عناية الأصول في شرح كفاية الأصول‏ - ج5

- السيد مرتضى الحسيني الفيروزآبادي المزيد...
316 /
1

يشتمل على مباحث الاستصحاب فقط

2

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏

الحمد اللَّه على ما أنعم و الشكر له على ما ألهم و الصلاة و السلام على سيد ولد آدم محمد و أهل بيته الطاهرين المعصومين و اللعنة على أعدائهم و معادي أوليائهم و موالي أعدائهم من الآن إلى يوم الدين.

(اما بعد) فهذا هو الجزء الخامس من كتابنا الموسوم بعناية الأصول في شرح كفاية الأصول و أسأل اللَّه تعالى أن يوفقني لإتمامه و إتمام ما يليه من الجزء السادس كما وفقني لإتمام الأجزاء السابقة إنه ولي التوفيق و بالشكر حقيق و بالمدح يليق و هو خير رفيق و في الدعاء المأثور يا رفيق من لا رفيق له.

في الاستصحاب و بيان أقوال المسألة

قوله فصل في الاستصحاب و في حجيته إثباتاً و نفياً أقوال للأصحاب إلى آخره‏

(1) نعم للأصحاب أقوال في الاستصحاب قد أنهاها الشيخ أعلى اللَّه مقامه بعد الفراغ عن تقسيم الاستصحاب إلى أقسام باعتبار المستصحب و باعتبار الدليل الدال على المستصحب و باعتبار الشك المأخوذ فيه إلى أحد عشر قولا.

(الأول) القول بالحجية مطلقاً.

(الثاني) عدم الحجية مطلقاً.

(الثالث) التفصيل بين العدمي و الوجوديّ فيعتبر في الأول دون الثاني (قال الشيخ أعلى اللّه مقامه) في تقسيم الاستصحاب باعتبار المستصحب (ما لفظه) و لا خلاف في كون الوجوديّ محل النزاع و اما العدمي فقد مال الأستاذ (قدس سره) إلى‏

3

عدم الخلاف فيه تبعاً لما حكاه عن أستاذه السيد صاحب الرياض من دعوى الإجماع على اعتباره في العدميات و استشهد على ذلك بعد نقل الإجماع المذكور باستقرار سيرة العلماء على التمسك بأصول العدمية مثل أصالة عدم القرينة و النقل و الاشتراك و غير ذلك و ببنائهم هذه المسألة على كفاية العلة المحدثة للإبقاء (انتهى) أقول و كأن وجه شهادة الأخير أن كفاية العلة المحدثة للإبقاء في العدميات مما لا ريب فيه فبناؤهم هذه المسألة أعني حجية الاستصحاب على كفاية العلة المحدثة و عدم كفايتها مما يشهد بأن المسألة مفروضة في الوجوديات دون العدميات (و قال) أيضاً عند الكلام في حجج المفصلين (ما لفظه) اما التفصيل بين العدمي و الوجوديّ بالاعتبار في الأول و عدمه في الثاني فهو الّذي ربما يستظهر من كلام التفتازاني حيث استظهر من عبارة العضدي في نقل الخلاف أن خلاف منكري الاستصحاب إنما هو في الإثبات دون النفي (انتهى).

(الرابع) التفصيل بين الحكم الشرعي فيعتبر الاستصحاب فيه و بين الأمور الخارجية فلا يعتبر الاستصحاب فيها (و هذا التفصيل) مما يحكى عن المحقق الخوانساري في شرح الدروس و عن غيره أيضاً (قال الشيخ) أعلى اللَّه مقامه عند ذكره حجة القول الرابع (ما لفظه) حجة من أنكر اعتبار الاستصحاب في الأمور الخارجية ما ذكره المحقق الخوانساري في شرح الدروس و حكاه في حاشية له عند كلام الشهيد و يحرم استعمال الماء النجس و المشتبه على ما حكاه شارح الوافية و استظهره المحقق القمي من السبزواري من أن الاخبار لا يظهر شمولها للأمور الخارجية مثل رطوبة الثوب و نحوها إذ يبعد أن يكون مرادهم بيان الحكم في مثل هذه الأمور الّذي ليس حكماً شرعياً و إن كان يمكن أن يصير منشأ لحكم شرعي و هذا ما يقال إن الاستصحاب في الأمور الخارجية لا عبرة به (انتهى).

(الخامس) التفصيل بين الأحكام الشرعية الكلية و بين غيره فلا يعتبر

4

الاستصحاب في الأول إلا في عدم النسخ دون الثاني فيعتبر الاستصحاب فيه (و هذا التفصيل) منسوب إلى الأخباريين و سيأتي لك شرحه مفصلا.

(السادس) التفصيل بين الحكم الشرعي الجزئي فيعتبر الاستصحاب فيه و بين غيره من الحكم الشرعي الكلي و الأمور الخارجية فلا يعتبر الاستصحاب فيه (و هذا التفصيل) قد ذهب إليه بعضهم كما يلوح مما حكى عن المحقق الخوانساري في شرح الدروس في مسألة الاستنجاء بالأحجار عند قول الشهيد و يجزي ذو الجهات الثلاث (و قد ذكر الشيخ) أعلى اللّه مقامه عبارته عند نقل حجة القول الحادي عشر و في جملتها (ما لفظه) اعلم إن القوم ذكروا أن الاستصحاب إثبات حكم في زمان لوجوده في زمان سابق عليه و هو ينقسم على قسمين باعتبار انقسام الحكم المأخوذ فيه إلى شرعي و غيره فالأوّل مثل ما إذا ثبت نجاسة ثوب أو بدن في زمان فيقولون بعد ذلك يجب الحكم بنجاسته إذا لم يحصل العلم برفعها و الثاني مثل ما إذا ثبت رطوبة ثوب في زمان ففي ما بعد ذلك الزمان يجب الحكم برطوبته ما لم يعلم الجفاف فذهب بعضهم إلى حجيته بقسميه و ذهب بعضهم إلى حجية القسم الأول (انتهى) موضع الحاجة منها.

أقول و هذه العبارة و ان كانت يلوح منها في بدو الأمر ان البعض القائل بحجية القسم الأول هو ممن يقول بحجية الاستصحاب في الأحكام الجزئية فقط كنجاسة الثوب أو البدن و نحوهما و لكن التدبر فيها مما لا يعطي ذلك إذ من المحتمل أن ذكر نجاسة الثوب أو البدن كان من باب التمثيل للحكم الشرعي لا من باب عدم حجية الاستصحاب الا في الحكم الشرعي الجزئي فقط (و لعل) من هنا تردد الشيخ أعلى اللّه مقامه أخيراً في وجود القائل بهذا التفصيل (و قال) عند نقل حجج الأقوال (ما لفظه) حجة القول السادس على تقدير وجود القائل به على ما سبق التأمل فيه تظهر مع جوابها مما تقدم في القولين السابقين (انتهى).

5

(ثم إن الشيخ) أعلى اللّه مقامه قد نسب هذا التفصيل في موضعين اشتباهاً إلى المحقق الخوانساري بنفسه في شرح الدروس في حاشية له على قول الشهيد و يحرم استعمال الماء النجس و المشتبه ... إلخ.

(الموضع الأول) في تقسيم الاستصحاب باعتبار المستصحب (فقال) الثالث اعتباره في الحكم الجزئي دون الكلي و دون الأمور الخارجية و هو الّذي ربما يستظهر مما حكاه السيد شارح الوافية عن المحقق الخوانساري في حاشية له على قول الشهيد و يحرم استعمال الماء النجس و المشتبه (انتهى).

(الموضع الثاني) عند نقل الأقوال (فقال) السادس التفصيل بين الحكم الجزئي و غيره فلا يعتبر في غير الأول و هذا هو الّذي تقدم انه ربما يستظهر من كلام المحقق الخوانساري في حاشية شرح الدروس على ما حكاه السيد في شرح الوافية (انتهى) مع أن الّذي يستظهر مما حكاه السيد شارح الوافية عن المحقق الخوانساري في حاشية له على قول الشهيد و يحرم استعمال الماء النجس و المشتبه ... إلخ هو غير ذلك أي التفصيل بين الحكم الشرعي مطلقاً و بين الأمور الخارجية و هو القول الرابع في المسألة كما تقدم و اعترف به الشيخ أيضا (حيث قال) عند نقل حجة القول الرابع (ما لفظه) حجة من أنكر اعتبار الاستصحاب في الأمور الخارجية ما ذكره المحقق الخوانساري في شرح الدروس و حكاه في حاشية له عند كلام الشهيد و يحرم استعمال الماء النجس و المشتبه على ما حكاه شارح الوافية (إلى آخر ما ذكرنا آنفاً) لا التفصيل المذكور أي القول السادس فتدبر أنت و لا تشتبه.

(السابع) التفصيل بين الأحكام من التكليفية و الوضعيّة جميعاً و بين الأسباب و الشروط و الموانع فلا يعتبر الاستصحاب في الأول و يعتبر في الثاني (فلا يستصحب) الوجوب و لا الحرمة و لا الندب و لا الكراهة و لا الإباحة و لا سببية السبب و لا شرطية الشرط و لا مانعية المانع (و لكن يستصحب) نفس السبب و الشرط و المانع كاستصحاب الكسوف أو الطهارة أو الحيض بلا مانع عنه أبداً

6

(و هذا التفصيل) منسوب إلى الفاضل التوني و هو الّذي يظهر من كلماته بعد التدبر التام فيها (و لكن) الّذي اشتهر على الألسن انه فصّل بين التكليف و الوضع فلا يعتبر الاستصحاب في الأول و يعتبر في الثاني و ليس كذلك و سيأتي لك تفصيل ذلك كله إن شاء اللَّه تعالى مبسوطاً فانتظر.

(الثامن) التفصيل بين ما ثبت بالإجماع و غيره فلا يعتبر في الأول و يعتبر في الثاني (و هذا التفصيل) منسوب إلى الغزالي (قال الشيخ) أعلى اللَّه مقامه في تقسيم الاستصحاب باعتبار الدليل الدال على المستصحب (ما لفظه) أحدها من حيث أن الدليل المثبت للمستصحب إما أن يكون هو الإجماع و إما أن يكون غيره و قد فصّل بين هذين القسمين الغزالي فأنكر الاستصحاب في الأول (انتهى) (هذا و لكن الشيخ) أعلى اللَّه مقامه قد رجع عن ذلك عند نقل حجة القول الثامن (فقال) إلا أن الّذي يظهر بالتدبر في كلامه المحكي في النهاية يعني كلام الغزالي هو إنكار الاستصحاب المتنازع فيه رأساً و إن ثبت المستصحب بغير الإجماع (انتهى) (التاسع) التفصيل بين الشك في المقتضي و المراد به الشك من حيث استعداد المستصحب و قابليته في حد ذاته للبقاء كالشك في بقاء الليل و النهار و خيار الغبن بعد الزمان الأول و نحو ذلك فلا يكون الاستصحاب حجة فيه و بين الشك في وجود الرافع كالشك في حدوث البول الناقض للطهارة القابلة للبقاء لو لا الرافع لها إلى الآخر فيكون حجة فيه (و هذا التفصيل) قد نسبه الشيخ أعلى اللّه مقامه إلى ظاهر المعارج و قد اختاره هو بنفسه أيضاً كما سيأتي لك شرحه مفصلا.

(العاشر) التفصيل بين الشك في المقتضي و الشك في رافعية الموجود كالشك في رافعية المذي فلا يعتبر الاستصحاب فيهما و بين الشك في وجود الرافع و في تحققه في الخارج فيكون حجة فيه (و هذا التفصيل) قد نسبه الشيخ أعلى اللّه مقامه إلى ظاهر المحقق السبزواري.

(الحادي عشر) التفصيل بين الشك في المقتضي و الشك في رافعية الموجود

7

بنحو الشبهة الحكمية كما في مثال المذي المتقدم آنفاً فلا يعتبر الاستصحاب فيهما و بين الشك في وجود الرافع و في رافعية الموجود بنحو الشبهة المصداقية كما إذا خرجت رطوبة مرددة بين البول و الوذي فيعتبر الاستصحاب فيهما (و هذا التفصيل) قد نسبه الشيخ أعلى اللَّه مقامه إلى المحقق الخوانساري (و قد أشار) إلى التفصيل الثلاثة الأخيرة على نحو يتضح الفرق بين كل منها مع الآخر قبيل الشروع في نقل الأقوال و لكن اضطرب كلامه الشريف في حولها عند تقسيم الاستصحاب باعتبار الدليل الدال على المستصحب فراجع و تدبر جيداً (ثم إنه) أعلى اللّه مقامه بعد الفراغ عن عدّ هذه الأقوال الأحد عشر (قال ما لفظه) ثم إنه لو بنى على ملاحظة ظواهر كلمات من تعرض لهذه المسألة في الأصول و الفروع لزادت الأقوال على العدد المذكور بكثير (انتهى).

أقول هذا كله مضافاً إلى ما سيأتي من نفس الشيخ أعلى اللّه مقامه من التفصيل في الأحكام الشرعية الكلية بين ما كان دليلها النقل فيستصحب و بين ما كان دليلها العقل فلا يستصحب و سيأتي لك شرح ذلك مفصلا عن قريب فانتظر.

في تعريف الاستصحاب‏

قوله و لا يخفى ان عباراتهم في تعريفه و ان كانت شتى إلا أنها تشير إلى مفهوم واحد و معنى فارد و هو الحكم ببقاء حكم أو موضوع ذي حكم شك في بقاء ... إلخ‏

(1) (قال الشيخ) أعلى اللّه مقامه في صدر الاستصحاب (ما لفظه) و هو لغة يعني الاستصحاب أخذ الشي‏ء مصاحباً و منه استصحاب أجزاء ما لا يؤكل لحمه في الصلاة و عند الأصوليين عرّف بتعاريف أسدها و أخصرها إبقاء ما كان و المراد

8

بالإبقاء الحكم بالبقاء (إلى ان قال) و إلى ما ذكرنا يرجع تعريفه في الزبدة بأنه إثبات الحكم في الزمان الثاني تعويلا على ثبوته في الزمان الأول بل نسبه شارح الدروس إلى القوم فقال إن القوم ذكروا أن الاستصحاب إثبات حكم في زمان لوجوده في زمان سابق عليه (ثم قال) و أزيف التعاريف يعني به تعريف المحقق القمي تعريفه بأنه كون حكم أو وصف يقيني الحصول في الآن السابق مشكوك البقاء في الآن اللاحق إذ لا يخفى أن كون حكم أو وصف كذلك هو محقق مورد الاستصحاب و محله لا نفسه (انتهى) موضع الحاجة من كلامه رفع مقامه (و قال في الفصول) الاستصحاب عبارة عن إبقاء ما علم ثبوته في الزمان السابق فيما يحتمل البقاء فيه من الزمن اللاحق (انتهى) (و قال في المعالم) و محله يعني محل الاستصحاب أن يثبت حكم في وقت ثم يجي‏ء وقت آخر و لا يقوم دليل على انتفاء ذلك فهل يحكم ببقائه على ما كان و هو الاستصحاب أم يفتقر الحكم به في الوقت الثاني إلى دليل (انتهى) هذه جملة من عبائر القوم في تعريف الاستصحاب (فيقول المصنف) إن عبارات القوم في تعريف الاستصحاب و ان كانت مختلفة إلّا أنها تشير إلى معنى واحد و هو الحكم ببقاء حكم أو موضوع ذي حكم شك في بقاءه (و قد أخذ هذا المعنى) من الشيخ أعلى اللّه مقامه من قوله المتقدم و المراد بالإبقاء الحكم بالبقاء.

أقول و الإنصاف أن أسد التعاريف و أخصرها كما أفاد الشيخ أعلى اللّه مقامه هو إبقاء ما كان (و لكن) الظاهر ان المراد بالإبقاء هو الإبقاء عملا فإن كان المستصحب حكماً قد أتى به و إن كان موضوعاً ذا حكم رتب عليه أثره لا الحكم بالبقاء فإن مجرد الحكم به مما لا يكفي في صدق الاستصحاب ما لم يعمل على طبق الحالة السابقة و يتحرك على وفقها.

9

قوله إما من جهة بناء العقلاء على ذلك في أحكامهم العرفية مطلقاً أو في الجملة تعبداً أو للظن به الناشئ عن ملاحظة ثبوته سابقاً و إما من جهة دلالة النص أو دعوى الإجماع عليه كذلك ... إلخ‏

(1) (قد أشار) بقوله هذا إلى الوجوه الأربعة الآتية التي استدل بها للاستصحاب (فقوله) إما من جهة بناء العقلاء على ذلك في أحكامهم العرفية ... إلخ إشارة إلى الوجه الأول الآتي و هو قوله الوجه الأول استقرار بناء العقلاء من الإنسان بل ذوي الشعور من كافة أنواع الحيوان على العمل على طبق الحالة السابقة ... إلخ (و قوله) أو الظن به الناشئ عن ملاحظة ثبوته سابقاً إشارة إلى للوجه الثاني الآتي و هو قوله للوجه الثاني ان الثبوت في السابق موجب للظن به في اللاحق ... إلخ (و قوله) و إما من جهة دلالة النص إشارة إلى الوجه الرابع الآتي و هو قوله الوجه الرابع و هو العمدة في الباب الاخبار المستفيضة ... إلخ (و قوله) أو دعوى الإجماع عليه كذلك إشارة إلى الوجه الثالث الآتي و هو قوله الوجه للثالث دعوى الإجماع عليه كما عن المبادي ... إلخ (ثم إن) قوله مطلقاً أو في الجملة إشارة إلى القول بحجية الاستصحاب مطلقاً و إلى التفاصيل التي هي فيها من قبيل التفصيل بين العدمي و الوجوديّ أو بين الحكم الشرعي و الأمور الخارجية أو بين الحكم الشرعي الكلي و غيره إلى غير ذلك من التفاصيل المتقدمة آنفاً (و من هنا) يظهر لك معنى قوله أو دعوى الإجماع عليه كذلك أي مطلقاً أو في الجملة (و اما قوله) تعبداً فهو في قبال قوله أو للظن به ... إلخ فلا تغفل.

قوله و في وجه ثبوته ... إلخ‏

(2) فإن الخلاف كما أنه واقع في حجية الاستصحاب نفياً و إثباتاً مطلقاً أو في الجملة فكذلك الخلاف واقع في وجه ثبوته و مدرك حجيته و انه هل هو بناء العقلاء أو الاخبار المستفيضة أو غيرهما مما تقدم مجمله و يأتي مفصلة.

10

قوله ضرورة أنه لو كان الاستصحاب هو نفس بناء العقلاء على البقاء أو الظن به الناشئ من العلم بثبوته لما تقابل فيه الأقوال و لما كان النفي و الإثبات واردين على مورد واحد ... إلخ‏

(1) علة لما أفاده في الكتاب بقوله و لا يخفى أن هذا المعنى يعني الحكم ببقاء حكم أو موضوع ذي حكم هو القابل لأن يقع فيه النزاع و الخلاف في نفيه و إثباته مطلقاً أو في الجملة ... إلخ و تعريض لما أفاده في تعليقته على الرسائل لدى التعليق على قول الشيخ أعلى اللّه مقامه و عند الأصوليين عرّف بتعاريف ... إلخ (بقوله) لا يخفى إن حقيقة الاستصحاب و ماهيته تختلف بحسب اختلاف وجه حجيته و ذلك لأنه ان كان معتبراً من باب الاخبار كان عبارة عن حكم الشارع ببقاء ما لم يعلم ارتفاعه و إن كان من باب الظن كان عبارة عن ظن خاص به و ان كان من باب بناء العقلاء عليه عملا تعبدياً كان عبارة عن التزام العقلاء به في مقام العمل (انتهى) موضع الحاجة من كلامه.

(و بالجملة) إن حاصل مرامه من أول الفصل إلى هنا أن عبارات الأصحاب و ان كانت هي مختلفة في تعريف الاستصحاب و لكنها تشير إلى معنى واحد و هو الحكم ببقاء حكم أو موضوع ذي حكم شك في بقاءه (و هذا المعنى) هو القابل لأن يقع فيه النزاع و الخلاف نفياً و إثباتاً مطلقاً أو في الجملة ضرورة أن معنى الاستصحاب لو كان يختلف باختلاف مداركه و وجوه الاستدلال عليه كما أفاد في التعليقة لما تقابل الأقوال في المسألة و لما كان النفي و الإثبات واردين على مورد واحد بل كان مراد النافي معنى و مراد المثبت معنى آخر و مراد المفصل معنى ثالث و هكذا و هذا واضح‏

قوله و تعريفه بما ينطبق على بعضها و إن كان ربما يوهم أن لا يكون هو الحكم بالبقاء بل ذاك الوجه ... إلخ‏

(2) ليس في التعاريف المتقدمة و لا في غيرها على الظاهر ما ينطبق على نفس بناء العقلاء على البقاء أو على الظن بالبقاء و إن كان فيها ما قد يوهم أن لا يكون هو الحكم‏

11

بالبقاء مثل ما تقدم عن المحقق القمي من أنه كون حكم أو وصف يقيني الحصول في الآن السابق مشكوك البقاء في الآن اللاحق (و كيف كان) مقصود المصنف أن تعريف الاستصحاب أحياناً بما ينطبق على غير ما ذكرناه و إن كان قد يوهم أن لا يكون هو الحكم بالبقاء إلا أنه حيث لا يكون بحد و لا برسم بل من قبيل شرح الاسم أي لا يكون بالجنس و الفصل أو بالفصل فقط كي يكون حداً و لا بالجنس و العرض الخاصّ أو بالعرض الخاصّ فقط كي يكون رسماً بل هو تعريف لفظي لحصول الميز في الجملة لم يكن له دلالة على أنه غير ما ذكرناه بل هو عينه غير أنه قد أشير إليه بتعبير آخر و بلفظ ثاني و هذا أيضا واضح.

قوله كما هو الحال في التعريفات غالباً ... إلخ‏

(1) قد تقدم منا في صدر العام و الخاصّ بيان ما استند إليه المصنف في دعوى كون التعاريف غالبا لفظية من قبيل شرح الاسم لا حقيقية بحد أو برسم و هو أمران قد عرفت شرحهما هناك مع ما أوردناه عليهما مفصلا فلا نعيد.

قوله فإنه لم يكن به إذا لم يكن بالحد أو الرسم بأس ... إلخ‏

(2) العبارة ركيكة جداً و المعني هكذا أي فإنه لم يكن بما ذكر في تعريفه بأس إذا لم يكن بالحد أو الرسم.

في بيان كون المسألة أصولية

قوله ثم لا يخفى ان البحث في حجيته مسألة أصولية ... إلخ‏

(3) قد عرفت في أول الكتاب من بيان تعريف علم الأصول ما يعرف به حال كل مسألة من مسائلها فلا حاجة عند الشروع في كل مسألة بيان حالها بالخصوص غير أن الأصحاب قد جرت عادتهم عند تعرض كل مسألة مهمة كمسألة مقدمة الواجب و مسألة خبر الواحد و مسألة الاستصحاب و نحوها بيان حاله بالخصوص و كأنه من‏

12

باب الاهتمام بشأنه (و على كل حال) قد تقدم في أول الكتاب أن علم الأصول هو العلم بالقواعد الممهدة لاستنباط الأحكام الشرعية أي الكلية و إن أهملوا التقييد بالكلية و لعله لوضوحه فكل مسألة مندرجة تحت غرض الأصول و هو استنباط الأحكام الشرعية الكلية فهي مسألة أصولية و إلا فلا (و عليه) مسألة الاستصحاب التي هي عبارة أخرى عن قولك كل مشكوك البقاء باق حيث تقع في طريق استنباط الأحكام الشرعية الكلية كما في الاستصحابات الجارية في الشبهات الحكمية هي من المسائل الأصولية (فتقول) مثلا وجوب صلاة الجمعة مشكوك البقاء و كل مشكوك البقاء باق فوجوب صلاة الجمعة باق (أو تقول) نجاسة الماء المتغير الزائل تغيره بنفسه مشكوكة البقاء و كل مشكوكة البقاء باقية فنجاسة الماء المتغير الزائل تغيره بنفسه باقية و هكذا إلى غير ذلك من الشبهات الحكمية و ليست هي من المسائل الفقهية إذ ليس مفادها حكم العمل بلا واسطة بأن يكون موضوعها عمل المكلف و محمولها الحكم الشرعي كما في وجوب الصلاة و الزكاة و حرمة الزنا و القمار و نحو ذلك كي تكون المسألة فقهية.

(نعم) إذا وقعت مسألة الاستصحاب في طريق استنباط الأحكام الشرعية الجزئية كما في الاستصحابات الجارية في الشبهات الموضوعية فهي من القواعد الفقهية نظير قاعدة الطهارة و قاعدة الحل و قاعدة الفراغ و أصالة الصحة و نحو ذلك من القواعد للتي يستنبط بها أحكام شرعية جزئية كطهارة هذا و حلية ذاك أو صحة هذا و تمامية و ذاك و هكذا (و لك أن تقول) في الفرق بين المسائل الأصولية و القواعد الفقهية غير ما تقدم من كون الأول مما يستنبط به أحكام شرعية كلية و الثاني مما يستنبط به أحكام شرعية جزئية إن إعمال المسألة الأصولية و استنباط الحكم الشرعي الكلي بها ليس إلّا من شأن المجتهد بخلاف القاعدة الفقهية فيمكن إعطائها بيد العامي فيعملها في موارد خاصة و يستنبط بها أحكاماً شرعية جزئية (فيقول) مثلا هذا مشكوك الطهارة و كل مشكوك الطهارة طاهر و لو لما أفتى به‏

13

المفتي فهذا طاهر و هكذا إعمال الاستصحاب عند الشك في بقاء الطهارة الحدثية و نحوها.

قوله كيف و ربما لا يكون مجرى الاستصحاب إلا حكما أصولياً كالحجية مثلا ... إلخ‏

(1) أي كيف يكون مفاد مسألة الاستصحاب حكم العمل بلا واسطة و قد لا يكون مجري الاستصحاب أي المستصحب إلا حكما أصولياً كحجية هذا أو عدم حجية ذاك لا حكماً فرعياً متعلقاً بالعمل بلا واسطة كوجوب هذا أو عدم وجوب ذاك (و بالجملة) إن الاستصحاب سواء جرى في الحكم الفرعي كاستصحاب وجوب صلاة الجمعة أو جرى في الحكم الأصولي كاستصحاب حجية ظواهر الكتاب مثلا هو مسألة أصولية لا محالة و ذلك لما عرفت من ان مسألة الاستصحاب هي عبارة أخرى عن قولك كل مشكوك البقاء باق و هي ليست مسألة فقهية بلا كلام (نعم) حيث انه إذا جرى في الحكم الأصولي فهو أبعد من شبهة كونه مسألة فقهية فقال المصنف كيف و ربما لا يكون مجري الاستصحاب الا حكماً أصولياً كالحجية مثلا ... إلخ لا لأجل انه إذا جرى في الحكم الفرعي فهو مسألة فرعية فقهية ليست أصولية فلا تشتبه أنت و لا تغفل.

هل الاستصحاب أمارة ظنية أو أصل عملي‏

(بقي شي‏ء) لم يؤشر إليه المصنف و هو أن الاستصحاب (هل هو) أمارة ظنية كخبر الواحد و ظواهر الكلام و الشهرة في الفتوى على القول بها و نحو ذلك (أم هو) أصل عملي مضروب للشاك في وعاء الجهل و الحيرة كأصالة البراءة و قاعدة الحل و قاعدة الطهارة و نحو ذلك (محصّل كلام الشيخ) أعلى اللّه مقامه أن الاستصحاب إن استفدناه من الاخبار فهو أصل عملي و إن استفدناه من غيره كبناء

14

العقلاء و نحوه مما سيأتي شرحه فهو دليل ظني اجتهادي و حيث أن المختار عندنا استفادته من الأخبار فهو أصل عملي (قال) بعد الفراغ عن تعريف الاستصحاب (ما لفظه) بقي الكلام في أمور الأول أن عدّ الاستصحاب من الأحكام الظاهرية الثابتة للشي‏ء بوصف كونه مشكوك الحكم نظير أصل البراءة و قاعدة الاشتغال مبنى على استفادته من الاخبار و اما بناء على كونه من أحكام العقل يعني به ما استقر عليه بناء العقلاء فهو دليل ظني اجتهادي نظير القياس و الاستقراء على القول بهما و حيث ان المختار عندنا هو الأول ذكرناه في الأصول العملية المقررة للموضوعات بوصف كونها مشكوكة الحكم لكن ظاهر كلمات الأكثر كالشيخ و السيدين و الفاضلين و الشهيدين و صاحب المعالم كونه حكماً عقلياً و لذا لم يتمسك أحد هؤلاء فيه بخبر من الاخبار (انتهى) موضع الحاجة من كلامه رفع مقامه.

أقول و الحق أن الاستصحاب هو من الأمارات الظنية و الأدلة الاجتهادية سواء استفدنا اعتباره من بناء العقلاء أو من الأخبار أو من كليهما جميعاً كما سيأتي (إذ لا إشكال) في أن الأمارات هي عبارة عما له كشف و حكاية عن الواقع سواء كانت معتبرة عقلا كالأمارات المفيدة للعلم أو شرعاً كخبر الثقة و ظواهر الكلام و نحوهما أو لا عقلا و لا شرعاً كخبر الفاسق و خبر الصبي و نحوهما فإن خبرهما من الأمارات الظنية بلا كلام غير أنهما من الأمارات الغير المعتبرة (كما لا إشكال) في أن وجود الشي‏ء في السابق هو مما له نحو كشف و حكاية عن البقاء و لو غالباً لا دائماً كشفاً ظنياً لا علمياً على وجه يعدّ إنكاره من الجدل و العناد جداً (و عليه) فالاستصحاب المعتبر فيه اليقين بوجود الشي‏ء في السابق يكون لا محالة من الأمارات المفيدة للظن بالبقاء و لو نوعاً كما هو الشأن في ساير الأمارات الظنية لا شخصاً في كل مورد و في كل مسألة.

(نعم إن العقلاء) لا يكاد يعملون به و يتحركون على وفقه إلا بملاك إفادته‏

15

الظن الشخصي بل الوثوق و الاطمئنان على وجه لو لم يفد الوثوق و الاطمئنان في مورد لم يعملوا به إلا احتياطاً و رجاء لا استصحاباً (و ذلك) لوضوح انه لا تعبد في أمر العقلاء بما هم عقلاء حيث لا معني لاستقرار سيرتهم على العمل على طبق الحالة السابقة بما هي حالة سابقة بلا ملاك لها و لا موجب.

(نعم الاخبار المستفيضة) الآتية نظراً إلى إطلاقها و عدم تقييدها بما إذا أفاد الوثوق و الاطمئنان مما توسع دائرة الاستصحاب فهو بمقتضى بناء العقلاء مما يختص اعتباره بما إذا أفاد الوثوق و الاطمئنان الشخصيين و بمقتضى الاخبار المستفيضة الغير المقيدة بشي‏ء مما يعتبر مطلقاً و لو لم يفد الوثوق و الاطمئنان بل و لا مطلق الظن نظير ما تقدم في خبر الثقة حرفاً بحرف فهو بمقتضى سيرة العقلاء على العمل به مما يختص اعتباره بما إذا أفاد الوثوق و الاطمئنان و بمقتضى الاخبار المستفيضة بل المتواترة الواردة في اعتباره نظراً إلى إطلاقها و عدم تقييدها بشي‏ء مما يعتبر مطلقاً و لو لم يفد الوثوق و الاطمئنان بل و لا الظن (و على كل حال) إن الاستصحاب هو أمارة ظنية كخبر الواحد و ظواهر الكلام و نحوهما عيناً (و أما ما يظهر من الشيخ) أعلى اللّه مقامه في خاتمة الاستصحاب في الأمر الثالث من أن الشارع و إن اعتبر الاستصحاب بلا شبهة و لكن لا من حيث نظره إلى الواقع بل من حيث مجرد احتمال مطابقته للواقع فهو مجرد دعوى لا شاهد عليها (قال) أعلى اللّه مقامه (ما لفظه) فما كان مما نصبه الشارع غير ناظر إلى الواقع أو كان ناظراً لكن فرض ان الشارع اعتبره لا من هذه الحيثية بل من حيث مجرد احتمال مطابقته لواقع فليس اجتهادياً بل هو من الأصول و ان كان مقدماً على بعض الأصول الأخر و الظاهر أن الاستصحاب و القرعة من هذا القبيل (انتهى).

أقول و لو تمّ ما ذكره أعلى اللّه مقامه لجرى ذلك حتى في خبر الواحد و نحوه مما اعتبره الشارع في لسان غير واحد من الأخبار فكما يقال فيه و في كل أمارة أخرى سواه‏

16

مما له كشف و نظر إلى الواقع إن الظاهر من أدلة اعتباره هو اعتباره بما له من الكاشفية و النّظر إلى الواقع و من حيث حكايته عنه و أماريته عليه لا من حيث مجرد احتمال مطابقته للواقع فكذلك يقال في الاستصحاب حرفاً بحرف فتأمل جيداً.

في الأمور السبعة المعتبرة في الاستصحاب‏

قوله و كيف كان فقد ظهر مما ذكرنا في تعريفه اعتبار أمرين في مورده القطع بثبوت شي‏ء و الشك في بقاءه و لا يكاد يكون الشك في البقاء الا مع اتحاد القضية المشكوكة و المتيقنة بحسب الموضوع و المحمول ... إلخ‏

(1) بل ظهر من تعريفه اعتباره أمور عديدة في حقيقة الاستصحاب لا أمرين فقط.

(الأول) اليقين السابق و إذا قيل وجود الشي‏ء في السابق و إن كان لا بد من إحرازه بالقطع أو بما نزل منزلة القطع كما يظهر ذلك من الشيخ أعلى اللّه مقامه في الأمر الخامس مما تعرضه بعد تعريف الاستصحاب كان حسناً أيضا.

(الثاني) الشك اللاحق و هذان الأمران مشتركان بين الاستصحاب و قاعدة اليقين أيضاً كما ستعرف.

(الثالث) أن يكون الشك متعلقاً ببقاء ما تيقن به لا بأصل ما تيقن به كما في قاعدة اليقين بأن تيقن مثلا بعدالة زيد في يوم الجمعة ثم شك في أصل عدالته في ذلك اليوم بأن زال مدرك اعتقاده و منشأ علمه فإنه لو قيل باعتباره هذه القاعدة فهي قاعدة أخرى غير الاستصحاب تسمى بقاعدة اليقين و قد يطلق عليها الشك الساري و سيأتي التكلم فيها و في مدركها مشروحاً في تتمة الاستصحاب إن شاء اللّه تعالى و قد تعرضهما الشيخ أعلى اللّه مقامه في خاتمة الاستصحاب في الأمر الثاني مما يعتبر في الاستصحاب و لم يؤشر إليهما المصنف أصلا.

(الرابع) بقاء الموضوع و هو معروض المستصحب بمعنى انه يعتبر في‏

17

الاستصحاب اتحاد القضية المشكوكة مع المتيقنة موضوعاً كما يعتبر اتحادهما محمولا فإن من تيقن بقيام زيد كما لا يجوز له استصحاب علمه فإنه محمول آخر فكذلك لا يجوز له استصحاب قيام عمرو فإنه موضوع آخر (و الدليل) على اعتبار ذلك كما أشار إليه المصنف انه لا يكاد يكون الشك في البقاء الا مع اتحاد القضيتين موضوعاً و محمولا فكما أن من تيقن بقيام زيد إذا شك في علمه فهو ليس شكاً في بقاء ما تيقن به فكذلك إذا شك في قيام عمرو فهو ليس شكاً في بقاء ما تيقن به (و قد زاد) على ذلك في تتمة الاستصحاب (ما حاصله) ان مع عدم اتحاد القضيتين موضوعاً و محمولا لا يكاد يكون رفع اليد عن اليقين في محل الشك نقضاً لليقين بالشك كي تشمله الأخبار و تحرم فكما أن من تيقن بقيام زيد إذا شك في علمه و لم يعمل عمل اليقين بعلمه لم يصدق عليه أنه نقض اليقين بالشك فكذلك إذا شك في قيام عمرو و لم يعامل معاملة اليقين بقيامه لم يصدق عليه انه نقض اليقين بالشك و هذا واضح ظاهر (ثم إن) من هذا كله يظهر لك ان مرجع اعتبار هذا الأمر الرابع هو إلى الأمر الثالث عينا و هو الشك في البقاء و ليس اعتبار بقاء الموضوع أمراً آخر غير اعتبار الشك في البقاء (و إليه أشار المصنف) بقوله و لا يكون الشك في البقاء الا مع اتحاد القضية المشكوكة و المتيقنة ... إلخ.

(الخامس) أن لا يكون في مورد الاستصحاب أمارة معتبرة و لو على وفاقه نظراً إلى ورودها أو حكومتها عليه على التفصيل الآتي في تتمة الاستصحاب إن شاء اللّه تعالى في المقام الثاني.

(السادس) وجوب الفحص بحد اليأس إذا كان الاستصحاب في الشبهات الحكمية بل و حتى الموضوعية في الجملة على التفصيل المتقدم لك شرحه في خاتمة الاشتغال في شرائط الأصول العملية و ستأتي الإشارة إلى اعتباره ثانيا في صدر تتمة الاستصحاب إن شاء اللَّه تعالى.

(ثم لا يخفى) ان الأمرين الأخيرين و هما الخامس و السادس ليسا مما يعتبر في‏

18

حقيقة الاستصحاب و ماهيته على نحو يعرف اعتبارهما من تعريف الاستصحاب و حدّه كما هو الحال في الأمور المتقدمة كلها و لكنهما يعتبر ان شرعاً في جريان الاستصحاب و في أعماله.

(بمعنى أن الشارع) إذا اعتبر أمارة مخصوصة كخبر الثقة و نحوه و قد قامت على شي‏ء خاص فلا يكاد يبقى معها شك شرعاً و تعبداً ليجري الاستصحاب عنده و ان كان الشك باقياً حقيقة.

(أو بمعنى أن الشارع) قد أمر بالتفقه و التعلم عند الشك و الجهل في الأحكام الشرعية بمقتضى الأدلة العديدة المتقدمة في شرائط الأصول العملية في خاتمة الاشتغال فلا يكاد يبقي معها مجال للاستصحاب المأخوذ في موضوعه الشك و الجهل الا بعد الفحص بحد اليأس و العجز عن إزالة الشك و الجهل و رفعهما و إن فرض أن أركان الاستصحاب تامة لا نقص فيها من اليقين السابق و الشك اللاحق و غيرهما و سيأتي لك شرح هذا كله بنحو أبسط في صدر تتمة الاستصحاب إن شاء اللّه تعالى فانتظر.

(السابع) أن يكون المستصحب حكماً شرعياً أو موضوعاً ذا حكم شرعي و ستأتي الإشارة إليه في صدر التنبيه العاشر إن شاء اللّه تعالى مفصلا فانتظر.

(ثم لا يخفى) أن هذا الأمر السابع أيضاً هو مما لا يعتبر في حقيقة الاستصحاب على نحو يعرف اعتباره من تعريفه و حده و لكنه يعتبر عقلا في جريانه و أعماله نظراً إلى أن المستصحب إن لم يكن حكماً شرعيا و لا موضوعاً ذا حكم شرعي فالتعبد ببقائه أمر لغو جداً فيمتنع من الشارع قطعاً.

قوله و هذا مما لا غبار عليه في الموضوعات الخارجية في الجملة ... إلخ‏

(1) أي و اتحاد القضية المشكوكة و المتيقنة بحسب الموضع و المحمول مما لا شك فيه في الموضوعات الخارجية كعدالة زيد أو اجتهاده أو فقره أو غناه و نحو ذلك في الجملة على الكلام الآتي في تتمة الاستصحاب إن شاء اللّه تعالى من أن المعيار في الاتحاد هل هو نظر العرف أو لسان الدليل أو نظر العقل.

19

في تفصيل الأخباريين بين الحكم الشرعي و غيره‏

قوله و أما الأحكام الشرعية سواء كان مدركها العقل أم النقل فيشكل حصوله فيها ... إلخ‏

(1) (اما قوله) و أما الأحكام الشرعية أي الكلية فهو إشارة إلى تفصيل الأخباريين بين الحكم الشرعي الكلي فلا يعتبر الاستصحاب فيه الا في عدم النسخ و بين غيره فيعتبر الاستصحاب فيه و هو القول الخامس في المسألة كما تقدم.

(و أما قوله) سواء كان مدركها العقل أم النقل فهو إشارة إجمالية إلى تفصيل الشيخ أعلى اللّه مقامه في الأحكام الشرعية الكلية بين ما كان مدركها العقل فلا يعتبر الاستصحاب فيه و بين ما كان مدركه النقل فيعتبر الاستصحاب فيه (و قد أشرنا) إلى هذا التفصيل قبل و سيأتي تفصيله عند قول المصنف بلا تفاوت في ذلك بين كون دليل الحكم نقلا أو عقلا ... إلخ.

(ثم إن كلا) من هذين التفصيلين مستند في الحقيقة إلى دعوى عدم حصول وحدة القضيتين بحسب الموضوع و المحمول في الأحكام الشرعية الكلية إما مطلقاً أو في خصوص الأحكام الشرعية التي مدركها العقل.

(قال الشيخ) أعلى اللّه مقامه قبيل نقل الأقوال بيسير (ما لفظه) و يحكي عن الأخباريين اختصاص الخلاف بالثاني يعني به الشك في بقاء الحكم الشرعي الكلي كالشك في بقاء نجاسة المتغير بعد زوال تغيره أو طهارة المكلف بعد حدوث المذي منه و نحو ذلك (قال) و هو الّذي صرح به المحدث البحراني و يظهر من كلام المحدث الأسترآبادي حيث قال في فوائده اعلم ان للاستصحاب صورتين معتبرتين‏

20

باتفاق الأمة بل أقول اعتبارهما من ضروريات الدين.

(إحداهما) أن الصحابة و غيرهم كانوا يستصحبون ما جاء به نبينا (صلى اللَّه عليه و آله و سلم) إلى ان يجي‏ء ما ينسخه.

(الثانية) أنا نستصحب كل أمر من الأمور الشرعية مثل كون الرّجل مالك أرض و كونه زوج امرأة و كونه عبد رجل و كونه على وضوء و كون الثوب طاهراً أو نجساً و كون الليل أو النهار باقياً و كون ذمة الإنسان مشغولة بصلاة أو طواف إلى أن يقطع بوجود شي‏ء جعله الشارع سبباً مزيلا لنقض تلك الأمور (انتهى) (و محصله) حجية الاستصحاب في الشك في النسخ و في الشبهات الموضوعية بل و في الأحكام الشرعية الجزئية أيضاً كوجوب الصلاة أو الطواف عند الشك في الامتثال بل و طهارة الثوب و نجاسته و كون المكلف على طهر و نحو ذلك بناء على كون هذه الأمور من الأحكام الشرعية الوضعيّة لا من الأمور الواقعية التي كشف عنها الشارع.

(و قال الشيخ أيضاً) عند ذكر حج الأقوال (ما لفظه) و أما القول الخامس و هو التفصيل بين الحكم الشرعي الكلي و بين غيره فلا يعتبر في الأول فهو المصرح به في كلام المحدث الأسترآبادي لكنه صرح باستثناء استصحاب عدم النسخ مدعياً الإجماع بل الضرورة على اعتباره (إلى أن ذكر عنه) دليلين لعدم حجية الاستصحاب في الحكم الشرعي الكلي.

(أحدهما) ما ملخصه ان صور الاستصحاب المختلف فيها عند النّظر الدّقيق و التحقيق راجعة إلى انه إذا ثبت حكم بخطاب شرعي في موضوع في حال من حالاته نجريه في ذلك الموضوع عند زوال الحالة القديمة و حدوث نقيضها فيه و من المعلوم انه إذا تبدل قيد موضوع المسألة بنقيض ذلك القيد اختلف موضوع المسألتين فالذي سموه استصحاباً راجع في الحقيقة إلى إسراء حكم موضوع إلى موضوع آخر متحد معه في الذات مختلف معه في الصفات و من المعلوم عند الحكيم ان هذا

21

المعنى غير معتبر شرعاً و أن القاعدة الشريفة المذكورة يعني بها قاعدة الاستصحاب المستفادة من الأخبار غير شاملة له.

(ثانيهما) ما ملخصه أيضاً أن استصحاب الحكم الشرعي الكلي في الشبهات الحكمية إنما يعمل به ما لم يظهر مخرج عنه و قد ظهر المخرج و ذلك لتواتر الأخبار بأن كلما يحتاج إليه الأمة قد ورد فيه خطاب و حكم حتى أرش الخدش و لتواتر الأخبار أيضاً بحصر المسائل في ثلاث بيّن رشده و بيّن غيّه و شبهات بينهما و بوجوب التوقف في الثالث و من جملة الشبهات محل النزاع يعني به الشبهات الحكمية فيجب التوقف فيه (انتهى) ملخص الدليلين جميعاً.

أقول (أما الدليل الأول) الّذي هو العمدة حقيقة و واقعاً و لذا قد أشار إليه المصنف و لم يؤشر إلى الثاني (فيرد عليه) أن المعيار في بقاء الموضوع كما سيأتي تفصيله في تتمة الاستصحاب إن شاء اللّه تعالى هو نظر العرف و من المعلوم أن نظر العرف مما يختلف في قيد موضوع المسألة فقد يكون القيد من مقومات الموضوع و محققاته في نظرهم بحيث إذا زال القيد زال الموضوع و تبدل و تغير كخصوصية النوم في قولك لا تصح عند هذا النائم أو خصوصيته العلم في قولك أكرم هذا الرّجل العالم و هكذا و قد يكون القيد من حالات الموضوع أي حالاته المتبادلة لا من مقوماته و محققاته و ذلك كالشبوبة و الشيبوبة و السمن و الهزال و نحو ذلك في قولك أكرم هذا الشباب أو جالس هذا الشيخ و هكذا (و عليه) فليس كلما تخلف قيد موضوع المسألة اختلف موضوع المسألتين و لم يجر الاستصحاب أبداً بل إذا كان القيد من حالات الموضوع أي حالاته المتبادلة صح الاستصحاب بلا شبهة نظراً إلى بقاء الموضوع عرفاً و صدق الشك في بقاء ما كان فإذا شك في بقاء وجوب الصلاة الجمعة مثلا بعد زمن الحضور أو شك في بقاء نجاسة الماء المتغير بعد زوال تغيره بنفسه أو في بقاء طهارة المكلف بعد خروج المذي منه جرى الاستصحاب في جميع‏

22

هذا كله لعدم كون الغيبة و الحضور بالنسبة إلى الجمعة أو التغير و عدمه بالنسبة إلى الماء أو خروج المذي و عدمه بالنسبة إلى المكلف إلا من الحالات المتبادلة للموضوع لا من القيود المقومة فالموضوع في تمام الأمثلة المذكورة باق على حاله على نحو يصدق معه الشك في بقاء ما كان عرفاً فيستصحب الحكم الشرعي (هذا مضافاً) إلى ما أورده الشيخ أعلى اللّه مقامه من النقض بالموارد التي ادعى المحدث المذكور الإجماع و الضرورة فيها على اعتبار الاستصحاب كالليل و النهار و نحوهما فإن الزمان المشكوك ليلا أو نهاراً مع الزمان السابق المتيقن أشد اختلافاً من المشكوك مع المتيقن السابق في محل النزاع و هو ردّ متين جداً.

(و اما الدليل الثاني) فيرد عليه (مضافاً) إلى ما تقدم في البراءة من الجواب عن الاخبار الآمرة بالتوقف عند الشبهة من أنها (بين ما يكون) ظاهراً في استحباب التوقف و الاحتياط فلا يصلح للاستدلال به (و بين ما يكون) ظاهراً بنفسه في الشبهات الحكمية من قبل الفحص و المراجعة و لا كلام لنا فيها (و بين ما يكون) مختصاً بقرينة التعليل بالهلكة بما إذا كان الواقع فيه منجزاً على المكلف كما في الشبهات الحكمية من قبل الفحص و الشبهات المقرونة بالعلم الإجمالي و بعض الشبهات الموضوعية التي أحرز اهتمام الشارع بها جداً و لا كلام لنا فيها أيضاً (أن الاستصحاب) وارد على ساير الأصول و منها الاحتياط و رافع لموضوعه و هو الشبهة و لو تعبداً من غير فرق بين كون الاستصحاب أمارة أو أصلا عمليا و سيأتي لك شرح هذا كله بنحو أبسط في تتمة الاستصحاب إن شاء اللّه تعالى فانتظر.

قوله إلّا بنحو البداء بالمعنى المستحيل في حقه تعالى ... إلخ‏

(1) مما لازمه الجهل و هو ظهور ما خفي عليه كما تقدم في آخر العام و الخاصّ.

قوله و لذا كان النسخ بحسب الحقيقة دفعاً لا رفعاً ... إلخ‏

(2) قد تقدم تفصيل ذلك في آخر العام و الخاصّ مبسوطاً و أن هذا التعبير عن النسخ مما لا يخلو عن مسامحة و إن كان الغرض منه واضحاً معلوماً جداً و هو المنع عن سراية

23

الحكم كما في التخصيص غايته أنه في التخصيص يمنع عن سراية الحكم إلى جميع الأفراد و في النسخ يمنع عن سراية الحكم إلى جميع الأزمان و أن الأصح في التعبير عن النسخ أن يقال إنه بيان أجل الحكم و انتهاء أمده كما قاله صاحب الفصول (رحمه اللَّه)،

قوله ضرورة صحة إمكان دعوى بناء العقلاء على البقاء تعبداً أو لكونه مظنوناً و لو نوعا أو دعوى دلالة النص أو قيام الإجماع عليه قطعا إلى آخره‏

(1) (قد أشار) بقوله هذا إلى الوجوه الأربعة الآتية التي استدل بها للاستصحاب كما أشار إليها من قبل بقوله المتقدم في صدر المسألة إما من جهة بناء العقلاء على ذلك في أحكامهم العرفية مطلقاً أو في الجملة تعبداً أو للظن به الناشئ عن ملاحظة ثبوته سابقاً و اما من جهة دلالة النص أو دعوى الإجماع عليه كذلك ... إلخ (و مقصوده من ذلك) أن تمام الوجوه الأربعة الآتية التي استدل بها للاستصحاب هو مما يجري عند طرو انتفاء بعض ما احتمل دخله في الأحكام الشرعية الثابتة لموضوعاتها مما عدّ من حالات الموضوعات لا من مقوماتها فلا وجه حينئذ لتفصيل الأخباريين و منعهم عن الاستصحاب عند الشك في بقاء الأحكام الشرعية الكلية أبداً.

في تفصيل الشيخ في الحكم الشرعي الكلي بين ما كان مدركه العقل أو النقل‏

قوله بلا تفاوت في ذلك بين كون دليل الحكم نقلا أو عقلا ... إلخ‏

(2) قد أشرنا مرتين أن للشيخ أعلى اللّه مقامه تفصيل في الأحكام الشرعية الكلية بين‏

24

ما كان مدركها العقل فلا يعتبر الاستصحاب فيه و بين ما كان مدركها النقل فيعتبر الاستصحاب فيه فهذا شروع من المصنف في تضعيف هذا التفصيل كما ينبغي (قال الشيخ) أعلى اللّه مقامه في ذيل تقسيم الاستصحاب باعتبار الدليل الدال على المستصحب (ما لفظه) الثاني من حيث انه قد يثبت أي المستصحب بالدليل الشرعي و قد يثبت بالدليل العقلي و لم أجد من فصَّل بينهما إلا أن في تحقق الاستصحاب مع ثبوت الحكم بالدليل العقلي و هو الحكم العقلي المتوصل به إلى حكم شرعي تأملا نظراً إلى أن الأحكام العقلية كلها مبيّنة مفصلة من حيث مناط الحكم و الشك في بقاء المستصحب و عدمه لا بد و أن يرجع إلى الشك في موضوع الحكم لأن الجهات المقتضية للحكم العقلي بالحسن و القبح كلها راجعة إلى قيود فعل المكلف الّذي هو الموضوع فالشك في حكم العقل حتى لأجل وجود الرافع لا يكون إلّا للشك في موضوعه و الموضوع لا بد ان يكون محرزاً معلوم البقاء في الاستصحاب كما سيجي‏ء (انتهى) موضع الحاجة من كلامه هاهنا (و قال أيضاً) في التنبيه الثالث من تنبيهات الاستصحاب (ما لفظه) الأمر الثالث أن المتيقن السابق إذا كان مما يستقل به العقل كحرمة الظلم و قبح التكليف بما لا يطاق و نحوهما من المحسنات و المقبحات العقلية فلا يجوز استصحابه لأن الاستصحاب إبقاء ما كان و الحكم العقلي موضوعه معلوم تفصيلا للعقل الحاكم به فان أدرك العقل بقاء الموضوع في الآن الثاني حكم به حكما قطعياً كما حكم أولا و إن أدرك ارتفاعه قطع بارتفاع ذلك الحكم و لو ثبت مثله بدليل لكان حكماً جديداً حادثاً في موضوع جديد و اما الشك في بقاء الموضوع فان كان الاشتباه خارجي كالشك في بقاء الإضرار في السم الّذي حكم العقل بقبح شربه فذلك خارج عما نحن فيه و سيأتي الكلام فيه و ان كان لعدم تعيين الموضوع تفصيلا و احتمال مدخلية موجود مرتفع أو معدوم حادث في موضوعية الموضوع فهذا غير متصور في المستقلات العقلية لأن العقل لا يستقل بالحكم الا بعد إحراز الموضوع و معرفته تفصيلا (إلى ان قال)

25

و اما موضوعه كالضرر المشكوك بقائه في المثال المتقدم فالذي ينبغي أن يقال فيه أن الاستصحاب إن اعتبر من باب الظن من عمل به هنا لأنه يظن الضرر بالاستصحاب فيحمل عليه الحكم العقلي و إن اعتبر من باب التعبد لأجل الأخبار فلا يثبت إلا الآثار الشرعية المجعولة القابلة للجعل الظاهري و تعبد الشارع بالحكم العقلي يخرجه عن كونه حكماً عقليا مثلا إذا ثبت بقاء الضرر في السم في المثال المتقدم بالاستصحاب فمعنى ذلك ترتيب الآثار الشرعية المجعولة للضرر على مورد الشك و أما حكم العقل بالقبح و الحرمة فلا يثبت إلا مع إحراز الضرر نعم تثبت الحرمة الشرعية بمعنى نهي الشارع ظاهراً (انتهى) موضع الحاجة من كلامه رفع مقامه (و ملخص المجموع) لدى التدبر التام فيه يرجع إلى دعاوي ثلاث.

(الأولى) عدم جريان الاستصحاب في الأحكام الشرعية المستندة إلى الأحكام العقلية و قد صرح به في كلا الموضعين في جملة من كلامه الّذي لم نذكره حذرا من التطويل.

(الثانية) عدم جريان الاستصحاب في نفس الأحكام العقلية.

(الثالثة) انه إذا استصحبنا موضوعاً من موضوعات حكم العقل كالضرر مثلا فان كان اعتبار الاستصحاب من باب الظن رتب عليه حكمه العقلي و ان كان اعتباره من باب الاخبار رتب عليه الأثر الشرعي دون العقلي و هذه الدعوى مما لم يتعرضها المصنف لخروجها عما نحن فيه كما أشار إليه الشيخ أيضاً (و قد أفاد) في وجه عدم جريان الاستصحاب في نفس الأحكام العقلية على وجه يتضح منه عدم جريانه في الأحكام الشرعية المستندة إليها أيضاً (ما ملخصه) ان الحكم العقلي موضوعه معلوم تفصيلا لدى العقل الحاكم به و لا يعقل تطرق الإهمال إلى موضوعه و عليه فإذا تخلف قيد من قيود الموضوع و حالة من حالاته فان كان دخيلا في الموضوع بنظر العقل فالحكم العقلي غير باق قطعاً و هكذا الشرعي المستند إليه و ان لم يكن دخيلا فيه فالحكم العقلي باق قطعاً و هكذا الشرعي المستند إليه فإذا حكم‏

26

العقل مثلا بحرمة السم المضر و انتفى الإضرار من اسم فإن كان الإضرار دخيلا بنظره في الموضوع فلا حرمة يقيناً و إن لم يكن دخيلا فالحرمة باقية يقيناً (و عليه) فلا استصحاب على كلا التقديرين بلا شبهة.

(و قد أفاد المصنف) في جوابه ما ملخصه لدى التدبر التام في مجموع كلماته (قدس سره) أن تطرق الإهمال إلى موضوع حكم العقل مما يعقل في الجملة بمعنى انه يمكن أن يستقل العقل بحكم خاص على موضوع مخصوص مع وجود حالة مخصوصة فيه لكن من غير أن يدرك دخلها في المناط على نحو إذا انتفت الحالة أدرك فقد المناط فيه بل يدرك فقط تحقق المناط مع وجود الحالة فيستقل بالحكم و لا يدرك تحقق المناط مع انتفاء الحالة فلا يستقل بالحكم و لا بانتفائه (و قد أشار) إلى ذلك بقوله أخيراً فرب خصوصية لها دخل في استقلاله مع احتمال عدم دخله فبدونها لا استقلال له بشي‏ء قطعاً مع احتمال بقاء ملاكه واقعاً (و أشار إليه) قبل ذلك مختصراً بقوله و إن لم يدركه الا في إحداهما ... إلخ (و عليه) فلا مانع حينئذ عن استصحاب الحكم الشرعي المستكشف بحكم العقل بعد انتفاء الحالة المخصوصة و ذلك لليقين السابق كما هو المفروض و الشك اللاحق نظراً إلى احتمال عدم دخل الحالة في المناط أصلا و لبقاء الموضوع عرفاً إذا فرض عدم كون الحالة من مقومات الموضوع بل من حالاته المتبادلة.

أقول هذا مخلص ما أفاده المصنف في تصحيح جريان الاستصحاب في الأحكام الشرعية المستندة إلى الأحكام العقلية و نعم ما أفاد إنصافاً (و أما استصحاب نفس الأحكام العقلية) فلم يظهر منه شي‏ء في حقه لا نفياً و لا إثباتاً (و الحق) انه مما لا يجري (لكن لا) لما أفاده الشيخ أعلى اللّه مقامه من عدم جواز تطرق الإهمال إلى موضوع حكم العقل بعد ما عرفت من جواز تطرقه إليه في الجملة بالمعنى المذكور (بل لأن) الاستصحاب سواء كان اعتباره من باب الظن أو من باب الاخبار هو حكم شرعي‏

27

لا محالة أما على الثاني فواضح و أما على الأول فبلحاظ إمضائه بناء العقلاء على البقاء فإذا كان الاستصحاب حكماً شرعياً فحكم الشارع بإبقاء الحكم العقلي السابق عند الشك في بقاءه مما يخرجه عن الحكم العقلي إلى الشرعي و لو بقاء لا حدوثاً و هذا واضح ظاهر (و أما استصحاب موضوع حكم العقل) فالظاهر انه مما لا مانع عنه فيستصحب الضرر في السم في المثال المتقدم إذا شك في بقاءه و يرتب عليه حكم العقل و الشرع جميعاً اما الثاني فواضح و اما الأول فلأن العقل قد استقل كما هو المفروض بحرمة السم المضر بنحو الكبرى الكلية فإذا حكم الشرع بالصغرى و أن هذا السم باق على ضرره كما في السابق حكم عليه العقل بالحرمة كحكمه بحرمته في السابق (و من هنا) يتضح أن تفصيل الشيخ أعلى اللّه مقامه في استصحاب موضوع حكم العقل بين كون الاستصحاب من باب الظن أو الاخبار مما لا وجه له فتأمل جيداً فإن المقام لا يخلو عن دقة.

قوله إن قلت كيف هذا مع الملازمة بين الحكمين ... إلخ‏

(1) أي كيف يستصحب الحكم الشرعي المستكشف بحكم العقل عند طرو انتفاء ما احتمل دخله فيه مع وجود الملازمة بين الحكمين حكم العقل و حكم الشرع جميعاً.

(و حاصل ما أجاب به المصنف) أن الملازمة إنما تكون في طرف الوجود لا في طرف العدم بمعنى أنه إذا استقل العقل بحكم حكم الشرع أيضاً على طبقه و ليس كلما لم يستقل العقل بحكم لطرو انتفاء ما احتمل دخله فيه لم يحكم الشرع به أيضاً (نعم إذا استقل) العقل بالعدم لم يحكم الشرع حينئذ لكن مجرد عدم استقلال العقل بالحكم لطرو انتفاء ما احتمل دخله فيه مما لا يوجب عدم حكم الشرع به أيضا (و قد عبّر المصنف) عن طرفي الوجود و العدم بمقامي الإثبات و الثبوت (فقال) لأن الملازمة إنما تكون في مقام الإثبات و الاستكشاف لا في مقام الثبوت إلى آخره و لم يحسن في تعبيره عنهما بذلك فإن مقامي الإثبات و الثبوت عبارة عن مقامي الدلالة و الواقع و ليست الملازمة في مقام الدلالة دون الواقع و الصحيح في التعبير هو ما ذكرناه فلا تغفل عنه و لا تذهل.

28

قوله كان على حاله في كلتا الحالتين ... إلخ‏

(1) كلمة كان زائدة و الصحيح إسقاطها فيقال و ذلك لاحتمال ان يكون ما هو ملاك حكم الشرع من المصلحة أو المفسدة التي هي ملاك حكم العقل على حاله في كلتا الحالتين‏

قوله و إن لم يدركه الا في أحدهما ... إلخ‏

(2) أي و إن لم يدركه العقل الا في إحدى الحالتين.

قوله لاحتمال عدم دخل تلك الحالة فيه ... إلخ‏

(3) علة لاحتمال أن يكون ما هو ملاك حكم الشرع على حاله في كلتا الحالتين.

قوله أو احتمال أن يكون معه ملاك آخر ... إلخ‏

(4) عطف على احتمال عدم دخل تلك الحالة فيه فهي علة أخرى لاحتمال أن يكون ما هو ملاك حكم الشرع على حاله في كلتا الحالتين أي و لاحتمال أن يكون مع ملاك حكم العقل ملاك آخر بلا دخل للحالة فيه أصلا و ان كان لها دخل فيما اطلع عليه العقل من الملاك.

قوله و بالجملة حكم الشرع إنما يتبع ما هو ملاك حكم العقل واقعاً لا ما هو مناط حكمه فعلا ... إلخ‏

(5) و توضيحه ان للعقل حكمان حكم واقعي شأني و إن شئت قلت حكم واقعي تعليقي أي لو أدرك المصلحة أو المفسدة لحكم بالوجوب أو الحرمة و حكم واقعي فعلي و هو الّذي لا يكون إلّا بعد درك المصلحة أو المفسدة و الفرق بينهما أن ملاك حكمه الأول هو نفس المصلحة أو المفسدة بما هي هي من دون دخل للإدراك فيه أصلا و ملاك حكمه الثاني هي المصلحة أو المفسدة المدركة المحرزة للعقل لا بما هي هي فما لم يدرك المصلحة أو المفسدة لم يحكم العقل على طبقها بالوجوب أو الحرمة حكماً فعلياً.

(فيقول المصنف) ان حكم الشرع انما يتبع ما هو ملاك حكم العقل واقعاً أي شأناً و هو نفس المصلحة أو المفسدة بما هي هي لا ما هو ملاك حكم العقل فعلا

29

أي المصلحة أو المفسدة المدركة للعقل على وجه إذا لم يدرك العقل المصلحة أو المفسدة و لم يحكم فعلا لم يحكم الشرع أيضاً فافهم جيداً.

قوله و موضوع حكمه كذلك ... إلخ‏

(1) عطف على مناط حكمه فعلا أي لا يتبع حكم الشرع مناط حكم العقل فعلا و لا موضوع حكمه كذلك فإذا فرض انه قد حكم العقل بحرمة السم فعلا مع وجود حالة مخصوصة فيه كالإضرار من غير ان يدرك دخل الحالة في المناط أصلا بحيث إذا انتفت الحالة أدرك فقد المناط فيه بل أدرك فقط تحقق المناط مع وجود الحالة و لا يدرك تحقق المناط مع انتفاء الحالة فالموضوع حينئذ لحكمه الفعلي هو السم المضر و لكن لا يتبع حكم الشرع هذا الموضوع على وجه إذا انتفى الإضرار لم يحكم الشرع أيضاً بحرمته و ذلك لجواز بقاء المناط على حاله و عدم دخل الحالة فيها أصلا و إن لم يدرك العقل عدم دخلها و لم يشعر بقاء المناط على حاله بعد انتفائها.

قوله مما لا يكاد يتطرق إليه الإهمال و الإجمال مع تطرقه إلى ما هو موضوع حكمه شأنا ... إلخ‏

(2) بيان لموضوع حكم العقل فعلا فهو الّذي لا يتطرق إليه الإهمال مع تطرقه إلى موضوع حكمه شأناً.

(اما جواز تطرق الإهمال) إلى موضوع حكمه شأناً فلما عرفت من أن الحكم الشأني ليس إلا حكماً تقديرياً أي لو أدرك المصلحة أو المفسدة لحكم بالوجوب أو الحرمة لكن فعلا لم يدرك المصلحة أو المفسدة و لم يحكم على طبقها فإذا لم يدرك المصلحة أو المفسدة و لم يحكم على طبقها فلم يدرك موضوع الحكم قهراً و هو معنى تطرق الإهمال إليه.

(و أما عدم جواز تطرق الإهمال) إلى موضوع حكمه فعلا فلعدم جواز استقلال العقل بحكم فعلا و هو لا يعلم موضوعه و مقره فلا يعقل ان يستقل بحرمة السم فعلا و هو لا يعلم ان موضوع حكمه الفعلي هل هو السم المطلق أو السم المضر

30

بل لا بد له من تعيينه أولا ثم الحكم عليه فعلا بالحرمة.

(نعم يجوز تطرق الإهمال) إلى موضوع حكمه الفعلي بمعنى آخر قد تقدم ذكره آنفاً و به قد أجاب المصنف عما ادعاه الشيخ أعلى اللّه مقامه من عدم جواز استصحاب الأحكام الشرعية المستندة إلى الأحكام العقلية و هو أن يحكم العقل فعلا بحرمة السم مثلا مع وجود الإضرار فيه لكن من غير إدراك لدخل الإضرار في المناط و عدمه بل يدرك فقط تحقق المناط مع وجود الإضرار و لا يدرك تحقق المناط مع انتفاء الإضرار و إن احتمل بقاء المناط على حاله مع انتفاءه و انعدامه.

قوله فرب خصوصية لها دخل في استقلاله مع احتمال عدم دخله فبدونها لا استقلال له بشي‏ء قطعا مع احتمال بقاء ملاكه واقعا ... إلخ‏

(1) بهذه العبارة قد أشار المصنف إلى جواز تطرق الإهمال إلى موضوع حكم العقل بالمعنى المذكور آنفاً و به حصل الجواب عما ادعاه الشيخ أعلى اللّه مقامه من عدم جواز استصحاب الأحكام الشرعية المستندة إلى الأحكام العقلية كما تقدم.

قوله لدورانه معه وجوداً و عدماً ... إلخ‏

(2) علة لاحتمال بقاء حكم الشرع جداً أي لدوران حكمه مع الملاك وجوداً و عدماً

قوله ثم إنه لا يخفى اختلاف آراء الأصحاب في حجية الاستصحاب إلى آخره‏

(3) قد عرفت اختلاف آرائهم في صدر المسألة إلى أحد عشر قولا مضافاً إلى ما للشيخ أعلى اللّه مقامه من التفصيل المذكور آنفاً.

قوله لا يهمنا نقلها و نقل ما ذكر من الاستدلال عليها ... إلخ‏

(4) إلا نقل جملة منها (كتفصيل) الأخباريين بين الأحكام الشرعية الكلية و بين غيرها و قد تقدم شرحه (و تفصيل الشيخ) أعلى اللّه مقامه في الأحكام الشرعية الكلية بين ما كان مدركها العقل أو النقل و قد تقدم أيضاً شرحه.

(و تفصيل الفاضل التوني) بين استصحاب الأحكام التكليفية و الوضعيّة

31

جميعاً و بين استصحاب السبب أو الشرط أو المانع و سيأتي لك شرح ذلك مبسوطاً فانتظر.

(و تفصيل) كل من المحقق صاحب المعارج و المحقق السبزواري و المحقق الخوانساري بين الشك في المقتضي و الشك في الرافع و سيأتي لك شرح الجميع إن شاء اللّه تعالى مع ما لك مع الآخر من الفرق الواضح الجلي فانتظر قليلا بل سيأتي منا التعرض لحجج المنكرين للاستصحاب أيضا قبل التعرض لتفصيل الفاضل التوني لما فيها من الاهتمام بالنسبة إلى حجج ساير الأقوال جداً.

قوله و إنما المهم الاستدلال على ما هو المختار منها و هو الحجية مطلقاً ... إلخ‏

(1) و لعله المشهور في المسألة و إن اختار الشيخ أعلى اللَّه مقامه خلاف ذلك كما تقدم قبلا و هو القول التاسع في المسألة أعني الّذي اختاره المحقق صاحب المعارج من التفصيل بين الشك في المقتضي فلا يكون الاستصحاب حجة فيه و بين الشك في الرافع فيكون الاستصحاب حجة فيه فللشيخ أعلى اللّه مقامه تفصيلان في المسألة تفصيل في الأحكام الشرعية بين ما كان مدركها العقل أو النقل و تفصيل بين الشك في المقتضي و بين الشك في الرافع (و لكن الحق) في المسألة كما ستعرفه قريباً هو مع المصنف فالصواب فيها هو الحجية مطلقاً من غير تفصيل فيها أبداً.

في الوجوه التي استدل بها للاستصحاب غير الاخبار

قوله الوجه الأول استقرار بناء العقلاء ... إلخ‏

(2) قد ذكره الشيخ أعلى اللَّه مقامه لمختاره و هو حجية الاستصحاب في الشك في الرافع‏

32

وجوهاً ثلاثة (الإجماعات المنقولة) (و الاستقراء) (و الأخبار المستفيضة) ثم ذكر للقول بحجية الاستصحاب مطلقا وجوها أربعة فصار المجموع سبعة فانتخب المصنف من بين الوجوه السبعة وجوهاً أربعة فخصها بالذكر و لم يذكر غيرها أبداً (فهذا الوجه الأول) هو الوجه الرابع من وجوه القول بحجية الاستصحاب مطلقاً (قال) أعلى اللّه مقامه و منها أي و من الوجوه التي احتج بها للقول الأول بناء العقلاء على ذلك في جميع أمورهم كما ادعاه العلامة في النهاية و أكثر من تأخر عنه و زاد بعضهم أنه لو لا ذلك لاختل نظام العالم و أساس عيش بني آدم و زاد آخر أن العمل على الحالة السابقة أمر مركوز في النفوس حتى الحيوانات أ لا ترى أن الحيوانات تطلب عند الحاجة المواضع التي عهدت فيها الماء و الكلاء و الطيور يعود من الأماكن البعيدة إلى أو كارها و لو لا البناء على إبقاء ما كان على ما كان لم يكن وجه لذلك (انتهى).

قوله و فيه أولا منع استقرار بنائهم على ذلك تعبداً بل إما رجاء و احتياطاً أو اطمئناناً بالبقاء أو ظناً و لو نوعاً أو غفلة كما هو الحال في ساير الحيوانات دائماً و في الإنسان أحياناً ... إلخ‏

(1) (و حاصل الرد) هو المنع عن استقرار بناء العقلاء على العمل على طبق الحالة السابقة تعبداً بل بملاكات متعددة (فقد يكون) رجاء و احتياطاً (و قد يكون) اطمئناناً بالبقاء (و قد يكون) ظناً و لو نوعاً (و قد يكون غفلة) كما هو الحال في الحيوانات دائماً و في الإنسان أحياناً (و فيه ما لا يخفى) فإن بناء العقلاء على العمل على طبق الحالة السابقة و إن لم يكن هو تعبداً إذ لا تعبد في أمر العقلاء بما هم عقلاء فلا معنى الاستقرار بنائهم على العمل على طبق الحالة السابقة بما هي هي بلا ملاك له و لا موجب (و لكن) لا مانع من أن يكون بملاك الوثوق و الاطمئنان الشخصي بمعنى انهم ما لم يحصل لهم الوثوق و الاطمئنان بالبقاء من وجود الشي‏ء في السابق و من تحققه فيه لم يستصحبوا ذلك الشي‏ء و لم يعملوا على طبق الحالة السابقة إلا رجاء

33

و احتياطاً في بعض الأحيان لا استصحاباً و بانياً على البقاء (و من المعلوم) أن مجرد كون العمل على طبق الحالة السابقة بملاك الوثوق و الاطمئنان بالبقاء مما لا يخرجه عن الاستصحاب و إن خرج عنه إذا كان بملاك الرجاء و الاحتياط (و دعوى) انه قد يكون بملاك الظن النوعيّ ممنوعة جدا إذ مرجعه إلى العمل بالحالة السابقة في مورد عدم حصول الظن الشخصي تعبداً و قد عرفت حال التعبد (و أشد منها منعاً) دعوى أنه قد يكون بملاك الغفلة فإنها في الحيوانات ممنوعة قطعاً فضلا عن الإنسان و لو أحياناً بل يكون ذلك ارتكازياً فطرياً و إن لم تمتع الغفلة عقلا.

(و بالجملة) ان مجرد وجود الشي‏ء في السابق و تحققه فيه و ان كان موجباً للظن بالبقاء و لو نوعاً و به يكون الاستصحاب أمارة ظنية كما هو الشأن في ساير الأمارات المفيدة للظن و لو نوعاً و لكن عمل العقلاء على طبق الحالة السابقة و استصحابهم إياها مقصور بما إذا حصل منها الوثوق و الاطمئنان شخصاً كما هو الحال في خبر الثقة على ما تقدم لك شرحه مبسوطاً فما لم يحصل لهم الوثوق و الاطمئنان من خبر الثقة لم يعملوا على طبقه و لم يتحركوا على وفقه إلا رجاء و احتياطاً في بعض الأحيان لا عملا بخبر الثقة و اعتماداً عليه و ان كانت الأخبار الواردة من الشرع مما توسع الدائرة في كلا المقامين فتجعل خبر الثقة و الاستصحاب حجتين مطلقا و لو لم يفيدا الوثوق و الاطمئنان شخصاً و قد تقدم شرح هذا كله في صدر المسألة عند بيان كون الاستصحاب أمارة لا أصلا فتذكر.

قوله و ثانيا سلمنا ذلك لكنه لم يعلم أن الشارع به راض و هو عنده ماض و يكفى في الردع عن مثله ما دل من الكتاب و السنة على النهي عن اتباع غير العلم ... إلخ‏

(1) (و من العجيب جداً) أنه في خبر الواحد قد ادعى أن الآيات الناهية و الروايات المانعة عن اتباع غير العلم مما لا تكفي في الردع عن السيرة العقلائية المستقرة على العمل بخبر الثقة بزعم أن رادعيتهما دورية و في المقام قد غفل عن الدور رأساً و لعله‏

34

(قدس سره) تغافل عنه و لم يغفل (و على كل حال) قد عرفت هناك أن الحق في المسألة أن الآيات و الروايات مما تصلح للردع عنها بلا دور و لا محذور فيه أصلا و لكنا قد أجبنا عن رادعيتهما بجواب آخر قد تقدم لك شرحه مفصلا فلا نعيد فما به الجواب عن رادعيتهما هناك يجري في مقامنا هذا أيضاً حرفاً بحرف.

قوله و ما دل على البراءة أو الاحتياط في الشبهات ... إلخ‏

(1) إذا تمَّ جوابنا عن رادعية الآيات و الروايات الدالة بالمطابقة على المنع عن اتباع غير العلم و منه الاستصحاب تمّ عن رادعية أدلة البراءة أو الاحتياط في الشبهات الدالة بالالتزام على المنع عما سواهما بطريق أولى.

قوله الوجه الثاني أن الثبوت في السابق موجب للظن به في اللاحق إلى آخره‏

(2) قد أشرنا فيما تقدم أن الشيخ أعلى اللّه مقامه قد ذكر لمختاره و هو حجية الاستصحاب في الشك في الرافع وجوهاً ثلاثة و أنه قد ذكر للقول بحجية الاستصحاب مطلقاً وجوهاً أربعة و أن المصنف قد انتخب من بين هذه الوجوه السبعة وجوهاً أربعة فخصها بالذكر و لم يذكر غيرها فهذا الوجه الثاني الّذي ذكره المصنف هاهنا هو مذكور في ذيل الوجه الثاني من وجوه القول بحجية الاستصحاب مطلقاً.

(قال الشيخ) أعلى اللّه مقامه بعد ما ذكر الوجه الثاني و ردّ عليه (ما لفظه) مع أن مرجع هذا الوجه إلى ما ذكره العضدي و غيره من أن ما تحقق وجوده و لم يظن أو لم يعلم عدمه فهو مظنون البقاء (انتهى).

قوله و فيه منع اقتضاء مجرد الثبوت للظن بالبقاء فعلا و لا نوعاً فانه لا وجه له أصلا الا كون الغالب فيما ثبت أن يدوم مع إمكان أن لا يدوم و هو غير معلوم ... إلخ‏

(3) (و فيه ما لا يخفى) فإن منع اقتضاء مجرد الثبوت في السابق للظن بالبقاء فعلا و لا نوعاً هو خلاف الإنصاف جداً (و دعوى) انه لا وجه لذلك الا كون الغالب فيما

35

ثبت أن يدوم مع إمكان أن لا يدوم و هو غير معلوم (مما لا وجه له) فان معنى كون الغالب فيما ثبت أن يدوم هو أن يستمر إلى آخر وقت أمكن بقاءه إلى ذلك الوقت إلّا إذا اتفق زواله أحياناً قبل انتهاء أجله الطبيعي بسبب خاص و داع مخصوص و هو أمر صحيح معلوم لا غير معلوم.

(نعم صح) أن يقال إن مجرد الثبوت في السابق مما لا يوجب الظن بالبقاء شخصاً كما هو ظاهر المستدل بل مما يوجب الظن بالبقاء نوعاً كما أفدناه قبلا فتذكر

قوله و لو سلم فلا دليل على اعتباره بالخصوص مع نهوض الحجة على عدم اعتباره بالعموم ... إلخ‏

(1) بل قد عرفت الدليل بالخصوص على اعتبار الظن الحاصل من مجرد الثبوت في السابق و هو بناء العقلاء كافة على العمل على طبق الحالة السابقة فيما إذا أفاد الوثوق و الاطمئنان و لو بضميمة ما أجبنا به عن رادعية الآيات و الروايات المتقدم لك شرحه في خبر الواحد مفصلا.

(نعم) على هذا التقدير لا يكون هذا الوجه الثاني وجهاً مستقلا على حدّه لاعتبار الاستصحاب غير ما تقدم فإن مجرد الظن الحاصل من الثبوت في السابق مما لا يصلح الاعتماد عليه ما لم يعتمد في اعتباره على بناء العقلاء الممضى لدى الشرع و مع الاعتماد على بنائهم لا يكون هذا الوجه الثاني دليلا مستقلا برأسه غير الوجه الأول.

قوله الوجه الثالث دعوى الإجماع عليه كما عن المبادي ... إلخ‏

(2) هذا هو الوجه الأول من الوجوه الثلاثة التي ذكرها الشيخ أعلى اللّه مقامه لمختاره و هو حجية الاستصحاب عند الشك في الرافع (قال) بعد ما اختار القول التاسع في المسألة و هو الّذي اختاره المحقق صاحب المعارج (ما لفظه) لنا على ذلك وجوه الأول ظهور كلمات جماعة في الاتفاق عليه.

(فمنها) ما عن المبادي حيث قال الاستصحاب حجة لإجماع الفقهاء على‏

36

انه متى حصل حكم ثم وقع الشك في أنه طرأ ما يزيله أم لا وجب الحكم ببقائه على ما كان أولا و لو لا القول بأن الاستصحاب حجة لكان ترجيحاً لأحد طرفي الممكن من غير مرجح انتهى.

(ثم ساق الكلام) إلى ان قال و نظير هذا (ما عن النهاية) من أن الفقهاء بأسرهم على كثرة اختلافهم اتفقوا على أنا متى تيقنا حصول شي‏ء و شككنا في حدوث المزيل له أخذنا بالمتيقن و هو عين الاستصحاب لأنهم رجحوا بقاء الثابت على حدوث الحادث.

(ثم قال و منها) تصريح صاحب المعالم و الفاضل الجواد بأن ما ذكره المحقق أخيراً في المعارج راجع إلى قول السيد المرتضى المنكر للاستصحاب فان هذا شهادة منهما على خروج ما ذكره المحقق يعني الاستصحاب عند الشك في الرافع عن مورد النزاع و كونه موضع وفاق (انتهى) موضع الحاجة من كلامه رفع مقامه.

قوله و قد نقل عن غيره أيضاً ... إلخ‏

(1) و هو النهاية بل المعالم و الفاضل الجواد على ما عرفت آنفاً.

قوله و فيه أن تحصيل الإجماع في مثل هذه المسألة مما له مباني مختلفة في غاية الإشكال و لو مع الاتفاق ... إلخ‏

(2) (و حاصل الرد) أن تحصيل الإجماع على نحو يستكشف منه رأي الإمام (عليه السلام) في مثل هذه المسألة مما له مباني مختلفة و مدارك متعددة في غاية الإشكال و لو مع الاتفاق فيها فضلا عما إذا كانت هي محل الخلاف فإن احتمال المدرك في المسألة أي احتمال الاعتماد فيها على وجه مخصوص مما يضر باستكشاف رأي الإمام (عليه السلام) بمعنى أن معه لا يكاد يقطع برأيه لجواز استنادهم فيها إلى ذلك الوجه و اعتمادهم عليه لا إلى رأيه الواصل إليهم خلفاً عن سلف و جيلا بعد جيل فكيف بما إذا كانت المسألة مما له مدارك متعددة و مباني مختلفة و هذا واضح ظاهر.

37

قوله و نقله موهون جداً لذلك و لو قيل بحجيته لو لا ذلك ... إلخ‏

(1) فإن تحصيل الإجماع في مثل هذه المسألة مما له مباني مختلفة و مدارك متعددة إذا كان في غاية الإشكال و لو مع فرض الاتفاق فيها نظراً إلى احتمال الاستناد فيها إلى تلك المباني و المدارك لا إلى رأي الإمام (عليه السلام) فنقل الإجماع فيها يكون موهوناً قهراً بسبب الاحتمال المذكور و لو قيل بحجية الإجماع المنقول في حد ذاته لو لا هذا الوهن.

في الاستدلال على حجية الاستصحاب بالأخبار و بيان الصحيحة الأولى لزرارة

قوله الوجه الرابع و هو العمدة في الباب الاخبار المستفيضة ... إلخ‏

(2) هذا هو الوجه الثالث من الوجوه التي استند إليها الشيخ أعلى اللّه مقامه لمختاره و هو حجية الاستصحاب عند الشك في الرافع (و الظاهر) انه لم يستند صريحاً إلى الأخبار أحد من قدماء الأصحاب أصلا.

(قال الشيخ) في الأمر الأول من الأمور التي ذكرها بعد الفراغ عن تعريف الاستصحاب (ما لفظه) و لذا لم يتمسك أحد هؤلاء فيه يعني بهم الشيخ و السيدين و الفاضلين و الشهيدين و صاحب المعالم بخبر من الاخبار (إلى ان قال) و أوّل من تمسك بهذه الأخبار فيما وجدته والد الشيخ البهائي فيما حكى عنه في العقد الطهماسبي و تبعه صاحب الذخيرة و شارح الدروس و شاع بين من تأخر عنهم نعم ربما يظهر من الحلي في السرائر الاعتماد على هذه الاخبار حيث عبّر عن استصحاب نجاسة الماء المتغير بعد زوال تغيّره من قبل نفسه بنقض اليقين باليقين و هذه العبارة ظاهرة في أنها مأخوذة من الأخبار (انتهى).

38

قوله منها صحيحة زرارة قال قلت له الرّجل ينام و هو على وضوء إلى آخره‏

(1) هذه هي الصحيحة الأولى لزرارة (و قد رواها في الوسائل) في أول باب من أبواب نواقض الوضوء قال قلت له الرّجل ينام و هو على وضوء أ توجب الخفقة و الخفقتان عليه الوضوء فقال يا زرارة قد تنام العين و لا ينام القلب و الأذن فإذا نامت العين و الإذن و القلب وجب الوضوء قلت فإن حرك إلى جنبه شي‏ء و لم يعلم به قال لا حتى يستيقن أنه قد نام حتى يجي‏ء من ذلك أمر بيّن و إلا فإنه على يقين من وضوئه و لا ينقض اليقين أبداً بالشك و إنما ينقضه بيقين آخر (انتهى).

(ثم لا يخفى) أن ما ذكرناه من الوسائل و ما ذكره المصنف في الكتاب بينهما فرق يسير في بعض الألفاظ و هو و إن لم يكن مما يضر بالمقصود و لكن مع ذلك حيث كان الأولى نقل متن الحديث على الضبط و الدقة بلا اختلاف فيه أصلا فلم نكتف بما ذكره المصنف في الكتاب.

قوله أ يوجب الخفقة و الخفقتان عليه الوضوء ... إلخ‏

(2) الخفقة حركة الرّأس بسبب النعاس يقال خفق برأسه خفقة أو خفقتين إذا أخذته حركة من النعاس برأسه فمال برأسه دون ساير جسده.

قوله و تقريب الاستدلال بها انه لا ريب في ظهور قوله (عليه السلام) و إلا فإنه على يقين ... إلخ عرفاً في النهي عن نقض اليقين بشي‏ء بالشك فيه و أنه (عليه السلام) بصدد بيان ما هو علة الجزاء المستفاد من قوله (عليه السلام) لا ... إلخ‏

(3) مقصوده أن قوله (عليه السلام) و إلا فإنه على يقين من وضوئه و لا ينقض اليقين أبداً بالشك ظاهر عرفاً في النهي عن نقض اليقين بشي‏ء بالشك فيه ... إلخ و لكن الإنصاف أن تقريب الاستدلال مما لا يحتاج إلى ذكر هذا كله كما لم يذكره الشيخ أصلا (و الحق) في تقريب الاستدلال أن يقال إن جزاء الشرط أي جزاء قوله (عليه السلام) و إلّا ... إلخ محذوف أي و إن لم يستيقن أنه قد نام فلا يجب الوضوء

39

و يستفاد هذا الجزاء من قوله (عليه السلام) قبل ذلك في جواب السائل قلت فإن حرك إلى جنبه شي‏ء و لم يعلم به قال لا أي لا يجب الوضوء ثم قامت العلة و هي قوله (عليه السلام) فإنه على يقين من وضوئه و لا ينقض اليقين أبداً بالشك مقام الجزاء المحذوف (و قد ذكر الشيخ) أعلى اللّه مقامه لذلك أمثلة عديدة من الكتاب العزيز (مثل قوله تعالى) و إن تجهر بالقول فإنه يعلم السر و أخفى.

(و قوله تعالى) و إن تكفروا فإن اللّه غني عنكم.

(و قوله تعالى) و من كفر فإن ربي غني كريم إلى غير ذلك من الأمثلة و اما العلة في المقام فهي عبارة عن اندراج اليقين و الشك في مورد السؤال تحت القضية الكلية المرتكزة في أذهان العقلاء الغير المختصة بباب دون باب و هي عدم نقض اليقين أبداً بالشك و عدم رفع اليد عن العمل على طبق الحالة السابقة ما لم يعلم بالخلاف أصلا فقوله (عليه السلام) فإنه على يقين من وضوئه بمنزلة الصغرى و قوله (عليه السلام) و لا ينقض اليقين أبداً بالشك بمنزلة الكبرى فيكون ذلك إمضاءً لما استقر عليه بناء العقلاء و إنفاذاً لما استمر عليه و سيرتهم و تصحيحاً لما جرى عليه ديدنهم و هو المطلوب و المقصود غايته ان العقلاء كما أشرنا قبلا لا يكاد يعملون على طبق الحالة السابقة إلا إذا أفادت هي الوثوق و الاطمئنان بالبقاء و الصحيحة مما له إطلاق ينهى عن نقض اليقين بالشك مطلقاً و لو لم يكن هناك وثوق و اطمئنان بالبقاء ما لم يكن هناك يقين آخر ينقضه (و من هنا يظهر) ان اعتراف المصنف هنا بالقضية الكلية الارتكازية الغير المختصة بباب دون باب و اندراج اليقين و الشك في مورد السؤال في تلك القضية الكلية المرتكزة مناف لما تقدم منه آنفاً من منع استقرار بناء العقلاء على العمل على طبق الحالة السابقة بما هي هي على وجه الاستصحاب و ان بنوا عليه بملاكات متعددة لا على وجه الاستصحاب اما رجاء و احتياطاً أو اطمئناناً بالبقاء أو لغير ذلك و هذا واضح جلي لا يخفى على الفطن الزكي فلا تغفل أنت و لا تذهل.

40

قوله و احتمال أن يكون الجزاء هو قوله فإنه على يقين ... إلخ غير سديد فإنه لا يصح إلّا بإرادة لزوم العمل على طبق يقينه و هو إلى الغاية بعيد إلى آخره‏

(1) (هذا احتمال ثاني) في قوله (عليه السلام) فإنه على يقين من وضوئه ... إلخ.

(فالاحتمال الأول) ان يكون علة للجزاء المحذوف و قد عرفت شرحه.

(و الاحتمال الثاني) ان يكون بنفسه جزاءً للشرط (و قد أشار إليه الشيخ) أعلى اللّه مقامه و جعل فيه التكلف (فقال) و جعله نفس الجزاء يعني به قوله (عليه السلام) فإنه على يقين من وضوئه ... إلخ يحتاج إلى تكلف انتهى.

(و قال المصنف) إنه غير سديد و لعله نظراً إلى انه لو تركناه على حاله لم يلتئم الجزاء مع الشرط فلا بدّ من ان نريد من الجزاء وجوب العمل على طبق يقينه السابق بوضوئه أي و إن لم يستيقن انه قد نام فليعمل على طبق يقينه بوضوئه و هو إلى الغاية بعيد كما صرح به في المتن.

أقول هذا مضافاً إلى ان ذلك مما لا يضر بالاستدلال أصلا فإن الاستدلال مبني كما سيأتي على كون الكلام في قوله (عليه السلام) و لا ينقض اليقين أبداً بالشك ... إلخ للجنس و هو مما لا يتفاوت الحال فيه بين ان كان قوله فإنه على يقين ... إلخ علة للجزاء أو كان بنفسه جزاءً للشرط.

قوله و أبعد منه كون الجزاء قوله لا ينقض ... إلخ و قد ذكر فإنه على يقين للتمهيد ... إلخ‏

(2) (هذا احتمال ثالث) في قوله (عليه السلام) فإنه على يقين من وضوئه ... إلخ.

(فالأوّل) ان يكون علة للجزاء المحذوف.

(و الثاني) ان يكون بنفسه جزاءً للشرط و قد عرفت شرحهما.

(الثالث) ان يكون الجزاء قوله (عليه السلام) و لا ينقض اليقين أبداً بالشك‏

41

و قوله (عليه السلام) فإنه على يقين من وضوئه يكون توطئة له.

(قال الشيخ) أعلى اللّه مقامه مع احتمال ان لا يكون قوله (عليه السلام) فإنه على يقين علة قائمة مقام الجزاء بل يكون الجزاء مستفاداً من قوله (عليه السلام) و لا ينقض و قوله فإنه على يقين توطئة له و المعنى انه إن لم يستيقن النوم فهو متيقن لوضوئه السابق و يثبت على مقتضي يقينه و لا ينقضه (انتهى) موضع الحاجة من كلامه رفع مقامه.

أقول و الإنصاف أن هذا الاحتمال أبعد من سابقه كما أفاد المصنف بل أبعد بكثير على نحو لا يخطر بالبال أصلا فلا يلتفت إليه أبداً.

قوله و قد انقدح بما ذكرنا ضعف احتمال اختصاص قضية لا ينقض إلى آخره باليقين و الشك في باب الوضوء جدا فانه ينافيه ظهور التعليل في أنه بأمر ارتكازي لا تعبدي قطعاً ... إلخ‏

(1) إشارة إلى الإشكال الّذي تعرضه الشيخ أعلى اللَّه مقامه (قال) بعد الفراغ عن تقرير الاستدلال بالصحيحة (ما لفظه) هذا و لكن مبني الاستدلال على كون اللام في اليقين للجنس إذ لو كانت للعهد لكانت الكبرى المنضمة إلى الصغرى و لا ينقض اليقين بالوضوء بالشك فيفيد قاعدة كلية في باب الوضوء و انه لا ينقض إلا باليقين بالحدث و اللام و ان كان ظاهراً في الجنس إلّا أن سبق يقين الوضوء ربما يوهن الظهور المذكور بحيث لو فرض إرادة خصوص يقين الوضوء لم يكن بعيداً عن اللفظ (انتهى).

(و محصله) أن سبق قوله (عليه السلام) فإنه على يقين من وضوئه مما يوجب ظهور اللام في العهد و الإشارة إلى خصوص اليقين بالوضوء أي فإنه على يقين من وضوئه و لا ينقض اليقين بالوضوء أبداً بالشك فيكون المستفاد من الصحيحة قاعدة كلية مختصة بباب الوضوء فقط لا قاعدة كلية غير مختصة بباب دون باب كما

42

هو المطلوب (و قد أجاب عنه المصنف) و نعم ما أجاب به (و حاصله) ان ظاهر التعليل و هو قوله (عليه السلام) فإنه على يقين من وضوئه و لا ينقض اليقين أبداً بالشك هو التعليل باندراج اليقين و الشك في مورد السؤال في القضية الكلية العامة المرتكزة في أذهان العقلاء من عدم نقض اليقين أبداً بالشك و لو كان اللام للعهد لكان تعليلا باندراجهما في القضية التعبدية و هي عدم نقض اليقين بالوضوء بالشك إذ ليس خصوص عدم نقض اليقين بالوضوء بالشك قضية مرتكزة في أذهان العقلاء كما لا يخفى.

(و من المعلوم) ان ظهور التعليل بأمر ارتكازي هو أقوى بمراتب من ظهور اللام في العهد و إن شئت قلت إن مع سبق قوله (عليه السلام) فإنه على يقين من وضوئه ... إلخ إذا أريد الجنس من اللام فلا ركاكة في الكلام أصلا بخلاف ما إذا أريد العهد من اللام و كان التعليل بأمر تعبدي فيكون الكلام ركيكاً جداً فتأمل جيداً،

قوله و يؤيده تعليل الحكم بالمضي مع الشك في غير الوضوء في غير هذه الرواية بهذه القضية أو ما يرادفها ... إلخ‏

(1) كما في الفقرة الثالثة من الصحيحة الثانية الآتية (لأنك كنت على يقين من طهارتك ثم شككت فليس ينبغي لك أن تنقض اليقين بالشك أبداً) و هكذا في الفقرة السادسة منها (لأنك لا تدري لعله شي‏ء أوقع عليك فليس ينبغي أن تنقض اليقين بالشك) فالتعليل بهذه القضية في الصحيحة الثانية مع التعليل بها في الصحيحة الأولى مما يؤيد ان القضية مرتكزة عامة غير مختصة بباب دون باب كالوضوء و الحدث أو الطهارة و النجاسة و نحوهما و إن جاز عقلا أن يكون التعليل في كلتا الصحيحتين بأمر تعبدي بأن كان عدم جواز نقض اليقين بالوضوء بالشك قضية تعبدية و عدم جواز نقض اليقين بالطهارة بالشك قضية تعبدية أخرى (و لعل من هنا) قد جعله المصنف مؤيداً لا دليلا برأسه (و قد أشار الشيخ) أعلى اللّه مقامه‏

43

إلى هذا المؤيد في بعض كلامه (فقال) و لكن الإنصاف ان الكلام مع ذلك لا يخلو عن ظهور خصوصاً بضميمة الأخبار الأخر الآتية المتضمنة لعدم نقض اليقين بالشك (انتهى).

قوله مع ان الظاهر انه للجنس كما هو الأصل فيه و سبق فإنه على يقين ... إلخ لا يكون قرينة عليه مع كمال الملاءمة مع الجنس أيضاً فافهم ... إلخ‏

(1) هذا جواب ثاني عن الإشكال (و لكن فيه ما لا يخفى) فإن اللام بطبعه و ان كان ظاهراً في الجنس و انه الأصل فيه و لكن سبق فإنه على يقين من وضوئه ... إلخ مما يوهن الظهور المذكور (كما أشار إليه الشيخ) أعلى اللَّه مقامه في كلامه المتقدم (فقال) و اللام و إن كان ظاهراً في الجنس إلا أن سبق يقين الوضوء ربما يوهن الظهور المذكور ... إلخ (و لعل من هنا) قال المصنف أخيراً فافهم.

قوله مع أنه غير ظاهر في اليقين بالوضوء لقوة احتمال أن يكون من وضوئه متعلقاً بالظرف لا بيقين ... إلخ‏

(2) هذا جواب ثالث عن الإشكال (و حاصله) أن كون اللام في قوله (عليه السلام) و لا ينقض اليقين أبداً بالشك للعهد و الإشارة إلى خصوص اليقين بالوضوء مبني على كون لفظة من وضوئه متعلقة بلفظة (يقين) بنفسها فيكون اليقين حينئذ في الصغرى خاصاً و هو اليقين بالوضوء أي فانه على اليقين بوضوئه و لا ينقض اليقين بالوضوء أبداً بالشك و اما إذا كان متعلقاً بالظرف أي بلفظة (على يقين) بحيث كان المعنى هكذا أي فانه من وضوئه على يقين و لا ينقض اليقين أبداً بالشك فلا يكون اليقين حينئذ في الصغرى خاصاً كي تكون اللام في يقين الكبرى للإشارة إليه بل جنساً مطلقاً فيكون اليقين في الكبرى أيضاً كذلك فتأمل جيداً.

44

في تفصيل الشيخ بين الشك في المقتضى و الشك في الرافع‏

قوله ثم لا يخفى حسن إسناد النقض و هو ضد الإبرام إلى اليقين و لو كان متعلقا بما ليس فيه اقتضاء البقاء و الاستمرار لما يتخيل فيه من الاستحكام إلى آخره‏

(1) شروع في تضعيف تفصيل الشيخ أعلى اللّه مقامه بين الشك في المقتضي فلا يكون الاستصحاب حجة فيه و الشك في الرافع فيكون حجة فيه و هو القول التاسع في المسألة كما تقدم الّذي نسبه إلى ظاهر المحقق صاحب المعارج (و قد استدل الشيخ) لهذا التفصيل بعد الفراغ عن ذكر الأخبار (بما هذا لفظه) ان حقيقة النقض هو رفع الهيئة الاتصالية كما في نقض الحبل و الأقرب إليه على تقدير مجازيته هو رفع الأمر الثابت و قد يطلق على مطلق رفع اليد عن الشي‏ء و لو لعدم المقتضي له بعد ان كان آخذاً به فالمراد من النقض عدم الاستمرار عليه و البناء على عدمه بعد وجوده (إذا عرفت هذا) فنقول إن الأمر يدور بين أن يراد بالنقض مطلق ترك العمل و ترتيب الأثر و هو المعنى الثالث و يبقي المنقوض عاماً لكل يقين و بين أن يراد من النقض ظاهره و هو المعنى الثاني فيختص متعلقه بما من شأنه الاستمرار المختص بالموارد التي يوجد فيها هذا المعنى و الظاهر رجحان هذا على الأول يعني به الثالث لأن الفعل الخاصّ يصير مخصصاً لمتعلقه العام كما في قول القائل لا تضرب أحداً فإن الضرب قرينة على اختصاص العام بالأحياء و لا يكون عمومه للأموات قرينة على إرادة مطلق الضرب عليه كسائر الجمادات (انتهى) موضع الحاجة من كلامه رفع مقامه (و محصله) ان للنقض (معنى حقيقي) و هو ضد الإبرام أي فك‏

45

الفتل و هو المقصود من قوله رفع الهيئة من الاتصالية كما في نقض الحبل ... إلخ (و معنى مجازي) أقرب و هو رفع الأمر الثابت أي المستحكم الّذي فيه اقتضاء الثبوت و الاستمرار (و معنى مجازي أبعد) و هو مطلق رفع اليد عن الشي‏ء و ترك العمل به و لو لعدم المقتضي له فإذا تعذر المعنى الحقيقي كما في المقام و دار الأمر بين المعنيين المجازيين فيتعين المعنى الثاني الأقرب فيختص اليقين حينئذ بما كان متعلقه أمراً ثابتاً مستحكماً فيه اقتضاء الثبوت و الاستمرار كالزوجية و الملكية و العدالة و نحوها مما يحتاج رفعه إلى وجود رافع و مزيل دون ما ليس فيه اقتضاء الثبوت و الاستمرار بل يرتفع بنفسه كالليل و النهار و اشتعال السراج إذا شك في بقائه للشك في استعداده (هذا محصل كلام الشيخ) أعلى اللّه مقامه.

(و أما المصنف) فمحصل كلامه في تضعيفه أن حسن إسناد النقض إلى اليقين بعد تعذر إرادة المعنى الحقيقي ليس بملاحظة متعلقه أي المتيقن كي يوجب تخصيصه بما من شأنه الثبوت و الاستمرار نظراً إلى كون رفعه أقرب إلى المعنى الحقيقي فيكون الفعل الخاصّ مخصصاً لمتعلقه العام بل بملاحظة نفسه كما في إسناده إلى البيعة أو العهد أو اليمين و نحو ذلك لما يتخيل في اليقين من الاستحكام سواء كان متعلقاً بما فيه اقتضاء الثبوت و الاستمرار أم لا بخلاف الظن فإنه يظن انه ليس فيه إبرام و استحكام.

أقول بل لا يبعد أن يكون النقض في المقام مستعملا في المعنى الثالث و هو مطلق رفع اليد عن الشي‏ء و ترك العمل به و لو للشك في استعداده و اقتضائه للثبوت و الاستمرار و ذلك بشهادة حسن اسناد النقض إلى الشك أيضا كاليقين بعينه كما في الصحيحة الثالثة الآتية فيقول (عليه السلام) فيها بل ينقض الشك باليقين ... إلخ فلو كان حسن إسناد النقض إلى اليقين لأجل ما يتخيل فيه من الاستحكام لم يحسن إسناده إلى الشك أيضاً (و منه يظهر) ضعف قول المصنف بخلاف الظن فإنه يظن انه ليس‏

46

فيه إبرام و استحكام ... إلخ إذ لو جاز إسناد النقض إلى الشك عرفاً فإسناده إلى الظن بطريق أولى (و قد اعترف الشيخ) أعلى اللّه مقامه بهذا الشاهد في آخر كلامه (فقال) و يمكن أن يستفاد من بعض الأمارات إرادة المعنى الثالث مثل قوله (عليه السلام) بل ينقض الشك باليقين ... إلخ.

قوله و إلّا لصح أن يسند إلى نفس ما فيه المقتضى له مع ركاكة مثل نقضت الحجر من مكانه و لما صح أن يقال انتقض اليقين باشتعال السراج فيما إذا شك في بقاءه للشك في استعداده ... إلخ‏

(1) أي و إن لم يحسن إسناد النقض إلى اليقين إلّا إذا كان متعلقاً بما فيه اقتضاء البقاء و الاستمرار لصح إسناد النقض إلى نفس ما فيه اقتضاء البقاء كما في نقضت الحجر من مكانه و لما صح إسناد النقض إلى اليقين المتعلق بما ليس فيه اقتضاء البقاء و الاستمرار كما في انتقض اليقين باشتعال السراج فيما إذا شك في بقاءه للشك في استعداده مع انه يصح إسناده إليه مثل ما يصح إسناده إلى اليقين المتعلق بما فيه اقتضاء البقاء و الاستمرار عيناً كاليقين بالطهارة و النجاسة و الزوجية و الملكية و نحوها (فمن هذا كله) يعرف أن حسن إسناد النقض إلى اليقين ليس بملاك تعلقه بما فيه اقتضاء البقاء و الاستمرار بل بملاك كون اليقين بنفسه مما يتخيل فيه الاستحكام أقول و الظاهر ان ركاكة مثل نقضت الحجر من مكانه إنما هو بلحاظ لفظة من مكانه الدالة على إرادة الرفع أو النقل من النقض و هو غير مناسب مع المعنى الحقيقي و أما إذا أسند النقض إلى الحجر وحده بلا لفظة من مكانه كما في قولك نقضت الحجر فقد صح و حسن كما في نقضت البناء عيناً.

قوله مثل ذاك الأمر ... إلخ‏

(2) أي مثل ذاك الأمر المبرم.

47

قوله حقيقة ... إلخ‏

(1) راجع إلى إرادة مثل ذاك الأمر أي بعد تعذر إرادة مثل ذاك الأمر حقيقة مما يصح إسناد النقض إليه.

قوله فإن قلت نعم و لكنه حيث لا انتقاض لليقين في باب الاستصحاب حقيقة ... إلخ‏

(2) (و حاصل الإشكال) انه نعم إنما يكون حسن إسناد النقض إلى اليقين بملاحظة نفسه لا بملاحظة متعلقة لكن لا انتقاض لليقين في باب الاستصحاب حقيقة و إنما الانتقاض كذلك في قاعدة اليقين و الفرق بينهما كما سيأتي شرحه مفصلا ان كلامه من اليقين و الشك في الاستصحاب قد تعلق بغير ما تعلق به الآخر و في قاعدة اليقين قد تعلق بعين ما تعلق به الآخر فيتحد متعلقهما (فإذا تيقن) بالوضوء مثلا في أول النهار و شك في الوضوء في وسط النهار فهذا مجري الاستصحاب و لا انتقاض فإن ما تعلق به اليقين السابق و هو الوضوء في وسط النهار لم يتعلق به الشك اللاحق و ما تعلق به الشك اللاحق و هو الوضوء في وسط النهار لم يتعلق به اليقين السابق (و اما إذا تيقن) بالوضوء في أول النهار و شك في وسط النهار في أصل وضوئه في أول النهار فهذا مجري قاعدة اليقين و فيه انتقاض اليقين السابق حقيقة (و عليه) فإذا لم يكن انتقاض لليقين في باب الاستصحاب حقيقة (فان كان) المتعلق أي المتيقن مما ليس فيه اقتضاء البقاء و الاستمرار لم يصح إسناد النقض إليه اليقين و لو مجازاً (و ان كان) فيه اقتضاء البقاء و الاستمرار صح إسناد النقض إليه و لو مجازاً فإن اليقين معه كأنه تعلق بأمر مستمر باق قد انقطع و انفصم بسبب الشك في الرافع (و حاصل الجواب) ان عدم انتقاض اليقين في باب الاستصحاب حقيقة لتعدد متعلقي اليقين و الشك إنما هو على المداقة العقلية و أما على المسامحة العرفية و عدم ملاحظة تعددهما زماناً فالانتقاض محقق عرفاً فكأن الشك اللاحق قد تعلق بعين ما تعلق به اليقين السابق (و عليه) فإذا لم يعامل معاملة اليقين في ظرف الشك صدق‏

48

عليه عرفاً أنه قد نقض اليقين بالشك فيكون إسناد النقض إليه حسناً عرفاً و لو مجازاً بتخيل ما فيه من الاستحكام و هذا من غير فرق بين كون متعلقه مما فيه اقتضاء البقاء و الاستمرار أم لا.

(نعم) ان الإسناد إليه مع اقتضاء البقاء و الاستمرار في متعلقه هو أقرب اعتباراً و لكنه ليس مما يوجب تعينه عرفاً إذا المتبع في الأقربية هو نظر العرف و فهم أهل اللسان لا على الاعتبار و الاستحسان كما لا يخفى.

قوله و أما الهيئة فلا محالة يكون المراد منها النهي عن الانتقاض بحسب البناء و العمل لا الحقيقة لعدم كون الانتقاض بحسبها تحت الاختيار إلى آخره‏

(1) الشيخ أعلى اللَّه مقامه بعد أن أفاد العبارة المتقدمة التي كان محصلها ان للنقض معاني ثلاثة (رفع الهيئة الاتصالية) (و رفع الأمر الثابت المستحكم) (و مطلق رفع اليد عن الشي‏ء و ترك العمل به) و أن الأمر يدور بين المعنيين الأخيرين و أن الثاني أظهر من الثالث فيختص متعلق اليقين بما من شأنه الاستمرار (قال ما لفظه) ثم لا يتوهم الاحتياج إلى تصرف في اليقين بإرادة المتيقن منه لأن التصرف لازم على كل حال فإن النقض الاختياري القابل لورود النهي عليه لا يتعلق بنفس اليقين على كل تقدير بل المراد نقض ما كان على يقين منه و هو الطهارة السابقة أو أحكام اليقين و المراد بأحكام اليقين ليس أحكام نفس وصف اليقين إذ لو فرضنا حكماً شرعياً محمولا على نفس صفة اليقين ارتفع بالشك قطعاً كمن نذر فعلا في مدة اليقين بحياة زيد و يعني بالفعل مثل الصدقة و نحوها بل المراد أحكام المتيقن المثبتة له من جهة اليقين و هذه الأحكام كنفس المتيقن أيضاً لها استمرار شأني لا يرتفع إلّا بالرافع فإن جواز الدخول في الصلاة بالطهارة أمر مستمر إلى أن يحدث ناقضها (انتهى) موضع الحاجة من كلامه رفع مقامه.

(و محصله) ان إرادة المعنى الثاني من النقض و هو رفع الأمر الثابت المستحكم‏

49

و اختصاص متعلق اليقين حينئذ بما من شأنه البقاء و الاستمرار و ان كانت مما يحتاج إلى إرادة المتيقن من اليقين و لكن هذا التصرف أمر لازم على كل حال و ذلك ليصير النقض اختيارياً قابلا لتعلق النهي به.

(فيقول المصنف) في تضعيفه ما حاصله ان المراد من النهي عن النقض ليس هو النهي عن النقض الحقيقي فإن النقض الحقيقي ليس تحت الاختيار على كل حال سواء كان المراد هو نقض اليقين بنفسه أو نقض المتين أو آثار اليقين بل المراد هو النهي عن النقض بحسب البناء و العمل و من المعلوم ان النقض كذلك هو تحت الاختيار و إن أسند إلى اليقين بنفسه من غير حاجة إلى التصرف في ظاهر القضية بإرادة المتيقن أو آثار اليقين من اليقين كي يصير النقض اختيارياً قابلا لتعلق النهي به بل لا مجوز لذلك أصلا فضلا عن الملزم له كما لا يخفى.

قوله بناء على التصرف فيها بالتجوز أو الإضمار ... إلخ‏

(1) فإن التصرف بإرادة المتيقن أو آثار اليقين كما ادعى الشيخ أعلى اللّه مقامه في كلامه المتقدم آنفاً هو على نحوين (فتارة) يكون بنحو التجوز في الكلمة كما إذا أريد من اليقين المتيقن.

(و أخرى) بنحو التجوز في التقدير كما إذا أضمر لفظ الآثار قبل لفظ اليقين فقوله (عليه السلام) و لا ينقض اليقين أبدا بالشك أي لا ينقض آثار اليقين أبداً بالشك‏

قوله فلا يكاد يجدى التصرف بذلك في بقاء الصيغة على حقيقتها إلى آخره‏

(2) أي فلا يكاد يجدي التصرف في القضية بالتجوز في الكلمة أو الإضمار في صيرورة النقض اختيارياً قابلا لتعلق النهي به حقيقة كما استفيد ذلك من كلام الشيخ أعلى اللّه مقامه.

50

قوله لا يقال لا محيص عنه فإن النهي عن النقض بحسب العمل لا يكاد يراد بالنسبة إلى اليقين و آثاره لمنافاته مع المورد ... إلخ‏

(1) (حاصل الإشكال) انه لا محيص عن التصرف في القضية بأن يراد من اليقين المتيقن أو آثار اليقين أي المثبتة للمتيقن من جهة اليقين كما أفاد الشيخ أعلى اللّه مقامه (و ذلك) لعدم صحة إسناد النقض و لو بحسب البناء و العمل إلى نفس اليقين إلّا إذا كان لوصف اليقين أثر شرعي مترتب عليه كما إذا نذر أن يتصدق كل يوم بدرهم ما دام كونه متيقناً بحياة زيد مثلا فيصح حينئذ النهي عن نقضه عملا بمعنى النهي عن عدم ترتيب أثره عليه (و اما إذا لم يكن) لوصف اليقين أثر شرعي كما في المورد بل كان الأثر الشرعي كجواز الدخول في الصلاة و نحوه مترتباً على نفس المتيقن كالطهارة و نحوها يرتبه المكلف عليه من جهة اليقين به فلا محالة يكون المراد من اليقين المتيقن أو آثار اليقين أي المثبتة للمتيقن من جهة اليقين به أي لا ينقض المتيقن عملا بعدم ترتيب أثره عليه أو لا ينقض آثار اليقين عملا بترك العمل بها و رفع اليد عنها (و حاصل الجواب) ان الإشكال انما يتم إذا كان اليقين المأخوذ في الحديث الشريف ملحوظاً بنفسه و على وجه الاستقلال و اما إذا كان ملحوظاً بما هو مرآة للمتيقن أو لآثار اليقين فيصح إسناد النقض العملي إليه بلحاظ متعلقه أو بلحاظ آثاره.

(و فيه) أن اليقين المأخوذ في الحديث الشريف إذا كان ملحوظاً على وجه المرآتية و الكاشفية عن المتيقن أو آثار اليقين فهذا هو عبارة أخرى عن إرادة المتيقن أو آثار اليقين من اليقين و هو التصرف الّذي قد أفاده الشيخ أعلى اللّه مقامه عيناً و ليس هو شيئاً آخر وراء ذلك لبا (و لعله) إليه أشار أخيراً بقوله فافهم كما سيأتي قريباً (و الحق) في الجواب أن يقال إن اليقين كما انه إذا كان لنفسه أثر شرعي مترتب عليه صح إسناد النقض العملي إليه و يقال لا تنقضه عملا بمعنى النهي عن عدم ترتيب أثره عليه فكذلك إذا كان للمتيقن أثر شرعي مترتب عليه صح إسناد