عمدة الأصول‏ - ج5

- السيد محسن الخرازي المزيد...
678 /
9

تتمة المقصد السادس فى الامارات و الحجج المعتبرة شرعا او عقلا

الباب الثّاني: في الظنّ‏

الفصل الخامس في الأمارات التي ثبتت حجّيتها بالأدلّة أو قيل بثبوتها

و اعلم أنّ مقتضى الأصل هو عدم طريقيّة الظن و عدم حجيّته و حرمة اسناده الى المولى و التعبد به و لكن يخرج عن هذا الأصل ظنون من جهة قيام الأدلة على حجيتها و هي:

1- الظّهورات اللفظيّة

و لا يخفى أنّ الظّهورات الكلاميّة المرادة حجّة عند العقلاء، و لذا يحكمون بوجوب اتّباعها في تعيين مراداتهم، و يحتج بها كل متكلم و سامع على الآخر فإذا كان شي‏ء مستفادا من الكلام أخذ به المتكلم و جعله حجة على مراده و تمسك به السامع و جعله حجّة على مراد المتكلم.

و هذا هو معنى الحجّة، فالظهورات حجّة المتكلم و حجّة السامع عند العقلاء

و استقر بناؤهم على العمل بها في جميع مخاطباتهم من الدعاوى و الأقارير و الوصايا و الشهادات و المكاتبات و الإنشاءات و الإخبارات و غيرها. و لا اشكال و لا خلاف في ذلك، نعم سيأتي الخلاف في اعتبار بعض القيود و عدمه في الحجيّة ان شاء اللّه تعالى.

ثم إنّ طريقة الشارع في إفادة مراداته ليست مغايرة لطريقة العقلاء في محاوراتهم؛ لأنّ الشارع لم يخترع طريقة أخرى، بل كان يتكلم مع الناس بلسانهم و طريقتهم و هذا

10

واضح لا سترة فيه، و يشهد له إرجاعات الشارع إلى الظهورات و الاحتجاجات بها، قال الشيخ الأعظم (قدّس سرّه): و من المعلوم بديهة أنّ طريق محاورات الشارع في تفهيم مقاصده للمخاطبين لم يكن طريقا مخترعا مغايرا لطريق محاورات أهل اللسان في تفهيم مقاصدهم. (1)

ثم إنّ الظهورات الكلامية تتحقق من ظهور المفردات و الهيئات التركيبة في معانيها سواء كان ذلك بالوضع أو بالقرائن المتصلة المذكورة في الكلام أو بالقرائن الحالية المقرونة مع الكلام، فكلّ مورد يعلم ذلك فلا كلام.

و لو شك في أنّ كلمة مستعملة في معناها الوضعى أم لا فمقتضى أصالة الحقيقة هو استعمالها فيه، فيتحقق الظهور في المعنى الموضوع له بأصالة الحقيقة. و لو شك في وجود القرينة على خلافه و عدمه، فمقتضى أصالة عدم القرينة هو العدم، فهنا يتحقق الظهور في المعنى الموضوع بأصالة عدم وجود القرينة على إرادة الخلاف.

و لو شك في حدود المعاني المفردة و المركبة من تخصيصها أو تقييدها فمقتضى أصالة العموم أو الاطلاق أو أصالة عدم التخصيص و التقييد هو العموم و الاطلاق فيتحقق الظهور في العموم و الاطلاق بتلك الاصول.

و لو احتمل الخطأ و الاشتباه و السهو و النسيان فمقتضى أصالة عدم هذه الامور هو تحقق الظهور.

و لكن بعد وجود هذه الظهورات سواء حصلت بالقرائن أو الاصول المذكورة و كونها مرادة بالإرادة الاستعمالية يقع السؤال عن كونها مرادة بالإرادة الجدّية و عدمه؟ و مقتضى أصالة تطابق الإرادة الاستعمالية مع الإرادة الجدّية هي إرادتها جدا، و هي أصل عقلائى يعتمد عليه العقلاء في محاوراتهم.

فتحصّل: أنّ أصالة الحقيقة و أصالة عدم القرينة و أصالة الإطلاق و العموم و أصالة

____________

(1) فرائد الاصول: 36.

11

عدم السهو و النسيان و الخطأ و الاشتباه كلها من محققات الظهورات في الموارد المشكوكة. و هذه الظهورات الحاصلة بالاصول المذكورة أو الظهورات الحاصلة بالقرائن بضميمة أصالة التطابق تكون مرادة بالإرادة الجدّية و حجّة؛ إذا العقلاء بنوا على العمل بالظهورات المرادة بالإرادة الجدّية و الاحتجاج بها. و هذا هو معنى حجية الظهورات الكلامية المرادة.

و مما ذكرنا يظهر أنّ إسناد الحجية إلى أصالة الحقيقة أو أصالة عدم القرينة أو أصالة عدم الكذب أو أصالة عدم التخصيص أو أصالة عدم التقييد أو أصالة عدم السهو و النسيان و الاشتباه و الخطأ أو أصالة تطابق الإرادة الاستعمالية مع الإرادة الجدّية مسامحة؛ لأنّ هذه الاصول من محقّقات الظهورات المرادة، و موضوع الحجة هو الظهورات المحقّقة المرادة سواء كانت حاصلة بالاصول المذكورة أو بقيام القرائن المتصلة أو المنفصلة، فما هو الحجّة هو الظهورات المذكورة نعم مباني تلك الظهورات هي القرائن أو الاصول المذكورة. اللّهمّ إلّا أن يقال: إنّ بعض الاصول المذكورة لا يفيد الظن و الظهور كأصالة عدم التخصيص لأنّ ما من عام إلّا و قد خصّ فالحجيّة في مثله تكون راجعة إلى حجيّة بناء العقلاء على عدم التخصيص فلا تغفل، ثم لا يخفى أنّه لا تختص الحجيّة بالمعانى الحقيقية، بل المعانى المجازيّة التي تدلّ عليها الكلام بالقرائن أيضا حجّة، كما لا يخفى.

ثم لا يخفى عليك أنّه لا فرق في حجيّة الظهورات الكلامية بين من قصد إفهامه و غيره ما لم يقم قرينة على اختصاص الحكم بمن قصد إفهامه.

و هكذا لا فرق في حجيّة الظهورات الكلامية بين أن يحصل الظن الشخصي بالوفاق و بين أن لا يحصل ذلك أو يحصل الظن الشخصي بالخلاف ما دام الكلام أفاد ظنا نوعيا؛ و ذلك لوجود بناء العقلاء على حجّية الظهورات الكلامية من دون فرق بين الموارد المذكورة.

و ايضا لا تفاوت في حجيّة الظهورات الكلامية بين أن تكون من المحاورات العرفية أو النصوص الشرعيّة.

كما لا فرق في النصوص الشرعيّة بين أن تكون من الروايات أو القرآن الكريم؛ لما عرفت‏

12

من أنّ الشارع اكتفى في إفادة مراداته بما اكتفى العقلاء به من الظهورات الكلامية و لم يخترع طريقا آخر.

و لكن مع ذلك و قد وقع الخلاف في بعض الامور المذكورة، فالأولى أن نذكر كلماتهم و الجواب عنها و نقول بعون اللّه و توفيقه يقع الكلام في امور:

الأمر الأوّل: أنّ المحكي عن المحقق القمي (قدّس سرّه) هو اختصاص حجيّة الظهورات الكلامية بمن قصد إفهامه،

و هذه الظهورات على قسمين:

أحدهما الخطابات الشفاهية الّتي كان المقصود منها إفهام المخاطبين بها.

و ثانيهما الكتب المصنّفة لرجوع كل ناظر.

و أمّا غيرهما من الروايات الواردة في مقام الجواب عن الأسئلة و الكتاب العزيز بناء على أنّه خطاب للنبي و الائمة (عليهم السّلام) فليس على حجيّته دليل إلّا دليل الانسداد و ذلك للفرق بين من قصد إفهامه بالكلام فالظواهر حجّة بالنسبة إليه من باب الظن الخاص سواء كان مخاطبا كما في الخطابات الشفاهية أم لا كما في الناظر في الكتب المصنّفة لرجوع كل من ينظر إليها و بين من لم يقصد إفهامه بالخطاب كأمثالنا بالنسبة إلى أخبار الائمة الصادرة عنهم في مقام الجواب عن سؤال السائلين و بالنسبة إلى الكتاب العزيز بناء على عدم كون خطاباته موجهة إلينا و عدم كونه من باب التأليف للمصنفين، فالظهور اللفظي ليس حجة لنا إلّا من باب الظن المطلق الثابت حجيّته عند انسداد باب العلم.

قال الشيخ الأعظم (قدّس سرّه): في تقريب كلام المحقق القمي (قدّس سرّه): و بالجملة فظواهر الألفاظ حجّة بمعنى عدم الاعتناء باحتمال إرادة خلافها إذا كان منشأ ذلك الاحتمال غفلة المتكلم في كيفية الإفادة أو المخاطب في كيفية الاستفادة؛ لأنّ احتمال الغفلة مما هو مرجوح في نفسه و متفق على عدم الاعتناء به في جميع الامور دون ما كان الاحتمال مسببا عن اختفاء امور لم يجر العادة القطعية أو الظنية بأنّها لو كانت لوصلت إلينا.

13

و من هنا ظهر أنّ ما ذكرنا سابقا من اتفاق العقلاء و العلماء على العمل بظواهر الكلام في الدعاوي و الأقارير و الشهادات و الوصايا و المكاتبات لا ينفع في ردّ هذا التفصيل، إلّا أن يثبت كون أصالة عدم القرينة حجة من باب التعبد، و دون إثباتها خرط القتاد.

و دعوى: أنّ الغالب اتصال القرائن، فاحتمال اعتماد المتكلم على القرينة المنفصلة مرجوح لندرته.

مردودة: بأنّ من المشاهد المحسوس تطرق التقييد و التخصيص إلى أكثر العمومات و الإطلاقات مع عدم وجوده في الكلام، و ليس إلّا لكون الاعتماد في ذلك كله على القرائن المنفصلة سواء كانت منفصلة عند الاعتماد كالقرائن العقلية و النقلية الخارجية أم كانت مقالية متصلة لكن عرض لها الانفصال بعد ذلك لعروض التقطيع للأخبار و حصول التفاوت من جهة النقل بالمعنى أو غير ذلك فجميع ذلك مما لا يحصل الظن بأنّها لو كانت لوصلت الينا، مع إمكان أن يقال: إنّه لو حصل الظن لم يكن على اعتباره دليل خاص، نعم الظن الحاصل في مقابل احتمال الغفلة الحاصلة للمخاطب أو المتكلم مما أطبق عليه العقلاء في جميع أقوالهم و أفعالهم. (1)

و الحاصل: أنّ المحقق القمي (قدّس سرّه) ادعى أمرين: أحدهما أنّ الأخبار الدالة على الأسئلة و الأجوبة الواصلة إلينا عن النبي (صلى اللّه عليه و آله) و الأئمة الأطهار (عليهم السّلام) و هكذا الكتاب العزيز ليست كالكتب المؤلفة و إلّا فكنّا من المقصودين بالإفهام،

و ثانيهما عدم جريان الاصول العقلائية في الظواهر بالنسبة إلى غير من قصد إفهامه لاختصاص تلك الاصول بأمور جرت العادة بأنّها لو كانت لوصلت إلينا دون غيرها مما لم يكن كذلك. و عليه فلا دليل على عدم الاعتناء باحتمال إرادة الخلاف إذا كان الاحتمال المذكور مسببا عن اختفاء امور لم تصل إلينا؛ لعدم بناء من العقلاء على جريان أصالة عدم القرينة في مثل ذلك، و لعدم ورود دليل شرعي عليه.

____________

(1) فرائد الاصول: 41- 42.

14

و الجواب عنه واضح:

أمّا أوّلا: فلأنّا نمنع عدم كون الأخبار الواصلة إلينا عن النبي (صلى اللّه عليه و آله) كالكتب المؤلّفة؛ فإنّها و إن صدرت بعنوان الأجوبة عن الأسئلة و لكن تكون في مقام بيان وظيفة الناس من دون خصوصية للسائلين و لا لعصر دون عصر، لا سيما فيما إذا كان السؤال من مثل زرارة و محمّد بن مسلم فإنّ أمثالهما في مقام أخذ الجواب لصور المسائل بنحو القوانين الكلّية و لقد أفاد و أجاد سيدنا الامام (قدّس سرّه) حيث قال: إنّ الخطاب في الأخبار و إن كان متوجها إلى مخاطب خاص كزرارة و محمّد بن مسلم و أمثالهما إلّا أنّ الاحكام لما كانت مشتركة و شأن الائمة (عليهم السّلام) ليس إلّا بثّ الاحكام بين الناس، فلا جرم يجري الخطاب الخاص مجرى الخطاب العام في أنّ الغرض نفس مفاد الكلام من غير دخالة إفهام متكلم خاص. (1)

و أولى بذلك الكتاب العزيز فإنّه يجري كمجرى الشمس و لا يختص بقوم دون قوم و عصر دون عصر و يدعو الناس في جميع الأزمنة إلى التدبّر في آياته و التذكر من موعظاته، و إنكار كون خطاباته موجهة إلينا يخالف شأن القرآن كما لا يخفى.

هذا كله بالنسبة إلى الصغرى، و هي الدعوى الاولى و هي إنكار كوننا مقصودين بالإفهام و قد عرفت أنّ الأخبار و الآيات القرآنية كالكتب المؤلفة في أنّ المقصودين بالإفهام منها لا ينحصر في المخاطبين في عصر النزول و الصدور، فإنكار الصغرى في مثل الأخبار الصادرة عن ائمتنا الابرار (عليهم السّلام) و الآيات النازلة مما لا وقع له.

و اما ثانيا: فلأنّا ننكر عدم حجّية الظهورات اللفظية بالنسبة إلى غير المقصودين بالإفهام ما لم يحرز أنّ بناء المتكلم على إلقاء الرموز و الاكتفاء بالقرائن الخفيّة المعلومة بين المتكلم و السامع؛ فإنّ أصالة عدم القرينة جارية بالنسبة إلى غير المقصودين بالإفهام أيضا.

و الفرق في حجية أصالة عدم القرينة بين المخاطب و غيره مخالف لبناء العقلاء و السيرة القطعية من العلماء و أصحاب الأئمة (عليهم السّلام)، فالكبرى المذكورة في الدعوى الثانية محل منع.

____________

(1) تهذيب الاصول 2: 95.

15

و توضيح ذلك- كما افاد شيخنا الأعظم (قدّس سرّه)- أنّ الانصاف أنّه لا فرق في العمل بالظهور اللفظي و أصالة عدم الصارف عن الظاهر بين من قصد إفهامه و من لم يقصد؛ فإنّ جميع ما دل من اجماع العلماء و أهل اللسان على حجية الظواهر بالنسبة إلى من قصد إفهامه جار فيمن لم يقصد؛ لأنّ أهل اللسان إذا نظروا إلى كلام صادر من متكلم إلى مخاطب يحكمون بإرادة ظاهره منه إذا لم يجدوا قرينة صارفة بعد الفحص فى مظانّ وجودها، و لا يفرقون في استخراج مرادات المتكلمين بين كونهم مقصودين بالخطاب و عدمه، فإذا وقع المكتوب الموجّه إلى شخص بيد ثالث فلا يتأمل في استخراج مرادات المتكلم من الخطاب المتوجه إلى المكتوب إليه، فإذا فرضنا اشتراك هذا الثالث مع المكتوب إليه فيما أراد المولى منهم فلا يجوز له الاعتذار في ترك الامتثال بعدم الاطلاع على مراد المولى، و هذا واضح.

و لا خلاف بين العلماء أيضا في الرجوع إلى أصالة الحقيقة في الألفاظ المجردة عن القرائن الموجّهة من متكلم إلى مخاطب سواء كان ذلك في الأحكام الجزئية كالوصايا الصادرة عن الموصى المعين إلى شخص معين ثم مست الحاجة إلى العمل بها مع فقد الموصى إليه. فإنّ العلماء لا يتأملون في الافتاء بوجوب العمل بظاهر ذلك الكلام الموجّه إلى الموصى إليه المفقود، و كذا في الأقارير، أم كان في الأحكام الكلّية كالأخبار الصادرة من الأئمة (عليهم السّلام) مع كون المقصود منها تفهيم مخاطبهم لا غير ... إلى أن قال: و الحاصل: أنّ القطع حاصل لكل متتبع في طريقة فقهاء المسلمين بأنّهم يعملون بظواهر الأخبار من دون ابتناء ذلك على حجية الظن المطلق الثابتة بدليل الانسداد، بل يعمل بها من يدعي الانفتاح و ينكر العمل بأخبار الآحاد مدعيا كون معظم الفقه بالإجماع و الأخبار المتواترة و يدل على ذلك أيضا سيرة أصحاب الائمة (عليهم السّلام) فإنّهم كانوا يعملون بظواهر الأخبار الواردة إليهم كما يعملون بظواهر الأقوال التي يسمعونها من أئمتهم (عليهم السّلام)، و لا يفرقون بينهما إلّا بالفحص و عدمه.

و الحاصل: أنّ الفرق في حجية أصالة الحقيقة و عدم القرينة بين المخاطب و غيره مخالف للسيرة القطعية من العلماء و أصحاب الأئمة (عليهم السّلام)(1)

____________

(1) فرائد الاصول: 42- 43.

16

و إليه يؤول ما في الكفاية حيث قال: إنّ الظاهر عدم اختصاص حجيّة الظواهر بمن قصد إفهامها، و لذا لا يسمع اعتذار من لا يقصد إفهامه إذا خالف ما تضمّنه ظاهر كلام المولى من تكليف يعمّه او يخصّه، و يصح به الاحتجاج لدى المخاصمة و اللجاج، كما تشهد به صحة الشهادة بالإقرار من كل من سمعه و لو قصد عدم إفهامه فضلا عمّا (1) إذا لم يكن بصدد إفهامه.

و عليه فكما أنّ احتمال الغفلة مندفع بأصالة عدم الغفلة بين المتكلم و السامع، فكذلك احتمال وجود قرائن منفصلة أو متصلة بعد الفحص عنها مندفع بأصالة عدمها لمن قصد إفهامه و غيره؛ لما عرفت من أنّ العقلاء و العلماء يأخذون بالظهورات و لو كان السامع غير مقصود بالإفهام.

و دعوى: ان عادة الأئمة (عليهم السّلام) على الاتكال على القرائن المنفصلة.

مندفعة: بما أفاده السيد المحقق الخوئى (قدّس سرّه) من أنّها و إن كانت صحيحة إلّا أنّه لا يقتضي اختصاص حجيّة الظهور بمن قصد إفهامه، بل مقتضاه الفحص عن القرائن، و مع عدم الظفر بها يؤخذ بالظهور.

و أمّا ما ذكره من أنّ التقطيع مانع عن انعقاد الظهور ففيه أنّ ذلك يتم فيما إذا كان المقطّع غير عارف بأسلوب الكلام العربي أو غير ورع في الدين؛ إذ يحتمل حينئذ كون التقطيع موجبا لانفصال القرينة عن ذيها، لعدم معرفة المقطّع أو لتسامحه في التقطيع، و كلا هذين الأمرين منفيان في حق الكليني و أمثاله من اصحاب الجوامع، فإذا نقلوا رواية بلا قرينة نطمئن بعدمها، بل لا يبعد دعوى القطع به؛ إذا التقطيع إنّما هو لإرجاع المسائل إلى أبوابها المناسبة لها مع عدم الارتباط بينها، لأنّ الرواة، عند تشرفهم بحضرة الإمام (عليه السّلام) كانوا يسألون عن عدّة مسائل لا ربط لأحدها بالأخرى كما هو المتعارف في زماننا هذا في الاستفتاءات و هذا النحو من التقطيع غير قادح في انعقاد الظهور. (2)

____________

(1) الكفاية 2: 59.

(2) مصباح الاصول 2: 120- 122.

17

و دعوى: أنّه لا يمتنع أن ينصب المتكلم قرينة لا يعرفها سوى من قصد إفهامه، و عليه فلا يمكن لمن لم يقصد إفهامه أن يحتجّ بكلام المتكلم على تعيين مراده إذ لعله نصب قرينة خفية عليه علمها المخاطب فقط، فالتفصيل بين من قصد افهامه و بين من لم يقصد إفهامه متين. (1)

مندفعة: بأنّ محل الكلام ليس فيما إذا كان مقصود المتكلم إلقاء رموز لا يعلمها إلّا المخاطب حتى لا يتمكن غير من قصد إفهامه من أن يتمسك بظاهر الكلام من دون إحراز الرموز التى بين المتكلم و المخاطب، بل محل الكلام فيما إذا صدر من المتكلم كلام متوجه إلى مخاطب لا بما هو مخاطب خاص؛ إذ غرض الشارع ليس إلّا بثّ الأحكام بين الناس، و من المعلوم أن احتمال الرموز حينئذ في مثل تلك الأحكام الصادرة لا مجال له و خروج عن محل الكلام. هذا مضافا إلى أنّ المفروض أنّ غرض الرواة من نقل الروايات و الآثار أو غرض الناقلين من نقل القوانين المسموعة من المقنين للناس هو أخذ الناس بها و العمل بها و عليه فلو كانت قرائن خفية خاصة بهم بين المتكلم و المخاطب لزم عليهم أن يذكروها و إلّا نقضوا غرضهم إذ لم يتمكن غيرهم منها و حيث إنّهم لم ينقلوا قرائن خاصّة فيمكن لغيرهم أن يأخذوا بظواهر ما سمعوا منهم و عليه فلا وجه للتفصيل المذكور كما لا يخفى. ثم انّ الظاهر من سيدنا الاستاذ المحقق الداماد (قدّس سرّه) هو التفصيل حيث قال في محكي كلامه و الذي يختلج بالبال الإشكال في تحقق هذا البناء إلّا إذا حصل الاطمئنان عادة بعدم وجود القرينة فإنّ هذا في الحقيقة خارج عن مورد البحث و يكون بحكم القطع و الكلام واقع في مورد الشك و الاحتمال العقلائى و الذى أراده عدم جريان أصالة عدم القرينة هنا إذا ليس أصلا متبعا عند العقلاء في هذا المورد و لعلّ هذا مراد المحقق القمي (قدّس سرّه) حيث خصّ الكلام بالمقصود بالإفهام فإنّ الظاهر أو المحتمل أن يكون نظره إلى ما حققناه من عدم تبيّن الظهور الصادر من المتكلم إذا لم يكن الشخص مقصودا بالإفهام و كلامه و ان كان مطلقا لكن الظاهر تقييده بما إذا لم‏

____________

(1) منتهى الاصول 4: 216.

18

يحصل الاطمينان بالظهور و لا أظن إرادته الإطلاق إلى أن قال و بالجملة إذا تبين الظهور الصادر بالعلم أو بحجّة اخرى كان بناء العقلاء على اتباعه في كشف المراد و تطابقه مع الإرادة الواقعية من دون أن يكون ذلك مرهونا بحصول الظن بالوفاق أو عدم الظن بالخلاف و لا يكون الشخص مقصودا بالافهام و حينئذ لا يسمع الاعتذار بحال و أمّا إذا لم يتبين الظهور الصادر من أصل كما في مورد الكلام فلا يصح المؤاخذة بحال فتدبر (1) و لقائل أن يقول لا يلزم الاطمئنان بعدم وجود القرينة بل اللازم هو الاطمئنان بكون الكلام متوجها إلى المخاطب لا بما هو مخاطب خاص ففى هذه الصورة لو شككنا فى وجود القرينة يجرى فيه أصالة عدم القرينة كسائر الموارد فتدبر جيدا.

الأمر الثاني: [أنّ المناط في حجيّة الكلام و اعتباره ...]

أنّ المناط في حجيّة الكلام و اعتباره هو ظهوره عرفا في المراد الاستعمالي و الجدّي و لو كان الظهور المذكور مسبّبا عن القرائن الموجودة في الكلام، و قد جرى بناء العقلاء على الأخذ بالظهور المذكور في إفادة المراد بين الموالي و العبيد و غيرهم من أفراد الانسان، و لا يشترط فى حجيّة الظهور المذكور حصول الظنّ الشخصيّ بالوفاق أو عدم قيام الظنّ غير المعتبر على الخلاف، بل هو حجّة و لو مع قيام الظنّ غير المعتبر على الخلاف؛ و لذا لا يعذرون من خالف ظاهر كلام المولى بعدم حصول الظنّ بالوفاق و لا بحصول الظنّ على الخلاف.

و لقد أفاد و أجاد شيخنا الأعظم (قدّس سرّه) حيث قال: ربما يجري على لسان بعض متأخري المتأخرين من المعاصرين عدم الدليل على حجيّة الظواهر إذا لم تفد الظن (الشخصيّ) أو إذا حصل الظنّ الغير المعتبر على خلافها، لكن الانصاف أنّه مخالف لطريقة أرباب اللسان و العلماء في كلّ زمان. (2)

و دعوى: أنّ الظاهر من كلمات بعض العلماء أنّهم توقفوا في العمل بالخبر الصحيح‏

____________

(1) المحاضرات لسيدنا الاستاذ المحقق الداماد 2 م 96- 97

(2) فرائد الاصول: 44.

19

المخالف لفتوى المشهور أو طرحوه مع اعترافهم بعدم حجيّة الشهرة، و هذا يكفي شاهدا على أنّ حجيّة الظهورات متوقفة على عدم قيام الظنّ غير المعتبر على خلافها.

مندفعة: بأنّ وجه التوقف أو الطرح هو مزاحمة الشهرة للخبر من حيث الصدور؛ إذا لا يحصل الوثوق بالصدور مع مخالفة المشهور بناء على أنّ ما دل من الدليل على حجيّة الخبر الواحد من حيث السند مختص بما إذا حصل الوثوق بالصدور، لا من جهة مزاحمة الشهرة للخبر من جهة ظهوره في عموم أو إطلاق حتى يكون شاهدا على عدم اعتبار الظهور فيما إذا كان الظن غير المعتبر على الخلاف، فتدبر جيدا.

هذا مضافا إلى أنّه لو كان المزاحمة من جهة ظهور الخبر كانت الشهرة كاشفة عن وجود قرينة في الرواية لم تصل إلينا و معه لم يتحقق ظهور في الرواية في غير ما ذهب إليه المشهور كقاعدة القرعة لكل أمر مشكل فإنّ إطلاقها مقيّد بالمشهور لكشف الشهرة عن قيد فيها لعدم التزامهم بإطلاقها و مع عدم تحقق الظهور في الرواية مع مخالفة المشهور خرج عن محل الكلام فإنّ محل الكلام هو ما إذا تحقق الظهور و خالفه الظنّ غير المعتبر.

و بالجملة فالظنّ النوعي المستفاد من الكلام حجة عقلائية على مرادات المتكلم، و لا يصح العدول عنه بمجرد عدم حصول الظنّ الشخصي بالوفاق أو بقيام الظنّ غير المعتبر على الخلاف؛ لعدم دخالة لهما في حجيّة الظهورات و إن كان لعدم قيام الظن غير المعتبر على الخلاف دخالة في حجيّة إسناد الروايات بناء على قصور الأدلة عن شموله، فالظنّ النوعي حجّة، و لا يشترط بوجود الظنّ الشخصيّ على الوفاق، و لا يمنع عنه الظنّ غير المعتبر على الخلاف.

هذا كله واضح بالنسبة إلى ما إذا كان المطلوب هو تحصيل الحجة و الأمن من العقوبة و الخروج عن عهدة التكليف؛ لوجود بناء العقلاء على كفاية العمل بالظواهر مطلقا و لو مع الظنّ بالخلاف فضلا عن عدم الظنّ بالوفاق في مقام الاحتجاج.

و أمّا إذا كان المطلوب هو تحصيل الواقع لا الاحتجاج كما إذا احتمل إرادة خلاف‏

20

الظاهر في كلام الطبيب، فالعقلاء لا يعملون بمجرد الظهور ما لم يحصل لهم الاطمئنان بالواقع، إلّا أنّ ذلك خارج عن محل الكلام؛ إذا الكلام فيما إذا كان المطلوب هو الخروج من عهدة التكليف و تحصيل الأمن من العقاب، و في مثله تحقق بناء العقلاء على العمل بالظواهر مطلقا. (1)

و يؤيّد ما ذكرناه ما أفادوه في حجيّة الأخبار من عدم شمول أدلّة اعتبار حجيّة خبر الواحد في الأحكام بمجرد الوثوق النوعي بالصدور للخبر الواحد في غير الأحكام؛ لأنّ المعيار في الأحكام هو تحصيل الحجة، بخلاف غيرها فإنّ المعيار هو الوثوق و الاطمئنان الشخصىّ بالأمور الواقعية و هو لا يحصل بالوثوق النوعي.

و عليه فالظهورات الواردة في الأحكام حجّة فيما إذا أفادت ظنّا نوعيا و لو لم يحصل الظنّ الشخصيّ، بخلاف الظهورات الواردة في غيرها، فإنّ اللازم فيها هو حصول الاطمئنان الشخصىّ لاختصاص أدلّة اعتبار الظهورات بموارد الأحكام، إذ لا معنى للتعبد في غير موارد الأحكام، إلّا بملاحظة إدراجه بنحو في موضوع الأحكام كالخبر به عن اللّه سبحانه و تعالى في يوم الصيام فيصح حينئذ التعبّد به بهذا الاعتبار فلا تغفل.

ثم إنّ محل الكلام فيما إذا انعقد الظهور فاعتباره لا يتوقف على وفاق الظنّ الشخصيّ و لا على عدم قيام الظنّ غير المعتبر على الخلاف، و أمّا إذا اكتنف الكلام بما يصلح أن يكون صارفا قد احتمل أنّ المتكلم اعتمد عليه في إرادة خلاف الظهور فلا ينعقد الظهور، بل هو مجمل و خارج عن محل الكلام؛ إذا الكلام فيما إذا انعقد الظهور، فاعتبار خلو الكلام عن قرينة حالية أو مقاليّة تصلح لأن تكون صارفة، يرجع إلى شرط تحقق الظهور لا شرط حجيّة الظهور؛ فإنّ مع الاقتران بها يخرج الكلام عن الظهور إلى الإجمال بشهادة العرف، بخلاف ما إذا لم تكن قرينة متصلة بالكلام فإنّ الظهور منعقد فيه، و لم يتوقف حينئذ أحد بمجرد احتمال وجود دليل منفصل مجمل يحتمل أن يعتمد المتكلم عليه.

____________

(1) مصباح الاصول 2: 118.

21

قال شيخنا الأعظم (قدّس سرّه): لم يتوقف أحد في عامّ بمجرد احتمال دليل منفصل يحتمل أن يكون مخصصا له، بل ربما يعكسون الأمر فيحكمون بنفي ذلك الاحتمال و ارتفاع الاجمال لاجل ظهور العام، و لذا لو قال المولى: أكرم العلماء، ثم ورد قول آخر من المولى: انه لا تكرم زيدا و اشترك زيد بين عالم و جاهل، فلا يرفع اليد عن العموم بمجرد الاحتمال، بل يرفعون الإجمال بواسطة العموم، فيحكمون بإرادة زيد الجاهل من النهى. (1)

ثم إنّ الظهورات الكلامية و إن كانت من الظنون و لكن حجيّتها من الضروريات؛ إذا الطريق الشائع في تفهيم المقاصد و المرادات منحصر في الألفاظ، و العقلاء بنوا عليها بلا كلام و احتجوا بها لهم و عليهم، و الشارع لم يخترع طريقا آخر لتفهيم مراداته، فاعتبار الظنون الكلامية من اليقينيّات و الضروريات.

و عليه فظنيّة الظهورات لا تنافي قطعية اعتبارها، و مع كونها قطعية الاعتبار لا مجال لدعوى كونها مشمولة للآيات الناهية عن العمل بالظن؛ لانصراف الأدلّة الناهية عن العمل بالظن عن مثلها، لأن الأخذ بالظنون الكلامية يرجع في الحقيقة إلى الأخذ بالقطع القائم على اعتبارها، فمثل قوله تعالى: إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً* لا يشمل المقام.

و لقد أفاد و أجاد الشيخ الأعظم (قدّس سرّه) حيث قال: فرض وجود الدليل على حجيّة الظواهر موجب لعدم ظهور الآيات الناهية في حرمة العمل بالظواهر. (2)

و مما تقدم يظهر أنّ الاستظهار المعتبر في الالفاظ و الكلمات هو الذي يكون ظاهرا بحسب المتفاهم العرفي في مرادات المتكلم، فإذا كان لفظ ظاهرا عرفا في المعنى المراد، و ادّعى شخص ظهوره في معنى آخر فلا مجال للأخذ بظنه الشخصيّ في تعيين مراد المتكلم، و لا يكفي الإتيان به في مقام الامتثال: إذا الظن الشخصيّ لا دليل على حجيته، لما عرفت من أنّ الحجة هو الظهور العرفي، و الظهور العرفي لا يتعدد بتعدد الآحاد و الاشخاص، بل هو قائم بالاستظهار النوعي.

____________

(1) فرائد الاصول: 45.

(2) فرائد الاصول: 40.

22

نعم يمكن الاختلاف بين الآحاد في كون شي‏ء ظهورا عرفيا و عدمه بأن يدعى كل فرد منهم أنّ ما أقول هو الظاهر عرفا، فيمكن تعدّد دعوى الظهور العرفي، و لكن الظهور العرفي بحسب واقع العرف واحد و ليس بمتعدد، و الحجيّة مخصوصة به.

و عليه فلا مجال لدعوى حجيّة الظن الشخصيّ في الألفاظ و العبارات بدعوى أنّ لكل شخص استظهارا و هو له حجة؛ لضرورة ما عرفت من اختصاص أدلة الاعتبار بما إذا كانت الظهورات مفهوما عرفيا و المفروض أنّ دليل الاعتبار لبّي.

هذا، مضافا إلى أنّ للاستظهار من الكلام في كل قوم و ملة ضوابط خاصة و ملاحظتها تنجرّ إلى الظهور النوعي، و الاستظهار من دون ضوابط و قاعدة مقرّرة شك في شك، و لا اعتبار له عند العقلاء في جميع الأعصار، بل عند المتشرعة، كما لا يخفى.

ربما يتوهم أنّ التفسيرات المختلفة من القرآن الكريم تؤيّد القول بصحة الظهورات الشخصيّة.

و فيه: أنّ التفسيرات المختلفة إن لم تكن بينها مخالفة و تباين رجعت إلى معنى جامع عرفي، و إن كانت بينها مخالفة و تباين لم يكن جميعها صحيحة، بل الصحيح واحد منها، هذا مضافا إلى أنّ التفسيرات المذكورة لو كانت من الظنون الشخصيّة فكلها تفسير بالرأي، و هو منهي عنه في لسان الروايات، كما لا يخفى.

و ربما يقاس جواز الأخذ بالظنون الشخصية بجواز الأخذ بالقراءات المختلفة للقرآن الكريم.

و فيه: أنّ القياس مع الفارق؛ فإنّ القراءات المختلفة و إن لم يكن جميعها صحيحة و مطابقة للواقع لأنّ القرآن واحد نزل من عند واحد، و لكن قام الدليل على جواز الاكتفاء بواحد منها تسهيلا للأمر، و هذا بخلاف المقام؛ إذ لا دليل على جواز الاكتفاء بالظنّ الشخصي، بل الضرورة على ثبوت الواقع للعالم و الجاهل.

و عليه لا يكون كلّ ظنّ شخصيّ صحيح، و القول بأنّ الواقع في كل مورد هو المظنون بالظنّ الشخصيّ تصويب لا يقول به الإمامية كما لا يخفى.

23

لا يقال: إنّ اختلاف العلماء في الآراء مما يشهد على أنّ اختلاف الفهم من الكلام أمر جائز بل واقع، فالظنون الشخصيّة حجّة كالقراءات المختلفة.

لأنا نقول: ليس اختلاف العلماء فى الآراء اختلافا في الظنون الشخصيّة، بل هو اختلاف في دعوى الظنون النوعية، و يكون مبنيا على رعاية الظوابط و القواعد الكلّية التي لها مدخلية فى الاستظهار و الاستنباط و الفرق بين هذا الاختلاف و الظنون الشخصيّة التي لا تكون مبتنية على رعاية الضوابط و القواعد المدونة واضح.

ثم لا يخفى أنّه لا ممانعة من إعمال التعمق الزائد في النصوص و الظواهر العرفية لكشف المطالب و استنباط ما يحتاج اليه في كل عصر و زمان، و إنّما الممانعة من ترتيب الأثر على الظنون الشخصيّة التي لا تكون مبنية على القواعد و الاصول العقلائية؛ إذا لا حجيّة لتلك الظنون، بل تحميل هذه الظنون الشخصية على النصوص و الظواهر الدينية هو التفسير بالرأي الذي نهي عنه اكيدا في الشرع الانور كما لا يخفى، مع أنّ اللازم في فهم المعاني هو تخلية الذهن لا مدخلية الذهن، و كم من فرق بينهما؟!

و لعل المنشأ في ذهاب بعض تبعا لجمع من الاوربيين إلى اعتبار الظنون الشخصيّة في زماننا هذا هو التمايل إلى نسبية الحقائق و إنكار ثبوتها و دوامها حيث قالوا: إنّ فهم الإنسان بالنسبة إلى المتون و تفسيرها أو بالنسبة إلى جميع الحقائق فهم نسبيّ، و معنى ذلك أنّه ليس لنا فهم قطعي ثابت؛ لأن الثبوت ينافي النسبية و هو خلاف البداهة و الضرورة؛ إذ لنا معلومات يقينية و ضروريّة من العقليّات و الشرعيّات.

نعم لا يخلو فهم الإنسان عن التكامل، و لكنه لا ينافي ثبوت أصل الفهم في الجملة؛ لأنّ المتكامل يحتوي ثبوت أصل الشي‏ء، و إنّما زادت مراتبه بسبب الشواهد و التعمق فيه و النقض و الإبرام. هذا مضافا إلى أنّه لا يخرج الكلام المتكامل عن الظنون النوعيّة كما لا يخفى.

على أنّه لو لم يكن فهم الحقائق أمرا ثابتا فلا يمكن الاعتماد على شي‏ء من المطالب حتى الادعاء المذكور، و لا مجال للبحث و لا للاحتجاج؛ فإنّ هذه الأمور متوقفة على ثبوت الحقائق.

24

و بالجملة فللمعاني في اللغة و العرف مع قطع النظر عن فهم المخاطب ثبوت مستقل، و اللازم على المخاطب أن يفهمها من خلال معرفة معاني الألفاظ بحسب القواعد المذكورة في اللغة و العرف. و لا تختلف المعاني المقصودة بالنسبة إلى الآحاد و الأشخاص بعد اعتبار الظنون العرفية في حجية الألفاظ. نعم قد لا يفهمها بعض الناس من جهة التقصير أو القصور في مقدمات فهمها فحينئذ يختلف الأفهام بالنسبة إلى المقاصد و المرادات، و لكن بعضها صحيح و بعضها باطل، و لا يتصف جميعها بالصحة و الحجيّة، كما لا يخفى.

و لذلك لا يكون الذين لم يدركوا مرادات المتكلم من جهة تقصيرهم معذورين؛ لأنّهم اكتفوا بما ليس بحجّة، و مجرد الفهم الناقص لا يعطي الحجيّة للألفاظ، و لا يوجب رفع العقوبة عن مخالفة الواقع و مرادات المتكلم، كما لا يخفى.

على أنّه لو لم يكن فهم الحقائق أمرا ثابتا فلا يمكن الاعتماد على شي‏ء من المطالب حتى الادعاء المذكور، و لا مجال للبحث و لا للاحتجاج؛ فإنّ هذه الامور متوقفة على ثبوت الحقائق.

ثم إنّا لا نخالف مع لزوم السعي في فهم المرادات، بل نؤكّد على ذلك، و لا نقول بأنّ ما نفهمه بعد السعى إذا كان غير ما فهمه الأصحاب قبلا ليس بحجّة، بل نقول بأنّه حجة لو لم يخرج الاستنباط الجديد عن الظهورات النوعيّة و الضوابط و القواعد الأدبيّة، و لذا ذهب الفقهاء إلى الأخذ بالفهم الجديد المبني على الاصول و الضوابط إذا كان تاما كما في منزوحات البئر.

و لا يقاس الفهم غير المبني على الاصول و الضوابط بالفهم المبني عليها؛ لفقدان الحجيّة في الأوّل دون الثاني. و عليه فدعوى صحة كل فهم و لو كان مبنيا على الظن الشخصيّ و تسميته بقراءة جديدة من المعاني خالية عن التحقيق، بل هي مغالطة و سفسطة أعاذنا اللّه منها.

و لا ندّعي أنّ كل فهم من المعاني و الحقائق يكون ثابتا غير متغير لظهور ضعف بعضه أو بطلانه، و لكن نمنع أن يكون جميعها كذلك، فالتغيّر و التّبدل مقبول بنحو الموجبة الجزئية

25

لا الموجبة الكلية إلّا أنّ تغيّر ذلك البعض من ناحية عدم تمامية المقدمات المقررة لكشف المراد، لا من ناحية دخالة ذهنية المخاطب، فتدبر جيدا.

ثم ربما يقال: إنّ المقصود مما ذكروه من أنّ القراءات مختلفة ليس أنّها كلها صحيحة، بل بعضها صحيح و بعضها باطل، إلّا أنّ اللازم في تعيين الصحيح عن غيره هو تجريد المخاطب ذهنه عما يحوطه من المناسبات و المأنوسات حتى يصل إلى المعنى الصحيح من الكلام، و إلّا فحمل الكلام على ما يعرفه من المناسبات كما ترى.

قلت: هو كذلك، و لكن لازمه هو الاجتناب عن الظنون الشخصيّة لا الأخذ بها؛ إذا التخلية عن المناسبات و الظنون الشخصيّة توجب الأخذ بالظنون النوعيّة لتحصيل مرادات المتكلم، فإن كان مرادهم مما ذكروه هو ذلك فهو أمر بنى عليه العقلاء و العلماء في استظهاراتهم في جميع الأزمنة، و ليس أمرا خفيا حتى يحتاج إلى التذكار.

ثم لا يذهب عليك أنّا لا ننكر اختلاف المشارب و المذاهب و تمسكهم مع ذلك بالآيات الكريمة و النصوص الشرعية، و لكن نقول: كل مشرب و مذهب و إن تمسك بالنصوص و الآيات من جهة إثبات مرامه غير أنّ هذا التمسك و الاستدلال لا يكون صحيحا إلّا إذا كان التمسك بظهورات نوعيّة و مستفادة منها، و إلّا فهو تفسير بالرأي و أخذ بالظن الشخصيّ، و لا حجيّة له، بل هو منهي عنه كما سيأتي إن شاء اللّه تعالى. و بقيّة الكلام في محله.

الأمر الثالث: [أنّه لا فرق في حجيّة الظهورات بين المحاورات العرفيّة و بين النقليّة الشرعيّة، ...]

أنّه لا فرق في حجيّة الظهورات بين المحاورات العرفيّة و بين النقليّة الشرعيّة، و لا فرق في النقلية الشرعيّة بين الظهورات القرآنية و بين الأحاديث المرويّة عن سيد المرسلين أو الأئمة الطاهرين عليهم الصلاة و السلام، لعموم دليل الحجيّة، و هو بناء العقلاء، و عدم اختراع الشارع طريقا آخر، فلا وجه للتفرقة بينهما، فالظهورات الكلامية كما تكون حاكية عن المرادات في المحاورات العرفيّة، فكذلك تكون في كلام اللّه سبحانه و تعالى و رسوله و أوصيائه عليهم الصلاة و السلام من دون فرق بين الكتاب و غيره.

26

و لكن ذهب جماعة من الأخباريين في الأعصار الأخيرة إلى عدم جواز الأخذ بظواهر الكتاب إذا لم يرد التفسير و كشف المراد عن الحجج المعصومين (صلوات اللّه عليهم) و استدلوا عليه بوجوه:

منها: الأخبار الدالة على اختصاص فهم القرآن بالنبيّ و الأئمة عليهم الصلاة و السلام:

كما في خبر إسماعيل بن مخلّد السراج عن أبى عبد اللّه (عليه السّلام) في رسالة طويلة له إلى أصحابه أمرهم بالنظر فيها و تعاهدها و العمل بها، و من جملتها: قد أنزل اللّه القرآن، و جعل فيه تبيان كل شي‏ء و جعل للقرآن و تعلّم أهلا لا يسع أهل علم القرآن الذين آتاهم اللّه علمه أن يأخذوا في دينهم بهوى و لا رأى و لا مقاييس ... و هم أهل الذكر الذين أمر اللّه الامة بسؤالهم. (1)

و كما في خبر شبيب بن أنس عن بعض أصحاب أبى عبد اللّه (عليه السّلام) في حديث أنّ أبا عبد اللّه (عليه السّلام) قال لأبي حنيفة: أنت فقيه العراق؟ قال نعم. قال: فبم تفتيهم؟ قال بكتاب اللّه و سنة نبيّه (صلى اللّه عليه و آله) قال: يا أبا حنيفة تعرف كتاب اللّه حق معرفته و تعرف الناسخ و المنسوخ؟

قال: نعم. قال: يا أبا حنيفة لقد ادّعيت علما، ويلك ما جعل اللّه ذلك إلّا عند أهل الكتاب الذين أنزل عليهم، ويلك و لا هو إلّا عند الخاصّ من ذريّة نبيّنا محمّد (صلى اللّه عليه و آله)، و ما ورثك اللّه من كتابه حرفا ... الحديث. (2)

و كما في خبر الاحتجاج عن أبى عبد اللّه (عليه السّلام) أنّه قال لأبى حنيفة في احتجاجه عليه:

تزعم أنّك تفتي بكتاب اللّه و لست ممن ورثه. (3)

و كخبر فضيل عن أبى عبد اللّه (عليه السّلام) في قول اللّه عزّ و جلّ‏ وَ إِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَ لِقَوْمِكَ وَ سَوْفَ تُسْئَلُونَ‏: قال الذكر القرآن؛ و نحن قومه، و نحن المسئولون. (4)

و كصحيحة محمّد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السّلام) قال: إنّ من عندنا يزعمون أنّ قول اللّه‏

____________

(1) روضة الكافي: 5- 6.

(2) الوسائل الباب 6 من ابواب صفات القاضى، ح 27.

(3) الوسائل الباب 6 من ابواب صفات القاضى، ح 28.

(4) الوسائل الباب 7 من ابواب صفات القاضى، ح 2.

27

عزّ و جلّ‏ فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ* أنّهم اليهود و النصارى قال: إذن يدعوكم إلى دينهم قال: ثم قال بيده إلى صدره: نحن أهل الذكر، و نحن المسئولون. (1)

و كخبر عبد الحميد بن أبى الديلم عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) في حديث طويل قال: قال اللّه عزّ و جلّ‏ فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ* قال: الكتاب الذكر، و أهله آل محمّد (صلى اللّه عليه و آله) امر اللّه بسؤالهم و لم يؤمروا بسؤال الجهال، و سمّى اللّه القرآن ذكرا فقال تبارك‏ وَ إِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَ لِقَوْمِكَ وَ سَوْفَ تُسْئَلُونَ‏ الحديث. (2)

و كخبر يونس بن ظبيان عن الصادق (عليه السّلام) في حديث قال: لا تغرّنك صلاتهم و صومهم و كلامهم و رواياتهم و علومهم، فإنّهم حمر مستنفرة، ثم قال: يا يونس إن أردت العلم الصحيح فعندنا أهل البيت، فإنّا ورثنا و أوتينا شرع الحكمة و فصل الخطاب، فقلت: يا ابن رسول (صلى اللّه عليه و آله) كل من كان من أهل البيت ورث ما ورثت من كان من ولد علي و فاطمه (عليهما السّلام) فقال ما ورثه إلّا الأئمة الاثنا عشر. (3)

و كخبر الرّيان بن الصلت عن الرضا (عليه السّلام) في حديث أنّه قال للعلماء في مجلس المأمون:

أخبروني عن هذه الآية ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا فقالت العلماء:

أراد اللّه بذلك الامّة كلها. فقال الرضا (عليه السّلام)، بل أراد اللّه العترة الطاهرة، الحديث. (4)

و كصحيحة ابي الصباح قال: و اللّه لقد قال جعفر بن محمّد (عليهما السّلام): إنّ اللّه علّم نبيّه (صلى اللّه عليه و آله) التنزيل و التأويل، قال: فعلّم رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) عليا، قال: و علّمنا و اللّه ... الحديث. (5)

و كخبر يعقوب بن جعفر قال: كنت مع أبى الحسن (عليه السّلام) بمكة فقال له رجل: إنّك لتفسّر من كتاب اللّه ما لم نسمع به فقال ابو الحسن (عليه السّلام) علينا نزل قبل الناس، و لنا فسّر قبل أن‏

____________

(1) الوسائل الباب 7 من ابواب صفات القاضى، ح 3.

(2) الوسائل الباب 7 من ابواب صفات القاضى، ح 13.

(3) الوسائل الباب 7 من ابواب صفات القاضى، ح 29.

(4) الوسائل الباب 7 من ابواب صفات القاضى، ح 31.

(5) البرهان: الفصل الخامس من المقدمات: 15.

28

يفسر فى الناس، فنحن نعرف حلاله و حرامه و ناسخه و منسوخه و سفريّه و حضريّه و في أيّ ليلة نزلت من آية و فيمن نزلت و فيما نزلت ... الخبر. (1)

و كخبر جمع من الثقات من اصحاب الصادق (عليه السّلام) انه قال بعد أن أومأ بيده إلى صدره:

علم الكتاب كله و اللّه عندنا ثلثا. (2)

و كما روي عن ابي جعفر (عليه السّلام) أنّه قال: ما ادعى أحد من الناس أنّه جمع القرآن كله كما أنزل إلّا كذاب، و ما جمعه و حفظه كما أنزل إلّا علي بن ابي طالب (عليه السّلام) و الأئمة: من بعده. (3)

و كخبر زيد الشحام عن أبى جعفر أنّه قال في حديث له مع قتادة المفسر: ويحك يا قتادة إنّما يعرف القرآن من خوطب به. (4)

و كما روي في تفسير العياشي عن الصادق (عليه السّلام) قال: إنّا أهل بيت لم يزل اللّه يبعث فينا من يعلم كتابه من أوّله إلى آخره. (5)

و كخبر الأصبغ بن نباته قال: لمّا بويع أمير المؤمنين (عليه السّلام) بالخلافة خرج إلى المسجد فقال:

سلوني قبل أن تفقدوني، فو اللّه إنى لا علم بالقرآن و تأويله من كل مدع علمه، فو الذي فلق الحبة و برى‏ء النسمة لو سألتموني عن آية آية لا خبرتكم بوقف نزولها و فيم نزلت ... الخبر إلى أن قال البحراني: أقول: و الأخبار في هذا الباب أكثر من أن تحصي. (6)

و بالجملة: فالمستدل بهذه الأخبار يقول مع اختصاص فهم القرآن بالنبيّ و آله عليهم الصلوات و السلام لا يمكن الاستظهار من الآيات الكريمة لغيرهم، و مع فرض الإمكان لا حجية له كما لا يخفى.

____________

(1) البرهان: 15.

(2) البرهان: 15.

(3) البرهان: 15.

(4) روضة الكافى: 312.

(5) البرهان: 16.

(6) البرهان: 16.

29

و يمكن الجواب عنه: اوّلا: بأنّ اختصاص علم القرآن بتمامه و كماله بهم (عليهم السّلام) لا ينافي إمكان الاستظهار من جملة من الآيات و حجيتها مع مراعاة شرائطها من التفحص عما ورد حولها عن اهل البيت (عليهم السّلام)، قال صاحب الكفاية إنّ المراد مما دل على اختصاص فهم القرآن و معرفته بأهله هو اختصاص فهمه بتمامه بمتشابهاته و محكماته بداهة أنّ فيه ما لا يختص به كما لا يخفى.

و ردع أبي حنيفة و قتادة عن الفتوى به إنّما هو لأجل الاستقلال في الفتوى بالرجوع إليه من دون مراجعة أهله، لا عن الاستدلال بظاهره مطلقا و لو مع الرجوع إلى رواياتهم و الفحص عمّا ينافيه و الفتوى به مع اليأس عن الظفر به، و كيف و قد وقع في غير واحد من الروايات الإرجاع إلى الكتاب و الاستدلال بغير واحد من آياته. (1)

و ثانيا: بأنّ لازم الاختصاص بأهل البيت مطلقا هو أن يكون القرآن لغزا أو معمّى مع أنّه ليس كذلك.

قال في نهاية الاصول: إنّ القرآن لم ينزل بنحو المعمى بل، نزل لبيان طرق صلاح الناس، و هو بنفسه يدعو الناس إلى التأمّل فيه و التدبّر في آياته، و قد اثّر آثارا عجيبة في المسلمين في صدر الإسلام، و كان العمل به و الاستدلال به ممّا جرت عليه سيرة المسلمين، فإذا سمعوا مثلا قوله تعالى: لِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ‏ الآية فهموا المقصود من هذه الآية من دون أن يحتاجوا إلى مراجعة النبي (صلى اللّه عليه و آله)، كيف و ربما استدلوا بما هو أخفى من هذه الآية من دون أن يردعهم النبي (صلى اللّه عليه و آله) أو الائمة (عليهم السّلام)؟! و قد روي: أنّ عليا (عليه السّلام) لمّا خرج إلى صفّين رأى جماعة من المسلمين قد ضربوا الفسطاط خارجا من العسكرين فسئل عن حالهم فقيل له هؤلاء يقولون إنّا لا نقاتل أهل القبلة حتى يثبت لنا بغي أحدهما على الآخر: إذ لم يثبت لنا جواز قتالهم إلّا حينئذ حيث قال اللّه تعالى‏ وَ إِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما فَإِنْ بَغَتْ إِحْداهُما عَلَى الْأُخْرى‏ فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِي‏ءَ إِلى‏ أَمْرِ اللَّهِ‏ (2) فلمّا سمع‏

____________

(1) الكفاية 2: 61.

(2) الحجرات/ 9.

30

علي (عليه السّلام) هذه المقالة قال: هذا هو الفقه، و لم يردع مقالتهم فهؤلاء و إن قصّروا في باب الإمامة إلّا أنهم حسب اعتقادهم في الامامة من عدم وجوب إطاعة الإمام إلّا فيما يوافق الكتاب و السنة انعزلوا عنه، فإن نظرهم إلى الامام كالنظر إلى الخلفاء و السلاطين.

فالتفصيل المذكور في حجية الظواهر هو الذي ظهر في الأعصار الأخيرة عن بعض الإمامية من التشكيك في حجية ظواهر الكتاب المجيد بعد ما لم يكن خلاف بين المسلمين من العامة و الخاصة في حجيته بداهة أنّه لم ينزل للإلغاز و التعمية، بل نزل ليخرج الناس من الظلمات إلى النور، و قد أخرجهم عنها، كما يظهر بمراجعة التواريخ، و كان الأعراب يفهمونه بمجرد قراءة النبي (صلى اللّه عليه و آله)، و كان يؤثر في أنفسهم أشدّ التأثير، كما روي أنّ رئيس بني مخزوم أتى النبي (صلى اللّه عليه و آله) فقرأ عليه سورة «حم سجدة» حتى وصل إلى قوله تعالى‏ فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وَ ثَمُودَ فجعل أصابعه في أذنيه و خرج من عنده، فلمّا سأله قومه عمّا رآه قال: لقد سمعت بكلام لم أسمع بمثله.

و قد نقل أيضا قصة مصعب بن عمير حيث أرسله النبي (صلى اللّه عليه و آله) إلى يثرب فوجه الناس إلى الاسلام بقراءة القرآن.

فأمثال هذه القضايا تشهد بأنّهم كانوا يفهمون القرآن، كيف و قد قال اللّه تعالى في شأنه‏ نَذِيراً لِلْبَشَرِ (1) و قال‏ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَ مَنْ بَلَغَ‏

و بالجملة فالقرآن نزل بلسان قوم النبي (صلى اللّه عليه و آله) مبيّنا لمقاصده بنحو يخرج عن طاقة البشر. (2)

فالحاصل: أنّ دعوى اختصاص القرآن بالنبيّ و أهل بيته (عليهم السّلام) صحيح بالنسبة إلى تمام علوم القرآن ظاهرها و باطنها لا بالنسبة إلى ظواهرها، فإنّها لا تختص بهم بعد ما عرفت من أنّ القرآن كسائر الكتب لها ظواهر، و لذا لم يرد السؤال عن النبي (صلى اللّه عليه و آله) أو الأئمة المعصومين (عليهم السّلام) عن الآيات الظاهرة بنفسها، بل السؤال عن مقيّداتها و نواسخها و

____________

(1) المدثر: 36.

(2) نهاية الاصول: 447- 480.

31

شروطها، فكما أنّ القيود و الشروط من نفس الكتاب مقدمة على إطلاق الآيات الظاهرة، فكذلك القيود و الشروط الآتية في سنة النبيّ (صلى اللّه عليه و آله) أو روايات اهل البيت (عليهم السّلام) بعد حجيّة كلامهم بنص قوله (صلى اللّه عليه و آله): «إني تارك فيكم الثقلين كتاب اللّه و عترتي ما إن تمسكتم بهما لن تضلّوا ابدا»

و مما ذكر ينقدح أنّ الظهورات القرآنيّة كسائر الظهورات في الحجيّة بعد ملاحظة ما ورد في نفس الكتاب أو السنة أو الأحاديث في بيان المراد الجدّى منها.

و من هذه الجهة لا فرق بين ظهورات الكتاب و غيرها. و الشاهد على ذلك هو الإرجاع إلى الكتاب في غير واحد من هذه الأخبار.

و منها الأخبار الدالة على أنّ القرآن يحتوي على مضامين شامخة و مطالب غامضة عالية لا يكاد تصل إليها أيدي أفكار اولي الانظار غير الراسخين العالمين بتأويله.

ففي خطبة مولانا أمير المؤمنين (عليه السّلام): أنّ علم القرآن ليس يعلم ما هو إلّا من ذاق طعمه، فعلم بالعلم جهله و بصر به عماه و سمع به صممه و أدرك به ما قد فات و حيّ به بعد إذ مات، فاطلبوا ذلك من عند أهله و خاصّته، فإنّهم خاصّة نور يستضاء به و أئمّة تقتدى بهم، هم عيش العلم و موت الجهل، و هم الذين يخبركم حلمهم عن علمهم و صمتهم عن منطقهم و ظاهرهم عن باطنهم، لا يخالفون الحق، و لا يختلفون فيه. (1)

و في خبر ابن عباس قال: قال رسول (صلى اللّه عليه و آله) في خطبة: إنّ عليا هو أخي و وزيري و هو خليفتي و هو المبلّغ عنّي، إن استرشدتموه أرشدكم، و إن اتبعتموه نجوتم، و إن خالفتموه ضللتم، إنّ اللّه انزل عليّ القرآن و هو الذى و من خالفه ضلّ و من يبتغي علمه عند غير علي هلك. (2)

و في خبر المعلّى بن خنيس قال: أبو عبد اللّه (عليه السّلام) في رسالة: فأمّا ما سألت عن القرآن فذلك‏

____________

(1) الوسائل الباب 13 من ابواب صفات القاضى، ح 26.

(2) الوسائل الباب 13 من ابواب صفات القاضى، ح 29.

32

أيضا من خطراتك المتفاوتة المختلفة، لأنّ القرآن ليس على ما ذكرت، و كل ما سمعت فمعناه على غير ما ذهبت إليه، و إنّما القرآن أمثال لقوم يعلمون دون غيرهم و لقوم يتلونه حق تلاوته و هم الذين يؤمنون به و يعرفونه، و أمّا غيرهم فما أشدّ إشكاله عليهم و أبعده من مذاهب قلوبهم، و لذلك قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) إنّه ليس شي‏ء أبعد من قلوب الرجال من تفسير القرآن، و في ذلك تحيّر الخلائق أجمعون إلّا من شاء اللّه. و إنّما أراد اللّه بتعميته في ذلك أن ينتهوا إلى بابه و صراطه و أن يعبدوه و ينتهوا في قوله إلى طاعة القوّام بكتابه و الناطقين عن أمره و أن يستنبطوا ما احتاجوا اليه من ذلك عنهم لا عن انفسهم، ثم قال‏ وَ لَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَ إِلى‏ أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ‏ فأمّا عن غيرهم فليس يعلم ذلك أبدا و لا يوجد، و قد علمت أنّه لا يستقيم أن يكون الخلق كلهم ولاة الأمر؛ لأنّهم لا يجدون من يأتمرون عليه و من يبلغونه أمر اللّه و نهيه، فجعل اللّه الولاة خواص ليقتدى بهم، فافهم ذلك إن شاء اللّه، و إيّاك و إيّاك و تلاوة القرآن برأيك فإنّ الناس غير مشتركين في علمه كاشتراكهم فيما سواه من الامور و لا قادرين على تأويله إلّا من حدّه و بابه الذي جعله اللّه له، فافهم إن شاء اللّه و اطلب الأمر من مكانه تجده إن شاء اللّه. (1)

و في خبر جابر بن يزيد قال سألت أبا جعفر (عليه السّلام) عن شي‏ء من التفسير فأجابني، ثم سألته عنه ثانية فأجابني بجواب آخر، فقلت: كنت أجبتني في هذه المسألة بجواب غير هذا؟! فقال:

يا جابر إنّ للقرآن بطنا و له ظهر و للظهر ظهر، يا جابر و ليس شي‏ء أبعد من عقول الرجال من تفسير القرآن، إنّ الآية يكون أوّلها في شي‏ء و آخرها في شي‏ء، و هو كلام متصل متصرف على وجوه. (2)

و في خبر إسحاق بن عمار قال: سمعت أبا عبد اللّه (عليه السّلام) يقول: إنّ للقرآن تأويلا، فمنه ما قد جاء، و منه ما لم يجئ، فإذا وقع التأويل في زمان امام من الأئمة عرفه إمام ذلك الزمان. (3)

____________

(1) الوسائل الباب 13 من ابواب صفات القاضى، ح 38.

(2) الوسائل الباب 13 من ابواب صفات القاضى، ح 41.

(3) الوسائل الباب 13 من ابواب صفات القاضى، ح 47.

33

و في خبر أبى بصير قال: قال أبو جعفر (عليه السّلام) نحن الراسخون في العلم، و نحن نعلم تأويله. (1)

و في خبر عبد الرحيم عن أبى جعفر (عليه السّلام) قال: إنّ هذا العلم انتهى إليّ في القرآن، ثم جمع أصابعه، ثم قال: بل هو آيات بيّنات في صدور الذين اوتوا العلم. (2)

إلى غير ذلك من الروايات الدالة على أنّ المعاني الشامخة التي للقرآن تكون عند النبي و أهل بيته (عليهم السّلام)، و لا يمكن تناولها إلّا بهم.

و يمكن الجواب عنه بأنّ اشتمال القرآن على المضامين العالية الغامضة و اختصاص علمها بالراسخين في العلم و لزوم الرجوع إليهم في التفسير و التأويل لا ينافي وجود ظواهر فيه بالنسبة إلى الأحكام و غيرها و حجيتها، هذا مضافا إلى أنّ علو المضامين لا ينافي فهم بعض مراتبها للعموم و إن اختص فهم كنهها بهم (عليهم السّلام).

قال السيد المحقق البروجردي (قدّس سرّه): إنّ القرآن و إن اشتمل على المطالب العالية و لكنه لمّا كان منزلا لهداية الناس و إرشادهم إلى ما فيه صلاحهم نزل على أسلوب عجيب، فيفيد هذه المطالب العالية كل من عرف اللغة العربية. و هذا أحد وجوه إعجازه، و قياسه بكلمات الأوائل و الفلاسفة قياس مع الفارق؛ فإنّ الفلاسفة لم يصنّفوا كتبهم لعامّة الناس يستفيد منها كل أحد، و لم يكونوا بصدد إصلاح عامّة الناس و هدايتهم و إرشادهم، بل قصدوا بذلك بيان ما وصل إليه افكارهم حتى يطلع عليها العارف باصطلاحاتهم. (3)

على أنّ الإرجاعات الواردة في الروايات إلى ظواهر القرآن مما يشهد على أنّ ظواهر القرآن حجة و إن كان القرآن مشتملا على الحقائق الغامضة التي لا يصل فهم الناس إليها من دون أخذ علمها من الأئمة الطاهرين (عليهم السّلام).

و ايضا جعل تمام القرآن غامضا و مشكلا لا يساعد كون القرآن عربيا مبينا مع أنّ القرآن‏

____________

(1) الوسائل الباب 13 من ابواب صفات القاضى، ح 53.

(2) الوسائل الباب 13 من ابواب صفات القاضى، ح 56.

(3) نهاية الاصول: 48.

34

نص في غير مورد بأنّه عربي مبين و آيات بيّنات، و دعا الناس إلى التأمل و التدبّر فيه. و هذا يقضي بوجود الظهورات فيه و حجيتها.

بل دعوى الإبهام المطلق في القرآن مما لا يساعدها الروايات أيضا:

أحدها: ما عن الهجري عن أبي جعفر (عليه السّلام): أنّ رجلا قال له: أنت الذي تقول ليس شي‏ء من كتاب اللّه إلّا معروف؟! قال: ليس هكذا قلت، إنّما قلت: ليس شي‏ء من كتاب اللّه، إلّا عليه دليل ناطق عن اللّه في كتابه مما لا يعلمه الناس .. إلى أن قال: إنّ للقرآن ظاهرا و باطنا و معاينا و ناسخا و منسوخا و محكما و متشابها و سننا و امثالا و فصلا و وصلا و احرفا و تصريفا، فمن زعم أنّ الكتاب مبهم فقد هلك و أهلك. (1)

و حمله على أنّ المراد أنّه ليس بمبهم على كل أحد بل يعلمه الإمام و من علّمه إيّاه و إلّا لناقض آخره أوّله، كما ترى؛ إذ الرواية تدلّ في الذيل على عدم الإبهام، و هو يساعد صدره الدال على وجود الظاهر فيه مع كونه واجدا للامور المذكورة.

و ثانيها: ما عن مولانا امير المؤمنين (عليه السّلام) في ضمن احتجاجه على زنديق: ثم إنّ اللّه قسّم كلامه ثلاثة أقسام، فجعل قسما منه يعرفه العالم و الجاهل، و قسما لا يعرفه إلّا من صفا ذهنه و لطف حسّه و صحّ تمييزه ممن شرح اللّه صدره للإسلام، و قسما لا يعلمه إلّا اللّه و ملائكته و الراسخون في العلم. (2)

و ثالثها: ما روي من أنّ اللّه لا يخاطب الخلق بما لا يعلمون. (3)

بدعوى أنّ جعل المراد من المخاطب بالقرآن خصوص أهل العصمة (عليهم السّلام) و هم يعلمون القرآن أو جميع المكلفين بدعوى كفاية تعليم بعضهم؛ لا يخلو عن تكلف، بل المراد أنّ القرآن عربي مبين يفهمه الخلق، و لا ينافي ذلك كون معناه ذا مراتب و درجات يختص علمها بنحو كامل بأهل البيت (عليهم السّلام).

____________

(1) الوسائل الباب 13 من ابواب صفات القاضى، ح 39.

(2) الوسائل الباب 13 من ابواب صفات القاضى، ح 44.

(3) الوسائل الباب 13 من ابواب صفات القاضى، ح 81.

35

و منها: شمول القرآن للمتشابه، و قد منع عن اتباع المتشابه قال تعالى: فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ وَ ابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ‏ و المتشابه يشمل الظواهر ايضا، و لا أقلّ من احتمال شموله لها لتشابه المتشابه و احتمال كون المراد منه معنى يشمل الظواهر ايضا.

و يمكن الجواب عنه بالمنع عن كون الظاهر من مصاديق المتشابه، فان المتشابه هو خصوص المجمل، و ليس المتشابه متشابها و مجملا في مفهومه او في مصداقه. و عليه فلا يشمل الظاهر الذي ليس له عرفا احتمالان، كما لا يخفى. (1)

و منها: دعوى العلم الإجمالي بطروّ تخصيصات و تقييدات و تجوزات في ظواهر الكتاب، فلا يجوز العمل بالاصول اللفظية فيها مع كونها من أطراف العلم الإجمالى لتعارضها و سقوطها.

و يمكن الجواب عنه بأنّ العلم الاجمالي يوجب المنع عن العمل بالظواهر فيما إذا لم ينحل بالظفر في الروايات بموارد إرادة خلاف الظاهر بمقدار المعلوم بالإجمال، و إلّا فلا يبقى بالنسبة إلى غير هذه الموارد علم إجمالي، بل يكون مجرد احتمال.

مع أنّ دعوى اختصاص أطرافه بما إذا تفحّص عما يخالفه لظفر به غير بعيدة، فتأمّل جيّدا.

و عليه فبعد الفحص يحصل العلم التفصيلي بالمخصصات و المقيدات، و لا يحتمل التخصيص أو التقييد في غير هذه الموارد. (2)

و منها: الروايات الواردة في ممنوعية التفسير. و هذه الأخبار على طوائف:

الطائفة الاولى: [الأخبار الدّالة على اختصاص التفسير بالائمة (عليهم السّلام)‏]

الأخبار الدّالة على اختصاص التفسير بالائمة (عليهم السّلام): كخبر سلمة بن محرز قال: سمعت أبا جعفر (عليه السّلام) يقول: إنّ من علم ما اوتينا تفسير القرآن و أحكامه الحديث. (3)

____________

(1) راجع الكفاية 2: 61.

(2) الكفاية 2: 62.

(3) الوسائل الباب 13 من ابواب صفات القاضى، ح 13.

36

و كخبر جابر بن يزيد قال: سألت أبا جعفر (عليه السّلام) عن شي‏ء من التفسير فأجابني، ثم سألته عنه ثانية فأجابني بجواب آخر، فقلت: كنت أجبتني في هذه المسألة بجواب غير هذا؟ فقال:

يا جابر إنّ للقرآن بطنا و له ظهر و للظهر ظهر يا جابر، و ليس شي‏ء أبعد من عقول الرجال من تفسير القرآن، إنّ الآية يكون أوّلها في شي‏ء و آخرها في شي‏ء، و هو كلام متصل متصرف على وجوه. (1)

و كخبر الاحتجاج عن النبي (صلى اللّه عليه و آله) في احتجاجه يوم الغدير على تفسير كتاب اللّه و الداعي إليه إلى أن قال: معاشر الناس تدبّروا و افهموا آياته و انظروا في محكماته، و لا تتبعوا متشابهه، فو اللّه لن يبيّن لكم زواجره و لا يوضح لكم عن تفسيره: إلّا الذي أنا آخذ بيده. (2)

و كخبر موسى بن عقبة: أنّ معاوية أمر الحسين (عليه السّلام) أن يصعد المنبر فيخطب: فحمد اللّه و أثنى عليه، ثم قال: نحن حزب اللّه الغالبون و عترة نبيّه الأقربون و أحد الثقلين اللذين جعلنا رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) ثاني كتاب اللّه فيه تفصيل كل شي‏ء لا يأتيه الباطل من بين يديه و لا من خلفه، و المعوّل علينا في تفسيره لا نتظنّى تأويله، بل نتّبع حقائقه، فأطيعونا فان طاعتنا مفروضة إذ كانت بطاعة اللّه و رسوله مقرونة، قال اللّه: أَطِيعُوا اللَّهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ وَ أُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْ‏ءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَ الرَّسُولِ؟ و قال: وَ لَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَ إِلى‏ أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ‏ (3)

و كخبر زرارة عن ابي جعفر (عليه السّلام) قال: تفسير القرآن على سبعة اوجه منه ما كان و منه ما لم يكن بعد، تعرفه الائمة (عليهم السّلام)(4)

و كخبر يعقوب بن جعفر قال: كنت مع أبى الحسن (عليه السّلام) بمكة فقال له قائل: إنّك لتفسر من كتاب اللّه ما لم تسمع به؟! فقال ابو الحسن (عليه السّلام): علينا نزل قبل الناس و لنا فسّر قبل أن‏

____________

(1) الوسائل الباب 13 من ابواب صفات القاضى، ح 41.

(2) الوسائل الباب 13 من ابواب صفات القاضى، ح 45.

(3) نفس المصدر

(4) الوسائل الباب 13 من ابواب صفات القاضي، ح 50.

37

يفسّر في الناس، فنحن نعرف (نعلم) حلاله و حرامه و ناسخه و منسوخه و سفريّه و حضريّه، و في أيّ ليلة نزلت كم من آية و فيمن نزلت و فيما نزلت، فنحن حكماء اللّه في أرضه و شهداؤه على خلقه الحديث. (1)

قال البحراني بعد نقل جملة من الروايات المذكورة و غيرها: و أمّا غيرهم (عليهم السّلام) فلا شبهة في قصور علومهم و عجز أفهامهم عن الوصول إلى ساحة إدراك كثير من تفسير الظواهر و التنزيل فضلا عن البواطن و التأويل بلا إرشاد من الائمة العالمين و عناية من اللّه رب العالمين. (2)

الطائفة الثانية: [الأخبار الناهية عن تفسير القرآن بالرأى من غير المعصوم (عليه السّلام):]

الأخبار الناهية عن تفسير القرآن بالرأى من غير المعصوم (عليه السّلام):

ففي موثقة الريّان بن الصلت عن الرضا (عليه السّلام) عن أبيه عن آبائه عن أمير المؤمنين (عليه السّلام): قال قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله): قال اللّه جل جلاله: ما آمن بي من فسّر برأيه كلامي الحديث. (3)

و في خبر عمار بن موسى عن ابي عبد اللّه (عليه السّلام) في حديث: و من فسّر برأيه من كتاب اللّه فقد كفر. (4)

و في خبر أبي بصير عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام): من فسّر القرآن برأيه إن اصاب لم يؤجر و إن أخطأ خرّ أبعد من السماء. (5)

و في خبر عبد الرحمن بن سمرة قال: قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله): لعن اللّه المجادلين في دين اللّه على لسان سبعين نبيّا، و من جادل‏ (6) في آيات اللّه كفر قال اللّه‏ ما يُجادِلُ فِي آياتِ اللَّهِ إِلَّا

____________

(1) بصائر الدرجات الجزء الرابع 198، الوسائل الباب 13 من ابواب صفات القاضى، ح 51.

(2) البرهان: 16.

(3) الوسائل الباب 6 من ابواب صفات القاضى، ح 22.

(4) الوسائل الباب 6 من ابواب صفات القاضى، ح 45.

(5) الوسائل الباب 13 من ابواب صفات القاضى، ح 66.

(6) جادل مجادلة اذا خاصم بما يشغل عن ظهور الحق و وضوح الصواب، هذا أصله، ثم استعمل على لسان حملة الشرع في مقابلة الادلة لظهور ارجحها و هو محمود ان كان للوقوف على الحق، و إلّا فمذموم (مصباح اللغة) و الظاهر انّ المراد من المجادلة في الحديث هو المعنى الاول.

38

الَّذِينَ كَفَرُوا*، و من فسّر القرآن برأيه فقد افترى على اللّه الكذب الحديث. (1)

و في خبر زيد الشحام قال: دخل قتادة بن دعامة على أبي جعفر (عليه السّلام) فقال: يا قتادة أنت فقيه اهل البصرة؟! فقال: هكذا يزعمون. فقال أبو جعفر (عليه السّلام) بلغني أنّك تفسر القرآن. فقال له قتادة: نعم. فقال له أبو جعفر (عليه السّلام): فإن كنت تفسره بعلم فأنت أنت، و أنا أسألك ... إلى أن قال ابو جعفر (عليه السّلام): ويحك يا قتادة إن كنت إنّما فسرت القرآن من تلقاء نفسك فقد هلكت و أهلكت، و إن كنت قد فسرته من الرجال فقد هلكت و أهلكت، و إن كنت قد فسّرته من الرجال فقد هلكت و أهلكت ويحك يا قتادة إنّما يعرف القرآن من خوطب به. (2)

و في مجمع البيان عن ابن عباس عن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) قال: من قال في القرآن بغير علم فليتبوأ مقعده من النار. (3)

و فيه أيضا: و صحّ عن النبي (صلى اللّه عليه و آله) و الأئمة (عليهم السّلام): أنّ تفسير القرآن لا يجوز إلّا بالأثر الصحيح و النصّ الصريح. (4)

و فيه أيضا: و روى العامة عن النبي (صلى اللّه عليه و آله) قال: من فسّر القرآن برأيه فأصاب الحق فقد أخطأ. (5)

و في تفسير البرهان: و عن النبيّ (صلى اللّه عليه و آله): من فسّر القرآن برأيه فليتبوّأ مقعده من النّار. (6)

إلى غير ذلك من الأخبار الظاهرة في النهي عن التفسير بغير ما ورد عن المعصومين (عليهم السّلام).

الطائفة الثالثة: [الأخبار الدّالة على المنع عن ضرب القرآن بعضه ببعض‏]

الأخبار الدّالة على المنع عن ضرب القرآن بعضه ببعض ففى خبر القاسم بن سليمان عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال: قال أبي: ما ضرب رجل القرآن بعضه ببعض الّا كفر.

____________

(1) الوسائل الباب 13 من ابواب صفات القاضى، ح 37.

(2) الوسائل الباب 13 من ابواب صفات القاضى، ح 25.

(3) الوسائل الباب 13 من ابواب صفات القاضى، ح 76.

(4) الوسائل الباب 13 من ابواب صفات القاضى، ح 78.

(5) الوسائل الباب 13 من ابواب صفات القاضى، ح 79.

(6) البرهان: 16.

39

قال الصدوق: سألت محمّد بن الحسن عن معنى الحديث فقال: هو أن يجيب الرجل في تفسير آية بتفسير آية اخرى. (1)

و قال في تفسير البرهان: و الظاهر أنّ المراد تأويل بعض متشابهاته إلى بعض بمقتضى الرأي و الهوى من دون سماع من أهله و نور هدى من اللّه. (2)

و في خبر اسماعيل بن جابر عن الصادق (عليه السّلام) قال: إنّ اللّه بعث محمّدا فختم به الأنبياء فلا نبي بعده، و أنزل عليه كتابا فختم به الكتب فلا كتاب بعده .. إلى أن قال: فجعله النبي (صلى اللّه عليه و آله) علما باقيا في أوصيائه، فتركهم الناس و هم الشهداء على أهل كل زمان حتى عاندوا من أظهر ولاية ولاة الأمر و طلب علومهم، و ذلك أنّهم ضربوا القرآن بعضه ببعض، و احتجّوا بالمنسوخ و هم يظنون أنّه الناسخ، و احتجّوا بالخاصّ و هم يقدّرون أنّه العامّ، و احتجّوا بأوّل الآية و تركوا السنّة في تأويلها، و لم ينظروا إلى ما يفتتح الكلام و إلى ما يختمه، و لم يعرفوا موارده و مصادره؛ إذ لم يأخذوه من أهله، فضلّوا و أضلّوا.

ثم ذكر كلاما طويلا في تقسيم القرآن إلى أقسام و فنون و وجوه تزيد على مائة و عشر ... إلى أن قال: و هذا دليل واضح على أنّ كلام الباري سبحانه لا يشبه كلام الخلق كما لا تشبه افعاله أفعالهم، و لهذه العلّة و أشباهها لا يبلغ أحد كنه معنى حقيقة تفسير كتاب اللّه تعالى إلّا نبيّه و أوصياؤه ... إلى أن قال: ثم سألوه (عليه السّلام) عن تفسير المحكم من كتاب اللّه فقال:

أمّا المحكم الذي لم ينسخه شي‏ء فقوله عزّ و جلّ‏ هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَ أُخَرُ مُتَشابِهاتٌ‏ الآية؛ و إنّما هلك الناس في المتشابه؛ لأنّهم لم يقفوا على معناه، و لم يعرفوا حقيقته، فوضعوا له تأويلا من عند أنفسهم بآرائهم، و استغنوا بذلك عن مسألة الأوصياء، و نبذوا قول رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) وراء ظهورهم الحديث. (3)

إلى غير ذلك من الروايات و بالجملة: فحاصل الاستدلال بالطوائف المذكورة أنّ‏

____________

(1) الوسائل الباب 13 من ابواب صفات القاضى، ح 22.

(2) البرهان 16.

(3) الوسائل الباب 13 من ابواب صفات القاضى، ح 62.

40

مقصود اللّه سبحانه و تعالى من القرآن الكريم ليس هو. تفهيم مطالبه بلا واسطة تبيين المعصومين و تفسيرهم (عليهم السّلام): و عليه فالأخذ بظاهره و العمل به من مصاديق تفسير القرآن الذي كان منهيا عنه بحسب الاخبار، و معه لا حجيّة لظواهره.

و يمكن الجواب عنه:

أوّلا: بأنّ الاخبار المذكورة دلّت على ممنوعيّة التفسير لا العمل بالظواهر الواضحة المعنى بعد الفحص عن النسخ و التخصيص و التقييد؛ فإنّ هذا لا يسمّى تفسيرا، إذا التفسير مختص بما له إبهام و إجمال و تشابه و خفاء بحيث لا يمكن رفعه إلّا بالتفسير و كشف القناع و من المعلوم أنّه لا إجمال و لا إبهام في الأخذ بالظواهر أو في ضرب بعضها ببعض.

قال الشيخ الأعظم (قدّس سرّه): إنّ أحدا من العقلاء إذا رأى في كتاب مولاه أنّه أمره بشي‏ء بلسانه المتعارف في مخاطبته عربيا أو فارسيا أو غيرهما فعمل به و امتثله لم يعدّ هذا تفسيرا إذ التفسير كشف القناع، و لا قناع للظاهر. (1)

هذا، مضافا إلى ما ورد من الروايات في معنى التفسير من أنّ المراد منه هو تفسير البطون كرواية زيد الشحام قال: دخل قتادة بن دعامة على أبى جعفر (عليه السّلام) فقال: يا قتادة أنت فقيه أهل البصرة، فقال: هكذا يزعمون فقال أبو جعفر (عليه السّلام): بلغني أنّك تفسّر القرآن فقال له قتادة: نعم فقال أبو جعفر (عليه السّلام): بعلم تفسره أن بجهل قال: لا، بعلم فقال له ابو جعفر (عليه السّلام): فإن كنت تفسّره بعلم فأنت أنت، و أنا أسألك قال: قتادة سل. قال: أخبرني عن قول اللّه عزّ و جلّ في سبأ وَ قَدَّرْنا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيها لَيالِيَ وَ أَيَّاماً آمِنِينَ‏ فسّر قتادة آمنين فقال قتادة: ذلك من خرج من بيته بزاد حلال و كراء حلال يريد هذا البيت كان آمنا حتى يرجع إلى أهله.

فقال أبو جعفر (عليه السّلام): نشدتك اللّه يا قتادة هل تعلم أنّه قد يخرج الرجل من بيته بزاد حلال و راحلة و كراء حلال يريد هذا البيت فيقطع عليه الطريق فتذهب نفقته و يضرب‏

____________

(1) فرائد الاصول: 35.

41

مع ذلك ضربة فيها اجتياحه؟! قال قتادة: اللّهمّ نعم. فقال أبو جعفر (عليه السّلام): ويحك يا قتادة إن كنت إنّما فسرت القرآن من تلقاء نفسك فقد هلكت، و أهلكت و إن كنت قد أخذته من الرجال فقد هلكت و أهلكت، ويحك يا قتادة ذلك من خرج من بيته بزاد و راحلة و كراء حلال يروم هذا البيت عارفا بحقنا يهوانا قلبه كما قال اللّه عزّ و جلّ‏ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ‏ و لم يعن البيت فيقول: إليه، فنحن و اللّه دعوة إبراهيم (عليه السّلام) التي من هو انا قلبه قبلت حجّته، و إلّا فلا يا قتادة، فإذا كان كذلك كان آمنا من عذاب جهنم يوم القيامة.

قال قتادة لا جرم و اللّه لا فسرتها إلّا هكذا. فقال ابو جعفر (عليه السّلام): ويحك يا قتادة إنّما يعرف القرآن من خوطب به الاجتياح الإهلاك. (1)

فإنّ هذه الرواية المباركة تدلّ على أنّ محل الكلام بين الإمام (عليه السّلام) و بين قتادة هو تفسير البطون؛ لوضوح أنّ الآيات المذكورة غير مرتبطة بمسألة الحجّ، بل هي شارحة لقصة سبأ، فقتادة ادّعى العلم بتفسير البطون، و فسرها بعنوان البطن بمن يريد بيت اللّه الحرام، فأورد عليه الإمام (عليه السّلام) بأنّ «كان آمنا» لا يساعد مع حدوث الحوادث في الطرق، ثم فسّرها الإمام بمن يريد الذهاب إلى أهل البيت و أنّ المراد من قوله «كان آمنا» هو الأمان من عذاب جهنم يوم القيامة، و استشهد في ذلك بظهور كلمة إليهم في قول‏ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ‏ في أنّ المقصود من دعاء إبراهيم هو أهل البيت لا بيت اللّه، و إلّا فيقول إليه مكان إليهم. فاتضح من هذه الآية أنّ معنى التفسير هو تفسير البطون لا الأخذ بالظهور، فمنعه الإمام عن هذا النوع من التفسير و ارجعه إلى الأخذ بالظهور بقوله: «و لم يعن البيت فيقول إليه»

و كرواية جابر حيث قال: سألت أبا جعفر (عليه السّلام) عن شي‏ء من التفسير فأجابني ثم سألته عنه ثانيا: فأجابني بجواب آخر فقلت: كنت أجبتني في هذه المسألة بجواب غير هذا فقال: يا

____________

(1) روضة الكافى، 311- 312.

42

جابر إنّ للقرآن بطنا و له (اي للبطن) ظهر و للظهر ظهر، يا جابر و ليس شي‏ء أبعد من عقول الرجال من تفسير القرآن الحديث. (1)

فإنّ الأجوبة المختلفة و صحة جميعها لا تكون إلّا بعنوان تفسير البطون، و إلّا فاللازم هو الاقتصار على ما يساعده الظهور.

و كرواية زرارة عن أبي جعفر (عليه السّلام) حيث قال: تفسير القرآن على سبعة أوجه: منه ما كان، و منه ما لم يكن بعد تعرفه الأئمة (عليهم السّلام)(2)

فإنّ ذكر الوجوه المختلفة أو ذكر المصاديق الخفية ليس إلّا من باب تفسير البطون لا الأخذ بالظهور، و إلّا لزم الاقتصار على ما يساعده الظهور، لا التعدي منه إلى الوجوه الأخرى أو المصاديق الخفيّة.

فانقدح من ذلك أنّ موضوع الأخبار الناهية هو التفسير، و المراد منه هو ذكر البطون أو ذكر المصاديق الخفيّة، و هو أجنبي عن الأخذ بظهورات الكتاب.

و ثانيا: بأنّه لو سلّم أنّ العمل بالظواهر تفسير و الأخبار تدلّ على النهي عن التفسير، فلا يخفى أنّ الممنوع هو التفسير بالرأي، و الرأي على ما أفاده الشيخ هو الاعتبار العقلي الظنّي الراجع إلى الاستحسان الذي لا اعتبار به، كحمل اللفظ على خلاف ظاهره لمجرد رجحانه بنظره أو حمل المجمل على بعض محتملاته لرجحان ذلك في نظره من دون مساعدة دليل عليه و من دون فحص عمّا ورد عن الأوصياء المعصومين (عليهم السّلام).

و من المعلوم أنّ ذلك لا يشمل حمل ظواهر الكتاب على معانيها اللغوية و العرفية بعد الفحص عما ورد عن الأوصياء (عليهم السّلام) و العمل بها و الاجتناب عن الاعتبارات الظنيّة التي لا دليل عليها. و يرشد إليه المروي عن إسماعيل بن جابر عن الصادق (عليه السّلام) حيث قال في حديث طويل: إنّما هلك الناس في المتشابه؛ لأنّهم لم يفقهوا على معناه و لم يعرفوا حقيقته،

____________

(1) الوسائل الباب 13 من ابواب صفات القاضى، ح 41.

(2) الوسائل الباب 13 من ابواب صفات القاضى، ح 50.

43

فوضعوا له تأويلا من عند أنفسهم بآرائهم، و استغنوا بذلك عن مسألة الأوصياء. (1)

او أنّ الممنوع هو التفسير من دون فحص كامل عن القرائن العقلية و النقلية كما هو دأب المخالفين في الاكتفاء بنفس الكتاب، قال الشيخ الأعظم (قدّس سرّه): يرشدك إلى هذا ما تقدم في ردّ الإمام على أبي حنيفة حيث إنّه يعمل كتاب اللّه، و من المعلوم أنّه إنّما كان يعمل بظواهره لا أنّه كان يؤوّله بالرأي؛ إذ لا عبرة بالرأي عندهم مع الكتاب و السنة. و يرشد إلى هذا قول ابي عبد اللّه (عليه السّلام) في ذمّ المخالفين أنّهم ضربوا القرآن بعضه ببعض، و احتجّوا بالمنسوخ و هم يظنّون أنّه الناسخ، و احتجّوا بالخاص و هم يظنّون أنّه العامّ، و احتجّوا بأوّل الآية و تركوا السنّة في تأويلها و لم ينظروا إلى ما يفتتح به الكلام و إلى ما يختمه، و لم يعرفوا موارده و مصادره؛ إذ لم يأخذوه عن أهله، فضلّوا و أضلّوا. (2)

فتحصّل: أنّه يجوز التفسير بعد الفحص و الاجتناب عن الاعتبارات التي لا دليل عليها.

و لا ينافيه ما ورد في اختصاص التفسير بالائمة (عليهم السّلام)؛ لأنّ المراد منه هو التفسير الكامل لا تفسير بعض القرآن بحمل ظواهره على معانيها اللغوية و العرفية بعد الفحص عن الروايات الواردة حوله مع الاجتناب عن الآراء الشخصيّة، و لذلك قال الشيخ (قدّس سرّه): و بالجملة فالانصاف يقتضي عدم الحكم بظهور الأخبار المذكورة في النهي عن العمل بظاهر الكتاب بعد الفحص و التتبع فى سائر الأدلة خصوصا الآثار الواردة عن المعصومين. (3)

و ثالثا: بأنّه لو سلّمنا دلالة الأخبار المذكورة على المنع عن الأخذ بظهور الآيات القرآنية، فلا بدّ من حملها على ما ذكر؛ لتعارضها مع أكثر الأخبار الدالّة على جواز التمسك بظواهر القرآن الكريم مثل خبر الثقلين، و الأخبار الدالّة على الأمر بالتمسك بالقرآن و العمل بما فيه، و الروايات الدالّة على عرض الأخبار المتعارضة على القرآن و الأخذ بالموافق و طرح المخالف، و الأخبار الدالة على ردّ الشروط المخالفة للكتاب في أبواب المعاملات، و

____________

(1) الوسائل الباب 13 من ابواب صفات القاضى، ح 62.

(2) فرائد الاصول: 36.

(3) فرائد الاصول: 36.

44

الروايات الدالة على الإرجاع إلى ظواهر الكتاب مثل قوله (عليه السّلام) لما قال له زرارة من أين علمت أنّ المسح ببعض الرأس فقال: لمكان الباء. فعرفه مورد استفادة الحكم من ظاهر الكتاب، و إلى غير ذلك من الموارد الكثيرة التي أشار إليها الشيخ الأعظم (قدّس سرّه). (1)

فحينئذ يكون مقتضى الجمع بين الأخبار هو حمل الأخبار الناهية على النهي عن التفسير بالرأي أو التفسير من دون فحص و تتبّع؛ لأنّ جواز التمسك بظواهر القرآن عرض الأخبار المتعارضة على ظاهر القرآن و ردّ الشروط المخالفة لظاهر القرآن و الإرجاعات إلى ظواهر القرآن و غير ذلك من المسلّمات، و هو قرينة على أنّ المقصود من الأخبار الناهية غير صورة الأخذ بالظهورات مع مراعاة الفحص و التّتبع و الاجتناب عن الرأي الشخصي، فتدبر جيّدا.

و لذلك قال المحقق الخراساني (قدّس سرّه): لا محيص عن حمل هذه الروايات الناهية عن التفسير به على ذلك، و لو سلّم شمولها لحمل اللفظ على ظاهر ضرورة أنّه قضيّة التوفيق بينها و بين ما دلّ على جواز التمسك بالقرآن مثل خبر الثقلين و ما دلّ على التمسك به و العمل بما فيه و عرض الأخبار المتعارضة عليه و ردّ الشروط المخالفة له و غير ذلك مما لا محيص عن إرادة الإرجاع إلى ظواهره لا خصوص نصوصه؛ ضرورة أنّ الآيات التي يمكن أن تكون مرجعا في باب تعارض الروايات أو الشروط أو يمكن أن يتمسك بها و يعمل بما فيها ليست إلّا ظاهرة في معانيها، و ليس فيها ما كان نصّا كما لا يخفى. (2)

لا يقال: إنّ الرجوع إلى الكتاب عند تعارض الأخبار ليس من باب حجيّة الكتاب، بل من جهة مرجحيّته كما يرجع إلى آراء العامّة من جهة المرجحية لا الحجية لأنا نقول: لحن الأخبار يخالف ذلك التوهم:

فإنّ منها ما يجعل الموافقة للقرآن معيارا للأخذ به و عدم الموافقة معيارا للردّ حيث‏

____________

(1) راجع فرائد الاصول: 36- 37.

(2) الكفاية 2: 62- 63.

45

قال (عليه السّلام) في حديث جابر: انظروا أمرنا و ما جاءكم عنا، فإن وجدتموه للقرآن موافقا فخذوا به، و إن لم تجدوه موافقا فردّوه. (1) و من المعلوم أنّ هذا التعبير ظاهر في حجيّة الكتاب.

و أيضا من الأخبار ما يجعل القرآن شاهد صدق حيث قال (عليه السّلام): إذا جاءكم عنا حديث فوجدتم عليه شاهدا أو شاهدين من كتاب اللّه فخذوا به، و إلّا فقفوا عنده ثم ردوه إلينا حتى يستبين لكم. (2) و من المعلوم أنّ الشهادة من الحجج، فالتعبير عن القرآن بالشاهد ظاهر في كونه حجّة.

و أيضا من الأخبار ما يجعل القرآن مرجعا للصحة حيث قال (عليه السّلام): كل شي‏ء مردود إلى الكتاب و السنة، و كل حديث لا يوافق كتاب اللّه فهو زخرف. (3) و من المعلوم أنّ المرجّحيّة لا تتصور بدون الحجيّة.

هذا، مضافا إلى أنّ التعبير عن الكتاب بالنور و الهداية و فصل الخطاب و المصباح و نحوها لا يساعد أن يكون الرجوع إلى الكتاب من باب المرجّحيّة لا الحجيّة، فلا تغفل. و مما ذكر ينقدح ما في المحكي عن سيدنا الأستاذ المحقق الداماد (قدّس سرّه) حيث قال إنّ كون الظاهر مرجّحا و موجبا لتقديم أحد الخبرين لا يلازم حجّيته ذاتا و في نفسه‏ (4)

و ذلك لما عرفت من شهادة لحن الأخبار المذكورة على أنّ المقصود هو الحجّيّة لا مجرد المرجّحيّة فلا تغفل.

التنبيهات‏

التنبيه الأوّل: [البحث عن اعتبار ظواهر الكتاب قليل الجدوى،]

أنّه ربّما يتوهم أنّ البحث عن اعتبار ظواهر الكتاب قليل الجدوى، لأنّه ما من آية من‏

____________

(1) الوسائل الباب 9 من ابواب صفات القاضى، ح 37.

(2) الوسائل الباب 9 من ابواب صفات القاضى، ح 18.

(3) الوسائل الباب 9 من ابواب صفات القاضى، ح 14.

(4) المحاضرات 2/ 101.

46

الآيات الواردة في الفروع و الاصول إلّا ورد فيها خبر موافق أو أخبار موافقة لها، فلو لم يكن ظواهر الكتاب حجّة كفت الأخبار الموافقة لها. هذا مضافا إلى أنّ جلّ الآيات الواردة في الاصول و الفروع مجملة، فلا يمكن العمل بها إلّا بعد أخذ تفصيلها من الأخبار.

و يمكن الجواب عنه بما أفاده شيخنا الأعظم (قدّس سرّه) من أنّ المتوهم قصّر نظره إلى الآيات الواردة في العبادات؛ فإنّ أغلبها من قبيل ما ذكره، و إلّا فالإطلاقات الواردة في المعاملات مما يتمسّك بها في الفروع الغير المنصوصة أو المنصوصة بالنصوص المتكافئة كثيرة جدّا، مثل: أَوْفُوا بِالْعُقُودِ و أَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ‏ و تِجارَةً عَنْ تَراضٍ‏ و فَرِهانٌ مَقْبُوضَةٌ و لا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أَمْوالَكُمُ‏ وَ لا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ* وَ أُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ‏ ... إلى أن قال: و بل في العبادات ايضا كثيرة مثل قوله تعالى‏ إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرامَ‏ و آيات التيمّم و الوضوء و الغسل. و هذه العمومات و إن ورد فيها أخبار في الجملة إلّا أنّه ليس كل فرع مما يتمسك فيه بالآية ورد فيه خبر سليم عن المكافئ، فلاحظ و تتّبع. (1)

و كلامه متين، و لكن الأخذ بالإطلاق في الاختراعيات فرع إحراز كون المتكلم في مقام بيان تفصيل الأحكام لا في مقام بيان أصل التشريع، و إحراز ذلك في الموضوعات الاختراعية العبادية كالصلاة محل تأمّل، و إن كان إحراز ذلك في الإمضائيات أو التأسيسيات التي كان موضوعها من الموضوعات اللغوية كالجهاد و الدفاع و الإحسان و الإصلاح و التعاون و العدل و غير ذلك ممكنا؛ لمعلومية الموضوع عند العقلاء و العرف و لا حاجة إلى بيانه، فإذا أمضاه الشارع أو أسّسه و لم يقيّده بقيد و شرط كشف عن أنّ إطلاقه مقبول عنده؛ إذ لو كان مقيّدا عنده لزم عليه أن يبيّنه. و لا مورد لدعوى كونه في مقام بيان أصل المشروعية بعد وضوح الموضوع عندهم، كما لا يخفى.

نعم لا بأس بالأخذ بالإطلاق المقامي في العباديّات أيضا في العباديّات أيضا فيما إذا كشف كون المتكلم في مقام الإطلاق من جهة إحراز اكتفاء الشارع بها مع عدم ورود خبر و

____________

(1) فرائد الاصول: 39- 40.

47

رواية في بيان تفصيلها؛ فإنّ الاكتفاء بالآية في هذا المقام مع حلول وقت العمل يكشف عن إرادة إطلاقها، و إلّا لاتخذ سبيلا آخر لبيان مراده، كما لا يخفى.

التنبيه الثاني: [إحراز كون الظاهر من الكتاب‏]

أنّ اللازم بعد حجيّة ظهورات الكتاب هو إحراز كون الظاهر من الكتاب، فما اشتبه أنّه من الكتاب أو غيره فليس بحجّة. و عليه فلو اختلفت قراءة القرآن بحيث يوجب الاختلاف في الظهور و الأحكام، مثل: يطهرن بالتشديد و التخفيف، فإنّ قراءة التشديد ظاهرة في لزوم الاغتسال في جواز المعاشرة، و قراءة التخفيف ظاهرة في كفاية النقاء عن الحيض في ذلك، فلا يجوز التمسك بأحدهما لإثبات خصوص ما يكون ظاهرا فيه بعد عدم إحراز كونه من ظاهر القرآن و الكتاب، فاللازم في حجيّة ظاهر المعروفين، فإن كانت قراءاتهم متواترة فالقرآن متواتر، و إلّا فلا و إذن فلا محيص من القول بتواتر القراءات.

غير سديد؛ لأنّ تواتر القرآن لا يستلزم تواتر القراءات، إذ الاختلاف في كيفية الكلمة لا ينافي الاتفاق على أصلها، و لهذا نجد أنّ اختلاف الرواة في بعض ألفاظ قصائد المبتني مثلا لا يصادم تواتر القصيدة عنه و ثبوتها له.

على أنّ الواصل إلينا بتوسط القرّاء إنّما هو خصوصيات قراءاتهم، و أمّا أصل القرآن فهو و اصل إلينا بالتواتر بين المسلمين و بنقل الخلف عن السلف و حفظهم لذلك في صدورهم و في كتاباتهم، و لا دخل للقرّاء في ذلك أصلا، و لذلك كان القرآن ثابت التواتر حتى لو فرضنا أنّ هؤلاء القرّاء السبعة أو العشرة لم يكونوا: موجودين أصلا، عظمة القرآن أرقى من أن يتوقف على نقل اولئك النفر المحصورين ... إلى أن قال: فالمادّة متواترة و إن اختلف في هيئتها أو في إعرابها، و احدى الكيفيات من القرآن قطعا و إن لم تعلم بخصوصها.

و على الجملة تواتر القرآن لا يستلزم تواتر القراءات و قد اعترف بذلك الزرقانى حيث قال: يبالغ بعضهم في الإشادة (1) بالقراءات السبع، و يقول من زعم أنّ القراءات السبع لا يلزم فيها التواتر فقوله كفر لأنّه يؤدي إلى عدم تواتر القرآن جملة.

____________

(1) الاشادة لعله من اشاد بذكره أي رفعه بالثناء عليه.

48

و يعزى هذا الرأي إلى مفتى البلاد الأندلسية الأستاذ أبي سعيد فرج بن لب، و قد الكتاب هو إحراز كون الظاهر من الكتاب.

و دعوى تواتر القراءات كلها مندفعة بما في الكفاية من أنّها مما لا أصل له، و إنّما الثابت جواز القراءة بها، و لا ملازمة بين جواز القراءة و تواترها، كما لا ملازمة بين جواز القراءة تعبدا و جواز الاستدلال بها.

و إليك تفصيل ذلك: و لقد أفاد و اجاد السيد المحقق الخوئي (قدّس سرّه) حيث قال- بعد نقل تصريحات عدّة من علماء أهل السنّة بعدم تواتر القراءات- تامّل بربّك هل تبقى قيمة لدعوى التواتر في القراءات بعد شهادة هؤلاء الأعلام كلّهم بعدمه؟! و هل يمكن إثبات التواتر بالتقليد و باتباع بعض من ذهب إلى تحققه من غير أن يطالب بدليل؟!

ثم أورد على استدلالاتهم للتواتر بما حاصله:

و الاستدلال على تواتر القراءات السبع بقيام الإجماع عليه من السلف إلى الخلف فاسد؛ لأنّ الإجماع لا يتحقق باتّفاق أهل مذهب واحد عند مخالفة الآخرين.

كما أنّ الاستدلال عليه باهتمام الصحابة و التابعين بالقرآن يقضي بتواتر قراءاته غير صحيح؛ لأنّ هذا الدليل إنّما يثبت تواتر نفس القرآن لا تواتر كيفية قراءاته. هذا مضافا إلى أنّه لو كان هذا الدليل كافيا لتواتر القراءات فلا وجه لتخصيصه بالسبع أو العشر، بل لازمه هو الالتزام بتواتر جميع القراءات من غير تفرقة بينها.

و القول: بأنّ القراءات السبع لو لم تكن متواترة لم يكن القرآن متواترا، و التالي باطل بالضرورة فالمقدّم مثله. و وجه التلازم: أنّ القرآن إنّما وصل إلينا بتوسط حفّاظه و القرّاء تحمّس‏ (1) لرأيه كثيرا و ألف رسالة كبيرة في تأييد مذهبه و الردّ على من رد عليه و لكن دليله الذي استند اليه لا يسلم له؛ فإنّ القول بعدم تواتر القراءات السبع لا يستلزم القول بعدم تواتر القرآن، كيف و هناك فرق بين القرآن و القراءات السبع بحيث يصح أن يكون‏

____________

(1) اى اشتدّ و صلب‏

49

القرآن متواترا في غير القراءات السبع أو في القدر الذي اتفق عليه القراء جميعا أو في القدر الذي اتفق عليه عدد يؤمن تواطؤهم على الكذب قرّاء كانوا أو غير قرّاء. (1)

ثم حكى السيد المحقق الخوئى (قدّس سرّه) عن بعض علماء العامّة أنّ تواتر القرآن لا يستلزم تواتر القراءات، و أنّه لم يقع لأحد من أئمة الاصولين تصريح بتواتر القراءات و توقف تواتر القرآن على تواترها، كما وقع لابن الحاجب. (2)

قال الزركشي في البرهان: القرآن و القراءات حقيقتان متغايرتان، فالقرآن هو الوحي المنزل على محمّد (صلى اللّه عليه و آله) للبيان و الإعجاز، و القراءات اختلاف ألفاظ الوحي المذكور في الحروف و كيفيّتها من تخفيف و تشديد و غيرهما، و القراءات السبع متواترة عند الجمهور، و قيل بل هي مشهورة، و قال أيضا: و التحقيق أنّها متواترة عن الأئمة السبعة، أمّا تواترها عن النبىّ (صلى اللّه عليه و آله) ففيه نظر؛ فإنّ اسنادهم بهذه القراءات السبع موجود في كتب القراءات، و هي نقل الواحد عن الواحد. (3)

مسألة نزول القرآن على الاحرف: قال السيد المحقق الخوئى (قدّس سرّه): قد يتخيّل أنّ الأحرف السبعة التي نزل بها القرآن هى القراءات السبع، فيتمسك لإثبات كونها من القرآن بالروايات التي دلّت على أنّ القرآن نزل على سبعة أحرف ... إلى أن قال: منها ما أخرجه القرطبي عن أبى داود عن أبيّ قال: قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) يا أبيّ إنّي قرأت القرآن فقيل لي على حرف أو حرفين فقال الملك الذي معي قل: على حرفين فقيل لي: على حرفين أو ثلاثة فقال الملك الذي معى. قل على ثلاثة حتى بلغ سبع أحرف ... الحديث.

ثم قال السيد الخوئي (قدّس سرّه): هذه أهمّ الروايات الواردة في هذا المعنى، و كلّها من طرق اهل السنة، و هي مخالفة لصحيحة زرارة عن أبى جعفر (عليه السّلام) قال: إنّ القرآن واحد نزل من عند واحد، و لكن الاختلاف يجي‏ء من قبل الرواة. و ايضا أنّ الصادق (عليه السّلام) حكم بكذب الرواية

____________

(1) مناهل العرفان، ص 428.

(2) البيان: ص 105.

(3) الاتقان النوع، 22- 27، ج 1، ص 138.

50

المشهورة بين الناس (نزل القرآن على سبعة احرف) و قال: و لكنّه نزل على حرف واحد من عند الواحد. (1)

و قد تقدم إجمالا أنّ المرجع بعد النبي (صلى اللّه عليه و آله) في امور الدّين إنّما هو كتاب اللّه و أهل البيت الذين أذهب اللّه عنهم الرجس و طهّرهم تطهيرا و لا قيمة للروايات إذا كانت مخالفة لما يصحّ عنهم، و لذلك لا يهمّنا أن نتكلم في أسانيد هذه الروايات. و هذا أوّل شي‏ء تسقط بها الرواية عن الاعتبار و الحجيّة، و يضاف إلى ذلك ما بين هذه الروايات من التخالف و التناقض و ما في بعضها من عدم التناسب بين السؤال و الجواب. ثم أورد تلك الموارد و جعلها موهنة لهذه الروايات. ثم ذكر توجيهات ذكرها العامّة لمعنى هذه الرواية، ثم أشكل عليها. و لقد أفاد و أجاد و قال في نهاية الأمر: و حاصل ما قدّمناه أنّ نزول القرآن على سبعة أحرف لا يرجع إلى معنى صحيح، فلا بدّ من طرح الروايات الدالّة عليه، و لا سيما بعد أن دلّت أحاديث الصادقين (عليهم السّلام) على تكذيبها و أنّ القرآن أنّما نزل على حرف واحد و أنّ الاختلاف قد جاء من قبل الرواة. (2)

و الحاصل: أنّ دعوى تواتر القراءات مما لا أصل له، فإذا لم يثبت تواترها ظهر أنّه لا يجوز الاستدلال بكلّ قراءة لخصوص ما تكون ظاهرة فيه؛ لعدم إحراز كونه من ظاهر القرآن و مع التخالف يكون من موارد اشتباه الحجّة بغير الحجة إن قلنا بوجود قراءة النبيّ (صلى اللّه عليه و آله) فى أحد الطرفين إجمالا و مقتضى القاعدة هو التساقط و الرجوع إلى العموم أو الأصل الموافق لأحد مما ليس إلّا كما هو المحكي عن سيدنا الاستاذ المحقق الداماد (3) و لو سلّمنا تواترها فلا بدّ من الجمع بينها بحمل الظاهر على الأظهر، و مع عدم الأظهر يحكم بالتوقف و الرجوع إلى الأدلّة الأخرى أو الأصول الموجودة في المسألة.

ثم يقع الكلام في أنّه هل يجوز الإتيان بكل قراءة من القراءات في الصلاة أو لا يجوز؟ قال‏

____________

(1) الوافى 5 باب اختلاف القراءات، ص 272.

(2) البيان: 112 و 119- 135.

(3) المحاضرات 2- 104

51

السيد المحقق الخوئى (قدّس سرّه): في وجه الثاني أنّ الذي تقتضيه القاعدة الأوّلية هو عدم جواز القراءة في الصلاة بكلّ قراءة لم تثبت القراءة بها من النبي (صلى اللّه عليه و آله) أو من أحد أوصيائه المعصومين (عليهم السّلام) لأنّ الواجب في الصلاة هو قراءة القرآن، فلا يكفي قراءة شي‏ء لم يحرز كونه قرآنا، و قد استقل العقل بوجوب إحراز الفراغ اليقيني بعد العلم باشتغال الذمة، و على ذلك فلا بدّ من تكرار الصلاة بعدد القراءات المختلفة أو تكرار مورد الاختلاف في الصلاة الواحدة لإحراز الامتثال القطعي.

و لكنّ الذي يقتضيه التحقيق أنّه ثبت قطعا تقرير الأئمة (عليهم السّلام) شيعتهم على القراءة بأية واحدة من القراءات المعروفة في زمانهم، فلا شك في كفاية كلّ واحدة منها، فقد كانت هذه القراءات معروفة في زمانهم، و لم يرد عنهم أنّهم ردعوا عن بعضها، و لو ثبت الردع لوصل إلينا بالتواتر، و لا أقلّ من نقله بالآحاد، بل ورد عنهم (عليهم السّلام) إمضاء هذه القراءات بقولهم:

«اقرأ كما يقرأ الناس» و قولهم: «اقرءوا كما تعلّمتم». (1)

و على ذلك فلا معنى لتخصيص الجواز بالقراءات السبعة أو العشرة. نعم يعتبر في الجواز أن لا تكون القراءة شاذة ثابتة بنقل الثقات عند علماء أهل السنة و لا موضوعة؛ أمّا الشاذة فمثالها قراءة (ملك يوم الدين) بصيغة الماضي و نصب يوم. و أمّا الموضوعة فمثالها قراءة (إنّما يخشى اللّه من عباده العلماء) برفع كلمة اللّه و نصب كلمة العلماء على قراءة الخزاعي عن ابى حنيفة.

و صفوة القول: أنّه تجوز القراءة في الصلاة بكل قراءة كانت متعارفة في زمان أهل البيت. (2)

و هنا إشكال يمكن طرحه، و هو أنّ الروايات الدالة على جواز القراءة بما كان يقرأ الناس ضعيفة، و مع ضعفها كيف يمكن الاكتفاء بالقراءات المعروفة.

____________

(1) الوسائل الباب 74، من ابواب القراءة في الصلاة.

(2) البيان: 117- 118.

52

و يمكن الجواب عنه بأنّ القراءات الشائعة تكون في مرأى و منظر الأئمة (عليهم السّلام) و حيث أنّهم لم يردعوا عنها- إذ لو ردعوا عنها لوصل الردع إلينا- جاز الاكتفاء بالقراءات الشائعة المعروفة في عهد الأئمة (عليهم السّلام).

ثم لا وجه لتخصيص القراءات المعروفة بالقراءات الشائعة في زمان الإمام الصادق (عليه السّلام) حتى يشكل في قراءة غير هؤلاء أعنى ابن كثير المتوفّى في سنة 120 و ابن عامر المتوفّى في سنة 118 و عاصم المتوفّى في سنة 128 او 129 و نافع المتوفّى في سنة 169 و ابن العلاء المتوفّى في سنة 154 و 155 و حمزة المتوفّى في سنة 158 و 154 و الكسائي المتوفّى في سنة 189؛ لعدم ثبوت كون قراءة غير هؤلاء شائعة في زمان الإمام الصادق (عليه السّلام) المتوفّى في سنة 148. لكفاية شيوعها في عهد سائر الأئمة (عليهم السّلام)، مع عدم ردعهم عنها. هذا مضافا إلى دعوى الإجماع عن التبيان و مجمع البيان، بل السيرة القطعيّة على القراءة بالقراءات المعروفة المتداولة، و اعتبار بعض الأخبار كخبر سفيان بن السمط قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السّلام) عن ترتيل القرآن فقال: اقرءوا كما علّمتم‏ (1)؛ إذ سفيان بن السمط ممن روى عنه ابن أبي عمير و السؤال عن الترتيل لا ينافي عموم الجواب، كما لا يخفى.

لا يقال: يكفي في الردع موثقة داود بن فرقد المروية عن الكافي عن عدّة من أصحابنا عن محمّد بن يحيى عن أحمد بن محمّد عن علي بن الحكم عن داود بن فرقد و المعلّى بن خنيس جميعا قالا: كنا عند أبى عبد اللّه (عليه السّلام) فقال: إن كان ابن مسعود لا يقرأ على قراءتنا فهو ضال، ثم قال: أمّا نحن فنقرؤه على قراءة أبي‏ (2)؛ لدلالته على تخطئة غير قراءتهم، و هي قراءة أبى بضم الهمزة او بفتح الهمزة و المراد قراءة ابيه.

لأنّا نقول: إنّ هذه الرواية محمولة على أنّ عندهم في الواقع، و هي القراءة الصحيحة، و لكنّها غير مذكورة للناس، و إلّا لكانت شائعة. و لا تنافي هذه الرواية مع ما عرفت من تقرير القراءات المعروفة لمصلحة من المصالح و جريان السيرة عليها.

____________

(1) الوسائل الباب 74 من ابواب القراءة في الصلاة ح 3.

(2) الوسائل الباب 74 من ابواب القراءة فى الصلاة، ح 4.

53

و مما ذكر يظهر ما في تنقيح الاصول من أنّ الحق أنّه يتعين القراءة بما في أيدينا من القرآن الذي أخذه المسلمون يدا بيد و صدرا بصدر عن آبائهم خلفا عن سلف، و هو الذي قامت عليه الضرورة القطيعة، مثل ضرورة كون صلاة المغرب ثلاث ركعات؛ و لذا ترى أنّ الموجود منه في جميع الأعصار و الأمصار هو هذا القرآن بعينه إلى زمان النبي الأكرم (صلى اللّه عليه و آله) حتّى من كانت قراءته عنده على خلافه.

فالدليل على تعين القراءة بهذا القرآن هو ما ذكرناه من الضرورة، و التي يتحقق التواتر من أحد أعشارها، و أنّه لا يجوز القراءة بغير ذلك من القراءات فإنّه لا يعبأ بها؛ لاعتمادهم فيها على الاستحسانات أو الاجتهادات اللغوية و النحوية مع أنّ اختلافهم فيها قد يؤدّي إلى الاختلاف في المعنى، مثل يطهرن بالتخفيف مع يطّهّرن بالتشديد.

و ليس الدليل على ما ذكرنا الروايات كي يقال بتجويز القراءة بمالك و ملك أو كفوا بالهمزة و الواو، فإنّه لا يجوز القراءة بملك أو بالهمزة في كفوا؛ لأنّهما ليسا في القرآن. (1)

و ذلك لما عرفت من تجويز القراءات الشائعة في عصر الأئمة (عليهم السّلام) بالتقرير و قيام السيرة و دلالة بعض الروايات عليه و إن لم يكن جميعها من القرآن.

ثم مع جواز القراءة بكلّ واحدة من القراءات الشائعة لا حاجة إلى الاحتياط بتكرار الصلاة مع كل قراءة أو بالجمع بين القراءات في صلاة واحدة بنية القراءة في واحدة منها بحسب الواقع و بنية الثناء في غيرها حتى لا يلزم الزيادة في الصلاة، كما حكي ذلك عن المحقّق اليزدي الحاج الشيخ عبد الكريم الحائرى (قدّس سرّه) في الجمع بين مالك و ملك في قراءة مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ‏.

ثم إنّك عرفت أنّ جواز القراءة بكل واحدة من القراءات لا يستلزم جواز الاستدلال بها. و لو سلّمنا جواز الاستدلال بكلّ واحدة منها أيضا ففي موارد التعارض يحمل الظاهر على الأظهر، و مع التكافؤ لا بدّ من الحكم بسقوطهما عن الحجيّة في مورد التعارض و الرجوع إلى غيرهما من الأدلّة و الأصول بحسب اختلاف المقامات.

____________

(1) تنقيح الاصول 3/ 134.

54

و لا مجال لملاحظة المرجحات الواردة في الأخبار العلاجية؛ لاختصاصها بالأخبار المتعارضة. نعم يؤخذ بالقدر المتيقن من القراءات أو القراءتين لو كان كما يؤخذ بها أو بهما في نفي الثالث، كما لا يخفى.

التنبيه الثالث: [أنّه قد يتوهم وقوع التحريف في الكتاب حسب ما ورد في بعض الأخبار]

أنّه قد يتوهم وقوع التحريف في الكتاب حسب ما ورد في بعض الأخبار، و معه يحتمل وجود القرينة على إرادة خلاف الظاهر فيما سقط منه بالتحريف، و هو يوجب عروض الإجمال المانع من التمسك به؛ لأنّه يكون من باب احتمال قرينيّة الموجود، لا من باب احتمال وجود القرينة ليدفع بأصالة عدم وجود القرينة.

و اجيب عن ذلك أوّلا: بأنّ تلك المزعمة أمر موهوم لا حقيقة له، بل هو محال وقوعا؛ إذ القرآن قد بلغ من الأهميّة عند المسلمين في زمان النبيّ (صلى اللّه عليه و آله) و بعده إلى مرتبة حفظته الصدور زائدة على الكتابة بحيث لا يمكن تحريفه حتى عن الصدور الحافظة له.

و لقد أفاد و أجاد في آلاء الرحمن حيث قال: لم يزل القرآن الكريم بحسب حكمة الوحي و التشريع و المصالح المقتضيات المتجددة آناً فآنا يتدرج في نزوله نجوما الآية و الآيتان و الأكثر و السورة، و كلّما نزل هفت إليه قلوب المسلمين و انشرحت له صدورهم و ذهبوا إلى حفظه بأحسن الرغبة و الشوق و أكمل الإقبال و أشدّ الارتياح، فتلقوه بالابتهاج و تلقوه بالاغتنام من تلاوة الرسول العظيم الصادع بأمر اللّه و المسارع إلى التبليغ و الدعوة إلى اللّه و قرآنه، و تناوله حفظهم؛ بما امتازت به العرب و عرفوا به من قوة الحافظة الفطرية و أثبتوه في قلوبهم كالنقش في الحجر، و كان شعار الإسلام و سمة المسلم حينئذ هو التجمّل و التكمّل بحفظ ما ينزل من القرآن الكريم لكي يتبصّر بحججه و يتنوّر بمعارفه و شرائعه و أخلاقه الفاضلة و تاريخه المجيد و حكمته الباهرة و أدبه العربي الفائق المعجز، فاتخذ المسلمون تلاوته لهم حجة الدعوة و معجز البلاغة و لسان العبادة للّه و لهجة ذكره و ترجمان مناجاته و أنيس الخلوة و ترويج النفس و درسا للكمال و تمرينا في التهذيب و سلّما للترقي و تدربا في‏

55

التمدن و آية الموعظة و شعار الإسلام و سام الايمان و التقدم في الفضيلة، و استمر المسلمون على ذلك حتى صاروا في زمان الرسول يعدّون بالألوف و عشراتها و مئاتها، و كلهم من حملة القرآن و حفاظها و إن تفاوتوا في ذلك بحسب السابقة و الفضيلة ... (1)

فاستمرّ القرآن الكريم على هذا الاحتفاء العظيم بين المسلمين جيلا بعد جيل، ترى له في كل آن الوفاء مؤلفة من المصاحف و الوفاء من الحفّاظ، و لا تزال المصاحف ينسخ بعضها على بعض، و المسلمون يقرأ بعضهم على بعض، و يسمع بعضهم من بعض، تكون الوف المصاحف رقيبة على الحفّاظ، و الوف الحفّاظ رقباء على المصاحف، و تكون الالوف من كلا القسمين رقيبة على المتجدّد منهما، نقول الألوف و لكنّها مئات الألوف و الوف الالوف، فلم يتفق لأمر تاريخي من التواتر و بداهة البقاء مثل ما اتفق للقرآن الكريم كما وعد اللّه جلّت آلاؤه بقوله في سورة الحجر إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَ إِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ‏ و قوله في سورة القيامة إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَ قُرْآنَهُ‏ و لئن سمعت في الروايات الشاذة شيئا في تحريف القرآن و ضياع بعضه فلا تقم لتلك الروايات وزنا، و قل ما يشاء العلم في اضطرابها و وهنها و ضعف رواتها و مخالفتها للمسلمين و فيما جاءت به في مروياتها الواهية من الوهن الخ. (2)

و قال الفاضل الشعراني (قدّس سرّه) في كتابه (طريق السعادة) المطبوع بالفارسية: أنّ القرآن الكريم نزل على النبيّ في غضون و أثناء 23 عاما، و كان كلّما نزل شي‏ء منه قام النبي (صلى اللّه عليه و آله) بقراءته على المؤمنين، و كانت تلك هي طريقته لدعوة الناس إلى الإسلام، و لم يكن أبدا ليخفيه في الزوايا و الخبايا و إذا سمعه منه المسلمون و كتبوه أو حفظوه عن ظهر قلب حملوا

____________

(1) و زاد البلاغي (قدّس سرّه) في ذيل الصفحة بقوله: أخرج ابن سعد و ابن عساكر و الطبراني و غيرهم أنّه ممن جمع القرآن اى حفظا في زمان النبي (صلى اللّه عليه و آله) معاذ بن جبل و عبادة بن الصامت و أبى بن كعب و أبو ايوب الانصاري و أبو الدرداء و زيد بن ثابت و سعد بن عبيد و أبو زيد و ممن ختم القرآن و رسول اللّه حي عثمان بن عفان و علي بن ابي طالب و عبد اللّه بن مسعود و قرأ القرآن على عهد رسول اللّه معاذ و أبي و سعد و أبو زيد، و أخرج الحاكم عن زيد بن ثابت قال: كنّا عند رسول اللّه نؤلّف القرآن من الرقاع.

(2) آلاء الرحمن 1: 17- 18.

56

معهم بضع سور من القرآن و ذهبوا بها إلى قبائل المشركين ليدعوهم، و عند ما هاجر المسلمون إلى الحبشة أخذوا معهم السور القرآنية التي كانت قد نزلت إلى ذلك الحين، و منها سورة مريم التي تلوها على مسامع النجاشى ملك الحبشة، و على هذا المنوال انتشرت سور القرآن الكريم في جزيرة العرب في عهد النبي (صلى اللّه عليه و آله) و انتشر الإسلام و القرآن في تلك المنطقة (السعودية اليوم) خلال حياة النبي (صلى اللّه عليه و آله) لقد كان من الواجب على كل مسلم أن يقرأ في الصلاة سورة فاتحة الكتاب بالإضافة إلى سورة أخرى عن ظهر قلب، و قد قال النبيّ (صلى اللّه عليه و آله) (ليؤمّكم أقرأكم) و معناه أنّ إمام كل قوم هى الذي يحفظ من القرآن أكثر من الباقين، و بهذا الأسلوب كان النبيّ يشجّع الناس على حفظ القرآن، و نتيجة لذلك فإنّ أي سورة في سور القرآن كان يحفظها او يدوّنها عدد غير محصور من المسلمين في الجزيرة، مثلا سورة يس يحفظها عشرة آلاف و سورة الرحمن عشرون الف و سورة الحمد بضعة ملايين كما ان السور الكبيرة كالبقرة كان لها حفاظ أيضا و لم تكن هناك سورة إلّا و يحفظها عدد غير قليل من الناس و قد تولّي النبي (صلى اللّه عليه و آله) بنفسه و بأمر عن جانب اللّه عزّ و جلّ مهمّة تشخيص الآيات التي تتركب منها السور و أنّ السورة تتألف من كم آية، و ان هذه الآية او تلك تابعة لأية سورة، و كان لكلّ سورة اسم خاص في زمان النبيّ تعرف به، و عند ما كان (صلى اللّه عليه و آله) يقول سورة طه أو سورة مريم أو سورة هود فإنّ الناس كانوا (صلى اللّه عليه و آله) يعرفون أيّة سورة يقصد، مثلا روي عن النبي انه كان يقول شيبتنى سورة هود) و كان الناس يعلمون عن أي سورة يتحدث و ذلك لأنّ آلاف الأشخاص كانوا قد حفظوا هذه السورة أو كتبوها في الرقاع التي عندهم.

كل هذه الامور ثابتة بالتواتر و لا مجال للشك فيها.

و حينما كان المسلمون يحفظون القرآن على عهد الرسول (صلى اللّه عليه و آله) ما كانوا يتسامحون في ألفاظه، مثلا لم يكونوا يجوّزون لأنفسهم الإتيان بكلمة دنت بدلا من كلمة (اقتربت) لمكان الترادف بين اللفظين، و قد ظهر علم النحو إلى الوجود فى القرن الأول الهجري من أجل ضبط حركات القرآن، و أنّ الدقّة التي تميّز بها الصحابة و التابعون و القرّاء السبعة في أداء

57

الكلمات لم تكن وليدة ساعتها بل هي استمرار لذاك المنهج الذي كان الرسول (صلى اللّه عليه و آله) يتّبعه في التدقيق بضبط الحروف، و الدليل الواضح على هذا المطلب هو الحروف المقطّعة أوائل السور، مثلا توجد (الر) في عدة مكانات و (المر) في مكان و (المص) في مكان و طس في مكان و (طسم) في مكان و (حم) في عدة أماكن و (حمعسق) في مكان، و هو ممّا يدلّ على عناية فائقة بالحروف بحيث لم يكونوا يجوزون تغييرها و لا حتى تقديمها و تأخيرها ... لقد حفظوا إلينا القرآن حرفا بحرف و كلمة بكلمة إلى عهدنا هذا و قد حتم الباري تبارك و تعالى حفظ كتابه على نفسه (و إنّ علينا جمعه و قرآنه) و قد أنجز اللّه وعده. و قد بلغ حرص المسلمين على توفّي الدقة في ضبط القرآن أنّهم إذا عثروا في المصاحف القديمة للمصدر الأوّل على كلمة مكتوبة على خلاف القواعد المعروفة للإملاء فإنّهم يبقونها على حالها في المصاحف الجديدة و لا يتجرّءون على تغييرها، مثلا تكتب واو الجماعة بزيادة ألف بعدها و قد روعيت هذه القاعدة الاجلائية حتى في مصاحف عصر الصحابة فيما عدا كلمة (جاؤ) و (فاؤ) و (باؤ) و (سعو في آياتنا) في سورة سبأ (عتو عتوا) في الفرقان و (الذين تبوّءوا الدار) في سورة الحشر حيث لم ترد فيها ألف بعد الواو، و قد أبقاها المتأخرون على حالها و لم يضيفوا لها ألفا لكي يتبين لنا مدى أمانتهم و دقتهم في ضبط القرآن و الخوف من تحريفه، و مثل ذلك أنّهم كتبوا بالواو ما حقّه- حسب القواعد- أن يكتب بالألف مثل (بلاء مبين) في سورة الدخان، كما أنّ التاء في آخر الكلمة تكتب عادة على هيئة (هاء) نظير (سنة) و (رحمة) و لكن في مصاحف عهد الصحابة كتبت بعض التاءات من هذا القبيل على هيئة (ت) طويلة خلافا للمعهود و مع ذلك أبقي عليها كما هي في المصاحف المتأخرة ذلك مثل كلمة (رحمت) بالتاء الطويلة في سورة البقرة و الأعراف و هود و مريم و الروم و الزخرف و كلمة (نعمت) في البقرة و آل عمران و المائدة و ابراهيم و النحل و لقمان و فاطر و الطور و كلمة (سنت) في الأنفال و فاطر و غافر، بينما كتبت على هيئة (ة) في سائر الأمكنة. و كذلك (كلمت ربّك بالحسنى) و (فنجعل لعنت اللّه) و (الخامسة أن لعنت اللّه) و (شجرت الزقوم) و (قرت عين) و

58

(جنت نعيم) و (بقيت اللّه خير) و (امرأت) كلما جاءت مع زوج مثل (و امرأت فرعون) و (معصيت الرسول) الواردة في قد سمع (سورة المجادلة) حيث كتبت بالتاء الطويلة ايضا.

و مثل ذلك كلمة شي‏ء كتبت بشين بعدها ياء في جميع الموارد ما عدا سورة الكهف في قوله تعالى‏ (وَ لا تَقُولَنَّ لِشَيْ‏ءٍ) حيث توسطت الالف بين الشين و الياء، و قد حافظوا على هيئتها ايضا و كذلك كلمة لا في (لأاذبحنه) و (و لا واضعوا) و (لا الى الجحيم) حيث زيدت ألف بدون ضرورة إلّا لمتابعة الأوّلين و أيضا أوردت (ياء) زائدة في قوله (نباى المرسلين) و في (آناى الليل) في سورة طه و (تلقاى نفسى) في سورة يونس و (من وراى حجاب) في الشورى و (ايتاى ذي القربى) في النحل و (بلقاى ربهم و لقاى الآخرة) في سورة الروم، في حين أنّ (الياء) هذه لم ترد في نظائر هذه العبارات و من المدهش أنّ عبارتي (بأييكم المفتون) و (بنيناها بأييد) كتبت فيها الياء بركزتين بدلا في ركزة واحدة و مع ذلك فقد حافظوا عليها فى النسخ الجديدة من المصاحف على حدّ ما كانت عليه في المصاحف القديمة و موارد ذلك كثيرة جدا ليس هنا محل تفصيلها.

و من المؤسف جدا أنّ جملة من المصاحف المطبوعة فى إيران لا تراعى فيها هذه النكات جهلا أو مسامحة، غير أنّ سائر المسلمين يحملون ذلك على العمد و العناد- نعوذ باللّه- ثم إنّ هنا الضبط و الدقة لم تكن مقتصرة على الكلمات بل تشمل ايضا أداء الحروف و الحركات فمثلا قرأ حفص قوله تعالى‏ (وَ يَخْلُدْ فِيهِ مُهاناً) من سورة الفرقان بإشباع الهاء المسكورة في (فيه) في حين لم يشبع في أمثالها، بينما قرأها ابن كثير بالإشباع جميعا و في مقابل ذلك قرأ (عليه اللّه) فى سورة الفتح و (انسانيه الشيطان) في سورة الكهف بضم الهاء فيما كان من حقّهما الكسر كنظائرهما، و الحاصل أنّ هذه الموارد كثيرة في علم القراءة مما يدلّ على مدى عناية الناس بضبط القرآن الكريم من زمان النبي (صلى اللّه عليه و آله) إلى يومنا هذا، فيكون من المحال احتمال أن يقطرف إليه التغيير أو التحريف أو الزيادة و النقصان. (1)

____________

(1) راه سعادت: 136- 133