شرح كفاية الأصول

- الشيخ عبد الحسين الرشتي المزيد...
368 /
1

-

2

[الجزء الأول:]

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم‏

[تمهيد:]

الحمد للّه الذى وفقنا للتوجه الى جناب قدسه، و أيدنا للتعرض إلى نفحات انسه، و هدانا إلى معرفة قواعد الاسلام و أسّه، و أنقذنا بقبول منتهى الارشاد من أليم العذاب و بؤسه، و أفضل الصلاة و السلام على المصطفين من عباده خصوصا على محمد و آله.

(و بعد) فهذه تعليقة لطيفة علقتها على الرسالة المسماة بكفاية الاصول من مصنفات سندنا و إمامنا في السمعيات المحقق المدقق حجة الفقه و العلم الملا محمد كاظم الخراساني شكر اللّه سعيه و لما كانت رسالته هذه مشتملة على اشارات الى مطالب علم الاصول هي الامهات مشحونة بتنبيهات على مقاصد هي المهمات متضمنة لبيانات معجزة فى عبارات موجزة جعلت تعليقتي هذه جارية لها مجرى الشرح المتعاطى لحل غوامضها و تبيين مغامضها و المكمل لفوائدها و المنقح لقواعدها اجابة لملتمس بعض أجلة الاخوان، فها هي بفضل اللّه و رحمته حاوية لتفسير ما خفى منها أوضح تفسير، و حائزة لتعبير ما التبس فيها أحسن تعبير، متضمنة لما تعلّمته من المعلمين المعاصرين و ما استفدته من كتب الاقدمين، و ما خلج ببالي القاصر و فكري الفاتر، و أسأل اللّه تبارك و تعالى أن يغفر لي الخطيئات، و أن يكتب جهدي هذا فى صحائف الحسنات، و الثقة به و منه التوفيق، و اليه انتهاء الطريق، قال المصنف بعد تصدير الرسالة بالتسمية و التحميد و الثناء على اللّه تعالى و الصلاة و السلام على محمد و آله الطاهرين‏

(فقد رتبته على مقدمة و مقاصد و خاتمة)

(اما المقدمة) (ففي بيان امور)

اعلم ان الاصوليين جريا على طريقة ارباب ساير الفنون ذكروا قبل الشروع فى المقاصد ان اجزاء العلوم ثلاثة: الموضوع، و المسائل، و المبادئ، إذ لا بد لكل علم أن يكون باحثا عن امور لاحقة لغيرها و تسمى تلك الامور مسائله و ذلك الغير موضوعه و لا بد له من مقدمات يتوقف الاستدلال عليها و من تصورات الموضوع و أجزائه و جزئياته و يسمى مجموع ذلك بالمبادئ، و عرّفوا الموضوع بانه ما يبحث فى العلم عن عوارضه الذاتية

3

التي تلحقه لما هو هو أو بواسطة الامر المساوي للمعروض جزء كان أو خارجا و ما عدا ذلك من العوارض الأخر فهي أعراض غريبة لا يبحث في العلم عنها حتى العارض بواسطة الجزء الاعم على الأصح ثم انهم بنوا على ان المسائل لا بد و ان تكون من الهلية المركبة للموضوع و اما هليته البسيطة أعني التصديق بوجود الموضوع فلا تكون من المسائل فانه لو كانت منها للزم الدور فان إثبات مسائل العلم موقوف على ثبوت حقيقة موضوعه لان المركبة فرع البسيطة فلو كان ثبوت الموضوع مسئلة من المسائل لتوقف الشي‏ء على نفسه فتدبر و كن على ذكر من هذا، ثم عينوا موضوع هذا العلم بانه هى الادلة الاربعة اما ذاتها كما عن بعض أو بوصف دليليتها كما عن بعض آخر من حيث استنباط الاحكام منها لا من الحيثيات الأخر، و مسائله هي المطالب الجزئية المستدل عليها فى هذا العلم كقولهم الكتاب يجوز نسخه أم لا و الخبر يجوز نقله بالمعنى أم لا و المحكم مقدم على المتشابه و النص و الاظهر مقدمان على الظاهر، و مباديه ما يتوقف عليه من المقدمات و من التصورات كمعرفة الموضوع و اجزائه و جزئياته اما بحدودها أو برسومها، و قد أورد عليهم بأن تفسير الموضوع بما ذكر لا يكاد ينطبق على الادلة الاربعة لانه قد يبحث فى هذا العلم عن الاحوال التي يختص ببعض أنواع الموضوع إذ ليس عروضها لذات الموضوع و لا للامر المساوي كقولنا نسخ وجوب الامر هل يدل على بقاء الجواز أم لا و تأخير البيان عن وقت الخطاب أو عن وقت الحاجة جائز أم لا و نحو ذلك، و أيضا قد يبحث في هذا العلم عن الامور العارضة لأمر أعم من تلك الموضوعات كبعض مباحث الألفاظ كالدلالة على الوجوب أو الندب حيث انه من أحوال صيغة الأمر سواء كان كتابا و سنة أو غيرهما و بالجملة هي من العوارض للفظ مخصوص مطلقا كتابا كان أو غيره، و مثل هذين الاشكالين قد أورد على موضوعات ساير العلوم أيضا فان موضوعات مسائل ساير العلوم إما موضوع العلم أو نوعه أو صنفه أو عرض من الأعراض الذاتية له على ما صرحوا به و من المعلوم ان العارض لنوع الموضوع أو صنفه يكون أخص من الموضوع و الفقهاء يبحثون في علم الفقه عن وجوب الصلاة التي هي فعل المكلف مع ان عروض الوجوب لها باعتبار تعلق طلب الشارع بها مع ان الطلب أعم منها لمكان عروضه لغيرها من الأفعال الأخر المخصوصة كالصوم و الزكاة و كذلك الحرمة و حيث ان الاصوليين عجزوا عن دفع الاشكال تحزبوا أحزابا، فحزب التجأ إلى الاستطراد، و حزب ذهب إلى أن جملة المسائل التي أخذ من علم يكون موضوعها موضوع ذلك العلم فالمسائل التي أخذها الاصوليون من علم الكلام يكون موضوعها موضوع علم الكلام و التي أخذوها من علمي المعاني و البيان فموضوعها موضوع العلمين و هكذا، و حزب التزموا بأن الاصول ليس بعلم حتى نحتاج الى تعيين موضوعه معلمين‏

4

بأنه مقدمة لعلم الفقه و آلة له، و حزب قالوا بأن البحث عن الأعراض الذاتية للموضوع أعم من أن تثبت له أو تثبت الأعراض الذاتية لها فانها و ان كانت غريبة بالنسبة إلى موضوع العلم إلا انها أعراض ذاتية للاعراض الذاتية لموضوع العلم، و بالجملة عوارض النوع أو الصنف أو صنف الصنف عوارض ذاتية للنوع أو الصنف أو صنف الصنف و ان كانت أعراضا غريبة بالنسبة إلى الموضوع.

و بعض أهل المعقول قد أجابوا عن اشكال الأخصية بوجوه قد ذكرتها في كتاب الثمرات فراجع، و لم يتعرضوا للجواب عن اشكال الاعمية و المصنف قد غيّر اسلوب القوم و جعل الموضوع الأمر الأعم من الأدلة الأربعة و هو الطبيعي الذي يقع في طريق الاستنباط المنطبق على موضوعات المسائل المتحد معها في الوجود المغاير لها بحسب المفهوم زعما منه انه بناء على هذا ينحل اشكال الأعمية و كذا اشكال الأخصية لمكان المساوقة فقال‏

(الأول) [موضوع علم الاصول و مسائله‏]

(ان موضوع كل علم و هو الذي يبحث فيه)

أي في العلم‏

(عن عوارضه الذاتية أي بلا واسطة في العروض هو نفس موضوعات مسائله عينا و ما يتحد معها خارجا و ان كان يغايرها مفهوما تغاير الكلي و مصاديقه و الطبيعي و أفراده)

و الغرض من تفسير العوارض الذاتية بقوله أي بلا واسطة في العروض هو بيان ان مراد القوم من العوارض الذاتية ليس ما لا يكون له واسطة في الثبوت حتى ينحصر البحث في الذاتيات أي أجزاء المهيات و لوازمها و بالجملة فيما ليس له علة الثبوت و التحقق، و كذلك ليس المراد منها ما لا واسطة له في الاثبات حتى ينحصر البحث في العوارض التي تكون بينة الثبوت للموضوعات بل المراد نفي الواسطة في العروض و ان كان له واسطة في الثبوت أو واسطة فى الاثبات و المراد بالواسطة في العروض هي الواسطة في الحمل على ما هو مقتضى تصريحاتهم بأن يكون حمل العرض على الواسطة أولا و بالذات و على المعروض الثاني و هو ذو الواسطة بتوسطها فذلك العرض وصف للواسطة بحال نفسها و للمعروض الثاني بحال متعلقها و هي إنما تتحقق في صورة عدم مباينة الواسطة لذيها في الوجود كالسواد و البياض العارضين للجسم بتوسط السطح و ذلك لأنه لو كانت مباينة لكانت هي الواسطة في الثبوت كحركة جالس السفينة العارضة له بتوسط السفينة فافهم ذلك و دع عنك ما يتراءى من تمثيلاتهم، ثم ان القوم مع تصريحهم بأن أجزاء العلوم ثلاثة بحسب التدوين قد صرحوا بأن حقيقة كل علم مسائله أي بحسب الواقع بمعنى انهم في مقام التسمية قد عينوا لفظ العلم كالنحو و الصرف و الاصول بإزاء المسائل و قد صرحوا أيضا بأن تمايز العلوم إنما هو بحسب تمايز الموضوعات فيستفاد من كلاميهم ان تمايز كل علم الذي حقيقته هي مسائله عن علم آخر إنما هو بحسب تمايز الموضوعات لا بشي‏ء آخر و المصنف قدس سره قد زعم ان هذا خلاف الواقع‏

5

ضرورة انه يمكن أن تكون قضية واحدة مسئلة لعامين مختلفين كقولنا الأمر للوجوب و كذلك النهي للتحريم فانه مسئلة من مسائل علم اللغة كما انه مسئلة من مسائل علم الاصول فلا بد و أن يكون هناك أمر آخر به يصح جعلها مسئلة لعامين غير جهتي الموضوع و المحمول لأن الفرض اتحادهما و ذلك الأمر الآخر هو الغرض المهم الداعي إلى تأسيس العلم فهذه القضية من حيث ان الغرض منه معرفة معنى متن اللغة مسئلة لعلم اللغة و من حيث ان نتيجتها واقعة في طريق الاستنباط مسئلة لعلم الاصول و لهذا قال‏

(و المسائل عبارة عن جملة قضايا متشتتة)

مختلفة اما بالموضوع أو بالمحمول أو بهما

(و لكن جمعها)

مع هذا التشتت و الاختلاف‏

(اشتراكها في الدخل في الغرض الذي لأجله دوّن هذا العلم فلذا)

أي فلأجل ان المناط في كون المسائل المتشتتة مسائل علم واحد هو اتحادها من حيث الغرض و كونها مسائل علوم متعددة هو عدم الاتحاد في الغرض بل تعدده‏

(قد يتداخل بعض العلوم في بعض المسائل)

أي يصير مسئلة واحدة مثلا مسئلة لعلمين مختلفين‏

(مما كان له دخل فى مهمين لأجل كل منهما دون علم على حدة فيصير)

ذلك البعض‏

(من مسائل العلمين)

و مثاله ما ذكرنا لك آنفا من قولهم فى علم اللغة الأمر للوجوب و قولهم فى الاصول ذلك أيضا و مسئلة اجتماع الأمر و النهي التي هي مسئلة لعلم الكلام و علم الاصول بالجهتين فان الطلب و الحكم من حيث صدوره من الحاكم وصف للمبدئ تعالى و من حيث تعلقه بما هو دليل الحكم من مسائل الاصول، و كمسألة التجرّي فانه من مسائل الكلام و الاصول و الفقه بالجهات الثلاثة التي فيها، فانها من حيث صيرورة الفعل بسبب تعلق القطع بوجوبه أو حرمته مورثا لاستحقاق المثوبة عند الموافقة و لاستحقاق العقاب عند المخالفة كلامية و من حيث صيرورته ذا مصلحة أو مفسدة تورث ايجابه أو حرمته اصولية، و من حيث صيرورته واجبا أو حراما فقهية

(لا يقال على هذا)

أي على ما ذكرت من كون بعض المسائل مما كان له دخل فى مهمين لأجل كل منهما دوّن علم على حدة

(يمكن تداخل علمين فى تمام مسائلهما فيما كان هناك مهمان متلازمان فى الترتب على جملة من القضايا لا يمكن انفكاكهما)

فيمكن أن يكون علمان متشاركين فى جميع المسائل لكن كون تلك المسائل مسائل علمين لأجل اشتمالهما على الغرضين المهمين‏

(فانه يقال مضافا إلى بعد ذلك بل امتناعه عادة لا يكاد يصح لذلك تدوين علمين و تسميتهما باسمين بل تدوين علم واحد يبحث تارة لكلا المهمين و اخرى لأحدهما و هذا بخلاف التداخل فى بعض المسائل فان حسن تدوين علمين كانا مشتركين فى مسئلة أو أزيد فى جملة مسائلهما المختلفة لاجل مهمين مما لا يخفى)

الاولى حذف هذا السؤال و الجواب من الكتاب كما لا يخفى على اولي الالباب‏

(و قد انقدح بما ذكرنا ان تمايز العلوم إنما هو باختلاف الاغراض الداعية إلى التدوين لا الموضوعات و لا المحمولات و إلا كان كل باب بل كل مسئلة)

6

(من كل علم عاما على حدة كما هو واضح لمن كان له أدنى تأمل)

لتمايز مسائل العلم الواحد بعضها عن بعض اما بالموضوع و اما بالمحمول‏

(فلا يكون الاختلاف بحسب الموضوع أو المحمول موجبا للتعدد كما لا يكون وحدتهما سببا لان يكون من الواحد)

لمكان اختلاف الاغراض كما عرفت مفصلا و ليعلم انهم قد فسروا كلهم هذه بأن تمايز العلوم بعضها عن بعض تمايزا بالذات لا مطلقا و تمايزا اعتبره القوم لا ما أمكن لهم أن يعتبروه إنما هو بحسب تمايز الموضوعات أي بسبب تمايز الموضوعات أو بقدره قوة كالنحو و الميزان و ضعفا كالنحو و الصرف فان تمايز الموضوع فى الاول بالذات حيث ان موضوع النحو اللفظ و موضوع الميزان المعاني و فى الثاني بالحيثية و الاعتبار حيث ان الموضوع فيهما شي‏ء واحد ذاتا و هو اللفظ مختلف بالاعتبار حيث ان موضوع النحو هو اللفظ من حيث الاعراب و موضوع الصرف هو ذلك من حيث الصحة و الاعتلال و قالوا إنما قلنا تمايزا بالذات مطلقا لانها متمايزة بالغايات و الاغراض أيضا و إنما قلنا تمايزا اعتبره القوم بالفعل لا ما أمكن لهم أن يعتبروه لجواز تمايزها بحسب المحمول بأن يكون طائفة من الاحوال و المحمولات رجعة إلى أمر واحد معتدّ به كالاعراب مثلا و طائفة اخرى إلى أمر واحد آخر معتدّ به كالبناء مثلا إلا أنهم اختاروا التمايز بالموضوع دون المحمول لأن المقصود من العلوم بيان أحوال الأشياء من حيث انها أحوال بمعنى ان الأحوال ليست مقاصد لأنفسها بل لأنها أحوال تلك الأشياء و أشاروا إلى أن ذلك أمر استحساني فى التعليم و التعلم و إلا فلا مانع عقليا من أن يعد كل مسئلة علما على حدة و لا من أن يعد مسائل متكثرة غير متشاركة فى الموضوع علما واحدا يفرد بالتدوين لكونها متشاركة فى أنها أحكام بامور على اخرى فعلى هذا لا يرد اشكال المصنف على القوم فانهم كما ترى لم ينكروا التمايز العرضي و التمايز بالغرض المهم تمايز عرضي ثم انهم قد صرحوا فيما هو المتميز بالحيثيات ان التحيث داخل فى الموضوع و نفس الحيثية خارجة عنه كي لا يلزم اعتبار شي‏ء واحد فى الموضوع و المحمول فافهم ذلك، نعم بعض المحققين لما أشكل عليه الفرق بين الحكمة و الكلام من حيث زعمه ان الموضوع فى كليهما هو الوجود صار إلى ما ذكره المصنف من التمايز بحسب الغرض المهم مع ابقائه الحصر فى كلامهم على حاله بتوجيهه بأن تمايز العلوم العقلية بعضها عن بعض و الشرعية بعضها عن بعض إنما هو بحسب تمايز الموضوعات و أما تمايز العلم العقلي كالحكمة عن الشرعي كالكلام فيمكن أن لا يكون بالموضوع بل بحسب الغرض المهم و ذلك أيضا من ضيق الخناق و تحقيق الحق فى محله‏

(ثم انه ربما لا يكون لموضوع العلم و هو)

على ما عرفت‏

(الكلي المتحد مع موضوعات المسائل)

خارجا

(عنوان خاص و اسم مخصوص فيصح أن يعبر عنه بكل ما دل عليه بديهة عدم دخل ذلك)

أي العنوان الخاص‏

(فى موضوعيته أصلا و قد)

7

(انقدح بذلك)

أي بمجموع ما ذكرنا من أول البحث إلى هنا

(ان موضوع علم الاصول هو الكلي المنطبق على موضوعات مسائله المتشتتة)

و سيأتي بيان هذا الكلي‏

(لا خصوص الأدلة الأربعة بما هي أدلة)

أي بوصف الدليلية كما زعمه الفاضل القمي ره و جعل مباحث حجية الكتاب و حجية خبر الواحد و نحوهما من المبادئ التصديقية

(بل و لا بما هي هي)

كما زعمه صاحب الفصول و جعل الموضوع هو ذوات الأربعة و البحث عن حجية الكتاب و خبر الواحد بحثا عن أحوال الموضوع‏

(ضرورة ان البحث فى غير واحد من مسائله المهمة ليس من عوارضها و هو واضح لو كان المراد بالسنة منها)

أي من الأدلة الأربعة

(هو نفس قول المعصوم أو فعله أو تقريره كما هو المصطلح فيها)

هذا التعليل لكلا الأمرين أي نفي كون الموضوع ما زعمه القمي و ما زعمه الفصول‏

(لوضوح عدم البحث فى كثير من مباحثها المهمة كعمدة

(*)

مباحث التعادل و التراجيح بل و مسئلة حجية خبر الواحد لا عنها)

أي عن السنة

(و لا عن ساير الأدلة)

أما عدم كونها بحثا عن ساير الأدلة فواضح و أما عدم كونها بحثا عن السنة المراد بها نفس قول المعصوم فلأن الحجية حينئذ تصير من عوارض حاكيها لا من عوارض نفسها هذا بناء على كون موضوع الاصول هي ذوات الأدلة و اما بناء على كونه خصوص الأدلة الأربعة بما هي أدلة فالأمر اوضح فان البحث عن كون الشي‏ء دليلا مطلقا أو فى حال من الحالات أم لا ليس بحثا عن أحوال الدليل المفروغ دليليته بل هو فى الحقيقة اثبات الدليل بوصف الدليلية فهو فى الحقيقة من المبادى التصديقية لا من المسائل‏

(و رجوع البحث فيهما)

أي فى عمدة مباحث التعادل و التراجيح و مسئلة حجية الخبر

(فى الحقيقة إلى البحث عن ثبوت السنة بخبر الواحد فى مسئلة حجية الخبر كما افيد)

و المفيد هو الشيخ الانصاري قدس سره فى أول مسئلة حجية خبر الواحد

(و بأي الخبرين فى باب التعارض فانه أيضا بحث فى الحقيقة عن حجية الخبر فى هذا الحال)

أي في حال التعارض‏

(غير مفيد)

في دفع الاشكال‏

(فان البحث عن ثبوت الموضوع)

و تحققه‏

(و ما هو مفاد كان التامة)

و الهلية البسيطة و هو ثبوت الشي‏ء ككان زيد بمعنى وجد

(ليس بحثا عن عوارضه)

الذاتية حتى يكون من المسائل بل لا بد و ان يكون مفادها بينا أو مبينا في علم آخر أعلى من هذا العلم تكون هذه بالنسبة إلى موضوعه من مفاد كان الناقصة و لو لم تكن بينا أو مبينا في علم أعلى من هذا العلم فلا بد و ان يبحث في نفس العلم من باب المبادى لا المسائل‏

(فانها)

أي المسائل تكون باحثة عن‏

(مفاد كان الناقصة)

و الهلية المركبة و هو ثبوت شي‏ء لشي‏ء ككان زيد قائما

(لا يقال هذا)

أى رجوع البحث‏

____________

(*) و إنما قيد بالعمدة لانه قد يتفق ان يكونا عن عوارض السنة او الكتاب كتعارض السّنتين أو الآيتين أو القراءتين كما في يطهرن بالتشديد أو التخفيف. منه دام ظله‏

8

المذكور إلى البحث عن مفاد كان التامة للسنة انما يتم إذا كان الكلام‏

(في الثبوت الواقعي و اما الثبوت)

الجعلي‏

(التعبدي)

من قبل الشارع‏

(كما هو المهم في هذه المباحث فهو في الحقيقة يكون)

من‏

(مفاد كان الناقصة)

إذ ليس محصله إلا ترتيب الآثار الشرعية عليه‏

(فانه يقال نعم)

أي ثبوته التعبدي يكون مفاد كان الناقصة حقيقة

(لكنه)

لا يستلزم كونه من المسائل لأنه‏

(مما لا يعرض السنة)

فلا يكون من عوارضها الذاتية حتى يصير من المسائل‏

(بل)

مما يعرض‏

(الخبر الحاكي لها)

أي للسنة

(فان الثبوت التعبدى يرجع إلى وجوب العمل على طبق الخبر كالسنة المحكية به و هذا من عوارضه)

أى من عوارض الخبر

(لا)

من‏

(عوارضها)

أى عوارض السنة فانه بالنسبة اليها لا يكون إلا مفاد كان التامة

(كما لا يخفى و بالجملة الثبوت الواقعي ليس من العوارض)

الذاتية لكونه مفاد كان التامة

(و)

الثبوت‏

(التعبدى و ان كان منها)

أى من العوارض‏

(إلا انه ليس للسنة بل للخبر)

فما هو ثابت ليس من العوارض الذاتية و ما هو من العوارض الذاتية ليس بعرض ذاتي للدليل أى نفس السنة بل للحاكي لها

(فتأمل جيدا)

هذا كله بناء على كون المراد بالسنة ما هو المصطلح عندهم من كونه نفس قول المعصوم أو فعله أو تقريره‏

(و اما اذا كان المراد من السنة ما يعم حكايتها فلأن البحث في تلك المباحث و ان كان عن أحوال السنة بهذا المعنى)

الأعم فلا يلزم اشكال عدم كون عمدة مباحث التعادل و الترجيح و مسئلة حجية خبر الواحد من المسائل إلا انه يبقى اشكال آخر و هو اشكال الأعمية

(فان البحث في غير واحد من مسائلها)

أى مسائل السنة

(كمباحث الألفاظ و جملة من غيرها)

أى من غير مسائل السنة

(لا يخص بالأدلة بل يعم غيرها و ان كان المهم معرفة أحوال خصوصها كما لا يخفى)

فان الوجوب و الندب أو الجامع بينهما و كذا الاباحة أو الجامع بين الثلاثة فى الحقيقة من عوارض ما كان على هيئة افعل سواء كان الكتاب أو السنة أم لا و كذا الحرمة أو الكراهة أو الجامع بينهما و كذا مسئلة الملازمة بين وجوب الشي‏ء و وجوب مقدمته أو الملازمة بين وجوب الشي‏ء و حرمة ضده أو جواز اجتماع الحكمين المتضادين فى موضوع واحد ذى جهتين أو استحالته و نظائر ذلك و قد تقرر فى محله ان العارض بواسطة الأمر الأعم لا يكون من الأعراض الذاتية عند المحققين فلا يكون من المسائل‏

(و يؤيد ذلك)

أى كون موضوع الاصول هو الطبيعي المنطبق على موضوعات مسائله المتشتتة سواء دوّنت أم لم تدوّن بعد

(تعريف الاصول)

أى تعريفهم لعلم الاصول‏

(بأنه العلم بالقواعد الممهدة لاستنباط الأحكام الشرعية)

و ذلك لأن مقتضى التعريف المذكور كون كل مسئلة تكون لتمهيد قاعدة و استنتاج نتيجة تقع فى طريق استنباط الأحكام الشرعية الفرعية بأن تقع بعد تحصيل الصغرى أو حصولها كبرى القياس المستتبع للحكم الشرعي من مسائل الاصول و مباحثه‏

(و ان)

9

(كان الأولى تعريفه بأنه صناعة)

نظرية

(يعرف بها القواعد التي يمكن أن تقع في طريق استنباط الأحكام أو التي تنتهي اليها في مقام العمل)

بعد اليأس عن الدليل الاجتهادي‏

(بناء على أن مسئلة حجية الظن على الحكومة)

لا على الكشف‏

(و مسائل الاصول العملية في الشبهات الحكمية من)

علم‏

(الاصول كما هو كذلك)

بحسب نفس الأمر

(ضرورة أنه لا وجه لالتزام الاستطراد في مثل هذه المهمات)

حيث أن مسئلة حجية الظن على الحكومة و الاصول العملية المتكفلة لأحكام العمل الخالي عن الدليل يتكل اليها الفقيه بعد استفراغ الوسع في مدرك الحكم و اليأس عن الظفر به بتطبيقها عليه من دون أن يؤخذ في طريق استنباط حكم أصلا فتعريف المشهور قاصر عن أن يشمل حجية الظن على الحكومة و الاصول العملية فلا بد من المصير الى الاستطراد بخلاف تعريف المصنف مضافا إلى أن الظاهر من أسامي العلوم المدوّنة كونها أسامي للصناعات و الملكات كما يظهر ذلك لمن تتبع محاوراتهم هذا كله غاية ما بذلنا جهدنا في توضيح مقصد الكتاب و شرحه و لنا في التفصي عن الاشكالين طرز آخر من الكلام قد بسطناه في الثمرات و أشرنا هناك أن ما أسس المصنف لا يفي بدفع الاشكال فراجع‏

(الأمر الثاني الوضع)

أي موضوعية اللفظ للمعنى فهو هنا مصدر بمعنى المفعول حتى يصير حالا من أحوال اللفظ كسائر حالاته المبحوث عنها في المقام لا بمعنى الفاعل بمعنى الواضعية أي كون الشخص واضعا للفظ بإزاء المعنى فانه بهذا المعنى لا يكون حالا من أحوال اللفظ كي يبحث عنه في المقام بل هو من حالات الواضع‏

(هو نحو اختصاص اللفظ بالمعنى و ارتباط خاص بينهما)

و هذا هو الجامع بين الوضع التعييني و التعيني و القدر المشترك بينهما غاية الأمر أن هذا الجامع‏

(ناش من تخصيصه)

أي اللفظ

(به)

أي بالمعنى‏

(تارة و من كثرة استعماله)

أي اللفظ

(فيه)

أي في المعنى تارة

(اخرى و بهذا المعنى صح تقسيمه إلى التعييني و التعيني كما لا يخفى)

لمكان القدر المشترك، نعم اذا اخذ بمعنى الفاعل و لوحظ كونه وصفا له لا يصح تقسيمه اليهما لعدم الجامع فافهم ذلك، ثم أن تعيين أن الواضع هو اللّه تعالى كما نسب الى أبي الحسن الأشعري و جماعة فعلم عباده عليها بالوحي أو بخلق الأصوات و الحروف في جسم و اسماع ذلك الجسم واحدا أو جماعة أو بخلق علم ضروري في واحد أو جماعة محتجين بقوله تعالى‏ وَ عَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها فان الأسماء المراد بها العلامات بعمومها يشمل الألفاظ لكونها علامة لمعانيها و التعليم فرع الوضع أو أنه هو البشر واحدا كان أو أكثر او ان التعريف حصل بالاشارة و الترديد بالقرائن كما نسب الى أصحاب أبي هاشم مستدلين بقوله تعالى‏ وَ ما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسانِ قَوْمِهِ‏ حيث دل على سبق اللغة على الارسال فلو كان الواضع هو اللّه تعالى لتقدم الارسال عليها لتوقف البيان عليه فتأمل أو أنه في البعض المحتاج اليه في التنبيه على الجعل و الاصطلاح هو اللّه تعالى و في‏

10

الباقي هو البشر كما نسب الى أبي اسحاق الاسفرائيني مستندا الى أن الواضع فى البعض المحتاج اليه لو لم يكن هو اللّه تعالى بل كان كله هو البشر لدار أو تسلسل لتوقفه على اصطلاح آخر فتدبر أمر موكول الى عهدتهم و ليس لنا طريق الى تعيينه و إنما المحقق أن الضرورة و الاحتياج الى الاعراب عما في الضمير صار داعيا الى المكالمة و المحادثة

(ثم ان الملحوظ حال الوضع)

لكون الوضع أمرا نسبيا متقوما باللفظ و المعنى‏

(إما أن يكون معنى عاما)

منطقيا أو اصوليا

(فيوضع اللفظ له)

أي لهذا المعنى العام‏

(تارة)

فيكون الوضع و الموضوع له كلاهما عامين كوضع لفظ الانسان بإزاء معناه فى العام المنطقي و كوضع أسماء الاشارة و الموصولات و الضمائر فى العام الاصولي على مذهب التفتازاني‏

(و لأفراده)

أي لأفراد المعنى العام‏

(و مصاديقه)

لا لهذا المعنى العام تارة

(اخرى)

فيكون الوضع عاما و الموضوع له خاصا كأسماء الاشارة و الموصولات و الحروف عند محققي المتأخرين من كونها من الوضع العام و الموضوع له الخاص كما ذهب اليه السيد الشريف‏

(و إما أن يكون)

الملحوظ حال الوضع‏

(معنى خاصا)

أي جزئيا حقيقيا

(لا يكاد يصح إلا وضع اللفظ له)

فيكون الوضع و الموضوع له كلاهما خاصين كعلم الأشخاص‏

(دون العام)

أي لا يصح أن يلاحظ المعنى الخاص ثم وضع اللفظ لمعنى عام يشمل ذاك الخاص و غيره حتى يصير الوضع خاصا و الموضوع له عاما

(فيكون الأقسام ثلاثة)

لا أربعة كما توهمه بعض‏

(و ذلك لأن العام يصلح أن يكون آلة للحاظ أفراده و مصاديقه بما هو كذلك)

أي بما هو عام فانه بما هو كذلك لما كان لا بشرط بالنسبة الى الخصوصيات المندرجة تحته و متحد معها بحسب الوجود يصح أن يكون آلة للحاظها

(فانه)

بناء على ما ذكرنا من كونه لا بشرط يكون‏

(من وجوهها)

أي وجوه الأفراد و المصاديق‏

(و معرفة وجه الشي‏ء)

بما هو وجهه‏

(معرفته)

أي معرفة الشي‏ء

(بوجه)

فاذا عرفنا العام بوجه كونه جامعا بين الأفراد و متحدا معها بحسب الوجود فقد عرفنا الأفراد بهذا الوجه‏

(بخلاف الخاص فانه بما هو خاص)

و متعين و بشرط شي‏ء مخصوص لكونه آبيا عن خصوصية اخرى و تعيين آخر و آبيا أيضا عما لا تعين فيه‏

(لا يكون وجها للعام)

الذي هو لا بشرط و لم يلاحظ فيه الخصوصية أصلا

(و لا لسائر الأفراد)

التي هي مأخوذة مع خصوصية ما غير خصوصية ذلك الخاص‏

(فلا يكون معرفته و تصوره معرفة له)

أي للعام‏

(و لا لها)

أي لسائر الأفراد

(أصلا و لو بوجه نعم ربما يوجب تصوره تصور العام بنفسه)

كما اذا كان العام ذاتيا للخاص و كان المقصود معرفة كنه الخاص فحينئذ يكون التصور التفصيلي التحليلي للخاص مستلزما لتصور العام بنفسه‏

(فيوضع له)

أي للعام‏

(اللفظ فيكون الوضع عاما كما كان الموضوع له عاما)

غاية الامر أن تصور الخاص صار منشأ لتصور العام ثم وضع‏

11

[فى بيان المعنى الحرفى.]

اللفظ بإزاء نفسه‏

(و هذا بخلاف ما في الوضع العام و الموضوع له الخاص فان الموضوع له و هي الأفراد لا تكون متصورا)

بخصوصياتها و كنهها بل يستحيل تصورها مفصلا عند الوضع لعدم تناهيها و الغير المتناهي لا يمكن تصوره في زمان متناه‏

(إلا بوجهه)

أي وجه الموضوع له‏

(و عنوانه و هو العام و فرق واضح بين تصور الشي‏ء بوجهه)

كما في الوضع العام و الموضوع الخاص‏

(و تصوره بنفسه و لو كان بسبب تصور أمر آخر)

كما فيما اذا استلزم تصور الخاص تصور العام مثل تصور الانسان بالكنه فانه يستلزم تصور الحيوان الذاتي له‏

(و لعل خفاء ذلك)

الفرق‏

(على بعض الأعلام و عدم تمييزه بينهما كان موجبا لتوهم امكان ثبوت قسم رابع و هو أن يكون الوضع خاصا مع كون الموضوع له عاما مع انه واضح لمن كان له أدنى تأمل ثم)

ان التقسيم الى الأقسام الثلاثة إنما هو بحسب مقام الثبوت و الامكان بحسب نفس الأمر و أما بحسب مقام الاثبات و الوقوع في الخارج فنقول‏

(انه لا ريب في ثبوت الوضع الخاص و الموضوع له الخاص كوضع الأعلام)

الأشخاص‏

(و كذا)

لا ريب في ثبوت‏

(الوضع العام و الموضوع له العام كوضع أسماء الأجناس و أما الوضع العام و الموضوع له الخاص فقد توهم انه وضع الحروف و ما الحق بها من الأسماء)

الاشارة و الموصولات و نظائرها و من المتوهمين السيد الشريف‏

(كما توهم أيضا)

و المتوهم هو المحقق التفتازاني‏

(ان المستعمل فيه فيها)

أي في الحروف و ما الحق بها من الأسماء

(خاص مع كون الموضوع له كالوضع عاما و التحقيق حسبما يؤدي اليه النظر الدقيق ان حال المستعمل فيه و الموضوع له فيها)

أي في الحروف و ما الحق بها من الأسماء

(حالهما)

أي حال المستعمل فيه و الموضوع له‏

(في الأسماء)

الأجناس في كونها عاما كالوضع و لا برهان يوجب المصير الى أحد التوهمين إلا ما يتخيل من انها لو كانت من الوضع و الموضوع له العامين يلزم كونها مجازات بلا حقيقة لاستعمالها دائما في الخصوصيات و عدم استعمالها قط في المفهوم العام و هو كما ترى بل قد قام البرهان عند المصنف على كون وضعها كوضع الأسماء الأجناس‏

(و ذلك لأن الخصوصية المتوهمة)

في الموضوع له أو المستعمل فيه‏

(ان كانت هي الموجبة لكون المعنى المتخصص بها جزئيا خارجيا فمن الواضح ان كثيرا ما لا يكون المستعمل فيه فيها)

أي في الحروف و ما الحق بها

(كذلك)

أي جزئيا خارجيا

(بل كليا)

فانه اذا قال المولى لعبده سر من البصرة الى الكوفة فللعبد أن يجعل مسيره من أي مكان من البصرة و من أي المراتب من السير سريعا أو بطيئا و من أي حال من الأحوال و من أى زمان من الأزمنة

(و لذا التجأ بعض الفحول)

و هو صاحب الفصول‏

(الى جعله)

أي جعل معنى الحروف و ما أشبهه‏

(جزئيا اضافيا و هو كما ترى‏

(*)

و ان كانت)

الخصوصية

____________

(*) فان مرجع ما التجأ اليه بعض الفحول الى ما رامه المصنف من كون الحروف مثلا من-

12

المتوهمة

(هي الموجبة لكونه جزئيا ذهنيا حيث انه لا يكاد يكون المعنى حرفيا إلا إذا لوحظ حالة لمعنى آخر)

و مرآة له‏

(و من خصوصياته القائمة به و يكون حاله)

أي حال المعنى الحرفي‏

(كحال العرض فكما لا يكون في الخارج إلا في الموضوع كذلك هو)

أي المعنى الحرفي‏

(لا يكون في الذهن إلا في مفهوم آخر و لذا)

أي و لأجل عدم تحقق المعنى الحرفي في الذهن إلا فى مفهوم آخر

(قيل فى تعريفه)

أي تعريف الحرف‏

(بأنه ما دل على معنى فى غيره)

أي كائن فى غيره كينونة العرض فى الموضوع‏

(فالمعنى و ان كان لا محالة)

حين لحاظه مع تلك الخصوصية الذهنية

(يصير جزئيا بهذا اللحاظ بحيث يباينه)

أي يباين المعنى نفسه‏

(اذا لوحظ ثانيا كما لوحظ أولا و لو كان اللاحظ و حدا)

حيث ان وحدته واقعا لا يصادم تعدده لحاظا

(إلا ان)

الموضوع له لا يكون إلا نفس ذات المعنى من دون أن يكون كونه ملحوظا كذلك داخلا فيه و ان‏

(هذا اللحاظ لا يكاد بكون مأخوذا فى المستعمل فيه و إلا فلا بد من لحاظ آخر متعلق بما هو ملحوظ بهذا اللحاظ بداهة ان تصور)

المعنى‏

(المستعمل فيه اللفظ مما لا بد منه فى استعمال الألفاظ و هو كما ترى مع انه يلزم أن لا يصدق)

المعنى الحرفى‏

(على)

الموجودات‏

(الخارجيات لامتناع صدق الكلي العقلي عليها)

أي على الخارجيات‏

(حيث لا موطن له)

أي للكلي العقلي‏

(إلا الذهن)

كما تقرر فى محله و المراد بالكلي العقلي هو الكلي المتخصص بالتخصص العقلي فان الفرض ان الخصوصية هي الخصوصية الذهنية و هي لوحظت مع المعنى الكلي لا الكلي العقلي باصطلاح المنطق‏

(ف)

حينئذ

(امتنع امتثال مثل)

قول المولى‏

(سر من البصرة)

فان الابتداء المخصوص بتلك الخصوصية لا يمكن أن يتحقق فى الخارج‏

(إلا بالتجريد و الغاء الخصوصية)

الذهنية عن المعنى و الرجوع الى الوجدان يشهد بأن امتثال هذا الأمر لا يحتاج الى عناية و تكلف‏

(هذا مع انه ليس لحاظ المعنى حالة لغيره فى الحروف إلا كلحاظه فى نفسه فى الأسماء و كما)

انه‏

(لا يكون هذا اللحاظ)

أي لحاظ الآلية

(فى الحروف فى المستعمل فيه فيها)

أي فى الأسماء

(كذلك ذاك اللحاظ)

أي لحاظ الآلية

(فى الحروف كما لا يخفى)

و التفكيك بينهما تحكم‏

(و بالجملة ليس المعنى فى كلمة من و لفظ الابتداء مثلا إلا)

مفهوم‏

(الابتداء فكما لا يعتبر فى معناه)

أي فى معنى لفظ الابتداء

(لحاظه فى نفسه و مستقلا كذلك لا يعتبر فى معناه)

أي معنى من‏

(لحاظه فى غيرها و آلة و كما لا يكون لحاظه)

أي لحاظ الاستقلالية

(فيه)

أي فى لفظ الابتداء

(موجبا لجزئيته)

أي جزئية المعنى‏

(فليكن كذلك فيها)

أي فليكن لحاظ الآلية فى معنى كلمة من غير موجب لجزئيته‏

(ان قلت على هذا)

التحقيق‏

(لم يبق فرق بين الاسم و الحرف فى المعنى و لزم كون مثل كلمة من و لفظ)

____________

- الوضع العام و الموضوع له العام فلا يوجد قسم ثالث فى الخارج. منه دام ظله‏

13

(الابتداء مترادفين صح استعمال كل منهما فى موضع الآخر و هكذا ساير الحروف مع الأسماء الموضوعة لمعانيها)

كلفظي الى و الانتهاء

(و هو باطل بالضرورة كما هو واضح، قلت الفرق بينهما إنما هو فى اختصاص كل منهما بوضع حيث انه وضع الاسم ليراد منه معناه بما هو هو و فى نفسه)

و وضع‏

(الحرف ليراد منه معناه لا كذلك بل بما هو حالة لغيره كما مرت الاشارة اليه غير مرة فالاختلاف بين الاسم و الحرف فى الوضع يكون موجبا لعدم جواز استعمال أحدهما فى موضع الآخر و ان اتفقا فيما له الوضع)

أي ذات الموضوع له و نفس المعنى‏

(و قد عرفت بما لا مزيد عليه ان نحو ارادة المعنى)

من النفسية أو الآلية الذي هو معتبر فى مقام الوضع‏

(لا يكاد يمكن أن يكون من خصوصياته)

أي خصوصيات المعنى‏

(و مقوماته)

و بالجملة ذات الموضوع له و ان كان واحدا إلا ان وضع اللفظين له و كيفيته مختلف‏

(ثم لا يبعد أن يكون الاختلاف فى الخبر و الانشاء أيضا كذلك)

أي بحسب الوضع و كيفيته‏

(فيكون الخبر)

كبعت الخبرى‏

(موضوعا ليستعمل)

هذه اللفظة

(في حكاية ثبوت معناه)

و هو النقل و الانتقال الكائن‏

(فى موطنه و الانشاء)

كبعت الانشائي موضوعا

(ليستعمل فى قصد تحققه و ثبوته و ان اتفقا)

أي الخبر و الانشاء

(فيما استعملا فيه)

و هو نسبة المحمول الى الموضوع‏

(فتأمل ثم انه قد انقدح مما حققناه)

فى الحروف و الأسماء و فى الأخبار و الانشاء

(انه يمكن أن يقال أن المستعمل فيه فى مثل أسماء الاشارة و الضمائر)

و الموصولات‏

(أيضا عام و ان تشخصه إنما نشأ من قبل طور استعمالها حيث أن الأسماء الاشارة)

كهذا

(وضعت ليشار بها الى معانيها)

و المعنى فى لفظ هذا هو كل مفرد مذكّر صلح للاشارة

(و كذا بعض الضمائر)

كضمير الغائب‏

(و بعضها)

أي بعضها الآخر كضمير المخاطب‏

(ليخاطب به المعنى و الاشارة و التخاطب يستدعيان التشخص)

أي تشخص المشار اليه و المخاطب‏

(كما لا يخفى فدعوى ان المستعمل فيه فى مثل هذا أو هو أو إياك إنما هو المفرد المذكّر)

الكلي فى نفسه‏

(و تشخصه إنما جاء من قبل الاشارة و التخاطب بهذه الألفاظ اليه فان الاشارة أو التخاطب لا يكون إلا الى الشخص)

كما فى الأول‏

(أو معه)

كما فى الثاني‏

(غير مجازفة فتلخص مما حققناه ان التشخص الناشي من قبل الاستعمالات لا يوجب تشخص المستعمل فيه)

بحيث يكون اللفظ مستعملا فى المعنى الجزئي‏

(سواء كان تشخصا خارجيا كما فى مثل أسماء الإشارة أو ذهنيا كما فى)

مثل‏

(أسماء الأجناس و الحروف و نحوهما من غير فرق فى ذلك أصلا بين الحروف و أسماء الأجناس و لعمري هذا واضح و لذا ليس فى كلام القدماء من كون الموضوع له أو المستعمل فيه خاصا فى الحروف عين و لا أثر و إنما ذهب اليه بعض من تأخر و لعله لتوهم كون قصده بما هو فى غيره من خصوصيات الموضوع له أو المستعمل فيه و الغفلة من أن‏

14

قصد المعنى من لفظه على أنحائه لا يكاد يكون من شئونه و أطواره و إلا فليكن قصده بما هو هو و فى نفسه كذلك فتأمل فى المقام فانه دقيق و قد زلّ فيه أقدام غير واحد من أهل التحقيق و التدقيق)

و في جميع ما ذكره المصنف نظر و تحقيق الحق فى كتاب الثمرات و بينا هناك ان الفرق بين المعنى الاسمي و الحرفى ليس باعتوار القصد على المعنى الواحد بل المعنى الحرفى فى حد ذاته و مقام تجوهره غير مستقل و تابع للمعنى الاسمي و ان الحق ما ذهب اليه المشهور من كون الحروف من الوضع العام و الموضوع له الخاص بمعنى انه لوحظ فى مقام الوضع المعنى الكلي ثم وضع اللفظ بإزاء خصوصياته المندرجة تحته سواء كانت اضافيا أو حقيقيا مرتبطا بالمعنى الاسمي تابعا له فى الكلية و الجزئية و ليست فى حد أنفسها لا كليا و لا جزئيا و ان شئت فراجع حتى يتبين لك دفع الاشكالات التي أورده المصنف على المتأخرين.

الامر

(الثالث) (صحة استعمال اللفظ فيما يناسب ما وضع له هل هو بالوضع أو بالطبع وجهان بل قولان)

أشهرهما الأول فان الجمهور ذهبوا إلى أن لمجاز موضوع بالوضع التأويلي النوعي و ان صحته متوقفة على نقل النوع من دون حاجة إلى نقل الآحاد ثم انهم اختلفوا فى كمية أنواع المناسبة و العلاقة فالقدماء على انها خمسة و عشرون: 1 تسمية الشي‏ء باسم سببه نحو رعينا الغيث 2 و عكسه نحو أمطرت السماء نباتا، 3 و تسميته باسم جزئه كالعين فى الربيئة، 4 و تسميته باسم كله كالأصابع فى الانامل فى قوله تعالى‏ يَجْعَلُونَ أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ‏، 5 و تسميته باسم ما كان عليه نحو قوله تعالى‏ وَ آتُوا الْيَتامى‏ أَمْوالَهُمْ‏، 6 و تسميته باسم ما يئول اليه نحو قوله تعالى‏ إِنِّي أَرانِي أَعْصِرُ خَمْراً، 7 و تسميته باسم محله كقوله تعالى‏ فَلْيَدْعُ نادِيَهُ‏ أي أهل النادية الحال فيها و النادية المجلس، 8 و عكسه كقوله تعالى‏ وَ أَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَتِ اللَّهِ‏ أي فى الجنة التي يحل فيها رحمة اللّه، 9 و تسميته الشي‏ء باسم آلته كقوله تعالى‏ وَ اجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ‏ أي ذكرا حسنا، 10 و تسمية الشي‏ء باسم المشبه به نحو رأيت أسدا يرمي 11 و تسمية المقيد باسم المطلق كاليوم فى يوم القيمة، 12 و عكسه كالعلم و ارادة اليقين أو الاعتقاد الراجح، 13 و اطلاق اسم الملزوم على اللازم ككثير الرماد للجواد، 14 و عكسه كشد الازرار لاعتزال النساء، 15 و ذكر الخاص و ارادة العام كذكر زيد و ارادة العلماء 16 و عكسه كعكسه 17 و حذف المضاف نحو اسأل القرية أي أهلها، 18 و حذف المضاف اليه نحو أنا ابن جلا و طلّاع الثنايا أي أنا ابن رجل جلا، 19 و اطلاق الشي‏ء و ارادة مجاوره نحو جرى الميزاب أى الماء فتأمل، 20 و ذكر المبدل و ارادة البدل نحو فلان آكل الدم أى الدية، 21 و استعمال النكرة المثبتة فى العموم نحو قوله تعالى‏ عَلِمَتْ نَفْسٌ ما أَحْضَرَتْ‏، 22 و استعمال المعرف باللام فى الواحد نحو ادخلوا الباب، 23 و الحذف فى غير ما ذكر كقوله تعالى‏

15

يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا أى لئلا تضلوا، 42 و الزيادة نحو قوله تعالى‏ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْ‏ءٌ، 25 و استعمال الضد فى الضد نحو قوله تعالى‏ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ‏ أى فانذرهم، و عن الآمدي انها خمسة و عن العلامة انها ثلاثة عشر و عن السيد انها احدى و ثلاثون و حكى عن بعضهم انها ستة و عشرون‏

(و أظهرهما انه بالطبع)

يعني ان المعتبر إنما هو تحقق المناسبة التي يقبل الطبع أى طبع أهل الاستعمال و جبلتهم الغريزية بها اطلاق اللفظ الموضوع لاحدهما على الآخر إما لاجل تنزيل المعنى المجازى لاجل المناسبة المذكورة منزلة المعنى الحقيقي فى جواز استعمال اللفظ فيه و اما لجعله فردا ادعائيا للمعنى الحقيقي كما ذهب اليه السكاكي‏

(بشهادة الوجدان بحسن الاستعمال فيه)

أى فيما وجده الطبع مناسبا

(و لو مع منع الواضع عنه و)

بشهادة

(استهجان الاستعمال فيما لا يناسبه و لو مع ترخيصه)

أى ترخيص الواضع‏

(و لا معنى لصحته)

أى الاستعمال‏

(إلا حسنه)

أى حسن الاستعمال و بذلك يندفع ما قد يتوهم فى المقام من لزوم الدور بتقريب ان استحسان الطبع الاستعمال يتوقف على ترخيص الواضع و هو متوقف على استحسان طبع أهل الاستعمال و ذلك لان استحسان الطبع إنما يتوقف على تحقق المناسبة و العلاقة و لو فرض منع الواضع و اما النقل و لو نوعا كما عليه الجمهور فلا دليل يساعد عليه بل نقطع بعدم نقل ينتهي الى الواضع و لم يدّعه أحد و إنما القوم تصفحوا كلمات العرب فوجدوهم يطلقون بعض الالفاظ على ما يناسب معانيها الاصلية فعمدوا الى تلك المناسبة فوجدوها فى موضع علاقة المشابهة و فى آخر علاقة السببية و هكذا فعبروا عن كل باسم يخصه فعلى هذا لا حصر فى العلائق و لا انتهاء بل كثيرا ما ينشأ من أسباب مجهولة العناوين لا يحيط بها الاوهام القاصرة كما فى مجازات الحروف و منها ما يتطرق الى أدوات الاستفهام كالاستبطاء فى قولهم كم دعوتك؟ و التعجب مثل ما لي لا أرى الهدهد! و التنبيه على الضلال نحو أين تذهبون، و قد قال التفتازاني فى المطوّل فى بحث الانشاء و تحقيق كيفية هذا المجاز و بيان انه أى نوع من أنواعه مما لم يحم أحد حوله انتهى‏

(و الظاهر ان صحة استعمال اللفظ فى نوعه)

كما اذا قيل ضرب فعل ماض و اريد كل ما كان على هيئة فعل‏

(أو مثله)

كقولنا زيد فى ضرب زيد فاعل اذا قصد به مثله‏

(من قبيله)

أى من قبيل استعمال اللفظ فى ما يناسبه بالطبع‏

(كما سيأتي الاشارة الى تفصيله)

فى الامر الآتي و العلاقة بين الكلي و الفرد أو بين المثلين أشد و أقوى من العلاقة بين المتخالفين أو المتباينين.

الامر

(الرابع لا شبهة فى صحة اطلاق اللفظ و ارادة نوعه)

منه‏

(كما اذا قيل ضرب مثلا فعل ماض)

و لم يقصد به شخص هذا اللفظ بل نوعه أى كل ما كان على هيئة فعل‏

(أو)

اطلاقه و ارادة

(صنفه كما اذا قيل زيد فى ضرب زيد فاعل اذا لم يقصد به)

أى باللفظ

(شخص القول)

الظرف قيد لكل واحد من المثالين ففي الاول قد عرفت المراد منه و اما الثاني فيكون‏

16

المراد منه كل اسم وقع بعد الفعل على جهة القيام به نحوا من القيام‏

(أو)

اطلاقه و ارادة فرد

(مثله كزيد فى المثال)

أى زيد فى ضرب زيد

(فاعل كما اذا قصد به)

شخص القول‏

(و قد أشرنا)

فى الأمر الثالث‏

(الى صحة الاطلاق كذلك)

أى على النوع أو الصنف أو المثل‏

(و حسنه إنما كان بالطبع)

بالمعنى الذى ذكرنا

(لا بالوضع)

و لو نوعا

(و إلا كانت المهملات موضوعة لذلك)

أى للنوع أو الصنف أو المثل‏

(لصحة الاطلاق كذلك)

أى بأحد الاقسام الثلاثة

(فيها)

أى فى المهملات ضرورة ان قولنا جسق مهمل و ديز مقلوب زيد قد أطلق اللفظ و اريد به المثل‏

(و الالتزام بوضعها)

أى المهملات‏

(لذلك)

أى لما اريد منها و هو المثل‏

(كما ترى)

لاستلزامه خلاف الفرض و عدم صحة تقسيم اللفظ الى المهمل و الموضوع لاشتراك جميع الالفاظ فى هذه الدلالة مضافا الى انه يلزم كون جميع الالفاظ الموضوعة مشتركة فافهم‏

(و اما اطلاقه و ارادة شخصه)

أى شخص نفس للفظ

(كما اذا قيل زيد لفظ)

و زيد ثلاثي الحروف و زيد اسم‏

(و اريد منه شخص نفسه ففي صحته بدون)

ارتكاب‏

(تأويل نظر لاستلزامه)

أى الاطلاق كذلك‏

(اتحاد الدال و المدلول)

على تقدير

(أو تركب القضية من جزءين)

فقط لا ثلاثة أجزاء و هو مما لا بد منه فى كل قضية على ما تحقق فى محله على تقدير آخر كما تنظر بذلك‏

(فى الفصول بيان ذلك)

أى بيان الملازمة

(انه إن اعتبر دلالته)

أى دلالة لفظ زيد

(على نفسه حينئذ لزم)

الامر الاول و هو

(الاتحاد)

بين الدال و المدلول‏

(و إلا)

أى و ان لم يعتبر دلالته على نفسه‏

(لزم)

الامر الثاني و هو

(تركبها من جزءين لان القضية اللفظية على هذا)

أى على تقدير عدم الدلالة

(إنما تكون حاكية عن المحمول و النسبة لا الموضوع فتكون القضية)

العقلية

(المحكية بها)

أى بالقضية اللفظية

(مركبة من جزءين)

المحمول و النسبة

(مع امتناع التركيب إلا من الثلاثة)

التي أحدها الموضوع‏

(ضرورة استحالة ثبوت النسبة بدون المنتسبين)

و هما الموضوع و المحمول‏

(قلت يمكن أن)

يدفع النظر على كل واحد من التقديرين بأن يختار التقدير الاول و هو دلالته على نفسه و

(يقال انه يكفي تعدد الدال و المدلول اعتبارا و ان اتحدا ذاتا فمن حيث انه لفظ صادر عن لافظه كان دالّا و من حيث ان نفسه و شخصه مراده كان مدلولا)

يعني ان التغاير الحقيقي بين الدال و المدلول ليس بلازم بل التغاير الاعتبارى كاف و هو هنا موجود فان لفظ زيد الصادر من المتكلم له جهتان جهة صدوره من المتكلم فبهذه الجهة يكون دالّا و منشأ لاخطار نفسه فى ذهن السامع مثلا الذي هو الموضوع الواقعي و الحقيقي لهذا الحكم و بهذه الجهة يكون مدلولا فهو من حيث انه مخطر بالكسر دال و من حيث انه مخطر بالفتح و لو فى نفس المتكلم مدلول‏

(مع ان)

لنا

17

أن نختار التقدير الثاني أي عدم دلالته على نفسه و نمنع‏

(حديث تركّب القضية من جزءين لو لا اعتبار الدلالة)

على النفس‏

(فى البين)

إذ هو

(إنما يلزم اذا لم يكن الموضوع)

فى الحقيقة

(نفس شخصه)

أي نفس شخص اللفظ الموجد بتلك الحروف المخصوصة

(و إلا كان أجزائه الثلاثة تامة و كان المحمول فيها منتسبا الى شخص اللفظ و نفسه غاية الأمر

(*)

انه نفس الموضوع لا الحاكي عنه)

كما فى القضايا المتعارفة المستعملة فى العلوم و الصناعات‏

(فافهم فانه لا يخلو عن دقة و على هذا)

البيان و ان لم يرد اشكال الفصول إلا أنه لم يكن مجاز أصلا لأنه‏

(ليس من باب استعمال اللفظ)

فى المعنى أصلا بل ايجاد موضوع و اثبات الحكم له فان الحكم فى أمثال هذه ليس من الأحكام التي تكون ثابتة للمحكي عنه باللفظ و يكون اللفظ حكاية عنه بل تمام موضوع هذا الحكم هو هذا اللفظ و هذا هو الدقة التي حكم المصنف بعدم كون المقام خاليا عنها و توضيحه ان الموضوع فى الحقيقة فى سائر القضايا المتعارفة لا بد أن يتوصل باللفظ الحاكي عن الموضوع الحقيقي اليه و أما اذا كان موضوع الحكم مما يتحقق حقيقته بنفس التلفظ فلا يحتاج حينئذ الى أمر يكون حكاية عنه بل يكون اللفظ نفس الموضوع الملقى الى المخاطب هو المحكوم عليه ابتداء و بالذات‏

(بل يمكن أن يقال أنه ليس أيضا من هذا الباب)

أي باستعمال اللفظ فى المعنى‏

(ما اذا اطلق اللفظ و اريد به نوعه أو صنفه)

كما فى قولنا ضرب كلمة و زيد فى ضرب زيد لفظ اذا لم يقصد به شخص اللفظ و ان كان بينهما و بين ما اذا اريد شخص نفس اللفظ فرق بيّن حيث ان موضوع القضية فيهما لا بد و أن يكون حاكيا عما هو فى الحقيقة فرد المحمول و هي الأفعال و الفواعل الواقعة فى التراكيب من مثل ضرب و نصر و أكل و علم و هكذا و زيد و عمرو و بكر و خالد و ذلك‏

(فانه فرده)

يعني أن اللفظ حينئذ كضرب فرد النوع و الصنف و مصداقه حقيقة لا لفظه يعني لا أن اللفظ المراد به النوع لفظ الموضوع‏

(و ذاك معناه)

أي شخص ضرب معناه أي معنى هذا الموضوع‏

(كي يكون)

اللفظ

(مستعملا فيه استعمال اللفظ فى المعنى ف)

حينئذ

(يكون اللفظ نفس الموضوع الملقى الى المخاطب خارجا قد احضر فى ذهنه بلا وساطة حاك و قد حكم عليه ابتداء بدون واسطة أصلا لا لفظه)

أي لا أن يكون اللفظ لفظ الموضوع‏

(كما لا يخفى فلا يكون فى البين لفظ قد استعمل فى معنى بل فرد قد حكم فى القضية عليه بما هو مصداق لكلي اللفظ)

أي بما أنه فرد النوع أو الصنف المراد باللفظ

(لا بما هو خصوص جزئيه)

و الحاصل أنه‏

____________

(*) حاصله ان ما هو المحال و هو خلو القضية عن الموضوع بحسب الواقع فليس بلازم و ما هو اللازم و هو خلو القضية عن الموضوع الصناعي و هو الحاكي عن الموضوع الواقعي فليس بمحال فان واقع كل شي‏ء إنما هو بحسبه. منه دام ظله‏

18

اذا قيل ضرب كلمة و اريد به نوعه مثلا يكون المراد من الموضوع حينئذ كل ما كان على هيئة فعل فالحكم ثابت لهذا العنوان فيكون كما اذا قيل كل خمر حرام فكما ان الحكم فى هذه القضية يشمل هذه الخمر الشخصي الموجودة فى الخارج من باب انطباق العنوان الكلي على المصداق و ليس هذه الخمر الشخصي معنى للفظ الموضوع فى هذه القضية من حيث شخصه كذلك فيما نحن فيه يكون الحكم ثابتا لشخص ضرب من باب الانطباق كما انه ثابت للفظ نصر و علم و شرف كذلك أيضا من دون أن يكون شخص لفظ ضرب معنى للفظ ضرب المراد به النوع‏

(نعم فيما اذا)

اطلق و

(اريد به فرد آخر مثل كان من قبيل استعمال اللفظ)

و هو أحد المثالين‏

(في المعنى)

و هو المثال الآخر و هو واضح و قوله‏

(اللهم إلا أن يقال)

اشارة الى تصوير كون ما اذا اطلق اللفظ و اريد به نوعه و صنفه من باب استعمال اللفظ في المعنى بأن يقال‏

(ان لفظ ضرب و ان كان فردا له)

أي لفظ ضرب المراد به النوع‏

(إلا أنه اذا قصد به)

أي لفظ ضرب المراد به النوع‏

(حكايته)

أي حكاية لفظ ضرب فى التركيب من الفعل و الفاعل‏

(و جعل عنوانا له و مرآته كان لفظه المستعمل فيه و كان حينئذ كما اذا قصد به فرد مثله)

فى كونه استعمالا للفظ فى المعنى‏

(و بالجملة فإذا اطلق و اريد به نوعه كما اذا اريد به فرد مثله كان من باب استعمال اللفظ فى المعنى و ان كان فردا منه و قد حكم فى القضية بما يعمه)

كما فى العام و القضايا المحصورة

(و ان اطلق ليحكم عليه بما هو فرد كليه و مصداقه لا بما هو لفظه و به حكايته)

كقولنا ضرب كلمة اذا اريد به كلما كان على هيئة فعل‏

(فليس من هذا الباب)

أي من باب استعمال اللفظ فى المعنى كما فى اطلاق الكلي على الفرد و المطلق المراد به المقيد على ما هو الحق و التحقيق على مستمعه‏

(لكن الاطلاقات المتعارفة ظاهرا ليست كذلك)

أي مما اطلق ليحكم عليه بما هو فرد كليه‏

(كما لا يخفى)

بل‏

(و فيها)

أي فى الاطلاقات المتعارفة

(ما لا يكاد يصح أن يراد منه ذلك)

أي الحكم على اللفظ بما هو فرد كليه و مصداقه‏

(مما كان الحكم فى القضية لا يكاد يعم شخص اللفظ كما فى مثل ضرب فعل ماض)

فانه و ان كان المراد من لفظ ضرب فى هذه القضية النوع أي كلما كان على هيئة فعل لكن الحكم فى القضية أي فعل ماض لا يكاد يعم شخص لفظ ضرب الذي جعل موضوعا لأنه اسم قطعا و ليس بفعل ماض أصلا اللهم إلا أن يتصرف فى المحمول بأن يقال ان المراد به هو ما كان على هيئة الفعل الماضي و ان لم يكن به حقيقة فحينئذ يشمل الحكم شخص اللفظ أيضا

الأمر

(الخامس) (لا ريب فى كون الألفاظ موضوعة بإزاء معانيها من حيث هي)

هذه الحيثية حيثية اطلاقية تقييد فى العبارة و العنوان يكشف عن اطلاق المعنون لا أنها فى الواقع قيد للمعنى يعنى ان تمام الموضوع له هو نفس ذات المعنى‏

(لا من حيث هي مرادة للافظها)

19

بحيث يكون كونها مرادة للافظها داخلا فى الموضوع له و لا التقييد بها داخلا فيه و كذلك المستعمل فيه ليس إلا نفس ذات المعنى من دون أن يكون مراديته داخلا فيه شطرا أو قيدا

(لما عرفت بما لا مزيد عليه)

في تحقيق معنى الحروف‏

(من أن قصد المعنى)

و ارادته‏

(على أنحائه من مقومات الاستعمال فلا يكاد يكون من قيود المستعمل فيه)

لأن اعتبار ما يحدث بنفس الاستعمال فى المستعمل فيه يستلزم تقدم الشي‏ء على نفسه‏

(هذا مضافا الى ضرورة صحة الحمل و الاسناد فى الجمل بلا تصرف فى ألفاظ الأطراف مع انه لو كانت موضوعة لها بما هي مرادة لما صح بدونه بداهة ان المحمول على زيد فى زيد قائم و المسند اليه فى ضرب زيد مثلا هو نفس القيام و الضرب لا بما هما مرادان)

توضيحه أن معنى زيد فى قولنا زيد قائم بناء على اعتبار الحيثية فى الموضوع له هو الذات المشخصة المرادة بالارادة الحقيقية و معنى قائم هو ذات متصفة بالقيام المرادة بالارادة الحقيقية الاخرى و الإرادتان الحقيقيتان لما كانتا موجودتين متغايرتين يصير زيد و قائم اللذان هما متعلقاهما أيضا متغايرين بحسب الوجود فلا يمكن حمل أحدهما على الآخر لأن ملاك الحمل الشائع هو الاتحاد فى الوجود فلا بد أولا من التصرف فى أطراف القضية بتجريدها عن التقييد بالارادة و الوجدان السليم يكذب هذا التكلف و التصرف فتأمل و انتظر لتحقيق الأمر فيما يحين حينه‏

(مع انه يلزم)

من ذلك انكار وضع العام و الموضوع العام‏

(و كون وضع عامة الألفاظ)

و جميعها

(عاما و الموضوع له خاصا)

يعني فى جميع وضع العام و الموضوع له العام‏

(لمكان اعتبار خصوص ارادة اللافظين فيما وضع له اللفظ)

و الارادة الحقيقية و هي الشوق المؤكد الحاصل للنفس بالنسبة الى شي‏ء لما كانت جزئيه يوجب جزئية المعنى فيلزم انقلاب وضع العام و الموضوع له العام الى وضع العام و الموضوع له الخاص‏

(فانه لا مجال لتوهم أخذ مفهوم الارادة فيه)

أي فى المعنى حتى لا يلزم هذا الانقلاب لكونه مفهوما كليا لا جزئيا

(كما لا يخفى و هكذا الحال فى طرف الموضوع)

أي موضوع القضية كما بيناه‏

(و أما ما حكى عن العلمين الشيخ الرئيس)

أبي علي سينا

(و المحقق)

نصير الدين‏

(الطوسي من مصيرهما الى أن الدلالة تتبع الارادة فليس ناظرا الى كون الالفاظ موضوعة للمعاني بما هي مرادة كما توهم بعض الافاضل)

و هو صاحب الفصول حيث قال فيه و الظاهر أن ما حكى عن الشيخ الرئيس و المحقق الطوسي من مصيرهما الى أن الدلالة تتبع الارادة ناظر الى هذا و تحقيقه أن اختصاص الوضع بالمعنى الذي تعلق به ارادة اللافظ يوجب انتفائه عند انتفائه فتنتفي الدلالة المستندة اليه، انتهى محل الحاجة

(بل ناظر الى أن دلالة الالفاظ على معانيها بالدالة التصديقية أي دلالتها على كونها مرادة للافظها تتبع ارادتها)

أي ارادة اللافظ المعاني‏

(منها)

أي من الألفاظ

(و يتفرع)

الدلالة التصديقية

(عليها)

أي على الارادة

20

المذكورة

(تبعية مقام الاثبات)

و الدلالة

(للثبوت)

و الواقع و نفس الأمر

(و تفرع الكشف على الواقع المكشوف فانه لو لا الثبوت في الواقع لما كان للاثبات و الكشف و الدلالة مجال و لذا)

أي و لأجل هذه التبعية

(لا بد)

في مقام الدلالة التصديقية

(من احراز كون المتكلم بصدد الافادة في اثبات ارادة ما هو ظاهر كلامه و دلالته على الارادة)

و لو كان الاحراز بأصل من الاصول‏

(و إلا)

أي و إن لم يحرز كون المتكلم بصدد الافادة و لو بأصل من الاصول‏

(لما كانت لكلامه هذه الدلالة)

التصديقية

(و ان كانت له الدلالة التصورية أي كون سماعه موجبا لاخطار معناه الموضوع له و لو كان)

السماع‏

(من وراء الجدار أو من لافظ بلا شعور و لا اختيار)

كالنائم و الساهي و المجنون‏

(ان قلت على هذا)

أي على كون الدلالة التصديقية تابعة للارادة

(يلزم أن لا يكون هناك)

أي في مقام صدور الكلام عن المتكلم‏

(دلالة عند الخطأ و القطع بما ليس بمراد أو الاعتقاد بارادة شي‏ء و لم يكن له من اللفظ مراد قلت نعم لا يكون حينئذ دلالة بل يكون هناك جهالة و ضلالة يحسبها الجاهل دلالة و لعمري ما أفاده العلمان من التبعية على ما بيناه واضح لا محيص عنه و لا يكاد ينقضي تعجبى كيف يرضى المتوهم المذكور أن يجعل كلامهما ناظرا الى ما لا ينبغي صدوره عن فاضل فضلا عمن هو علم في التحقيق و التدقيق)

و عندي أن كلام هذين العلمين كما لا يكون ناظرا الى ما ذكره صاحب الفصول كذلك لا يكون ناظرا الى ما ذكره الصنف الذي اقتبسه من الفاضل القمي من التفصيل بين الدلالة التصورية و التصديقية و تحقيق الحق في هذا الباب في الثمرات و بينا هناك أن الدلالة ليست مطلق التفات النفس الى المعنى بل هو التفات مخصوص و هو التفات النفس الى المعنى من جهة انه هو الذي صار للمتكلم داعيا الى التكلم لأجل الاعراب عما في الضمير و هذه لا يتصور فيها الانقسام الى التصورية و التصديقية و ان شئت توضيح ما هو الحق فراجع ما هناك.

الأمر

(السادس) (لا وجه لتوهم وضع للمركبات غير وضع المفردات)

أي أجزائها الى من جملتها الهيئة العارضة لمادة المركبات من كونها جملا اسمية أو فعلية بأقسامها شرطية أو ظرفية بأنواعها أي ليس المجموع المركب من الهيئة و المادة موضوعة بوضع على حدة للمعنى غير وضع الهيئة و المادة

(ضرورة عدم الحاجة اليه بعد وضعها بموادها فى مثل زيد قائم و ضرب عمرو بكرا شخصيا و بهيئاتها المخصوصة من خصوص اعرابها)

وضعا

(نوعيا و منها)

أي و من الهيئات‏

(خصوص هيئات المركبات الموضوعة لخصوصيات النسب و الاضافات بمزايا الخاصة من تأكيد و حصر)

بأنواعها

(و غيرهما)

من تقديم و تأخير و حذف و نحو ذلك وضعا؟؟

(نوعيا بداهة أن)

الوضع الصادر من الحكيم إنما هو بمقدار الحاجة في مقام الدلالة و الاعراب‏

21

عما في الضمير

(و وضعها)

أي المركبات‏

(كذلك)

أي بمادتها و هيئاتها

(واف بتمام المقصود منها كما لا يخفى من غير حاجة الى وضع آخر لها)

أي للمركبات‏

(بجملتها)

أي وضع آخر لمجموع المادة و الهيئة من حيث المجموع فانه اذا كانت المادة موضوعا و محمولا موضوعة لمعنى و الهيئة موضوعة لافادة الخصوصيات المطلوبة عند المتكلم من اثبات شي‏ء لشي‏ء أو نفيه عنه على نهج الثبات أو الاستمرار التجددي أو للتجدد الصرف أو الحصر أو غير ذلك فلا يبقى شي‏ء في مقام الافادة حتى يوضع المجموع المركب له فان قلت ان المجموع المركب موضوع لما يكون تمام المفردات من المادة و الهيئة موضوعة له يلزم التكرار في الوضع بلا فائدة و هو عبث و ان قلت انه موضوع لمعنى آخر غير ما يكون المفردات موضوعة له فلا بد لك أن تبينه حتى نتكلم عليه و الى ما ذكرنا في الشق الأول أشار المصنف بقوله‏

(مع استلزامه الدلالة على المعنى تارة بملاحظة وضع نفسها و اخرى بملاحظة وضع مفرداتها)

فتدبر

(و لعل المراد من العبارات الموهمة لذلك)

الوضع‏

(هو وضع الهيئات على حدة غير وضع المواد لا وضعها)

أي وضع المركبات‏

(بجملتها)

أي مجموع المواد و الهيئات من حيث المجموع‏

(علاوة على وضع كل)

واحد

(منهما)

أي من المواد و الهيئات.

الأمر

(السابع لا يخفى)

انهم ذكروا لتمييز الحقيقة من المجاز علائم متعددة

منها التبادر و غرضهم‏

(ان تبادر المعنى من اللفظ و انسباقه الى الذهن من نفسه)

أي من نفس اللفظ و حاقه‏

(و بلا قرينة)

متصلة أو منفصلة و لو كانت شهرة عند اطلاق اللفظ

(علامة كونه)

أي كون اللفظ

(حقيقة فيه)

أي في المنسبق الى الذهن‏

(بداهة انه لو لا وضعه له لما تبادر)

منه من حاقّه و بلا قرينة فالتبادر دليل إني على الحقيقة

(لا يقال كيف يكون)

التبادر

(علامة)

للحقيقة

(مع توقفه على العلم بأنه)

أي اللفظ

(موضوع له)

أي للمعنى التبادر

(كما هو واضح فلو كان العلم به موقوفا عليه لدار)

الأمر دورا صريحا

(فانه يقال)

العلم‏

(الموقوف عليه)

للتبادر

(غير)

العلم‏

(الموقوف عليه)

أي على التبادر بالاجمال و التفصيل‏

(فان العلم التفصيلي بكونه)

أي المعنى‏

(موضوعا له موقوف على التبادر)

و متأخر عنه‏

(و هو)

أي التبادر

(موقوف على العلم الاجمالي الارتكازي به)

أي بالموضوع له و متأخر عن هذا العلم الاجمالي‏

(لا التفصيلي فلا دور)

توضيحه ان الانسان اذا راجع وجدانه حين ابتداء أمره و تنطقه تعلم ألفاظا من الأبوين أو غيرهما تستعمل في المعاني عند الاعراب عما في الضمير فقد علم اجمالا ذات الموضوع له و غيره مما يناسبه فاذا صار عارفا بالمعنى الحقيقة و المجاز فكلما سمع لفظا و انسبق من سماعه الى ذهنه معنى مع قطع النظر عن كل القرائن فيعلم كون اللفظ حقيقة في خصوص هذا المعنى و كلما سمع لفظا و انسبق من سماعه الى ذهنه معنى بالقرينة

22

فيعلم كونه مجازا فى خصوص هذا المعنى و هذا بعينه هو الجواب عن الاشكال الوارد على كلية الكبرى فى الشكل الأول فتذكر

(و هذا)

الجواب‏

(اذا كان المراد به)

أي بالتبادر

(التبادر عند)

نفس‏

(المستعلم و اما اذا كان المراد به)

ان‏

(التبادر)

أي تبادر المعنى‏

(عند أهل المحاورة)

العالمين بالأوضاع علامة للجاهل‏

(فالتغاير أوضح من أن يخفى ثم أن هذا)

أي كون التبادر علامة إنما هو

(فيما)

لو

(علم استناد الانسباق الى نفس اللفظ)

و كونه حاقيا

(و أما فيما)

شك‏

(و احتمل استناده الى القرينة)

فلا يصلح أن يكون علامة كما اذا علم استناده الى قرينة

(فلا يجدي اصالة عدم القرينة في احراز كون الاستناد اليه)

أي الى اللفظ

(لا اليها)

أي الى القرينة

(كما قيل)

و القائل هو الفاضل القمي‏

(لعدم الدليل على اعتبارها)

أي اعتبار اصالة عدم القرينة

(إلا فى احراز المراد لا)

فى مقام‏

(الاستناد)

يعني ان حجية هذا الاصل لما كانت من باب بناء العقلاء و ديدنهم فالقدر المتيقن منه و المقدار المسلم منه عندهم انهم يعملون بهذا الاصل فى مقام الشك فى المراد بمعنى انهم عند الشك فى أن المراد من اللفظ هل هو معناه الحقيقي أو المجازي يبنون على أن المراد هو المعنى الحقيقي حتى يظهر خلافه و هذا هو معنى اصالة عدم القرينة و اما اذا كان المعنى مرادا قطعا و لكن لا يعلم انه كيف اريد و انسبق أ من حاق اللفظ أم من القرينة فلم نقطع بأن ديدنهم هنا أيضا الاعتماد على الاصل و البناء على أن هذا المراد قد اريد من حاق اللفظ فلا بد من التوقف و التماس دليل من خارج‏

(ثم أن)

من العلائم عدم صحة السلب و ملخص الكلام فيه‏

(ان عدم صحة سلب اللفظ بمعناه المعلوم المرتكز فى الذهن اجمالا كذلك)

أي كالاجمال الذى عرفته فى التبادر

(عن معنى)

قد استعمل اللفظ فيه‏

(تكون علامة كونه)

أى كون اللفظ

(حقيقة فيه)

كالاسد المستعمل فى الحيوان المفترس‏

(كما ان صحة سلبه عنه علامة كونه مجازا)

فيه‏

(فى الجملة)

أى سواء كان مجازا فى الكلمة أو فى الاسناد

(و التفصيل ان عدم صحة السلب عنه و صحة الحمل عليه بالحمل الاولى الذاتي الذى كان ملاكه الاتحاد مفهوما علامة كونه)

أى كون المستعمل فيه‏

(نفس المعنى و بالحمل الشائع الصناعي الذى ملاكه الاتحاد وجودا بنحو من أنحاء الاتحاد علامة كونه من مصاديقه)

أى من مصاديق المعنى‏

(و أفراد الحقيقية)

بيانه ان حمل شي‏ء على شي‏ء و اتحاده معه على قسمين الاول الحمل الشائع الصناعي و هو اتحاد الموضوع و المحمول فى مجرد الوجود و مرجع هذا الحمل الى كون الموضوع من أفراد مفهوم المحمول سواء كان الحكم على نفس مفهوم الموضوع من دون سرايته عنها الى الافراد كما فى القضايا الطبيعية كقولنا الانسان نوع و الحيوان جنس أو على أفراده كما فى القضايا المتعارفة من المحصورات و الشخصيات و المهملات و سواء كان المحمول ذاتيا للموضوع و يقال له الحمل‏

23

بالذات كقولنا الانسان حيوان أو عرضيا و يقال له الحمل بالعرض كقولنا الانسان كاتب و الجميع يسمى حملا شايعا صناعيا عرضيا اما كونه شايعا صناعيا لشيوعه فى العلوم و الصناعات و اما كونه عرضيا فلأن ملاك هذا الحمل هو الاتحاد فى الوجود فقط و هو عرض بالنسبة الى الماهية كما تقرر فى محله فيكون ما به الاتحاد فى القضية أمرا عرضيا بالنسبة الى ماهيّة الموضوع و المحمول فحمل المواطاة و هو حمل هو هو و حمل الاشتقاق و التركيب و هو حمل ذو هو كلها من أقسام الحمل الشائع الصناعى لا الحمل الاولي الذاتي الذى هو القسم الثاني و هو عبارة عن أن الموضوع هو بعينه نفس ماهيّة المحمول و مفهومه بعد ملاحظة نحو من التغاير بينهما لا أن يقتصر فيه على مجرد الاتحاد هما فى الوجود كما فى حمل الحد التام على المحدود كقولنا الانسان حيوان ناطق اما كونه ذاتيا فلأن هذا الحمل لا يجرى إلا فى الذاتيات بل فى تمام الذاتي و اما كونه أوليا فلكونه أولي الصدق و الكذب و كثيرا ما يصدق و يكذب محمول واحد على موضوع واحد بل مفهوم واحد على نفسه بحسب الحملين كقولنا الجزئي جزئي أي بالحمل الاولي الذاتي ضرورة عدم جواز سلب الشي‏ء عن نفسه و ليس بجزئى بل كلي بالحمل المتعارف و كقولنا الحرف حرف أى بالأول و ليس بحرف بل اسم بالثاني اذا تقرر هذا فنقول انه فيما اذا كان المحمول كليا و الموضوع فردا و لو اضافيا فيكون صحة حمله عليه و عدم صحة سلبه عنه بالحمل الشائع الصناعي كما اذا أطلق الانسان على زيد أو الحيوان على الانسان و فيما لم يكن كذلك بأن كان المحمول حدا تاما للموضوع أو مرادفا له فبحسب الحمل الاولي الذاتي كما اذا استعمل لفظ الانسان في الحيوان الناطق أو في مفهوم لفظ البشر مثلا، و بالجملة فيما يكون المحمول تمام الذاتي للموضوع و أما المحمول الذى لم يكن تمام الذاتي للموضوع و لا كليا بحيث يكون الموضوع فردا له فلا يفيد صحة الحمل حينئذ أن المستعمل فيه نفس المعنى و لا انه من مصاديقه و أفراده الحقيقية كما اذا أطلق الناطق على الضاحك أو الأسود على الانسان و بالعكس فقول الاستاد المحقق في تعليقه في هذا المقام هذا فيما اذا كان المحمول و المحمول عليه كليا و فردا لا فيما اذا كانا كليين متساويين أو غيرهما

(انتهى)

اشارة الى ما ذكرناه و لكنه محل نظر (1) و تأمل‏

____________

(1) قوله و لكنه محل نظر و تامل وجهه ان المراد بالمتساويين هما المتساويان في الصدق و الوجود و مجرد التساوى المذكور لا يقتضي عدم كون أحدهما كليا و الآخر فردا ضرورة ان الناطق و الضاحك مثلا بحسب المفهوم أعم من الانسان و هو فرد لكل منهما مع ان كلّا منهما مساو للانسان و كذلك العامين من وجه و لا غرو في صيرورة الشي‏ء فردا لفرده لكن باعتبارين كالكلي الذى هو مقسم للكليات الخمس فانه فرد لفرده الذى هو الجنس أو العرض العام من حيث انه جنس للكليات الخمس أو عرض عام لهما كما انه قد يصير الشي‏ء فردا لنقيضه كالعدم-

24

(كما ان صحة سلبه)

أى سلب اللفظ بمعناه المرتكز في الذهن اجمالا عن معنى قد استعمل فيه اللفظ و عدم حمله عليه‏

(كذلك)

أى بأى معنى من الحمل‏

(علامة انه ليس منهما)

أى علامة انه ليس نفس المعنى أو ليس من مصاديقه و أفراده الحقيقية

(و ان لم نقل)

بمجرد ذلك السلب‏

(ان اطلاقه عليه من باب المجاز في الكلمة بل)

جوزنا كونه‏

(من باب الحقيقة و ان التصرف فيه في أمر عقلي كما صار اليه السكاكي)

كما في قولنا زيد الأمير بناء على افادته الحصر و في اطلاق الحمار على البليد إذ في الأول يصح سلب ماهيّة الأمير عن ماهيّة زيد و ان كان لا يصح سلبها عنها وجودا و في الثاني يصح سلب الحمار عن البليد بالحمل الشائع أيضا

(و استعلام حال اللفظ و انه حقيقة أو مجاز في هذا المعنى بهما)

أى بعدم صحة السلب و صحته‏

(ليس على وجه دائر)

بالتقريب المتقدم في التبادر

(لما عرفت في التبادر من التغاير بين الموقوف و الموقوف عليه بالاجمال و التفصيل أو الاضافة الى المستعلم و العالم فتأمل جيدا ثم انه قد ذكر الاطراد و عدمه علامة للحقيقة و المجاز أيضا)

الأول للاول و الثاني للثاني و قالوا أن الاطراد شيوع استعمال اللفظ في المعنى بحسب المقامات بحيث لا يختص جوازه بمقام دون مقام و تركيب سواء كان المستعمل فيه نفس المعنى أو مصداقه كلفظ زيد و انسان حيث لا يختص استعمالهما في معنييهما بمقام دون مقام بخلاف استعمال رقبة في الذات حيث يصح في مثل اعتق رقبة دون نام رقبة أو قال رقبة و كذا مثل اليد حيث يصح اطلاقه على الانسان في قوله ع:

على اليد ما أخذت حتى تؤدى و لا يصح في مثل ذهبت يد او قالت يد و كذا يصح اسأل القرية بخلاف نامت القرية أو ذهبت، و قد أورد على كون الاطراد علامة الحقيقة النقض بالمجازات المطردة في الاستعمال سيما فيما اذا كان الربط بين المعنى الحقيقي و المجازى في غاية الشدة و القوة و العلاقة بينهما في كمال الوضوح كما في استعمال الأسد فى الرجل الشجاع فانه يطرد استعماله فيه نحو اطراد استعمال اللفظ الموضوع لذلك من غير فرق سوى ذكر القرينة المعتبرة فى المجاز فيكون الاطراد لازما أعم بالنسبة الى الحقيقة فلا يدل عليها إذ لا دلالة للعام على الخاص.

و الجواب ان المراد بالاطراد و عدمه الذين جعلا من العلائم هو شيوع الاستعمال و عدمه بالنسبة الى نوع العلاقة المصححة للاستعمال فى الأول و نوع العلاقة المصححة له فى الثاني مثلا لفظ العالم يصح استعماله فى كل ذات تحقق فيه الادراك بحيث اذا اطلق على زيد يكون المصحح له هو حصول الادراك فى زيد و ليس لخصوصية ذات زيد دخل فيه حتى لا يكون اطلاقه على عمر و حقيقة بخلاف لفظ الأسد فان استعماله فى الرجل باعتبار علاقة المشابهة

____________

- فانه باعتبار كونه متصورا في الذهن فرد للوجود و كذلك الشي‏ء قد يصير فردا لنفسه كالوجود باعتبار حصول مفهومه فى الذهن فرد من الوجود المطلق فافهم. منه دام ظله‏

25

و ليس هذا المصحح و الملاك مطردا إذ ربما تتحقق المشابهة و لا يصح الاستعمال كما فى العصفور الشجاع و النملة كذلك و غيرهما من ساير أقسام الحيوانات و كذلك الأمر فى التضايف لتحققه في الأب و الابن مع انه لا يصح الاستعمال و ليس المراد بهما هو الشيوع و عدمه بالنسبة الى خصوص المصحح للاستعمال فان المجاز أيضا مطرد بالنسبة اليه كالحقيقة فلا يتحقق عدم الاطراد في المجاز أصلا و الى هذا الجواب أشار المصنف بقوله‏

(و لعله)

أي عدم الاطراد

(بملاحظة نوع العلاقة المذكورة في المجازات حيث لا يطرد صحة استعمال اللفظ معها و إلا فبملاحظة خصوص ما يصح معه الاستعمال فالمجاز مطرد كالحقيقة)

و قد تخلص بعضهم عن هذا الاشكال بزيادة قيد من غير تأويل أو زيادة قيد على وجه الحقيقة في تعريف الاطراد فان الاطراد المذكور في المجاز إنما هو بالتأويل و الاعتماد على القرينة فحينئذ يصير الاطراد مخصوصا بالحقيقة و لا يوجد في المجاز أصلا و ضعّفه بعضهم بأنه حينئذ يستحيل أن يصير علامة الحقيقة لاستلزامه الدور فان العلم بالحقيقة حينئذ يكون مقدما على الاطراد و موقوفا عليه له فلو كان الاطراد طريقا مؤديا اليه فلا محالة يكون مقدما و هذا هو الدور و لا يمكن التفصي عنه بمثل ما ذكرناه في التبادر و صحة السلب من التغاير بين الموقوف و الموقوف عليه بالاجمال و التفصيل ضرورة انه مع العلم بكون الاستعمال على نهج الحقيقة يطمئن النفس و لا يبقى مجال لاستعلام حال الاستعمال بالاطراد أو بغيره و هل هذا إلا استعلام حال المعلوم و طلب الحاصل و اليه أشار الاستاذ المحقق بقوله‏

(و زيادة قيد من غير تأويل أو على وجه الحقيقة و ان كان موجبا لاختصاص الاطراد كذلك بالحقيقة إلا انه حينئذ لا يكون علامة لها إلا على وجه دائر

(*)

و لا يتأتى التفصي عن الدور بما ذكر في التبادر هنا ضرورة انه مع العلم بكون الاستعمال على نحو الحقيقة لا يبقى مجال لاستعلام حال الاستعمال بالاطراد أو بغيره)

.

الأمر

(الثامن) (انه للفظ أحوال خمسة و هي التجوز)

و هو استعماله في خلاف الموضوع له‏

(و الاشتراك)

و هو تعدد وضعه اما تعيينا أو تعينا

(و التخصيص)

و هو قصر حكم العام على بعض أفراده‏

(و النقل)

و هو وضعه لمعنى اما تعيينا أو تعينا بعد كونه موضوعا لمعنى آخر بحيث قد غلب استعماله في المعنى الثاني و هجر استعماله في المعنى الأول‏

(و الأضمار)

و هو التقدير كقوله تعالى‏ وَ سْئَلِ الْقَرْيَةَ بناء على حذف الأهل‏

(لا يكاد يصار الى أحدها)

أي أحد الأحوال الخمسة

(فيما اذا دار الأمر بينه و بين المعنى الحقيقي إلا بقرينة صارفة عنه)

أي عن المعنى الحقيقي‏

(اليه)

أي الى أحدها

(و أما اذا دار الأمر بينها)

أي بين هذه الأحوال‏

____________

(*) اما على الثاني فواضح و اما على الاول فلان الاطراد من غير تأويل يستلزم الحقيقة فالاطراد حينئذ يتوقف على معرفة الحقيقة بالالتزام و الفرض انها يتوقف عليه فيدور. منه دام ظله‏

26

الخمسة بعضها مع بعض و صورها عشرة إذ دوران الأمر بين التجوز و الأربعة الباقية أربع صور و دوران الاشتراك مع الثلاثة الباقية ثلاثة و دوران التخصيص مع الاثنين الباقيين صورتان و دوران النقل و الاضمار صورة واحدة و تلك عشرة كاملة و ليعلم انه قد توهم انه ليس المراد من الدوران بين الاشتراك و المجاز هو دوران حال اللفظ بين كونه مجازا في أحد المعنيين و بين كونه مشتركا بينهما فان هذه من عنوان مسئلة اخرى قد اشتهر الخلاف فيها بين السيد و المشهور بل المراد دوران الأمر بين مجاز في لفظ و بين الاشتراك في لفظ آخر كما في قوله تعالى: وَ لا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ‏، فان النكاح حقيقة في العقد بلا اشكال فلو اريد هنا العقد يصير ظاهر الآية تحريم معقودة الأب و لو بالعقد الفاسد على الابن و هذا خلاف الاجماع فلا بد إما من الالتزام باشتراك لفظ النكاح بين العقد و الوطي و حمله في الآية على الوطي أو التجوز في النهي بارادة القدر المشترك بين الحرمة و الكراهة فيتعارض المجاز و الاشتراك، و ظني ان كلتا الصورتين داخلتان في حريم النزاع و التخصيص المزبور تحكم صرف و كيف كان فقد اختلفوا في ترجيح أحدهما على الآخر في هذه الصورة فبعضهم قالوا أن المجاز أرجح من الاشتراك لكثرته و أوسعيته في العبارة لتطرق المبالغة و البلاغة و المحسنات البديعية اليه و تيسر مراعاتها معه دون الحقيقة فالأول نحو اشتعل الرأس شيبا بخلاف شبت و الثاني كاستعمال الشمس للشريف و الكلب للخبيث تعظيما و تحقيرا بخلاف نحو رجل أو زيد و الثالث كالجناس و الطباق و التضاد و أمثال ذلك و كونه أفيد لأنه لا توقف فيه أبدا إذ مع القرينة يحمل على المجاز و بدونها على الحقيقة فلا تعطيل في اللفظ بخلاف المشترك فانه بدون القرينة لا يحمل على شي‏ء من المعنيين على التحقيق و بعضهم رجحوا الاشتراك على المجاز كالسيد و ابن زهرة قدس سرهما لأجل أبعديته عن الخطأ إذ مع عدم القرينة يتوقف بخلاف المجاز فيحمل على الحقيقة و ربما يكون غير مراد في نفس الأمر و لأجل ان الاشتراك مستلزم لصحة التجوز بملاحظة كل واحد من معنييه اذا تحققت العلاقة بخلاف المجاز إذ لا يصح التجوز منه و أن تحققت العلاقة إلا على القول بسبك مجاز من مثله و هو نادر فتكون فائدة الاشتراك أكثر و في صورة دوران الأمر بين الاشتراك و النقل كما في قوله ص: الطواف بالبيت صلاة، حيث أن لفظ الصلاة بناء على الاشتراك و عدم هجر المعنى اللغوي تكون مجملة لاحتماله أحد المعنيين أما اللغوي و أما الشرعي فلا يثبت بهذا الكلام للطواف شرائط الصلاة و بناء على النقل و هجر المعنى اللغوي يصير المشبه به أعني لفظ الصلاة متعينة في المعنى الشرعي فيثبت جميع شرائطها له أو أظهر شرائطها الذي هو الطهارة عن الحدث و الخبث له قالوا بأرجحية الاشتراك فان النقل يقتضي الوضع في المعنيين على التعاقب و هجر الوضع الأول بخلاف الاشتراك و ان الهجر يقتضي بطلان المهجور و الاشتراك يقتضي التوقف و هو أولى‏

27

و أسهل و أن الاشتراك أكثر من النقل و في صورة دوران الأمر بين الاشتراك و الأضمار كما في قوله تعالى: وَ سْئَلِ الْقَرْيَةَ، حيث أنه يحتمل أن يكون القرية حقيقة في خصوص المحل فلا بد من اضمار الأهل و أن تكون مشتركة بينه و بين الحال فلا يحتاج الى الأضمار كذا قالوا و أقول بناء على كونها حقيقة في خصوص المحل لا يتعين الأضمار بل يمكن حينئذ اطلاقها على الأهل بعلاقة الحال و المحل و كون القرية موضوعة للاهل بعيد جدا لكن المناقشة في المثال سهل أمرها و كما فى قوله ص: فى خمس من الابل شاة، حيث أن لفظة فى يحتمل أن تكون مشتركة بين الظرفية و السببية و يحتمل أن تكون للظرفية خاصة فعلى الأول لا حاجة الى الأضمار لاحتمال السببية و على الثاني لا بد من اضمار مقدار أو قيمة و كيف كان فقد ذهب العلامة فى التهذيب الى ترجيح الأضمار و علله باختصاص الاجمال فى بعض الصور بالإضمار و عموميته فى الاشتراك و غرضه أنه مع انتفاء القرائن الخارجية لا إجمال فى أكثر موارد الأضمار كما اذا اتّحد ما يصلح له أو تعين بعض المتعدد فيختص الإجمال ببعض الصور و هو ما اذا تعدد ما يصلح له مع تساوى الجميع بخلاف الاشتراك فان الاجمال ثابت فيه فى جميع الموارد الخالية عن القرائن و ان الأضمار أوجز و هو من محاسن الكلام و فى صورة دوران الأمر بين الاشتراك و التخصيص كألفاظ العموم حيث أن أمرها دائر بين كونها موضوعة للعموم فقط و استعمالها فى الخصوص مجاز كما هو المشهور و بين كونها مشتركة بينهما كما نسب الى السيد ره و ان ذهب بعضهم الى كونها موضوعة للخصوص فقط لكن على القولين الأولين اذا قيل اكرم العلماء و لا تكرم زيدا العالم فهو تخصيص على القول الأول و على الثاني لا يلزم ذلك لاحتمال كون ذكر المخصص قرينة على ارادة أحد معنيى المشترك قالوا بأرجحية التخصيص من الاشتراك لأنه خير من المجاز و هو خير من الاشتراك و فى صورة دوران الأمر بين النقل و المجاز كألفاظ العبادات مثل لفظ الصلاة حيث أنها فى اللغة بمعنى الدعاء و على قول غير القاضي قد استعمل فى زمن الشارع فى الأركان المخصوصة فمع قطع النظر عن الأدلة أو تعارضها يشك فى أن هذا الاستعمال هل هو بطريق المجاز أم بطريق النقل قالوا بأرجحية المجاز لاحتياج النقل الى انفاق أهل اللسان على تغيير الوضع و هو متعسر و المجاز محتاج الى القرينة الصارفة و هي متيسرة و ان فوائد المجاز أكثر من النقل كما ذكرنا آنفا و فى صورة دوران الأمر بين النقل و الاضمار كما فى قوله تعالى: وَ حَرَّمَ الرِّبا، حيث أنه فى اللغة بمعنى مطلق الزائد كما قيل و لما كان متعلق الاحكام فعل المكلف فلا بد من نسبة التحريم اليه فحينئذ يحتمل أن يكون الربوا باقيا على حقيقته اللغوية مع ارتكاب الاضمار أى حرم أخذ الربوا فيتعلق التحريم به دون أصل العقد و يحتمل صيرورته منقولا شرعيا فى العقد المخصوص فيحرم أصل العقد قالوا

28

بأرجحية الاضمار لما ذكر فى أرجحية المجاز على النقل إذ المجاز و الاضمار متساويان عندهم على ما ستعرف فترجيح أحد المتساويين على شي‏ء كالمجاز على النقل يستلزم ترجيح الآخر أى الاضمار عليه أى على النقل و فى صورة الدوران بين النقل و التخصيص كقوله تعالى: أَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ‏ بناء على عموم البيع من جهة اقتضاء الحكمة ذلك حيث يدور الأمر بين التخصيص ببيع العنب ليعمل خمرا و بيع الخشب ليعمل صنما، و بالجملة البيوع المحرمة و بين النقل بادعاء أن البيع قد نقل الى البيوع المحللة فلا تخصيص حينئذ قالوا بأرجحية التخصيص لأنه أرجح من المجاز و هو أرجح من النقل، و في صورة دوران الأمر بين التخصيص و المجاز مثل قوله تعالى:

تَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَ التَّقْوى‏، بناء على كون الأمر للوجوب و كون البر و التقوى في الآية اما عامين أو مطلقين و معلوم عدم وجوب المعاونة على كل بر و تقوى لاستلزامه التكليف بما لا يطاق حيث أنه لا بد حينئذ من ارتكاب المجاز في الصيغة بحملها على مطلق الرجحان مع بقاء البر و التقوى على عمومهما أو إطلاقهما و اما من ارتكاب التخصيص فيهما أو تقييدهما بالواجبات مع بقاء الصيغة على الوجوب قالوا بأرجحية التخصيص لحصول المراد و غيره مع عدم الوقوف على قرينة التخصيص لأنه اذا كان المراد من العام غير الخاص و لم تظهر قرينة التخصيص يحمل اللفظ على العموم فيحصل المراد و هو الباقي مع غيره و هو الخاص بخلاف المجاز فانه اذا لم يعرف قرينته يحمل على الحقيقة و هي غير مرادة بل المراد هو المجاز و في صورة دوران الأمر بين التخصيص و الاضمار كقولنا اكرم العلماء و لا تكرم زيدا العالم حيث يدور الأمر بين كون الثاني مخصصا أو مضمرا فيه لفظ الغلام أو الاب أو غير ذلك قالوا بأرجحية التخصيص من الاضمار لكونه أرجح من المجاز و هو مساو للاضمار و ترجيح أحد المتساويين على شي‏ء يستلزم ترجيح الآخر عليه، و مما ذكرنا ظهر أن في صورة الدوران بين المجاز و الاضمار كما في قوله تعالى: فَلْيَدْعُ نادِيَهُ‏، حيث أن النادية بمعنى المجلس لغة فيحتمل أن يكون المراد منها أهل المجلس مجازا من باب تسمية الحال باسم المحل و يحتمل أن يكون المراد منها المعنى اللغوي بارتكاب اضمار الأهل انهم قالوا بالتسوية و عدم الترجيح هذا كله مما ذكروه في باب تعارض الأحوال و التحقيق أنها كلها استحسانات عقلية و مزايا اعتبارية لا اعتبار بها في حد أنفسها ما لم توجب ظهورا للفظ في المعنى حتى الغلبة و الكثرة التي هي عمدة تلك الوجوه لعدم احراز بناء العقلاء في مثل تلك الغلبة مع أن في كثير منها منع مثل دعوى مساواة المجاز و الاضمار و أكثرية الاشتراك بالنسبة الى النقل و عدم سبك مجاز من مجاز و احتياج النقل الى اتفاق أهل اللسان على تغيير الوضع و كون التخصيص خيرا من المجاز مضافا الى معارضة وجه الترجيح في بعضها بوجه الترجيح في بعض آخر مثل معارضة وجه ترجيح الاشتراك وجه‏

29

ترجيح المجاز و الى ما ذكرنا كله أشار المصنف بقوله‏

(فالاصوليون و ان ذكروا لترجيح بعضها على بعض وجوها إلا أنها استحسانية لا اعتبار بها إلا اذا كانت موجبة لظهور اللفظ في المعنى لعدم مساعدة دليل على اعتبارها بدون ذلك)

أي بدون ايجابها لظهور اللفظ

(كما لا يخفى)

و هو أول الكلام فلا وجه للاعتماد عليها.

الأمر

(التاسع) (انه اختلفوا في ثبوت الحقيقة الشرعية و عدمه على أقوال)

ثالثها التفصيل بين العبادات و المعاملات بالثبوت في الاولى و النفي في الثانية و رابعها التفصيل بين الألفاظ الكثيرة الدوران كالصلاة و الزكاة و الوضوء و الغسل و الصوم و نحوها و بين ما ليس بهذه المثابة بالثبوت في الاولى عبادة كانت أو معاملة و بالنفي في الثانية كذلك و خامسها التفصيل بين عصر النبي و بين عصر الصادقين ع و ما بعده في النفي في الأول و الثبوت في الثاني و سادسها التفصيل بين الألفاظ و الأزمان فقيل بثبوتها في الألفاظ الكثيرة الدوران في عصر النبى ص و فيما عدها في عصر الصادقين ع و من بعدهما و هو في الحقيقة راجع الى القول الرابع كما أن القول الخامس مرجعه الى التفصيل في الحقيقة المتشرعة و بيان مبدا ثبوتها

(و قبل الخوض في تحقيق الحال لا بأس بتمهيد مقال)

كثير النفع في جميع الحقائق العرفية العامة أو الخاصة

(و هو أن الوضع التعييني)

أمر خفيف المئونة بمعنى أنه لا يشترط بتصريح و انشاء من الواضع بأن يقول اني وضعت هذا اللفظ بإزاء هذا المعنى بل‏

(كما)

أنه‏

(يحصل بالتصريح بلسانه)

كما ذكرنا

(كذلك يحصل باستعمال اللفظ في غير ما وضع له)

على نهج الحكاية عنه و الدلالة عليه بنفسه‏

(كما اذا وضع له)

أي كاستعماله فيما اذا وضع له‏

(بأن يقصد الحكاية)

عن المعنى‏

(فيه)

أي في نفس هذا الاستعمال‏

(و الدلالة عليه بنفسه)

أي بنفس اللفظ

(لا بالقرينة و ان كان لا بد حينئذ)

أي حين استعمال اللفظ في غير ما وضع له من دون التصريح بلسانه به‏

(من نصب قرينة إلا أنه للدلالة على ذلك)

أي على أن هذا الاستعمال وضع أيضا

(لا على ارادة المعنى)

المجازي‏

(كما في المجاز فافهم)

و ذلك مثل ما اذا قال أحد ناولوني ولدي زيدا اذا ولد له جديدا و لم يعين له اسم يدعى به و هذا أمر واضح كثير الوقوع بلا نكير من الطبع‏

(و كون استعمال اللفظ فيه)

أي في غير ما وضع له‏

(كذلك)

أي كما اذا وضع له بأن يقصد الحكاية عن المعنى في نفس هذا الاستعمال بنفس اللفظ لا بالقرينة

(في غير ما وضع له)

أي استعمالا فى غير ما وضع له‏

(بلا مراعاة ما اعتبر فى المجاز فلا يكون بحقيقة)

لعدم كونه استعمالا فيما وضع له‏

(و لا مجاز)

لعدم مراعات ما اعتبر فى المجاز من القرينة الصارفة

(غير ضائر بعد ما كان يقبله الطبع و لا يستنكره و قد عرفت سابقا)

فى الأمر الرابع‏

(انه فى الاستعمالات الشائعة فى المحاورات ما ليس بحقيقة و لا مجاز)

كما اذا أطلق اللفظ و اريد به شخصه و كان الحكم مما يتحقق بمجرد ايجاد

30

اللفظ نحو زيد لفظ و زيد ثلاثي و جسق مهمل فعلى هذا لا يصح الاعتراض عليه بمنع امكان الوضع بنفس الاستعمال مستندا بأن الاستعمال الحقيقي على ما سيأتي و هو جعل اللفظ وجها و عنوانا للمعنى بل بوجه نفسه كأنه هو المعنى يستدعي مغفولية الألفاظ و الوضع يستدعي الالتفات اليها و عدم مغفوليتها فلا يمكن الجمع بينهما فى آن واحد و ذلك لاعتراف المصنف بأن هذا الاستعمال أو الاطلاق أو ما شئت فسمه من احدى طرق الوضع و نحو من أنحائه و ليس من الاستعمال الحقيقي المقسم للحقيقة و المجاز فتدبر

(اذا عرفت هذا)

التمهيد

(فدعوى الوضع التعييني فى الألفاظ المتداولة فى لسان الشارع هكذا)

أي بنفس الاستعمال و الدلالة على الوضع بالقرينة من دون التصريح بلسانه‏

(قريبة جدا و مدعى القطع به)

أي بهذا النحو من الوضع التعييني‏

(غير مجازف قطعا و يدل عليه تبادر المعاني الشرعية منها فى محاوراته)

صلى اللّه عليه و آله‏

(و يؤيد ذلك أنه ربما لا يكون علاقة معتبرة بين المعاني الشرعية و اللغوية)

حتى يكون استعمالاته ص مجازا

(فأي علاقة بين الصلاة شرعا و بينها بمعنى الدعاء و مجرد اشتمال الصلاة على الدعاء لا يوجب ثبوت ما يعتبر من علاقة الجزء و الكل بينهما كما لا يخفى)

و هو كون الكل مركبا بتركيب حقيقي و كون الجزء مما يستلزم انتفائه انتفاء الكل كالرقبة فى الانسان و كلاهما مفقودان فى المقام و لكن جعله مؤيدا لا دليلا مستقلا لأجل ما ذكره فى الأمر الثالث من أن صحة استعمال اللفظ فى غير الموضوع له إنما يكون بالطبع لا بالوضع و اذا كان الاستعمال المذكور مما يقبله الطبع فلا حاجة الى مراعاة العلائق التي ضبطها القوم‏

(هذا كله بناء على كون معانيها مستحدثة فى شرعنا و أما على كونها ثابتة في الشرائع السابقة كما هو قضية غير واحد من الآيات مثل قوله تعالى:

كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ‏

، و قوله تعالى:

وَ أَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِ‏

، و قوله تعالى:

وَ أَوْصانِي بِالصَّلاةِ وَ الزَّكاةِ ما دُمْتُ حَيًّا

، الى غير ذلك فألفاظها)

أي ألفاظ العبادات‏

(حقايق لغوية لا شرعية و اختلاف الشرائع فيها جزء و شرطا لا يوجب اختلافها فى الحقيقة و الماهية إذ لعله كان من قبيل الاختلاف فى المصاديق و المحققات كاختلافها بحسب الحالات فى شرعنا كما لا يخفى)

و قد ذهب الى هذا القاضي أبو بكر الباقلاني‏

(ثم لا يذهب عليك انه مع هذا الاحتمال)

الذي ذهب اليه الباقلاني‏

(لا مجال لدعوى الوثوق فضلا عن القطع بكونها)

أي بكون ألفاظ العبادات‏

(حقايق شرعية و لا لتوهم دلالة الوجوه التي ذكروها على ثبوتها لو سلم دلالتها على الثبوت)

و تماميتها

(لولاه)

أي لو لا هذا الاحتمال‏

(و منه)

أي و مما ذكرناه من تزلزل حال الوضع التعييني مع هذا الاحتمال‏

(انقدح)

تزلزل‏

(حال دعوى الوضع التعييني معه)

أي مع هذا الاحتمال‏

(و مع الغض عنه)

أي عن هذا الاحتمال‏

(فالانصاف أن منع حصوله فى زمان الشارع فى لسانه)

أي لسان‏

31

الشارع‏

(و لسان تابعيه)

يعني السلب الكلي بحسب جميع الأزمنة

(مكابرة نعم حصوله فى خصوص لسانه صلى اللّه عليه و آله ممنوع فتأمل)

فى أطراف الكلام كي لا يختلط عليك المقصود حيث أن غرض المصنف عدم حصول اطمينان للنفس من هذه الأدلة على ثبوت الحقيقة الشرعية مع هذا الاحتمال الذي ذهب اليه الباقلاني و ليس الغرض نفيها واقعا كي يرد عليه أن ثبوت تلك الحقائق فى الشرائع السابقة لم يكن بهذه الألفاظ فلا يكون هذا مانعا عن ثبوت الحقيقة الشرعية و ذلك لأن نظر المصنف الى عدم القطع بتحقق المقتضى للاستحداث لا إلى تحقق المانع عنه بعد القطع بتحقق المقتضى و يحتمل أن يكون وجهه أنه لا وجه للمنع بالنسبة الى الألفاظ الكثيرة الدوران فى عصره خصوصا على النهج الذي ذكره المصنف فى الوضع‏

(و أما الثمرة بين القولين)

للمثبتين و النافين‏

(فيظهر فى لزوم حمل الألفاظ الواقعة فى كلام الشارع بلا قرينة على معانيها اللغوية مع عدم الثبوت)

أي مع عدم ثبوت الحقيقة الشرعية

(و على معانيها الشرعية على الثبوت فيما اذا علم تأخر الاستعمال)

عن النقل الى المعنى المستحدث لا فيما علم تأخر النقل حيث أنه يحمل على اللغوي‏

(و أما فيما اذا جهل التاريخ)

فهل يحمل على اللغوي اعتمادا على اصالة تأخر الوضع أو اصالة عدم النقل أو يحمل على المعنى المستحدث انكالا على اصالة تأخر الاستعمال‏

(ففيه اشكال)

و لا بد أن يعامل معه معاملة الاجمال إذ اصالة تأخر الاستعمال لا جريان لها هنا لو كان المراد منه الاستصحاب الشرعي فانه بناء على اعتباره تعبدا إنما يجري فيما اذا كان للشي‏ء أثر شرعي مترتب عليه بلا واسطة و ليس هنا أثر شرعي مترتب على التأخر المستصحب إلا على القول بالاصل المثبت و أما اذا كان المراد الاستصحاب العقلي فلم يحرز من العقلاء بناء فى كيفية ما اريد كما علمت سابقا مع أنها معارضة باصالة تأخر الوضع و اصالة عدم النقل لا ارتباط لها بالمقام أيضا فانها إنما تجري فيما اذا كان الشك فى أصل النقل لا فيما شك فى تأخره بعد احرازه نعم لو احرز البناء حتى فى هذا المورد فلا بد من الاتباع و الى هذا كله أشار المصنف بقوله‏

(و اصالة تأخر الاستعمال مع معارضتها باصالة تأخر الوضع لا دليل على اعتبارها تعبدا إلا بالقول بالاصل المثبت و لم يثبت بناء من العقلاء على التأخر مع الشك و اصالة عدم النقل لهما كانت معتبرة فيما اذا شك فى أصل النقل لا فى تأخره)

مع احرازه‏

(فتأمل)

و قد تبين لك وجهه حيث يمكن دعوى عدم الفرق بين المقامين فى جريان الاصل فى كليهما بقولنا نعم لو احرز البناء الخ و يحتمل أن يكون اشارة الى ما قيل من عدم تحقق مورد للشك فى المراد الاستعمالي كي تترتب عليه الثمرة المذكورة.

الامر

(العاشر) (انه وقع الخلاف فى أن ألفاظ العبادات)

التي استعملها الشارع فى المعاني المستحدثة كالصلاة و الزكاة دون ما كانت مستعملة عند الشارع أيضا فى معانيها اللغوية

32

كالزيارة و التلاوة و الدعاء و نحو ذلك هل هي‏

(اسامي لخصوص الصحيحة أو الاعم منها)

(و قبل الخوض فى ذكر أدلة القولين يذكر امور)

مهمة

(منها أنه لا شبهة فى تأتي الخلاف)

المذكور

(على القول بثبوت الحقيقة الشرعية)

و أما

(فى جريانه على القول بالعدم اشكال)

وجهه أن القائل بالاعم لو أراد من الاعمية صحة استعمال اللفظ فى الاعم أو وقوعه مجازا لم يمكن للقائل بالصحيح الانكار لا انكار الامكان و لا انكار الوقوع لاعترافه بالصحة و الوقوع كذلك كما يظهر منه فى جوابه عن أدلة الاعمى كما أن الاستعمال فى الصحيح اذا لم يدعي أحد أنه على وجه الحقيقة خاصة لا مجال للاعمى انكاره أيضا و لكن‏

(غاية ما يمكن أن يقال فى)

مقام‏

(تصويره أن النزاع وقع على هذا)

أي على القول بالعدم‏

(فى أن الاصل فى هذه الالفاظ المستعملة مجازا فى كلام الشارع)

أو المتشرعة هل‏

(هو استعمالها فى خصوص الصحيحة أو الاعم بمعنى أن أيهما)

أي أيا من الصحيح و الاعم‏

(قد اعتبرت العلاقة)

من الشارع أو المتشرعة

(بينه و بين المعاني اللغوية ابتداء و قد استعمل فى الآخر بتبعه و مناسبته كي ينزل كلامه عليه مع القرينة الصارفة عن المعاني اللغوية و عدم قرينة اخرى معينة للآخر)

أي معينة للصحيحة خاصة أو الاعم‏

(و أنت خبير بأنه)

أي بأن هذا التصوير بحسب مقام الثبوت و الامكان و

(لا يكاد يصح هذا)

بحسب مقام الاثبات‏

(إلا اذا علم أن العلاقة إنما اعتبرت كذلك)

أي بين خصوص الصحيحة و بين المعنى اللغوي أو بين الاعم و بينه‏

(و أن بناء الشارع فى محاوراته)

قد

(استقر عند عدم نصب قرينة اخرى على ارادته)

أي ارادة الصحيحة مثلا الجار متعلق بقوله قد استقر لا بقوله قرينة

(بحيث كان هذا)

أي البناء المستقر عنده صلى اللّه عليه و آله‏

(قرينة عليه من غير حاجة الى قرينة معينة اخرى)

على ارادة الصحيحة مثلا

(و أنى لهم باثبات ذلك و قد انقدح بما ذكرنا تصوير النزاع على ما نسب الى الباقلاني)

و ان كان فيه أيضا اشكال‏

(و ذلك بأن)

يقال أنه‏

(يكون النزاع فى أن قضية القرينة المضبوطة التي لا يتعدى عنها)

إلا بالقرينة

(الاخرى الدالة على أجزاء المأمور به و شرائطه)

هل‏

(هو تمام الاجزاء و الشرائط)

حتى يختص بالصحيحة

(أو هما فى الجملة)

حتى يثبت الاعم‏

(فلا تغفل)

و لكن أيضا لا يصح إلا مع العلم و دونه خرط القتاد فينبغي تحرير محل النزاع على القول بثبوت الحقيقة الشرعية

(و منها أن الظاهر أن الصحة عند الكل بمعنى واحد)

بحسب الواقع‏

(و هو التمامية)

و لذلك المعنى الواحد لوازم متعددة منها اسقاط الاعادة فى الوقت و اسقاط القضاء خارجه و منها موافقة الامر و موافقة الشريعة ضرورة أن لازم كل عبادة تامة كاملة أن يسقط فعله ثانيا فى الوقت أو خارجه و كذلك يستلزم إتيانها كذلك موافقة الامر و موافقة الشريعة و لا شك أنه فى مقام التعريف يمكن اقامة كل واحد

33

من اللوازم مقام الملزوم دلالة على المحدود و المعرف و لا شك أيضا أن الغرض المهم لصاحب الصناعات مختلف فالفقيه يتعلق غرضه بفعل المكلف من جهة سقوط الاتيان ثانيا و عدمه لانه موضوع علمه و المتكلم يتعلق غرضه بأمور يرجع الى المبدا و صفاته و أفعاله التي منها أوامره و نواهيه و موافقتها و عدم موافقتها و كل يشير الى ذلك الملزوم الواحد و هو التمامية مثلا بلازم متعلق لغرضه و تعدد اللوازم المفسرة بالكسر لا يوجب تعدد الملزوم المفسرة بالفتح و اليه أشار بقوله‏

(و تفسيرها باسقاط القضاء كما عن الفقهاء أو بموافقة الشريعة كما عن المتكلمين أو غير ذلك إنما هو بالمهم من لوازمها لوضوح اختلافه بحسب اختلاف الانظار و هذا لا يوجب تعدد المعنى كما لا توجبه)

أي التعدد

(اختلافها)

أي الصحة

(بحسب اختلاف الحالات من السفر و الحضر و الاختيار و الاضطرار الى غير ذلك)

كالمرض و الصحة

(كما لا يخفى و منه)

أي مما ذكرنا فى أن معنى الصحة عند الكل واحد لكنه يختلف حسب اختلاف الحالات‏

(ينقدح أن الصحة و الفساد أمران اضافيان)

و ليسا بأمرين حقيقيين مضبوطين لا يتطرق اليهما التفاوت فربما يكون ماهيّة واحدة و عبادة شخصية صحيحا بالقياس الى شخص و فاسدا بالقياس الى شخص آخر و ربما يكون شي‏ء واحد صحيحا بالقياس الى حال شخص معين و فاسدا بالقياس الى حاله الآخر و اليه أشار بقوله‏

(فيختلف شي‏ء واحد صحة و فسادا بحسب الحالات فيكون تاما بحسب حالة و فاسدا بحسب اخرى فتدبر جيدا)

(و منها أنه لا بد على كلا القولين من قدر جامع)

(فى البين كان هو المسمى بلفظ كذا)

أي الصلاة و الصوم أو غير ذلك و ذلك للقطع بعدم الاشتراك اللفظي بين الصحاح أو بين الاعم منها و من الفواسد فلا بد من ملاحظة قدر مشترك حتى يوضع اللفظ بازائه ليصير من قبيل الوضع العام و الموضوع له العام أو بازاء خصوصياته ليصير من قبيل الوضع العام و الموضوع له الخاص‏

(و لا اشكال فى وجوده بين الافراد الصحيحة)

بحيث يكون متصورا للشارع بكنهه و حقيقته‏

(و امكان الاشارة اليه)

فى مقام الافهام‏

(بخواصه و آثاره)

سواء كانت من الامور التوليدية المترتبة على الاسباب و العلل التامة التي لم يتوسط هناك أمر آخر بينها و بين ما يترتب عليها كمعراج المؤمن أم من الامور المعدة التي يترتب على العلل المعدة و هي التي يتوسط بينها و بين ما يترتب عليها أمرا و امور متعددة اختياريا كصعود الدرج بعد النصب و كالصلاة بالنسبة الى النهي عن الفحشاء و المنكر حيث أن بالنصب و الصلاة لا يتحقق الصعود و الانتهاء عن الفحشاء و المنكر بل بعد لاختيار المكلف دخل فى ذلك أو غير اختياري كما فى الزرع و السقي بالنسبة الى صيرورة الزرع سنبلا و الثمرة تمرا حيث أن للامور الإلهية الخارجة عن اختيار المكلف‏

34

بعد مدخلا فى ذلك‏ (*)

(فان الاشتراك فى الاثر كاشف عن الاشتراك فى جامع يؤثر الكل)

أي كل الافراد

(فيه)

أي فى ذلك الاثر

(بذاك الجامع فيصح تصوير المسمى بلفظ الصلاة مثلا بالناهية عن الفحشاء و ما هو معراج المؤمن و نحوها)

و ما هو قربان كل تقي و خير موضوع و جعل ذلك مرآة لذلك الجامع و جعل الاسم لذلك الجامع الذاتي فافهم‏

(و الاشكال فيه)

أي فى هذا القول‏

(بأن الجامع لا يكاد يكون أمرا مركبا إذ كل ما فرض جامعا يحتمل أن يكون صحيحا و فاسدا لما عرفت)

من كونهما أمرين اضافيين يختلفان بحسب الاشخاص و الحالات‏

(و لا)

يكاد يكون‏

(أمرا بسيطا لانه لا يخلو إما أن يكون)

ذاك البسيط

(هو عنوان المطلوب أو ملزوما مساويا له)

كعنوان المحبوب أو الحسن و ذى المصلحة و نحو ذلك‏

(و الاول)

أي كونه عنوان المطلوب‏

(غير معقول لبديهة)

ان هذا العنوان يتولد من تعلق الامر و الطلب بالمأمور به و المطلوب فيكون متأخرا عن الامر و الطلب‏

(و استحالة أخذ ما لا يتأتى إلا من قبل الطلب فى متعلقه)

لاستلزامه تقدم الشي‏ء على نفسه‏

(مع لزوم الترادف بين لفظة الصلاة)

و لفظ

(المطلوب)

هذا اذا كان لفظ الصلاة من قبيل الوضع العام و الموضوع له العام كما هو مختاره فى المسألة على ما سيأتي‏

(و)

مضافا الى‏

(عدم جريان البراءة مع الشك فى أجزاء العبادات و شرائطها حينئذ لعدم الاجمال حينئذ فى المأمور به فيها)

أي فى العبادات‏

(و إنما الاجمال فيما يتحقق به)

و فى مصداقه‏

(و فى مثله)

أي فى مثل ما اذا كان الشك فى طريق الامتثال للمأمور به المعلوم‏

(لا مجال لها)

أي للبراءة بل العقل مستقل بالاحتياط

(كما حقق فى محله مع أن المشهور القائلين بالصحيح قائلون بها)

أي بالبراءة

(فى الشك فيها)

أي فى الاجزاء و الشرائط

(و بهذا)

الاشكال بعينه أي عدم جواز جريان البراءة مع أنهم قائلون بها

(يشكل لو كان)

الجامع‏

(البسيط هو ملزوم المطلوب أيضا)

لعدم الاجمال حينئذ فى المأمور به و إنما هو في محققاته و مصاديقه مع امكان أن يشكل أيضا بلزوم الترادف بين لفظة الصلاة و لفظ ما هو ملزوم مساو للمطلوب فتدبر

(مدفوع)

باختيار الشق الثاني من الشق الثاني أي نختار

(أن الجامع)

أمر بسيط ملزوم مساو لعنوان المطلوب و انه‏

(إنما هو مفهوم واحد منتزع عن هذه المركبات المختلفة زيادة و نقيصة بحسب اختلاف الحالات)

و لكن‏

(يتحد معها نحو اتحاد)

و هو اتحاد الكلي الذاتي مع أفراده و الطبيعي مع مصاديقه الذاتية

____________

(*) نعم لو ثبت و تحقق بالدليل كون الجامع من قبيل القسم الاخير فقط للزم الاشكال في مقام طلب المولى لذلك الجامع حيث لا يصح تعلق الطلب التكويني به فلا يصح التشريعي أيضا و أنى لنا بذلك مع ورود قوله ص: الصلاة معراج المؤمن، و قوله تعالى: إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى‏ عَنِ الْفَحْشاءِ وَ الْمُنْكَرِ، تدبر تفهم. منه دام ظله‏

35

و ليس من الامور الخارجة عن حقيقة الأفراد المتمايزة عنها بحسب الخارج تمايز المسبب عن السبب‏

(و)

قولكم و عدم جريان البراءة مع الشك الى آخره قلنا ان‏

(في مثله تجري البراءة)

أي في مثل المتحد مع الأفراد بحسب الوجود الخارجي‏

(و إنما لا يجري فيما اذا كان المأمور به أمرا واحدا خارجيا مسببا عن مركب مردد بين الأقل و الأكثر كالطهارة المسببة عن الغسل و الوضوء)

بناء على كونها نورا كما في بعض الأخبار لا نفس الفعل الخارجي كجريان الماء على البدن في الغسل و الغسلتين و المسحتين في الوضوء

(فيما اذا شك في أجزائهما)

و ذلك لعدم التغاير بين الكلي و الفرد بحسب الوجود و لا يكون الفرد مقدمة لوجود الكلي حتى يكون الشك فيه شكا في طريق الامتثال و حينئذ يندفع الاشكال الثاني أيضا بأن ذلك الجامع البسيط المتحد الوجود مع الأفراد يكون اللفظ الموضوع بازائه هو لفظ الصلاة فقط فلا ترادف لعدم تعدد اللفظ و هو مما لا بد منه في الترادف‏

(هذا)

كله‏

(على)

القول ب

(الصحيح و اما على)

القول ب

(الأعم فتصوير الجامع)

بحيث يصح استعمال اللفظ و يراد تمام ما هو الصحيح فيما اذا كان المستعمل فيه صحيحا و يراد تمام ما هو فاسد عند كون المستعمل فيه فاسدا سواء كان بطريق الوضع العام و الموضوع له العام أو بطريق الوضع العام و الموضوع له الخاص‏

(في غاية الاشكال)

بل من المحال إما لعدم معقولية القدر المشترك الماهوي بين الزائد و الناقص و إما لعدم معقولية كون الاستعمال على نهج الحقيقة لأن الزيادة إما أن تكون داخلة في حقيقة الجامع و هو باطل لاستلزام دخولها فيه دخول النقص فيه أيضا لكونه مشتركا بين الزائد و الناقص فيلزم كون ماهيّة واحدة زائدة و ناقصة و إما أن لا تكون داخلة في حقيقته بل في حقيقة الفرد بمعنى كونها من مشخصاته و هذا أيضا باطل فانه يوجب كون الاستعمال في الزائد مجازا لفرض خروج الزيادة عن الجامع الذي هو الموضوع له و قد دخلت في المستعمل فيه من حيث الخصوصية لكشف الحكم بالفساد عنه فيكون من باب اطلاق الجزء على الكل لا الكلي على الفرد فافهم، نعم في العبادات الذاتية التي لا تكون الصحة و الفساد فيها لأجل زيادة أو نقصان فيها بل الماهية فيها واحدة لا تفاوت فيها أصلا و إنما الصحة و الفساد يطرءان عليها باعتبار الامور الخارجة عن ذاتها ككون المعبود ممن يستحق العبادة أو مما لا يستحق كالسجود للّه تعالى و للصنم و الركوع لهما فتصوير الجامع في غاية السهولة فتدبر في هذا البيان فانه دقيق جدا و مبتن على عدم جريان التشكيك في الذاتيات الماهوية (*)

(و كيف كان فما قيل في)

____________

(*) و سندهم هو ان الاكمل إن لم يكن مشتملا على شي‏ء ليس في الانقص فلا افتراق بينهما و ان اشتمل عليه فهو إما معتبر في سنخ الطبيعة فلا اشتراك بينهما و أما زائد عليها فلا يكون إلا فصلا مقوما أو عرضيا زائدا و فيه تأمل و تحقيق الحق في محله. منه دام ظله‏

36

(تصويره أو)

يمكن أن‏

(يقال)

و ان لم يقل به أحد

(وجوه)

خمسة على ما في الكتاب‏

(أحدها أن يكون)

الجامع‏

(عبارة عن جملة من أجزاء العبادة)

فيما كانت الألفاظ اسامي للعبادات الملتئمة من امور متعددة

(كالأركان في الصلاة مثلا)

بأن لوحظ تلك الأركان لا بشرط و وضع اللفظ بإزائها أو بإزاء جزئياتها

(و كان الزائد عليها معتبرا في المأمور به)

من حيث أنه مأمور به‏

(لا في المسمى)

من حيث كونه مسمى‏

(و فيه ما لا يخفى)

ضرورة استلزام ذلك انتفاء صدق اسم الصلاة عند انتفاء أحد الأركان و إن تحققت بقية الأجزاء و تحقق الصدق عند تحقق الأركان و إن لم تشتمل على شي‏ء من بقية الأجزاء و الشرائط و كلاهما كما ترى أما الأول فلصدق اسم الصلاة عند الإخلال بتلك الأركان كصلاة الغريق و صلاة الخوف و المطاردة و أما الثاني فلعدم صدق اسم الصلاة عند الإخلال بسائر الأجزاء عند الأعمى و اليه أشار بقوله‏

(فان التسمية بها حقيقة لا تدور مدارها ضرورة صدق الصلاة مع الإخلال ببعض الأركان بل و عدم الصدق عليها مع الإخلال بسائر الأجزاء و الشرائط عند الأعمى مع أنه يلزم أن يكون الاستعمال فيما هو المأمور به بأجزائه و شرائطه مجازا عنده و كان من باب استعمال اللفظ الموضوع للجزء في الكل)

حيث يرى أن الصحيحة من حقيقة الصلاة كالفاسدة

(لا من باب اطلاق الكلي على الفرد و الجزئي)

حتى يكون حقيقة في وجه‏

(كما هو واضح و لا يلتزم به الأعمى فافهم)

.

(ثانيها أن تكون)

ألفاظ العبادات‏

(موضوعة لمعظم الأجزاء التي تدور مدارها التسمية عرفا فصدق الاسم كذلك)

أي عرفا

(يكشف عن وجود المسمى و عدم صدقه)

كذلك‏

(عن عدمه و فيه مضافا الى ما اورد على)

الوجه‏

(الأول أخيرا)

من استلزامه كون الاستعمال فيما هو المأمور به بتمام أجزائه و شرائطه مجازا إذ لا مدخلية لها في صدق الاسم عرفا و قد دخلت في المستعمل فيه‏

(انه عليه يتبادل ما هو المعتبر في المسمى فكان شي‏ء واحد داخلا فيه)

أي في المسمى‏

(تارة)

كما اذا تركب المعظم منه و من غيره‏

(و خارجا عنه اخرى)

كما اذا تركب من أجزاء غيره ضرورة صدق الاسم على كل واحد من الصلاتين اللتين اشتملت كل واحد منها جزء غير الجزء الذي اشتملت عليه الاخرى‏

(بل)

يلزم أن يكون شي‏ء واحد

(مرددا بين أن يكون هو الخارج أو غيره عند اجتماع تمام الأجزاء)

فانه حينئذ يكثر مصاديق المعظم فلا يدري ان الجزء الفلاني كالتشهد هو الخارج و المعظم عبارة عن غيره أو هو الداخل و الخارج غيره كالتسليم أو السورة أو الفاتحة و هكذا

(و هو كما ترى سيما اذا لوحظ هذا)

أي التبادل و الترديد

(مع ما عليه العبادات من الاختلاف الفاحش)

الذي يحدث‏

(بحسب الحالات)

المختلفة الكثيرة جدا إذ مع ذلك الاختلاف لا يمكن تعيين مقدار ما هو داخل في المسمى عرفا

37

و

(ثالثها أن يكون وضعها كوضع الأعلام الشخصية كزيد)

من حيث بقاء الاسم و عدم تغيره مع عدم بقاء المسمى على حالة واحدة

(فكما لا يضر في التسمية فيها تبادل الحالات المختلفة من الصغر و الكبر و نقص بعض الأجزاء و زيادته كذلك)

أي لا يضر التبادل‏

(فيها)

أي في العبادات‏

(و فيه)

ان القياس بلا جامع و

(ان الأعلام إنما تكون موضوعة للاشخاص و التشخص)

في الحقيقة

(إنما يكون بالوجود الخاص)

عند المحققين و العوارض التي تكون مشخصات عند المشائين من الكيف المخصوص و الكم المخصوص و الوضع المخصوص و الأين و هكذا إنما هي امارات التشخص و ليست نفسه كما تقرر في محله‏

(و)

حينئذ

(يكون الشخص حقيقة باقيا ما دام)

أصل‏

(وجوده باقيا و إن تغيرت عوارضه من الزيادة و النقصان و غيرهما من الحالات و الكيفيات فكما لا يضر اختلافها)

أي العوارض‏

(في المتشخص كذلك لا يضر اختلافها في التسمية و هذا بخلاف مثل ألفاظ العبادات مما كانت موضوعة للمركبات و المقيدات و لا يكاد يكون موضوعا له إلا ما كان جامعا لشتاتها و حاويا لمتفرقاتها)

و ليس للصحاح و الفواسد أثر واحد و لازم فارد حتى يمكن أن يشير بذلك الأثر الواحد الى تلك الحقيقة الجامعة و يستكشف منه ذلك الجامع‏

(كما عرفت في الصحيح منها)

.

(رابعها)

أن تكون العبادات كالمعاجين و الأدوية المركبة من أجزاء مختلفة في‏

(أن ما وضعت له الألفاظ ابتداء هو الصحيح التام الواجد لتمام الأجزاء و الشرائط إلا أن العرف يتسامحون كما هو ديدنهم و يطلقون تلك الألفاظ على الفاقد للبعض)

شرطا أو شطرا

(تنزيلا له منزلة الواجد)

لجميع الأجزاء و الشرائط

(فلا يكون مجازا في الكلمة)

على هذا التنزيل‏

(على ما ذهب اليه السكاكي في الاستعارة)

و أنكر المجازية فيها

(بل يمكن دعوى صيرورته حقيقة فيه بعد الاستعمال فيه كذلك)

أي تنزيلا

(دفعة أو دفعات من دون حاجة الى الكثرة و الشهرة لكفاية الانس الحاصل من جهة المشابهة في الصورة أو المشاركة في التأثير)

أي مشابهة الفاقد للواجد أو مشاركته له‏

(كما في أسامي المعاجين الموضوعة ابتداء لخصوص مركبات واجدة للاجزاء خاصة حيث يصح اطلاقها)

ثانيا

(على الفاقد لبعض الأجزاء المشابهة له صورة و المشارك في المهم أثرا تنزيلا أو حقيقة و فيه)

ان هذا أيضا قياس بلا جامع‏

(فانه إنما يتم في مثل أسامي المعاجين و ساير المركبات الخارجية مما يكون الموضوع له فيها ابتداء مركبا خاصا و لا يكاد يتم في مثل العبادات التي عرفت أن الصحيح منها يختلف)

من أول الأمر

(بحسب اختلاف الحالات)

و عرفت أيضا

(ان كون الصحيح بحسب حالة فاسد بحسب حالة اخرى كما لا يخفى)

فانه يمكن أن يسأل لأي صحيح تام وضع في الابتداء بحيث يكون بينه و بين الناقص مشابهة صورية أو مشاركة في التأثير و أنى للمجيب أن يعيّن‏

38

و أيضا (*) على هذا يلزم أن يكون اللفظ مشتركا تعينيا فانه بعد لم يهجر استعماله في المعنى الأول مع انه خلاف مقصود الأعمى فانه سيظهر لك في بيان ثمرة القولين انه بصدد تصحيح اطلاق يتمسك به عند الشك في الشرائط و الأجزاء و على تقدير الاشتراك إن لم تكن في البين قرينة فلا اطلاق بل اجمال و اهمال و ان كانت فالمتبع ما تعينه القرينة و لعله الى هذا أشار بقوله: فتأمل جيدا، أو فتأمل حتى يظهر لك وجه آخر في بطلان هذا الوجه.

و

(خامسها أن يكون حالها حال أسامي المقادير و الأوزان مثل المثقال و الحقة و الوزنة الى غير ذلك مما لا شبهة في كونها حقيقة في الزائد و الناقص)

في الجملة

(فان الواضع و إن لاحظ مقدارا خاصا إلا أنه لم يضعه له بخصوصه بل للاعم منه و من الزائد و الناقص أو انه و ان خص به أولا إلا أنه بالاستعمال كثيرا فيهما)

أي في الزائد و الناقص‏

(بعناية انهما منه صار حقيقة في الأعم ثانيا و فيه)

أي في كل واحد من التصويرين‏

(ان الصحيح كما عرفت في الوجه السابق يختلف زيادة و نقيصة فلا يكون هناك ما يلحظ الزائد و الناقص بالقياس عليه كي يوضع اللفظ لما هو الأعم)

أوله أولا ثم بالعناية فيهما

(فتدبر جيدا و منها)

انا و ان قلنا انه بعد تصوير القدر المشترك بناء على القولين لا تفاوت بحسب مقام الثبوت بين وضع اللفظ بإزاء نفس ذلك القدر المشترك حتى يكون من الموضوع له العام و بين أن يضع بإزاء أفراده حتى يكون من الموضوع له الخاص إلا أن‏

(الظاهر أن يكون الوضع و الموضوع له في ألفاظ العبادات عامين)

(و احتمال كون الموضوع له خاصا بعيد جدا لاستلزامه كون استعمالها في الجامع في مثل الصلاة تنهى عن الفحشاء و المنكر و الصلاة معراج المؤمن و عمود الدين و الصوم جنة من النار مجازا)

بخلاف ما اذا كان الموضوع له عاما فانه يكون هذا الاستعمال حقيقة بلا عناية و اطلاقه على الخصوصيات أيضا حقيقة من قبيل اطلاق الكلي على الفرد

(أو منع استعمالها فيه)

أي في الجامع‏

(في مثلها)

أي المذكورات بل في الخصوصيات‏

(و كل منهما بعيد الى الغاية)

ضرورة ثبوت المعراجية لصلاة الحاضر و لصلاة المسافر أو لصلاتي الحاضرين أو المسافرين إنما هو لأجل انهما صلاة لا لأجل انهما صلاتين خاصتين‏

(كما لا يخفى على أولي النهاية و منها)

انه قد ذهب جماعة ان ثمرة هذا النزاع هو انه بناء على القول بالصحيح يكون المرجع في الأجزاء هو الاشتغال بتوهم ان المأمور به هو مفهوم الصحيح و هو مفهوم مبين لا إجمال فيه و إنما الشك في طريق امتثال هذا المأمور به فالعقل يستقل باحرازه و هو إنما يكون بالقطع و بناء على الأعم هو البراءة تمسكا باطلاق الخطاب و في كليهما نظر أما في الأول فلأن الشك إنما هو في المأمور به و هو مصداق الصحيح لا مفهومه و المصداق أمر مركب قد يتردد أمره بين الأقل و الأكثر

____________

(*) اى ما ذكره المصنف فى قوله بل يمكن دعوى صيرورته الخ منه دام ظله‏

39

فلا بد حينئذ من الرجوع الى الأصل و هو البراءة عند بعض و الاشتغال عند آخر كما سيأتي في محله، و من قال بتعيين الاشتغال فقد اشتبه عليه العارض بالمعروض بتخيل ان المأمور به هو العارض أي مفهوم الصحيح و إنما هو المعروض في الحقيقة أي المصداق و أما في الثاني فلأنه بناء على الأعم اذا كانت الاطلاقات واردة في مقام أصل التشريع و لم تكن في مقام البيان فليست محكمة فلا بد من الرجوع الى الأصل و قد ذكرنا انه البراءة عند بعض و الاشتغال عند بعض آخر و لذا ذهب المشهور الى البراءة مع ان مذهبهم هو الصحيح و قال بعضهم بظهور الثمرة في النذر كما اذا نذر أحد درهما للمصلى فيحصل البر لو أعطاه لمن يصلي و لو علم بفساد صلاته من جهة الإخلال بما لا يضر بصدق الاسم على القول بالأعم و لا يحصل البر على القول بالصحيح حينئذ و هذا أيضا منظور فيه فان برّ النذر إنما يكون منوطا بحصول ما يكون في قصد الناذر عند النذر ان صحيحا فصحيحا و إن أعم فأعم نعم لو نذر اعطائه لمن يفعل ما يسمى صلاة فعند الصحيحي لا يبر إلا باعطائه لمن يصلي صحيحا و عند الأعمى لمن يصلي و لو فاسدا أيضا و من لا يكون بباله انه ما ذا قصد حين النذر فظاهر اللفظ حين النذر عند الصحيحي يفيد الصحة و عند الاعمى الاعم و مع ذلك لا تكون مسئلة النذر ثمرة لمثل هذه المسألة فان ثمرة المسألة الاصولية على ما عرفت في أول الكتاب ما تكون نتيجتها واقعة في طريق الاستنباط أو ما ينتهي اليها الفقيه عند اليأس عن الدليل فالتحقيق ان الثمرة هو اجمال الخطاب قطعا على القول بالصحيح و عدم جواز الرجوع الى الاطلاق عند الشك في الجزئية و الشرطية لاحتمال دخول المشكوك في المسمى أو اعتباره معه و امكان الرجوع الى اطلاق الخطاب عند الأعمى اذا لم يكونا مما ينتفي المسمى بانتفائهما و إنما قلنا بامكان الرجوع فانه اذا لم نحرز كون الاطلاق في مقام البيان و بالجملة اذا لم تتم مقدمات الحكمة فلا يكون اطلاق محكم فلا بد حينئذ من الاصل اما البراءة أو الاشتغال و الى جميع ما ذكرنا أشار المصنف بقوله‏

(و منها ان ثمرة النزاع اجمال الخطاب على قول الصحيحي)

(و عدم جواز الرجوع الى اطلاقه في رفع ما اذا شك في جزئية شي‏ء للمأمور به أو شرطيته أصلا لاحتمال دخوله في المسمى كما لا يخفى و جواز الرجوع اليه)

أي الى الاطلاق‏

(فى ذلك)

أي في الشك فى الجزئية و الشرطية

(على قول الاعمى فى غير ما احتمل دخوله فى المسمى مما شك فى جزئيته أو شرطيته نعم لا بد فى الرجوع اليه)

أي الى الاطلاق‏

(فيما ذكر)

من الشك فى الجزئية و الشرطية

(من كونه)

أي الاطلاق‏

(واردا مورد البيان كما لا بد منه)

أي من كونه واردا مورد البيان‏

(فى الرجوع الى سائر المطلقات و بدونه)

أي بدون كونه واردا مورد البيان‏

(لا مرجع أيضا إلا البراءة أو الاشتغال على الخلاف فى مسئلة دوران الامر بين الاقل و الاكثر الارتباطيين و قد انقدح بذلك)

أي بما ذكرنا من شرط الرجوع الى الاطلاق‏

40

(ان الرجوع الى البراءة أو الاشتغال فى مورد اجمال الخطاب أو اهماله)

و ستعرف فى باب المطلق و المقيد الفرق بين الاجمال و الاهمال‏

(على القولين)

الصحيح أو الاعم‏

(فلا وجه لجعل الثمرة هو الرجوع الى البراءة)

على القول‏

(بالاعم و الاشتغال)

على القول‏

(بالصحيح و لذا ذهب المشهور الى البراءة)

عند الشك‏

(مع ذهابهم الى الصحيح و ربما قيل بظهور الثمرة فى النذر أيضا)

على ما فصلناه‏

(قلت و ان كان تظهر فيما لو نذر لمن صلى اعطاء درهم فى البر فيما لو أعطاه لمن صلى و لو علم بفساد صلاته لإخلاله بما لا يعتبر فى الاسم على الاعم و عدم البر على الصحيح إلا أنه ليست بثمرة لمثل هذه المسألة لما عرفت من أن ثمرة المسألة الاصولية هي أن تكون نتيجتها واقعة فى طريق استنباط الاحكام الفرعية)

لا نفس المسألة الفقهية

(فافهم)

و ليعلم ان تميز الجزء عن الشرط إنما يحصل بالنظر فى الادلة فلو دل الدليل على اعتبار شي‏ء فى شي‏ء يكون جزء و لو دل الدليل على تقييده به يكون شرطا و قد يشكل الامر في موارد لتشابه الادلة و من موارد الاشكال النية حيث ان قوله لا عمل إلا بنية يناسب كلا الامرين كما فى قوله: لا صلاة إلا بطهور، و قوله ص: لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب، و الظاهر خروجها عن كليهما لو كانت عبارة عن الداعي فان غاية الشي‏ء أمر خارج عنه مترتب عليه فى الوجود و ان كان مقدما بحسب التصور و على تقدير كونها الاخطار فالظاهر انها شرط و منها الطمأنينة و الظاهر كونها جزء لا شرطا فانها على تقدير الشرطية إما أن يكون شرطا للاجزاء السابقة أو اللاحقة و كلاهما باطلان أما الأول فلانعدامها بالدخول فى اللاحقة اللهم إلا على القول بالشرط المتأخر و قد يقال هنا الشرط هو تعقب الاجزاء السابقة بها و هو خلاف ظاهر أدلة اعتبار الطمأنينة و أما الثاني فلعدم تحققها قيل الإيجاد و حديث التعقب كما عرفته و منها الوضوء و الحق ان أفعال الوضوء من الغسل و المسح خارجة عن الصلاة و اما الحالة الحاصلة منها فهي معتبرة فيها على وجه الشرطية

(و كيف كان)

(فقد استدل للصحيحى بوجوه)

(أحدها التبادر)

(و دعوى ان المنسبق الى الاذهان منها)

أي من ألفاظ العبادات‏

(هو الصحيح)

و لو بنحو الاشارة الاجمالية اليه من طريق الخواص و الآثار و اللوازم كما مر فى الصلاة من كونها معراج المؤمن و على هذا لا يرد الاشكال بأن دعوى تبادر الصحيح ينافى ما ذكرت من الثمرة من انها على القول بالصحة مجملات لا يستفاد منها شي‏ء أصلا فان المنافاة إنما تلزم اذا لم تكن معانيها مبنية بوجه من الوجوه أصلا و لو بالاثر و الخاصية و أما اذا كانت مبنية من وجوه عديدة من طرق آثار متعددة و خواص كثيرة و ان كانت غير مبينة من جهة الاجزاء و الشرائط فلا يلزم منافاة أصلا و الى ما ذكرنا أشار بقوله‏

(و لا منافاة بين دعوى ذلك)

أي تبادر الصحيح‏

(و بين كون الالفاظ على هذا القول مجملات فان المنافاة إنما يكون)

41

(فيما اذا لم تكن معانيها على هذا مبينة بوجه)

من الوجوه أصلا

(و قد عرفت كونها مبينة بغير وجه)

أي بغير وجه واحد بل وجوه كثيرة و حاصله ان الاجمال بحسب الأجزاء و الشرائط لا ينافي كونها مبينة من طرق آثار متعددة و لوازم كثيرة.

(ثانيها صحة السلب عن الفاسد)

أي سلب الاسم‏

(بسبب الإخلال ببعض أجزائه أو شرائطه بالمداقة)

بحسب الواقع و نفس الأمر

(و إن صح الاطلاق عليه بالعناية)

و التكلف و هو كون الصلاة الفاسدة صلاة من جهة كونها بحسب الصورة كالصلاة الصحيحة و قد تقرر في مسئلة صحة السلب و عدمها ان صحة السلب في نفس الأمر و الواقع و عدم صحتها كذلك علامتان للمجاز و الحقيقة لا مطلقا و لو بالعناية فالسلب في قوله تعالى: ما هذا بَشَراً، لما كان للمبالغة و الغلو لا بحسب الواقع لا يكون علامة لكون اطلاق البشر على يوسف على نبينا و (عليه السلام) مجازا فراجع، و هذان الدليلان إنما هما بحسب الوجدان السليم و لا يفيدان عند إنكار الخصم، نعم لو فوّض الأمر الى أهل اللسان بأن يقال ان المتبادر عند العرف من ألفاظها هو الصحيح و يصح عندهم سلب الاسم عن الفاسد لكان برهانا تاما اذا ساعد العرف على ذلك.

(ثالثها الأخبار)

(الظاهرة في إثبات بعض الخواص و الآثار للمسميات مثل الصلاة عمود الدين أو معراج المؤمن و الصوم جنة من النار الى غير ذلك أو)

الأخبار الظاهرة

(في نفي ماهياتها و طبائعها من مثل لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب)

في الجزء و نحوها مثل لا صلاة إلا بطهور و لا صلاة لمن لم يقم صلبه في الشرط و أمثال ذلك‏

(مما كان ظاهرا في نفي الحقيقة بمجرد فقد ما يعتبر في الصحة شطرا أو شرطا)

و تقريب الاستدلال انها اذا كانت موضوعة للصحيحة لكانت مفيدة لمدلولها و مناسبة لما حمل عليها من كونها عمود الدين و معراج المؤمن و نحو ذلك أو سلب هي عنها كسلبها عما ليس معه الطهور و قيام الصلب من غير احتياج الى عناية و تكلف بخلاف ما اذا كانت موضوعة للاعم فانها حينئذ مفتقرة الى ارتكاب حذف أو اضمار أو ارتكاب استعارة كأن يقال الصلاة الصحيحة عمود الدين و لا صلاة صحيحة إلا بفاتحة الكتاب أو يقال ان الصلاة بلا فاتحة الكتاب و ان كانت صلاة حقيقة إلا أنه لما كان هي و العدم سواء في عدم الأثر شرعا فقد سلب عنها اسم الطبيعة ادعاء فعدم لزوم العناية و التكلف في أمثال هذه التراكيب حتى في مثل لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد مما علم ان المراد منه نفي الكمال لا نفي أصل الطبيعة يكشف عن كونها موضوعة للصحيحة و الى ما ذكرنا أشار بقوله‏

(و ارادة خصوص الصحيحة من الطائفة الاولى و نفي الصحة من الثانية لشيوع استعمال هذا التركيب في نفي الصحة أو الكمال خلاف الظاهر لا يصار اليه مع عدم نصب قرينة عليه و استعمال هذا التركيب في نفي الصفة ممكن المنع حتى في مثل لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد)

42

(مما يعلم أن المراد نفي الكمال بدعوى استعماله في نفي الحقيقة في مثله أيضا بنحو من العناية لا على الحقيقة و إلا لما دل على المبالغة فافهم)

لكن الاستدلال بأمثال الطائفة الاولى من الأخبار محل نظر قد علم وجهه مما ذكرنا في اصالة الحقيقة من أن المتيقن من حجيتها فيما اذا شك في المراد لا في كيفية ما اريد من اللفظ و ذلك لأن كون ظاهر اللفظ مما يفيد أن المراد هو الصحيح لا يصير حجة على وضعه له فان المراد من اللفظ هنا معلوم و هو الصحيح و لكن الشك في أنه هل هو بحاق اللفظ و نفسه و ذاته أم بعناية و لم نحرز أن بناء العقلاء هنا أيضا على اصالة الحقيقة و كون الظاهر هو الموضوع له و قد علق المصنف على قوله فافهم حاشية لفظها، هذا اشارة الى أن الأخبار المثبتة للآثار و ان كانت ظاهرة في ذلك لمكان اصالة الحقيقة و لازم ذلك كون الموضوع له للاسماء هو الصحيح ضرورة اختصاص تلك الآثار به إلا أنه لا يثبت باصالتها كما لا يخفى لاجرائها العقلاء في اثبات المراد لا في انه على نحو الحقيقة لا المجاز فتأمل جيدا انتهى.

(رابعها)

أمر اعتباري استحساني و هو

(دعوى القطع بأن طريقة الواضعين و ديدنهم وضع الألفاظ للمركبات التامة)

(كما هو قضية الحكمة الداعية اليه و الحاجة و ان دعت أحيانا الى استعمالها في الناقص أيضا إلا أنه لا يقتضي أن يكون بنحو الحقيقة بل و لو كان مسامحة تنزيلا للفاقد منزلة الواجد و الظاهر أن الشارع غير متخط عن هذه الطريقة و لا يخفى ان هذه الدعوى و ان كانت غير بعيدة)

أي دعوى جري الشارع على ديدن العرف في الوضع‏

(إلا أنها قابلة للمنع)

فعهدتها على مدعي القطع‏

(فتأمل)

فذكر هذا الوجه في المؤيدات أولى و أحسن‏

(و قد استدل)

لقول‏

(الأعمي أيضا بوجوه)

(منها تبادر الأعم)

من اللفظ عند اطلاقه‏

(و فيه أنه قد عرفت الإشكال في تصوير الجامع الذي لا بد منه)

بل محاليته على تقدير

(فكيف يصح معه دعوى التبادر)

(و منها عدم صحة السلب)

أي عدم صحة سلب اللفظ بمعناه المرتكز في الذهن‏

(عن الفاسد)

(و فيه منع لما عرفت)

من الاشكال في تصويره فكيف يكون مرتكزا في الذهن‏

(و منها صحة التقسيم الى الصحيح و السقيم)

فانها تدل على وجود قدر مشترك يكون هو المقسم و يكون هو الموضوع له‏

(و فيه انه)

أي التقسيم‏

(إنما يشهد على أنها)

أي الألفاظ العبادات موضوعة

(للاعم)

الذي هو المقسم‏

(لو لم يكن هناك دلالة على كونها موضوعة للصحيح و قد عرفتها)

أي الدلالة إذ قد علمت عدم معقولية الجامع بين الصحيح و الفاسد

(فلا بد أن يكون التقسيم بملاحظة ما يستعمل فيه اللفظ و لو بالعناية)

بمعنى ان ما يطلق عليه لفظ الزكاة و الصلاة اما صحيح و اما فاسد و لو سلم وجود القدر المشترك فنقول انه إنما يشهد على وجود قدر مشترك قد استعمل فيه لفظ المقسم و أما أن اللفظ قد وضع لذلك فلا نظير ما قد ذكرنا في الدليل الثالث للصحيحي من أن بناء العقلاء على حجية الظهور

43

في مقام الشك في أصل المراد لا في مقام أن المراد المعلوم كيف اريد أ بنحو الحقيقة أم بنحو المجاز فمجرد صحة التقسيم لا يدل على مدعى الخصم و لو سلم معقولية القدر المشترك‏

(و منها استعمال الصلاة و غيرها في غير واحد من الأخبار في الفاسدة)

(كقوله ع: بني الاسلام على الخمس الصلاة و الزكاة و الحج و الصوم و الولاية و لم يناد أحد بشي‏ء كما نودي بالولاية فأخذ الناس بالأربع و تركوا هذه فلو أن أحدا صام نهاره و قام ليله و مات بغير ولاية لم يقبل له صوم و لا صلاة فان الأخذ بالأربع)

كما في لفظ الخبر أي الصلاة و الزكاة و الحج و الصوم‏

(لا يكون)

أي لا يتحقق‏

(بناء على بطلان عبادات تاركي الولاية)

كما ذهب اليه جماعة من الخاصة

(إلا اذا كانت أسامي للأعم)

إذ الصحيح منها لا يمكن لهم الأخذ به حينئذ

(و قوله ع: دعي الصلاة أيام اقرائك، ضرورة أنه لو لم يكن المراد منها)

الأعم المشتمل على‏

(الفاسدة لزم عدم صحة النهي عنها)

أي عدم صحة نهي الحائض عن الصلاة حين كون المراد منها الصحيحة

(لعدم قدرة الحائض على الصحيحة منها)

و هي شرط التكليف بديهة

(و فيه ان الاستعمال أعم من الحقيقة)

يعني أن القدر المسلم هو استعمال اللفظ في الأعم في الروايتين و هو لا يستلزم الحقيقة لكونه أعم منها

(مع أن المراد في الرواية الاولى)

لا نسلم انه الاعم بل‏

(هو خصوص الصحيح بقرينة أنها مما بنى عليها الاسلام)

و معلوم إن مبناه لا يكون إلا صحيحا

(و لا ينافي ذلك)

أي كون المراد هو خصوص الصحيح‏

(بطلان عبادة منكري الولاية إذ لعل أخذهم بها إنما كان بحسب اعتقادهم لا حقيقة)

و بحسب نفس الأمر

(و ذلك لا يقتضي استعمالها في الفاسد أو الأعم)

لمكان كون الاستعمال في خصوص الصحيح و كون أخذهم بها بحسب اعتقادهم لا بحسب نفس الأمر

(و الاستعمال في قوله فلو أن أحدا صام نهاره الخ كان كذلك أي بحسب اعتقادهم)

يعني في الصحيح بحسب اعتقادهم لا بحسب نفس الأمر و قوله‏

(أو للمشابهة و المشاكلة)

عطف على قوله كذلك يعني أن الاستعمال في قوله فلو أن أحدا صام الخ يمكن أن يكون في الفاسد و لكن اطلق اللفظ الموضوع للصحيح باعتبار المشابهة أي مشابهة عملهم عمل الآخذين بالولاية من حيث الصورة أو باعتبار المشاكلة في اللفظ و العبارة نظير قوله تعالى‏ وَ جَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ و قوله تعالى‏ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى‏ عَلَيْكُمْ‏ مع أن جزاء السيئة و الاعتداء ليس سيئة و اعتداء في الحقيقة و منه ينقدح جواب آخر عن الاستدلال بالرواية و هو أن يكون المراد من الخمس هو الصحيح بقرينة كونها مبنى الاسلام و أساسه و لكن استعمال تلك الألفاظ بعنوان الأربع في قوله ع فأخذ الناس بالأربع في الفاسدات باعتبار المشابهة الصورية أو المشاكلة في اللفظ و العنوان‏

(و في الرواية الثانية)

أي مع أن في الرواية الثانية لما لم يكن حمل النهي على المولوي لعدم قدرة الحائض على الصلاة الصحيحة و هي شرط

44

التكليف و نقطع بأنها ليست منهية عن الصلاة الفاسدة و عما هو بصورة الصلاة لتمرين الطفل و غيره فلا بد و أن يكون‏

(النهي)

أي ما هو نهي بحسب الواقع و ان كان بحسب القواعد العربية أمرا بالترك‏

(للارشاد الى عدم القدرة على الصلاة)

و سلب تمكنها منها فمفاد دعي الصلاة الخ أنها غير متمكنة من الاتيان بالصلاة لكون الحيض مانعا منها واقعا و في مثل هذا النحو من النهي لا يعتبر قدرة المكلف و إنما المعتبر فيه القدرة هو النهي المولوي‏

(و إلا)

أي و إن لم يكن النهي للارشاد الى عدم القدرة بل كان مولويا

(كان الاتيان بالأركان و ساير ما يعتبر في الصلاة)

شرطا أو شطرا

(بل)

كان الاتيان‏

(بما يسمى في العرف بها)

أي بالصلاة

(و لو أخل بما لا يضره الإخلال به بالتسمية عرفا محرما على الحائض ذاتا و إن لم يقصد به القربة)

لانحصار قدرتها بالنسبة الى طبيعة الصلاة في مثل هذا الفرد الفاسد ضرورة عدم قدرتها على الصحيحة حتى نهيت عنها

(و لا أظن أن يلتزم به المستدل بالرواية فتأمل جيدا)

(و منها أنه لا شبهة في صحة تعلق النذر و شبهه بترك الصلاة في)

كل‏

(مكان تكره فيه)

كالحمام و الوادي و بين المقابر و نحو ذلك‏

(و حصول الحنث بفعلها)

في واحد من تلك الأمكنة

(و)

يستكشف من هذا أن الصلاة لا بد أن تكون للاعم إذ

(لو كانت الصلاة المنذور تركها خصوص الصحيحة لا يكاد يحصل به)

أي بفعل الصلاة

(الحنث أصلا لفساد الصلاة المأتي بها)

في واحد من تلك الأمكنة بعد النذر

(لحرمتها كما لا يخفى)

ضرورة أنها تكون حينئذ منهيا عنها و النهي في العبادات يستلزم فسادها

(بل)

نقول لو كان متعلق النذر خصوص الصحيحة

(يلزم المحال)

و هو كون الشي‏ء معدوما حين فرض وجوده و استحالته ظاهرة و أما الملازمة فقد بيّنها المصنف بقوله‏

(فان النذر حسب الفرض قد تعلق بالصحيح منها و لا يكاد يكون)

الصلاة التي يوجدها المكلف في واحد من تلك الأمكنة

(معه)

أي مع النذر المذكور

(صحيحة)

فيلزم من فرض صحتها بطلانها و من فرض وجودها عدمها

(و ما يلزم من فرض وجوده عدمه محال)

و قد تبين الملازمة بأن النذر حسب الفرض قد تعلق بالصحيح فيصير منهيا عنه لكونه حنثا و النهي يقتضي الفساد في العبادات فيكون متعلق الحلف فاسدا و ذلك يوجب عدم تعلق الحلف به فلزم من تعلق الحلف به عدم تعلق الحلف به و أما على القول بالأعم فلا يرد شي‏ء من الاشكالين لأن متعلق النذر على هذا القول هي الطبيعة المطلقة الممكنة الحصول مع الفرد الصحيح و الفاسد و معلوم أنه لا يلزم من انتفاء أحد الفردين انتفاء الطبيعة

(قلت لا يخفى أنه لو صح ذلك)

الاستدلال‏

(لا يقتضي إلا عدم صحة تعلق النذر بالصحيح)

من جهة استلزامه عدم حصول الحنث أو من جهة استلزامه المحال المذكور

(لا)

أنه يقتضي‏

(عدم وضع اللفظ له)

أي للصحيح‏

(شرعا)

مع أنه هو المدعى مع أنه مشترك الورود

45

فان الأعمي قد صرّح بأنها في مقام النذر و الحلف محمولة على ارادة الصحيحة عملا باصالة الصحة فما هو جواب لهم فهو جواب لنا أيضا كما انه مشترك الورود اغماضا عن ذلك أيضا فيما اذا صرح أو قصد الناذر و الحالف بتعلق نذره و حلفه بالصحيحة مع كونها موضوعة عندهما للاعم‏

(مع أن الفساد من قبل النذر لا ينافي صحة متعلقه)

كي يلزم من فرض الوجود العدم اما من جهة أن متعلق الحلف و النذر لا يراد بصحته إلا كونه تام الأجزاء و الشرائط بحيث لو تعلق به الأمر كان صحيحا غاية الأمر أنه قبل تعلق الحلف و النذر به كان متعلقا للامر و بعد تعلقهما به ارتفع الأمر لورود نقيضه و هو النهي عليه بحكم استحالة اجتماع الأمر و النهي فاقتضى الفساد و وقوع الحنث لو وقع تام الأجزاء و الشرائط كما كان متعلق الأمر قبل تعلق النهي به و الحلف و النذر لا يقتضي أزيد من الصحة بهذا المعنى و اما من جهة أن الفساد إنما يقتضي عدم تعلق النذر و الحلف به فيما اذا كان متعلقه مع قطع النظر عن تعلق الحلف و النذر به فاسدا كما اذا كان المنذور تركه و المحلوف على تركه فعل الصلاة بدون الركوع أو مستدبر القبلة و أما الفساد الناشئ من تعلق الحلف و النذر بتركه فهو لا يقتضى عدم تعلق الحلف و النذر به بل هو من آثار تعلق الحلف و النذر به فلا يعقل أن يكون مؤثرا في عدم انعقاده و كيف كان‏

(فلا يلزم من فرض وجودها عدمها)

و كأن نظر المصنف في عدم المنافاة الى الوجه الأول من الوجهين اللذين ذكرناهما و لهذا قال‏

(و من هنا انقدح ان حصول الحنث إنما يكون لأجل الصحة لو لا تعلقه)

أي لو لا تعلق النذر به‏

(نعم لو فرض تعلقه بترك الصلاة المطلوبة بالفعل)

يعني لو كان متعلق النذر هو الصحيح بالمعنى المصطلح عليه أعني موافق الأمر مطلقا أي و لو مع النذر

(لكان منع حصول الحنث بفعلها)

أي بفعل الصلاة

(بمكان من الامكان)

و إنما فسرنا قوله بالفعل بالاطلاق المذكور لأن المصنف قد فسره بذلك في تعليق له في الهامش و هذا لفظه قوله بالفعل أي و لو مع النذر لكن صحته كذلك مشكل لعدم كون الصلاة معه صحيحة مطلوبة فتأمل جيدا انتهى.

(بقي امور:)

(الأول)

(ان أسامي المعاملات ان كانت موضوعة للمسببات)

كأن كان البيع عبارة عن تمليك العين بعوض و الاجارة تمليك المنفعة بعوض أو انتقال العين أو المنفعة كذلك‏

(فلا مجال للنزاع في كونها)

أي المعاملات حينئذ

(موضوعة للصحيحة أو الأعم لعدم اتصافها)

حينئذ

(بهما كما لا يخفى بل)

تتصف‏

(بالوجود تارة)

ان كانت أسبابها موجودة

(و بالعدم اخرى)

ان كانت أسبابها معدومة و لو بعدم جزء منها أو شرط

(و أما ان كانت)

أسامي المعاملات‏

(موضوعة للاسباب)

أي لامور يمكن أن يعرضها السببية

(فللنزاع فيه مجال)

كأن يكون البيع عبارة عن عقد مفاده تمليك العين بعوض و إنما فسرنا الأسباب بما

46

ذكرنا فانها لو كانت موضوعة للاسباب بما هي أسباب فلا مجال للنزاع المذكور أيضا لعدم اتصافهما بهما بل بالوجود تارة و بالعدم اخرى‏

(لكنه لا يبعد كونها موضوعة للصحيحة أيضا)

عند كونها موضوعة للاسباب كالعبادات‏

(و ان الموضوع له هو العقد المؤثر لاثر كذا شرعا و عرفا)

من نقل العين أو المنفعة بعوض أو مجانا

(و الاختلاف بين الشرع و العرف فيما يعتبر في تأثير العقد)

كأن يرى الشارع القبض شرطا في الصرف و السلم و الوقف و الهبة و لا يراه العرف‏

(لا يوجب الاختلاف بينهما في)

أصل‏

(المعنى)

و نفس الحقيقة بأن تكون في الشرع للصحيحة و في العرف للاعم‏

(بل)

يوجب‏

(الاختلاف في المحققات و المصاديق)

و يورث‏ (*)

(تخطئة الشرع العرف في تخيل كون العقد بدون ما اعتبره)

الشارع‏

(في تأثيره)

كالقبض في المذكورات‏

(محققا لما هو المؤثر كما لا يخفى)

و ذلك لعدم تعقل القدر المشترك بينهما كما قد عرفته بما لا مزيد عليه و الظاهر انها موضوعة للمسببات لا للاسباب لأنه المتفاهم عرفا و المنسبق الى الأذهان عند الاطلاق كما اذا قيل باع فلان داره أو آجره أو وقفه أو وهبه فمن عرّف البيع مثلا بأنه الإيجاب و القبول الكذائي ففي الحقيقة هو تعريف لعقد البيع و إنما البيع عرفا هو التبديل المخصوص.

(الثاني)

من الامور ان ما هو الحق و التحقيق في ثمرة الاختلاف بين الفريقين في العبادات من أنه على القول بالصحيح لا يصح التمسك بالإطلاقات عند الشك في الجزئية أو الشرطية للاجمال و على القول بالأعم يصح التمسك بها عند تحقق شرائط التمسك بالاطلاق لا يصح أن يكون ثمرة للاختلاف بين الفريقين في ألفاظ المعاملات ضرورة

(الثاني)

(أن كون ألفاظ المعاملات أسامي للصحيحة لا يوجب إجمالها) (كألفاظ العبادات كي لا يصح التمسك باطلاقها عند الشك في اعتبار شي‏ء في تأثيرها شرعا و ذلك لأن إطلاقها لو كان مسوقا في مقام البيان)

لا الإهمال أو الإجمال‏

(ينزل على أن المؤثر عند الشارع هو المؤثر عند العرف و لم يعتبر في تأثيره عنده غير ما اعتبر فيه عندهم كما نزل عليه إطلاق كلام غيره)

أي غير الشارع‏

(حيث انه)

أي الشارع‏

(منهم)

أي من أهل العرف‏

(و لو اعتبر)

الشارع مثلا

(في تأثيره ما شك فى اعتباره كان عليه البيان و نصب القرينة عليه)

أي على الاعتبار كما كان على غيره ذلك‏

(و حيث لم ينصب بان عدم اعتباره عنده أيضا)

و السر فى ذلك هو أنه ليس للشارع فى المعاملات تصرّف خاص و اختراع جديد كما فى الموضوعات العبادية فهو فيها كأحد من أهل العرف و حكمه من هذه الجهة حكمهم‏

(و لذا)

تريهم‏

(يتمسكون بالاطلاق فى أبواب المعاملات مع ذهابهم الى كون)

____________

(*) قوله و يورث تخطئة الشرع الخ بحيث لو انكشف للعرف ان ما هو المؤثر باعتقادهم غير مؤثر واقعا لعده خارجا عن حقيقة المعاملة. منه دام ظله‏

47

(ألفاظها موضوعة للصحيح)

من مثل أحل اللّه البيع و حرم الربوا إذ معناه أن الذي سميتموه بيعا و يكون متداولا عندكم فقد أحله اللّه و ما يكون عندكم ربا فقد حرمه اللّه فلا إجمال فيه كي لا يصح التمسك قال الشهيد ره فى القواعد بأن المهيات الجعلية كالصلاة و الصوم و ساير العقود حقيقة فى الصحيح مجاز فى الفاسد إلا الحج لوجوب المضي فيه فلو نذر أن لا يصلي فصلى صحيحا ثم أفسدها يحنث و يحتمل عدم الحنث بخلاف ما اذا أتى من الأول فاسدا فانه لا يحنث قطعا، و أورد عليه من غفل عن حقيقة الأمر بأنه كيف يتيسر له التمسك بالاطلاق مع أنه قائل بالصحة لإجمال المعاني حينئذ فتدبر مع انه يمكن أن يجاب عنه مضافا الى ما حققه المصنف بأن الشهيد قده ليس بصدد بيان الموضوع له للمعاملات و انها هي الصحيحة كي يتوجه عليه الإيراد بل بصدد بيان المصاديق التي يتعلق بها قصد الناذر بأن قصد أن لا يصلي صلاة صحيحة فى مقام نذره‏

(نعم لو شك فى اعتبار شي‏ء فيها)

أي فى المعاملات‏

(عرفا فلا مجال للتمسك باطلاقها فى عدم اعتباره بل لا بد من اعتباره لاصالة عدم الأثر بدونه فتأمل جيدا)

فان المقام من مطارح أنظار العلماء و قد ذهب جماعة الى خلاف ما ذكره المصنف فى الأمرين و منهم المحقق فى النافع و الشهيد فى اللمعة و بعض تحقيقاته أن البيع هو نفس الإيجاب و القبول و احتجوا عليه بالتبادر و أرجح الشهيد فى بعض تحقيقاته التعريف بالأثر كانتقال العين الى مذهبه نظرا الى ان الصيغة المخصوصة سبب فى الانتقال فاطلق اسم المسبب على السبب و عرف المغيّا بالغاية و رد عليه الشهيد الثاني فى المسالك بأن الاطلاق المذكور مجازي يجب الاحتراز عنه فى التعريفات الكاشفة للماهية و أما التعريف بالغاية بهذا المعنى فغير جائز لأن حمل المعرف بالكسر على المعرف بالفتح حمل المواطاة أعني حمل هو هو و الغاية مما لا يصح حملها عليه كذلك و إنما تدخل الغاية فى التعريفات على معنى أخذ لفظ يمكن حمله على المعرف مشيرا الى الغاية و غيرها من العلل التي لا يصح حملها عليه حمل المواطاة و هو هنا منتف انتهى، و تنظر بعض المحققين فيما ذكره المصنف فى الأمر الثاني الذي هو مأخوذ من كلام المحشى الشيخ محمد تقى فى حاشيته على المعالم فى أواخر مسئلة الصحيح و الاعم بأنه إنما يصح اذا كان الملكية مثلا علقة واقعية بين المالك و المملوك و لم تكن من الاحكام الوضعية المجعولة و ان العقد سبب واقعي لها غير مجعول كسائر الاسباب و المسببات الواقعية كالماء للتبريد و النار للاحراق فانه حينئذ يصح دعوى ان الموضوع له للفظ البيع مثلا هو التمليك الواقعي المؤثر للملكية و انه غير مختلف عند الشرع و العرف بل الاختلاف فى المحققات و المصاديق و تخطئة الشرع العرف فى تخيل كون العقد بدون ما اعتبره فى تأثيره محققا لما هو المؤثر كما انه لو تخيل شيئا انه ماء أو نار و كشف عنه الشارع بأنه سراب أو نور كما فى قصة موسى على نبينا و (عليه السلام) و أما اذا كانت من الاحكام المجعولة للعقلاء

48

أو الشارع و من الاعتبارات العقلائية أو الشرعية بحيث لا واقعية لها إلا هذا الاعتبار كالزوجية و الحرية و الرقية و ان السبب الموجب لها أمر جعلي لا واقعي كي يكون له تأثير واقعا فلا يصح التمسك حينئذ و لا معنى لتخطئة العرف فى المصداق إذ المفروض ان العقد بدون الشرط الشرعي الكذائي سبب عندهم مفيد للملكية فلا يمكن أن يقال له ان ما تراه سببا ليس بسبب إذ المفروض انه هو الجاعل للسبب و هو الواضع للاسم، نعم يمكن تخطئته فى أصل الجعل بأن يقال له ان المصلحة لا تقتضي جعل هذا سببا و هو أمر آخر غير التخطئة فى المصداق فعلى هذا لو قلنا ان البيع عند الشارع ما يكون مؤثرا شرعا يلزم الاختلاف فى المفهوم و معه لا يصح التمسك بالاطلاق بناء على مذهب الصحيحي و تمام الكلام فى محله و إنما الغرض الاشارة الى اعضال المقام و عليه التوكل و به الاعتصام.

(الثالث)

من الامور لما كان اعتبار شي‏ء فى شي‏ء آخر سواء كان وجوديا أو عدميا على أنحاء مختلفة أراد المصنف أن يبين بعد بيان الانحاء ان أي نحو من الاعتبارات المذكورة يكون له دخل فى التسمية بحيث لو انتفى ذاك الاعتبار لانتفى صدق الاسم لانتفاء المسمى و أي نحو منه لا دخل له فيها بحيث لو انتفى لا يضر بالصدق المذكور لبقاء المسمى فقال‏

(ان دخل شي‏ء وجودي أو عدمي فى المأمور به تارة بأن يكون داخلا فيما يأتلف)

المأمور به‏

(منه و من غيره و جعل جملته متعلقا للامر فيكون جزء له و داخلا فى قوامه)

كدخل الفاتحة و السورة و الركوع و السجود و التشهد فى الصلاة و كدخل التروك العشرة أو الزائد عليها فى ماهيّة الصوم و كدخل تروك الاحرام مع الافعال الوجودية فى ماهيّة الحج‏

(و اخرى بأن يكون خارجا عنه لكنه كان مما لا يحصل الخصوصية المأخوذة فيه بدونه)

أي بدون الشي‏ء المعتبر

(كما اذا أخذ شي‏ء)

لا مطلقا بل‏

(مسبوقا به)

كالصلاة بالنسبة الى الوضوء

(أو ملحوقا به)

كغسل المستحاضة فى الليلة الآتية بالنسبة الى صوم اليوم المقدم عليها

(أو مقارنا له)

كالصلاة بالنسبة الى الستر و الاستقبال‏

(متعلقا للامر)

و كذا اذا أخذ معه مطلقا سواء كان مسبوقا به أو ملحوقا به أو مقارنا له كالرضاء المعتبر فى العقد بناء على صحة الفضولي‏

(فيكون)

الشي‏ء المعتبر معه حينئذ

(من مقدماته)

أي الخارج عن الشي‏ء المتوقف ذلك الشي‏ء عليه‏

(لا من مقوماته)

و ما يأتلف منه‏

(و ثالثة بأن يكون مما يتشخص به المأمور به بحيث يصدق على المتشخص به عنوانه)

أي عنوان الشي‏ء

(و ربما يحصل له بسببه)

أي بسبب ما له دخل فى مقام التشخص‏

(مزية أو نقيصة و دخل هذا)

أي ما به يحصل تشخصه‏

(فيه)

أي فى المأمور به المتشخص به‏

(أيضا طورا بنحو الشطرية و)

تارة

(اخرى بنحو الشرطية)

و الامثلة واضحة أما فى الشطر كتثليث الذكر أو تخميسه‏

49

و هكذا فيما يوجب المزية و التكتف فيما يوجب المنقصة بناء على كراهته و أما فى الشرط كصلاة الجماعة و الصلاة فى الحمام و حضور جماعة العامة و الصلاة بين المقابر و قد لا توجب الخصوصية المتشخصة بها مزية و لا منقصة كالصلاة فى البيت و الصلاة قدام قبر اذا كان بين المصلى و بينه عشرة أذرع أو حائل و الفرق بين الصورتين الاوليين ان من أخل بجزء فى الصورة الاولى فقد أتى بسائر الاجزاء و ربما يمكن تدارك الجزء الذي أخل به فيكون الكل قد حصل بخلاف الاخلال بالشرط فى الصورة الثانية فانه لم يأت بشي‏ء من المأمور به أصلا و أما فى الصورة الثالثة فالاخلال بالخصوصية الفردية لا يوجب الاخلال بالماهية أصلا لتحققها مع خصوصية اخرى و الى هذا أشار بقوله‏

(فيكون الاخلال بما له دخل بأحد النحوين فى حقيقة المأمور به و مهيته موجبا لفساده لا محالة بخلاف ما له الدخل فى تشخصه و تحققه مطلقا شرطا كان أو شطرا حيث لا يكون الاخلال به إلا إخلالا بتلك الخصوصية مع تحقق الماهية بخصوصية اخرى غير موجبة لتلك المزية بل كانت موجبة لنقصانها كما أشرنا اليه)

كالصلاة فى الحمام‏

(ثم انه ربما يكون الشي‏ء مما يندب فيه اليه بلا دخل له أصلا لا شرطا و لا شطرا فى حقيقته و لا فى خصوصيته و تشخصه بل له دخل ظرفا فى مطلوبيته بحيث لا يكون مطلوبا إلا اذا وقع فى أثنائه)

و ربما يكون الشي‏ء واجبا كذلك‏

(فيكون مطلوبا نفسيا)

مستحبا كان أو واجبا

(فى واجب أو مستحب)

كالمضمضة و الاستنشاق فى الوضوء على القول التحقيقي واجبا كان الوضوء أو مستحبا و كردّ السلام فى أثناء الصلاة فافهم‏

(كما اذا كان)

ذلك المعتبر

(مطلوبا كذلك)

أي نفسيا

(قبل أحدهما)

أي الواجب و المستحب‏

(أو بعده)

أي بعد أحدهما مستقلا

(فلا يكون الاخلال به)

أي بذلك المعتبر فى الاثناء

(موجبا للاخلال به)

أى بالمعتبر فيه‏

(ماهيّة و لا تشخصا و خصوصية أصلا)

أى من حيث هي هي و لا ينافى الاخلال به إيجاب الاخلال به من جهة اخرى كما اذا ترك رد السلام و اشتغل بأجزاء الصلاة الواجبة و تفصيل ذلك فى الفقه و ستأتي الاشارة الى خروجه عن محل البحث بعيد هذا

(اذا عرفت هذا)

أى ما ذكر من الاعتبارات‏

(كله)

فنقول‏

(لا شبهة فى عدم دخل ما ندب اليه فى العبادات نفسيا فى التسمية بأساميها)

بل ما وجب فيها نفسيا

(و كذا فيما له دخل فى تشخصها)

أى تشخص الماهية

(مطلقا)

شرطا كان أو شطرا

(و أما ما له دخل شرطا فى أصل ماهيّتها فيمكن الذهاب الى عدم دخله فى التسمية بها)

نظرا الى كونه خارجا عن قوام الماهية

(مع الذهاب الى دخل ما له الدخل جزء فيها)

نظرا الى أن انتفاء الجزء مستلزم لانتفاء الكل عقلا

(فيكون الاخلال بالجزء مخلّا بها دون الاخلال بالشرط لكنك عرفت ان الصحيح اعتبارهما)

أى الشرط و الجزء

(فيها)

أى فى العبادات و كون الشرط

50

خارجا عن قوام الماهية لا ينافي ما نحن بصدده كما أن عدم استلزام انتفاء الجزء الغير المقوم لانتفاء الكل عرفا لا ينافي ذلك أصلا فان المقصود ان الأدلة الخاصة كالتبادر و صحة السلب و الاخبار الظاهرة في إثبات بعض الخواص للماهية أو الأخبار النافية للماهية بانتفاء جزء أو شرط قد دلت على دخول خصوص الشرط أيضا في المقام في الطبيعة التي اطلق عليه الاسم فافهم هذا كله في الصحيح باعتبار الأجزاء و الشرائط و إما باعتبار عدم المزاحم الموجب لانتفاء الأمر أو باعتبار عدم النهي أو باعتبار قصد التقرب فكلها امور خارجة عن محل البحث أما الأولان فلبديهة انهما فرع المسمى حتى يوجد له مزاحم أو ينهى عنه و أما الثالث فهو على ما ستعرف في مبحث الأمر متأخر عن المسمى بمرتبتين ضرورة ان قصد القربة متأخر عن الأمر المتأخر عن المسمى تأخر المحمول عن الموضوع فلا يمكن أخذ ما يكون كذلك فى المسمى.

(الحادى عشر)

في إثبات المشترك اللفظي اعلم ان القوم قد اختلفوا هنا فبعضهم ذهبوا الى عدم إمكانه و بعضهم الى عدم وقوعه مع تسليم إمكانه و ربما يفصل بين القرآن فنفاه و بين غيره فأثبته و مستند الأول ان إمكانه مستلزم لتجويز الإخلال بالتفهيم و التفهم المقصودين من الوضع عند عدم القرينة و مع وجودها ربما تكون خفية فينتفي الغرض و مع جلائها تطويل بلا طائل و هو مناف للحكمة و مستند الثالث هو هذا أيضا لكن بتوهم اختصاصه بما اذا كان المتكلم حكيما على الاطلاق كما في القرآن و اما الاجمال و التطويل فلا غاية فيه مع كون المتكلم غيره تعالى و المختار هو الإمكان و مستنده هو الوقوع و الدليل عليه هو التبادر و عدم صحة السلب بالنسبة الى المعنيين أو الأكثر و تصريح أهل اللغة بذلك و بذلك يضمحل القول بعدم الوقوع و كذلك القول بعدم الامكان و ما ذكر دليلا على الاستحالة ممنوع لإمكان الاعتماد على القرائن الواضحة و حديث التطويل بكليته ممنوع أيضا و لزوم الاجمال عند عدم القرينة لا غائلة فيه اذا كان موافقا لغرض المتكلم و مما ذكرنا يظهر الجواب عن التفصيل كما لا يخفى و الى ما ذكرنا أشار المصنف بقوله‏

(الحق وقوع الاشتراك للنقل)

أى نقل أهل اللغة

(و التبادر و عدم صحة السلب بالنسبة الى المعنيين أو الأكثر للفظ واحد)

و قوله بالنسبة متعلق بكل واحد من التبادر و عدم صحة السلب على سبيل التنازع‏

(و إن أحاله بعضهم لإخلاله)

أى الاشتراك‏

(بالتفهيم و التفهم المقصود من الوضع لخفاء القرائن)

و قوله‏

(لمنع الاخلال أولا)

تعليل لقوله و الحق‏

(لامكان الاتكال على القرائن الواضحة)

بحيث لا يلزم نقض الغرض‏

(و منع كونه مخلا بالحكمة ثانيا لتعلق الغرض بالاجمال أحيانا كما أن استعمال المشترك في القرآن ليس بمحال كما توهم لأجل لزوم التطويل بلا طائل مع الانكال على القرائن و الاجمال فى المقال لو لا الاتكال عليها و كلاهما غير لائق بكلامه تعالى شأنه كما لا يخفى)

و هذا حجة