالتزام به على ما هو عليه في الواقع حاصل قهرا

18

و حرمة خرق الاجماع و احداث القول الثالث المبنية على وجوب الالتزام بحكم اللّه المعلوم اجمالا إنّما هو فيما إذا لزم من عدم الالتزام مخالفة عملية كما في موارد الشك في المكلّف به. نعم في صورة الدوران بين الحرمة و الكراهة يلتزم بمطلق المرجوحية، و في الدوران بين الوجوب و الاستحباب يلتزم بمطلق الرجحان، و حينئذ فلو ترتب أثر على خصوصية أحد الحكمين ينفى بالأصل ثمّ إنّه بناء على دلالة أدلة البراءة على الاباحة الظاهرية كما هي مفاد بعضها لا على مجرد العذر كما هو مفاد قاعدة القبح لا مانع من الالتزام بها، كما أنّه بناء على دلالة أدلّة الاحتياط على الحرمة الظاهرية لا على مجرد عدم العذر لا مانع من الالتزام بها.

(و ربّما نسب إليهم أقوال أربعة: التحريم ظاهرا و التحريم واقعا و التوقّف و الاحتياط و لا يبعد أن يكون تغايرها باعتبار العنوان)

بمعنى أنّ اختلافهم في التعبير ليس لاختلافهم في المذهب و الغرض، و إنّما هو لاختلاف عناوين الأخبار فبعضهم تمسّك بأخبار التوقّف، و بعضهم بأخبار الاحتياط و بعضهم بأخبار الأمر باجتناب الشبهة حذرا من ارتكاب الحرام، و بعضهم بأخبار الأمر باجتنابها بما هي‏

(و يحتمل الفرق)

المعنوي‏

(بينها)

جميعا

(و)

يحتمل الفرق‏

(بين بعضها)

كالحرمة الظاهرية و الواقعية

(من وجوه أخر)

غير مجرد اختلاف عناوين الروايات‏

(تأتي بعد ذكر أدلّة الاخباريين.

[فمن الكتاب آيات‏]

احتج للقول الأوّل بالأدلّة الأربعة، فمن الكتاب آيات منها قوله تعالى:

لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا ما آتاها

قيل دلالتها واضحة)

كما يأتي‏

(و فيه: أنّها غير ظاهرة فإنّ حقيقة الايتاء الاعطاء)

و في الموصول ثلاث احتمالات:

أحدها: قوله:

(فأمّا أن يراد بالموصول المال بقرينة قوله قبل ذلك:

وَ مَنْ قُدِرَ

)

أي ضاق‏

(

عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتاهُ اللَّهُ‏

)

لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا ما آتاها و لكن لا بد حينئذ من تقدير مصدر لأنّ التكليف لا يتعلّق بالعين بأن يكون المعنى لا يكلّف اللّه نفسا إلّا مالا بل يتعلّق بالحدث بأن يكون المعنى لا يكلّف اللّه نفسا

19

إلا دفع مال و لذا قال:

(فالمعنى أنّ اللّه سبحانه لا يكلّف العبد إلّا دفع ما أعطي من المال)

و هذا المعنى لا ربط له بالبراءة عن التكليف المجهول.

ثانيها: قوله:

(و أمّا أن يراد)

من الموصول‏

(نفس)

الحدث أي‏

(فعل الشي‏ء أو تركه بقرينة ايقاع التكليف عليه «موصول»)

حيث قال: لا يكلف إلّا ما، و التكليف يتعلّق بالحدث دون العين، و حينئذ يكون الايتاء بمعناه الكنائي أي الاقدار لا بمعنى الاعطاء كما قال.

(فاعطائه «فعل و ترك» كناية عن الاقدار عليه)

فالمعنى لا يكلّف اللّه نفسا إلّا فعلا أو تركا أقدرها عليه‏

(فيدل على نفي التكليف بغير المقدور)

كالطيران‏

(كما ذكره الطبرسي، و هذا المعنى أظهر)

إذ على الأوّل لا بد من تقدير المصدر كما مرّ، و على الثاني لا حاجة إليه. نعم على الأوّل يكون الايتاء بمعناه الحقيقي أي الاعطاء، و على الثاني كناية عن الاقدار

(و أشمل لأنّ)

المعنى الأوّل أي‏

(الانفاق من)

المال‏

(الميسور داخل في)

المعنى الثاني أي‏

(ما آتاه اللّه)

،

(و كيف كان فمن المعلوم أنّ)

هذا المعنى أيضا لا ربط بالبراءة عن التكليف المحتمل لأنّ‏

(ترك ما يحتمل التحريم ليس غير مقدور)

حتى ينفى التكليف به‏

(و إلّا لم ينازع في وقوع التكليف به أحد من المسلمين)

حتى الأشاعرة بمعنى أنّ التكليف بغير المقدور لم يقع بالاتفاق‏

(و إن نازعت الأشاعرة في امكانه)

.

ثالثها: قوله:

(نعم لو أريد من الموصول نفس الحكم و التكليف كان ايتاؤه «حكم» عبارة عن الاعلام به)

أي يكون المعنى لا يكلّف اللّه نفسا إلّا تكليفا أعلمه إياها، فيدل على نفي التكليف الغير المعلوم. و بملاحظة هذا المعنى قالوا دلالة الآية على البراءة واضحة

(لكن ارادته بالخصوص)

أي حمل الموصول على التكليف فقط

(ينافي مورد الآية)

و هو انفاق المال‏

(و ارادة الأعم منه «تكليف» و من المورد)

أي حمل الموصول على التكليف و دفع المال معا بمعنى‏ لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا تكليفا و دفع مال‏ آتاها

(يستلزم استعمال الموصول في معنيين إذ لا جامع‏

20

بين تعلّق التكليف)

و هو قوله‏ لا يُكَلِّفُ‏

(بنفس الحكم)

بأن يكون الموصول بمعنى التكليف‏

(و الفعل المحكوم عليه)

بأن يكون الموصول بمعنى دفع المال.

حاصل الاشكال: أنّ الموصول يستعمل في معنى واحد كلي شامل للتكليف و دفع المال كالشي‏ء، و جوابه أنّه لا يمكن جمعهما في عنوان واحد لأنّ الموصول بمعنى التكليف مفعول مطلق و بمعنى دفع المال مفعول به، و لا يكون الشي‏ء الواحد واقعا و موقعا عليه و لعلّه، إلى ذلك أشار بقوله‏

(فافهم.

نعم)

يؤيد المعنى الثالث ما ورد

(في رواية عبد الأعلى عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)-)

من أنّه‏

(قال: قلت له: هل كلّف الناس بالمعرفة)

الكاملة من دون البيان؟

(قال: لا على اللّه البيان)

بارسال الرسل و انزال الكتب‏ لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها و لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا ما آتاها وجه التأييد أنّه- (عليه السلام)- نفى التكليف بالمعرفة من دون البيان ثمّ استشهد بالآيتين، فيعلم أنّ المراد من الآية هو المعنى الثالث أي لا يكلّف اللّه نفسا إلّا تكليفا بيّنه لها

(لكنّه)

أي ما ورد في الرواية

(لا ينفع في المطلب)

و هو كون الآية بالمعنى الثالث أي نفي التكليف من دون بيان بل يناسب كونها بالمعنى الثاني أي نفي التكليف بغير المقدور

(لأنّ نفس المعرفة باللّه)

أي مع قطع النظر عن التكليف بها

(غير مقدور قبل تعريف اللّه سبحانه، فلا يحتاج دخولها)

«معرفة»

(في الآية إلى ارادة)

المعنى الثالث أي ارادة التكليف من الموصول و

(الأعلام من الايتاء في الآية)

.

و بالجملة نفى- (عليه السلام)- التكليف بالمعرفة من دون بيان لكونها غير مقدور فاستشهد بالآية لأنّها تنفي التكليف بغير المقدور، و المعرفة بدون البيان أمر غير مقدور

(و سيجي‏ء زيادة توضيح لذلك في ذكر الدليل العقلي إن شاء اللّه تعالى، و ممّا ذكرنا)

من أنّ الأظهر في الآية نفي التكليف بغير المقدور و ترك محتمل التحريم ليس بغير المقدور

(يظهر حال التمسّك بقوله تعالى:

لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها

)

فإنّها نص في نفي التكليف بغير المقدور

(و منها قوله تعالى:

وَ ما كُنَّا

21

مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا

)

أي لا نعذّب بدون البيان، و هو معنى البراءة، و أورد على ظاهر الآية بأنّ البيان قد يكون بالنقل كوجوب الصلاة، و قد يكون بالعقل كوجوب رد الوديعة، فإن انتفيا يقبح العقاب و يحكم بالبراءة، و إن وجدا أو أحدهما يصح العقاب و يحكم بالاشتغال فحق الآية هكذا «و ما كنّا معذّبين حتى نبعث رسولا أو يحكم العقل» فما وجه اختصاص العقاب في الآية بصورة بعث الرسول و عدم الاعتناء بالعقل. و أجيب بثلاث وجوه:

أوّلها: قوله‏

(بناء على أنّ بعث الرسول كناية عن)

مطلق‏

(بيان التكليف)

أي لا نعذّب حتى نبيّن فذكر السبب الخاص، أعني: بعث الرسول و أريد المسبب العلم، أعني: بيان التكليف بأي طريق كان‏

(لأنّه «بيان» يكون به «رسول» غالبا)

لقلّة المستقلّات العقلية

(كما في قولك لا أبرح من هذا المكان حتى يؤذّن المؤذّن كناية عن)

مطلق‏

(دخول الوقت)

أذّن المؤذّن أم لا، و التعليق بالأذان لغلبة وقوعه عند دخول الوقت.

ثانيها: قوله:

(أو عبارة عن البيان النقلي و يخصص العموم‏

وَ ما كُنَّا مُعَذِّبِينَ‏

بغير المستقلّات)

بمعنى أنّ بعث الرسول اشارة إلى البيان النقلي إلّا أنّ هناك مخصّص منفصل، أي و ما كنّا معذّبين حتى نبعث رسولا إلّا في المستقلّات العقلية، و يصير الحاصل توقف العقاب بأحد البيانين.

ثالثها: قوله:

(أو يلتزم بوجوب التأكيد و عدم حسن العقاب إلّا مع اللطف بتأييد العقل بالنقل)

بمعنى أنّ بعث الرسول عبارة عن البيان النقلي، و المعنى أنّ فعلية العذاب في الآخرة موقوفة بالبيان النقلي و لا يكفي فيها البيان العقلي، ففي الآية اشعار بأنّ العقل و النقل و إن كان كل منهما حجة كافية في اثبات التكليف و استحقاق العذاب إلّا أنّ بينهما فرقا في فعلية العذاب، فإنّ البيان النقلي بمجرده كاف في فعليته و البيان العقلي بمجرده غير كاف فيها، بل مقتضى الرحمة الواجبة هو العفو أو تأييد العقل بالنقل‏

(و إن حسن الذم)

بمعنى أنّ البيان العقلي‏

22

بمجرده كاف في فعلية الذم الدنيوي‏

(بناء على أنّ منع اللطف)

أي عدم تأكيد العقل‏

(يوجب قبح)

فعلية

(العقاب دون)

فعلية

(الذم كما صرّح به البعض، و على أي تقدير)

من التقديرات الثلاث‏

(فيدل)

الآية

(على نفي العقاب قبل البيان، و فيه أنّ ظاهره الاخبار بوقوع التعذيب سابقا بعد البعث، فيختص بالعذاب الدنيوي الواقع في الأمم السابقة)

فلا ربط له بنفي العقاب عن التكليف المحتمل.

(ثمّ إنّه ربّما يورد التناقض)

المورد هو القمي- (رحمه اللّه)-

(على من «فاضل توني» جمع بين التمسك بالآية في المقام)

أي مبحث البراءة

(و بين رد من «اشاعرة» استدل بها لعدم الملازمة بين حكم العقل و حكم الشرع)

أي رده‏

(بأنّ نفي فعلية التعذيب أعم من نفي الاستحقاق)

توضيح الكلام: أنّ هنا نزاعان: أحدهما: نزاع المعتزلة و الأشاعرة في الكلام، حيث إنّ المعتزلة تدّعي الملازمة بين حكم العقل و حكم الشرع، و الأشاعرة تنكر ذلك و تستدل بهذه الآية حيث إنّ مفادها اناطة العذاب بالبيان النقلي و عدم العبرة بالعقل. ثانيهما: نزاع الاخباري و المجتهد في الأصول حيث إنّ الاخباري يدّعي وجوب الاحتياط و المجتهد ينكره و يستدل بالآية حيث إنّها تدل على اناطة العذاب بالبيان.

و غرض التوني- (رحمه اللّه)- هو أنّ استدلال المجتهد بها على البراءة صحيح، و أمّا استدلال الأشاعرة بها على نفي الملازمة فاسد لأنّ ظاهر الآية هو أنّ فعلية العذاب منوط بالنقل، و هذا المقدار يكفي للبراءة باعتراف الخصم أي الاخباري و لا ينافي أن يكون استحقاق العذاب حاصلا بالبيان العقل، و هذا المقدار يكفي للملازمة بأن يكون العقل ملازما للشرع في مرحلة استحقاق العذاب لا في مرحلة فعليته.

و أورد عليه القمي بأنّ صحة الاستدلال بها على البراءة و عدم صحته على نفي الملازمة متناقضان‏

(فانّ الاخبار بنفي التعذيب إن دلّ على عدم التكليف شرعا فلا وجه للثاني)

أي إن كان المراد من انتفاء العذاب عند انتفاء البيان‏

23

الشرعي كما هو صريح الآية انتفاء التكليف و استحقاق العقاب رأسا، و إن كان هناك بيان عقلي فتدل الآية على نفي الملازمة كما يدل على نفي وجوب الاحتياط فلا وجه لرد الأشاعرة

(و إن لم يدل)

أي لم يكن المراد منه نفي التكليف و الاستحقاق بل مجرد الفعلية مع السكوت عن الاستحقاق و عدمه عند وجود البيان العقلي‏

(فلا وجه للأوّل)

أي للاستدلال بها على البراءة، كما لا وجه للاستدلال بها على نفي الملازمة، إذ البراءة تحتاج إلى دليل دال على نفي الاستحقاق عند عدم البيان، و نفي الملازمة يحتاج إلى دليل دال على نفي الاستحقاق عند عدم بيان الشرع.

(و يمكن دفعه «تناقض»)

كما في الفصول‏

(بأنّ عدم الفعلية يكفي في هذا المقام)

حاصله: أنّ البراءة و إن كانت تحتاج إلى دليل دال على نفي الاستحقاق إلّا أنّه يكفي فيها أيضا هذه الآية الدالة على نفي الفعلية بانضمام الاجماع الفرضي‏

(لأنّ الخصم «اخباري» يدّعي أنّ في ارتكاب الشبهة الوقوع في العقاب و الهلاك فعلا)

أي يدّعي فعليّة العقاب‏

(من حيث لا يعلم كما هو مقتضى رواية التثليث)

حيث قال (صلى اللّه عليه و آله و سلم): حلال بيّن و حرام بيّن و شبهات بين ذلك، من ترك الشبهات نجا من المحرّمات، و من أخذ بالشبهات وقع في المحرّمات و هلك من حيث لا يعلم‏

(و نحوها التي هي عمدة أدلتهم و يعترف بعدم المقتضي للاستحقاق على تقدير عدم الفعلية)

حاصله: أنّ الأصولي و الاخباري متفقان على أنّه لو انتفى فعلية العقاب في المشتبه انتفى الاستحقاق أيضا إلّا أنّ الأوّل يدّعي انتفاء الفعلية بمقتضى الآية و الثاني يدّعي ثبوت الفعلية بمقتضى أدلتهم، و حينئذ

(فيكفي في)

البراءة و

(عدم الاستحقاق نفي الفعلية)

المستفاد من الآية لأنّها إذا دلّت على نفي الفعلية يضم إليها الاتفاق المذكور فيتم المطلوب أي نفي الاستحقاق و اشكال اختصاص بعث الرسول بالذكر قد مرّ فيه التوجيهات.

(بخلاف مقام التكلّم في)

الحسن و القبح العقليين و

(الملازمة)

بين حكم‏

24

العقل و حكم الشرع‏

(فإنّ المقصود فيه اثبات الحكم الشرعي في مورد حكم العقل)

أي اثبات الملازمة بينهما، و الآية لا تدل على عدمها لأنّها لا تدل على أنّ الاستحقاق موقوف على بيان الشرع و لا يكفي فيه العقل، و إنّما تدل على أنّ فعلية العقاب موقوفة عليه‏

(و عدم ترتّب العقاب)

الفعلي‏

(على مخالفته «عقل» لا ينافي ثبوته)

أي ثبوت الحكم الشرعي في مورد حكم العقل و استحقاق العقاب عليه، و لا منافاة بين الاستحقاق و عدم الفعلية

(كما في الظهار حيث قيل إنّه محرّم)

بناء على أنّه المراد من المنكر في قوله تعالى: وَ إِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَراً مِنَ الْقَوْلِ وَ زُوراً

(معفو عنه)

لقوله تعالى بعده: وَ إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ

(و كما في العزم على المعصية على احتمال)

كما يظهر من بعض الأخبار، و الاحتمال الآخر عدم العفو و الآخر عدم الاستحقاق.

(نعم لو فرض هناك أيضا اجماع على أنّه لو انتفت الفعلية انتفى الاستحقاق)

أي كما أجمع الأصولي و الاخباري على أنّه لو ثبت انتفاء الفعلية عند انتفاء البيان انتفى الاستحقاق أيضا و لذا تمت دلالة الآية على البراءة كما مرّ، فلو أجمع علماء الكلام أيضا على أنّه لو ثبت انتفاء الفعلية عند انتفاء بيان الشرع انتفى الاستحقاق‏

(كما يظهر من بعض ما فرعوا على تلك المسألة)

مثل حصول الثواب و العقاب على موافقة حكم العقل و مخالفته و زوال العدالة بمخالفته فإنّ ظاهر هذه الثمرات هو أنّ نزاعهم في ملازمة حكم العقل و الشرع في مرحلة الفعلية بحيث لو انتفت الملازمة في هذه المرحلة انتفت في مرحلة الاستحقاق أيضا

(جاز)

لمنكر الملازمة

(التمسّك به هناك)

لأنّها تدل على نفي الفعلية فيضم إليها الاجماع المذكور فيتم نفي الملازمة إلّا أنّ الاجماع لم يثبت، فالحق مذهب الفاضل‏

(و الانصاف أنّ الآية لا دلالة فيها على المطلب في المقامين)

لأنّها اخبار عن العذاب الدنيوي الواقع في الأمم السابقة فلا ربط لها على البراءة عن التكليف المحتمل و لا على نفي الملازمة.

25

(و منها قوله تعالى:

وَ ما كانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً

)

أي لا يعدّهم من الضالّين أو لا يعذبهم أو لا يخذلهم بسلب السعادة و التوفيق‏

(بعد إذ هداهم)

إلى الإيمان‏

(حتى يبيّن لهم ما يتقون أي يجتنبونه من الأفعال و الترك)

قيل في نزولها: إنّه مات قوم من المسلمين قبل نزول الفرائض فقيل يا رسول اللّه: ما منزلة هؤلاء، فنزلت الآية و المعنيان الأوّلان يناسبان شأن النزول إلّا أنّ مختاره- (رحمه اللّه)- هو الأخير كما قال‏

(و ظاهرها أنّه تعالى لا يخذلهم بعد هدايتهم إلى الإسلام إلّا بعد ما يبيّن لهم)

الوظائف‏

(و عن الكافي و تفسير العياشي و كتاب التوحيد حتى يعرّفهم ما يرضيه و يسخطه و فيه ما تقدم في الآية السابقة)

من أنّها اخبار عن العذاب الدنيوي الواقع في الأمم السابقة بعد اتمام الحجة

(مع أنّ دلالتها أضعف من حيث إنّ توقف الخذلان على البيان غير ظاهر الاستلزام للمطلب)

بمعنى أنّ الآية تدل على انتفاء الخذلان عند انتفاء البيان و لا يلزم منه انتفاء التكليف و العقاب عند انتفاء البيان‏

(اللهم إلّا بالفحوى)

بأن يقال إذا توقّف سلب التوفيق على البيان فالعقاب على التكليف أيضا يتوقّف عليه بطريق الأولى لأنّ الثاني أشد من الأوّل.

(و منها قوله تعالى:

لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَ يَحْيى‏ مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ

و في دلالتها تأمل ظاهر)

لأنّ المراد من البيّنة معجزات النبي (صلى اللّه عليه و آله و سلم) و غلبة المسلمين مع قلّتهم على الكافرين في غزوة بدر و المعنى ليكون كفر الكافر من أهل بدر عن بيّنة لئلّا يكون له على اللّه حجة و يكون إيمان المؤمن منهم عن بيّنة ليستقر في دينه فلا تدل على نفي المؤاخذة على الحكم المجهول، نعم فيها اشعار بذلك‏

(و يرد، على الكل)

انّها لا تقاوم أدلّة الاحتياط. بيان ذلك:

(أنّ غاية مدلولها عدم المؤاخذة على مخالفة النهي المجهول عند المكلّف لو فرض وجوده «نهي» واقعا)

بمعنى أنّها تدل على انتفاء المؤاخذة على التكليف من دون بيان.

(فلا تنافي ورود)

البيان أي‏

(الدليل العام على وجوب اجتناب ما يحتمل التحريم و معلوم أنّ القائل بالاحتياط و وجوب الاجتناب لا يقول به إلّا عن دليل‏

26

علمي و هذه الآيات بعد تسليم دلالتها غير معارضة لذلك الدليل بل هي «آيات» من قبيل الأصل بالنسبة إليه «دليل»)

لأنّ موضوع الآيات الدالة على البراءة هو عدم العلم و البيان، فكما أنّه لو ورد الدليل الخاص على حرمة التتن يكون مقدما على الآيات و واردا عليها لارتفاع موضوعها، فكذا إذا ورد الدليل العام على اجتناب الشبهة يكون رافعا لموضوع الآيات‏

(كما لا يخفى.

و منها: قوله تعالى مخاطبا لنبيه (صلى اللّه عليه و آله و سلم) ملقّنا إيّاه طريق الرد على اليهود حيث حرّموا بعض ما رزقهم اللّه)

أي حرّموه‏

(افتراء عليه تعالى‏

قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلى‏ طاعِمٍ‏

)

أي آكل طعام‏

(

يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً

فأبطل تشريعهم بعدم وجدان ما حرّموه في جملة المحرّمات التي أوحى اللّه إليه)

فدل على عدم وجوب الاجتناب عمّا لم يوجب على حرمته دليل‏

(و عدم وجدانه (صلى اللّه عليه و آله و سلم) ذلك فيما أوحي إليه و إن كان دليلا قطعيا على عدم الوجود إلّا أنّ في التعبير بعدم الوجدان دلالة على كفاية عدم الوجدان في ابطال الحكم بالحرمة)

، حاصل الاشكال: أنّه فرق بين عدم وجدان النبي (صلى اللّه عليه و آله و سلم) و عدم وجداننا، فإنّ عدم وجدانه دليل علمي على عدم الوجود بخلاف عدم وجداننا فقوله: لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ‏ معناه انّه ليس فيما أوحي، فالآية تدل على عدم وجوب الاجتناب عن شي‏ء علم عدم حرمته و لا يدل على عدم وجوب الاجتناب عن شي‏ء مشكوك الحرمة. و جوابه: أنّ هذا صحيح إلّا أنّ في العدول عن التعبير بليس إلى التعبير بعدم الوجود دلالة على كفاية مجرد عدم الوجود.

(لكن الانصاف انّ غاية الأمر أن يكون في العدول عن التعبير من عدم الوجود إلى عدم الوجدان اشارة إلى المطلب و أمّا الدلالة)

الصريحة

(فلا و لذا قال في الوافية و في الآية)

مجرد

(اشعار بأنّ اباحة الأشياء)

التي لا دليل على حرمتها

(مركوزة في العقل قبل الشرع)

حيث احتج (صلى اللّه عليه و آله و سلم) على رد اليهود بعدم الوجدان‏

(مع أنّه لو سلم دلالتها فغاية مدلولها كون عدم وجدان التحريم فيما)

أي في تمام ما

27

(صدر عن اللّه تعالى من الأحكام يوجب عدم التحريم لا عدم وجدانه)

في بعض ما صدر عنه تعالى أي‏

(فيما بقي بأيدينا من أحكام اللّه تعالى بعد العلم باختفاء كثير منها عنّا)

حاصله: أنّ الآية تدل على إباحة ما لم يوجد حرمته في تمام ما أوحى اللّه و لا تدل على إباحة ما لم يوجد حرمته في بعض ما أوحى اللّه، و معلوم أنّ ما بأيدينا من الأدلة إنّما هو بعض ما أوحى اللّه لأنّ أكثره قد اختفى عنّا باخفاء الظالمين. و بالجملة لا تقتضي الآية إباحة ما لم يوجد حرمته في الأدلة الحاضرة

(و سيأتي توضيح ذلك عند الاستدلال بالاجماع العملي على هذا المطلب.

و منها: قوله تعالى‏

وَ ما لَكُمْ‏

)

أيها المسلمون‏

(

أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا

)

ذبح ذبحا شرعيا أي‏

(

ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَ قَدْ فَصَّلَ لَكُمْ ما حَرَّمَ عَلَيْكُمْ‏

يعني مع خلو ما فصل عن ذكر هذا الذي يجتنبونه و لعل هذه الآية أظهر من سابقتها، لأنّ السابقة دلّت على أنّه لا يجوز الحكم بحرمة ما لم يوجد تحريمه فيما أوحى اللّه سبحانه إلى النبي (صلى اللّه عليه و آله و سلم))

أي دلّت على عدم جواز التشريع كما صنعه اليهود حيث حكموا بحرمة ما رزقهم اللّه فلا تنفع في رد الاخباري لأنّه يلتزم بترك محتمل الحرمة بعنوان الاحتياط لا بعنوان التشريع و الحكم بالحرمة.

(و هذه تدل)

حيث ذم على ترك أكل ما ذكر اسم اللّه عليه‏

(على أنّه لا يجوز التزام ترك الفعل مع عدم وجوده فيما فصل و إن لم يحكم بحرمته)

أي تدل على حرمة مطلق التزام الترك سواء كان بعنوان الاحتياط كما صنع الاخباري أو بعنوان التشريع كما صنع اليهود. و بالجملة

(فتبطل وجوب الاحتياط أيضا إلّا أنّ دلالتها موهونة من جهة أخرى و هي أنّ ظاهر الموصول العموم)

أي فصل لكم جميع ما حرم‏

(فالتوبيخ)

إنّما هو

(على الالتزام بترك الشي‏ء مع تفصيل جميع المحرمات الواقعية و عدم كون المتروك منها و لا ريب انّ اللازم من ذلك)

أي تفصيل جميع المحرّمات و عدم كون المتروك منها

(العلم بعدم كون المتروك محرما واقعيا)

و بالجملة الآية تذم على التزام الترك مع العلم بعدم الحرمة لا مع شك فيها

28

(فالتوبيخ في محله.

و الانصاف ما ذكرنا من أنّ الآيات المذكورة لا تنهض على ابطال القول بوجوب الاحتياط، لأنّ غاية مدلول الدال منها «آيات» هو عدم التكليف فيما لم يعلم خصوصا)

بأن دل الخبر على حرمة التتن مثلا

(أو عموما بالعقل)

بأن دل العقل على وجوب دفع العقاب المحتمل‏

(أو النقل)

بأن دل الخبر مثلا على وجوب اجتناب الشبهة

(و هذا)

أي البراءة عند عدم البيان خصوصا أو عموما

(ممّا لا نزاع فيه لأحد و انّما أوجب الاحتياط من أوجبه بزعم قيام الدليل)

العام‏

(العقلي أو النقلي على وجوبه «احتياط».

فاللازم على منكره «احتياط» رد ذلك الدليل أو معارضته «دليل» بما يدل على الرخصة و عدم وجوب الاحتياط فيما لا نص فيه، و أمّا الآيات المذكورة فهي كبعض الأخبار الآتية لا تنهض)

أي لا تقدر

(بذلك ضرورة أنّه لو فرض انّه ورد بطريق معتبر في نفسه)

أي من حيث السند و الدلالة مع قطع النظر عن احتمال تعارضه بالآيات‏

(انّه يجب الاحتياط في كل ما يحتمل أن يكون قد حكم الشارع فيه بالحرمة لم يكن يعارضه شي‏ء من الآيات المذكورة)

لأنّه إذا جاء البيان و العلم يزول عدم البيان و العلم الذي هو موضوع الآيات.

[أمّا السنة فأخبار كثيرة]

(و أمّا السنة فيذكر منها في المقام أخبار كثيرة، منها: المروي عن النبي (صلى اللّه عليه و آله و سلم) بسند صحيح في الخصال كما عن التوحيد رفع عن أمتي تسعة: الخطاء و النسيان و ما استكرهوا عليه)

كما إذا أكره الشخص بشرب الخمر أو ببيع داره مثلا

(و ما لا يعلمون و ما لا يطيقون)

كالصوم مع الهرم و المرض‏

(و ما اضطروا إليه)

كأكل الميت لسد الجوع و شرب الخمر للتداوي‏

(الخبر)

و في آخره و الطيرة و الحسد و التفكر و سنوضحها

(فإنّ حرمة شرب التتن مثلا مما لا يعلمون فهي مرفوعة عنهم و معنى رفعها كرفع)

سائر المذكورات من‏

(الخطأ و النسيان)

و غيرهما

(رفع)

تمام‏

(آثارها)

و سنبيّنها

(أو خصوص المؤاخذة)

.

29

لا شك في الحاجة إلى التقدير في سائر الفقرات و في فقرة ما لا يعملون بناء على ارادة الفعل المجهول بديهة عدم رفع نفس التسعة، و أمّا بناء على ارادة الحكم المجهول فقد يتوهم عدم الحاجة إلى التقدير، إذ نفس الحكم يمكن للشارع وضعه و رفعه و الاضطرار إلى التقدير في سائر الفقرات لا يستدعي ارتكاب خلاف ظاهر نسبة الرفع في هذه الفقرة أيضا و لزوم التفكيك في السياق ليس محذور ليقاوم الظهور المذكور، و فيه أنّ رفع الحكم رأسا باطل إذ يلزم اختصاص الحكم الواقعي للعالم و رفعه بمرتبة فعليته و تنجزه يرجع إلى رفع أثره المؤاخذي فالتقدير هنا أيضا لازم‏

(فهو كقوله- (عليه السلام)- ما حجب اللّه علمه عن العباد)

أي كل حكم لم يأمر اللّه أولياءه بتبليغه‏

(فهو موضوع)

أي آثاره أو مؤاخذته مرفوعة

(عنهم.

و يمكن أن يورد عليه بأنّ)

دلالة الحديث على البراءة في الشبهة الحكمية تتم بأن يراد بما لا يعلمون الحكم المجهول أو الأعم منه و من الفعل المجهول عنوانه إذ لو أريد خصوص الفعل اختصت بالشبهة الموضوعية و إرادتهما أي الحكم أو الأعم تتم بأن يكون المقدر هو الآثار أو الأثر إذ لو قدر المؤاخذة لا يمكن إرادة الحكم إذ لا يؤاخذ على الحكم و إنّما الحكم يؤثر في المؤاخذة على الفعل أو الترك، و كلا الأمرين أي إرادة الحكم أو الأعم و كون المقدر هو الآثار أو الأثر مخدوشان.

أمّا الأوّل إذ

(الظاهر من الموصول فيما لا يعلمون بقرينة اخواتها هو الموضوع، أعني: فعل المكلف الغير المعلوم كالفعل الذي لا يعلم أنّه شرب الخمر أو شرب الخل و غير ذلك من الشبهات الموضوعية)

و بالجملة ليس المراد بما لا يعلمون هو الأعم من الحكم و الفعل إذ الجمع بينهما في استعمال واحد تكلّف، لأنّ معنى الجهل بالحكم هو الجهل بنفس الحكم و معنى الجهل بالفعل الجهل بعنوان الفعل إذ الجهل بنفس الفعل غير معقول و كذا ليس المراد به خصوص الحكم، بل خصوص الفعل بقرينة سائر الفقرات فإنّها أفعال للإنسان حتى الخطأ و النسيان، كقتل الخطأ و الصلاة المنسية السورة و هذه العناوين و إن كانت معقولة

30

في الحكم أيضا فإنّه قد يخطأ فيه و قد ينسى و قد يضطر الشخص أو يكره إلى الحكم الباطل باعتقاده أو يحكم بحكم لا يطاق امتثاله كايجاب قصد التمييز في نية العبادة فانّه غير مقدور في مورد العلم الاجمالي إلّا أنّها منصرفة إلى الأفعال‏

(فلا يشمل الحكم الغير المعلوم)

.

و أمّا الثاني فلقوله:

(مع أنّ تقدير المؤاخذة في الرواية لا يلائم)

اختصاص الموصول للحكم و لا

(عموم الموصول للموضوع و الحكم)

بل يلائم اختصاصه بالموضوع‏

(لأنّ المقدر المؤاخذة على نفس هذه المذكورات)

أي بنحو النسبة الايقاعية كما في قولك غلام زيد لا بعنوان الأثر كما في قولك نبات المطر

(و لا معنى للمؤاخذة على نفس الحرمة المجهولة نعم هي من آثارها)

و بالجملة ستعرف أنّ المقدر ليس هو جميع الآثار و لا المؤاخذة بعنوان الأثر ليمكن إرادة الحكم، بل المؤاخذة بنحو النسبة الايقاعية و هي تعقل في الفعل دون الحكم فرفع مؤاخذة الشرب المجهول لا الحرمة المجهولة.

(فلو جعل المقدر في كل من هذه التسعة)

تمام الآثار أو

(ما هو المناسب من أثره)

و هو المؤاخذة في أكثرها و المضرة في الطيرة و الكفر في الوسوسة أو المؤاخذة في كلها

(امكن أن)

يحمل الموصول على الحكم الغير المعلوم و

(يقال أثر)

سائر الفقرات هو المؤاخذة على أنفسها و أثر

(حرمة شرب التتن مثلا المؤاخذة على فعله «شرب» فهي مرفوعة لكن الظاهر بناء على)

عدم تقدير تمام الآثار بل‏

(تقدير المؤاخذة)

فقط

(نسبة المؤاخذة إلى نفس المذكورات)

أي تقديرها بنحو النسبة الايقاعية لا بعنوان الأثر الظاهر.

(و الحاصل أنّ المقدر في الرواية باعتبار دلالة الاقتضاء)

و هي الدلالة الالتزامية اللفظية المقصودة للمتكلم من جهة أنّه لو لم يقصد تقدير شي‏ء لكذب الكلام فإنّه لو لم يقدر في الرواية شي‏ء لكذبت لأنّ نفس المذكورات لم ترفع بالضرورة

(يحتمل أن يكون جميع الآثار في كل واحد من التسعة)

كرفع العقاب‏

31

و القصاص في الجنايات الخطئية و رفع العقاب و الجلد و الرجم في الزنا بزعم الزوجية أو نسيان الطلاق إلى غير ذلك مما لا تحصى‏

(و هو الأقرب اعتبارا)

أي عقلا

(إلى المعنى الحقيقي)

أي إذا لم يمكن ارادة رفع نفس المذكورات كما هو ظاهر اللفظ فيراد الأقرب و هو رفع تمام الآثار فإنّ ما لا أثر له كالمعدوم‏

(و ان يكون في كل منها ما هو الأثر الظاهر فيه و إن يقدر المؤاخذة في الكل)

بنحو النسبة الايقاعية.

(و هذا أقرب عرفا من الأوّل)

أي تقدير المؤاخذة على نفس المذكورات أقرب في نظر العرف من تقدير جميع الآثار

(و أظهر من الثاني أيضا)

أي من تقدير المؤاخذة بعنوان أنّها الأثر الظاهر في المذكورات‏

(لأنّ الظاهر أنّ نسبة الرفع إلى مجموع التسعة على نسق واحد)

حاصله أنّه لو كان المرفوع في جميع المذكورات هو المؤاخذة على أنفسها بنحو النسبة الايقاعية يكون نسبة الرفع إلى جميع المذكورات على نسق واحد و هو ظاهر الرواية، و على هذا لا بد من حمل ما لا يعلمون على الفعل الغير المعلوم، و أمّا إن كان المرفوع فيها هو المؤاخذة بعنوان أنّها الأثر الظاهر يكون نسبة الرفع إليها متفاوتة، لأنّ الأثر الظاهر المرفوع في ثمانية من الفقرات هو المؤاخذة على أنفسها أيضا و في ما لا يعلمون بناء على ارادة الحرمة الغير المعلومة المؤاخذة على شرب التتن لا على نفس الحرمة.

و بالجملة

(فإذا أريد من الخطأ و النسيان و ما أكرهوا عليه و ما اضطروا)

إليه و ما لا يطيقون و الحسد و الوسوسة و الطيرة

(المؤاخذة على انفسها)

إذ علمت أنّ المرفوع في هذه المذكورات هو ذلك سواء كان بعنوان الأثر الظاهر أو بنحو النسب الايقاعية

(كان الظاهر فيما لا يعلمون ذلك أيضا)

و على هذا لا بد من حمل الموصول على الفعل ليصح نسبة المؤاخذة إلى نفسه‏

(نعم)

يمكن أن يستدل على ارادة تمام الآثار و صحّة حمل الموصول على الحكم بوجهين:

أوّلهما قوله:

(يظهر من بعض الأخبار الصحيحة عدم اختصاص الموضوع‏

32

عن الأمة بخصوص المؤاخذة، فعن المحاسن عن أبيه عن صفوان بن يحيى و)

عن‏

(البزنطي جميعا)

أي كلاهما رويا

(عن أبي الحسن)

الرضا

(- (عليه السلام)- في الرجل يستحلف على اليمين)

أي يكره على الحلف‏

(فحلف بالطلاق و العتاق و صدقة ما يملك)

بأن قال: إن فعلت كذا فزوجتي طالق و عبدي حر و ملكي صدقة

(أ يلزمه ذلك)

أي على تقدير مخالفة الشرط يحصل الطلاق و أخواه‏

(فقال- (عليه السلام)- لا، قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله و سلم) رفع عن أمّتي ما أكرهوا عليه و ما لا يطيقون و ما أخطئوه. الخبر. فإنّ الحلف بالطلاق و العتق و الصدقة و إن كان باطلا عندنا مع الاختيار أيضا إلّا أنّ استشهاد الإمام- (عليه السلام)- على عدم لزومها مع الاكراه على الحلف بها)

أي استشهاده- (عليه السلام)-

(بحديث الرفع شاهد على عدم اختصاصه برفع خصوص المؤاخذة)

.

حاصله: أنّ لبطلان هذه الايقاعات وجهين: أحدهما: أنّ الانشاء في العقود و الايقاعات لا بد أن يكون منجزا فيبطل مع الاشتراط. ثانيهما: الاكراه المنافي لطيب النفس، و هو- (عليه السلام)- عدل عن الوجه الأوّل و علّل البطلان بالثاني و استشهد بالنبوي، فعلم منه أنّ المرفوع في قوله (صلى اللّه عليه و آله و سلم) رفع ما استكرهوا عليه تمام الآثار، فكذا سائر المذكورات، و لعل السر هو أنّ البطلان من هذه الجهة مسلّم عند العامة أيضا

(لكن النبوي المحكي في كلام الإمام- (عليه السلام)- مختص بثلاثة من التسعة فلعل نفي جميع الآثار مختص بها فتأمّل)

فإنّ الظاهر وحدة السياق و مقتضاها رفع جميع الآثار في الكل، و على فرض كونه نبويّا آخر يصلح للقرينية للمراد من حديث الرفع.

ثانيهما قوله:

(و ممّا يؤيد ارادة العموم ظهور كون رفع كل واحد من التسعة من خواص أمّة النبي (صلى اللّه عليه و آله و سلم))

بمعنى أنّ ظاهر الرواية كون رفع كل واحد واحد من المذكورات منة للأمة، و هذا يتم إذا أريد رفع تمام الآثار

(إذ لو اختص الرفع بالمؤاخذة أشكل الأمر)

أي الاختصاص بهذه الأمة

(في كثير من تلك الأمور)

و هي‏

33

الخطاء و النسيان و ما لا يطاق و ما اضطر إليه و ما استكره عليه و ما لا يعلم‏

(من حيث إنّ العقل مستقل بقبح المؤاخذة عليها)

في جميع الأمم‏

(فلا اختصاص له)

أي لرفع مؤاخذة هذه الأمور الستة

(بأمّة النبي (صلى اللّه عليه و آله و سلم) على ما يظهر)

أي الاختصاص‏

(من الرواية و القول بأنّ الاختصاص باعتبار رفع المجموع و إن لم يكن رفع كل واحد من الخواص)

.

حاصله: أنّ المرفوع ليس هو تمام الآثار، بل خصوص المؤاخذة و رفع المؤاخذة في ستة منها ليس من خواص الأمّة إلّا أنّه لما كان رفع مؤاخذة ثلاثة منها من الخواص صح جعل رفع مؤاخذة المجموع من حيث المجموع من الخواص بملاحظة الثلاثة الأخيرة

(شطط من الكلام)

أي كلام بعيد عن الحق إذ لا معنى لضم الخواص بغير الخواص و جعل المجموع من الخواص باعتبار الخواص.

(لكن الذي يهون الأمر)

أي يسهل الاشكال‏

(في الرواية)

و هو استقلال العقل بقبح المؤاخذة في المذكورات فلا يكون رفعها منة لهذه الأمة

(جريان هذا الاشكال في الكتاب العزيز أيضا فإنّ موارد الاشكال فيها «رواية» و هي الخطاء و النسيان و ما لا يطاق و ما اضطروا إليه هي بعينها ما استوهبها)

أي طلب عفوها

(النبي (صلى اللّه عليه و آله و سلم) من ربّه جل ذكره ليلة المعراج)

.

حاصله: أنّا أوردنا على الرواية بأنّه لو اختص الرفع بالمؤاخذة لا يكون رفعها في الأكثر منّة للأمّة إلّا أنّ هذا الاشكال غير مختص بالرواية، لأنّ النبي (صلى اللّه عليه و آله و سلم) استوهب عن اللّه تعالى مؤاخذة هذه الأمور فيرد على الآية أيضا بأنّ هذه الأمور لا مؤاخذة عليها عقلا فلا وجه للاستيهاب، و بالجملة المصحح لاستيهابها هو المصحح لكون رفعها منّة، و لا يخفى أنّ موارد الاشكال هي الستة دون الأربعة فقط، و لا يخفى أيضا أنّ مؤاخذة ما اضطر إليه ليست ممّا استوهبها النبي (صلى اللّه عليه و آله و سلم)

(على ما حكاه اللّه تعالى عنه (صلى اللّه عليه و آله و سلم) في القرآن:

رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا رَبَّنا وَ لا تَحْمِلْ عَلَيْنا إِصْراً

)

أي لا تورد علينا الشدائد من الجوع و غيره من البلايا كَما

34

حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنا رَبَّنا وَ لا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ‏ أي ما لا نطيقه.

(و الذي يحسم أصل الاشكال)

أي يقلع أساسه من الرواية و الآية

(منع استقلال العقل بقبح المؤاخذة على هذه الأمور بقول مطلق)

بمعنى أنّ المؤاخذة قد تكون قبيحة عقلا، كالمؤاخذة على ما لا يعلمون مع عدم امكان الاحتياط كما في الغافل و الجاهل المركب أو البسيط المتردد بين المحذورين و كالمؤاخذة على الخاطئ و الناسي مع كمال التحفّظ، و كالمؤاخذة على ما لا يطاق من دون قصور فيه، و قد لا تكون قبيحة كما قال‏

(فإنّ الخطأ و النسيان الصادرين من ترك التحفّظ لا يقبح المؤاخذة عليهما و كذا)

لا يقبح‏

(المؤاخذة على ما لا يعلمون مع امكان الاحتياط)

و ايجابه‏

(و كذا)

لا يقبح‏

(في التكليف الشاق الناشئ عن اختيار المكلف)

كالعجز عن اتمام الصوم لترك أكل السحور، و كذا لا يقبح على ما أكره عليه إذ ليس المراد منه الفعل الصادر عن اجبار بحيث يرتفع الاختيار، بل المراد به الفعل الصادر اختيارا خوفا من شر المكره بالكسر، و كذا لا يقبح على ما اضطر إليه إذ ليس المراد منه ما خرج عن الاختيار، بل ما يختاره الفاعل لضرورة داعية إليه من سد الجوع و نحوه، و كذا لا يقبح على الطيرة و الحسد و الوسوسة لامكان معالجتها بتذكية النفس.

قوله:

(و المراد بما لا يطاق في الرواية هو ما لا يتحمل في العادة لا ما لا يقدر عليه أصلا كالطيران في الهواء)

اشارة إلى توجيه آخر و هو أنّ المراد من ما لا يطاق هو الأعم من الممتنع فيقبح المؤاخذة عليه إن لم يكن بسوء الاختيار و من الممكن مع حرج، فلا يقبح المؤاخذة عليه مطلقا

(و أمّا)

المراد من ما لا طاقة لنا به الذي استوهبه النبي (صلى اللّه عليه و آله و سلم)

(في الآية فلا يبعد أن يراد به العذاب و العقوبة)

الأخروية لا التكليف الشاق‏

(فمعنى‏

لا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ‏

لا تورد علينا ما لا نطيقه من العقوبة.

و بالجملة فتأييد ارادة رفع جميع الآثار بلزوم الاشكال على تقدير

35

الاختصاص برفع المؤاخذة ضعيف جدا)

إذ علمت أنّه لا تقبح المؤاخذة عليها عقلا، و حينئذ لا مانع من ارادة نفي خصوص المؤاخذة، لأنّ رفعها في كل واحد من التسعة منة مختصّة بالأمّة فلا حاجة إلى تقدير جميع الآثار. قوله:

(و أضعف منه «تأييد» وهن ارادة العموم بلزوم كثرة الاضمار)

لما ذكر مؤيدين لارادة نفي جميع الآثار و ضعّف المؤيد الثاني شرع في ذكر موهنات ثلاث لارادة نفي جميع الآثار و ضعف الجميع.

أوّلها: أنّ إرادة نفي جميع الآثار يحتاج إلى كثرة الاضمار بأن يقدر رفع المؤاخذة و القصاص و الجلد و الرجم و الحد و الكفارة و القضاء و حصول النقل و الانتقال الخ في موارد الخطاء و النسيان الخ‏

(و قلة الاضمار أولى)

بأن يقدر المؤاخذة فقط

(و هو كما ترى)

لأنّ ارادة رفع جميع الآثار أيضا يحصل بتقدير لفظ واحد و هو كلمة الآثار

(و إن ذكره بعض الفحول «علامة» و لعله)

لم يقصد من لزوم كثرة الاضمار كثرته من حيث اللفظ بل من حيث المعنى أى‏

(أراد بذلك أنّ المتيقن رفع المؤاخذة و رفع ما عداه يحتاج إلى دليل قطعي)

و ما تقدم من المؤيدين لارادة نفي جميع الآثار لا يوجبان القطع.

(و فيه: أنّه «شأن» إنّما يحسن الرجوع إليه «متيقن» بعد الاعتراف بإجمال الرواية لا لاثبات ظهورها في رفع المؤاخذة)

حاصله: أنّ كون رفع المؤاخذة قدرا متيقنا لا ينفع دليلا لاثبات ظهور الرواية في رفع المؤاخذة و إنّما ينفع في الرجوع إليها بعد اجمال الرواية، أي فائدة كونه متيقنا هي أنّه لو قلنا باجمال الرواية لا بد أن نأخذ بالمتيقن كما هو القاعدة و الفرق بين كون الرواية ظاهرة في رفع المؤاخذة و بين كونها مجملة و كون رفع المؤاخذة متيقنا هو أنّه على الأوّل يحكم بأنّ المراد من الموصول فيما لا يعلمون هو الفعل كما مر و على الثاني لا.

ثانيها: قوله‏

(إلّا أن يراد اثبات ظهورها)

في رفع المؤاخذة

(من حيث إنّ حملها على خصوص المؤاخذة يوجب عدم التخصيص في عموم الأدلة المثبتة لآثار

36

تلك الأمور و حملها على العموم يوجب التخصيص فيها)

حاصله: أنّ هناك عمومات و إطلاقات لا تحصى مثبتة للآثار و الأحكام على نحو يشمل: صورة العمد و الخطاء، و الذكر و النسيان، و الاختيار و الاضطرار، و العلم و الجهل، و طيب النفس و الإكراه، و الطاقة، و عدم الطاقة، كعمومات العقابات و القصاصات و الحدود و الكفارات و قضاء ما فات في أبواب الجنايات و ارتكاب المحرّمات و فوات الواجبات الخ، و حينئذ فإن كان المرفوع خصوص المؤاخذة فحديث الرفع يخصص عمومات المؤاخذة فقط و إن كان جميع الآثار فيخصص عمومات جميع الآثار.

و حينئذ

(فعموم تلك الأدلة مبيّن لتلك الرواية)

أي أصالة العموم و الاطلاق في الأدلة المثبتة للأحكام و الآثار تكون قرينة موجبة لظهور هذه الرواية في رفع المؤاخذة فقط

(فإن المخصص إذا كان مجملا من جهة تردّده بين ما يوجب كثرة الخارج و بين ما يوجب قلّته)

فإن كان متصلا يسري إجماله إلى العام، و إن كان منفصلا كهذه الرواية المحتمل فيها تقدير المؤاخذة فيقل التخصيص و تقدير جميع الآثار فيكثر

(كان عموم العام)

أي أصالة العموم‏

(بالنسبة إلى التخصيص المشكوك فيه مبيّنا لاجماله)

سواء حصل الترديد بالنسبة إلى عام واحد أو عمومات متعددة كما فيما نحن فيه‏

(فتأمل)

فإنّ ظهور العام في العموم لا يرفع اجمال المخصص، بل هو يبقى على إجماله فيحمل على ارادة المؤاخذة من باب أنّها المتيقن لا من باب الظهور و مر الفرق.

ثالثها: قوله:

(و أضعف من الوهن المذكور وهن العموم بلزوم التخصيص بكثير من الآثار، بل أكثرها)

حاصله: أنّه لو كان المراد رفع جميع الآثار فتكون نفس هذه الرواية موردا للتخصيص الكثير

(حيث إنّها لا ترتفع بالخطاء و النسيان و اخواتهما)

كسجدتي السهو عند نسيان الجزء، و الدية عند قتل الخطاء، و صلاة الاحتياط عند الشك في الركعات الخ‏

(و هو)

أي توهم كون حديث الرفع موردا

37

للتخصيص الكثير

(ناش عن عدم تحصيل معنى الرواية كما هو حقه.

فاعلم أنّه إذا بنينا على عموم الآثار)

فلا تشمل الرواية أربعة أصناف من الآثار، أحدها: ما أشار إليه بقوله:

(فليس المراد بها الآثار المترتبة على هذه العنوانات من حيث هي)

بمعنى أنّ الشارع جعل لنفس هذه العناوين آثارا مخصوصة، فجعل سجدة السهو أثرا للنسيان، و الدية أثرا للخطإ في القتل، و هكذا، و رفع هذه الآثار بهذا الحديث موجب للتناقض، لأنّ الشرع إذا حكم بأنّ في النسيان سجودا و في القتل خطاء دية الخ، فلو حكم أيضا بارتفاع هذا الأثر عند النسيان و عند الخطاء إلخ يلزم التناقض كما قال‏

(إذ لا يعقل رفع الآثار الشرعية المترتبة على الخطاء و السهو من حيث هذين العنوانين، كوجوب الكفارة المترتب على القتل الخطأ و وجوب سجدتي السهو المترتب على نسيان بعض الأجزاء)

.

ثانيها: ما أشار إليه بقوله:

(و ليس المراد أيضا رفع الآثار المترتبة على الشي‏ء بوصف عدم)

هذه العناوين أي عدم‏

(الخطاء)

و عدم النسيان الخ‏

(مثل قوله من تعمد الافطار فعليه كذا)

و قوله: من قتل مؤمنا متعمدا فعليه القصاص الخ‏

(لأن هذا الأثر)

و نحوه‏

(يرتفع بنفسه في صورة الخطاء)

و النسيان و نحوهما، لانتفاء الموضوع و لا حاجة في رفعه إلى التمسك بحديث الرفع، لا بمعنى أنّ حديث الرفع لا يشمل هذا الصنف من الأثر، كيف و هذا الصنف من الأدلة المثبتة للآثار المقيدة بالعمد و نحوه كلّها ناظرة إلى حديث الرفع و ناشئة منه كما سنوضحه.

(بل المراد أنّ الآثار المترتبة على نفس الفعل لا بشرط الخطاء و العمد)

و لا بشرط النسيان و الذكر و لا بشرط الجهل و العلم و لا بشرط الاختيار و عدمه‏

(قد رفعها الشارع عن ذلك الفعل إذا صدر عن خطاء)

أو نسيان الخ نحو: السَّارِقُ وَ السَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا و الزَّانِيَةُ وَ الزَّانِي فَاجْلِدُوا و غير ذلك فحديث الرفع مخصّص لهذا النحو من الأدلة المثبتة للآثار بنحو الاطلاق على الظاهر.

38

ثالثها: ما أشار إليه بقوله:

(ثم المراد بالآثار هي الآثار المجعولة الشرعية التي وضعها الشارع)

من الضمانات و الكفارات و الحدود و نحوها

(لأنّها القابلة للارتفاع برفعه و أما ما لم يكن بجعله من الآثار العقلية)

كترك أحد الضدين عند فعل الضد الآخر، كترك الصلاة في حال النوم‏

(و العادية)

كالسكر عند شرب الخمر

(فلا تدل الرواية على رفعها)

فمن اضطر إلى النوم مثلا لا يرتفع عنه أثره العقلي، أعني: ترك الصلاة، و من شرب الخمر جاهلا لا يرتفع عنه أثره العادي، أعني: السكر، لأنّهما ليسا من الأحكام التي كان رفعها و وضعها بيد الشارع.

(و لا رفع الآثار المجعولة المترتبة عليها)

أي على الآثار العقلية و العادية كما إذا نذر اعطاء درهم للفقير عند ترك الصلاة أو الابتلاء بالسكر، فإذا لم يرتفع عند النوم اضطرارا أو شرب الخمر جهلا الأثر العقلي و العادي، أعني: ترك الصلاة و الابتلاء بالسكر، فلا يرتفع أثرهما الشرعي أيضا، أعني: وجوب الدرهم لعدم انفكاك الأثر عن المؤثر

(ثم المراد بالرفع ما يشمل عدم التكليف مع قيام المقتضى له فيعم)

الرفع‏

(الدفع)

قوله‏

(و لو)

اشارة إلى أنّ الدفع كما يحصل بعدم ايجاب الاحتياط في ما لا يعملون و بعدم ايجاب التحفظ في الخطأ و النسيان كذلك يحصل‏

(بأن يوجه التكليف على وجه يختص بالعامد)

.

أقول: لا شك في أنّ النبوي اخبار عن عدم جعل التكليف رأسا في موارد الخطأ و النسيان و الاكراه و عدم الطاقة و الاضطرار و الحسد و الطيرة و الوسوسة و اخبار عن عدم التنجّز في ما لا يعملون و التعبير بالرفع الظاهر في نفي الشي‏ء بعد ثبوته لعله بملاحظة شمول أدلة التكاليف و الآثار للعناوين المذكورة في الرواية و ما يقابلها إلّا أنّ من المعلوم أنّ هذه الملاحظة لا تصح في ثلاثة موارد: أحدها:

موارد عدم العلم لأنّ الدليل فيها منتف رأسا في الشبهة الحكمية دون الموضوعية، ثانيها: موارد الخطاء و النسيان فإنّ التكليف على الناسي و الخاطئ قبيح عقلا فالأدلة الشاملة ظاهرا للناسي و الخاطئ مختصة بالقرينة العقلية بالذاكر و العامد،

39

ثالثها: ما إذا قال مثلا من تعمد الافطار فعليه كذا و فرض وجود المقتضى لثبوته حال النسيان أيضا فإنّ التخصيص بالعامد حينئذ يكون بملاحظة قوله (صلى اللّه عليه و آله و سلم) رفع النسيان فحصل الرفع بإلقاء الخطاب مختصّا بالعامد و هذا دفع لا رفع فلا بد من حمل الرفع على الأعم ليشمل هذه الموارد

(و سيجي‏ء بيانه)

أي عدم التكليف مع وجود المقتضى.

(فإن قلت على ما ذكرت يخرج أثر التكليف فيما لا يعلمون عن مورد الرواية لأنّ استحقاق العقاب أثر عقلي له «تكليف» مع أنّه «استحقاق» متفرّع على المخالفة بقيد العمد إذ مناطه «استحقاق» أعني: المعصية، لا يتحقق إلّا بذلك)

و بالجملة مقتضى ما ذكر من أنّ المرفوع هو الأثر الشرعي الثابت بلا قيد العمد و نحوه عدم ارتفاع مثل استحقاق المؤاخذة، لأنّه أثر عقلي للتكاليف الموجودة في موارد التسعة مضافا إلى أنّه مقيد بالمخالفة عمدا إذ بها يتحقق العصيان، و الحال أنّ رفعه متيقن و منّة للأمّة

(و أمّا نفس المؤاخذة فليس من الآثار المجعولة الشرعية)

و إنّما هي فعل خارجي قابل للأعمال و العفو.

(و الحاصل أنّه ليس فيما)

نحن فيه، أعني: قوله ما

(لا يعلمون أثر مجعول من الشارع مترتب على الفعل لا بقيد العمد و الجهل حتى يحكم الشارع بارتفاعه مع الجهل)

لا يخفى أنّ الأثر الشرعي المترتب على الحكم الشرعي كثير، مثلا انتفاء شي‏ء ممّا اعتبره الشرع في التذكية أثره حرمة الأكل فإذا كان الانتفاء لعدم العلم باعتباره ارتفع أثره الشرعي، أعني: حرمة الأكل، و أثر وجوب صلاة في وقت حرمة النافلة في وقتها، فإذا لم يعلم بوجوبها ارتفعت حرمة النافلة.

(قلت: قد عرفت أنّ المراد برفع)

المؤاخذة رفع الاحتياط، أي عدم ايجابه، فالمراد برفع‏

(التكليف عدم توجيهه إلى المكلّف مع قيام المقتضى له سواء كان هناك دليل يثبته لو لا الرفع)

نحو حرم عليكم الميتة فإنّه شامل بحسب الظاهر للمختار و المضطر، و نحو الحسد يأكل الإيمان كما تأكل النار الحطب فإنّه شامل‏

40

بحسب الظاهر لمن أظهر الحسد و من لم يظهره، و الحاصل: أنّ المفسدة الواقعية تقتضي تحريم الميتة حتى على المضطر و تحريم الحسد حتى على من لا يظهره، و ظاهر الدليل أيضا مطلق لو لا حديث الرفع إلّا أنّه تعالى منّ علينا في تسهيل الأمر فرفع التكليف أي لم يوجه تحريم الميتة إلى المضطر و لم يوجه تحريم الحسد على من لا يظهره مع وجود مقتضى التحريم‏

(أم لا)

نحو من تعمد الإفطار فعليه كذا فانّه ليس بحيث يثبت وجوب الصوم و الكفّارة على غير القادر لو لا حديث الرفع و الحاصل أنّ المصلحة الواقعية تقتضي ايجاب الصوم و الكفّارة حتى على من شق عليه الصوم إلّا أنّه تعالى منّ علينا بتسهيل الأمر فرفع وجوبه أي لم يوجه وجوبه عليه، بل خص وجوبه من الأوّل بالعامد فالرفع هنا نظير رفع الحرج في الشريعة.

(و حينئذ)

أي إذا كان رفع الأثر برفع التكليف بمعنى عدم توجّهه مع وجود المقتضى الخ‏

(فإذا فرضنا انّه لا يقبح في العقل أن يوجه التكليف بشرب الخمر على وجه يشمل صورة الشك فيه)

بمعنى أنّ المفسدة الواقعية تقتضي تحريم الخمر على الشاك أيضا بواسطة ايجاب الاحتياط مع امكان الاحتياط و لا قبح فيه أبدا و إنّما القبيح هو توجه التحريم عليه من دون ايجاب الاحتياط أو من دون امكان الاحتياط، لأنّه تكليف بلا بيان و تكليف بما لا يطاق. و بالجملة منّ اللّه علينا في تسهيل الأمر

(فلم يفعل)

أي لم يوجه تحريمه إليه‏

(و لم يوجب تحصيل العلم)

بالواقع‏

(و لو بالاحتياط)

قوله:

(و وجه التكليف على وجه يختص بالعالم تسهيلا على المكلف)

لأنّه إذا لم يقم دليل على وجوب الاحتياط فيختص تحريم الخمر بالعالم و إن كان ظاهر قوله تعالى: إِنَّمَا الْخَمْرُ وَ الْمَيْسِرُ ... الخ شاملا للجاهل أيضا. و بالجملة عدم ايجاب الاحتياط الموجب لتحريم الخمر على الشاك مع وجود المقتضى‏

(كفى في صدق الرفع)

كما أنّ عدم إيجاب الصوم و الكفّارة على غير المتعمد، كالعاجز مع وجود المقتضى كاف في صدق الرفع.

(و هكذا الكلام في الخطاء و النسيان)

أي لا يقبح عقلا تحريم الخمر على‏

41

الناسي و الخاطئ إذا أمكن التحفظ بمعنى أنّ المفسدة الواقعية تقتضي تحريم الخمر على الناسي و الخاطئ بواسطة إيجاب التحفظ مع إمكانه و لا قبح في ذلك أصلا و إنّما القبيح توجه التحريم إليهما من دون إيجاب التحفظ أو من دون إمكانه كما يأتي فمنّ اللّه تعالى لنا بتسهيل الأمر فرفع تحريمه، أي لم يوجه حرمته إليهما و لا يحتاج صدق الرفع إلى توجه التكليف أوّلا إلى الكل و لو بوسيلة إيجاب التحفظ ثم رفعه عن الناسي و الخاطئ و الشاك، بل يكفي في صدق الرفع عدم توجه التكليف بوسيلة إيجاب التحفظ و الاحتياط مع وجود المقتضى.

و بالجملة

(فلا يشترط في تحقق الرفع وجود دليل يثبت التكليف في حال العمد و غيره)

ثمّ لا يخفى أنّ المراد من عدم توجّه التكليف من الأوّل هو أنّ الشارع لم يوجب التحفظ الموجب لتوجّه التكليف و إلّا فظاهر قوله تعالى مثلا:

إِنَّمَا الْخَمْرُ وَ الْمَيْسِرُ الخ شامل للكل‏

(نعم لو قبح عقلا المؤاخذة على الترك)

أي مخالفة التكليف‏

(كما في الغافل)

و الجاهل المركب‏

(الغير المتمكن من الاحتياط)

و كالناسي و الخاطئ الغير المتمكن من التحفظ

(لم يكن في حقه رفع أصلا)

لا بمعنى زوال الشي‏ء بعد ثبوته و لا بمعنى عدم توجه التكليف مع وجود المقتضى.

و بالجملة حديث الرفع أجنبي عن هذا الشخص لعدم اقتضاء المفسدة الواقعية توجه التكليف إلى الجاهل و الناسي و الخاطئ مع عدم امكان الاحتياط و التحفظ كما قال‏

(إذ ليس من شأنه أن يوجه التكليف إليه و حينئذ)

أي إذا اقتضى المفسدة الواقعية توجه التكليف على الجاهل و الناسي و الخاطئ بوسيلة ايجاب التحفظ و الاحتياط و كان ذلك كافيا في صدق الرفع و إن لم يقم دليل على وجوب التحفظ.

(فنقول معنى رفع أثر «مؤاخذة» التحريم فيما لا يعلمون عدم)

توجه التحريم بوسيلة

(إيجاب الاحتياط و التحفظ فيه حتى يلزمه ترتب العقاب إذا

42

أفضى ترك)

الاحتياط و

(التحفظ إلى الوقوع في الحرام الواقعي و كذلك الكلام في رفع أثر «مؤاخذة» النسيان و الخطاء فإن مرجعه إلى عدم)

توجه التكليف بوسيلة

(ايجاب التحفظ عليه)

حتى يلزم ترتب العقاب على المخالفة

(و إلّا)

أي و إن لم يكن معنى الرفع ذلك، بل كان معناه رفع التكليف بعد ثبوته‏

(فليس في التكاليف ما يعم صورة النسيان)

و الخطأ لأنّ عمومها إياها موقوف على قيام الدليل على وجوب التحفظ و الاحتياط

(لقبح تكليف الغافل و الحاصل أنّ المرتفع فيما لا يعلمون و أشباهه ممّا لا يشمله أدلة التكليف)

إلّا بمعاونة إيجاب التحفظ و الاحتياط

(هو)

توجه التكليف بوسيلة

(إيجاب التحفظ على وجه لا يقع في مخالفة الحرام الواقعي و يلزمه «رفع» ارتفاع العقاب و استحقاقه فالمرتفع أوّلا و بالذات أمر مجعول)

و هو توجه التكليف بوسيلة إيجاب الاحتياط

(و يترتب عليه ارتفاع أمر غير مجعول.

و نظير ذلك)

الاشكال، أعني: أنّ الحديث لا يشمل الأثر العقلي و لا الشرعي المترتب عليه‏

(ما ربما يقال في رد من تمسك على عدم وجوب الاعادة على من صلّى في النجاسة ناسيا)

أي تمسك‏

(بعموم حديث الرفع)

حاصله: أنّ بعضهم لم يوجب إعادة الصلاة المنسي شرطها أو جزئها تمسّكا بحديث الرفع و ردّه آخرون بما مر

(من أنّ وجوب الإعادة و إن كان)

أثرا

(شرعيا إلّا)

أن بينه و بين نسيان الجزء و الشرط واسطة عقلية بمعنى‏

(أنّه مترتب على)

البطلان أي‏

(مخالفة المأتى به للمأمور به الموجبة لبقاء الأمر الأوّل و هي «مخالفة» ليست من الآثار الشرعية للنسيان)

للجزء و الشرط، بل من الآثار العقلية له‏

(و قد تقدم أنّ الرواية لا تدل على رفع الآثار الغير المجعولة)

للشرع كالبطلان‏

(و لا الآثار الشرعية المترتبة عليها هنا كوجوب الإعادة فيما نحن فيه)

المترتب على البطلان المترتب على ترك الجزء و الشرط.

(و يردّه ما تقدم في نظيره من أنّ الرفع راجع هنا إلى)

أمر مجعول، أعني:

(شرطية طهارة اللباس بالنسبة إلى الناسي فيقال بحكم حديث الرفع أنّ شرطية

43

الطهارة شرعا مختصة بحال الذكر)

و لم تجعل شرطا للناسي. و بالجملة دفع الشرطية مع وجود المقتضى لها فدفع البطلان كما قال‏

(فيصير صلاة الناسي في النجاسة مطابقا للمأمور به فلا يجب الإعادة و كذلك الكلام في الجزء المنسي فتأمل)

لأنّ الجزئية و الشرطية ليستا عنده من المجعولات المستقلة حتى تقبلا الارتفاع، بل منتزعتان من الأمر بالمركب المشتمل على الجزء و الشرط. إن قلت: فيرتفع عن الناسي نفس الأمر بالمركب المشتمل عليهما. قلت: نعم إلّا أنّه لا يوجب كون الناقص مأمورا به في حقه حتى لا يجب الاعادة.

لا تغفل أيها الأخ انّا قد ذكرنا أنّ الحديث لا يشمل أربعة أصناف من الآثار و ذكرنا ثلاثة منها فبقي الرابع فشرع فيه، و قال:

(و اعلم أيضا انّه)

لو كان المرفوع في هذه التسعة خصوص المؤاخذة أو الأثر المناسب فهو، و أمّا

(لو حكمنا بعموم الرفع لجميع الآثار فلا يبعد اختصاصه «رفع» بما)

أي بالأثر الذي‏

(لا يكون في رفعه ما)

أي اضرار، الآخر فإنّه‏

(ينافي الامتنان على الأمّة)

.

و بالجملة الرواية واردة في مقام الامتنان فتختص بالرفع الذي هو منة لهم و لا يشمل الرفع الذي هو خلاف المنة

(كما إذا استلزم)

رفع الأثر عن مسلم‏

(اضرار المسلم)

الآخر

(فاتلاف المال المحترم)

و هو غير الخمر و الخنزير و نحوهما

(نسيانا)

أي ناسيا بأنّه للغير أو اضطرارا لأجل سد الجوع مثلا

(أو خطاء)

بأن اشتبه مال الغير بماله‏

(لا يرتفع معه الضمان)

الذي هو أثر اتلاف مال الغير و أمّا اتلافه باكراه و اجبار من الغير فسنبيّنه.

(و كذلك)

أي نظير الاتلاف‏

(الاضرار بمسلم لدفع الضرر عن نفسه)

فإذا طلب العدو مالا من زيد فأخذ زيد المال من عمرو و أدّاه لعدوه فارتكب الحرام و يكون المال مضمونا عليه و دفع الظلم و إن كان نوعا من الاضطرار إلّا أنّه‏

(لا يدخل في عموم)

قوله (صلى اللّه عليه و آله و سلم) رفع أثر

(ما اضطروا إليه إذ لا امتنان في رفع الأثر عن الفاعل)

المضطر و هو الذي دفع الضرر عن نفسه‏

(باضرار الغير)

و بالجملة رفع‏

44

الضمان عن المضطر بواسطة ادخال الضرر على الغير ليس بمنّة

(فليس الاضرار بالغير)

لأجل الاضطرار

(نظير سائر المحرّمات الالهية)

كأكل الميتة و الدم‏

(المسوغة)

بصيغة المفعول‏

(لدفع الضرر)

.

قوله:

(و أمّا ورود الصحيحة المتقدمة عن المحاسن في مورد حق الناس، أعني: العتق و الصدقة)

حاصل الاشكال: أنّك تحكم بأنّ النبوي لا يدل على رفع الأثر إذا كان فيه اضرار بالغير و الحال أنّ الإمام- (عليه السلام)- تمسك به في مورد الاضرار بالغير حيث حكم عند استكراه الرجل على الحلف بالطلاق و العتاق و صدقة ما يملك بأنّه لا أثر لهذه الأمور لقوله (صلى اللّه عليه و آله و سلم) رفع ما استكرهوا و معلوم أنّ رفع أثر هذا العتق و التصدق اضرار على العبد و الفقراء و جوابه قوله:

(فرفع أثر الاكراه عن الحالف)

أي عدم ترتب الأثر على هذا العتق و التصدق‏

(يوجب فوات نفع على)

العبد

(المعتق و الفقراء لا اضرارا بهم)

فالرفع لا ينافي المنّة

(و كذلك)

أي نظير رفع أثر الاكراه عن الحالف‏

(رفع أثر الاكراه عن المكره «بالفتح» فيما إذا تعلّق)

الاكراه‏

(باضرار مسلم)

فإذا أكره زيد عمرا بأخذ مال من بكر فأخذه يدخل في عموم رفع ما استكرهوا فلا مؤاخذة و لا ضمان على عمرو لأنّ هذا الرفع‏

(من باب عدم وجوب تحمل الضرر لدفع الضرر عن الغير)

إلّا في القتل و الارتداد

(و لا ينافي)

الرفع هنا

(الامتنان.

و ليس من باب الاضرار على الغير لدفع الضرر عن النفس لينافي ترخيصه «اضرار» الامتنان على العباد)

و الوجه في ذلك أي في كونه من باب عدم تحمّل الضرر لا من باب الاضرار هو قوله:

(فإنّ الضرر)

في باب الاكراه‏

(أوّلا و بالذات متوجه على الغير بمقتضى ارادة المكره بالكسر لا على المكره بالفتح)

بمعنى أنّ ارادة زيد تعلق هنا بالذات على اضرار بكر دون عمرو فالسبب أقوى بخلاف باب الاضرار بالغير لدفع الضرر عن النفس فانّه بالعكس فالمباشر أقوى فتلخص انّ رفع الأثر إذا كان من الإضرار، كمثال الاتلاف و دفع الضرر، فلا يدل عليه‏

45

النبوي لمنافاته الامتنان، و إذا كان من باب تفويت النفع أو من باب عدم تحمل الضرر فيدل عليه النبوي و لا ينافي الامتنان‏

(فافهم)

فإنّه لا يبعد ضمان المكره بالفتح بأن يكون بكر مخيرا في الرجوع إلى عمرو أو زيد فإن رجع إلى عمرو فله أيضا حق الرجوع إلى زيد و أيضا لا يبعد وجوب تحمل الضرر إذا أمكن دفع الضرر القوي عن الغير بادخال الضرر اليسير على نفسه.

(بقي في المقام)

أي في مقام الاستدلال بالنبوي على البراءة

(شي‏ء و إن لم يكن مربوطا به «مقام»)

أي خارج عن عنوان الاستدلال به على البراءة

(و هو أنّ النبوي المذكور مشتمل على ذكر الطيرة و الحسد و التفكر في الوسوسة في الخلق ما لم ينطق الانسان بشفته و ظاهره «نبوي» رفع المؤاخذة على)

مطلق‏

(الحسد)

أي سواء ظهر أثره باللسان و اليد أم لا لاطلاق لفظ الحسد في النبوي، فالمعنى أنّ الحسد كان حراما اقتضاء أو في الأمم السابقة مطلقا و ارتفعت حرمته عن هذه الأمة مطلقا أو ارتفع عقابه مع بقاء حرمته كما في الظهار و نية السوء و سائر المحرمات المعفوة

(مع مخالفته)

أي ظاهر النبوي‏

(لظاهر)

الآيات و

(الأخبار الكثيرة)

الدالة على الحرمة و المؤاخذة مطلقا.

(و يمكن)

رفع التعارض بحمل الأخبار الدالة على الحرمة على صورة اظهار الحاسد أثره باللسان و اليد و

(حمله «نبوي» على ما لم يظهر الحاسد أثره باللسان أو غيره بجعل)

أي حمله عليه إنّما هو بملاحظة جعل‏

(عدم النطق باللسان قيدا له أيضا)

بمعنى أنّ لفظ الحسد في النبوي ليس بمطلق، بل قوله (صلى اللّه عليه و آله و سلم) ما لم ينطق بشفته قيد له و للتفكر معا و المعنى أنّ الحسد كان حراما مطلقا فارتفع عن هذه الأمة حرمة الحسد المجرد أو عقابه.

(و يؤيده)

أي كون عدم النطق قيدا للحسد أيضا

(تأخير الحسد عن الكل في مرفوعة الهندي)

و وجه تمسكهم في المقام برواية الصدوق دون الهندي أنّ الأولى نقلت بسند صحيح و الثانية مرفوعة

(عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- المروية في آخر

46

أبواب الكفر و الإيمان من أصول الكافي قال- (عليه السلام)-: قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله و سلم): وضع عن أمتي تسعة أشياء الخطاء و النسيان و ما لا يعلمون و ما لا يطيقون و ما اضطروا إليه و ما استكرهوا عليه و الطيرة و الوسوسة في التفكر في الخلق و الحسد ما لم يظهر بلسان أو بيد. الحديث)

وجه التأييد أنّ النبوي الذي نقله الصدوق في الخصال و التوحيد متحد المعنى مع النبوي الذي رفعه الهندي و الحسد فيه مقيد بعدم النطق قطعا لمقارنته به لفظا فكذا في رواية الصدوق‏

(و لعل الاقتصار في النبوي الأوّل على قوله ما لم ينطق لكونه أدنى مراتب الاظهار)

حاصل الاشكال: أنّ عدم النطق بالشفة في رواية الصدوق قيد التفكر فقط، إذ لو كان قيدا للحسد أيضا لقال: ما لم يظهر بلسان أو يد، لأنّ أثر الحسد يظهر باليد أيضا، و جوابه: أنّه بيان لأدنى مراتب الاظهار فيعلم الأعلى بالفحوى.

(و)

يؤيده أيضا أنّه‏

(روى ثلاثة لا يسلم منهم أحد الطيرة و الحسد و)

سوء

(الظن، قيل: فما نصنع، قال: إذا تطيّرت فامض، و إذا حسدت فلا تبغ، و إذا ظننت فلا تحقق، و البغي عبارة عن استعمال الحسد)

وجه التأييد أنّه- (عليه السلام)- نهى عن استعمال الحسد فيستفاد منه أنّ الحسد المرفوع حرمته هو ما لم يظهر أثره‏

(و سيأتي في رواية الخصال)

ثلاثة لم ينج منها نبي فمن دونه التفكر في الوسوسة في الخلق و الطيرة و الحسد إلّا

(أنّ المؤمن لا يستعمل حسده)

لا يخفى أنّ هذا سهو من قلمه الشريف لأنّه لم ينقل فيما يأتي هذه الرواية، بل نقل عن الخصال رواية أخرى و نقل تفسير الصدوق إيّاها، فانتظر.

(و لأجل ذلك عدّ في الدروس من الكبائر في باب الشهادة اظهار الحسد لا نفسه)

لا يخفى أنّ في عباراتهم مسامحة، إذ مقصودهم أنّ نفس الحسد من الكبائر إذا ظهر أثره بخلاف الحسد الغير الظاهر فإنّه مرفوع، و أمّا عنوان الاظهار فهو حرام من باب الايذاء و الغيبة

(و في الشرائع أنّ الحسد)

المجرد

(معصية)

صغيرة ارتفعت عن الأمّة

(و كذا الظن بالمؤمن و التظاهر بذلك)

الحسد، و الظن كبيرة

(قادح‏

47

في العدالة، و الانصاف أنّ في كثير من أخبار الحسد اشارة إلى ذلك)

التظاهر.

(و أمّا الطيرة- بفتح الياء- و قد يسكن فهي في الأصل)

أي في اللغة خصوص‏

(التشأم)

و هو ضد التيمّن‏

(بالطير)

ثم صار بالغلبة اسما لمطلق التشأم بالطير كان، أو بوقوع الصيد في مسير المسافر أو بغيرهما

(لأنّ أكثر تشأم العرب كان به)

«طير» خصوصا الغراب، و المراد إمّا رفع المؤاخذة عليها بمعنى أنّها كانت محرّمة اقتضاء، أو في الأمم السابقة، فارتفعت حرمتها أو عقابها عن هذه الأمّة

(و يؤيده)

أي كونها من المحرّمات و إن ارتفعت عن هذه الأمّة

(ما روي من أنّ الطيرة شرك)

لأنّ المتطيّر يعتقد بأنّ ما يتطيّر به مؤثّر في الشر

(و إنّما يذهبه «شرك» التوكل، و أمّا رفع أثرها لأنّ الطير كان يصدّهم عن مقاصدهم فنفاه الشرع)

بمعنى أنّها لم تكن محرّمة حتى ترتفع حرمتها عن هذه الأمة، إلّا أنّ الناس يمتنعون عن الحركة إلى المقاصد، أي كانوا يحرّمون على أنفسهم المضي في المقاصد عند الطير بزعم أنّ فيه الضرر فردعهم الشرع عن ذلك التحريم و الامتناع، أي أجاز لهم في المضي إلى المقاصد الكاشف عن عدم الضرر فيه، كما أنّهم ربّما يجوّزون لأنفسهم المضي في أمر بزعم عدم الضرر فيردعهم الشرع عن ذلك أي يحكم بحرمة ذلك الشي‏ء الكاشف عن الضرر.

(و أمّا الوسوسة في التفكّر في الخلق كما في النبوي الثاني)

الذي رفعه الهندي‏

(أو التفكّر في الوسوسة فيه كما في الأوّل)

الذي نقله الصدوق‏

(فهما واحد)

معنى‏

(و الأوّل أنسب)

لأنّ الوسوسة توجد في التفكّر و تعرضه دون العكس‏

(و لعل الثاني اشتباه من الراوي)

أو من باب القلب في الكلام‏

(و المراد به كما قيل: وسوسة الشيطان للانسان عند تفكّره في أمر الخلقة)

أي إذا تفكّر في أنّ له صانع و خالق يوسوسه الشيطان بأنّه من خلق الخالق و أين هو و ما هو، و المفهوم من النبوي أنّه كان حراما اقتضاء أو في الأمم السابقة فارتفعت حرمته أو عقابه عن هذه الأمّة.

(و قد استفاضت الأخبار في العفو عنه ففي صحيحة جميل بن دراج قلت‏

48

لأبي عبد اللّه- (عليه السلام)-: إنّه يقع في قلبي أمر عظيم، فقال- (عليه السلام)-: قل لا إله إلّا اللّه، قال جميل: فكلما وقع في قلبي شي‏ء قلت لا إله إلّا اللّه، فذهب عني. و في رواية حمران عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)-)

بعد السؤال‏

(عن الوسوسة و إن كثرت قال:

لا شي‏ء فيها تقول لا إله إلّا اللّه. و في صحيحة محمد بن مسلم عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)-: جاء رجل إلى النبي (صلى اللّه عليه و آله و سلم) فقال يا رسول اللّه إنّي هلكت، فقال (صلى اللّه عليه و آله و سلم): أتاك الخبيث فقال لك من خلقك فقلت اللّه تعالى، فقال من خلقه، فقال)

الرجل:

(أي و الذي بعثك بالحق، قال)

الخبيث‏

(كذا، فقال (صلى اللّه عليه و آله و سلم): ذاك و اللّه محض الإيمان)

إن قلت إلى ما أشار (صلى اللّه عليه و آله و سلم) بقوله ذلك، قلت:

(قال ابن أبي عمير فحدّث)

أيضا

(ذلك)

الحديث الذي حدّثه محمد بن مسلم‏

(عبد الرحمن بن حجاج فقال)

بعد نقله:

(حدثني أبي عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- أنّ رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله و سلم) إنّما عنى بقوله)

ذلك‏

(محض الإيمان خوفه «رجل» أن يكون قد هلك حيث عرض في قلبه ذلك.

و في رواية أخرى عنه (صلى اللّه عليه و آله و سلم))

بعد السؤال عن الوسوسة

(و الذي بعثني بالحق أنّ هذا لصريح الإيمان فإذا وجدتموه فقولوا آمنا باللّه و رسوله و لا حول و لا قوّة إلّا باللّه، و في رواية أخرى عنه (صلى اللّه عليه و آله و سلم))

بعد السؤال عن الوسوسة

(إنّ الشيطان أتاكم من قبل الأعمال فلم يقو)

أي لم يقدر التسلّط

(عليكم، فأتاكم من هذا الوجه لكي يستزلكم «يغويكم» فإذا كان كذلك فليذكر أحدكم اللّه وحده)

أي إذا ابتلى واحد منكم بذلك فليذكر الوحدانية بقول: لا إله إلّا اللّه‏

(و يحتمل أن يراد)

بالخلق المخلوق دون الخلقة، و يراد

(بالوسوسة)

في التفكّر

(في الخلق الوسوسة)

في التفكّر

(في أمور الناس)

و بعبارة أخرى‏

(سوء الظن بهم)

و يؤيده ما تقدم في الرواية من أنّه ثلاث لا يسلم منها أحد الطيرة و الحسد و الظن‏

(و هذا أنسب بقوله ما لم ينطق بشفته)

لأنّ الوسوسة في أمر المخلوق ربّما يجري على اللسان دون الوسوسة في أمر الخلقة.

(ثمّ هذا الذي ذكرنا هو الظاهر المعروف في معنى الثلاثة الأخيرة المذكورة

49

في الصحيحة)

و قيل: معنى رفع الطيرة، تحريمها، أي نهي الأمّة عن الاعتناء و الالتفات إليها و العمل بها لا رفع حرمتها أو أثرها العادي، فلا يكون رفعها على سياق أخواتها. و قيل: معنى رفع الحسد، أنّ الحسد الذي يخطر بالبال أحيانا رفع حرمته، و أمّا الحسد العمدي فلا، سواء أظهره أم لا، و قيل: معنى الوسوسة: هو التفكّر في القضاء و القدر و خلق الأشرار من ابليس و غيره، و أنّ أفعال العباد باختيارهم أو بمشيئة اللّه‏

(و في الخصال بسند)

مذكور

(فيه رفع)

أي هذا الخبر مرفوع منقول‏

(عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: ثلاث لم يعر «لم يخلص» منها نبي فمن دونه الطيرة و الحسد و التفكّر في الوسوسة في الخلق)

الظاهر أنّ هذه الثلاثة عين الثلاثة المذكورة في آخر النبوي، و المعنى أنّ هذه الأوصاف توجد حتى في الأنبياء، و الصدوق- (رحمه اللّه)- استبعد ذلك المعنى و ذكر لها معنى آخر كما قال:

(و ذكر الصدوق- (رحمه اللّه)- في تفسيرها أنّ المراد بالطيرة التطيّر بالنبي أو المؤمن لا تطيّره)

أي ليس المراد أنّ النبي و من دونه من المؤمن و الكافر يتطيّر بل المراد أنّ النبي و من دونه من المؤمنين يقع موردا لطيرة الكفّار و الفسّاق‏

(كما حكى اللّه عزّ و جلّ عن الكفّار)

من قوم صالح- (عليه السلام)-

قالُوا اطَّيَّرْنا بِكَ وَ بِمَنْ مَعَكَ‏

و المراد بالحسد أن يحسد لا أن يحسد كما قال اللّه تعالى:

أَمْ يَحْسُدُونَ‏

أي الكفّار و المنافقين‏

(النَّاسَ‏

)

من النبيين و المؤمنين‏

(عَلى‏ ما آتاهُمُ اللَّهُ)

من النبوّة و الإيمان‏

(و المراد بالتفكّر ابتلاء الأنبياء)

و الأولياء

(بأهل الوسوسة لا غير ذلك.

كما حكى اللّه عن الوليد بن المغيرة أنّه)

- لعنه اللّه- دخل مجلس قومه و قال:

أ تزعمون أنّ محمدا مجنون و لم ير منه جنون، أو كاهن و لم يحدث لما يحدثه الكهنة، أو شاعر و لم ير منه الشعر، أو كاذب و هو مشهور بالصدق و الأمانة، قالت قريش:

فما هو

(فَكَّرَ وَ قَدَّرَ)

أنّه ساحر

(فَقُتِلَ)

أي عليه لعنة اللّه‏

(

كَيْفَ قَدَّرَ

فافهم)

فإنّ تفسير الصدوق و إن كان حسنا من جهة تنزيه الأنبياء إلّا أنّه خلاف الظاهر، بل الصريح، فلا بد من طرح الرواية أو تأويلها بأنّ هذه الأوصاف‏

50

تعرضهم كالبرق الخاطف و هذا المقدار لا يمكن حرمته، و الذي رفع حرمته عن هذه الأمّة هو صورة استقرارها و إيجابها التأثّر و الانفعال‏

(قد خرجنا في الكلام في النبوي الشريف عمّا يقتضيه وضع الرسالة)

فإنّ مقتضاه الاكتفاء بتحقيق فقرة رفع ما لا يعملون.

(و منها قوله- (عليه السلام)-: ما حجب اللّه علمه عن العباد فهو موضوع عنهم، فإنّ المحجوب حرمة شرب التتن فهي موضوعة عن العباد، و فيه: أنّ الظاهر ممّا حجب اللّه علمه)

بقرينة نسبة الحجب إلى اللّه‏

(ما لم يبيّنه للعباد لا ما بيّنه و اختفى عليهم من معصية من عصى اللّه في كتمان الحق أو ستره)

حاصله: أنّ الأحكام قسم منها لم يصدر عن الحجة أصلا، و قسم منها صدر و لم يصل إلينا، لأنّ بعض الصحابة دفنوا كتبهم تقية، و بعضهم عصوا و كتموا الحق عند السؤال عنهم، و بعضهم ستروا الحق و لم يبلّغوه، و قسم منها صدر و وصل، أمّا القسم الأخير فيجب العمل به، و أمّا القسم الأوّل فلا يجب العمل به، و أمّا القسم الثاني فهو محل البحث في البراءة و الاشتغال.

و هذه الرواية ظاهرة في القسم الأوّل لا فيما هو محل البحث. إن قلت:

يستفاد من خطبة حجة الوداع صدور جميع الأحكام عنه (صلى اللّه عليه و آله و سلم). قلت: مراده (صلى اللّه عليه و آله و سلم) تبليغ جميع الأحكام التي أمر بتبليغه، أو مراده (صلى اللّه عليه و آله و سلم) تبليغها إلى الوصي- (عليه السلام)- فبقي بعضها مخزونا عنده- (عليه السلام)- بمقتضى المصلحة

(فالرواية مساوقة «مرادفة» لما ورد عن مولانا أمير المؤمنين- (عليه السلام)-: إنّ اللّه تعالى حدّ حدودا فلا تعتدوها، و فرض فرائض فلا تعصوها، فسكت عن أشياء لم يسكت عنها نسيانا)

بل لمصلحة

(فلا تتكلّفوها)

أي لا تلقوا بأنفسكم إلى مشقة امتثالها، و هذه الرخصة

(رحمة من اللّه لكم.

و منها: قوله- (عليه السلام)-: الناس في سعة ما لا يعلمون فانّ كلمة ما إمّا موصولة أضيف إليها السعة)

و التقدير الناس في سعة الحكم الذي لا يعلمونه‏

51

(و إمّا مصدرية ظرفية)

و هو الذي كان بمعنى ما دام و يؤوّل بالدوام و التقدير الناس في سعة «بالتنوين» دوام عدم علمهم‏

(و على التقديرين يثبت المطلوب)

و هو السعة عن الحرمة الغير المعلومة

(و فيه ما تقدم في الآيات من أنّ الاخباريين لا ينكرون عدم وجوب الاحتياط على من لم يعلم بوجوب الاحتياط من العقل و النقل بعد التأمّل و التتبّع)

بمعنى أنّ الاخباري أيضا يسلّم أنّ الناس في السعة إذا لم يعلموا الحكم الواقعي بالخصوص، أعني: حرمة التتن مثلا، أو لم يعلموا الحكم الظاهري بالعموم، أعني: وجوب الاحتياط و لكنّه يدّعي أنّه علم بوجوب الاحتياط بدليل العقل و النقل فلا يكون في السعة، فدليله على تقدير تماميته وارد على هذا الخبر.

(و منها رواية عبد الأعلى عن الصادق، قال: سألته عمّن لم يعرف شيئا هل عليه شي‏ء)

من العقاب‏

(قال: لا بناء)

أي دلالة هذه الرواية على البراءة عند الشبهة مبني‏

(على أنّ المراد بالشي‏ء الأوّل فرد)

أي شي‏ء

(معيّن مفروض في الخارج)

و المعنى أنّه لم يعرف حكم الشي‏ء الفلاني، كأنّه قال: سألته عمّن لم يعرف حرمة التتن فرضا

(حتى لا يفيد العموم في النفي)

أي لم يعلم شيئا من الأشياء، و حينئذ

(فيكون المراد هل عليه شي‏ء في خصوص)

أي بالنسبة إلى‏

(ذلك الشي‏ء المجهول، و أمّا بناء على ارادة العموم)

كما هو الظاهر في النكرة المنفيّة، أي لم يعلم شيئا من الأشياء

(فظاهره السؤال عن القاصر الذي)

يتعيّش في الجبال و

(لا يدرك شيئا.

و منها: قوله (صلى اللّه عليه و آله و سلم): أيّما امرئ ركب أمرا بجهالة فلا شي‏ء عليه، و فيه: أنّ الظاهر من الرواية)

بقرينة دخول باء السببية على الجهالة، و المعنى ركب بسبب الجهالة

(و نظائرها من قولك: فلان عمل بكذا بجهالة هو اعتقاد الصواب أو الغفلة عن الواقع فلا يعم صورة)

الجهل البسيط، أي الشك و

(التردّد في كون فعله صوابا أو خطاء)

حاصله: أنّ الجاهل قد يكون غافلا محضا بحيث لا يلتفت‏

52

إلى أنّ لهذا الفعل حكما في الواقع، و قد يكون جاهلا مركبا بأن يعتقد حلية الحرام مثلا، و قد يكون جاهلا بسيطا بأن يشك في أنّ هذا حلال أو حرام، و الأوّلان معذوران و الثالث محل البحث في البراءة و الاشتغال، و الرواية ظاهرة في الأوّلين لا في الأخير الذي هو محل البحث، لأنّ سببية الغفلة و الجهل المركب للارتكاب أقوى من سببية الجهل البسيط له لأنّ الشاك ربّما يخاف من الارتكاب بخلاف الغافل و الجاهل المركب.

(و يؤيّده «ظاهر» أنّ تعميم الجهالة)

في الرواية

(بصورة التردّد)

أي كون الجهالة في الرواية أعم من الغافل و الجاهل المركب و الشاك‏

(يحوج الكلام إلى التخصيص)

أي يوجب احتياج الكلام إلى الخروج عن العموم و الاختصاص‏

(بالشاك الغير المقصّر)

حاصله: أنّ الشاك قد يكون مقصّر، أو هو الذي لم يتفحّص، و قد يكون غير مقصّر و هو المتفحّص، و المعذورية تتصوّر في الثاني دون الأوّل، فلو قلنا: بأنّه (صلى اللّه عليه و آله و سلم) أراد معذورية الشاك أيضا فلا بد أن نقول بأنّه أراد معذورية الشاك الغير المقصر دون المقصر

(و سياقه «خبر» آبي عن التخصيص)

إذ ظاهره أنّ الجهالة علّة للمعذورية و لا تأثير للفحص و عدمه في ذلك. و بالجملة لو شمل الشاك لا يمكن التخصيص فالحق عدم الشمول له‏

(فتأمّل)

فإنّ التخصيص لازم أيضا على تقدير اختصاص الخبر بالغافل و الجاهل المركّب، لأنّ المعذورية إنّما هي في الجاهل المركّب الغير المقصر دون المقصر.

(و منها: قوله- (عليه السلام)-: إنّ اللّه تعالى يحتج على العباد بما آتاهم و عرّفهم، و فيه أنّ مدلوله)

و هو عدم الحجة للّه على العباد إذا لم يعلموا بالحكم الواقعي أو بوجوب الاحتياط

(كما عرفت في الآيات و غير واحد من الأخبار ممّا لا ينكره الاخباريون)

و إنّما يدّعي الاخباريون بأنّهم علموا بالحكم الظاهري، أعني: وجوب الاحتياط فللّه عليهم حجة.

(و منها: قوله- (عليه السلام)- في)

رواية

(مرسلة)

منقولة في كتاب من لا يحضره‏