طريق الوصول إلى تحقيق الأصول‏ - ج2

- الشيخ محمد الكرمي المزيد...
280 /
361

[تتمة المقصد الأول: الأوامر]

فصل [اذا ورد امر بشي‏ء بعد الامر به قبل امتثاله‏]

النقاط الرئيسية فى البحث‏ (1) هل ورود الامر بشى‏ء بعد الامر به قبل امتثاله يوجب تكرار ذاك المأمور او تأكيد الامر الاول به‏

(اذا ورد امر بشي‏ء بعد الامر به) لكن‏ (قبل امتثاله فهل يوجب) الامر الوارد بعد الامر الاول الذى لم يمتثل بعد (تكرار ذاك الشى‏ء) المأمور به بالامر الاول و بالامر الثانى جميعا (او) لا يوجب إلّا (تأكيد الامر الاول و) تأكيد (البعث الحاصل به) اي بالامر الاول‏ (قضية) اى مقتضى‏ (اطلاق المادة) اى مادة صيغة افعل مثل صل صل‏ (هو التأكيد فان الطلب تأسيسا لا يكاد يتعلق بطبيعة واحدة مرتين من دون ان يجى‏ء تقييد لها) اى للطبيعة (فى البين و لو كان بمثل مرة اخرى) بان يقول صل و صل مرة اخرى‏ (كى يكون) بمناسبة هذا التقييد (متعلق كل منهما غير متعلق الآخر كما لا يخفى و المنساق من اطلاق الهيئة) اى هيئة صيغة افعل‏ (و ان كان هو تأسيس الطلب لا تأكيده) لكن لا على نحو الاطلاق و لذلك قال‏ (إلّا ان الظاهر هو انسباق التأكيد عنها) اى عن الهيئة ايضا (فيما) لو (كانت مسبوقة بمثلها) مثل صل صل‏ (و لم يذكر هناك) اى لكل من الامرين: مثل: صل صل:

(سبب) بان جى‏ء بالامر الاول و الثانى عاريين عن ذكر السبب الباعث لهما و الداعى اليهما بان لم يحصل من الآمر إلّا صرف قوله: صل صل: (او ذكر) للامرين جميعا (سبب واحد) مثل صل صل للآيات و اما لو ذكر لكل منهما سبب بحياله بان قيل صل للعيد صل للآيات كان كل منهما امرا بحياله و لا ربط له بالآخر اصلا

362

خلاصة البحث‏ (1) ورود الامر بشى‏ء بعد الامر به قبل امتثاله لا يوجب تكرار ذاك الشى‏ء إلّا اذا كان لكل من الامرين سبب بحياله مثل صل للآيات و صل صلاة الجمعة

المقصد الثانى فى النواهى‏

النقاط الرئيسية فى البحث‏ (1) هل ان النهي بمادته و صيغته فى الدلالة على الطلب مثل الامر بمادته و صيغته‏

(2) ما هو متعلق الطلب فى النهى هل هو الكف او مجرد الترك‏

(3) هل يدل النهى بصيغته على الدوام و التكرار او لا يدل‏

(4) و هل يدل النهي على ارادة الترك حتى بعد مخالفته و عصيانه او لا يدل‏

(فصل: الظاهر ان النهى بمادته)

الاشتقاقية نهى ينهى نهيا (و صيغته) و هى لا تفعل‏ (فى الدلالة على الطلب مثل الامر بمادته) الاشتقاقية امر يأمر امرا (و صيغته) و هي افعل فى الدلالة عليه غاية ما هناك ان المادة فى الجميع تدل على الماهية و الهيئة تدل على الوجود فى الامر و على العدم فى النهي فمعنى صل اوجد ماهية الصلاة و معنى لا تصل لا توجد ماهيتها (غير ان متعلق الطلب فى احدهما) اى الامر و النهى‏ (الوجود) فى الامر (و فى الآخر) و هو النهى‏ (العدم فيعتبر فيه) اى فى النهى‏ (ما استظهرنا اعتباره فيه) اى فى الامر من اعتبار العلوّ فى الآمر فيعتبر فى الناهى مثله و هلم جرا كما سلف فى صدر مبحث الاوامر (بلا تفاوت) بين الامر و النهى‏ (اصلا نعم يختص النهى بخلاف) حصل فيه دون الامر (و هو ان متعلق الطلب فيه هل هو الكفّ) اى صرف النفس عما نهى عنه و إلفاتها الى جانب عدم الشى‏ء (او مجرد الترك و ان)

363

(لا يفعل) و لو من غير تقصد و إحداث عزيمة بسبب تلقى النهى عن الناهى عما نهى عنه بل يكفى فيه الانصراف عن الشى‏ء الذى كان فيه قبل حصول النهى عنه بحيث لم يزده النهى شدة فى تركه او جلب توجه نحوه بل استمرّ على العدم بعد النهى كما كان قبله بحالة اعتيادية لم يؤثر فيها حدوث النهى اقل تأثير (و الظاهر هو الثانى) بمعنى ان إحداث العزيمة على الترك لاجل النهى ليس شرطا فى القيام بالوظيفة (و توهم ان الترك و مجرد ان لا يفعل خارج عن تحت الاختيار) اذا فرض فيه عدم إحداث القصد على الترك لاجل حدوث النهى و ذلك لان كل ما لا دخالة لتقصد المكلف فيه لا ينسب الى اختياره بل هو مربوط الى سبب آخر (فلا يصح) و الحالة هذه‏ (ان يتعلق به البعث و الطلب فاسد) خبر لقوله و توهم ان الترك الخ‏ (فان الترك ايضا) اى كالفعل‏ (يكون مقدورا و إلّا) اى لو لم يكن الترك مقدورا للمكلف‏ (لما كان الفعل مقدورا و صادرا بالارادة و الاختيار) لان الترك عدل الفعل بالنسبة الى الشى‏ء الواحد فاذا صحّ فى احدهما ان يكون مقدورا كان العدل الآخر مقدورا بالملازمة و إلّا انتفت القدرة عن الشى‏ء المفروض فعلا و تركا (و كون العدم الازلى) اى السابق على النهى بل السابق على وجود المكلف‏ (لا بالاختيار) لسبقه على من له الاختيار (لا يوجب ان يكون كذلك) اى لا بالاختيار (بحسب البقاء و الاستمرار الذى يكون) العدم‏ (بحسبه) اى بحسب استمراره و بقاءه‏ (محلا للتكليف) فمعنى القدرة عليه حينئذ هو تمكن المكلف من تسييره كما كان و قطعه بالوجود (ثم انه لا دلالة) من حيث اللفظ (لصيغته) اى صيغة النهى‏ (على الدوام و التكرار) فمعنى لا تفعل من حيث الاشعار اللفظى ليس هو طلب العدم مستمرا (كما لا دلالة لصيغة الامر) عليه كما تقدم‏ (و ان كان قضيتهما عقلا) اى مقتضى طلب ايجاد الطبيعة و مقتضى طلب إعدامها من طريق العقل‏ (تختلف و لو مع وحدة متعلقهما)

364

اى مقتضى طلب الوجود و مقتضى طلب العدم للطبيعة يختلف عقلا حتى لو فرض الشى‏ء الواحد متعلقا تارة للامر و اخرى للنهى‏ (بان تكون طبيعة واحدة بذاتها و قيدها) لو فرض معها قيد (تعلق بها الامر مرة و النهى) مرة (اخرى ضرورة ان وجودها) اى وجود الطبيعة (يكون بوجود فرد واحد) فيقال فيها عند وجود فرد واحد منها انها وجدت قطعا (و عدمها) اي الطبيعة (لا يكاد يكون الا بعدم الجميع) اى جميع الافراد (كما لا يخفى) لان وجود الفرد الواحد بعد الامتناع عن ملايين افرادها الباقية كاف فى تحققها و صدقها خارجا على نحو الحقيقة فلا يقال ان الطبيعة معدومة و لها فى العيان فرد قد وجدت به‏ (و من ذلك يظهر ان الدوام و الاستمرار انما يكون فى النهي اذا كان متعلقه طبيعة مطلقة غير مقيدة بزمان) مثل لا تضرب يوم الجمعة (او حال) مثل لا تضر به قائما (فانه حينئذ) اى حين اذ تكون الطبيعة مطلقة غير مقيدة مثل لا تضرب‏ (لا يكاد يكون مثل هذه الطبيعة معدومة الا بعدم جميع افرادها الدفعية) العرضية (و التدريجية) الطولية (و بالجملة قضية النهى ليس إلّا ترك تلك الطبيعة التى تكون متعلقة له) اى للنهي‏ (كانت مقيدة) فالمنهى عنه هو الطبيعة المقيدة (او مطلقة) فالمنهى عنه هو الطبيعة المطلقة (و قضية تركها) اى الطبيعة مقيدة او مطلقة (عقلا انما هو ترك جميع افرادها) بحسب القيد و بحسب الاطلاق‏ (ثم انه لا دلالة للنهى) من طريق اللفظ المجرد (على ارادة الترك لو خولف او عدم ارادته) يعنى ان المولى لو قال لعبده لا تفعل فعصاه و فعل فهل بعد الفعل و العصيان للنهى يستمر النهى بدلالة لسان لفظه فى طلب الترك او يدل على عدم ارادة الناهى بعد العصيان للترك: لا: النهي من حيث دلالته اللفظية ليس به ذلك‏ (بل لا بد فى تعيين ذلك) اى ان ما بعد العصيان يكون حاله حال ما قبل العصيان او تتبدل الحالة بعد العصيان من المنع الى الترخيص‏ (من دلالة)

365

خارجية (و لو كان) الدليل على استمرار ارادة المنع كما كان‏ (اطلاق المتعلق) اى متعلق النهى بان يكون متعلق النهى فيه ظهور اطلاقى فى الاستمرار حتى‏ (من هذه الجهة) اى حتى لو عصى المكلف النهى فالنهي مع ذلك لا يسقط عن تأثيره المنع فالمكلف اذا لم يمتثل هذا اللسان يكون عاصيا فى كل آن‏ (و لا يكفى اطلاقها) اى اطلاق المادة الواقعة متعلقا للنهى‏ (من سائر الجهات) الخارجة عن هذه الجهة و هى جهة ظهور المتعلق بشمول النهى حتى لما بعد العصيان فإن الاطلاق المفيد فى المقام هو هذا الاطلاق و اما اطلاق المتعلق فى شموله لجهات اخرى غير هذه الجهة فأجنبى عن مورد البحث‏ (فتدبر جيدا) حتى تعرف‏

خلاصة البحث‏ (1) الظاهر ان النهى بمادته و صيغته فى الدلالة على الطلب مثل الامر بمادته و صيغته‏

(2) متعلق الطلب فى النهى مجرد الترك و ان لا يفعل‏

(3) لا دلالة لصيغة النهى على الدوام و التكرار غاية ما هناك ان عدم الطبيعة لا يكون إلّا بعدم جميع حصصها فيما لو كانت طبيعة مطلقة غير مقيدة بزمان او بحال‏

(4) لا دلالة للنهى على ارادة الترك لو خولف او عدم ارادته و انما يستفاد ذلك من دليل خارج‏

فصل [اختلفوا فى جواز اجتماع الامر و النهى فى واحد و امتناعه‏]

النقاط الرئيسية فى البحث‏ (1) كم هى الاقوال في جواز اجتماع الامر و النهى‏

366

(2) ما المراد بالواحد فى عنوان البحث‏

(3) ما الفرق بين مسألة الاجتماع و مسألة النهى فى العبادات‏

(4) هل مسألة الجواز اصولية او كلامية او فرعية

(5) هل المسألة المزبورة عقلية او لفظية

(6) ملاك النزاع فى جواز الاجتماع و عدمه هل يعم جميع اقسام الايجاب و التحريم او يختص ببعض دون بعض‏

(7) هل يؤخذ فى محل النزاع قيد المندوحة اولا

(8) هل النزاع فى الجواز و الامتناع يبتنى على القول بتعلق الاحكام بالطبائع اولا

(9) هل لا يكون من باب الاجتماع إلّا اذا كان فى كل واحد من متعلقى الايجاب و التحريم مناط حكمه مطلقا

(10) لو لم يكن على ثبوت ملاك الحكمين حتى فى مورد التصادق دليل فهل يكتفى باطلاق دليلى الحكمين على ثبوت مقتضيهما

(11) ما هو الحال لو اتى المكلف بالمجمع بداعى الامر فهل يكون هناك امتثال اولا

(12) ما هو الحق فى المسألة الامتناع او غيره‏

(13) ما هي النسبة بين الاحكام الخمسة

(14) ما هو متعلق الاحكام‏

(15) هل يوجب تعدد العنوان تعدد المعنون‏

(16) هل تكون للموجود بالوجود الواحد ماهيتان و حقيقتان او لا تكون له الا ماهية و حقيقة واحدة

367

(17) ما هى ادلة المجوزين‏

(18) هل الاضطرار الى ارتكاب الحرام فضلا عن رفعه للحرمة و العقاب اذا لم يكن بسوء اختيار المكلف مما يدع مجالا لتأثير ملاك الوجوب لو كان اولا

(19) هل هناك مرجحات لاحد الحكمين المتضادين على الآخر و ان تكن فما هى‏

(20) هل تعدد الاضافات كتعدد العناوين مما يجدى مع وحدة المعنون وجودا اولا

(اختلفوا فى جواز اجتماع الامر و النهى فى واحد) بالوجود الخارجى‏ (و امتناعه) اى امتناع اجتماعهما فى الواحد المزبور (على اقوال) اولها الجواز مطلقا عقلا و عرفا ثانيها الامتناع مطلقا عقلا و عرفا (ثالثها جوازه عقلا و امتناعه عرفا)

و قبل الخوض فى المقصود)

الذى هو احقاق قول منها بخصوصه‏ (تقدم امور:)

[الأمر] الاول: المراد بالواحد)

فى عنوان المسألة (مطلق ما) اى اىّ شى‏ء (كان ذا وجهين و مندرجا تحت عنوانين باحدهما) اى بأحد الوجهين و العنوانين‏ (كان موردا للامر و بالآخر) كان موردا للنهى‏ (و ان كان) ذاك الواحد (كليا مقولا على كثيرين كالصلاة فى) المكان‏ (المغصوب) فان الصلاة و الغصب بما هما امران كليان يقالان على كثيرين لكن اجتماعهما فى الخارج انما يكون بالواحد الشخصى قطعا اذ لا اختلاط لكلى الغصب بكلى الصلاة الا من طريق افرادهما الخارجية كما هو واضح‏ (و انما ذكر) قولنا المراد بالواحد مطلق ما كان ذا وجهين و ان كان كليا (لاخراج ما اذا تعدد متعلق الامر و النهى) خارجا بان كان متعلق الامر منحازا بوجوده الخارجى عن متعلق النهى بوجوده الخارجى‏ (و لم يجتمعا وجودا و لو جمعهما) امر (واحد)

368

(مفهوما) اى بحسب مفهومه فقط (كالسجود للّه تعالى) المأمور به‏ (و السجود للصنم) المنهى عنه‏ (مثلا) فان اجتماع السجودين تحت مفهوم السجود مما لا يصيرهما واحدا بعد أن كانا فى الخارج اثنين بلا ريب‏ (لا لاخراج) اى لم يذكر الواحد فى عنوان المسألة لاخراج‏ (الواحد الجنسي او النوعى كالحركة و السكون الكليين المعنونين بالصلاتية و الغصبية) و اختصاص البحث بالواحد الشخصى لكن الحق ان الواحد الجنسي و النوعى لا اختلاط له ما دام امرا كليا و الاختلاط انما ينشأ من تحققه الخارجى و الموجود خارجا لا يكون كليا بهذه السمة كما اومأنا اليه‏

الامر ( [الثانى: الفرق بين هذه المسألة و مسألة النهى فى العبادة])

(الثانى: الفرق بين هذه المسألة) مسألة جواز اجتماع الامر و النهى او عدم جوازه‏ (و مسألة النهى فى العبادات) هل انه يوجب فسادها اولا (هو ان الجهة المبحوث عنها فيها) اى فى مسألة جواز اجتماع الامر و النهي او عدمه‏ (التى بها تمتاز المسائل) اى المسائل انما تمتاز مسئلة منها عن مسألة من طريق امتياز الجهات المبحوث عنها فى كل من المسألتين و لو كان الموضوع فى الجميع واحدا فالامر يقتضى الفور اولا و الامر يقتضى التكرار اولا و ما الى ذلك باعتبار تعدد جهات البحث عن هذا الموضوع صيّر المبحوث عنه مسائل متعددة فامتياز المسائل بامتياز الجهات المبحوث عنها (هى ان تعدد الوجه و العنوان) كالصلاتية و الغصبية (فى الواحد) كالوجود الواحد الخارجى الطالع بمجموع حركات و سكنات فى مكان غصبى بما يصدق عليها عنوان الصلاة ايضا (يوجب تعدد متعلق الامر و النهى) بتعدد عنوانى الصلاة و الغصب‏ (بحيث ترتفع به غائلة استحالة الاجتماع فى الواحد) فيما لو كان‏ (بوجه واحد) بان تكون الحركة بعنوانها الصلاتى فقط مأمورا بها و منهيا عنها او بعنوانها الغصبى كذلك‏ (او) ان تعدد العنوان‏ (لا يوجبه) اى لا يوجب تعدد المعنون‏ (بل يكون حاله) اى حال ذى العنوانين‏ (حاله) اى حال ذى العنوان الواحد (فالنزاع)

369

مستقر (فى سراية كل من الامر و النهى الى متعلق الآخر لاتحاد متعلقيهما وجودا) و ان كانت حقيقة الغصب لا ربط لها بحقيقة الصلاة لكن الوجود الخارجى جمعهما صدفة فى وجود شخصى واحد (و) فى‏ (عدم سرايته لتعددهما) اى لتعدد المتعلقين‏ (وجها) و عنوانا (و هذا بخلاف الجهة المبحوث عنها في المسألة الاخرى) مسألة اقتضاء النهى فى العبادة لفسادها (فان البحث فيها فى ان النهى فى العبادة او المعاملة يوجب فسادها بعد الفراغ عن التوجه اليها) اى بعد الفراغ عن توجه النهى مستقيما الى ذات العبادة او المعاملة (نعم لو قيل بالامتناع) فى مسألة جواز اجتماع الامر و النهى او عدمه‏ (مع ترجيح جانب النهى) على جانب الامر و تغليب جانب المفسدة على جانب المصلحة (فى مسألة الاجتماع) المزبورة (يكون مثل الصلاة فى الدار المغصوبة من صغريات تلك المسألة) اى مسألة النهي عن العبادة بتوضيح ان القائل بالامتناع يعتبر مورد التكليفين واحدا و لا يرى لتعدد الجهة اثرا و يرى جانب النهى كما هو المفروض مستظهرا على جانب الامر فيكون المثال المزبور مع هذه الفروض من جزئيات مسألة النهى عن العبادة (فانقدح ان الفرق بين المسألتين) مسألة الاجتماع و مسألة اقتضاء النهى فى العبادة للفساد بالبيان السالف‏ (فى غاية الوضوح: و اما ما افاده فى الفصول من الفرق) بين مسألة الاجتماع و مسألة النهى فى العبادة (بما هذه عبارته ثم اعلم ان الفرق بين المقام) و يريد به مسألة النهي لانه ره ابدى نظره المزبور فيها (و المقام المتقدم) و يريد به مسألة الاجتماع كما يشير اليه بقوله‏ (و هو ان الامر و النهى هل يجتمعان فى شى‏ء واحد اولا اما فى المعاملات فظاهر) جهة ظهوره ان- المعاملات لا تكون محطة للامر فى الاعم الاغلب فلا يحصل فيها اجتماع بين الامر و النهى‏ (و اما فى العبادات فهو ان النزاع هناك) اى فى مسألة الاجتماع‏ (فيما اذا تعلق الامر و النهى بطبيعتين متغايرتين بحسب الحقيقة) و ان اجتمعا فى الوجود الخارجى‏

370

كطبيعة الصلاة و طبيعة الغصب فيما لو اجتمعتا صدفة فى وجود واحد (و ان كان بينهما عموم مطلق) كما يكون بينهما عموم من وجه مثال العموم المطلق الامر بمطلق الحركة و النهى عن حركة خاصة كالحركة فى بيت فلان مثلا و مثال العموم من وجه الامر بالصلاة و النهى عن الغصب فانهما يجتمعان فى مورد و يفترقان فى موردين بأن تكون صلاة بلا غصب و غصب بلا صلاة (و هنا) اى فى مسألة النهى فى العبادة (فيما اذا اتحدتا حقيقة و تغايرتا بمجرد الاطلاق و التقييد) مثل صل و لا تصل فى الحمام فمطلق الصلاة و الصلاة فى الحمام واحد من ناحية الحقيقة و تغايرهما انما هو بالاطلاق و التقييد فمطلق الصلاة- كما هو شارة عنوانه: مطلق و الصلاة فى الحمام مقيد (بان تعلق الامر بالمطلق) كصل‏ (و النهى بالمقيد) كلا تصل فى الحمام‏ (انتهى موضع الحاجة) منه‏ (فاسد) جواب لقوله و اما ما افاده و كان من الحق ان يقول ففاسد (فان مجرد تعدد الموضوعات و تغايرها بحسب الذوات) مثل الاستثناء المتعقب للجمل المتعددة حكمه كذا و الشرط المتعقب لها له عين الحكم و الوصف المتعقب لها ايضا حكمه حكمهما و هلم جرا (لا يوجب التمايز بين المسائل) فلا تصير مسألة الاستثناء المتعقب للجمل المتعددة متميزة لتميز موضوعها عن مسألة الشرط المتعقب لها و الوصف المتعقب لها و هلم دواليك بل الجميع مسألة واحدة (ما لم يكن هناك اختلاف الجهات) المبحوث عنها بان يكون الحكم المترتب على الموضوع المتميز فى احدى المسألتين غير الحكم فى المسألة الثانية و هكذا (و معه) اى مع اختلاف الجهات‏ (لا حاجة اصلا الى تعددها) اى تعدد الموضوعات‏ (بل لا بدّ من عقد مسألتين مع وحدة الموضوع و تعدد الجهة المبحوث عنها) مثل ان تعقد مسألة بحيالها لكون الامر هل يفيد الفور او التراخى و اخرى لكونه يفيد المرة او التكرار و على مثل هذا فى حال ان الموضوع فى المسألتين المزبورتين واحد (و عقد مسألة واحدة فى صورة العكس)

371

اي و ان تعددت الموضوعات لكن اتحدت الجهة مثل ما عرفت من مثال الاستثناء المتعقب للجمل المتعددة و الشرط المتعقب لها و الوصف المتعقب لها كذلك فان الجميع لا يعقد له الا مسألة واحدة (كما لا يخفى و من هنا) اى من البيان الانف‏ (انقدح ايضا فساد) جعل‏ (الفرق بان النزاع هنا) اى فى مسألة جواز الاجتماع‏ (فى جواز الاجتماع) او عدمه‏ (عقلا و هناك) اى فى مسألة النهي في العبادة (فى دلالة النهى) على الفساد او عدم دلالته‏ (لفظا فان مجرد ذلك) و هو كون الجواز و عدمه فى مسألة الاجتماع عقليا و دلالة النهى فى العبادة على الفساد او عدمها لفظية (ما لم يكن تعدد الجهة) المبحوث عنها (فى البين لا يوجب إلّا تفصيلا فى المسألة الواحدة) انه يجوز او لا يجوز و على فرض احدهما فهل هو من ناحية العقل او من ناحية اللفظ (لا عقد مسألتين) فانه لا داعى له الا تعدد الجهة كما عرفت‏ (هذا مع عدم اختصاص النزاع فى تلك المسألة) مسألة النهي فى العبادة (بدلالة اللفظ كما سيظهر) فى محله بل يجوز ان يقال ان النهى فى العبادة يقتضى فسادها عقلا ايضا

الامر (الثالث: انه حيث كانت نتيجة هذه المسألة)

مسألة جواز اجتماع الامر و النهى او عدمه‏ (مما تقع فى طريق الاستنباط) لان القائل بالجواز يستفيد منه القول بصحة العمل فى الفرعيات و الامتناعى يستفيد منه القول ببطلانه فيها على تفصيل يجى‏ء نظير كون الامر يفيد الوجوب و النهي يفيد الحرمة و ما الى ذلك مما يقع في طريق استنباط الحكم الشرعى الفرعى‏ (كانت المسألة) اى مسألة جواز الاجتماع او عدمه‏ (من المسائل الاصولية) لان ملاك المسألة الاصولية موجود فيها (لا من مباديها الاحكامية) اى لا من مقدمات مسائل الاصول الباحثة عن حال الاحكام و لوازمها و انها هل يجوز ان تجتمع فى مورد واحد أو لا تجتمع‏ (و لا) من مباديها (التصديقية) بان تكون مسألة جواز الاجتماع او عدمه مقدمة يستفاد منها ان التنافر بين الامر و النهى بما هما هل يحصل فيما لو تواردا على مورد ذى وجهين و عنوانين اولا يحصل‏ (و لا من المسائل)

372

(الكلامية) باعتبار البحث عن انه هل يجوز للمكلف ان يوجب و يحرّم موردا ذا عنوانين او لا يجوز (و لا من المسائل الفرعية) باعتبار ان الصلاة فى الدار الغصبية مثلا صحيحة او فاسدة (و ان كانت فيها) اي فى مسألة جواز الاجتماع او عدمه‏ (جهاتها) اى جهات المسائل المزبورة من المبادى الاحكامية و التصديقية و المسائل الكلامية و الفرعية (ضرورة ان مجرد ذلك) اى واجديتها للجهات المتعددة المزبورة (لا يوجب كونها منها) باعتبار واجديتها لها (اذا كانت فيها جهة اخرى) غير الجهات المزبورة (يمكن عقدها معها) اى مع الجهة الاخرى‏ (من المسائل) الاصولية (اذ لا مجال حينئذ) اى حين اذ وجدت جهات عديدة (لتوهم عقدها من غيرها) اى من غير طريق الجهة الاخرى غير الجهات المزبورة (فى الاصول) اى انما عقدت فى الاصول من طريق الجهة الاخرى المومأ اليها (و ان عقدت كلامية فى الكلام و صحّ عقدها فرعية) فى الفقه‏ (او غيرها) اى غير فرعية فى غير الفقه‏ (بلا كلام و قد عرفت فى اول الكتاب انه لا ضير فى كون مسألة واحدة يبحث فيها عن جهة خاصة من مسائل علمين) كعلم النحو و علم البيان مثلا بان يقال الكلمة من حيث الاعراب و البناء مسألة من مسائل علم النحو و من حيث التعقيد و عدمه مسألة من مسائل علم البيان‏ (لانطباق جهتين عامتين على تلك الجهة كانت بإحداهما من مسائل علم و بالاخرى من) مسائل علم‏ (آخر فتذكر) ما سلف و المنظور بالجهة الخاصة الجهة الجنسية اى يبحث فيها عن جهتين لانطباق ملاكين عامين على الجهتين المزبورتين كجهة الاعراب و البناء و الملاك المنطبق عليها صون اللسان عن الخطأ فى المقال و كجهة التعقيد و عدمه و الملاك المنطبق عليها وزن الكلام الفصيح بمقتضيات الاحوال و ما الى ذلك:

الامر (الرابع: انه قد ظهر من مطاوى ما ذكرناه)

آنفا من ان النظر الدقيق فى الحقيقتين المتغايرتين بحسب ماهيتهما المتحدتين بحسب الوجود الخارجى‏

373

هل يرى الحقيقتين مع ملابستهما لظرف الوجود- كما هما- حقيقتين اثنتين او يراهما لهذه الملابسة امرا واحدا فعلى الاول يحكم بالجواز و على الثانى يحكم بالامتناع و لا ريب ان النظر المزبور عقلى صرف و لذلك قال‏ (ان المسألة عقلية و لا اختصاص للنزاع فى جواز الاجتماع و الامتناع فيها) اى فى المسألة المزبورة (بما اذا كان الايجاب و التحريم) مفادين‏ (باللفظ) مثل صل و لا تغصب‏ (كما ربما يوهمه التعبير بالامر و النهى) فى عنوان المسألة هل يجوز اجتماع الامر و النهي فى واحد او لا يجوز (الظاهرين فى الطلب) وجودا و عدما (بالقول) بل الايجاب و التحريم اذا افيدا من طريق الضرورة او الاجماع او العقل كان حكم المسألة كذلك‏ (إلّا انه) اى الايهام المزبور بكون المراد بالايجاب و التحريم ما افيد منهما باللفظ (لكون الدلالة عليهما) اى على الايجاب و التحريم‏ (غالبا بهما) اى بالامر و النهى الظاهرين فى الطلب بالقول‏ (كما هو اوضح من ان يخفى و ذهاب البعض الى الجواز عقلا و الامتناع عرفا ليس بمعنى دلالة اللفظ) على المنع حتى تكون المسألة لفظية (بل) القول بالجواز عقلا و الامتناع عرفا (بدعوى ان الواحد بالنظر الدقيق العقلى اثنان) فيجوز الاجتماع للاثنينية المزبورة (و انه) اى الواحد المزبور (بالنظر المسامحى العرفى واحد ذو وجهين) لا اثنان اذن فلا يجوز الاجتماع‏ (و إلّا) اى اذا لم يكن معنى القول المزبور ما فصلناه‏ (فلا يكون معنى محصل للامتناع العرفى) اذ غاية ما يستفاد من الامتناع العرفى هو ذلك‏ (غاية الامر) يضاف الى ما سبق من مفاد الامتناع العرفى‏ (دعوى دلالة اللفظ على عدم الوقوع) اى باعتبار ان مفاد الالفاظ يتبع العرف و افهامهم يدعى عطفا و تفريعا على ذلك ان اللفظ يدل على عدم وقوع اجتماع الامر و النهى فى واحد (بعد اختيار جواز الاجتماع) عقلا كما هو رأى المفصل القائل بالجواز العقلى و الامتناع العرفي‏ (فتدبر جيدا) حتى تعرف‏

374

الامر (الخامس: لا يخفى ان ملاك النزاع فى جواز الاجتماع و الامتناع)

اى اجتماع الوجوب و الحرمة (يعم جميع اقسام الايجاب و التحريم) لان قاعدة الملاك المزبور هو تضاد الاحكام و عنوان الوجوب و الحرمة بجميع اقسامهما واحد (كما هو) اي التعميم‏ (قضية اطلاق لفظ الامر و النهى) فان اطلاق هذين اللفظين شامل لكل امر و نهى‏ (و دعوى الانصراف الى) الوجوب و الحرمة او الامر و النهى‏ (النفسيين) لا الغيريين‏ (التعيينيين) لا التخييريين‏ (العينيين) لا الكفائيين‏ (فى مادتهما) اى مادة الامر و النهى اى ان نفس مادة الامر و النهي منصرفة الى ذلك‏ (غير خالية عن الاعتساف و ان سلم) الانصراف الى المعاني المزبورة من النفسية و التعيينية و العينية (فى صيغتيهما) اى صيغة الامر و النهى لا مادتهما (مع انه) اى الانصراف المزبور (فيها) اى فى صيغتيهما (ممنوع) ايضا اذا ادعى ان مستنده الوضع‏ (نعم لا يبعد دعوى الظهور و الانسباق من الاطلاق بمقدمات الحكمة) لا الوضع اى ان الانصراف المزبور من الصيغتين اذ ادعى من طريق الانسباق الاطلاقى بمعونة مقدمات الحكمة فلا بأس‏ (الغير الجارية) اى مقدمات الحكمة ان تكن تجرى هناك فانها لا تجرى‏ (فى المقام) اى فى هذه المسألة (لما عرفت) قريبا (من عموم الملاك لجميع الاقسام) اى اقسام الوجوب و التحريم و الامر و النهى‏ (و كذا ما وقع فى البين من النقض و الابرام) بان الحرام كيف يكون تخييريا حتى يصح تصويره فى المقام و يعد فرضا صحيحا من فروض المسألة: لا وقع له: فانه يصح تصويره‏ (مثلا اذا امر بالصلاة و الصوم تخييرا بينهما) فى الواجب التخييرى‏ (و كذلك نهى عن التصرف فى الدار و المجالسة مع الاغيار) تخييرا بينهما فى الحرام التخييرى فان تصوير ملاكه كتصوير ملاك الواجب التخييرى فى ان ارتكابهما جميعا عصيان و تركهما معا او ترك احدهما طاعة للنهى المزبور (فصلى) المكلف‏ (فيها) اى فى الدار المغصوبة (مع مجالستهم)

375

اى مشفوعا بمجالسة الاغيار فقد حصل فى التصوير المزبور تصوير اجتماع الواجب التخييرى مع الحرام التخييرى فى واحد و (كان حال الصلاة فيها حالها) اى حال الصلاة (كما اذا امر بها تعيينا) لا تخييرا (و نهى عن التصرف فيها) اى فى الدار (كذلك) اى تعيينا لا تخييرا (فى جريان النزاع فى الجواز و الامتناع و مجي‏ء ادلة الطرفين) المجوزين و المانعين‏ (و ما وقع) بينهما (من النقض و الابرام فى البين فتفطن) حتى تتجلى لك حقيقة الحال‏

الامر (السادس: انه ربما يؤخذ فى محل النزاع قيد المندوحة فى مقام الامتثال)

اى انه هل يجوز ان يجتمع على المكلف ايجاب و تحريم فى واحد مع قدرته على ايجاد فرد من الواجب غير مزاحم بحرمة اولا يجوز و اما اذا انحصر الامر بالمورد الواحد من دون ان يكون هناك منفذ خالص من المزاحمة فى مقام الامتثال كالانحصار فى الارض المغصوبة فهل يجوز عليه الاجتماع المزبور اولا يجوز فكأنه قول واحد بالامتناع‏ (بل ربما قيل بان الاطلاق) اى اطلاق عنوان المسألة: هل يجوز اجتماع الامر و النهى فى واحد اولا يجوز: من قيد المندوحة (انما هو للاتكال على الوضوح) اى على وضوح اخذ القيد المزبور فى العنوان‏ (اذ بدونها) اى بدون المندوحة (يلزم التكليف بالمحال) لو قيل بجواز الاجتماع على المكلف‏ (و لكن التحقيق مع ذلك) اى حتى مع فرض ان اهمال هذا القيد للاتكال على الوضوح‏ (عدم اعتبارها) اى المندوحة (فى ما هو المهم فى محل النزاع) لا بالنسبة الى الامتثال و عدمه‏ (من لزوم المحال و هو اجتماع الحكمين المتضادين) الوجوب و الحرمة فى عرض واحد على مكلف واحد (و عدم الجدوى فى كون موردهما موجها بوجهين فى رفع غائلة اجتماع الضدين) اى ان اجتماع الحكمين المتضادين الذى يلزم منه المحال بناء على القول بالجواز حاصل و لا ينفع فيه كون مورد الحكمين المزبورين‏

376

موجها بوجهين و معنونا بعنوانين عنوان الصلاة و عنوان الغصب و لا يرفع ذلك غائلة اجتماع الضدين‏ (او عدم لزومه) عطف على قوله من لزوم المحال‏ (و ان تعدد الوجه) و العنوان فى مورد الحكمين‏ (يجدى فى رفعها) اى في رفع غائلة اجتماع الضدين‏ (و لا يتفاوت فى ذلك) اى فى هذا المهم من محل النزاع الذى شرحناه‏ (اصلا وجود المندوحة و عدمها) اذ لا ربط لوجود المندوحة بالمهم المحرر بالمرة الواحدة (و لزوم التكليف بالمحال) الوجوب و الحرمة فى عرض واحد على مكلف واحد (بدونها) اى بدون المندوحة (محذور آخر) غير محذور لزوم المحال بطلب حكمين متضادين فى عرض واحد من مكلف واحد او عدم لزومه‏ (لا دخل له بهذا النزاع) القائم فى مسألة جواز الاجتماع‏ (نعم لا بد من اعتبارها) اى المندوحة (فى الحكم بالجواز) اى جواز الاجتماع‏ (فعلا) اى حالا (لمن يرى التكليف بالمحال محذورا و محالا كما ربما لا بد من اعتبار امر آخر) مما هو من شرائط التكليف كالبلوغ و العقل و ما الى ذلك‏ (فى الحكم به) اى بالجواز (كذلك) اى فعلا (ايضا) اى ان اشتراط المندوحة بناء على القول بالجواز ليس شرطا مخصوصا و انما هو من جملة الشرائط العامة فى المكلفين من البلوغ و العقل و القدرة و غيرها (و بالجملة لا وجه لاعتبارها) اى المندوحة (الا لاجل اعتبار القدرة على الامتثال و عدم لزوم التكليف بالمحال و) هذا المذكور و هو التكليف بالمحال و ما هو دافع محذوريته و رافع غائلته من القدرة على الامتثال بوجود المندوحة (لا دخل له بما هو المحذور فى المقام) اللازم‏ (من التكليف المحال) بعنوان الوصف فان طلب حكمين متضادين فى عرض واحد على مورد واحد فى نفسه محال لا انه جائز فى نفسه و محال بالعرض بخلاف التكليف بالمحال فان المحذور الذى فيه فى متعلقه لا فيه نفسه بخلاف المقام فان عنوان المحالية منوط بالتكليف نفسه و على كل حال فقيد المندوحة انما يصحح‏

377

التكليف بالمحال و لا يصحح التكليف المحال نفسه و قد عرفت ان المهم فى النزاع من مسألة جواز الاجتماع و عدمه هو البحث عن لزوم المحال باجتماع الحكمين المتضادين و ان تعدد جهتى موردهما لا يرفع الغائلة المزبورة او عدم لزومه باعتبار ان تعدد العنوان في موردهما كاف فى رفع غائلة اجتماع الضدين‏ (فافهم و اغتنم) فان التفكيك بين مقام التكليف بالمحال و التكليف المحال بطور الوصف يحتاج الى التفات و دقة

الامر (السابع: انه ربما يتوهم تارة ان النزاع فى الجواز)

اى جواز اجتماع الامر و النهى فى واحد (و الامتناع) اى امتناع ذلك‏ (يبتنى على القول بتعلق الاحكام بالطبائع) فالمجيز يرى تعدد ماهيتين و ان جمعهما وجود واحد و المانع يرى ان تعدد الماهيات انما يجدي مع انفراد وجوداتها لا مع اتحاده‏ (و اما الامتناع على القول بتعلقها) اى الاحكام‏ (بالافراد فلا يكاد يخفى) و جهة عدم خفائه‏ (ضرورة لزوم تعلق الحكمين) الوجوب و الحرمة (بواحد شخصى) فضلا عن توحد وجوده توحد ماهيته‏ (و لو كان ذا وجهين) باحدهما امر به و بالآخر نهى عنه‏ (على هذا القول) متعلق بقوله فلا يكاد يخفى اى ان مدعي عدم الخفاء هو قائل هذا القول لا نحن و لا كل من كان على رأينا في هذه المسألة (و) تارة (اخرى) ربما يتوهم‏ (ان القول بالجواز مبنى على القول بالطبائع لتعدد متعلق الامر و النهى ذاتا عليه) اى على هذا القول و هو ان الاحكام متعلقة بالطبائع دون الافراد (و ان اتحد) المتعلق‏ (وجودا) فى الخارج لكن الماهية متعددة كما سلف‏ (و) ان‏ (القول بالامتناع) مبنى‏ (على القول ب) تعلق الاحكام ب (الافراد لاتحاد متعلقهما) اى الامر و النهى‏ (شخصا) اى ذاتا و ماهية و (خارجا و كونه) اى المتعلق‏ (فردا واحدا) ذاتا و وجودا و على هذا التوهم لا تصادم بين المجوزين و المانعين فان المجوز انما جوّز بناء على تعلق الاحكام بالطبائع‏

378

و المانع انما منع بناء على تعلقها بالافراد (و انت خبير بفساد كلا التوهمين) التوهم الاول الناطق بان النزاع جوازا و امتناعا انما يصح على القول بتعلق الاحكام بالطبائع و اما على القول بتعلقها بالافراد فالامتناع لا بد من القول به للجميع و التوهم الثانى الناطق بان المجوز لا بد و ان يكون من البانين على تعلق الاحكام بالطبائع و المانع لا بد و ان يكون قائلا بتعلقها بالافراد (فان تعدد الوجه و العنوان) كتعدد عنوان- الصلاتية و الغصبية (ان كان يجدى بحيث لا يضرّ معه الاتحاد بحسب الوجود) الخارجى‏ (و الايجاد لكان يجدى و لو على القول بالافراد) فان المنظور بالفرد هو الحصة من الطبيعة لا دخول مشخصاته الجزئية الخارجية فى موضوع متعلق الامر و النهى فان الفرد بهذه الخصوصيات لا يكون قابلا لان تشترك فيه عناوين متضادة حتى تصويرا بخلاف الفرد بمعنى الحصة فانه و ان كان محفوفا فى الخارج بمشخصات إلّا انها خارجة عن دائرة الموضوع الواقع متعلقا للحكم امرا كان ام نهيا (فان الموجود الخارجى الموجّه بوجهين يكون فردا لكل من الطبيعتين) طبيعة الصلاة مثلا و طبيعة الغصب‏ (فيكون) الفرد بمعنى الحصة (مجمعا لفردين موجودين بوجود واحد فكما لا تضرّ وحدة الوجود) الخارجى‏ (بتعدد الطبيعتين) لكونهما ذاتا ثنتين كذلك‏ (لا تضرّ) وحدة الوجود الخارجى‏ (بكون المجمع اثنين) و اثنينيّته بهذا اللون‏ (بما هو مصداق و فرد لكل من الطبيعتين) اى قابل لان يكون حصة من طبيعة الصلاة و حصة من طبيعة الغصب اى بحسب صلاحيته و شأنيته‏ (و إلّا) اى لو لم يكن تعدد الوجه و العنوان مجديا فى نفسه حتى على القول بتعلق الاحكام بالافراد (لما كان يجدى اصلا حتى على القول بالطبائع كما لا يخفى لوحدة الطبيعتين وجودا) خارجيا (و اتحادهما خارجا) عينيا (فكما ان وحدة الصلاتية و الغصبية فى) مثل‏ (الصلاة فى الدار المغصوبة وجودا غير ضائرة بتعددهما) اي الصلاة و الغصب‏ (و كونهما طبيعتين) منفرزتين‏ (كذلك)

379

(وحدة ما وقع فى الخارج من خصوصيات الصلاة) اى حصصها الخارجية (فيها) اى فى الدار المغصوبة (وجودا غير ضائرة بكونه فردا للصلاة فيكون مأمورا به و فردا للغصب فيكون منهيا عنه فهو على وحدته وجودا) خارجيا (يكون اثنين) اى‏ (لكونه مصداقا للطبيعتين) اى لا مانع من صدق كلتا الطبيعتين عليه‏ (فلا تغفل) عن حقيقة المطلب.

الامر (الثامن: انه لا يكاد يكون من باب الاجتماع)

اى اجتماع الامر و النهى‏ (إلّا اذا كان فى كل واحد من متعلق الايجاب و التحريم مناط حكمه) و هو وجود المصلحة فى المأمور به و المفسدة فى المنهى عنه‏ (مطلقا) اى‏ (حتى فى مورد التصادق) على مورد خارجى واحد (و الاجتماع) على مورد فكذلك‏ (كى يحكم) بناء (على) القول‏ (بالجواز بكونه) اى المورد الواحد الخارجى‏ (فعلا) و حالا (محكوما بالحكمين) وجوب الصلاة و حرمة الغصب‏ (و) بناء (على) القول‏ (بالامتناع بكونه) اى المورد الواحد الخارجى‏ (محكوما باقوى المناطين) الوجوب لو غلّبنا جانب المصلحة على المفسدة و الحرمة لو حكمنا بالعكس‏ (او) محكوما (بحكم آخر غير الحكمين) الوجوب و الحرمة مثلا (فيما لم يكن هناك احدهما اقوى) من الآخر (كما يأتى تفصيله) انه مع التكافؤ يرجع بالمورد الى حكم آخر غير هذين الحكمين المتصادمين‏ (و اما اذا لم يكن للمتعلقين مناط كذلك) اى ثابت لكل منهما حتى فى مورد التصادق‏ (فلا يكون) المورد (من هذا الباب) اى باب الاجتماع‏ (و لا يكون مورد الاجتماع محكوما إلّا بحكم واحد منهما) الوجوب او الحرمة (اذا كان له مناطه او حكم آخر غيرهما فيما لم يكن لو احد منهما) مناط (قيل) فى هذا الباب‏ (بالجواز او الامتناع هذا بحسب مقام الثبوت) و الواقع‏ (و اما بحسب الدلالة و الاثبات) اى بحسب ما يدل على الحكمين و يفيدهما (فالروايتان الدالتان على الحكمين) الوجوب و الحرمة

380

بالنسبة الى مورد التصادق لا الانفراز (متعارضتان اذا احرز ان المناط من قبيل الثاني) اى ليس هناك إلّا مناط واحد اما للوجوب او للحرمة و لا مناط للحكمين جميعا و انما تكونان متعارضتين على هذا الفرض للقطع بكذب مؤدى احداهما لفرض أن ليس إلّا مناط احد الحكمين فقط و على هذا فمفاد إحداهما لا واقع له قطعا (فلا بد من عمل المعارضة حينئذ بينهما من الترجيح) ان حصل مرجح‏ (و التخيير) ان لم يحصل‏ (و إلّا) اى و ان لم يكن من قبيل الثانى بل فرض وجود المناطين لكلا الحكمين‏ (فلا تعارض فى البين) للقطع بوجود ملاكهما (بل كان) المورد (من باب التزاحم بين المقتضيين) مقتضى الوجوب و مقتضى الحرمة مثلا (فربما كان الترجيح مع ما هو اضعف دليلا) من طريق السمع إلّا انه‏ (لكونه اقوى مناطا) من طريق النظر رجح على صاحبه‏ (فلا مجال حينئذ) اى حين اذ كان الامر من باب التزاحم و ان الرجحان يتبع اقوائية المناط لا قوة الدليل‏ (لملاحظة مرجحات الروايات اصلا) بل لا بد من إعمال النظر و الدقة العلمية و لذلك قال‏ (بل لا بد من مرجحات المقتضيات المتزاحمات) هى بانفسها لا المتزاحمة بادلتها (كما تأتى الاشارة اليها) فيما يجى‏ء (نعم لو كان كل منهما) اى من الدليلين القائمين على الحكمين الوجوب و الحرمة مثلا (متكفلا للحكم الفعلى لوقع بينهما التعارض) اذ لا يمكن صدقهما جميعا واقعا لاستحالة ان يصدر عن الشارع حكمان متضادان فعليان على مورد واحد فى عرض واحد (فلا بد) حينئذ (من ملاحظة مرجحات باب المعارضة) بين الادلة (لو لم يوفق بينهما بحمل احدهما) اى احد الحكمين‏ (على الحكم الاقتضائي) الغير الواصل الى مرتبة التنجز (بملاحظة مرجحات باب المزاحمة فتفطن) منظوره انا اذا لاحظنا مرجحات باب المزاحمة فى الفرض المزبور و قد عرفت انها اقوائية الملاك لا قوة الدليل الحاكى عن الحكم و ضممنا ذلك الى ملاحظة الدليلين الحاكيين عن‏

381

الحكمين امكننا بعد هاتين الملاحظتين ان نوفق بينهما بان احد الحكمين اقتضائى غير واصل الى مرتبة التنجز فعلا و الآخر فعلي منجز فان التوفيق المزبور احد طرق الجمع بين الادلة المتعارضة:

الامر (التاسع: انه قد عرفت ان المعتبر فى هذا الباب)

باب جواز الاجتماع او عدمه‏ (ان يكون كل واحد من الطبيعة المأمور بها و المنهى عنها مشتملة على مناط الحكم) اذ مع فرض عدم اشتمال كليهما او احدهما على ذلك يخرج المفروض عن هذا الباب بالمرة (مطلقا) اى‏ (حتى فى حال الاجتماع فلو كان هناك ما دلّ على ذلك) اى ثبوت المناط (من إجماع او غيره فلا اشكال و لو لم يكن) دليل واضح على ذلك‏ (الا) مجرد (إطلاق دليلى الحكمين) المتنافيين الوجوب و الحرمة مثلا فيستكشف من وجود دليل الحكم و اطلاقه انه لم يصدر من دون ثبوت ملاك و مناط و مع ذلك‏ (ففيه تفصيل و هو ان الاطلاق لو كان فى بيان الحكم الاقتضائى) و وجوده‏ (لكان دليلا على ثبوت المقتضى و المناط) حتى‏ (فى مورد الاجتماع) لان الحكم الاقتضائى لا يكون حيث لا مقتضى له فمتى كان بالملازمة يكون مقتضيه و يثبت مناطه‏ (فيكون) مورد الاجتماع‏ (من هذا الباب) اى باب التزاحم فيعمل معه ما هو من شأن بابه‏ (و لو كان) الاطلاق‏ (بصدد الحكم الفعلى) و بيانه‏ (فلا اشكال فى استكشاف ثبوت المقتضى فى الحكمين) بناء (على القول بالجواز) اذ فعلية الحكم كاشفة عن كينونة مقتضيه و ثبوت مناطه و ملاكه و المفروض انه مما يجوز اجتماع الحكمين بناء على هذا القول: القول بالجواز: (إلّا اذا علم) من خارج‏ (اجمالا بكذب احد الدليلين) اى دليلى الحكمين الفعليين من دون تعيين للكاذب منهما (فيعامل معهما معاملة المتعارضين) لان المتعارضين معناهما ذلك و هو كذب احدهما واقعا و عدم اجتماعهما فى الصدق معا (و اما) بناء (على القول بالامتناع) و عدم جواز اجتماع‏

382

الوجوب و الحرمة في مورد واحد (فالاطلاقان) لدليلى الحكمين‏ (متنافيان) لمنع اجتماعهما بالفرض‏ (من غير دلالة) لهما (على ثبوت المقتضى للحكمين فى مورد الاجتماع) الذى يتنافيان فيه‏ (اصلا) فلا بد على هذا القول من انتفاء احد الحكمين حتما (فان انتفاء احد المتنافيين كما يمكن ان يكون لاجل المانع) يمنعه عن الفعلية و التأثير (مع ثبوت المقتضى له) واقعا كذلك‏ (يمكن ان يكون) انتفاؤه‏ (لاجل انتفاءه) اى لاجل انتفاء مقتضيه‏ (إلّا ان يقال ان قضية) اى مقتضى‏ (التوفيق بينهما) اى بين دليلى الحكمين المتنافيين‏ (هو حمل كل منهما على الحكم الاقتضائى) بلا استلزام لوصوله الى مرتبة الفعلية (لو لم يكن احدهما اظهر) فاذا كان احدهما اظهر كان الفعلى هو الاظهر و الاقتضائى هو الظاهر و هو معنى قوله‏ (و إلّا فخصوص الظاهر منهما فتلخص) مما سلف‏ (انه كلما كانت هناك دلالة على ثبوت المقتضى في الحكمين كان من مسألة الاجتماع) و التزاحم فيعامل معهما معاملة المتزاحمين‏ (و كل ما لم تكن هناك دلالة عليه) اى على ثبوت المقتضي للحكمين معا (فهو من باب التعارض) لا التزاحم‏ (مطلقا) اى قلنا بالامتناع او بالجواز (اذا كانت هناك دلالة على انتفائه) اى انتفاء المقتضى‏ (فى احدهما) اى فى احد الحكمين‏ (بلا تعيين) للحكم المنتفى مقتضيه‏ (و لو على الجواز) اى و لو بنينا على الجواز فالفرض حكمه كما شرحناه‏ (و إلّا) اى و ان لم تكن هناك دلالة على انتفاءه فى احدهما بلا تعيين‏ (ف) كونه من باب التعارض يحمل‏ (على) القول ب (الامتناع) لان القائل بالامتناع لازمه ان يقول بانتفاء احد الحكمين مع مقتضيه واقعا لانه يرى في ثبوتهما معا قولا بالمحال‏

الامر (العاشر)

من الامور المصدر بها البحث‏ (انه لا اشكال فى سقوط الامر و حصول الامتثال باتيان المجمع) اى المورد الذى اجتمع فيه عنوان الواجب كالصلاة و عنوان الحرام‏

383

كالغصب‏ (بداعى الامر على الجواز) اى بناء على القول بجواز الاجتماع فان داعى الامر كداعى النهى بناء على هذا القول مما يؤثر فى دعوته الى القيام بامتثال ما يدعو اليه غايته ان الخارج لا يسعهما جميعا لقصور فيه لا فى داعى الامر و النهى على الفرض المزبور (مطلقا) اى‏ (و لو فى العبادات) فضلا عن المعاملات الغير المتوقفة على قصد القربة كالعبادة و كون الاتيان بالمجمع بداعى الامر محصلا للامتثال و مسقطا للامر حتى فى العبادات على فرض الجواز مبنى على ان الطبيعة التى يدعو اليها الامر منحازة ذاتا عن الطبيعة التى يدعو اليها النهى ففى مورد التصادق اذا قصد به المكلف تلك الذات التى دعى اليها الامر فقداتى بالمأمور به حقيقة و ان كان عاصيا ايضا باتيانه ما يصدق عليه المنهى عنه فالنهى الموجود فى مورد التصادق مع قصد داعى الامر به ليس واردا على عين ما ورد عليه الامر حتى يستلزم فساده و يكون من باب النهي في العبادة بل هو وارد على طبيعة الغصب المنحازة ذاتا عن طبيعة الصلاة و ان اجتمع العنوانان فى واحد و جاز هذا الاجتماع بناء على القول به و المعصية المترتبة على هذا الممتثل انما ترتبت عليه لصدق انه في مورد التصادق المأتى به بداعى الامر لم بتجنب عما نهى عنه و هو الغصب فالمصلى فى الدار المغصوبة بناء على الجواز مصل حقيقة و غاصب حقيقة مطيع لامتثاله امر الصلاة و عاص للغصبية و لا سراية لاحدهما الى الآخر و لا اختلاط لطبيعة بطبيعة لان القائل بالجواز يرى هذا الرأى و يقول ان تعدد الجهات كاف فى تعدد المتعلق الموجه بها فهو يرى متعلق الامر غير متعلق النهي حتى فى مرحلة الخارج و لذلك يلتزم بان من صلّى في دار مغصوبة كان مطيعا لصلاته و عاصيا بغصبه و لا مانع عنده من كونه مطيعا عاصيا فى عرض واحد لتعدد جهتى الطاعة و العصيان فالتفت الى ذلك جيدا و هذا هو تفسير قوله‏ (و ان كان معصية للنهى ايضا) اى و ان كان هذا المطيع بفعله للصلاة عاصيا ايضا للنهي المتعلق به من ناحية الغصب‏ (و كذا الحال)

384

اى انّه لو اتى به بداعى الامر لسقط عنه التكليف به و حصل له الامتثال بناء (على) القول ب (الامتناع مع ترجيح جانب الامر) على جانب النهى فانه على الفرض يسقط اثر النهى فهو مطيع بما اتى‏ (إلّا انه لا معصية عليه) لسقوط النهى عنه بخلاف الفرض الاول الذى قرأت فيه انه يكون مطيعا و عاصيا لعدم سقوط النهى عنه‏ (و امّا عليه) اى على القول بالامتناع‏ (و ترجيح جانب النهى) على جانب الامر (فيسقط به الامر) ايضا (مطلقا) اى‏ (فى) كل مأمور به‏ (غير العبادات لحصول الغرض) بما اتى به‏ (الموجب) اي حصول الغرض‏ (له) اى لسقوط الامر به كما لو امره المولى بدلك بدنه لازالة القذر عنه ففعل ذلك فى مكان مغصوب فالدلك على الامتناع و ترجيح جانب النهي و ان كان منهيا عنه إلّا انه محصل للغرض و بحصول الغرض يسقط الامر به‏ (و اما فيها) اي في العبادات‏ (فلا) يسقط الامر بما اتى به‏ (مع الالتفات الى الحرمة) التى ترجح جانبها على جانب الامر فانه مع الالتفات الى الحرمة لا يتأتى منه قصد القربة و الامتثال و بدونه لا يسقط الامر فيها (او بدونه) اى بدون الالتفات الى الحرمة (تقصيرا) اى انه مقصر فى تفهم وظائفه الشرعية و من طريق هذا التقصير لم يلتفت الى ان هذا الفعل الذى فعله حرام عليه‏ (فانه) اى المقصّر المفروض‏ (و ان كان متمكنا مع عدم الالتفات) الى الحرمة (من قصد القربة) بما يفعله‏ (و قد قصدها) اى القربة فرضا بما فعله لعدم التفاته الى انه حرام‏ (إلّا انه مع التقصير لا يصلح لان يتقرب به اصلا فلا يقع مقربا و بدونه) اى بدون قصد القربة (لا يكاد يحصل به) اى بما اتى به‏ (الغرض الموجب للامر به عبادة كما لا يخفى:

و اما اذا لم يلتفت اليها) اى الى الحرمة (قصورا) فيه‏ (و قد قصد القربة بإتيانه فالامر يسقط لقصد التقرب) المفروض‏ (بما يصلح ان يتقرب به) لو لا المانع و هو ترجيح جانب النهى عليه مع القول بالامتناع‏ (لاشتماله) في نفسه‏ (على المصلحة مع صدوره حسنا لاجل الجهل بحرمته قصورا فيحصل به الغرض من الامر فيسقط به) اى فيسقط

385

الامر بحصول الغرض الذى اوجبه‏ (قطعا و ان لم يكن امتثالا له) اى للامر (بناء على تبعية الاحكام) من وجوب و حرمة مثلا (لما هو الاقوى من جهات المصالح و المفاسد واقعا) و المفروض ان الحرمة هنا اقوى من الوجوب فاذا صار الوجوب مغلوبا بالحرمة لا يكون ما يؤتى به امتثالا له اذ لا تنجز له واقعا (لا) بناء على تبعيتها (لما هو المؤثر منها) اى من الجهات‏ (فعلا للحسن او القبح) فاننا اذا بنينا على ذلك كان المؤثر منها فعلا للحسن او القبح هو الوجوب لان المفروض عدم التفات المكلف الى الحرمة قصورا فيه فالمؤثر الفعلي يكون هو الوجوب و الوجوب لا يؤثر إلّا الحسن‏ (لكونهما) اى الحسن و القبح‏ (تابعين لما علم منهما) لا للواقع و لو كان مجهولا (كما حقق فى محله مع انه يمكن ان يقال بحصول الامتثال مع ذلك) اى حتى مع القول بتبعية الاحكام لما هو الاقوى من جهات المصالح و المفاسد لا لما هو المؤثر منها فعلا للحسن او القبح‏ (فان العقل لا يرى تفاوتا بينه) اى بين هذا الفرد المأتى به‏ (و بين سائر الافراد فى الوفاء بغرض الطبيعة المأمور بها و ان لم تعمّه) اى لم تعمّ الفرد المأتى به‏ (بما هى مأمور بها) لفرض ترجيح جانب النهى على جانب الامر في مورد الاجتماع فالفرد المأتى به لا فرق بينه و بين سائر افرادها من كل حيث الا من جهة ان الامر بترجيح جانب النهي عليه لا مقيل له فى المورد الذى قضى عليه بامتناع الاجتماع فيه مع ترجيح جانب النهى‏ (لكنه) اى لكن عدم دخوله فى الطبيعة بما هى مأمور بها (لوجود المانع) و هو ترجيح جانب النهى و عدم وفاء المورد بحكمين اثنين وجوب و حرمة (لا لعدم المقتضي) فان المقتضى فيه موجود بلا تشاح‏ (و من هنا انقدح انه يجزى) و يسقط الامر الواقعى الممنوع‏ (و لو قيل باعتبار قصد الامتثال فى صحة العبادة و عدم كفاية الاتيان بمجرد المحبوبية كما يكون كذلك) اى مجزيا (فى ضد الواجب) مثل الصلاة بالنسبة الى الازالة (حيث لا يكون هناك) اى فى ظرف الامر بالازالة و فى ظرف النهى عن الغصب‏ (امر يقصد) بالامتثال‏ (اصلا)

386

لان الامر بالازالة معقم للامر بالصلاة و ترجيح جانب النهى مع القول بالامتناع لم يدع مجالا للامر إلّا ان هذا كله فى نظر المصنف لا ينافى وقوع الفعل مجزيا (و بالجملة) تلخيص بعد تفصيل‏ (مع الجهل قصورا بالحرمة موضوعا) بان يجهل اصل الغصبية (او حكما) بان يدرى انه غصب لكنه لا يدرى ان الغصب حرام‏ (يكون الاتيان بالمجمع امتثالا و بداعى الامر بالطبيعة) اى طبيعة الصلاة مثلا (لا محالة) اى قطعا (غاية الامر انه) اى الفرد المأتى به‏ (مما لا تسعه) الطبيعة (بما هي مأمور بها لو قيل بتزاحم الجهات) اى جهة البعث و هى المصلحة و جهة الزجر و هى المفسدة مثلا (فى مقام تأثيرها للاحكام الواقعية) اى ان جهة المصلحة التى تؤثر الوجوب الواقعى و جهة المفسدة التي تؤثر الحرام الواقعى لو قلنا بتزاحمهما فى مقام تأثيرهما لحكمهما الواقعيين فى مورد الامتناع و غلبنا جانب النهى و المفسدة لكان المورد بالطبع مما لا تعمه الطبيعة بما هى مأمور بها فالصلاة فى الغصب لا تعمها طبيعة الصلاة بما هى مأمور بها للعلة المذكورة (و اما لو قيل بعدم التزاحم) بينها (الا في مقام فعلية الاحكام) و فعليتها فى المورد للامر لا للنهي لان المفروض جهل المكلف بالحرمة قصورا فالحكم الفعلى فى حقه هو الوجوب لا الحرمة (لكان) الفرد الماتى به‏ (مما تسعه) الطبيعة المأمور بها (و) لكان اتيانه‏ (امتثالا لامرها بلا كلام) لارتفاع كل محذور عن ذلك مع الفرض المزبور (و قد انقدح بذلك) اى بالبيان الذى فصلناه‏ (الفرق بين ما اذا كان دليلا الحرمة و الوجوب متعارضين) اى مقطوعا بكذب احدهما واقعا (و قدم دليل الحرمة تخييرا او ترجيحا حيث لا يكون معه) اى مع الفرض المزبور (مجال للصحة اصلا) للقطع بكذب دليل الوجوب حينئذ و انه لا واقعية له‏ (و بين ما اذا كانا) اى الدليلان المزبوران‏ (من باب الاجتماع) اى من باب التزاحم لوجود مناطيهما و ملاكيهما جميعا (و قيل بالامتناع و تقديم جانب الحرمة حيث يقع صحيحا) لواقعية مناطه و ملاكه و

387

عدم كذبه واقعا (فى غير مورد) اى فى كثير (من موارد الجهل و النسيان لموافقته للغرض) الواقعي‏ (بل) لموافقته‏ (للامر) الممنوع في مورد الاجتماع فعلا (و من هنا) اى من موافقته للغرض الواقعى و للامر (علم ان الثواب عليه من قبيل الثواب على الاطاعة لا) مجرد (الانقياد و مجرد اعتقاد الموافقة) و ان لم يصادفها الاعتقاد واقعا بل لمصادفته اياها واقعا كما عرفت‏ (و قد ظهر بما ذكرناه وجه حكم الاصحاب بصحة الصلاة فى الدار المغصوبة مع النسيان) للغصبية (او الجهل بالموضوع) اى بالغصبية نفسها (بل او الحكم) و ان الغصب حرام‏ (اذا كان جهله) بالحكم‏ (عن قصور) لا تقصير (مع ان الجلّ لو لا) اى لو لم نقل‏ (الكلّ قائلون بالامتناع) و عدم جواز الاجتماع‏ (و تقديم) جانب‏ (الحرمة) على جانب الوجوب‏ (و يحكمون بالبطلان) اى ببطلان الصلاة (فى غير موارد العذر) التى اومأنا اليها (فلتكن من ذلك) الذى بيناه لك‏ (على ذكر اذا عرفت هذه الامور فالحق هو القول بالامتناع كما ذهب اليه المشهور و تحقيقه على وجه يتضح به فساد ما قيل او يمكن ان يقال من وجوه الاستدلال لسائر الاقوال يتوقف على)

(تمهيد مقدمات)

تقرأ شرحها فيما يلى.

[ (احداها ان الاحكام الخمسة متضادة فى مقام فعليتها)]

(احداها) اى احدى المقدمات المومى اليها (انه لا ريب فى ان الاحكام الخمسة) من وجوب و حرمة و استحباب و كراهة و اباحة (متضادة فى مقام فعليتها) و تنجزها (و بلوغها الى مرتبة البعث و الزجر) و التحريك‏ (ضرورة ثبوت المنافاة) الواضحة (و المعاندة التامة بين البعث) بنحو الوجوب او الاستحباب‏ (نحو واحد فى زمان) واحد (و الزجر عنه) بعنوان الحرمة او الكراهة (فى ذاك الزمان) الذى فرض البعث فيه و كذلك لا شبهة فى ثبوت المنافاة بين البعث او الزجر بنحويهما و بين الاباحة بمعنى تساوى الطرفين نحو واحد فى زمان واحد و هذا المعنى الذى بسطناه مفروغ منه‏ (و ان لم تكن بينها) اى بين الاحكام‏ (مضادة ما لم تبلغ الى تلك المرتبة) مرتبة الفعلية

388

التى تتعاند فيها (لعدم المنافاة و المعاندة بين وجوداتها) اى وجودات الاحكام‏ (الانشائية) الغير الواصلة الى مرحلة التنجز (قبل البلوغ اليها) اى الى مرتبة الفعلية فان التزاحم ان يكن ففى الفعليات‏ (كما لا يخفى فاستحالة اجتماع الامر و النهى) الفعليين‏ (فى واحد لا يكون من باب التكليف بالمحال) الذى لو روعى هو و نفسه لما كان متعذرا و انما جاء اليه التعذر من ناحية خارجية نظير تكليف الانسان بالطيران فانه ليس من المستحيل عقلا ان يطير الانسان لكنه لا يستطيعه للاقترانات الخارجية التى قعدت به عن ذلك فتكليفه على ما هو عليه خلقة و وضعا فعليا بالطيران تكليف بالمحال‏ (بل من جهة انه) اى التكليف‏ (بنفسه محال) لانه طلب ضدين فى عرض واحد فهذا التكليف بنفسه مستحيل لا من ناحية خارجية كما هو واضح‏ (فلا يجوز) التكليف بالمحال حتى‏ (عند من يجوّز التكليف بغير المقدور ايضا) كما يجوز التكليف بالمقدور لان التكليف نفسه اذا صار مستحيلا لا يعود يجوزه عاقل اصلا

(ثانيتها: انه لا شبهة فى ان متعلق الاحكام هو فعل المكلف)

(و ما هو فى الخارج يصدر عنه و هو) اى المكلف‏ (فاعله و جاعله لا ما هو اسمه) اى اسم الفعل و عنوانه الذى يشار به اليه لان محطة التكاليف هى الحقائق طبعا و لا شى‏ء من العناوين و الاسماء بحقيقة قطعا (و هو واضح و لا ما هو عنوانه مما قد انتزع عنه بحيث لو لا انتزاعه) اى انتزاع هذا العنوان من المعنون به‏ (تصورا) اى فى مقام تصور المعنون قابعا و طالعا بالعنوان المزبور (و اختراعه ذهنا) اى اختراع العنوان للمعنون‏ (لما كان بحذائه شى‏ء خارجا) فان عنوان الضاربية و الشاربية و الآكلية و ما الى ذلك لو لا انتزاعه عن الذات المتلبسة بمبدإ الشرب او بمبدإ الاكل و اختراعه ذهنا للذات المزبورة لما كان بحذاء هذا العنوان شى‏ء فى الخارج فان الذى فى الخارج هو شخص الذات فى صحن الخارج مشغولة بفعل الضرب او الشرب او الاكل‏

389

و لا شى‏ء فى الخارج سوى ذلك كما هو محسوس فعنوان الضاربية و الشاربية و الآكلية و نظائر ذلك امر انتزاعى اختراعى ليس بإزائه شى‏ء يطلع به سوى ذات المعنون الطالعة بأوصافها التى باعتبارها وصفت بوصف الضارب و الشارب و الاكل‏ (و يكون خارج المحمول) و انما وسم العنوان المزبور بهذه السمة انه خارج المحمول لانه بنفسه عنوان فارغ و المحمول يجب ان يكون حقيقة تقترن بالموضوع باحد انحاء الاقتران الواقعي اذن فالذى يحمل هو الضرب و الشرب و الاكل باعتبار تلبس الذات بها لا عنوان الضاربية و الشاربية و الآكلية و نظيره‏ (كالملكية و الزوجية و الرقية و الحرية و المغصوبية الى غير ذلك من الاعتبارات و الاضافات ضرورة ان البعث ليس نحوه و الزجر لا يكون عنه) و هو كما عرفت امر اعتبارى اضافى‏ (و انما يؤخذ) هذا العنوان‏ (في متعلق الاحكام آلة للحاظ متعلقاتها و الاشارة اليها بمقدار الغرض منها) اى من العناوين و المعنونات جميعا (و الحاجة اليها) و (لا) يؤخذ العنوان المزبور فى متعلق الحكم‏ (بما هو هو و بنفسه و على استقلاله بحياله) لانك قد عرفت حاله و انه ليس محلا لاخذه متعلقا لاىّ حكم يفرض‏

(ثالثتها: انه لا يوجب تعدد الوجه و العنوان تعدد المعنون و لا ينثلم به)

اى بتعدد الوجه‏ (وحدته) اى وحدة الموجه و المعنون‏ (فان المفاهيم المتعددة و العناوين الكثيرة ربما تنطبق على) الوجود الجزئي‏ (الواحد و تصدق على) المصداق‏ (الفارد الذى لا كثرة فيه من) اىّ‏ (جهة) تفرض‏ (بل) هو (بسيط من جميع الجهات ليس فيه حيث غير حيث) اى ليست فيه حيثيات متضاربة (و) لا (جهة مغايرة لجهة اصلا) و هذا البسيط المفروض بالفروض المزبورة (كالواجب تبارك و تعالى فهو على بساطته) التامة (و واحديته واحديته) البالغتين غايتهما (تصدق عليه) جميع‏ (مفاهيم الصفات الجلالية و الجمالية له الاسماء الحسنى و الامثال العليا لكنها) على كثرتها و (بأجمعها حاكية عن ذاك الواحد)

390

(الفرد الاحد)

عباراتنا شتّى و حسنك واحد* * * و كل الى ذاك الجمال يشير

فعليه تعدد العناوين لا يعطى المعنون تعددا و ليس اوضح فى الامثلة من مثال الواجب تعالى و ما يصدق عليه من العناوين‏

(رابعتها: انه لا يكاد يكون للموجود بوجود واحد الا ماهية واحدة)

(و حقيقة فاردة لا يقع فى جواب السؤال عن الحقيقة بما هو الا تلك الماهية فالمفهومان المتصادقان على ذاك) الموجود بوجود واحد كمفهوم الصلاة و مفهوم الغصب على الحركات و السكنات المتحدة بوجودها (لا يكاد يكون كل منهما ماهية و حقيقة) له فلا الغصب ماهية للحركات و السكنات المزبورة مع كون الصلاة ماهية لها او بالعكس‏ (و كانت عينه فى الخارج) اى و الحال ان ما تصادقا عليه كانت عينه فى الخارج فانه مع حفظه لعينه الخارجية يستحيل ان يكون له ماهيتان و حقيقتان‏ (كما هو شأن الطبيعى و فرده) الخارجى فان الطبيعى يجوز ان يصدق على زيد و عمرو و بكر و خالد و اما فرده الخارجي فلا يجوز فيه الصدق على اكثر مما هو صادق عليه من خاص عمرو او بكر او خالد و كذلك عنوانا الصلاة و الغصب بالنسبة طبيعي الحركات و السكنات فانهما جميعا قابلان للانطباق عليه لكن بوصف طبيعيته و اما الفرد الخارجى من الحركات و السكنات فغير قابل لان ينطبق على اكثر من واحد اما صلاة او غصب‏ (فيكون الواحد وجودا واحدا ماهية و ذاتا و لا يتفاوت فيه القول باصالة الوجود) و اعتبارية الماهية حتى يقال على هذا المبنى بالامتناع و عدم جواز الاجتماع لان الوجود الذى هو المتأصل واحد فيمتنع عليه التعدد مع فرض تعدد عناوينه‏ (او اصالة الماهية) و اعتبارية الوجود حتى يقال على هذا المبنى بجواز الاجتماع لان الوجود اعتبارى كما هو المفروض و التأصل للماهية فلا مانع عن تعددها بتعدد

391

عناوينها لان وجودها الواحد لا يضرّ بوحدته لاعتباريته و تأصلها هى و المانع من التعدد ان يكن فمن ناحية الوجود لا من ناحية الماهية (و منه) اي من هذا الذى بيناه‏ (ظهر عدم ابتناء القول بالجواز و الامتناع فى المسألة) التى بأيدينا (على القولين فى تلك المسألة) مسألة تأصل الوجود او الماهية (كما توهم فى الفصول كما ظهر عدم الابتناء) اى ابتناء القول بالجواز و الامتناع‏ (على تعدد وجود الجنس و الفصل في الخارج) بالنسبة الى النوع الواحد (و عدم تعدده) فالقائل بتعدد وجود الجنس و الفصل في الخارج بالنسبة الى الواحد يجوز له ان يقول بالجواز فيما اذا كان احد المتعلقين للحكمين بمنزلة الجنس و الآخر بمنزلة الفصل كما لو كان بينهما عموم و خصوص مطلق كمطلق الحركة و الحركة الخاصة فيما لو فرض تعلق الوجوب باحدهما و الحرمة بالآخر و اما الذى لا يقول بتعدد وجود الجنس و الفصل في الخارج بالنسبة الى الواحد الذى هما جنسه و فصله فلا يجوز له ان يقول بالجواز (ضرورة عدم كون العنوانين المتصادقين عليه) اى على المورد الواحد (من قبيل الجنس و الفصل له) فان مطلق الحركة ليس جنسا للمورد كما ان الحركة الخاصة ليست فصلا له و في اطلاق قول المصنف نظر (و ان مثل الحركة فى دار من اىّ مقولة كانت لا تكاد تختلف حقيقتها و ماهيتها و تتخلف) عنها (ذاتياتها) بل هي حافظة لذاتها و ايّا كانت‏ (وقعت جزء للصلاة اولا: كانت تلك الدار مغصوبة ام لا) فاختلاف العناوين عليها لا يغيّر من هويتها شيئا بعد ما تنعقد لها هوية خاصة في الخارج نعم لا مشاحة فى ان طروء العناوين له اثر في تغيير العوارض إلّا ان تعددها على معنون واحد لا يخلق منه معنونات عديدة (اذا عرفت ما مهدناه عرفت ان المجمع) و المورد المتصادق عليه‏ (حيث كان واحدا وجودا و ذاتا كان تعلق الامر و النهي) معا (به محالا) لتعلقهما حينئذ بمورد واحد و صلاحية المورد الواحد انما

392

هي لحكم واحد لا اثنين‏ (و لو كان تعلقهما به بعنوانين) و وجهين‏ (لما عرفت من كون فعل المكلف بحقيقته و واقعيته الصادرة عنه) يصير (متعلقا للاحكام لا بعناوينه الطارئة عليه) فان العنوان كما عرفت مشير الى المعنون و حاك عنه فالعبرة بالمعنون لا به‏ (و ان غائلة اجتماع الضدين فيه) اى في فعل المكلف‏ (لا تكاد ترتفع بكون الاحكام تتعلق بالطبائع لا الافراد فان غاية تقريبه) اى تقريب ما يمكن ان يقال في رفع الغائلة على تقدير تعلق الاحكام بالطبائع‏ (ان يقال ان الطبائع من حيث هي هي و ان كانت ليست إلّا هي) فلا يحمل عليها ايّ محمول‏ (و لا تتعلق بها الاحكام الشرعية كالآثار العادية و العقلية) فان جميع هذه الاحكام و الآثار بالنسبة الى الطبيعة من حيث هي بملاك واحد (إلّا انها) اى الطبائع حال كونها (مقيدة بالوجود بحيث كان القيد) و هو الوجود (خارجا و التقييد) اى كونه ملحوظا بالنسبة اليها (داخلا صالحة) خبر لقوله إلّا انها (لتعلق الاحكام بها) اى ان الطبيعة الملحوظ بها الوجود مما تصلح لان تتعلق بها الاحكام و تحمل عليها الآثار (و متعلقا الامر و النهى) كالصلاة و الغصب‏ (على هذا) و هو كون متعلق الحكم هو الطبيعة الملحوظة بالوجود لا الطبيعة بقيد الوجود بحيث يكون نفس الوجود مأخوذا فيها (لا يكونان متحدين اصلا) لان الاتحاد انما يحصل من ناحية الوجود الخارجى و إلّا فالطبيعة التى تعلق بها الامر غير الطبيعة التى تعلق بها النهى كما هو جلىّ واضح و لذلك قال‏ (لا فى مقام تعلق البعث و الزجر) لان مقام تعلقهما هو الطبيعة الملحوظ بها الوجود لا الطبيعة الموجودة و طبيعة الصلاة كما عرفت غير طبيعة الغصب فاين الاتحاد (و لا فى مقام عصيان النهى و اطاعة الامر) خارجا (باتيان المجمع بسوء الاختيار) حيث يعصى عامدا و يطيع كذلك‏ (اما فى المقام الاول) و هو مقام تعلق البعث و الزجر (فلتعددهما) اى الطبيعتين‏ (بما هما متعلقان لهما) اى للامر و النهى لما عرفت مكررا

393

من تعدد الطبيعة المأمور بها و الطبيعة المنهى عنها (و ان كانا) اى المتعلقان المزبوران‏ (متحدين فيما هو خارج عنهما) و هو الوجود الخارجى فان الطبيعتين فيه و ان اتحدتا إلّا أنّك قد عرفت ان الوجود الخارجى خارج عن الطبيعة المأمور بها و الطبيعة المنهى عنها و انما المأخوذ منه فيهما صرف ملحوظيته و التقيد به‏ (بما هما كذلك) اى بما هما متعلقان للاحكام‏ (و اما فى المقام الثانى) و هو مقام عصيان النهى و اطاعة الامر باتيان المجمع بسوء الاختيار (فلسقوط احدهما) و هو الامر (بالاطاعة و) سقوط (الآخر) و هو النهي‏ (بالعصيان بمجرد الاتيان ففى اىّ مقام اجتمع الحكمان فى واحد) بعد ان لم يجتمعا فى مقام التعلق و لا فى الخارج بعصيان النهى و اطاعة الامر (و انت خبير بانه) اى ما ذكر فى هذا التقريب‏ (لا يكاد يجدى بعد ما عرفت من ان تعدد العنوان لا يوجب تعدد المعنون لا وجودا) خارجيا (و لا ماهية و حقيقة) لما هو الموجود (و لا تنثلم به) اى بتعدد العنوان‏ (وحدته) اى وحدة المعنون‏ (اصلا و ان المتعلق للاحكام هو المعنونات لا العنوانات و انها) اى العنوانات‏ (انما تؤخذ فى المتعلقات بما هى حاكيات كالعبارات) الكواشف عن المعانى‏ (لا بما هى) عناوين‏ (على حيالها) غير حاكية و لا مشيرة (و) لا هي على‏ (استقلالها) و اذا كان المتعلق هو المعنون و المعنون واحد وجودا و ماهية فاين التعدد فى المتعلق و عدم الاتحاد فيه‏ (كما ظهر مما حققناه) فى المقدمات السالفة (انه لا يكاد يجدى ايضا كون الفرد) الخارجى‏ (مقدمة لوجود الطبيعى) الذى هو (المأمور به او المنهى عنه و انه لا ضير فى كون المقدمة محرمة فى صورة عدم الانحصار بسوء الاختيار) فان مقدمة الواجب اذا صارت منحصرة بالمحرم ربما تنسلخ منها حرمتها فلا تكون حراما لاجل التوصل بها لتحصيل الواجب و اما اذا لم تكن منحصرة بان يكون مريد الحج قادرا على ركوب حيوان يباح له فعدل عنه بسوء اختياره الى مركوب‏

394

مغصوب توصل به الى انجاز وظيفة الحج فهذا المكلف قد توصل بمقدمة محرمة الى فعل واجب و لا ضير على الواجب منها فليكن ما نحن فيه كذلك بأن تكون الحركات و السكنات الخارجية التى هى فرد الطبيعى الذى هو المأمور به او المنهى عنه مقدمة محرمة باعتبار كونها فى دار غصبية للواجب الذى هو الصلاة (و ذلك) اى و انما لا يجدى هذا القول‏ (مضافا الى وضوح فساده و) فساده هو (ان الفرد هو عين الطبيعى فى الخارج كيف) يكون الفرد مقدمة للطبيعى‏ (و المقدمية تقتضى الاثنينية بحسب الوجود) الخارجى‏ (و لا تعدد) فى الوجود اذ الذى فيه هو الفرد لا اكثر (كما هو واضح انه) تابع لقوله و ذلك مضافا (انما يجدي لو لم يكن المجمع واحدا ماهية) فيجوز ان يقال ان المنهى عنه وقع مقدمة محرمة للواجب فى حال ان الخارج لم يحتو على اكثر من وجود واحد للحركات و السكنات فان كانت مقدمة فاين ذوها (و قد عرفت بما لا مزيد عليه انه) اى المجمع‏ (بحسبها) اى بحسب الماهية (ايضا) اى كما هو بحسب الوجود (واحد) لا اثنان‏

(ثم انه قد استدل على الجواز بامور:)

(ثم انه قد استدل على الجواز) و عدم الامتناع‏ (بامور:)

(منها: انه لو لم يجز اجتماع الامر و النهى لما وقع نظيره و قد وقع)

و الوقوع من اعظم الادلة على حقيّة الشى‏ء (كما فى العبادات المكروهة كالصلاة فى مواضع التهمة و فى الحمام و الصيام فى السفر و فى بعض الايام) فالصلاة المومأ اليها وقعت متعلقة للوجوب و الكراهة و لا ريب فى تضادهما كتضاد الوجوب و الحرمة بلا ادنى تفاوت‏ (بيان الملازمة انه لو لم يكن تعدد الجهة مجديا فى امكان اجتماعهما لما جاز اجتماع حكمين آخرين) كالوجوب و الكراهة مثلا (فى مورد مع تعددها) اى تعدد الجهة (لعدم اختصاصهما) اى الوجوب و الحرمة (من بين الاحكام بما يوجب الامتناع من التضاد) قوله من التضاد بيان لقوله ما يوجب الامتناع‏ (بداهة تضادها) اى الاحكام‏ (بأسرها و التالى)

395

و هو عدم جواز اجتماع حكمين آخرين فى مورد مع تعددها (باطل لوقوع اجتماع الكراهة و الايجاب او الاستحباب فى مثل الصلاة في الحمام) فانها واجبة مكروهة (و الصيام فى السفر) مكروه ان لم نقل بحرمته‏ (و) الصيام‏ (في عاشوراء) مكروه‏ (و لو) كان الصائم‏ (في الحضر) و لم يكن مسافرا (و) لوقوع‏ (اجتماع الوجوب او الاستحباب مع الاباحة او الاستحباب فى مثل الصلاة في المسجد) فانها واجبة مستحبة (او الدار) فانها واجبة مباحة ففي هذه الموارد الكثيرة الورود فى الشريعة قد اجتمعت احكام متعددة على واحد فما الجواب: فقال‏ (و الجواب عنه اما اجمالا فبأنه لا بد من التصرف و التأويل فيما وقع فى الشريعة مما ظاهره الاجتماع بعد قيام الدليل على الامتناع ضرورة ان الظهور) المستفاد من مثل تلك الموارد (لا يصادم البرهان) القاطع‏ (مع ان قضية ظهور تلك الموارد) التى مثّل بها هو (اجتماع الحكمين فيها بعنوان واحد) و هو كون الصلاة فى المسجد واجبة مستحبة (و لا يقول الخصم بجوازه كذلك) اى و لو بعنوان واحد (بل) يقول‏ (بالامتناع ما لم يكن بعنوانين و بوجهين فهو ايضا لا بدّ له من التفصى عن اشكال الاجتماع فيها) لانه فيها بعنوان واحد و هو لا يجيزه لكن له ان يقول ليس الامر كذلك فان الوجوب فى الصلاة وارد على ما جمعت الاجزاء و الشرائط من دون دخل للخصوصيات الخارجية و الاستحباب فيها وارد على خصوصية المسجد كما ان الكراهة واردة على خصوصية الحمام فالعنوان الواحد انما هو للخصوصية الموجبة للاستحباب او الكراهة لا للوجوب الصرف فلم يكن الاجتماع بعنوان واحد (سيّما اذا لم تكن هناك) اى فى مورد اجتماع الوجوب و الكراهة مثلا (مندوحة كما فى العبادات المكروهة التى لا بدل لها) عاريا عن الكراهة فالخصم فى مثل هذه الموارد الفاقدة للمندوحة مضطر للالتزام باجتماع الوجوب و الكراهة فيها بعنوان واحد (فلا يبقى له مجال للاستدلال بوقوع الاجتماع فيها على جوازه اصلا)

396

حيث انه بعنوان واحد و هو لا يقول به فلا يكون اذن وقوعها دليلا على جوازه فلا بد له من التفصى بالتصرف و التأويل‏ (كما لا يخفى و اما) الجواب عنه‏ (تفصيلا فقد اجيب عنه بوجوه يوجب ذكرها بما فيها من النقض و الابرام طول الكلام بما لا يسعه المقام فالاولى الاقتصار على ما هو التحقيق فى حسم مادة الاشكال فيقال و على اللّه الاتكال ان العبادات المكروهة على ثلاثة اقسام: احدها: ما تعلق به النهى بعنوانه و ذاته) و اتصل به مباشرة (و لا بدل له كصوم يوم عاشوراء) حيث يترك لا الى بدل فان اليوم الذى يصام فيه غيره يحسب لليوم المزبور لا انه بدل عن يوم عاشوراء (و النوافل المبتدأة فى بعض الاوقات) فان كل ما يصلى من النوافل غيرها يحسب لنفسه و لا يكون بدلا عنها و النهى فى الطرفين صوم يوم عاشوراء و النوافل المبتدأة فى بعض الاوقات وارد عليهما بعنوانيهما و بذاتيهما (ثانيها) اى ثانى الاقسام‏ (ما تعلق به النهى كذلك) اى بعنوانه و بذاته ايضا (و) لكن‏ (يكون له البدل كالنهى عن الصلاة فى الحمام) فان النهى وارد عليها بذاتها و بعنوانها المزبور و لكن لها بدل و هو الصلاة خارج الحمام كالدار و ما اشبهها (ثالثها) اى ثالث الاقسام‏ (ما تعلق النهى به لا بذاته) و مباشرة (بل بما هو مجامع) لامر آخر (معه وجودا) بحيث يحتويهما وجود واحد (او ملازم له خارجا) بلا اتحاد و اختلاط بل بنحو الملازمة (كالصلاة فى مواضع التهمة بناء على كون النهى عنها) اى عن الصلاة (لاجل اتحادها مع الكون فى مواضعها) اى مواضع التهمة بحسب الوجود (اما القسم الاول) و هو ما تعلق به النهى بعنوانه و ذاته و لا بدل له كصوم يوم عاشوراء و النوافل المبتدأة فى بعض الاوقات‏ (فالنهى) انما يكون‏ (تنزيها عنه بعد الاجماع على انه) لو اوقع‏ (يقع صحيحا) غير فاسد (و مع ذلك يكون تركه ارجح) من فعله‏ (كما يظهر) كون الترك ارجح من الفعل‏ (من مداومة الائمة (عليهم السلام) على الترك) اى ترك مثل صوم يوم عاشوراء و النوافل المبتدأة فى بعض الاوقات المشروحة فى مفصلات‏

397

الكتب الفقهية و هذا النهى التنزيهى‏ (اما لاجل انطباق عنوان ذى مصلحة على الترك فيكون الترك كالفعل ذا مصلحة موافقة للغرض) بان يكون الفعل فيه نوع من المصلحة توافق الغرض و يكون الترك مثله فى احتواءه على نوع من المصلحة توافق الغرض ايضا و لكن لا يجوز طبعا ان يكون الغرضان من واد واحد اذ النقيضان لا يثمران ثمرة واحدة كما لا يخفى‏ (و ان كانت مصلحة الترك اكثر) و يستكشف ذلك من النهى الخاص عن صوم هذا اليوم المعيّن‏ (فهما) اى الفعل و الترك‏ (حينئذ يكونان من قبيل المستحبين المتزاحمين فيحكم بالتخيير بينهما لو لم يكن) منهما (اهمّ فى البين و إلّا) بان كان احدهما اهم من الآخر (فيتعين الاهم و ان كان الآخر) المهم لو اوقع‏ (يقع صحيحا حيث انه) فى نفسه‏ (كان راجحا و موافقا للغرض كما هو الحال فى سائر المستحبات المتزاحمات بل الواجبات) المتزاحمات فان ملاك التزاحم فى الجميع واحد (و ارجحية الترك فى الفعل لا توجب حزازة و منقصة فيه) اى فى الفعل اذ لا ملازمة بين رجحان شى‏ء على شى‏ء كون المرجوح فيه حزازة و منقصة كما هو واضح فالفعل بالنسبة الى الترك الراجح ليست فيه حزازة (اصلا كما يوجبها) اى الحزازة و المنقصة (ما اذا كانت فيه) اي فى فعله‏ (مفسدة غالبة على مصلحته و لذا لا يقع صحيحا على) القول ب (الامتناع فان الحزازة و المنقصة فيه مانعة عن صلاحية التقرب به بخلاف المقام فانّه على ما هو عليه من الرجحان و موافقة الغرض كما اذا لم يكن تركه راجحا بلا حدوث حزازة فيه اصلا) فالنهى التنزيهى فى المقام اما لاجل انطباق عنوان ذى مصلحة على الترك‏ (و اما لاجل ملازمة الترك لعنوان كذلك) اى عنوان ذى مصلحة فتسرى اليه من باب الملازمة (من دون انطباقه عليه فيكون حاله) فى هذا الشق‏ (كما اذا انطبق عليه من غير تفاوت) بين الشقين المزبورين‏ (الا فى ان الطلب المتعلق به حينئذ) اى حين ملازمته لعنوان ذي مصلحة (ليس بحقيقى بل بالعرض و المجاز)

398

(ف) انه‏ (انما يكون فى الحقيقة متعلقا بما يلازمه من العنوان بخلاف صورة الانطباق لتعلقه) اى الطلب التنزيهى‏ (به حقيقة كما فى سائر المكروهات) المتعلق بها النهى التنزيهى حقيقة (من غير فرق) بين ما نحن فيه و بينها (إلّا ان منشأه فيها) اى فى المكروهات‏ (حزازة و منقصة فى نفس الفعل) و لذلك دعى المكلف الى التنزه عنه‏ (و فيه) اى فى المقام‏ (رجحان فى الترك من دون حزازة فى الفعل اصلا غاية الامر كون الترك ارجح) و قد عرفت ان راجحية شى‏ء على شي‏ء لا تستلزم كون المرجوح ذا حزازة و منقصة اذ لا برهان بل لا داعم لهذه الدعوى اصلا (نعم يمكن ان يحمل النهى فى كلا القسمين) قسم انطباق عنوان ذى مصلحة على الترك و قسم ملازمة الترك لعنوان كذلك‏ (على الارشاد الى الترك الذى هو ارجح من الفعل او) الترك الذى هو (ملازم لما هو الارجح و اكثر ثوابا لذلك) اى لأرجحيته‏ (و عليه) اى على كون النهى فى القسمين ارشاديا (يكون النهى) متعلقا بالفعل فى القسمين‏ (على نحو الحقيقة لا بالعرض و المجاز فلا تغفل) اذ النهى اذا فرض ارشاديا فى القسمين كان تعلقه بهما جميعا حقيقيا و لو كان باعثه فى احدهما انطباق عنوان ذى مصلحة على الترك و فى الآخر ملازمته لما هو كذلك‏

(و اما القسم الثانى) و هو ما تعلق به النهى بعنوانه و بذاته مباشرة و يكون له بدل كالنهى عن الصلاة فى الحمام‏ (فالنهى فيه يمكن ان يكون لاجل ما ذكر فى القسم الاول طابق النعل بالنعل) و هو انه يكون تنزيهيا بعد الاجماع على انه يقع صحيحا و مع ذلك يكون تركه ارجح الى آخر ما ذكر هناك‏ (كما يمكن ان يكون) النهى عنه‏ (بسبب حصول منقصة فى الطبيعة المأمور بها لاجل تشخصها فى هذا القسم بمشخص غير ملائم لها كما فى الصلاة فى الحمام فان تشخصها بتشخص وقوعها فيه) اى فى الحمام‏ (لا يناسب كونها معراجا) للمؤمن و قربانا لكل تقى‏ (و ان لم يكن نفس)

399

(الكون فى الحمام بمكروه و لا حزازة فيه اصلا بل) ربما (كان راجحا) لورود عدة نصوص باستحباب الاستحمام لكن تشخص الصلاة بوقوعها فيه مما يعطيها منقصة (كما لا يخفى و ربما يحصل لها) اى للصلاة (لاجل تخصصها بخصوصية شديدة الملاءمة معها مزية) و رفعة (فيها كما فى الصلاة فى المسجد و الأمكنة الشريفة و ذلك) اى ميزان تلك المنقصة و هذه الرفعة (لان الطبيعة المأمور بها فى حد نفسها اذا كانت مع تشخص لا يكون له شدة الملاءمة) كما فى المسجد (و لا عدم الملاءمة) كما فى الحمام‏ (لها مقدار) خاص‏ (من المصلحة و المزية كالصلاة فى الدار مثلا) الفاقدة لشدة الملاءمة و عدم الملاءمة (و تزداد تلك المزية) الحاصلة من الوقوع فى الدار (فيما كان تشخصه بما له شدة الملاءمة) كالمسجد (و تنقص فيما اذا لم تكن له ملائمة) كالحمام فمعيار الزيادة و النقصية فيما نحن فيه الذى منه يؤخذ الملاك العام هو القياس على الصلاة فى الدار (و لذلك ينقص ثوابها تارة و يزيد اخرى و يكون النهى فيه لحدوث نقصان في مزيتها فيه ارشادا الى ما لا نقصان فيه من سائر الافراد و يكون) ذاك المرشد اليه‏ (اكثر ثوابا منه) اى من هذا المنهى عنه‏ (و ليكن هذا) و هو الكثرة و القلة فى الثواب بالمقياس المذكور (مراد من قال ان الكراهة فى العبادة تكون بمعنى انها اقل ثوابا و لا يردّ عليه بلزوم اتصاف العبادة التى تكون اقل ثوابا من) العبادة (الاخرى) بالقياس اليها (بالكراهة) فى حال انها غير مكروهة بل ربما ورد فيها كثير من التحسين و التمجيد بفعلها (و لزوم اتصاف ما لا مزية فيه و لا منقصة بالاستحباب لانه اكثر ثوابا مما فيه المنقصة لما عرفت) اى و انما لا يردّ بالرد المزبور و هو ان كلّ ما كان اقل ثوابا بالقياس الى الآخر كان مكروها و كل ما كان اكثر ثوابا من فرد آخر كان مستحبا لما عرفت‏ (من ان المراد من كونه اقل ثوابا انما هو بقياسه الى نفس الطبيعة المتشخصة بما لا يحدث معه مزية لها و لا منقصة من المشخصات و كذا كونه اكثر ثوابا) انما هو

400

بالقياس الى الطبيعة المومأ اليها (و لا يخفى ان النهى فى هذا القسم) الذى له بدل‏ (لا يصح إلّا للارشاد) الى سائر الافراد الفاقدة لما يوجب المنقصة (بخلاف) النهى فى‏ (القسم الاول) الذى لا بدل له‏ (فانه يكون فيه مولويا) اذ لا بدل له حتى يرشد اليه‏ (و ان كان حمله على الارشاد) الى ارجحية الترك بالنسبة الى الفعل‏ (بمكان من الامكان) كما مضى شرحه مبسوطا،

(و اما القسم الثالث) و هو ما تعلق به النهى لا بذاته بل بما هو مجامع معه وجودا او ملازم له خارجا كالصلاة فى مواضع التهمة (فيمكن ان يكون النهي فيه عن العبادة المتحدة مع ذلك العنوان) وجودا كالصلاة فى مواضع التهمة (او الملازمة له) فى الوجود ايضا (بالعرض و المجاز) سراية مما اتحد معه او لازمه اليه‏ (و كان المنهى عنه به) اي بالنهى‏ (حقيقة ذاك العنوان) الذى اتحدت معه العبادة او لازمته‏ (و يمكن ان يكون) النهى عن العبادة فى القسمين المزبورين‏ (على الحقيقة) لكن‏ (ارشادا الى غيرها من سائر الافراد مما لا يكون متحدا معه) اى مع العنوان المزبور (او ملازما له اذ المفروض) فى هذا القسم كالقسم الثانى‏ (التمكن من استيفاء مزية العبادة بلا ابتلاء بحزازة ذاك العنوان اصلا) و هو الاتيان بالبدل السالم عن الاتحاد او الملازمة للعنوان المزبور (هذا) اى كون العبادة المتحدة مع عنوان ذى حزازة باقية على تعلقها للامر و العنوان المزبور باقيا على تعلقه للنهى و ان اتحدا وجودا لتعدد جهتيهما المجدى فى نظر المجيز للاجتماع‏ (على القول بجواز الاجتماع و اما على) القول‏ (بالامتناع فكذلك) لا مانع من كون العبادة مأمورا بها و العنوان منهيا عنه‏ (فى صورة الملازمة) اذ المتلازمان فى الوجود غير متحدين فيه‏ (و اما فى صورة الاتحاد) اى اتحاد العبادة مع العنوان فى الوجود الخارجي‏ (و ترجيح جانب الامر) على جانب النهى‏ (كما هو المفروض) اى المفروض صحة العبادة بدليل الاجماع على صحتها فى مواضع التهمة و نظائرها (حيث انه) اى‏

401

المفروض هو (صحة العبادة فيكون حال النهى فيه حاله) اي حال النهى‏ (فى القسم الثانى) المفيد لكون المأتى به اقل ثوابا من فاقد هذا التشخص‏ (فيحمل) القسم الثالث‏ (على ما حمل عليه) النهى‏ (فيه) اى فى القسم الثانى‏ (طابق النعل بالنعل حيث انه) اى هذا القسم‏ (بالدقة يرجع اليه) اى الى القسم الثانى‏ (اذ على) القول ب (الامتناع ليس الاتحاد) اى اتحاد العبادة (مع العنوان الآخر الامن مخصصاته و مشخصاته) اى من مخصصات و مشخصات العمل العبادى‏ (التى تختلف الطبيعة المأمور بها فى المزية زيادة و نقيصة بحسب اختلافها فى الملاءمة) فتزداد و عدم الملاءمة فتنقص و ما نحن فيه من هذا القبيل حيث اقترن العمل العبادى بما لا يلائمه فنقص ثوابه و قدره‏ (كما عرفت) توضيحه مفصلا فى القسم الثانى‏ (و قد انقدح بما ذكرناه) لمعنى الكراهة فى العبادة (انه لا مجال اصلا لتفسير الكراهة فى العبادة بأقلية الثواب فى القسم الاول) الذى لا بدل له‏ (مطلقا) اي اعم من ان نقول بجواز الاجتماع او بالامتناع لان القسم المزبور لا بدل فيه و ما لا بدل له لا يتأتى فيه ما قررناه للكراهة اذ هو مبتن على اطراف ثلاثة للطبيعة الواحدة طرف اعتدال يكون هو طرف القياس و طرف زيادة و طرف نقيصة بالنسبة الى الطرف المعتدل المزبور و الطبيعة التى لا بدل لها اى التى لا تعدد لاطرافها لا يتمشى فيها الميزان المذكور (و في هذا القسم) الثالث بناء (على القول بالجواز) اذ النهى فيه لا يزاحم الامر فلا ينقص المأمور به اصلا لكفاية تعدد الجهتين فى وجود الامر و النهى لتعدد المتعلقين فلا سراية لاحدهما الى الآخر فالمأمور به هو الصلاة و المنهى عنه هو الكون فى مواضع التهمة و هما اثنان لا واحد و لكل حكمه‏ (كما انقدح) مما بيناه‏ (حال اجتماع الوجوب و الاستحباب فيها) اى في العبادات‏ (و ان الامر الاستحبابى يكون على نحو الارشاد الى افضل الافراد) اى افراد الطبيعة الواحدة (مطلقا) اى قلنا بالامتناع او جواز الاجتماع‏

402

(على نحو الحقيقة) لا بالعرض و المجاز (و) يكون الامر الاستحبابى ايضا (مولويا اقتضائيا) اى فى مرحلة الاقتضاء لا التنجز و الفعلية (كذلك) اى على نحو الحقيقة اذ لا تصادم بين الوجوب الفعلي و الاستحباب الاقتضائى لاختلاف المرتبتين‏ (و) يجوز ان يكون الامر الاستحبابى مولويا (فعليا) لكن‏ (بالعرض و المجاز) لا حقيقيا و على هذا ايضا لا يحصل تصادم بين الوجوب و بينه لاختلاف نحوى التعلق‏ (فيما كان ملاكه ملازمتها) اى ملازمة العبادة (لما هو مستحب) فان المتلازمين غير متحدين و لذلك يجوز حتى للقائل بالامتناع ان يقول بتعلق الامر بها مولويا على نحو الحقيقة و بالاستحباب كذلك بالعرض و المجاز سراية من الامر الملازم‏ (او متحد معه على القول بالجواز) فان القائل بالجواز لا يرى مانعا للموجود الواحد ذى العنوانين ان يكون مأمورا به باعتبار طبيعة الصلاة و منهيا عنه باعتبار موضع التهمة (و لا يخفى انه لا يكاد يأتى القسم الاول) الذي لا بدل له‏ (هاهنا) مما قلنا فيه ان الامر الاستحبابى المتوجه اليه يكون على نحو الارشاد الى افضل الافراد و ما لا بدل له ليس فيه فرد مفضول و لا فاضل‏ (فان انطباق عنوان راجح على الفعل الواجب الذى لا بدل له انما) معناه انه‏ (يؤكد ايجابه لا انه يوجب استحبابه اصلا) اذ لا مجال لكون الواجب مستحبا إلّا بالنحو الذى بيناه و هو مفقود فيما لا بدل له‏ (و لو) كان استحبابه‏ (بالعرض و المجاز) لامتناع اجتماع حكمين على محكوم واحد و فيه نظر لان الاستحباب العرضى المجازى لا يكون فى الحقيقة واردا على ما ورد عليه الوجوب و لو على القول بالامتناع و الممنوع اجتماع الحكمين الحقيقيين و قوله‏ (الا على القول بالجواز) ليس بصحيح لانه بناء على هذا القول يجوز اجتماع الحكمين الحقيقيين فضلا عن الحقيقى و المجازى‏ (و كذا فيما) اى فى العمل العبادى‏ (اذا لازم مثل هذا العنوان) ذى الرجحان‏ (فانه لو لم يؤكد الايجاب لما صلح الاستحباب) فيه‏ (الا اقتضائيا بالعرض)

403

(و المجاز) على القول بالامتناع لان فعلية الاستحباب مع الايجاب مما لا تجوز بناء على هذا القول اذا كانا على نحو الحقيقة و اما اذا كان احدهما حقيقيا و الآخر مجازيا فلا مانع لان الاستحباب لا يكون واردا عليه و انما ورد على غيره فأكسبه رائحته و هكذا لا مانع من ان يكونا حقيقيين اذا كان احدهما فعليا و الآخر اقتضائيا فان الاقتضائى لا يزاحم الفعلى اصلا فيجوز ان يقول به حتى القائل بالامتناع‏ (فتفطن) حتى تعرف‏

[ (و منها ان اهل العرف يعدّون من اتى بالمأمور به فى ضمن الفرد المحرّم مطيعا و عاصيا من وجهين)]

(و منها) اى من ادلة المجوزين‏ (ان اهل العرف يعدّون من اتى بالمأمور به فى ضمن الفرد المحرّم مطيعا و عاصيا من وجهين فاذا امر المولى عبده بخياطة ثوب و نهاه عن الكون فى مكان خاص كما مثّل به الحاجبي و العضدى فلو خاطه فى ذاك المكان عدّ مطيعا لامر الخياطة و عاصيا للنهى عن الكون فى ذلك المكان و فيه مضافا الى المناقشة فى المثال) الذى مثّل به ذانك الفاضلان‏ (بانه ليس من باب الاجتماع) حتى يكون مدركا لهما على ما ذهبا اليه من الجواز (ضرورة ان الكون) فى المكان الخاص‏ (المنهى عنه غير متحد مع الخياطة وجودا اصلا) فان الخياطة من فعل الخياط و الكون فى المكان الخاص لنفس الخياط بلا دخل للخياطة فيه‏ (كما لا يخفى المنع) خبر لقوله و فيه مضافا (الا عن صدق احدهما) اى احد الطاعة و المعصية لا كليهما بحيث يقال انه مطيع و عاص‏ (اما الاطاعة بمعنى الامتثال فيما) لو (غلب جانب الامر) على جانب النهى‏ (او العصيان فيما) لو (غلب جانب النهى) على جانب الامر (لما عرفت من البرهان على الامتناع) و انه لا يجوز فى عرض واحد ان يكون مطيعا و عاصيا بمورد فذ و لو بجهتين‏ (نعم لا بأس بصدق الاطاعة بمعنى حصول الغرض و العصيان) و لو بمعناه المتعارف و هو ارتكاب الجرم الشرعى نظير تحصيل الخياطة مع ارتكاب المعصية بالتصرف فى‏

404

حق الغير من دون اذنه‏ (فى التوصليات) نظير ما مثّل به الفاضلان المذكوران من الخياطة فان الغرض منها يحصل و لو فى ضمن المعصية (و اما فى العبادات فلا يكاد يحصل الغرض منها) و هو القرب من المولى تعالى‏ (الا فيما صدر من المكلف فعلا غير محرم و غير مبغوض عليه) للجهل بالموضوع او بحكمه او لعدم الالتفات اليه لغفلة او نسيان‏ (كما تقدم) الكلام عليه مفصلا فيما سلف من هذا الباب‏

(بقى الكلام فى حال التفصيل من بعض الاعلام و القول بالجواز عقلا و الامتناع عرفا) كما سلفت الاشارة اليه فى صدر البحث‏ (و فيه) اى فى هذا التفصيل‏ (انه لا سبيل للعرف فى الحكم بالجواز او الامتناع) فى المسألة (الا) من‏ (طريق العقل) خاصة (فلا معنى لهذا التفصيل) من الجواز عقلا و المنع عرفا (الا ما اشرنا اليه من النظر المسامحى الغير المبتنى على التدقيق و التحقيق) الراجعة مسامحته الى العرف و دقته الى العقل فمن طريق النظر المسامحى يجى‏ء القول بالامتناع اذ العرف لا يرى إلّا موردا واحدا لا اثنين و من طريق النظر التحقيقى يجى‏ء القول بالجواز اذ العقل بعد تفكيكه و تحليله للمورد يراه اثنين لا واحدا (و انت خبير بعدم العبرة به) اي بنظر العرف‏ (بعد الاطلاع على خلافه بالنظر) العقلى‏ (الدقيق و قد عرفت فيما تقدم ان النزاع) فى الجواز و الامتناع‏ (ليس فى خصوص مدلول) اى ما دلت عليه‏ (صيغة الامر) من الوجوب‏ (و) صيغة (النهى) من الحرمة (بل) النزاع جار (فى الاعم) حتى ما استفيد وجوبه او تحريمه من طريق العقل او الاجماع او الضرورة (فلا مجال لان يتوهم ان العرف هو المحكم فى تعيين المداليل) على اطلاقها حتى ما لا يستفاد من لفظ (و لعله كان بين مدلوليهما) اى مدلولى الامر و النهى‏ (حسب تعيينه) اى تعيين العرف‏ (تناف) بحيث‏ (لا يجتمعان في) مورد (واحد و لو بعنوانين و ان كان العقل يرى جواز اجتماع الوجوب و الحرمة فى واحد بوجهين فتدبر) حتى تعرف:

405

(و ينبغى التنبيه على امور)

الامر (الاول ان الاضطرار الى ارتكاب الحرام)

لعدم المندوحة يستخدمها الانسان فى التجنب عنه‏ (و ان كان يوجب ارتفاع حرمته و العقوبة عليه مع بقاء ملاك وجوبه لو كان) له وجوب يستمد من بقاء ملاكه حال كون هذا الملاك‏ (مؤثرا له) اي للوجوب‏ (كما اذا لم يكن بحرام) اصلا فانه كيف مع سلب الحرمة عنه لا عقوبة مع فعله و يكون واجبا لو كان له ملاك يؤثر فيه الوجوب‏ (بلا كلام) نظير الصلاة فى المكان الغصبى مع الالجاء الى اصل الكون فيه كالمسجون فى ملك الغير بدون اذن المالك فان الاضطرار الى ارتكاب هذا الحرام مما يوجب ارتفاع حرمته و العقوبة عليه مع بقاء ملاك وجوبه بما انه حركات و سكنات صلاتية ايضا و تأثير بقاء الملاك المزبور له نظير ما اذا لم يكن الكون المفروض بحرام اصلا بان لم يكن غصبيا او كان مع الجهل به موضوعا او حكما قصورا لا تقصيرا كما سلف جملة من البحث عنه‏ (إلّا انه اذا لم يكن الاضطرار اليه) اى الى ارتكاب الحرام‏ (بسوء الاختيار) كمن يتوسط ملك الغير مع عدم رضاه مختارا فى دخوله عامدا في تصرفه ثم يندم فيضطر الى الخروج تخلصا فهذا المكلف يصدق عليه انه مضطر الى ارتكاب الحرام و هو الخروج المستلزم للتصرف فى ملك الغير إلّا ان الاضطرار المزبور جاءه بسوء اختياره حيث اختار بادئا دخول الملك المزبور من دون اضطرار اليه‏ (بأن يختار ما يؤدى اليه) اى الى هذا الذى اضطر اليه اخيرا (لا محالة) قيد لقوله يؤدى اليه لان الدخول طبعا مما يؤدى الى ارتكاب الخروج و لو كان داعى هذا الارتكاب قصد التخلص من الغصب‏ (فان الخطاب) اى خطاب المولى للمكلف‏ (بالزجر عنه) اى عن هذا التصرف الخروجى مثلا الذى اضطر الى ارتكابه و ان كان‏

406

بسوء اختياره للدخول اولا (حينئذ) اى حين اذ اضطر الى الخروج للتخلص من ورطة الغصب‏ (و ان كان ساقطا) لانه لغو من الحكيم فانه لا يقول للمشغول بالخروج من الغصب لا تخرج ناهيا له عن التخلص من الحرام‏ (إلّا انه) اى إلا ان مثل الخروج‏ (حيث يصدر عنه) اى عن المكلف حال كونه‏ (مبغوضا عليه) لكونه حتى حال الخروج يعدّ غصبا (و عصيانا لذاك الخطاب) و هو خطاب لا تدخل فى ملك الغير مع عدم رضاه‏ (و مستحقا عليه العقاب) لانه مرتكب جرم عن قصد و التفات‏ (لا يصلح) مع هذه الاوضاع‏ (لان يتعلق به الايجاب و هذا فى الجملة مما لا شبهة فيه و لا ارتياب و انما الاشكال فيما اذا كان ما اضطر اليه) مثل الخروج عن ملك الغير الحاصل‏ (بسوء اختياره) لانه اختار الدخول قاصدا عامدا (مما ينحصر به التخلص عن محذور الحرام كالخروج عن الدار المغصوبة فيما اذا توسطها بالاختيار في كونه) اى كون ما اضطر اليه بسوء اختياره كالخروج المزبور (منهيا عنه) لكونه غصبا و الغصب منهي عنه‏ (او مأمورا به) للتخلص من الحرام الذى هو واجب‏ (مع جريان حكم المعصية عليه) اى بأن يكون مع انه مأمور بالخروج مستحقا للعقاب للغصب‏ (او بدونه) بأن لا يكون مع مأموريته بالخروج مستحقا للعقاب‏ (فيه اقوال) عديدة (هذا) الذى سردناه بناء (على) القول ب (الامتناع) و عدم جواز الاجتماع و ان تعدد الجهات غير مجد بعد ان يكون الموجود الخارجى موجودا واحدا (و اما على القول بالجواز فعن ابى هاشم انه مأمور به) تحت عنوان وجوب التخلص من الحرام‏ (و منهى عنه) تحت عنوان انه غصب فلا يجوز و ان هذين العنوانين كافيان فى تعدد المعنون بهما (و اختاره الفاضل القمى ناسبا له الى اكثر المتأخرين و ظاهر الفقهاء و الحق انه منهي عنه بالنهى السابق) الموجود قبل الدخول‏ (الساقط) هذا النهي‏ (بحدوث الاضطرار اليه و) انه‏ (عصيان له) اى للنهى‏ (بسوء الاختيار) لاصل الدخول‏ (و لا يكاد يكون مأمورا به كما) انه لا يكون مأمورا به‏ (اذا لم يكن هناك)

407

(توقف عليه او) كان متوقفا عليه‏ (بلا انحصار به) بان كان للواجب مقدمات بعضها حرام و بعضها ليس بحرام فان اختيار المكلف للمقدمات المحرمة لا يصيّرها واجبة بالوجوب المقدمى بل تبقى على حرمتها كما ان الشى‏ء اذا لم يكن متوقفا عليه لا يترشح عليه شى‏ء مما هو غير متوقف عليه‏ (و ذلك ضرورة انه) اى المكلف‏ (حيث كان قادرا على ترك الحرام رأسا) و هو ترك الدخول فى ملك الغير اساسا (لا يكون عقلا معذورا فى مخالفته فيما) لو (اضطر الى ارتكابه بسوء اختياره و) فضلا عن انه لا يعذر فى مخالفته‏ (يكون معاقبا عليه كما اذا كان ذلك) الحرام‏ (بلا توقف عليه) لواجب‏ (او) كان مما يتوقف عليه لكن‏ (مع عدم الانحصار به) بان يكون لذى المقدمة مقدمات متعددة كل واحد منها طريق للتوصل اليه و كان بعضها حراما و بعضها الآخر غير حرام فانه مع اختياره للمقدمة الحرام يكون معاقبا كاختياره للحرام الغير المتوقف عليه واجب‏ (و لا يكاد يجدى توقف انحصار التخلص عن الحرام به) و انما لا يجدى لكون اصل ارتكابه للحرام كان بسوء اختياره و لم يكن مضطرا اليه‏ (ان قلت كيف لا يجديه) توقف انحصار التخلص عن الحرام به‏ (و) الحال ان‏ (مقدمة الواجب واجبة قلت انما تجب المقدمة) للواجب‏ (لو لم تكن محرمة و لذا لا يترشح الوجوب من الواجب الاعلى ما هو المباح من المقدمات دون المحرمة مع اشتراكهما) اى المباح و المحرم‏ (فى المقدمية) فليست المقدمية على اطلاقها مما توجب ترشح الوجوب على ما تعنون بها (و اطلاق الوجوب بحيث ربما يترشح منه الوجوب عليها مع انحصار المقدمة بها) اى بالمقدمة المحرمة (انما هو فيما اذا كان الواجب اهم من ترك المقدمة المحرمة) فعندئذ تنسلخ عنها الحرمة و يترشح عليها الوجوب احرازا لهذا الواجب الاهم‏ (و المفروض هاهنا) اى فيما نحن فيه‏ (و ان كان ذلك) اى منحصرا فى المقدمة المحرمة (إلّا انه) اى الانحصار (كان بسوء الاختيار) من المكلف لاصل الدخول فى الدار (و معه) اى مع سوء الاختيار (لا يتغير)

408

(عما هو عليه من الحرمة و المبغوضية و إلّا) اى لو كان يتغير عما هو عليه لاجل الاضطرار العارضى‏ (لكانت الحرمة) اى حرمة اىّ شي‏ء يفرض‏ (معلقة على ارادة المكلف و اختياره لغيره) اى لغير الحرام اى متى اختار المكلف غير الحرام يبقى الحرام على حرمته‏ (و عدم حرمته مع اختياره) اى و متى اختار الحرام نفسه لا تبقى له حرمة (و هو كما ترى) باطل اشد البطلان فان الحرام و غير الحرام لا يرتبطان بارادة المكلف و اختياره بل هما على ما هما عليه من ناحية من حرّم المحرم و لم يحرّم غيره‏ (مع انه خلاف الفرض و ان الاضطرار يكون بسوء الاختيار) اى مع ان تابعية كون المحرم محرما لارادة المكلف غيره و كونه غير محرم لارادته اياه خلاف الفرض اذ مفروضنا ان الاضطرار الى المحرم- مثل الخروج عن الدار المغصوبة- كان بسوء اختيار المكلف لاصل الدخول المنجر الى الخروج لا ان الاضطرار كان من بدئه الى اصل العمل المزبور و لا ان الخروج و نظائره مما كان عن ارادة المكلف و اختياره اياه من غير اضطرار اليه و نفس تقييدنا للاضطرار بكونه عن سوء الاختيار كاف فى الدلالة على الحرمة لان كونه عن سوء اختيار يقتضى كونه حراما و إلّا لما صدق انه من سوء الاختيار بل من حسنه و الكلام خارج الفرض مما لا مجال له:

(ان قلت: ان التصرف فى ارض الغير بدون اذنه بالدخول و البقاء) فيها (حرام بلا اشكال و لا كلام و اما التصرف بالخروج الذى يترتب عليه رفع الظلم و يتوقف عليه التخلص عن التصرف الحرام فهو ليس بحرام فى حال من الحالات) سواء كان هذا الخروج فرضي الوجود مثل التكلم عليه قبل حصول الدخول او محقق الوجود مثل التكلم عليه حينه‏ (بل حاله) اى حال الخروج‏ (حال مثل شرب الخمر المتوقف عليه النجاة من الهلاك فى الاتصاف بالوجوب) تقديرا و تحقيقا (في جميع الاوقات) قبل الوقوع فى الهلاك بفرض النجاة منه بسبب شرب الخمر او حينه بفرض النجاة منه بسببه ايضا (و منه ظهر المنع عن كون جميع)

409

(انحاء التصرف فى ارض الغير) حتى الخروج بعد الدخول‏ (مثلا حراما قبل الدخول و انه) اى المكلف‏ (يتمكن من ترك الجميع) اى جميع الانحاء (حتى الخروج) قبل الدخول‏ (و ذلك لانه لو لم يدخل) اى لو لم يكن متمكنا من الدخول‏ (لما كان متمكنا من الخروج و تركه) اى و ترك الخروج باختيار البقاء فيها (و ترك الخروج بترك الدخول رأسا ليس فى الحقيقة الا ترك الدخول فمن لم يشرب الخمر لعدم وقوعه فى المهلكة التى يعالجها به مثلا لم يصدق عليه إلّا انه لم يقع فى المهلكة لا انه مما ما شرب الخمر فيها الا على نحو السالبة المنتفية بانتفاء الموضوع كما لا يخفى و بالجملة) تلخيص بعد تفصيل‏ (لا يكون الخروج بملاحظة كونه مصداقا للتخلص عن الحرام او سببا له) اى للتخلص ايضا (الا مطلوبا و يستحيل ان يتصف بغير المحبوبية و يحكم عليه بغير المطلوبية: قلت) فى الجواب عن هذا الاشكال‏ (هذا غاية ما يمكن ان يقال في تقريب الاستدلال على كون ما انحصر به التخلص مأمورا به) و ليس بحرام و لا معاقبا عليه‏ (و هو موافق لما افاده شيخنا العلامة أعلى اللّه مقامه على ما فى تقريرات بعض.

الاجلة لكنه لا يخفى ان ما به التخلص عن فعل الحرام) مثل البقاء فى الدار المغصوبة فان الخروج عنها تخلص عن فعله‏ (او ترك الواجب) كالكون فى المكان المباح فانه واجب و التخلص عن ترك هذا الواجب انما يكون بالخروج عن الدار المغصوبة ايضا (انما يكون حسنا عقلا و مطلوبا شرعا بالفعل) اى نقدا و فى الحال الحاضر (و ان كان قبيحا ذاتا) اى فى نفسه و ذاته لو لا العوارض التى تسلخه عن حكم ذاته و تلبسه حكم العارض الطارئ‏ (اذا لم يتمكن المكلف من التخلص بدونه و لم يقع بسوء اختياره) فكأن المصنف يرى فى كونه حسنا عقلا و مطلوبا شرعا بالفعل لزوم شرطين احدهما عدم التمكن من التخلص بدونه و الثانى ان لا يكون اصل الفعل المنجر الى لزوم التخلص منه مما ارتكبه المكلف بسوء اختياره فاذا وقع المكلف مختارا بسوء

410

اختياره‏ (اما فى الاقتحام فى ترك الواجب) و هو ترك الكون فى المكان المباح‏ (او فعل الحرام) و هو البقاء فى الدار المغصوبة (و اما فى الاقدام على ما هو قبيح و حرام لو لا ان به التخلص) و هو الخروج عن الدار المغصوبة (بلا كلام) قيد لقوله ما هو قبيح و حرام اى ان الخروج من الدار المغصوبة باعتبار كونه تصرفا فيها ايضا قبيح و حرام لو لا ان التخلص لا يكون إلّا به‏ (كما هو المفروض في المقام) اى ان المفروض فى المقام هو عدم تمكن المكلف من التخلص بدونه اذا لم يكن اصل الفعل بسوء اختياره و إلّا فهو متمكن و لو بواسطة تمكنه من عدم الدخول اولا (ضرورة تمكنه منه) اى من التخلص من الحرام‏ (قبل اقتحامه فيه بسوء اختياره و بالجملة كان قبل ذلك) اى قبل الدخول‏ (متمكنا من التصرف خروجا كما يتمكن منه دخولا غاية الامر يتمكن منه) اى من الدخول‏ (بلا واسطة و منه) اى من الخروج‏ (بالواسطة) اى بواسطة تمكنه من الدخول المنجر اليه‏ (و مجرد عدم التمكن منه) اى من الخروج‏ (الا بواسطة لا يخرجه عن كونه مقدورا كما هو الحال فى البقاء) فى الدار (فكما يكون تركه) اى ترك البقاء فيها (مطلوبا فى جميع الاوقات) حتى قبل الدخول اليها (فكذلك الخروج) منها مطلوب في جميع الاوقات حتى قبل الدخول اليها (مع انه) اى الخروج‏ (مثله) اى مثل البقاء (فى الفرعية على الدخول فكما لا تكون الفرعية مانعية عن مطلوبيته) اى مطلوبية ترك البقاء (قبله و بعده) اى قبل الدخول و بعده‏ (كذلك لم تكن) الفرعية (مانعة عن مطلوبيته) اى مطلوبية ترك الخروج لانه تصرف غصبى‏ (و ان كان العقل يحكم بلزومه) اى بلزوم الخروج‏ (ارشادا الى اختيار اقل المحذورين و اخف القبيحين) و هو الخروج بالنسبة الى البقاء (و من هنا ظهر حال شرب الخمر علاجا و تخلصا عن المهلكة و انه انما يكون مطلوبا على كل حال لو لم يكن الاضطرار اليه) اى الى شرب الخمر (بسوء الاختيار) بأن جرّ الى نفسه باختياره ما لا ينجع معه إلا شرب‏