عمدة الأصول‏ - ج3

- السيد محسن الخرازي المزيد...
551 /
3

بسم اللّه الرحمن الرّحيم‏

4

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

5

[تتمة] مقصد الأوّل في الأوامر

الفصل الخامس: في أنّ الأمر بالشي‏ء هل يستلزم النهي عن ضدّه أو لا؟

و يقع الكلام في امور:

الأمر الأوّل: في أنّ هذه المسألة هل تكون من المسائل الاصوليّة أو الفقهيّة أو المبادئ الأحكاميّة.

ذهب بعض إلى أنّها فقهيّة بدعوى أنّ البحث فيها عن ثبوت الحرمة لضدّ الواجب و عدم ثبوت الحرمة، و هو بحث فقهيّ لا اصوليّ.

و لكن يرد عليه أنّ البحث فيها عن ثبوت الملازمة بين وجوب شي‏ء و حرمة ضدّه و عدمها، و لا صلة للبحث عن وجود الملازمة و عدمها بالبحث عن أفعال المكلّف و عوارضه حتّى تكون المسألة مسألة فقهيّة. هذا مضافا إلى أنّ المباحث الفقهيّة ينظر ما فيها لا ما بها، لأنّ نتيجة البحث في المسألة الاصوليّة تقع في طريق الاستنباط أو تصير مرجعا للمجتهد عند اليأس عن الدليل الاجتهاديّ، هذا بخلاف نتائج الفقهيّة فإنّها نفس الحكم و لا تقع في طريق الاستنباط.

و ذهب بعض إلى أنّ هذه المسألة من مبادئ الأحكام بدعوى أنّ القدماء من الأصحاب كانوا يذكرون في كتبهم الاصوليّة نبذا من المبادئ اللّغويّة و نبذا من‏

6

المبادئ العقليّة، كالبحث عن الحسن و القبح و نبذا من المبادئ الأحكاميّة، و المراد منها هي المسائل التي تكون محمولاتها من عوارض الأحكام التكليفيّة أو الوضعيّة كتضادّ الأحكام و ملازمة بعضها لبعض. و لذلك قال في نهاية الاصول بعد اختيار كون المسألة من مبادئ الأحكام: حيث إنّ الموضوع في علم الاصول عبارة عمّا هو الحجّة على الأحكام الشرعيّة، احتاج الاصوليّ من جهة زيادة البصيرة إلى البحث عن أقسام الأحكام الشرعيّة و البحث عن لوازمها و ملازماتها و ملزوماتها (1).

فالبحث عن مبادئ الأحكام لازدياد البصيرة بالنسبة إلى الأحكام، و لكن يرد عليه أنّ المسألة بعد صلاحيّتها لكونها معنونة بجهتين توجب كلّ واحدة منهما تعنونها بعنوان مستقلّ، فإدراجها في مبادئ الأحكام بجهة لا يضرّ بكونها من المسائل الاصوليّة أيضا بجهة اخرى.

فمن حيث كون الملازمة بين طلب أحد الضدّين و طلب ترك الآخر من عوارض وجوب أحد الضدّين يمكن إدراجها في مبادئ الأحكام، لأنّ البحث فيها عن عوارض طلب أحد الضدّين. و من حيث أنّ نتيجة البحث عن الملازمة تقع في طريق الاستنباط يصلح أن تدرج في المسائل الاصوليّة.

و كيف كان، فالمسألة ذات جهتين، فلا ينافي إدراجها من جهة في مبادئ الأحكام إدراجها في المسائل الاصوليّة باعتبار جهة اخرى.

و ما ذكرناه في الجواب اولى ممّا في المحاضرات من أنّ المبادئ لا تخلو من التصوّريّة و التصديقيّة و لا ثالث لهما، و المبادئ التصوّريّة هي لحاظ ذات الموضوع أو المحمول و ذاتيّاته، و البحث عن مسألة الضدّ لا يرجع إلى ذلك. و المبادئ التصديقيّة هي المقدّمة التي يتوقّف عليها تشكيل القياس، و منها المسائل الاصوليّة، فإنّها مبادئ‏

____________

(1) نهاية الاصول: 1/ 206.

7

تصديقيّة بالإضافة إلى المسائل الفقهيّة لوقوعها في كبرى قياساتها و لا تعقل المبادئ الأحكاميّة في مقابل المبادئ التصوّريّة و التصديقيّة (1).

لما عرفت من أنّ مسألة الملازمة مع كونها من المبادئ التصديقيّة ذات جهتين، فلا مانع من إدراجها من جهة في مبادئ الأحكام كما عرفت. و عليه، فدعوى عدم معقوليّة صلاحيّتها لكونها من المبادئ الأحكاميّة من جهة اخرى كما ترى.

و كيف كان، فلا مانع من كون البحث عن وجود الملازمة بين طلب أحد الضدّين و طلب ترك الضدّ الآخر من المسائل الاصوليّة لقابليّتها لأن تقع في طريق الاستنباط.

ربّما يقال: لا يترتّب أثر شرعيّ على نفس ثبوت الملازمة بين وجوب شي‏ء و حرمة ضدّه لتكون المسألة اصوليّة، إذ المسألة الاصوليّة هي التي تكون واسطة في إثبات المحمولات الشرعيّة بالنسبة إلى موضوعاتها، من دون حاجة إلى ضمّ كبرى اصوليّة اخرى، و ليس لنفس المسألة حكم شرعيّ.

و أمّا حرمة الضدّ فهي و إن ثبتت من ناحية ثبوت تلك الملازمة إلّا أنّها حرمة غيريّة، فلا تصلح لأن تكون ثمرة للمسألة الاصوليّة إلّا إذا ثبتت الملازمة بين النهي الغيريّ و الفساد الشرعيّ، كما يستلزم النهي النفسيّ له، و هو أوّل الكلام.

و أجاب عنه في المحاضرات بأنّه يكفي لكون المسألة اصوليّة ترتّب بنتيجة فقهيّة على أحد طرفيها و إن لم يترتّب على طرفها الآخر، و إلّا لزم خروج كثير من المسائل الاصوليّة عن علم الاصول، حتّى مسألة حجّيّة خبر الواحد فإنّه على القول بعدم حجّيّته لا يترتّب عليها أثر شرعيّ أصلا.

و مسألتنا هذه تكون كذلك، فإنّه تترتّب عليها نتيجة فقهيّة على القول بعدم‏

____________

(1) المحاضرات:/ 613.

8

ثبوت الملازمة، و هي صحّة الضدّ العباديّ.

و أمّا الحكم بفساده على القول الآخر فهو يتوقّف على استلزام النهي الغيريّ للفساد، كما يستلزم النهي النفسيّ‏ (1).

و عليه، يستكشف صحة الضدّ العباديّ من ناحية عدم ثبوت الملازمة بجعله في طريق الاستنباط، كما يستكشف الحكم الشرعيّ من ناحية ثبوت حجّيّة الخبر بجعلها في طريق الاستنباط.

الأمر الثاني: في أنّ هذه المسألة الاصوليّة هل تكون من المسائل العقليّة أو اللّفظيّة؟

و الذي ينبغي أن يقال: هو الأولى، و إن ذهب بعض إلى الثانية، و ذلك لأنّ البحث لا يختصّ بصورة ثبوت الأمر بلفظ و نحوه. هذا مضافا إلى أنّ الفرض من الاستلزام ليس إلّا في عالم الثبوت و الواقع، و الحاكم بالملازمة ليس إلّا العقل و لا صلة بدلالة اللّفظ أبدا.

و عليه، فجعل البحث لفظيّا غير وجيه و لا حاجة إلى تعميم العنوان حتّى يشمل سائر الأقوال المبتنية على اللفظ بعد كونها واضحة البطلان، إذ لا معنى للدلالة المطابقيّة في الضدّ الخاصّ، و إن أمكن تصويره في الضدّ العامّ بأن يقال إنّ الأمر بالشي‏ء طلب لترك تركه مع أنّه لا موجب لتعلّق الإرادة بشي‏ء واحد مرّتين و هكذا لا معنى للدلالة التضمّنيّة مع كون المفروض أنّ الوجوب بسيط و ليس مركّبا من طلب الشي‏ء و المنع من الترك، و أيضا لا دلالة بالدلالة الالتزاميّة للأمر بالشي‏ء على حرمة ضدّه، لأنّ الشرط في الدلالة الالتزاميّة هو أن يكون اللازم بيّنا بالمعنى الأخصّ، و هو

____________

(1) المحاضرات 3: 7.

9

غير حاصل لإمكان الغفلة حين وجوب شي‏ء عن حرمة ضدّه، هذا مضافا إلى أنّ محلّ البحث لا يختصّ بالطلب المستفاد من الألفاظ.

و كيف كان، فذكر هذه المسألة في مباحث الألفاظ مع كونها من المسائل العقليّة لعلّه لعدم إفراد باب في الاصول للمسائل العقليّة، و تناسب هذا البحث بباب الألفاظ من جهة غلبة كون الواجبات مفاد الأوامر اللفظيّة.

الأمر الثالث: أنّ المراد من الضدّ في المقام ليس الضدّ المنطقيّ حتّى يختصّ بالضدّ الوجوديّ فإنّ الضدّين هناك هما أمران وجوديّان لا يجتمعان في محلّ واحد.

بل المراد من الضدّ هنا هو الضدّ الاصوليّ، و هو مطلق ما يعاند الشي‏ء و ينافيه و لو كان أمرا عدميّا كنقيض الشي‏ء، أعني عدمه. و بهذه المناسبة يطلق على ترك كلّ ضدّ كالصلاة و الإزالة في وقت واحد ضدّ عامّ مع أنّه نقيضهما، و إنّما سمّي عامّا لملاءمة ترك كلّ ضدّ مع اجتماعه مع واحد من الأضداد الخاصّة، فترك الإزالة مثلا يلائم و يجتمع مع الصلاة و الأكل و الشرب و سائر الأفعال، بل السكنات، و هكذا ترك الصلاة يجتمع مع الإزالة و سائر الأفعال و السكنات: كما أنّ الضدّ الخاصّ هو الذي لا يلائم و لا يجتمع مع غيره من الأضداد الوجوديّة أو عليه، فالضدّ الاصوليّ الذي هو مطلق ما يعاند الشي‏ء على قسمين: الضدّ العامّ، و الضدّ الخاصّ؛ و دعوى الاستلزام تجري في كلّ واحد منهما.

الأمر الرابع: أنّ محلّ النزاع ليس في الواجبين الموسّعين.

إذ لا مزاحمة بينهما، كما أنّه ليس في الواجبين المضيّقين الذين لا أهمّ بينهما، إذ من المعلوم أنّ الحكم فيهما هو التخيير، فالنزاع فيما إذا كان أحدهما موسّعا و الآخر مضيّقا،

10

أو كانا مضيّقين و كان أحدهما أهمّ من الآخر.

الأمر الخامس: في استدلال القوم على استلزام طلب الشي‏ء و الأمر به للنهي عن ضدّه:

و يقع الكلام في مقامين:

المقام الأوّل: في الضدّ الخاصّ، و قد استدلّوا عليه بوجوه.

الوجه الأوّل: أنّ ترك الضدّ الخاصّ مقدّمة للضدّ الآخر، و حيث إنّ مقدّمة الواجب واجب فترك الضدّ الخاصّ واجب، فإذا كان ترك الضدّ واجبا كان فعله محرّما و هو المطلوب، إذ نتيجة القياس هي أنّ الأمر بالشي‏ء أو إرادته يستلزم النهي عن ضدّه.

و هذا الاستدلال مركّب من امور:

أحدها مقدّميّة ترك الضدّ، و ثانيها وجوب المقدّمة، و ثالثها استلزام الأمر بترك الضدّ لحرمة نفس الضدّ.

أمّا المقدّمة الاولى: فلأنّ الضدّين متمانعان، و معنى المخالفة أنّ وجود كلّ واحد مانع لوجود الآخر. و عليه، يتوقّف وجود كلّ ضدّ على عدم وجود الضدّ الآخر؛ و من المعلوم أنّ عدم المانع من مقدّمات الوجود، كما أنّ الشروط و المقتضي من مقدّماته، و مقتضى تقدّم أجزاء العلّة و تأثيرها في وجود المعلول هو تقدّم عدم المانع و تأثيره في وجود الضدّ. و عليه، فعدم الضدّ الّذي هو عدم المانع من مقدّمات وجود الضدّ للآخر و مؤثّر فيه.

و أمّا المقدّمة الثانية: فقد تقدّم في مسألة مقدّمة الواجب دعوى الملازمة بين إرادة ذي المقدّمة و إرادة مقدّماته شرعا.

و أمّا المقدّمة الثالثة: بدعوى أنّ نفس تصوّر الوجوب و الإلزام يكفي في تصوّر

11

النهي عن الترك و الحرمة، أو بدعوى أنّ إرادة تشريعيّة بشي‏ء كعدم الضدّ التي عبّر عنها بالوجوب مستلزمة لكراهة فعل الضدّ مع الالتفات إليه.

هذا غاية ما يمكن في تقريب الاستدلال، و لكن اورد على المقدّمة الاولى إشكالات:

منها ما ذكر سيّدنا الاستاذ المحقّق الداماد (قدّس سرّه) من أنّ عدم المانع أمر عدميّ لا يمكن أن يكون مؤثّرا في شي‏ء، إذ لا حظّ له من الوجود حتّى به يؤثّر، فلا يمكن أن يكون العدم من مقدّمات وجود الضدّ الآخر، إذ لا يكون العدم منشأ للأثر و المقدّمة الوجوديّة مؤثّرة في وجود ذيها. و عليه، فلا يكون عدم الضدّ واجبا بالوجوب المقدّميّ حتّى يكون نفس الضدّ محرّما.

و مما ذكر يظهر أنّ عدّ عدم المانع من أجزاء العلّة مسامحة جدّا، إذ العدم لا يؤثّر في شي‏ء، بل معناه يؤول إلى أنّ مقتضى وجود المانع يزاحم تأثير مقتضى الوجود في الضدّ الآخر، مثل الرطوبة تزاحم تأثير مقتضى الإحراق و هو النار.

و عليه، يكون التزاحم في الواقع بين المقتضيين كتزاحم الرطوبة مع تزاحم النار.

و ما قرع سمعك من أنّ تأثير المقتضى يتوقّف على عدم المانع، ليس معناه أنّ عدم المانع مؤثّر، بل معناه أنّ مع وجود مقتضي وجود المانع و غلبته لا يؤثّر مقتضي الوجود في الضدّ الآخر، فعبّروا عن مزاحمة المقتضيات و التمانع بين الوجودات بأنّ عدم المانع من أجزاء العلّة، فالعدم لا يتّصف بالجزئيّة و لا يصير علّة و لا جزءها، كما لا يخفى.

و لقد أفاد و أجاد سيّدنا الإمام المجاهد (قدّس سرّه) حيث قال: إنّ التوقّف مطلقا باطل فيهما، لأنّ العدم ليس بشي‏ء بل باطل محض، فلا يمكن أن يكون دخيلا في تحقّق شي‏ء أو متأثّرا من شي‏ء، فما لا شيئيّة له يسلب عنه بالسلب التحصيليّ جميع الامور الثبوتيّة، و لا شكّ في أنّ التوقّف من طرف الموقوف و الموقوف عليه ثبوتيّ، و ثبوته له‏

12

فرع ثبوت المثبت له، بل ثبوت كلّ شي‏ء لشي‏ء فرع ثبوته، فما لا شيئيّة له لا تقدّم له و لا تأخّر و لا مقارنة، فكلّ الحيثيّات مسلوبة عنه سلبا تحصيليّا، لا بمعنى سلب شي‏ء عن شي‏ء، بل السلب عنه من قبيل الإخبار عن المعدوم المطلق بأنّه لا يخبر عنه لأجل التوسّل بالعناوين المتحصّلة في الذهن.

و ما في بعض التعليقات من أنّ عدم الضدّ من مصحّحات قابليّة المحلّ لقبول الضدّ لعدم قابليّة الأبيض للسواد و لا الأسود للبياض و أنّ القابليّات و الاستعدادات و الإضافات و أعدام الملكات و إن كان لا مطابق لها في الخارج لكنّها من الامور الانتزاعيّة و حيثيّات و شئون لامور خارجيّة و ثبوت شي‏ء لشي‏ء لا يقتضي أزيد من ثبوت المثبت له بنحو يناسب ثبوت الثابت.

فيه ما لا يخفى، لأنّ قابليّة المحلّ من شئونه في وجوده من غير دخالة عدم شي‏ء فيها، فالجسم قابل للسواد كان موصوفا بالبياض أو لا، و لا يتوقّف قابليّته له على عدمه و عدم قبوله في حال اتّصافه به لأجل التمانع بين الوجودين لا لتوقّف القابليّة على عدم الضدّ، ضرورة أنّ العدم و اللاشي‏ء لا يمكن أن يكون مؤثّرا في تصحيح القابليّة بل لا يكون شأن الامور الخارجيّة و لا منتزعا منها، فما اشتهر بينهم من أنّ للأعدام المضافة حظّا من الوجود كلام مسامحيّ، لأنّ العدم لا يمكن أن يكون مضافا و لا مضافا إليه، و الإضافة بينه و بين الوجود إنّما هي في ظرف الذهن بين عنوان العدم و الوجود لا بين العدم حقيقة و الوجود- إلى أن قال:- و ما في كلام المحشّي المحقّق من التسوية بين القابليّات و الاستعدادات و الإضافات و أعدام الملكات لم يقع في محلّه، كيف و القابليّات و الاستعدادات بل و الإضافات لها نحو وجود بخلاف أعدام الملكات فإنّ لملكاتها نحو تحقّق لا لحيثيّة الأعدام‏ (1).

____________

(1) مناهج الوصول: 2/ 14- 15.

13

و لقد أفاد و أجاد (رحمه اللّه) و حشره مع الأبرار، و مقتضى ما ذكر عدم صحّة توصيف العدم بالمقدّميّة كما لا يتّصف بالجزئيّة و نحوها. لا يقال: إنّ أعدام الملكات كعدم البصر ممّن له شأنيّة البصر لها منشأ الانتزاع الخارجيّ كالقابليّات و الاستعدادات. لأنّا نقول: ليس في الخارج إلّا الوجود بناء على أصالة الوجود، فلا منشأ لانتزاع العدم. نعم، قصور الوجود مع قابليّته لشي‏ء يكون منشأ لانتزاع أعدام الملكات، و لكن غير خفيّ أنّ القصور ليس عدميّا.

و منها ما أفاده صاحب الكفاية (قدّس سرّه)، و حاصله كما في تعليقة المحقّق الأصفهانيّ أنّه لا تقدّم و لا تأخّر بين الضدّين بما هما ضدّان، فنقيض أحدهما و هو العدم البديل للوجود أيضا لا تقدّم له على وجود الآخر، و هذا معنى كونهما في مرتبة واحدة، انتهى.

و توضيح ذلك كما في المحاضرات أنّ المنافرة و المعاندة بين الضدّين كما تقتضي استحالة اجتماعهما في التحقيق و الوجود في زمن واحد كذلك تقتضي استحالة اجتماعهما في مرتبة واحدة، فإذا استحال اجتماعهما في مرتبة واحدة كان عدم أحدهما في تلك المرتبة ضروريّا و إلّا فلا بدّ أن يكون وجوده فيها كذلك لاستحالة ارتفاع النقيضين عن الرتبة؛ مثلا البياض و السواد متضادّان، و قضيّة مضادّة. أحدهما مع الآخر و معاندتهما استحالة اجتماعهما في الوجود في موضوع و في آن واحد أو رتبة واحدة، فكما أنّ استحالة اجتماعهما في زمان واحد تستلزم ضرورة عدم أحدهما في ذلك الزمان كذلك استحالة اجتماعهما في رتبة واحدة تستلزم ضرورة عدم واحد منهما في تلك الرتبة لاستحالة ارتفاع النقيضين عن المرتبة أيضا، بأن لا يكون وجوده في تلك المرتبة و لا عدمه، و إذا استحال تحقّقهما في مرتبة فلا محالة يكون عدم أحدهما في تلك المرتبة واجبا مثلا عدم البياض في مرتبة وجود السواد و كذلك عدم السواد في مرتبة وجود البياض ضروريّ، كيف و لو لم يكن عدم البياض في تلك المرتبة يلزم أحد

14

محذورين‏ (1).

و عليه، فلا تقدّم لعدم أحدهما على وجود الآخر؛ فإذا لم يكن تقدّم لعدم البديل بالنسبة إلى وجود الضدّ الآخر فلا يكون عدم الضدّ من المقدّمات حتّى يندرج في وجوب المقدّمات و ينتهي وجوب عدم الضدّ إلى النهي عن الضدّ.

اورد عليه أوّلا: بأنّ العدم البديل لا يقتضي أن يكون في رتبة الوجود، إذ المسلّم من الوحدات المعتبرة في التناقض هي الوحدات الثمانية و هذه ليست منها.

و عليه فنقيض كلّ شي‏ء رفعه؛ فالبياض في مرتبة سواد الشي‏ء نقيضه رفعه، و هو عدم البياض الذي في مرتبة سواد الشي‏ء، على أن يكون قيد المرتبة قيدا للبياض الذي هو مسلوب لا للسلب و هو العدم، فلا وجه لتخصيص العدم بمرتبة وجود الضدّ الآخر.

و ثانيا: أنّ كلّ ما هو متّحد مع المتقدّم في الرتبة أو المقارن فيها أو مع المتأخّر فيها لا يلزم أن يكون نقيضه أيضا كذلك لأنّ صرف كون عدم الضدّ بديلا لعين الضدّ لا يقتضي أن يكون في رتبته، بل يجوز أن يتقدّم عليه أو يتأخّر عنه. طبعا بشهادة أنّ الشرط وجوده متقدّم بالطبع على وجود مشروطه، و لا تقدّم لعدمه على وجود الشروط بالطبع، و هكذا العلّة متقدّمة على وجود المعلول رتبة، و ما هو متّحد معها في الرتبة- أعني العدم البديل لها- لا يكون متقدّما على وجود المعلول.

و أيضا المعلول متأخّر عن العلّة رتبة، و ما هو متّحد معه و هو عدم البديل له لا يكون متأخّرا عن العلّة الموجودة، مع أنّ عدم المعلول يكون في مرتبة وجود المعلول، و هكذا يكون للمعلولين لعلّة واحدة المعيّة في المرتبة، و مع ذلك لا يكون لنقيض أحدهما المعيّة مع الآخر.

____________

(1) المحاضرات: 3/ 20.

15

و السرّ في ذلك أنّ التقدّم و التأخّر بالرتبة و الطبع لا يكونان جزافا، بل يحتاج إلى الملاك، و هو تارة يختصّ بوجود الشي‏ء فلا يمكن الالتزام بهما في عدمه.

مثلا تقدّم العلّة على المعلول بملاك أنّ العلّة ما منه الوجود، بخلاف عدم العلّة فإنّه لا أثر له حتّى يكون له تقدّم رتبيّ. و هكذا يكون تقدّم الشرط على المشروط بملاك توقّف وجود المشروط على وجود الشرط، و ليس هذا الملاك في عدم الشرط.

و قس على هذا بقيّة الموارد. و كما أنّ التقدّم أو التأخّر لا يكون إلّا بملاك يقتضيه فكذلك المعيّة لا تكون إلّا بملاك يقتضيها، و لعلّه هو تقارن صدور المعلولين من علّة تامّة من جهة اجتماع شرائط التماميّة و القابليّة، و ليس هذا الملاك لنقيض أحدهما مع الآخر. هذا كلّه بالنسبة إلى المتّحد الرتبيّ.

و أمّا المتّحد الزمانيّ فكلّ ما هو متّحد مع التقدّم في الزمان كعدم البديل فهو متقدّم على المتأخّر لوجود الملاك فيه أيضا، و هو كونه في الزمان المتقدّم، و كلّ ما هو متّحد مع المتأخّر في الزمان فهو متأخّر أيضا بعين الملاك، و هو كونه في الزمان المتأخّر، لأنّ نقيض المتقدّم زمانا إذا فرض قيامه مقامه فلا بدّ أن يكون متقدّما بالزمان، كما أنّ نقيض المتأخّر زمانا إذا فرض قيامه مقامه فلا بدّ أن يكون متأخّرا بالزمان.

و بالجملة، فلا ملازمة بين انتفاء التقدّم في وجود الضدّين و بين انتفائه في نقيضهما، بل هو تابع لوجود الملاك و عدمه.

و عليه فمع عدم الملازمة لا يثبت عدم التقدّم لنقيض أحد الضدّين بالنسبة إلى الآخر، فلا يصلح هذا الجواب لردّ من جعل نقيض كلّ واحد من الضدّين مقدّمة لوجود الضدّ الآخر، اللّهم إلّا إذا قلنا كما مرّ آنفا، بأنّ العدم ليس فيه تقدّم و لا تأخّر و لا مقارنة و لا معيّة، لأنّ هذه الامور من خواصّ الوجود، و لا ملاك لهذه الامور في الأعدام، فلا وجه لجعل عدم كلّ واحد مقدّمة لضدّ الآخر.

16

و لكن ذهب المحقّق الأصفهانيّ (قدّس سرّه) إلى أنّ ملاك التقدّم في عدم الضدّ موجود و هو التقدّم بالطبع، حيث قال: ملاك التقدّم بالعلّيّة أن لا يكون للمعلول وجوب الوجود إلّا و للعلّة وجوبه، و ملاك التقدّم بالطبع أن لا يكون للمتأخّر وجود إلّا و للمتقدّم وجود، و لا عكس، فإنّه يمكن أن يكون للمتقدّم وجود و ليس للمتأخّر وجود، كالواحد و الكثير، فإنّه لا يمكن أن يكون للكثير وجود إلّا و الواحد موجود، و يمكن أن يكون الواحد موجودا و الكثير غير موجود، فما فيه التقدّم هنا هو الوجود و في التقدّم بالعلّيّة وجوب الوجود.

و منشأ التقدّم الطبعيّ تارة يكون المتقدّم من علل قوام المتأخّر كالجزء و الكلّ و الواحد و الاثنين فيسري إلى الوجود، فيكون التقدّم في مرتبة التقدّم الماهويّ تقدّما بالماهيّة و التجوهر، و في مرتبة الوجود تقدّما بالطبع، و اخرى كون المتقدّم مؤثّرا فيتقوّم بوجوده الأثر كالمقتضي بالإضافة إلى المقتضي، و ثالثه كون المتقدّم مصحّحا لفاعليّة الفاعل أو متمّما لقابليّة القابل كالشروط الوجوديّة و العدميّة، فكما أنّ الوضع و المحاذات مصحّح لفاعليّة النار في الإحراق مثلا كذلك خلوّ المحلّ عن الرطوبة متمّم لقابليّة المحلّ للاحتراق. و هكذا الأمر في السواد و البياض، فإنّ خلوّ الموضوع عن السواد متمّم لقابليّة الموضوع لعروض البياض، لعدم قابليّة الجسم الأبيض للسواد و الأسود للبياض- إلى أن قال-: و اتّضح ممّا ذكرنا في تحديد ملاك التقدّم بالطبع أنّ الصلاة و الإزالة لهما التقدّم و التأخّر بالطبع، فإنّه لا وجود للإزالة مثلا و إلّا فالصلاة غير موجودة، و كذا الصلاة بالإضافة إلى ترك الإزالة- إلى أن قال-: و أمّا ما يقال من أنّ العدم لا ذات له، فيكف يعقل أن يكون شرطا؟! لأنّ ثبوت شي‏ء لشي‏ء فرع ثبوت المثبت له، فمدفوع بأنّ القابليّات و الاستعدادات و الإضافات و أعدام الملكات كلّها لا مطابق لها في الخارج بل شئون و حيثيّات انتزاعيّة لامور موجودة؛ فعدم البياض في الموضوع الذي هو من أعدام الملكات كقابليّة الموضوع من الحيثيّات‏

17

الانتزاعيّة منه، فكون الموضوع بحيث لا بياض له هو بحيث يكون قابلا لعروض السواد، فمتمّم القابليّة كنفس القابليّة حيثيّة انتزاعيّة، و ثبوت شي‏ء لشي‏ء لا يقتضي أزيد من ثبوت المثبت له بنحو يناسب ثبوت الثابت‏ (1).

و فيه ما تقدّم من سيّدنا الإمام المجاهد (قدّس سرّه) من أنّ قابليّة المحلّ من شئونه في وجوده و لا دخالة للعدم فيها، فالجسم قابل للسواد كان موصوفا بالبياض أوّلا، و لا يتوقّف قابليّته له على عدمه و عدم قبوله للسواد في حال اتّصافه بالبياض لأجل التمانع بين الوجودين، لا لتوقّف القابليّة على عدم الضدّ، ضرورة أنّ العدم و اللّاشي‏ء لا يمكن أن يكون مؤثّرا في تصحيح القابليّة، بل لا يكون شأن الامور الخارجيّة و لا منتزعا منها. إلخ، فراجع.

فتحصّل أنّ عدم النقيض أو الضدّ في عين عدم اختصاصه بمرتبة النقيض أو الضدّ لا تقدّم له من أنواع التقدّم، فلا وجه لتعلّق الوجوب المقدّميّ إليه بعد عدم اتّصافه بالتقدّم و المقدّميّة.

و منها ما أفاده في الكفاية أيضا من استحالة كون عدم أحد الضدّين مقدّمة وجوديّة للضدّ الآخر للزوم الدور، إذ التمانع بينهما لو كان موجبا لتوقّف وجود كلّ منهما على عدم الآخر، من باب توقّف المعلول على عدم مانعة، لاقتضى ذلك توقّف عدم كلّ منهما على وجود الضدّ الآخر، من باب توقّف عدم الشي‏ء على وجود مانعة، فيلزم حينئذ توقّف وجود كلّ منهما على عدم الآخر و توقّف عدم كلّ منهما على وجود الآخر، و هو دور محال.

و اجيب عنه بأنّ توقّف وجود أحد الضدّين على عدم الآخر فعليّ، لأنّ الشي‏ء ما لم يوجب لم يوجد، فوجود أحد الضدّين حاك عن اجتماع مقتضيه مع الشرائط

____________

(1) نهاية الدراية: 2/ 5- 3.

18

و عدم المانع، و أمّا توقّف عدم الضدّ على وجود الآخر فهو شأنيّ لا فعليّ، فلا دور مع وجود التوقّف الفعليّ من طرف دون طرف آخر.

و الوجه في عدم توقّف عدم الضدّ على وجود الآخر فعلا أنّ عدمه يستند إلى عدم المقتضى له، لا إلى وجود المانع في طرف تحقّق المقتضي مع بقيّة الشرائط ليكون توقّفه عليه فعليّا، بل يستحيل تحقّق المقتضي له أصلا لأجل أن يكون وقوع أحد الضدّين في الخارج و عدم وقوع الآخر فيه منتهيا إلى تعلّق الإرادة الأزليّة بالأوّل و عدم تعلّقها بالثاني فلا مقتضي للثاني، إذ المفروض أنّ الحكمين المتضادّين ينتهيان إليه تعالى.

و عليه فيكون وجود أحدهما مرادا له تعالى، و الآخر- و هو عدم الضدّ- مستند إلى عدم إرادته تعالى لا إلى وجود المانع، و فرض انتهاء الإرادة إلى شخصين و كون كلّ منهما مريدا بحيث يكون عدم أحد الضدّين مستندا إلى وجود المانع لا إلى عدم المقتضي غير سديد، من جهة أنّ الأحكام لا تكون منتهية إلى الشخصين، بل منتهية إلى اللّه تعالى. هذا مضافا إلى أنّ عدم أحد الضدّين في فرض تعدّد المريد مستند إلى قصور المقتضي و مغلوبيّته لا إلى وجود الضدّ الآخر مع تماميّة المقتضي، و ذلك لأنّ الإرادة الضعيفة مع مزاحمتها بالإرادة القويّة لا تكون مؤثّرة في وجود المراد، و مع عدم تأثيرها في وجوده لا مقتضي له، و مع عدم المقتضي المؤثّر يكون عدم الضدّ مستندا إلى عدم المقتضي لا إلى المانع مع تماميّة المقتضي، فلا يلزم الدور. نعم لو تمّ المقتضي من جميع الجهات كان عدم الضدّ مستندا إلى وجود الضدّ الآخر.

أجاب صاحب الكفاية عن هذا بأنّه و إن كان صحيحا من جهة ارتفاع الدور به لعدم التوقّف الفعليّ من طرفين، و لكن لا يرفع ملاك الدور و هو تقدّم الشي‏ء على نفسه، إذ مقتضى توقّف وجود الضدّ على عدم الضدّ الآخر هو تقدّم عدم الضدّ على وجود الضدّ من جهة المرتبة، لكون عدم الضدّ من أجزاء علّة وجوده، و المفروض أنّ‏

19

علّة الشي‏ء متقدّمة عليه رتبة و إن كانت مقارنة له زمانا، فلو كان عدم الضدّ متوقّفا شأنا مع هذه الخصوصيّة على وجود الضدّ الآخر المتوقّف عليه كان مقتضاه هو تأخّر عدم الضدّ عن وجود الضدّ الآخر المتوقّف عليه، و تقدّم وجود الضدّ الآخر عليه لكونه في مرتبة العلّيّة بالنسبة إلى عدم الضدّ الآخر و لو شأنا. و لازم ذلك أنّ وجود الضدّ متقدّم على عدم الضدّ الآخر المتقدّم على وجود الضدّ، و يرجع ذلك إلى كون وجود الضدّ هو المتقدّم على المتقدّم على نفسه بواسطة، و ليس هو إلّا تقدّم الشي‏ء على نفسه بواسطة، و هو محال.

فتحصّل أنّ توقّف وجود الضدّ على عدم الضدّ الآخر لا يمكن لاستلزام التوقّف للمحال و هو الدور أو تقدّم الشي‏ء على النفس.

أورد عليه سيّدنا المحقّق الداماد (قدّس سرّه) بأنّ العدم لا يكون مشوبا بالوجود حتّى يحتاج إلى علّة و يكون صادرا عن شي‏ء أو يكون مؤثّرا في شي‏ء. و عليه فلا وجه لاستناد شي‏ء إليه، كما لا وجه لاستناده إلى وجود المانع. و ما اشتهر من أنّ عدم المعلول ناش من عدم العلّة مسامحة، لأنّ العدم ليس شيئا حتّى يحتاج إلى نشوئه عن علّة. و لعلّ مرادهم من هذه العبارة هو بيان الملازمة بين عدم العلّة و عدم المعلول، و إنّما عبّروا بذلك من باب ضيق الخناق. و كيف كان، فمع ما عرفت لا معنى لتوقّف وجود الضدّ على عدم الضدّ الآخر، كما لا وجه لتوقّف عدم الضدّ الآخر على وجود المانع حتّى يلزم الدور أو ملاك الدور من التوالي الفاسدة لتوقّف الضدّ على عدم الضدّ الآخر؛ فالأولى في الردّ على القول بمقدّميّة عدم الضدّ لضدّ الآخر هو الاكتفاء بما ذكرنا سابقا من أنّ عدم المانع أمر عدميّ لا حظّ له من الوجود حتّى به يؤثّر، فلا يمكن أن يكون من المقدّمات الوجوديّة فدعوى وجوبه بالوجوب المقدّميّ مكابرة.

و ممّا ذكر يظهر أنّه لا فرق في ذلك بين الضدّ الموجود و المعدوم، لأنّ عدم الضدّ في كلا الفرضين لا يشوب بالوجود و لا يترتّب عليه ما يترتّب على الوجود من‏

20

التقدّم و التأخّر و العلّيّة و المعلوليّة و نحوها، فوجود الضدّ ناش من تماميّة المقتضي و شرائطه و عدم الضدّ ملازم مع عدم تماميّة مقتضيه أو شرائطه، فلا تغفل.

حكي عن بعض الأعلام أنّه فصّل بين الضدّ الموجود و بين الضدّ المعدوم بدعوى أنّ المحلّ إمّا أن يكون خاليا عن كلّ من الضدّين و إمّا أن يكون مشغولا بأحدهما دون الآخر؛ فعلى الأوّل فالمحلّ قابل لكلّ منهما بما هو، مع قطع النظر عن الآخر، و قابليّة المحلّ لذلك فعليّة، فلا تتوقّف على شي‏ء، فعندئذ إذا وجد المقتضي لأحدهما فلا محالة يكون موجودا من دون توقّفه على عدم وجود الآخر.

و على الثاني فالمحلّ مشغول بالضدّ لا يقبل ضدّ الآخر في عرضه، بداهة أنّ المحلّ غير قابل بالذات لعروض كلا الضدّين معا. نعم يقبل الضدّ الآخر بدلا عنه.

و عليه، فلا محالة يتوقّف وجود الضدّ الآخر على ارتفاع الضدّ الموجود.

أجاب عنه في المحاضرات بأنّ مردّ هذا التفصيل إلى أنّ الأشياء محتاجة إلى العلّة و السبب في حدوثها لا في بقائها، فهي في بقائها مستغنية، و هو واضح البطلان.

بيان ذلك: أنّ الحادث إذا كان في بقائه غير محتاج إلى المؤثّر كان وجود الحادث المستغني عن العلّة مانعا عن حدوث ضدّه، فلا محالة يتوقّف حدوث ضدّه على ارتفاعه، و أمّا إذا كان الحادث محتاجا في بقائه إلى المؤثّر فإن لم يكن لضدّه مقتض فعدمه يستند إلى عدم مقتضيه، و إن كان له مقتض و لم يكن شرطه متحقّقا فعدمه يستند إلى عدم شرطه، و إن كان شرطه أيضا موجودا و مع ذلك كان معدوما فهو مستند إلى وجود مقتضي البقاء المانع من تأثير مقتضي ضدّه. إذن لا فرق بين الضدّ الموجود و غير الموجود في أنّ وجود الشي‏ء لا يتوقّف على عدم ضدّه، بل يتوقّف على عدم مقتضي ضدّه إذا كان مقتضي الشي‏ء و شرطه موجودا في الخارج‏ (1).

____________

(1) المحاضرات: 3/ 30.

21

و فيه أوّلا: أنّ نسبة ذلك إلى بعض الأعلام مع كونه من المحقّقين لا يناسب شأنه.

و ثانيا: أنّ التوقّف على عدم مقتضي ضدّه مع أنّه أمر عدميّ لا وجه له كما عرفت، فإنّ العدم لا شيئيّة له حتّى يتوقّف وجود الشي‏ء على العدم، بل وجود الضدّ في الفرض المذكور متوقّف على غلبة مقتضيه، فملاك الوجود هو غلبة المقتضي، فكلّ ضدّ غلب مقتضيه على مقتضي ضدّ الآخر فهو يوجب وجود معلوله و هو الضدّ، فكلّ ضدّ لم يوجد لم يكن مقتضيه غالبا و يكون عدمه من جهة عدم مقتضيه، و يكون وجوده متوقّفا على غلبة مقتضيه لا على أمر عدميّ و المقتضي المغلوب ليس بمقتض تامّ بالفعل، و لو كان مع قطع النظر عن الطرف الآخر تامّا، و الأشياء محتاجة في بقاء الوجود إلى بقاء المقتضي، فوجود الضدّ من ناحية تماميّة مقتضيه و عدم وجود ضدّه من ناحية عدم المقتضي و قصوره.

فالجواب عنه هو ما أشرنا إليه من أنّ عدم الضدّ لا شيئيّة له حتّى يكون متوقّفا عليه، و لا فرق في ذلك بين الضدّ الموجود و الضدّ المعدوم.

و هكذا أجاب عنه صاحب الكفاية بما اختاره من عدم سبقة عدم الضدّ على الضدّ الآخر من دون فرق بين الضدّ الموجود و المعدوم.

و أمّا المقدّمة الثانية: و هي دعوى الملازمة بين وجوب ذي المقدّمة و وجوب المقدّمات، ففيها أنّ المختار هي اختصاص الملازمة بين وجوب ذي المقدّمة و المقدّمات الموصلة. و عليه فترك الضدّ الواصل يكون واجبا دون غير الواصل، فمن لم يرد الإزالة و أراد الصلاة فترك الضدّ على تقدير عدم الإيصال لا يكون واجبا ليكون فعله محرّما.

و لذلك صحّح في الفصول الصلاة عند ترك الإزالة من هذا الطريق، كما نسب إليه في الوقاية حيث قال: و تخلّص (عن بطلان العبادة) من جهة تعلّق النهي في الفصول بما شيّده من تخصيصه المقدّمة الواجبة بالموصلة إذ ترك الضدّ حينئذ (أي‏

22

حين الإتيان بالصلاة و ترك الإزالة) لا يكون واجبا على تقدير عدم الإيصال ليكون فعله محرّما (1).

و أمّا المقدّمة الثالثة فسيأتي حكمها بعد ذكر الوجه الثاني إن شاء اللّه تعالى.

الوجه الثاني: استلزام الأمر بالشي‏ء للنهي عن الضدّ، و هو أنّ وجود الضدّ متلازم لترك الضدّ الآخر، و المتلازمان لا يمكن اختلافهما في الحكم بأن يكون أحدهما واجبا و الآخر محرّما. و عليه، فإذا كان أحد الضدّين واجبا فلا محالة يكون ترك الآخر أيضا واجبا، و إلّا لكان المتلازمان مختلفين في الحكم، و هو مستلزم للخلف أو المحال؛ فإذا كان ترك الآخر واجبا ففعل الآخر يكون محرّما و هو المطلوب من استلزام الأمر بالشي‏ء للنهي عن ضدّه.

و هذا الوجه أيضا مركّب من ثلاث مقدّمات:

الاولى: دعوى التلازم بين وجود كلّ ضدّ و عدم الضدّ الآخر.

الثانية: دعوى لزوم أن يكون المتلازمان محكومين بحكم واحد.

الثالثة: دعوى أنّ الأمر بالشي‏ء مستلزم للنهي عن ضدّه.

يستدلّ للاولى على ما في مناهج الوصول بأنّ الضدّ لا يصدق مع ضدّه لبطلان اجتماعهما، فإذا لم يصدق هو فلا بدّ من صدق نقيضه لبطلان ارتفاع النقيضين، و لمّا لم يمكن الصدق الذاتيّ بين الوجود و العدم فلا بدّ و أن يكون عرضيّا بنحو التلازم في الصدق، و هو المطلوب‏ (2).

أورد عليه سيّدنا الإمام المجاهد بأنّ نقيض صدق إحدى العينين على الاخرى عدم صدقها عليها على نعت السلب التحصيليّ لا الإيجاب العدوليّ و إلّا لزم ارتفاع‏

____________

(1) الوقاية:/ 299.

(2) مناهج الوصول: 2/ 17.

23

النقيضين، ضرورة كذب الإيجاب العدوليّ أيضا للزوم كون العدم صادقا على الوجود و متلازما معه فيه.

هذا مع أنه لا شيئيّة له (أي العدم) حتّى يكون ملازما لشي‏ء، مضافا إلى أنّ التلازم في الوجود يقتضي عروض الوجود للمتلازمين فيلزم اجتماع النقيضين؛ فالغلط ناشئ من عدم اعتبار الحيثيّات و تقديم الحمل على السلب و عدم التفريق بين السوالب المحصّلة و الموجبات المعدولة، و كم له من نظير (1).

و الظاهر أنّ مقصود المستدلّ هو دعوى الملازمة بين وجود شي‏ء و عدم ضدّه، و هو أمر لا سترة فيه، إذ وجود الإزالة ملازم لعدم ضدّها و هو الصلاة.

و الظاهر الملازمة بينهما كما ترى. نعم، لا يكون عدم الضدّ شيئا في الخارج و إنّما هو أمر ذهنيّ ينتزع من عدم مقتضيه كانتزاع عدم المعلول من عدم علّته، و هو يرجع إلى الملازمة بين عدم المقتضي و عدم معلوله كالملازمة بين عدم العلّة و عدم معلولها؛ فكما أنّ دعوى الملازمة بين الأعدام لا تحتاج إلى وجودهما كذلك دعوى الملازمة بين وجود الضدّ و عدم الضدّ الآخر لا تحتاج إلى وجودهما، بل يكفي وجود الضدّ الموجود للملازمة بينه و بين عدم الضدّ الآخر.

و لم يدع المستدلّ التلازم في الوجود، بل ادّعى التلازم بين وجود الضدّ و عدم ضدّه.

و التعبير بصدق النقيض مع عدم صدق وجود الضدّ عند وجود الضدّ الآخر لا يهدف صدق العدم على الخارج أو على الوجود الخارجيّ، بل هدفه و مقصوده هو ما ذكرناه من الملازمة بين وجود شي‏ء و عدم ضدّه بعدم مقتضيه، و لا يلزم من ذلك صدق العدم على الخارج و لا صدقه على الوجود الخارجيّ حتّى يستلزم‏

____________

(1) مناهج الوصول: 2/ 17- 18.

24

المحاذير المذكورة.

فتحصّل أنّه لا إشكال في المقدّمة الاولى من دعوى الملازمة بين وجود شي‏ء و عدم ضدّه بالمعنى الذي قلناه، و لا فرق في صحّة هذه الدعوى بين أن يكون الضدّان كالحركة و السكون ممّا لا ثالث لهما، و بين أن يكونا كالسواد و البياض أو القيام و الجلوس ممّا لهما الثالث؛ إذ الملازمة في كلّ واحد منهما بين وجود الضدّ و عدمه متحقّقة، و إنّما الاختلاف بينهما في كون الاستلزام في الأوّل من الطرفين، إذ وجود كلّ منهما يستلزم الآخر كما يكون عدم كلّ واحد يستلزم وجود الآخر دون الثاني، فإنّ وجود كلّ واحد منهما يستلزم عدم الآخر دون العكس، إذ يمكن انتفاؤهما معا؛ فاستلزام وجود الضدّ لعدم ضدّه أمر يشترك فيه جميع الأضداد، بخلاف استلزام عدم الشي‏ء لوجود ضدّه فإنّه مخصوص بالضدّين اللذين لا ثالث لهما، و لا ضير فيه بعد كون ملاك الملازمة هو ملازمة وجود كلّ ضدّ لعدم ضدّه الآخر.

يستدلّ للمقدّمة الثانية بأنّ حكم المتلازمين لزم أن يكون متوافقين و إلّا يلزم أن يكون محكوما بحكم آخر لعدم جواز خلوّ الواقعة عن حكم، و حيث إنّ ما عدا الوجوب مشترك في جواز الترك، فإذا لم يكن محكوما بالوجوب لجاز تركه، و مع جواز ترك اللازم لزم إمّا خروج الواجب عن وجوبه و هو خلف، أو التكليف بما لا يطاق، و كلاهما باطل.

و فيه: أوّلا: كما أفاد سيّدنا الإمام المجاهد (قدّس سرّه) من أنّ العدم ليس من الوقائع فإنّه بطلان محض لا يمكن أن يكون بما هو محكوما بحكم. و ما ترى من نسبة الحكم إلى بعض الأعدام لا بدّ من إرجاعه إلى مقابلاته كوجوب تروك الإحرام و تروك المفطرات‏ (1).

____________

(1) مناهج الوصول: 2/ 18.

25

فالتروك في الإحرام ترجع إلى الكفّ، كما أنّ التروك في الصوم ترجع إلى الإمساك.

و ثانيا: كما أفاد صاحب الكفاية أنّ غايته أن لا يكون أحدهما فعلا محكوما بغير ما حكم الآخر به، لا أن يكون محكوما بحكمه‏ (1).

فالمحذور كما يندفع بالالتزام بكونهما متوافقين في الحكم كذلك يندفع بكون أحدهما غير محكوم بحكم من الأحكام، فالالتزام بالتوافق في الحكم يحتاج إلى دليل.

و ثالثا: كما أفاد استاذنا المحقّق الداماد و غيره (قدس اللّه ارواحهم) أنّ ترك الصلاة فيما إذا تزاحم الإزالة مع الصلاة فاقد للمصلحة، و معه فكيف يمكن أن يسري الإرادة عن الإزالة إلى ترك الصلاة مع أنّه لا ملاك فيه، و موافقة أحد المتلازمين للغرض لا تستلزم موافقة الآخر للغرض، بل هو ملازم لما يوافق الغرض. و لذلك ربما يقال إنّ الوجدان شاهد على أنّ الاشتياق إلى شي‏ء لا يقتضي الاشتياق إلى لوازم وجوده من احتياجه إلى زمان و مكان. و بهذه الجهة أيضا نقول بأنّ الأمر بالطبيعة لا يقتضي سراية الاشتياق إلى الخصوصيّة، بل ربما تكون الخصوصيّة مبغوضة لديه، مع أنّهما حيثيّتان متلازمتان بل و متّحدتان وجودا (2).

و لا أثر لجعل الإباحة في المتلازم عند فقده للملاك، لأنّ المفروض هو الإتيان به مع الآخر، سواء جعل له الإباحة أم لم تجعل، و ما يقرع سمعك من أنّ لكلّ واقعة حكم إنّما هو فيما إذا ترتّب عليه الأثر. و عليه فيجوز خلوّ الواقعة عن الحكم في مثله.

و لعلّه إليه يؤول ما في مناهج الاصول أيضا، حيث قال: لم يقم دليل على عدم خلوّ الواقعة عن الحكم، بل الدليل على خلافه؛ فإنّ الواقعة لو لم يكن لها اقتضاء

____________

(1) 1/ 210

(2) مقالات الاصول: 1/ 118.

26

أصلا و لم يكن لجعل الإباحة أيضا مصلحة، فلا بدّ و أن لا تكون محكومة بحكم، و الإباحة العقليّة غير الشرعيّة المدّعاة، و مع خلوّها عن الجواز الشرعيّ لا يلزم المحذور المتقدّم‏ (1).

هذا مضافا إلى ما في الكفاية من أنّ عدم خلوّ الواقعة عن الحكم فهو إنّما يكون بحسب الحكم الواقعيّ لا الفعليّ‏ (2).

و يستدلّ للمقدّمة الثالثة بأنّ نفس تصوّر الوجوب و الإلزام يكفي في تصوّر الحرمة و النهي عن الضدّ الخاصّ على نحو اللزوم البيّن بالمعنى الأخصّ. و عليه، فنفس تصوّر وجوب ترك الصلاة لكونه مقدّمة للإزالة أو متلازما لها كاف في تصوّر النهي عن الصلاة و حرمتها من دون حاجة إلى أمر زائد، و إن أبيت عن ذلك، فلا أقلّ من أن يكون كذلك بنحو اللزوم البيّن بالمعنى الأعمّ.

اورد عليه بأنّ غايته هو الانتقال التصوّري، و هو مضافا إلى ممنوعيّته لجواز الغفلة عنه أنّه لا يفيد لأنّه صرف انتقال تصوّريّ، فلا دليل على أنّ المولى أراده و اعتبره حراما حتّى يكون نهيا شرعيّا، و مجرّد الانتقال من شي‏ء إلى شي‏ء لا يستلزم اعتبار الشارع حرمة ضدّه.

و إذا عرفت ذلك في اللزوم البيّن بالمعنى الأخصّ، فالأمر في اللزوم البيّن بالمعنى الأعّم أوضح.

و إن اريد من دعوى أنّ الأمر بالشي‏ء مستلزم للنهي عن ضدّه اللزوم الواقعيّ بأن يدّعي أنّ المولى إذا أمر بشي‏ء فلازمه أن ينهى عن نقيضه، ففيه كما أفاد سيّدنا الإمام المجاهد (قدّس سرّه) أنّه واضح الفساد، ضرورة أنّ الصادر من المولى ليس إلّا الأمر.

____________

(1) مناهج الوصول: 2/ 18.

(2) الكفاية: 1/ 210.

27

انتهى. و مع عدم صدور النهي عنه كيف يسند صدور النهي إليه تعالى، فالأمر بترك الضدّ لا يرجع إلى النهي عن نفس الضدّ، كما قلنا بأنّ الوجوب لا ينحلّ إلى حكمين أحدهما يتعلّق بالعمل و الآخر بالترك حتّى يكون تارك الواجب مستحقّا للعقابين من جهة ترك الواجب و ارتكابه للحرام.

نعم، يمكن أن يقال: إنّه إذا تعلّقت إرادة تشريعيّة بترك الضدّ الخاصّ عند إرادة الضدّ الآخر، فمع الالتفات إلى فعل الضدّ الخاصّ تتعلّق كراهة تشريعيّة به، و ليست تلك إلّا حرمة الضدّ، فإرادة ترك الصلاة تشريعا تستلزم كراهة نفس الصلاة تشريعا.

و فيه أنّه لا معنى لتعلّق الكراهة بنقيض ما تعلّق به الإرادة لعدم وجود مبادئ الكراهة، فإنّ غاية الكراهة المذكورة هي ترك هذا النقيض، و المفروض أنّ تركه متعلّق للإرادة التشريعيّة؛ ففي مثل الإزالة و الصلاة إذا فرض أنّ الأمر بالإزالة ملازم للأمر بترك الصلاة، فالكراهة الشرعيّة بالنسبة إلى الصلاة لا تفيد، لأنّ الغرض من الكراهة هو ترك الصلاة، و المفروض أنّه متعلّق الإرادة التشريعيّة، فتعلّق الكراهة بالصلاة مع كون تركها موردا للإرادة التشريعيّة لغو.

هذا مضافا إلى أنّ الصلاة ليست مشتملة على المفسدة حتّى يصحّ تعلّق الكراهة بها. و كيف كان؛ فحيث لا فرق بين الأمر بترك الصلاة و بين حرمة الصلاة، فلا يستلزم الأمر بترك الصلاة لحرمة الصلاة، فلا يتمّ دعوى استلزام الأمر بالشي‏ء للنهي عن ضدّه.

فتحصّل أنّ الأمر بأحد الضدّين لا يستلزم الأمر بترك الضدّ الآخر، كما أنّ الأمر بترك الضدّ الآخر لو فرض لا يستلزم النهي عن نفس الضدّ الآخر، لعدم تماميّة المقدّمات في الدليل الأوّل و الثاني.

قال في المقالات: فلا موجب لاقتضاء الأمر بأحدهما النهي عن الآخر؛ إذ قد عرفت بأنّ ما هو مقتضى له من المقدّميّة فصغراه ممنوعة، و ما هو موجود من صغرى‏

28

الملازمة فكبرى اقتضائه ممنوعة (1).

و أمّا ما في حاشية الدرر من المحقّق اليزدي (قدّس سرّه) من أنّا إذا راجعنا وجداننا نجد من أنفسنا أنّه إذا أردنا فعلا نترك أضداده بإرادة منّا و اختيار بحيث يصحّ المؤاخذة على ذلك الترك و لو لم يكن مسبوقا بالإرادة و الاختيار لما صحّ. و بالجملة نجد الملازمة بين إرادة الشي‏ء و إرادة ترك أضداده الخاصّة، كما نجد الملازمة بين إرادة الشي‏ء و إرادة مقدّماته؛ أ لا ترى أنّك لو أردت الخلوة مع أحد و كان عندك شخص آخر فإنّك تتوسّل إلى قيامه من المجلس بأيّ وسيلة أمكنت. و على هذا نقول إن كان حال إرادة الآمر حال إرادة الفاعل بعينها لزم القول بهذه الملازمة، و لكن عرفت منع الغاية المذكورة (2).

ففيه أنّ إرادة الضدّ علّة لوجوده و مع وجود العلّة التامّة لوجود الضدّ لا مجال لوجود الضدّ الآخر، بل هو عدم بعدم وجود علّته، و لا حاجة إلى إرادة الترك. و أمّا المثال المذكور فهو ليس من باب إرادة الترك، بل هو من باب إزالة إرادة وجود ضدّ لإرادة شي‏ء آخر مضادّ له، فلا تغفل.

تبصرة: و لا يخفى عليك أنّ سيّدنا الإمام المجاهد (قدّس سرّه) أفاد في المقام نكتة و هي بتوضيح منّي أنّه بناء على وجوب المقدّمات الموصلة لا يتمّ الدليل الأوّل بثلاث مقدّمات بل يحتاج إلى المقدّمة الرابعة و هي لزوم كون المتلازمين محكومين بحكم واحد، فإنّ نقيض الترك الموصل هو ترك هذا الترك المقيّد، فإذا وجب الترك الموصل يحرم تركه بمقتضى المقدّمة الثالثة و هي استلزام الأمر بالشي‏ء للنهي عن ضدّه، و لكن هذه الحرمة متعلّقة بترك الترك الموصل، و لا يفيد حرمة الفعل و إن كان بترك الترك‏

____________

(1) المقالات: 1/ 119.

(2) الدرر:/ 133.

29

ملازما لوجود الفعل إلّا مع ضميمة مقدّمة اخرى، و هي لزوم كون المتلازمين محكومين بحكم واحد، و إلّا فمجرّد كون ترك الترك المقيّد محكوم بالحرمة لا يوجب حرمة ملازمه و هو وجود الفعل، فإذا كان كذلك فالدليل الأوّل لا يتمّ إلّا بضمّ الدليل الثاني ببعض مقدّماته إليه، و هو موجب لسقوط أحدهما، فلا يكون في الباب دليلان مستقلّان‏ (1).

يمكن أن يقال: إنّ ما أفاده ناشئ من توهّم الاثنينيّة و المغايرة بين ترك الترك المقيّد و وجود الفعل، مع أنّهما متّحدان مصداقا و إن اختلفا مفهوما، و القول بأنّ ترك الترك حيثيّة عدميّة و الفعل و الوجود حيثيّة إثباتيّة فلا يصحّ حملهما على واحد، غير سديد، بعد كون ترك الترك يوجب حيثيّة الإثبات، لأنّ نفي النفي إثبات. و عليه، فمع تسليم إفادة المقدّمات الثلاثة في الدليل الأوّل لحرمة ترك الترك الموصل، لا حاجة في تعلّق الحرمة بوجود الفعل إلى مقدّمة اخرى من مقدّمات الدليل الثاني حتّى يلزم سقوط الدليل الأوّل، و يرجع الأمر إلى دليل واحد و هو الدليل الثاني.

هذا مضافا إلى أنّ احتياج الدليل الأوّل إلى مقدّمة من مقدّمات الدليل الآخر لا يوجب سقوط الدليل الأوّل برأسه. و كيف كان، فالدليلان مستقلّان و لا يرجع أحدهما إلى الآخر، و إن عرفت عدم تماميّتهما في إفادة المراد فتحصّل أنّ الأمر بالشي‏ء لا يستلزم النهي عن ضدّه الخاصّ.

المقام الثاني: في الضدّ العامّ:

ربّما يقال إنّ الأمر بالضدّ كالإزالة عين النهي عن الضدّ العامّ أو مشتمل عليه أو مستلزم له، و الضدّ العامّ هو الترك، و مقتضى كون الترك منهيّا عنه هو سراية النهي‏

____________

(1) مناهج الوصول: 201- 19.

30

إلى محقّقاته من أضداد الإزالة؛ فإذا كان ترك الإزالة منهيّا عنه كانت الصلاة أيضا منهيّا عنها لأنّها من محقّقات ترك الإزالة، و النهي في الصلاة بضميمة أنّ النهي في العبادات يقتضي الفساد ينتج فساد الصلاة.

و هذا الاستدلال يتوقّف على مقدّمات:

الاولى: كون الأمر بالشي‏ء عين النهي عن الضدّ العامّ أو مشتمل عليه أو مستلزم به.

و الثانية: أنّ الأضداد الخاصّة من محقّقات الترك الذي هو ضدّ العامّ.

و الثالثة: سراية النهي من الترك إلى الأضداد الوجوديّة. و هذه المقدّمات كلّها ممنوعة.

أمّا الاولى، فلمّا أفاد سيّدنا الاستاذ المحقّق الداماد (قدّس سرّه) من أنّ طلب الفعل و النهي عن الترك بناء على أنّ النهي هو طلب الترك يرجعان إلى أمر واحد، لأنّ النهي حينئذ بمعنى طلب الترك، و هو يرجع إلى طلب ترك الترك، و هو عين طلب الفعل. و عليه، فلا ثمرة في دعوى عينيّتهما، إذ لا تنتهي إلى الطلبين. هذا مضافا إلى أنّ مصلحة ترك الترك ليست مصلحة على حدة غير مصلحة الفعل، فلا ملاك لتعدّد الخطاب. و عليه، فلا وجه لتعدّد الخطاب لا ثبوتا و لا إثباتا، بل هذا النهي لم يكن نهيا حقيقيّا ناشئا عن مفسدة ملزمة في متعلّقه، بل هو في الواقع أمر، و إنّما أبرز بصورة النهي في الخارج، من دون فرق بين أن يكون النهي عن الضدّ العامّ عين الأمر بالشي‏ء أو جزءا منه أو لازما له.

و لذلك قال في المحاضرات: إنّ القول بأنّ الأمر بالشي‏ء يقتضي النهي عن ضدّه في قوّة القول بأنّ الأمر بالشي‏ء يقتضي الأمر بذلك الشي‏ء، و هو قول لا معنى له‏

31

أصلا (1).

هذا بناء على أنّ النهي هو طلب الترك، و أمّا إذا كان النهي هو الزجر عن ترك الإزالة و الأمر هو البعث نحو الإزالة فلا إشكال في عدم اتّحاد الزجر عن ترك الإزالة مع الأمر بالإزالة، لمغايرة البعث و الزجر و تعدّد متعلّقهما، فدعوى العينيّة ممنوعة لاستحالة اتّحاد المتغايرين.

و هكذا لا مجال لدعوى الجزئيّة لأنّ البعث لا يكون عين الزجر و لا جزأه، و القول بأنّ الوجوب مركّب من طلب الفعل مع المنع من الترك غير سديد بعد ما عرفت من بساطة الوجوب، و أنّه أمر ينتزعه العقلاء من تعلّق أمر المولى بشي‏ء من دون ترخيص لتركه.

هذا كلّه بناء على عينيّة النهي عن الضدّ العامّ أو جزئيّته، و أمّا إذا اريد اللزوم الواقعيّ بين الأمر بالضدّ و النهي عن تركه ففيه منع، لأنّ الصادر من المولى ليس إلّا الأمر، و لا يرجع الأمر بالشي‏ء إلى بعث نحو الفعل و زجر عن الترك، لأنّ الزجر يحتاج إلى ملاك، و المفروض أنّ الملاك في الفعل و ليس في جانب الترك ملاك، إذ ترك الواجب ترك ما فيه المصلحة الملزمة لا أنّ نفس الترك شي‏ء فيه المفسدة.

فيجوز التفكيك بين الأمر و النهي في الاعتبار، لأنّ كلّ واحد منهما محتاج إلى اعتبار مستقلّ و لا ملازمة بين الاعتبارين بعد عدم علّيّة أحدهما للآخر أو عدم معلوليّتهما لعلّة واحدة، فدعوى التلازم مجازفة.

و إن اريد من الملازمة بين الأمر و النهي الملازمة بين الإرادة و الكراهة، ففيه:

أوّلا: أنّها ممنوعة لإمكان غفلة طالب شي‏ء عن تركه حتّى يكرهه.

و ثانيا: أنّ مع الالتفات إلى الترك و خلوّه عن المفسدة لا يتعلّق الكراهة إلى‏

____________

(1) المحاضرات: 3/ 46.

32

نفس الترك، بل هو مريد الفعل لما فيه من المصلحة الملزمة، و كراهة الترك لو كانت من باب المسامحة. و ممّا ذكر يظهر ما في منتهى الاصول حيث قال: لو التفت إلى الترك فعلا و حصلت له الكراهة الفعليّة بالنسبة إليه، فلا شكّ في أنّه يكون منشأ لاعتبار الحرمة (1).

و ذلك لأنّ مع خلوّ الترك عن المفسدة الملزمة كيف تنقدح الكراهة بالنسبة إلى نفس الترك حتّى يكون منشأ لاعتبار الحرمة.

و أمّا المقدّمة الثانية: فهي ممنوعة لأنّ ترك الإزالة و إن لم ينفكّ عن الأضداد و لكنّه مقارن مع الأضداد الوجودية الخاصّة و ليس متّحدا معها لأنّ الوجود حيثيّة إثباتيّة و لا يتّحد معها حيثيّة العدم، و لا يكون الأضداد الخاصّة من محقّقات الترك، بل الترك لازم لترك مقتضيه و هي إرادة الإزالة، كما أنّ عدم المعلول لازم لعدم علّته، فدعوى كون الأضداد الخاصّة من محقّقات الترك كما ترى.

و أمّا المقدّمة الثالثة: فهي أيضا ممنوعة لعدم دليل على سراية الحكم من أحد المتلازمين إلى الآخر، و قد عرفت أنّ الضدّ العامّ و هو الترك ملازم مع وجود الأضداد الخاصّة.

و أمّا النتيجة ففيها ما سيأتي إن شاء اللّه تعالى من أنّ النهي الغيريّ لا يدلّ على مبغوضيّة المتعلّق لأنّه لم يكن إلّا للإلزام بإتيان غيره، و أمّا ما يقال من أنّ إتيان المنهيّ تجرّ على المولى و مبعّد عن ساحته فلا يصلح للتقرّب، ففيه أنّ العصيان من جهة ترك الضدّ الأهمّ لا من جهة فعل المهمّ، كما لا يخفى.

فتحصّل أنّ دعوى عينيّة النهي عن الضدّ العامّ أو جزئيّته أو ملازمته للأمر بالشي‏ء غير ثابتة. و عليه، فالأضداد الخاصّة لا تكون منهيّا شرعا أيضا من جهة

____________

(1) منتهى الاصول: 1/ 302.

33

مقارنة الضدّ العامّ أي ترك الواجب معها، فلا تغفل.

مقتضى الأصل‏

قال سيّدنا الاستاذ المحقّق الداماد (قدّس سرّه): ثمّ إنّه لو شكّ في مقدّميّة ترك أحد الضدّين للآخر و عدمها فلا مجال للبراءة عن الوجوب مطلقا، لأنّ البراءة العقليّة لا مجال لها إذ لا عقاب على المقدّمات، و الشرعيّة أيضا لا مجال لها لأنّ وجوب ترك الضدّ على تقدير المقدّميّة يتبع وجوب ذيه في الفعليّة بحكم العقل، فلا يمكن رفع وجوبه مع حفظ وجوب ذيه، لأنّه ترخيص في الحكم العقليّ. نعم يجري البراءة في احتمال حرمة الضدّ الواجب فتدبّر. هذا بناء على دعوى وجوب ترك الضدّ الواجب من باب المقدّميّة.

و لو شكّ في التلازم بين وجوب الضدّ و وجوب ترك الضدّ الآخر؛ فإن قلنا بأنّ الحكم الذي يسري من متلازم إلى متلازم آخر هو الحكم النفسيّ لا الغيريّ، فيمكن الأخذ بالبراءة العقليّة فيه عند الشكّ لأنّه عقاب نفسيّ على تقدير ثبوته، و لكنّه ليس كذلك لعدم مصلحة موجبة لذلك، و حينئذ لا مجال للبراءة العقليّة، إذ لا عقاب على المتلازم بعد كون الحكم فيه غيريّا لا نفسيّا.

و أمّا البراءة الشرعيّة، فمع كون الملازمة عقليّة لا مجال لها، إذ وجوبه تابع بحكم العقل لمتلازمه رفعا و وضعا، فلا يكون رفعه و وضعه بيد الشارع حتّى يجري فيه البراءة الشرعيّة، فالترخيص فيه ترخيص في الحكم العقليّ.

نعم تجري البراءة الشرعيّة لو قلنا بأنّ مفادها هو رفع المؤاخذة لا رفع الحكم، لأنّ رفع المؤاخذة شرعا لا ينافي الحكم العقليّ. و عليه، فمع جريان البراءة فلا مانع من القول بصحّة الضدّ العبادي، لأنّه مع جريان البراءة الشرعيّة الرافعة للمؤاخذة لا يكون الإتيان بالضدّ العباديّ مبعدا حتّى لا يصلح للتقرّب فيكون صلاته كصلاة من‏

34

دخل في دار بزعم كونها له و صلّى فيها، فكما أنّ صلاة من زعم ذلك صحيحة فكذلك تكون صلاة من جرى في حقّه البراءة الرافعة للمؤاخذة صحيحة، و اتّحاد الصلاة واقعا مع الحرام لا يكون مبطلا، كما لا يخفى انتهى.

و لا يخفى عليك أنّ مفاد البراءة الشرعيّة ليس رفع المؤاخذة بل جميع الآثار.

و عليه فلا مجال لجريان البراءة لا عقلا و لا شرعا بالنسبة إلى وجوب ترك الضدّ الآخر عند وجوب الضدّ فيما إذا كان الوجوب غيريّا، سواء كان ترك الضدّ الآخر من مقدّمات وجود ضدّه أو كان من مقارناته و متلازماته. نعم، لو احتمل الوجوب النفسيّ في ترك الضدّ الآخر جرت البراءة العقليّة و الشرعيّة كما أنّه لو احتمل الحرمة النفسيّة في الضدّ الواجب الذي كان تركه مشكوكا وجوبه من باب المقدّميّة أو التلازم جرت البراءة العقليّة و الشرعيّة، و لكنّه لا ملاك لهما، فلا مجال لهما و معه لا تجري البراءة، و الصلاة المأتيّ بها في وقت الأهمّ محكومة بالإعادة كما لا يخفى.

ثمرة المسألة

و لا يخفى عليك أنّه ربّما يقال إنّه لو تمّت مقدّمات الاستدلال على أنّ الأمر بالشي‏ء مستلزم للنهي عن ضدّه كانت نتيجة المسألة هي النهي عن الضدّ، فهذا النهي عن الضدّ يكون صغرى لكبرى أنّ النهي في العبادات يقتضي الفساد، و مقتضى ضميمة هذه الصغرى بتلك الكبرى هو فساد الضدّ إذا كان عبادة كالصلاة، فكلّ عبادة متزاحمة مع الأهمّ محكومة بالفساد إذا أتى بها في وقت الإتيان بالأهمّ.

إنكار الثمرة بناء على عدم لزوم الأمر في تحقّق العبادة

اورد عليه أوّلا: بما أفاد سيّدنا الإمام المجاهد (قدّس سرّه) من أنّ اقتضاء النهي للفساد إمّا لأجل كشفه عن مفسدة في المتعلّق أو لأجل أنّ الإتيان بمتعلّق النهي مخالفة للمولى‏

35

و مبعد عن ساحته فلا يمكن أن يقع مقرّبا؛ و النهي فيما نحن فيه لا يكشف عن المفسدة، بل العقل يحكم بتحقّق المصلحة الملزمة في الضدّ المزاحم لعدم المزاحمة بين المقتضيات.

و أيضا النهي الاستلزامي الذي يكون من جهة ملازمة شي‏ء للمأمور به بالأمر المقدّميّ لا يكون موجبا للبعد عن ساحة المولى فلا يوجب الفساد. انتهى‏ (1).

و الحاصل أنّ النهي النفسيّ يقتضي الفساد لا النهي الغيريّ لأنّ العبادة مع النهي الغيريّ لا مفسدة فيها حتّى يكشف النهي عن وجودها، و هي تقتضي الفساد و العصيان و المخالفة ليس من ناحية إتيان العبادة بل من ناحية ترك الأهمّ و هو الإزالة، و هو متلازم مع اتيان العبادة، و حكم ترك الأهمّ لا يسري إلى إتيان العبادة إلّا بالعرض و المسامحة، و العرض و المسامحة غير مقتض للفساد و التزاحم من جهة عدم إمكان الجمع بينهما، لا من جهة المقتضيات، بل جهة الاقتضاء في كلّ واحد منهما تامّة للخطاب، و إنّما تقدّم طرف الإزالة لأهمّيّتها على جهة الاقتضاء في طرف العبادة، فالمزاحمة لا توجب إلّا ارتفاع الأمر المتعلّق بالمهمّ فعلا مع بقاء المهمّ على ما هو عليه من المقتضيات، و المفروض أنّ النهي الغيريّ لا يوجب مفسدة فيها و معه، لا وجه للبطلان. كما لا يخفى.

و ثانيا: بما أفاده سيّدنا الأستاذ المحقّق الداماد (قدّس سرّه) من أنّه لو سلّمنا كشف النهي الغيريّ عن المفسدة لا يكفي ذلك في الحكم ببطلان فعل العبادة لإمكان مزاحمة المفسدة المكشوفة بالنهي الغيريّ مع مصلحة الفعل و غلبتها عليها. أ لا ترى أنّ في ترك صوم عاشوراء مصلحة عدم المشابهة ببني أميّة، و مع ذلك يكون الصوم في اليوم المذكور صحيحا لتزاحم مصلحة الصوم مع مفسدة التشابه و غلبتها عليها، فمجرّد الكشف عن مفسدة لا يكفي في الحكم ببطلان العبادة بل يحتاج إلى غلبة المفسدة

____________

(1) مناهج الوصول: 2/ 20.

36

الغيريّة على مصلحة نفسيّة للعبادة.

هذا يمكن أن يقال: يكفي في فساد العبادة مع تسليم الكشف عن المفسدة قوله (عليه السّلام): «إنّ اللّه لا يطاع من حيث يعصى»؛ إذ المفروض أنّ نفس الصلاة ذات مفسدة و الإتيان بها موجب للعصيان.

و القول بأنّ حيثيّة العصيان مغايرة لحيثيّة الإطاعة و الحديث يدلّ على عدم حصول الإطاعة من نفس حيثيّة العصيان غير سديد بعد كون الاتّحاد العرفيّ بينهما.

اللّهم إلّا أن يقال بعد الكسر و الانكسار و ترجيح جانب العبادة لا حيث له إلّا حيث الإطاعة لعدم فعليّة حيثيّة العصيان، فلا يشمله الحديث. فتدبّر جيّدا.

و أمّا ما يقال من أنّ المتقرّب به و إن لم يكن في نفسه مبعدا لكنّه مقدّمة للمبعد و هو ترك ضدّه الذي يكون أهمّ، و لا يمكن التقرّب بما يكون مقدّمة للمبعد، كما لا يمكن التقرّب بالمبعد، فقد أجاب عنه المحقّق الأصفهانيّ (قدّس سرّه) بأنّ الفعل العباديّ و إن كان مبغوضا بالعرض لمحبوبيّة تركه المقدّمي، لكنّ الفعل ليس مقدّمة لمبغوض مبعد حتّى لا يمكن التقرّب بمقدّمة المبعد، إذ لا يقول أحد بمقدّميّة فعل لترك ضدّه للزوم الدور.

نعم، الفعل العباديّ مبغوض عرضيّ ملازم لمبغوض عرضيّ و هو ترك الأهمّ و هو لا يمنع عن التقرّب جزما (1).

و لعلّ قبول مقدّميّة ترك الفعل العباديّ للإزالة من باب المماشاة لمن ذهب إلى مقدّميّة ترك الضدّ لوجود الضدّ الآخر، و إلّا فقد مرّ سابقا أنّ التحقيق أنّ المقدّميّة مطلقا ممنوعة، لا من طرف ترك الضدّ لفعل الضدّ الآخر و لا من طرف الفعل لترك الضدّ الآخر، و أيضا تقدّم أنّ وجه عدم تقدّميّة الفعل للترك ليس هو الدور، بل من جهة أنّ الترك أمر عدميّ و هو لا يحتاج إلى علّة، بل الترك ملازم لعدم علّته، لا أنّ‏

____________

(1) نهاية الدراية: 2/ 24.

37

فعل الضدّ مقدّمة وجوديّة لترك الضدّ الآخر. فتحصّل أنّ مع تسليم مقدّمات الاستدلال لاقتضاء الأمر بالشي‏ء للنهي عن ضدّه لا ينتج ذلك إلّا بضميمة اقتضاء النهي للفساد، و المفروض أنّ النهي الغيريّ لا يقتضي الفساد.

يمكن إنكار الثمرة لكفاية قصد الملاك في تحقّق العبادة، سواء كان الأمر بالأهمّ مستلزما للنهي عن المهمّ أو لم يكن، لأنّ بقاء المهمّ على ما هو عليه من الملاك موجب لصلاحيّة التقرّب به و صحّة عباديّته إذ صحّة العبادة لا تتوقّف على قصد الأمر بخصوصه، لعدم الدليل على اعتبار أزيد من قصد التقرّب بالعمل في وقوعه عبادة، و التقرّب يحصل بإضافة العمل إلى المولى بقصد كونه مأمورا به أو بقصد كونه محبوبا للمولى، و لا يتقوّم العبادة بقصد الأمر. و عليه، فإذا أتى به بقصد الملاك صحّت العبادة من دون فرق بين كون الأمر بالشي‏ء مستلزما للنهي و عدمه.

إنكار الثمرة بناء على لزوم الأمر في العبادة

ذهب شيخنا البهائيّ (قدّس سرّه) على المحكيّ إلى أنّ فساد العبادة لا يحتاج إلى استلزام الأمر بالشي‏ء للنهي عن ضدّه لكفاية عدم الأمر في الحكم بفساد العبادة، لاحتياج العبادة إلى الأمر من دون فرق بين كون الأمر بالشي‏ء مستلزما للنهي عن ضدّه و عدمه فلا ثمرة، لأنّ العبادة على التقديرين فاسدة لتقوّمها بالأمر و المفروض أنّ العبادة لا أمر لها بسبب تزاحمها مع الأهمّ.

أجيب عنه بوجوه:

الأوّل: بالجواب المبنائيّ بما عرفت من كفاية قصد الملاك و عدم الاحتياج في تحقّق العبادة إلى الأمر و قصده، لأنّ العبادة متحقّقة بإضافة العمل إلى المولى، و هي حاصلة إمّا بقصد الأمر و إمّا بقصد كون العمل محبوبا للمولى. و عليه، فعدم الأمر لا يوجب فساد العبادة.

38

الثاني: بالجواب البنائيّ بأنّا لو سلّمنا حاجة العبادة إلى قصد الأمر، فالحكم ببطلان العبادة لعدم الأمر صحيح بالنسبة إلى المضيّقين كالإزالة و صلاة آية الزلزلة، و كإنقاذ الابن و إنقاذ الأخ في زمان واحد، لعدم تعلّق الأمر بالمهمّ كإنقاذ الأخ، سواء قلنا بأنّ الأمر بالأهمّ مستلزم للنهي عن ضدّه أو لم نقل. و أمّا إذا كان التزاحم بين الموسّع و المضيّق كالإزالة و الصلاة فلا نسلّم بعدم الثمرة لما حكي عن المحقّق الثاني (قدّس سرّه) من أنّ الثمرة متحقّقة فإنّ العبادة تقع فاسدة بناء على استلزام الأمر بالشي‏ء للنهي عن ضدّه، و تقع صحيحة بناء على عدم الاقتضاء و الاستلزام.

بيان ذلك كما في المحاضرات: أنّا قد ذكرنا في بحث تعلّق الأوامر بالطبائع أو الأفراد أنّ الصحيح هو تعلّقها بالطبائع الملغاة عنها جميع الخصوصيّات و التشخّصات دون الأفراد، و على هذا فالمأمور به هو الطبيعة المطلقة، و مقتضى إطلاق الأمر بها ترخيص المكلّف في تطبيق تلك الطبيعة على أيّ فرد من أفرادها شاء تطبيقها عليه من الأفراد العرضيّة و الطوليّة، و لكن هذا إنّما يكون فيما إذا لم يكن هناك مانع عن التطبيق، و أمّا إذا كان مانع عنه، كما إذا كان بعض أفرادها منهيّا عنه، فلا محال يقيّد إطلاق الأمر المتعلّق بالطبيعة بغير هذا الفرد المنهيّ عنه، لاستحالة انطباق الواجب على الحرام. و يترتّب على ذلك أنّه بناء على القول باقتضاء الأمر بشي‏ء النهي عن ضدّه كان الفرد المزاحم من الواجب المطلق منهيّا عنه فيقيّد به إطلاق الأمر به، كما هو الحال في بقيّة موارد النهي عن العبادات، لاستحالة أن يكون الحرام مصداقا للواجب و نتيجة ذلك التقيّد هي وقوعه فاسدا بناء على عدم كفاية اشتماله على الملاك في الصحّة- إلى أن قال-:

و أمّا بناء على القول بعدم الاقتضاء، فغاية ما يقتضيه الأمر بالواجب المضيّق هو عدم الأمر بالفرد المزاحم لاستحالة الأمر بالضدّين معا، و هذا لا يقتضي فساده، لأنّ متعلّق الوجوب صرف وجود الطبيعة، و خصوصيّة الأفراد جميعا خارجة عن‏

39

حيّز الأمر، و المفروض أنّ القدرة على صرف الوجود منها تحصل بالقدرة على بعض وجوداتها و أفرادها و إن لم يكن بعضها الآخر مقدورا. و من الواضح أنّ التكليف غير مشروط بالقدرة على جميع أفرادها العرضيّة و الطوليّة، ضرورة أنّه ليست طبيعة تكون مقدورة كذلك.

و عليه فعدم القدرة على فرد خاصّ من الطبيعة المأمور بها- و هو الفرد المزاحم بالأهمّ- لا ينافي تعلّق الأمر بها، فإنّ المطلوب هو صرف وجودها، و هو يتحقّق بإيجاد فرد منها في الخارج، فالقدرة على إيجاد فرد واحد منها كافية في تعلّق الأمر بها.

و على هذا الضوء يصحّ الإتيان بالفرد المزاحم بداعي الأمر بالطبيعة المأمور بها لانطباق تلك الطبيعة عليه كانطباقها على بقيّة الأفراد، ضرورة أنّه لا فرق بينه و بين غيره من الأفراد من هذه الجهة أصلا- إلى أن قال-:

فإنّ متعلّق الأمر هو الطبيعة الجامعة بين الأفراد بلا دخل شي‏ء من الخصوصيّات و التشخّصات فيه، و لذا لا يسري الوجوب منها إلى تلك الأفراد هذا من ناحية.

و من ناحية اخرى: أنّ ضابط الامتثال هو انطباق الطبيعة المأمور بها على الفرد المأتيّ به في الخارج.

فالنتيجة على ضوء هاتين الناحيتين هي صحّة الإتيان بالفرد المزاحم لاشتراكه مع بقيّة الأفراد في كلتا الناحيتين.

نعم، يمتاز عنها في ناحية ثالثة، و هي أنّ الفرد المزاحم غير مقدور شرعا، و هو في حكم غير المقدور عقلا، إلّا أنّها لا تمنع عن الصحّة و حصول الامتثال به لأنّ الصحّة تدور مدار الناحيتين الاوليين، و هذه الناحية أجنبيّة عمّا هو ملاك الصحّة ضرورة أنّ المكلّف لو عصى الأمر بالواجب المضيّق و أتى بهذا الفرد المزاحم لوقع‏

40

صحيحا لانطباق المأمور به عليه.

و إن شئت فقل إنّ ما كان مزاحما للواجب المضيّق و إن كان غير مقدور شرعا إلّا أنّه ليس بمأمور به، و ما كان مأمورا به و مقدورا للمكلّف- و هو صرف وجود الطبيعة بين المبدأ و المنتهى- غير مزاحم له. و على ذلك الأساس صحّ الإتيان بالفرد المزاحم، فإنّ الانطباق قهريّ و الإجزاء عقليّ.

و نتيجة ما أفاده المحقّق الثاني (قدّس سرّه) هي أنّ الفرد المزاحم، بناء على القول بالاقتضاء حيث إنّه كان منهيّا عنه، فلا ينطبق عليه المأمور به، و عليه فلا إجزاء لدورانه مدار الانطباق. و بناء على القول بعدم الاقتضاء حيث إنّه ليس بمنهيّ عنه ينطبق عليه المأمور به فيكون مجزيا (1).

اورد عليه في مناهج الوصول بأنّ ملاك استحالة الأمر بالضدّين و هو التكليف بالمحال موجود مع تضييق الوقت أو انحصار الفرد أو كون الأفراد طوليّة فإنّ معنى تعلّق الأمر بالطبيعة هو البعث إلى إيجادها و الأمر و إن تعلّق بنفس الماهيّة، لكنّ البعث إليها هو البعث إلى إيجادها؛ فمع ضيق الوقت إن كان البعث إلى إيجادها فعليّا و كذلك إلى ضدّ مصداقها ينتهى الأمر إلى التكليف بالمحال، لأنّ إيجاد الطبيعة و ضدّ المصداق ممّا لا يمكن في الوقت المضيّق، و كذا الحال مع انحصار المصداق، بل مع كون الأفراد طوليّة فإنّ فعليّة الأمر بالطبيعة في وقت يكون فردها مبتلى بالضدّ الواجب لازمها التكليف بالمحال‏ (2).

و لا يخفى عليك أنّ المدّعى أنّ الأمر متوجّه إلى الطبيعة لا إلى الأفراد و القدرة في الجملة بالنسبة إلى مصاديقها كافية في جواز البعث إلى صرف الطبيعة، و لذا لا يضرّ

____________

(1) المحاضرات: 3/ 52 و 54.

(2) مناهج الوصول: 2/ 22.

41

بالبعث إلى صرف الطبيعة عدم القدرة الشرعيّة على إتيان المصداق المزاحم بالأهمّ.

و عليه، فالبعث إلى صرف الطبيعة لا يرجع إلى البعث إلى المصداق المزاحم حتّى يلزم طلب الضدّين، بل يرجع إلى طلب إيجاد الطبيعة بمصاديقها المقدورة شرعا و هي غير المصداق المزاحم، و من المعلوم أنّه لا ضدّيّة بين طلب صرف الطبيعة و بين طلب الأهمّ، و إنّما الضدّيّة فيما إذا كان البعث نحو الطبيعة المطلقة و بين طلب الأهمّ، و المفروض عدمه.

و أمّا ما ذهب إليه المحقّق الأصفهانيّ (قدّس سرّه) من أنّ الطبيعة حيث إنّ أفرادها هنا طوليّة، فليس في زمان المضيّق لطبيعة الموسّع فرد غير مزاحم حتّى يقال لا نظر إليه، بل إلى صرف الطبيعة غير المزاحمة بنفسها، فإنّها حينئذ منحصرة في المزاحم، فيكون الأمر بها في هذا الزمان أمرا بالمزاحم حقيقة بخلاف باب اجتماع الأمر و النهي، فإنّ الأفراد هناك عرضيّة، ففي كلّ زمان لطبيعة الصلاة أفراد مزاحمة و أفراد غير مزاحمة، فالطبيعة في كلّ زمان مقدور عليها (1)

ففيه أنّه لا مجال للقول بأنّ المكلّف في أوّل الزوال مثلا لا تكليف له بالنسبة إلى طبيعة الصلاة عند مزاحمة فرد منها مع الأهمّ كالإزالة، بل هو مكلّف بالنسبة إليها بنحو الواجب التعليقي لإمكان الامتثال بها في الاستقبال، أي في الأزمان الباقية إلى آخر الوقت، بإتيان مصاديقها المقدورة؛ فالوجوب فعليّ في أوّل الزوال بالنسبة إلى صرف الطبيعة، و الواجب استقباليّ؛ فلا وجه لإنكار الوجوب عند مزاحمة فرد منها مع الواجب المضيّق و من المعلوم أنّ الأمر الفعليّ بالنسبة إلى صرف الطبيعة كاف لقصد الامتثال.

ثمّ إنّ وجه كفاية قصد الأمر المتوجّه إلى صرف الطبيعة في تحقّق الامتثال هو

____________

(1) نهاية الدراية: 2/ 55.

42

أنّه مع إتيان الفرد المزاحم بالأهمّ انطبقت الطبيعة على المأتيّ به قهرا و حيث إنّه لا خصوصيّة في الأفراد المقدورة لعدم الفرق بينها و بين الفرد المزاحم بالأهمّ حكم العقل و العرف بعدم التفاوت بين الفرد المزاحم بالأهمّ و غيره من الأفراد، فإذا أتى بالفرد المزاحم بالأهمّ بقصد الأمر المتوجّه إلى الطبيعة يصدق الامتثال عرفا، إذ لا فرق بينه و بين سائر الأفراد فإتيانه كإتيان سائر الأفراد في ايجاب سقوط الأمر من دون مدخليّة لدعوة الأمر بالطبيعة إلى ذلك الفرد و عدمه. و ممّا ذكر يظهر ما في تعليقة المحقّق الأصفهانيّ (قدّس سرّه) من أنّ الاشتراك في الطبيعة و في الغرض يصحّح الإتيان بهذا الداعي، لا أنّه يصحّح دعوة الأمر (1).

و ذلك لما عرفت من أنّ الملاك هو صدق الامتثال عرفا بإتيان فرد لا فرق بينه و بين سائر الأفراد و لا حاجة إلى دعوة الأمر المتوجّه إلى الطبيعة بالنسبة إلى الفرد المزاحم بالأهمّ.

فتحصّل أنّ ما ذهب إليه المحقّق الثاني من إمكان قصد الأمر المتوجّه إلى الطبيعة بناء على عدم اقتضاء الأمر بالشي‏ء للنهي عن ضدّه كان وجيها. نعم، يمكن أن يقال إنّ مع الاقتضاء أيضا لا مانع من الإتيان بالفرد المزاحم بالأهمّ بقصد الأمر المتعلّق بصرف الطبيعة.

إذ لا فرق بين صورة الاقتضاء و عدمه في عدم تعلّق الأمر بالمزاحم بالأهمّ و أنّ متعلّق الأمر هو الطبيعة، و المفروض أنّه مع إتيان الفرد المزاحم بالأهمّ تصدق الطبيعة عليه قهرا، و كونه منهيّا عنه لا يمنع عن صدق الطبيعة عليه، و أيضا أنّ النهي الغيريّ لا يكشف عن المفسدة حتّى يوجب ذلك عدم حكم العقل و العرف بعدم التفاوت بينه و بين سائر الأفراد و صدق الامتثال، اللّهمّ إلّا أن يقال إنّ تفصيله مبنيّ‏

____________

(1) نهاية الدراية: 2/ 55.

43

على تسليم كون النهي كاشفا عن المفسدة، و لو كان نهيا غيريّا. فتأمّل.

أورد المحقّق النائينيّ بناء على ما حكي عنه على ما ذهب إليه المحقّق الثاني بأنّ ذلك يتمّ بناء على أن يكون منشأ اعتبار القدرة في متعلّق التكليف هو حكم العقل بقبح تكليف العاجز، إذ على هذا الأصل يمكن أن يقال إنّ العقل لا يحكم بأزيد من اعتبار القدرة على الواجب في الجملة و لو بالقدرة على فرد منه؛ فإذا كان المكلّف قادرا على الواجب و لو بالقدرة على فرد واحد منه لا يكون التكليف به قبيحا و بما أنّ الواجب الموسّع في مفروض الكلام مقدور من جهة القدرة على غير المزاحم للواجب المضيّق من الأفراد فلا يكون التكليف به قبيحا.

و أمّا إذا كان منشأ اعتبار القدرة شرطا للتكليف اقتضاء نفس التكليف ذلك كما هو الصحيح لا حكم العقل، فلا يتمّ ما ذكره و لا يمكن تصحيح الفرد المزاحم بقصد الأمر أصلا.

أمّا أنّ منشأ اعتبار القدرة شرطا للتكليف هو نفس التكليف، فلأنّ الغرض من التكليف جعل الداعي للمكلّف نحو الفعل، و من الواضح أنّ هذا المعنى بنفسه يستلزم كون متعلّقه مقدورا لاستحالة جعل الداعي نحو الممتنع عقلا أو شرعا؛ فإذا كان التكليف بنفسه مقتضيا لاعتبار القدرة في متعلّقه فلا تصل النوبة إلى حكم العقل بذلك، ضرورة أنّ الاستناد إلى أمر ذاتيّ في مرتبة سابقة على الاستناد إلى أمر عرضيّ.

و أمّا أنّ تصحيح الفرد المزاحم لا يمكن بقصد الأمر أصلا فلأنّ التكليف إذا كان بنفسه مقتضيا لاعتبار القدرة في متعلّقه، فلا محالة ينحصر متعلّقه بخصوص الأفراد المقدورة، فتخرج الأفراد غير المقدورة عن متعلّقه.

و على الجملة، فنتيجة اقتضاء نفس التكليف ذلك أي اعتبار القدرة هي أنّ متعلّقة حصّة خاصّة من الطبيعة و هي الحصّة المقدورة، و أمّا الحصّة غير المقدورة

44

خارجة عن متعلّقه و إن كانت من حصّة نفس الطبيعة. و على ذلك فالفرد المزاحم- بما أنّه غير مقدور شرعا- خارج عن حيّز الأمر و لا يكون مصداقا للطبيعة المأمور بها بما هي مأمور بها (1).

و أجاب عنه في المحاضرات بأنّ الشارع لم يأخذ القدرة في متعلّق أمره على الفرض، بل هو مطلق من هذه الجهة؛ غاية ما في الباب أنّ التكليف المتعلّق به يقتضي أن يكون مقدورا من جهة أنّ الغرض منه جعل الداعي إلى إيجاده و جعل الداعي نحو الممتنع عقلا أو شرعا ممتنعا و من الواضح أنّ ذلك لا يقتضي أزيد من إمكان حصول الداعي للمكلّف، و هو يحصل من التكليف المتعلّق بالطبيعة المقدورة بالقدرة على فرد منها لتمكّنه من إيجادها في الخارج و لا يكون ذلك التكليف لغوا و ممتنعا عندئذ، فإذا فرض أنّ الصلاة مثلا مقدورة في مجموع وقتها و إن لم تكن مقدورة في جميعها، فلا يكون البعث نحوها و طلب صرف وجودها في مجموع هذا الوقت لغوا.

و عليه، فلا مقتضى للالتزام بأنّ متعلّقه حصّة خاصّة من الطبيعة و هي الحصّة المقدورة فإنّ المقتضي له ليس إلّا توهّم أنّ الغرض من التكليف حيث إنّه جعل الداعي، فجعل الداعي نحو الممتنع غير معقول، و لكنّه غفلة عن الفارق بين جعل الداعي نحو الممتنع و جعل الداعي نحو الجامع بين الممتنع و الممكن، و الذي لا يمكن جعل الداعي نحوه هو الأوّل دون الثاني فإنّ جعل الداعي نحوه من الوضوح بمكان.

فالنتيجة على ضوء هذا البيان أنّه يصحّ الإتيان بالفرد المزاحم بداعي امتثال الأمر بالطبيعة من دون فرق بين القول بأنّ منشأ اعتبار القدرة هو حكم العقل أو اقتضاء نفس التكليف ذلك‏ (2).

____________

(1) المحاضرات: 3/ 54- 56.

(2) المحاضرات: 3/ 63.

45

و فيه أنّه إن أراد من إمكان جعل الداعي نحو الجامع بين الممتنع و الممكن جعل الداعي نحو صرف الطبيعة من دون نظر إلى مصاديقها فضلا عن ممكنها و ممتنعها كالخطابات القانونيّة التي لا نظر فيها إلى الناس و نحوه فهو، و أمّا إن أراد إمكان جعل الداعي نحو الجامع الحاكي عن الأفراد الممكنة و الممتنعة، ففيه أنّه غير ممكن لأنّه كجعل الداعي نحو الممتنع.

فالأولى في الجواب هو أن يقال: إنّ مجرّد كون الغرض هو جعل الداعي لا يوجب تقييد المتعلّق بالحصّة الخاصّة شرعا، بل هو أيضا استدلال عقليّ على لزوم كون المتعلّق مقدورا، هذا مضافا إلى أنّ القدرة في الجملة تكفي في كون صرف الطبيعة مقدورا، و أيضا لا يضرّ عدم دعوة الأمر إلى غير الحصّة المقدورة، بعد ما عرفت من صدق الطبيعة على غير المقدورة أيضا، و صدق الامتثال بإتيان غير المقدورة بغرض سقوط الأمر عن الطبيعة بعد عدم التفاوت بين غير المقدورة و المقدورة بحكم العقل و العرف.

الثالث: بالجواب البنائي أيضا و هو الترتّب و هو إنّ مع مزاحمة الأهمّ و المهمّ و البناء على ترك الأهمّ لا مقيّد لإطلاق الأمر بالمهمّ و معه فالأمر بالمهمّ موجود و يصحّ قصده لتحقّق الامتثال بقصده.

و تتمّ العبادة حتّى عند من اعتبر قصد الإنسان في تحقّق العبادة.

و إليه ذهب في هداية المسترشدين‏ (1) كما نسبه إليه في الوقاية (2) و حكى عن كاشف الغطاء و الميرزا الشيرازي و السيّد محمّد الفشاركي و صاحب الوقاية و المحقّق الأصفهاني و غيرهم من الأعلام.

____________

(1) هداية المسترشدين: ص 243 و 244.

(2) الوقاية: ص 305.

46

و من المعلوم إنّ مع إمكان الترتّب يكون الفرد المزاحم بالأهمّ أيضا ذا أمر فلا وجه تعول شيخنا البهائي (قدّس سرّه) من فساد العبادة عند التزاحم لعدم الأمر سواء قلنا باقتضاء الأمر بالشي‏ء للنهى عن ضدّه أو لم نقل لما عرفت من وجود الأمر بناء على إمكان الترتّب ثمّ إنّ الفرق بين الترتّب و ما ذهب إليه المحقّق الثاني هو إنّ المصحّح للعبادة عند المحقّق الثاني هو الأمر المتعلّق بالطبيعة و الفرد لا يكون له أمر لعدم القدرة الشرعيّة بالنسبة إليه و لكن يمكن للمكلّف أن يأتي بالفرد المزاحم بالأهمّ بقصد الأمر المتوجّه إلى الطبيعة.

هذا بخلاف الترتّب، فإنّ الفرد المذكور له أمر؛ فيمكن للمكلّف أن يقصد أمر الفرد المذكور لتحقّق الامتثال. هذا مضافا إلى فرق آخر و هو أنّ الأمر المصحّح لقصد الامتثال بناء على قول المحقّق الثاني يكون في عرض الأمر بالأهمّ إذ أمر طبيعة الصلاة لا يترتّب على عدم تأثير الأمر بطبيعة الإزالة، بخلاف الأمر الترتّبيّ فإنّه في طول الأمر بالأهمّ لأنّه مترتّب على عدم تأثير الأمر بالأهمّ في المكلّف.

أحسن التقريب في الترتّب‏

ثمّ إنّ للترتّب تقريبات متعدّدة أحسنها هو أن يقال: إذا تزاحم أمران أحدهما أهمّ من الآخر فلا يمكن أن يقتضي كلّ واحد متعلّقه بالفعل مطلقا، لاستحالة فعليّة مقتضاهما معا، لوجود التضادّ بينهما و إن كان المكلّف في كمال الانقياد؛ كما لا يمكن أن يتعلّق الأمر بالجمع بينهما من أوّل الأمر، إذ لا واقع له و لا يكون جائزا بعد استحالته.

و لكن يمكن أن يكون المقتضيان مترتّبين بأن يكون أحدهما و هو المهمّ لا اقتضاء له إلّا عند عدم تأثير الأهمّ، فمع تأثير الأهمّ لا موضوع لتأثير المهمّ، و مع عدم تحقّق موضوع التأثير للأمر بالمهمّ يستحيل مانعيّته عن تأثير الأمر المتوجّه بالأهمّ و مع عدم تأثير أمر الأهمّ فلا مانع من فعليّة تأثير أمر المهمّ المعلّق على عدم تأثير

47

أمر الأهمّ.

و الحاصل أنّه لا تضادّ إلّا من ناحية الامتثال، فإذا كان لزوم امتثال المهمّ موقوفا على البناء على ترك الامتثال بالأهمّ لا يلزم التضادّ، كما لا يخفى.

قال في الوقاية: و بالجملة، مزاحمة الأمرين لا يكون إلّا لاقتضاء الأمر طرد جميع الأضداد حتّى متعلّق الأمر الآخر و سدّ جميع أبواب العدم على متعلّقه، و الالزام بعدم صرف القدرة على أيّ ضدّ كان له و المنع من تفويت متعلّقه و لو بإتيان غيره، إلى غير ذلك من التعبيرات المختلفة المنتهية إلى حقيقة واحدة، و هي اقتضاؤه عدم الترك مطلقا؛ و هذا شأن الواجب المطلق.

و لو كان الأمر المتعلّق بالمهمّ كذلك لزم جميع ذلك، و لكنّه- كما عرفت- أمر مشروط بعصيان الأمر الآخر- إلى أن قال-: و معناه عدم تحقّق مؤدّاه و عدم تأثيره و عدم قابليّته للتأثير، و ذلك مرتبة متأخّرة عن نفس الأمر، بل هي مرتبة انعزاله عن مقتضاه و عدم صلاحيّته للتأثير. و هذه المرتبة مرتبة الواجب المشروط، فكيف يكون في مرتبة الأمر الأوّل و هو متأخّر عنه تأخّر المعلول عن علّته؟ إلى أن قال:

و خلاصة القول أنّه لا تضادّ بين الأمرين، بل التضادّ بين الفعلين، و الأمر على نحو الترتّب لا يؤول إلى الجمع بينهما أصلا، إذ المفروض في وجود أحدهما عدم وجود الآخر و خلوّ المحلّ فأين المحال؟! (1).

و لقد أفاد و أجاد في بيان أنّ الأمر بالمهمّ ليس بمطلق، بل هو مشروط بعدم تأثير الأمر بالأهمّ، و لا تضادّ بين الأمرين، و لا يلزم من ترتّب الأمر بالمهمّ على عدم تأثير الأمر بالأهمّ و خلوّ المحلّ عن وجوده طلب الجمع بين الضدّين.

و لعلّ مراده أنّ الملاك في دفع التضادّ هو عدم تأثير الأمر بالأهمّ في الانبعاث،

____________

(1) الوقاية: ص 306- 309.

48

لا أنّ مجرّد اختلاف المرتبة مع اتّحاد الأمرين زمانا يدفع التضادّ؛ إذ من المعلوم أنّ مجرّد اختلاف المرتبة لا يدفع التضادّ، إذ مع اتّحادهما في الزمان يوجب إطلاقهما طلبا لما لهما المعيّة الزمانية من الضدّين. هذا مضافا إلى أنّه لو كان مجرّد ترتّب الأمر بالمهمّ على عصيان الأمر بالأهمّ دافعا لطلب الجمع بين الضدّين لوجب الدفع مع الاشتراط بإطاعة الأهمّ، فإنّها متأخّرة عن أمره، و لو جعلت شرطا تصير مقدّمة على أمر المهمّ.

تقدّم الموضوع على حكمه، مع أنّ ذلك يقتضي الجمع؛ إذ حال الإطاعة للأمر بالأهمّ يكون الأمر بالأهمّ باقيا، و حيث إنّ موضوع الأمر بالمهمّ هو الإطاعة، أي حالها، فالأمر بالمهمّ أيضا يكون موجودا فيجتمع الأمران، و مقتضاهما هو طلب الجمع بين الضدّين، و هو محال، فتأمّل.

و ممّا ذكر يظهر أنّ مجرّد اختلاف المرتبة لا يدفع الإشكال، بل الدافع هو عدم تأثير دعوة الأمر بالأهمّ، و إن كان له صلاحيّة الدعوة في نفسه مع التأثير و فعليّة دعوة الآخر، لأنّ الأمر بالمهمّ إذا علّق على حال العصيان أو البناء و العزم عليه، و يقال إن كنت في حال العصيان أو عزمت عليه فأت بالمهمّ، لا يكون الأمر بالمهمّ مزاحما للأمر بالأهمّ عند تأثيره و إمكان انقياد المكلّف لعدم تحقّق موضوعه حتّى يكون مزاحما له، كما أنّ الأمر بالأهمّ لا يكون مزاحما للأمر بالمهمّ في حال العصيان و البناء عليه، إذ لا يكون مؤثّرا بالفعل. و قد عرفت أنّ التضادّ ليس إلّا من ناحية الامتثال و مؤثّريّة الأمر، فإذا لم يكن الأمر بالأهمّ مؤثّرا في ناحية الامتثال فلا مزاحم للأمر بالمهمّ؛ ففي فرض فعليّة تأثير الأمر بالأهمّ لا موضوع للأمر بالمهمّ، و في فرض فعليّة تأثير المهمّ لا تأثير للأهمّ، و إلّا لزم الخلف في كون حال العصيان و البناء عليه شرطا لتأثير الأمر بالمهمّ، فاختلاف المرتبة مع عدم تأثير الأمر بالأهمّ يدفعان طلب الجمع.

و ممّا ذكر يظهر ما في مناهج الوصول من أنّ الدافع لطلب الجمع ليس إلّا القول‏

49

بسقوط الأمر بالأهمّ بعصيانه و مضيّ وقته، و عدم ثبوت أمر المهمّ إلّا بعد سقوط الأهمّ أو مساوقا له‏ (1). لما عرفت من أنّ الأمر بالأهمّ حال العصيان أو البناء و العزم على المعصية ثابت و لا يكون ساقطا، و جعل موضوع الأمر بالمهمّ هو مضيّ العصيان مع إمكان جعله هو حال العصيان لكونه أمرا زمانيّا لا ملزم له، فلا وجه لجعل الموضوع هو مضيّ العصيان، حتّى يفوت وقت الأهمّ و ينجرّ إلى سقوط الأمر بالأهمّ و يدور الأمر بين السقوط و الثبوت و يخرج عن فرض الكلام؛ فمع البناء و العزم على العصيان لا وجه لدعوى سقوط الخطاب بالأهمّ، إذ البناء و العزم على العصيان لا يكون من مسقطات الأوامر.

و لقد أفاد و أجاد فيما حقّقه المحقّق الأصفهانيّ (قدّس سرّه) من أنّ الأمر بالإضافة إلى متعلّقه من قبيل المقتضى بالإضافة إلى مقتضاه، فإذا كان المقتضيان المنافيان في التأثير لا على تقدير، و الغرض من كلّ منهما فعليّة مقتضاه عند انقياد المكلّف له، فلا محالة يستحيل تأثيرهما و فعليّة مقتضاهما و إن كان المكلّف في كمال الانقياد، و إذا كان المقتضيان مترتّبين، بأن كان أحد المقتضيين لا اقتضاء له إلّا عند عدم تأثير الآخر، فلا مانع من فعليّة الأمر المترتّب.

و حيث إنّ فعليّة أصل اقتضاء المترتّب منوطة بعدم تأثير المترتّب عليه، فلا محالة يستحيل مانعيّته عن تأثير الأمر المترتّب عليه، إذ ما كان اقتضائه منوطا بعدم فعليّة مقتضي سبب من الأسباب يستحيل أن يزاحمه في التأثير، و لا مزاحمة بين المقتضيين إلّا من حيث التأثير، و إلّا فذوات المقتضيات- بما هي- لا تزاحم بينها.

إن قلت حيث إنّ الأمر بالأهمّ بداعي جعل الداعي و انبعاث المكلّف، فمع عدم الانبعاث في زمان يترقّب عند الانبعاث كيف يعقل بقاؤه؟ فإنّ الأمر بطرد العدم بعد

____________

(1) مناهج الوصول: ج 2 ص 46.

50

تحقّق العدم محال، فإنّ رفع النقيض حال تحقّق النقيض محال.

قلت: الأمر الحقيقي هو جعل ما يمكن أن يكون داعيا، و الأمر بالأهمّ حال عصيانه على إمكانه الذاتيّ و الوقوعيّ، و إن كان الدعوة بعد تحقّق النقيض ممتنعة، إلّا أنّه امتناع بالغير؛ و الإمكان الذاتيّ و الوقوعيّ لا ينافي الامتناع الغيريّ، و إلّا لم يمكن ممكن أبدا، إذ الماهيّة تكون حال وجودها واجبة بالغير و حال عدمها بعدم العلّة ممتنعة بالغير: فمتى تكون ممكنة ذاتا و وقوعا (1).

لا يقال: إنّ العصيان أمر عدميّ و ليس فيه مناط التأخّر الرتبيّ عن الأمر بالأهمّ لاختصاص المناطات بالامور الوجوديّة، إذ العليّة و المعلوليّة أو كون الشي‏ء جزءا للعلّة أو جزءا للماهيّة أو شرطا لفاعليّة الفاعل أو شرطا لقابليّة القابل كلّها مختصّة بالامور الوجوديّة، و لو كان الوجود وجودا ذهنيّا. و العصيان ليس إلّا ترك الامتثال بلا عذر، فلا يحتاج إلى شي‏ء من المناطات المذكورة؛ و عليه فتأخّره عن الأمر بالأهمّ لا مناط له. هذا بخلاف الإطاعة فإنّه انبعاث و أمر وجوديّ يحتاج إلى علّة، و هي البعث، و من المعلوم أنّ المعلول متأخّر عن علّته و هي الأمر بالأهمّ، و العصيان و إن كان مقابلا للإطاعة إلّا أنّه ليس فيه مناط التأخّر.

و هكذا لا يمكن أن يتّصف العصيان بإحدى الحيثيّات الوجوديّة كالتقدّم بالنسبة إلى الأمر بالمهمّ و التأخّر بالنسبة إلى الأمر بالأهمّ، و كونه موضوعا لحكم أو شرطا لشي‏ء أو مانعا عنه و غير ذلك كلّها من جهة أنّ العصيان ليس إلّا أمرا عدميّا لأنّه ترك المأمور به بلا عذر (2).

لأنّا نقول: أوّلا إنّ مفهوم العصيان متقدّم بتقدّم أمر عليه، لأنّ العصيان هو ترك‏

____________

(1) نهاية الدراية: ج 2 ص 46- 48.

(2) راجع مناهج الوصول: ج 2 ص 46- 49.

51

الامتثال للأمر الفعليّ بلا عذر، فهو لا يتحقّق بدون الأمر، بل مترتّب عليه. و عليه فتقدّم الأمر عليه كتقدّم أجزاء الماهيّة عليها، و إن لم يكن بين العصيان و الأمر رتبة العلّيّة و المعلوليّة.

و ثانيا: إنّ العصيان ليس عدما محضا، بل هو مشوب بالوجود، لأنّه مخالفة للمولى و إعراض عن أمره، و هما أمران وجوديّان، و إن كانا موجبين لترك الامتثال بلا عذر. و عليه فيكون العصيان كالإطاعة متأخّرا زمانا عن الأمر بالأهمّ و متقدّما على الأمر بالمهمّ، فلا امتناع في جعل العصيان شرطا أو موضوعا، بل هو واقع في الكتاب و السنّة كقوله تبارك و تعالى: فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ‏. الآية.

و ثالثا: إنّ الموضوعات و الشرائط في الخطابات الشرعيّة ليست عقليّة، بل هي عرفيّة، و العرف يحكم بصحّة جعل العصيان شرطا للخطاب بالمهمّ؛ أ لا ترى أنّ الوالد يقول لابنه تعلّم، فإن عصيت أمري و لم تتعلّم فعليك بالاكتساب، و ليس ذلك إلّا لأنّ العرف يرى العصيان أمرا وجوديّا و متأخّرا عن الأمر بالأهمّ و متقدّما على الأمر بالمهمّ.

فتحصّل أنّ ترتّب الأمر بالمهمّ على حالة عصيان الأمر بالأهمّ أمر معقول و عرفيّ، و إن لم يكن بينهما رابطة العلّيّة و المعلوليّة، لكفاية تأخّره عنه و لو بالمتأخّر الطبعي. كما أنّ شوب العصيان بالوجود يكفي في صحّة جعله موضوعا لا شرطا للخطاب بالمهمّ، فلا تغفل.

فأساس الترتّب مبنيّ على ترتّب أثر الأمر بالمهمّ على حالة العصيان بالنسبة إلى الأمر بالأهمّ و عدم تأثيره، لأنّ حالة العصيان تلازم مع عدم تأثير الأمر بالأهمّ الذي هو المانع من تأثير الأمر بالمهمّ؛ فإذا حصلت حالة العصيان بالنسبة إلى الأمر بالأهمّ ارتفعت مانعيّة الأمر بالأهمّ عن تأثير الأمر بالمهمّ، و مع ارتفاع المانعيّة أثّر الخطاب المهمّ، فتأثير خطاب المهمّ موقوف على عدم تأثير خطاب الأهمّ.

52

و أمّا ما أورد عليه في مناهج الوصول من أنّ لازمه هو طلب الجمع، لأنّ الأمر الانتزاعي متحقّق قبل وقت امتثال الأهمّ و قبل عصيانه، فأمر المهمّ صار فعليّا باعثا نحو المأمور به و أمر الأهمّ لم يسقط و بقي على باعثيّته قبل تحقّق العصيان، فهذا باعث نحو إنقاذ الابن مثلا أوّل الزوال بعنوان المكلّف، و ذاك إلى إنقاذ الأب كذلك، بعنوان الذي يكون عاصيا فيما بعد، و المكلّف الذي يكون عاصيا فيما بعد مبعوث فعلا نحو ذاك و ذلك، و غير قادر على ذلك، و مجرّد اختلاف العنوانين و طوليّة موضوع الأمرين لا يدفع طلب الجمع.

أ لا ترى أنّ عنوان المطيع أيضا مؤخّر عن الأمر؛ فلو جعل شرطا يكون مقدّما على أمر المهمّ، فيصر أمر الأهمّ مقدّما عليه برتبتين، و مع ذلك لا يدفع ذلك جمع الضدّين‏ (1).

ففيه أوّلا: أنّ الإطلاق ليس جمعا بين القيود، بل هو رفض القيود، بمعنى عدم دخل فعل الآخر و تركه في فعليّة الطلب. و عليه فلا يلزم من الطلب طلب الجمع بين الفعلين.

نعم، لازم تعلّق الطلبين في المترتّبين طلب ما لهما المعيّة الزمانيّة في المطلوبيّة، و لا إشكال فيه بعد فرض كون مطلوبيّة المهمّ فيما إذا لم يعمل القدرة في فعل الأهمّ، إذ القدرة الواحدة لا تفي بهما، و أمّا مع الترتّب فالقدرة الواحدة تفي بهما، إذ مع إعمال القدرة في فعل الأهمّ لا تأثير للأمر بالمهمّ، و مع عدم إعمالها في الأهمّ لا مانع من إعمالها في فعل المهمّ، و عليه، فالترتّب موجب للجمع بين الطلبين لا طلب الجمع، و جمع الطلبين مع ترتّب تأثير المهمّ على عدم تأثير الأمر بالأهمّ لا مانع منه.

و ثانيا: أنّ المناط في دفع التضادّ هو اختلاف الرتبة مع عدم فعليّة تأثير الأهمّ،

____________

(1) منهاج الوصول: ج 2 ص 52.