فرائد الأصول - ج1

- الشيخ مرتضى الأنصاري المزيد...
648 /
7

بسم اللّه الرحمن الرحيم‏

تقديم:

الحمد للّه ربّ العالمين و الصلاة و السلام على خير خلقه محمّد و آله الطيّبين الطاهرين.

لم تكن الثورة الإسلاميّة بقيادة الإمام الخميني (رضوان اللّه عليه) حدثا سياسيّا تتحدّد آثاره التغييريّة بحدود الأوضاع السياسيّة إقليميّة أو عالميّة، بل كانت و بفعل التغييرات الجذريّة التي أعقبتها في القيم و البنى الحضاريّة التي شيّد عليها صرح الحياة الإنسانيّة في عصرها الجديد حدثا حضاريّا إنسانيّا شاملا حمل إلى الإنسان المعاصر رسالة الحياة الحرّة الكريمة التي بشّر بها الأنبياء عليهم الصلاة و السلام على مدى التأريخ و فتح أمام تطلّعات الإنسان الحاضر افقا باسما بالنور و الحياة، و الخير و العطاء.

و كان من اولى نتائج هذا التحوّل الحضاري الثورة الثقافيّة الشاملة التي شهدها مهد الثورة الإسلاميّة إيران و التي دفعت بالمسلم الإيراني إلى اقتحام ميادين الثقافة و العلوم بشتّى فروعها، و جعلت من إيران، و من قم المقدّسة بوجه خاصّ عاصمة للفكر الإسلامي و قلبا نابضا بثقافة القرآن و علوم الإسلام.

و لقد كانت تعاليم الإمام الراحل (رضوان اللّه تعالى عليه) و وصاياه و كذا

8

توجيهات قائد الثورة الإسلاميّة و وليّ أمر المسلمين آية اللّه الخامنئي المصدر الأوّل الذي تستلهم الثورة الثقافيّة منه دستورها و منهجها، و لقد كانت الثقافة الإسلاميّة بالذات على رأس اهتمامات الإمام الراحل (رضوان اللّه عليه) و قد أولاها سماحة آية اللّه الخامنئي حفظه اللّه تعالى رعايته الخاصّة، فكان من نتائج ذاك التوجيه و هذه الرعاية ظهور آفاق جديدة من التطوّر في مناهج الدراسات الإسلاميّة بل و مضامينها، و انبثاق مشاريع و طروح تغييريّة تتّجه إلى تنمية و تطوير العلوم الإسلاميّة و مناهجها بما يناسب مرحلة الثورة الإسلاميّة و حاجات الإنسان الحاضر و تطلّعاته.

و بما أنّ العلوم الإسلاميّة حصيلة الجهود التي بذلها عباقرة الفكر الإسلاميّ في مجال فهم القرآن الكريم و السنّة الشريفة فقد كان من أهمّ ما تتطلّبه عمليّة التطوير العلمي في الدراسات الإسلاميّة تسليط الأضواء على حصائل آراء العباقرة و النوابغ الأوّلين الذين تصدّروا حركة البناء العلمي لصرح الثقافة الإسلاميّة، و القيام بمحاولة جادّة و جديدة لعرض آرائهم و أفكارهم على طاولة البحث العلمي و النقد الموضوعي، و دعوة أصحاب الرأي و الفكر المعاصرين إلى دراسة جديدة و شاملة لتراث السلف الصالح من بناة الصرح الشامخ للعلوم و الدراسات الإسلاميّة و روّاد الفكر الإسلاميّ و عباقرته.

و بما أنّ الإمام المجدّد الشيخ الأعظم الأنصاري (قدّس اللّه نفسه‏) يعتبر الرائد الأوّل للتجديد العلمي في العصر الأخير في مجالي الفقه و الاصول- و هما من أهمّ فروع الدراسات الإسلاميّة- فقد اضطلعت الأمانة العامّة لمؤتمر الشيخ الأعظم الأنصاري- بتوجيه من سماحة قائد الثورة الإسلاميّة آية اللّه الخامنئي و رعايته- بمشروع إحياء الذكرى المئويّة

9

الثانية لميلاد الشيخ الأعظم الأنصاري (قدّس سرّه‏) و ليتمّ من خلال هذا المشروع عرض مدرسة الشيخ الأنصاري الفكريّة في شتّى أبعادها و على الخصوص إبداعات هذه المدرسة و إنتاجاتها المتميّزة التي جعلت منها المدرسة الامّ لما تلتها من مدارس فكريّة كمدرسة الميرزا الشيرازي و الآخوند الخراساني و المحقّق النائيني و المحقّق العراقي و المحقّق الأصفهاني و غيرهم من زعماء المدارس الفكريّة الحديثة على صعيد الفقه الإسلامي و اصوله.

و تمهيدا لهذا المشروع فقد ارتأت الأمانة العامّة أن تقوم لجنة مختصّة من فضلاء الحوزة العلميّة بقم المقدّسة بمهمّة إحياء تراث الشيخ الأنصاري و تحقيق تركته العلميّة و إخراجها بالاسلوب العلمي اللائق و عرضها لروّاد الفكر الإسلاميّ و المكتبة الإسلاميّة بالطريقة التي تسهّل للباحثين الاطّلاع على فكر الشيخ الأنصاري و نتاجه العلمي العظيم.

و الأمانة العامّة لمؤتمر الشيخ الأنصاري إذ تشكر اللّه سبحانه و تعالى على هذا التوفيق تبتهل إليه في أن يديم ظلّ قائد الثورة الإسلاميّة و يحفظه للإسلام ناصرا و للمسلمين رائدا و قائدا و أن يتقبّل من العاملين في لجنة التحقيق جهدهم العظيم في سبيل إحياء تراث الشيخ الأعظم الأنصاري و أن يمنّ عليهم بأضعاف من الأجر و الثواب.

أمين عام مؤتمر الشيخ الأعظم الأنصاري الشيخ محسن العراقي‏

10

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

11

[مقدمة]

بسم اللّه الرحمن الرحيم‏

الحمد للّه رب العالمين و الصلاة و السلام على محمّد و أهل بيته الطاهرين، و اللّعن الدائم على أعدائهم أجمعين.

من الواضح لدى من له أدنى إلمام بعلم الاصول و بالكتب الاصولية المؤلّفة على يد المحقّقين من علماء الاصول من الإماميّة في القرنين الأخيرين، أنّ للشيخ الأعظم الأنصاري (قدّس سرّه‏) دورا تأسيسيا في بعض أبحاث علم الاصول، و تطويريا في أغلبها، و بخاصّة في بحوث القطع، و الظن، و الاصول الجارية في مرحلة الشك، كالبراءة و الاشتغال و التخيير و الاستصحاب، و مباحث تعارض الأدلّة و علاجه.

و كان بودّنا أن نقوم بدراسة موضوعية، تقارن اصول الشيخ الأعظم (قدّس سرّه‏) بأبحاث من تقدّم عليه أو عاصره و مقدار تأثّره بهم، و تحقيق ميادين ريادته، سواء في نفس الموضوعات الاصولية أو في اسلوب طرحها و منهجية البحث عنها، و لكن لم نوفّق لذلك فاكتفينا في هذه المقدمة ببيان كيفية تحقيق الكتاب، تاركين تلك الدراسة إلى فرصة اخرى، إن شاء اللّه تعالى.

12

مراحل تحقيق الكتاب: تمّ تحقيق الكتاب- كسائر الكتب الاخرى- ضمن مراحل، و قبل بيانها نشير إلى النسخ التي اعتمدنا عليها في تحقيق الكتاب.

النسخ المعتمدة في التحقيق:

طبع كتاب «فرائد الاصول» في حياة المؤلف (قدّس سرّه‏)- لذلك لم نبحث كثيرا عن مخطوطاته و إن استفدنا من بعضها- و تعدّدت طبعاته حتى بلغت أكثر من عشرين طبعة، قام بدراستها سماحة حجة الإسلام و المسلمين الشيخ غلام رضا فيّاضي، فانتخبنا من تلك النسخ المطبوعة عشر نسخ أولا، ثم استغنينا عن خمس منها إلّا في بعض الموارد.

و فيما يلي تعريف بالنسخ الرئيسية- المخطوطة و المطبوعة- التي استندنا إليها:

1- صورة فوتوغرافية عن مخطوطة مكتبة مجلس الشورى الإسلامي برقم 63300/ 162:

و تتكون من 154 ورقة، كتبت في حياة المؤلف، و هي واضحة، مصحّحة، خالية من بعض إضافات النسخ الاخرى، ابتدأت من أول مبحث القطع إلى آخر الظن، ورد في بدايتها: «بسم اللّه الرحمن الرحيم، الحمد للّه رب العالمين، و الصلاة و السلام على محمد و آله الطاهرين، و لعنة اللّه على أعدائهم أجمعين إلى يوم الدين. فاعلم أنّ المكلّف إذا التفت إلى حكم ...» و في نهايتها: «... و الحمد للّه أوّلا و آخرا و صلى اللّه على محمد و آله باطنا و ظاهرا. تمت في ثامن و العشرين من شهر شعبان‏

13

المعظّم سنة 1263».

و رمزنا لها ب «م».

2- صورة فوتوغرافية عن مخطوطة مكتبة المسجد الأعظم في قم برقم 3230:

ضمّت الكتاب كلّه من أوّل القطع الى آخر التراجيح في 526 صفحة، و هي ناقصة الأوّل بمقدار نصف صفحة، جيّدة الخط، قد تفرّدت بقسم من العبارات، و احتوت على بعض الأخطاء الواضحة، تأريخ تدوين موضوع الظنّ فيها سنة 1266 ه ق، ابتدأت بقوله: «... كان كذلك فهو حرام، هذا بخلاف القطع ...».

و رمزنا لها ب «ظ».

3- صورة فوتوغرافية عن نسخة مطبوعة في حياة المؤلف (قدّس سرّه‏) عثرنا عليها في بعض مكتبات دزفول الخاصة:

و هي أوّل نسخة مطبوعة، اشتملت على 320 صفحة بالقطع الوزيري، احتوت على القطع و الظن فقط، مع مقدمة للتعريف بالكتاب و المؤلف بقلم عبد الحسين التستري، ورد في آخرها: «قد اتفق الفراغ من تسويد هذه النسخة الموسومة بحجّية المظنة من تصنيفات العالم الفاضل العارف الكامل الشيخ مرتضى منّ اللّه على المسلمين بطول بقائه، و نوّر ساحة الإسلام بشعشعة شمس جماله في ثالث عشر شهر ربيع الثاني من شهور سنة ثمان و ستين و مائتين من بعد ألف من الهجرة ... قوبلت النسخة مع ما صحّحه المصنّف بنظره الشريف من أوّلها إلى آخرها، و لا نسخة أصحّ منها بظاهرها، و للّه الحمد على كلّ حال، فإنّه العليّ المتعال».

و رمزنا لها ب «ل».

14

4- نسخة مطبوعة في تبريز سنة 1302 ه ق:

من أصحّ النسخ- مع النسخة التالية على ما يقال- حصلنا عليها من بعض الأفاضل، طبعت بالقطع الوزيري، جاء في نهايتها: «... قوبل مع النسختين الصحيحتين قبالا كاملا إلّا [ما] زاغ البصر [عنه‏]، و أنا العبد هاشم بن الحسين في سنة 1302».

و رمزنا لها ب «ه».

5- نسخة مطبوعة في تبريز سنة 1314 ه ق:

طبعت بالقطع الرحلي، ورد في آخرها: «قد تمت النسخة الشريفة التي لم يطبع إلى الآن مثلها في المطبعة المخصوصة ... و أنا العبد محمد علي التبريزي، في شهر ربيع الأوّل من شهور 1314». و قدّم لنا هذه النسخة بعض الأفاضل أيضا.

و رمزنا لها ب «ت».

6- نسخة رحمة اللّه:

معروفة متداولة بين الأساتذة و الطلاب منذ سنين، طبعت سنة 1326 ه ق بالقطع الرحلي.

و رمزنا لها ب «ر».

7- نسخة مطبوعة في طهران بالقطع الرحلي، و عليها تصحيحات بعض العلماء الأجلّاء في أصفهان. حصّلنا هذه النسخة من مكتبة بعض السادة الأجلّاء.

و رمزنا لها ب «ص».

أمّا النسخ الثانوية التي استفدنا منها، فقد أشرنا إليها في الكتاب بعنوان «بعض النسخ» أو بذكر رموزها الخاصة، و هي كما يأتي:

15

1- صورة فوتوغرافية عن نسخة مطبوعة تحمل الرقم 2059/ 8/ 8/ 15 في مكتبة السيد المرعشي.

كاملة، لم يذكر اسم مستنسخها و لا تأريخ التدوين و الطبع.

و رمزنا لها ب «آ».

2- صورة فوتوغرافية عن نسخة مطبوعة تحمل الرقم 3542/ 94/ 8/ 22 في مكتبة السيد المرعشي:

لم يذكر اسم مستنسخها و لا تاريخ التدوين و الطبع، و يبدو أنّها طبعت أيام ناصر الدين شاه القاجاري.

و رمزنا لها ب «ع».

3- صورة فوتوغرافية عن نسخة مطبوعة تحمل الرقم 36804/ 128/ 7/ 8 في مكتبة السيد المرعشي:

طبعت في طهران بالقطع الوزيري، تأريخ تدوينها سنة 1315 ه ق، يبدو من بعض حواشيها أنّ النسخة المصحّحة بيد المؤلف كانت عند مصحّحي هذه النسخة.

و رمزنا لها ب «خ».

4- صورة فوتوغرافية عن نسخة مطبوعة تحمل الرقم 66688/ 214/ 3/ 6 في مكتبة السيد المرعشي:

طبعت في طهران بالقطع الوزيري، دوّنت سنة 1315 ه ق، يبدو من مقدمة المصححين أنّها قوبلت بعدة نسخ مصححة.

و رمزنا لها ب «ن».

5- صورة فوتوغرافية عن نسخة مطبوعة تحمل الرقم 56528/ 185/ 7/ 33 في مكتبة السيد المرعشي:

16

طبعت في طهران بالقطع الوزيري، تأريخ تدوينها سنة 1323 ه ق، قوبلت ببعض النسخ المصححة كما جاء في مقدمتها.

و رمزنا لها ب «ف».

6- نسخة مطبوعة في قم بالقطع الوزيري سنة 1376 ه ق، و في مقدمتها ترجمة لحياة الشيخ الأنصاري (قدّس سرّه‏).

و رمزنا لها ب «د».

مراحل التحقيق:

شكّلت عدة لجان ذات كفاءة عالية لإنجاز مراحل تحقيق الكتاب وفقا للبيان الآتي:

أ- مقابلة النسخ:

سجّلت اللجنة المختصة بذلك موارد الاختلاف بدقة فائقة، و تكوّنت من:

- حجة الإسلام و المسلمين السيد يحيى الحسيني.

- حجة الإسلام و المسلمين السيد جواد شفيعي.

- حجة الإسلام الشيخ محمد تقي راشدي.

- حجة الإسلام السيد هادي عظيمي.

- الشيخ صادق الحسون (تبريزيان).

ب- استخراج مصادر النصوص:

اسند هذا الأمر إلى:

- حجة الإسلام و المسلمين السيد يحيى الحسيني.

- حجة الإسلام و المسلمين السيد جواد شفيعي.

17

- حجة الإسلام و المسلمين الشيخ محمد حسين أحمدي الشاهرودي.

استخرج الأوّلان مصادر القطع و الظن و البراءة و الاشتغال، و دقّقها الأخير الذي تولّى استخراج مصادر الاستصحاب و التعادل و التراجيح و دقّقها حجة الإسلام و المسلمين الشيخ محمد باقر حسن‏پور.

ج- تقويم النص:

عملية التقويم من أهمّ مراحل تحقيق الكتاب، لأنّها تتصدى لانتقاء النصّ الصحيح من بين نسخ عديدة اشتملت على اختلافات تغيّر المعنى أحيانا، و خاصّة بالنسبة إلى كتاب مثل «فرائد الاصول» الذي أجرى عليه المؤلف نفسه و آخرون عدّة تصحيحات اختلط بعضها ببعض و بتعليقات توضيحية أحيانا، فتعقد الأمر و صارت مهمة هذه اللجنة صعبة جدا.

و قد قيّض لها اللّه تعالى شخصين فاضلين يطمأن إليهما، مارسا تدريس هذا الكتاب قبل القيام بتحقيقه، و هما:

- حجّة الإسلام و المسلمين الشيخ علي رضا إسلاميان الذي تصدّى لتقويم نصوص القطع و الظن و البراءة و الاشتغال.

- حجّة الإسلام و المسلمين الشيخ محمد حسين أحمدي الشاهرودي الذي تصدّى لتقويم نصوص الاستصحاب و التعادل و التراجيح، إضافة إلى قيامه بكتابة العناوين الجانبية.

د- المراجعة العامة للكتاب:

انبرى لذلك حجة الإسلام و المسلمين السيد محمد جواد الحسيني الجلالي، و حجّة الإسلام و المسلمين الشيخ صادق الكاشاني.

ه- تنظيم الفهارس:

قام بهذا الأمر حجة الإسلام السيد هادي عظيمي.

18

و- نضد الحروف:

تمّ ذلك على يد الأخ محمّد خازن بنحو دقيق، روعيت فيه الجوانب الفنيّة و الجماليّة.

و كنت إلى جانب كل هؤلاء الإخوة الأفاضل اقدّم ما تيسّر لي من خدمات متواضعة في سبيل تحقيق هذا التراث الثمين، إضافة إلى مراجعتي للكتاب عدّة مرّات و في عدّة مراحل.

و هكذا تظافرت جهود هذه المجموعة من الفضلاء و ذوي الخبرة لإخراج الكتاب بنحو علمي دقيق، و بصياغة حديثة أنيقة لتوفير فرص قيّمة للاستفادة منه، راجين من العلماء و الفضلاء و بخاصة الذين مارسوا تدريسه أن يتحفونا بآرائهم و إرشاداتهم رفدا للمسيرة العلمية المزهرة و وفاء للعلماء المتقدمين علينا.

ختاما نرجو اللّه العلي القدير أن يوفّق كلّ من شاركنا في تحقيق هذا الكتاب الجليل لمزيد من الخدمات لمذهب أهل البيت (عليهم السلام)، إنّه قريب مجيب.

و آخر دعوانا أن الحمد للّه رب العالمين.

مسئول لجنة التحقيق محمّد علي الأنصاري‏

19

نماذج مصوّرة من بعض النسخ المعتمد عليها في تحقيق الكتاب‏

صورة الصفحة الأولى من نسخة «م»

20

صورة الصفحة الأخيرة من نسخة «ل»

21

صورة الصفحة الاولى من نسخة «ه»

22

صورة الصفحة الاولى من نسخة «ت»

23

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

24

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

25

[تمهيد]

بسم اللّه الرحمن الرحيم‏

[المكلّف إذا التفت إلى حكم شرعيّ‏]

اعلم‏ (1): أنّ المكلّف إذا التفت إلى حكم شرعيّ، فإمّا أن يحصل له‏ (2) الشكّ فيه، أو القطع، أو الظنّ.

فإن حصل له‏ (3) الشكّ، فالمرجع فيه هي القواعد الشرعيّة الثابتة للشاكّ في مقام العمل، و تسمّى ب «الاصول العمليّة»، و هي منحصرة في أربعة؛ لأنّ الشكّ:

[الأصول العملية الأربعة و مجاريها]

إمّا أن يلاحظ فيه الحالة السابقة أم لا.

و على الثاني: فإمّا أن يمكن الاحتياط أم لا.

و على الأوّل: فإمّا أن يكون الشكّ في التكليف أو في المكلّف به.

فالأوّل مجرى الاستصحاب، و الثاني‏ (4) مجرى التخيير، و الثالث‏

____________

(1) كذا في (ت)، (ص) و (ل)، و في غيرها: «فاعلم».

(2) العبارة في (ه) هكذا: «فيحصل له إمّا الشكّ ...».

(3) لم ترد «له» في (ل) و (م).

(4) في نسخة بدل (ص): «و الثاني مجرى أصالة البراءة، و الثالث مجرى قاعدة الاحتياط، و الرابع مجرى قاعدة التخيير».

26

مجرى أصالة البراءة، و الرابع مجرى قاعدة الاحتياط.

[تقرير آخر لمجاري الاصول العمليّة]

و بعبارة اخرى: الشكّ إمّا أن يلاحظ فيه الحالة السابقة أو لا (1)، فالأوّل مجرى الاستصحاب، و الثاني: إمّا أن يكون الشكّ فيه في التكليف أو لا، فالأوّل مجرى أصالة البراءة، و الثاني: إمّا أن يمكن الاحتياط فيه أو لا، فالأوّل مجرى قاعدة الاحتياط، و الثاني مجرى قاعدة التخيير (2).

و ما ذكرنا هو المختار في مجاري الاصول الأربعة، و قد وقع الخلاف فيها، و تمام الكلام في كلّ واحد موكول إلى محلّه.

مقاصد الكتاب فالكلام يقع في مقاصد ثلاثة:

الأوّل: في القطع.

و الثاني: في الظنّ.

و الثالث: في الشكّ‏ (3).

____________

(1) لم ترد عبارة «و على الثاني- إلى- السابقة أو لا» في (ه).

(2) عبارة «و بعبارة اخرى- إلى- قاعدة التخيير» من (ر) و نسخة بدل (ص).

و وردت في (ه) أيضا مع اختلاف يسير، و لم ترد فيها: «و بعبارة اخرى».

(3) كذا في (ل) و (م)، و في (ت)، (ر)، (ص)، و (ه): «و الثالث في الاصول العملية المذكورة التي هي المرجع عند الشكّ».

27

المقصد الأوّل في القطع‏

28

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

29

المقصد الأوّل في القطع‏ (1)

[وجوب متابعة القطع‏]

فنقول: لا إشكال في وجوب متابعة القطع و العمل عليه ما دام موجودا؛ لأنّه بنفسه طريق إلى الواقع، و ليس طريقيّته قابلة لجعل الشارع إثباتا أو نفيا (2).

[إطلاق الحجّة على القطع و المراد منه‏]

و من هنا يعلم: أنّ إطلاق «الحجّة» عليه ليس كإطلاق «الحجّة» على الأمارات المعتبرة شرعا؛ لأنّ الحجّة عبارة عن: الوسط الذي به يحتجّ على ثبوت الأكبر للأصغر، و يصير واسطة للقطع بثبوته له، كالتغيّر لإثبات حدوث العالم، فقولنا: الظنّ حجّة، أو البيّنة حجّة، أو فتوى المفتي حجّة، يراد به كون هذه الامور أوساطا لإثبات أحكام متعلّقاتها، فيقال: هذا مظنون الخمريّة، و كلّ مظنون الخمريّة يجب الاجتناب عنه.

و كذلك قولنا: هذا الفعل ممّا أفتى المفتي بتحريمه، أو قامت البيّنة على كونه محرّما، و كلّ ما كان كذلك فهو حرام.

و هذا بخلاف القطع؛ لأنّه إذا قطع بوجوب شي‏ء، فيقال: هذا

____________

(1) كذا في (ل) و (م)، و في غيرهما: «أمّا الكلام في المقصد الأوّل».

(2) في (ص): «و نفيا».

30

واجب، و كلّ واجب يحرم ضدّه أو يجب مقدّمته.

و كذلك العلم بالموضوعات، فإذا قطع بخمرية شي‏ء، فيقال: هذا خمر، و كلّ خمر يجب الاجتناب عنه، و لا يقال: إنّ هذا معلوم الخمريّة، و كلّ معلوم الخمريّة حكمه كذا؛ لأنّ أحكام الخمر إنّما تثبت للخمر، لا لما علم أنّه خمر.

و الحاصل: أنّ كون القطع حجّة غير معقول؛ لأنّ الحجّة ما يوجب القطع بالمطلوب، فلا يطلق على نفس القطع.

[انقسام القطع إلى طريقي و موضوعي:]

هذا كلّه بالنسبة إلى حكم متعلّق القطع و هو الأمر المقطوع به، و أمّا بالنسبة إلى حكم آخر، فيجوز أن يكون القطع مأخوذا في موضوعه، فيقال: إنّ الشي‏ء المعلوم بوصف كونه معلوما حكمه كذا، و حينئذ فالعلم يكون وسطا لثبوت ذلك الحكم‏ (1) و إن لم يطلق عليه الحجّة؛ إذ المراد ب «الحجّة» في باب الأدلّة: ما كان وسطا لثبوت أحكام‏ (2) متعلّقه شرعا، لا لحكم آخر (3)، كما إذا رتّب الشارع الحرمة على الخمر المعلوم كونها خمرا، لا على نفس الخمر، و كترتّب وجوب الإطاعة عقلا (4) على معلوم الوجوب، لا الواجب الواقعي‏ (5).

و بالجملة: فالقطع قد يكون طريقا للحكم، و قد يكون مأخوذا في‏

____________

(1) في (ظ)، (ل) و (م) زيادة: «لمتعلّقه».

(2) في نسخة بدل (ص): «حكم».

(3) لم ترد عبارة «و إن لم يطلق- إلى- لا لحكم آخر» في (ظ)، (ل) و (م).

(4) لم ترد «عقلا» في (ر) و (ص).

(5) لم ترد عبارة «و كترتّب- إلى- الواقعي» في (ظ)، (ل) و (م).

31

موضوع الحكم.

[خواص القسمين:]

ثمّ ما كان منه طريقا لا يفرّق فيه بين خصوصيّاته، من حيث القاطع و المقطوع به و أسباب القطع و أزمانه؛ إذ المفروض كونه طريقا إلى متعلّقه، فيترتّب عليه أحكام متعلّقه، و لا يجوز للشارع أن ينهى عن العمل به؛ لأنّه مستلزم للتناقض.

[1- عدم جواز النهي عن العمل في الطريقي و جوازه في الموضوعي‏]

فإذا قطع بكون‏ (1) مائع بولا- من أيّ سبب كان- فلا يجوز للشارع أن يحكم بعدم نجاسته أو عدم وجوب الاجتناب عنه؛ لأنّ المفروض أنّه بمجرّد القطع يحصل له صغرى و كبرى، أعني قوله: «هذا بول، و كلّ بول يجب الاجتناب عنه، فهذا يجب الاجتناب عنه» فحكم الشارع بأنّه لا يجب الاجتناب عنه مناقض له، إلّا إذا فرض عدم كون النجاسة و وجوب الاجتناب من أحكام نفس البول، بل من أحكام ما علم بوليّته على وجه خاصّ من حيث السبب أو الشخص أو غيرهما،

[القطع الموضوعي تابع في اعتباره مطلقا او على وجه خاص لدليل الحكم‏]

فيخرج العلم عن‏ (2) كونه طريقا (3)، و يكون مأخوذا (4) في الموضوع، و حكمه أنّه يتّبع في اعتباره- مطلقا أو على وجه خاصّ- دليل ذلك الحكم الثابت الذي اخذ العلم في موضوعه.

[أمثلة للقطع الموضوعي المعتبر مطلقا:]

فقد يدلّ على ثبوت الحكم لشي‏ء بشرط العلم به، بمعنى انكشافه للمكلّف من غير خصوصيّة للانكشاف، كما في حكم العقل بحسن إتيان‏

____________

(1) كذا في (ص)، و في غيرها: «كون».

(2) كذا في (ت)، و في (ل) و (م): «فخرج عن».

(3) لم ترد عبارة «فيخرج العلم عن كونه طريقا» في (ر)، (ص) و (ه).

(4) في (ص) و (ه): «فيكون العلم مأخوذا»، و في (ر): «فيكون مأخوذا».

32

ما قطع العبد بكونه مطلوبا لمولاه، و قبح ما يقطع بكونه مبغوضا؛ فإنّ مدخليّة القطع بالمطلوبيّة أو المبغوضيّة في صيرورة الفعل حسنا أو قبيحا عند العقل لا يختصّ ببعض أفراده. و كما في حكم الشارع‏ (1) بحرمة ما علم أنّه خمر أو نجاسته بقول مطلق‏ (2)، بناء على أنّ الحرمة و النجاسة الواقعيّتين إنّما تعرضان مواردهما بشرط العلم- لا في نفس الأمر- كما هو قول بعض‏ (3).

[أمثلة للقطع الموضوعي المعتبر على وجه خاص:]

و قد يدلّ دليل ذلك الحكم على ثبوته لشي‏ء بشرط حصول القطع به من سبب خاصّ أو شخص خاصّ، مثل ما ذهب إليه بعض الأخباريين‏ (4): من عدم جواز العمل في الشرعيات بالعلم الغير (5) الحاصل من الكتاب و السنّة- كما سيجي‏ء-، و ما ذهب إليه بعض: من منع عمل القاضي بعلمه في حقوق اللّه تعالى‏ (6).

____________

(1) كذا في (ت) و (ه)، و في غيرهما: «الشرع».

(2) لم ترد «بقول مطلق» في (ظ)، (ل)، (م) و (ه).

(3) كالمحدّث البحراني في الحدائق 5: 249.

(4) كالأمين الأسترابادي و السيّد المحدّث الجزائري و غيرهما، و سيجي‏ء كلامهم في الصفحة: 52- 55.

(5) في (ر): «غير».

(6) ذهب إليه ابن حمزة في الوسيلة: 218، و نسبه في المسالك و الرياض إلى الحلّي أيضا، و لكن لم نعثر عليه في السرائر، بل ذهب فيه إلى الجواز في جميع الأشياء، انظر المسالك (الطبعة الحجريّة) 2: 289، و الرياض (الطبعة الحجريّة) 2: 390، و السرائر 2: 179.

33

[أمثلة للقطع الموضوعي بالنسبة إلى حكم غير القاطع:]

و أمثلة ذلك بالنسبة إلى حكم‏ (1) غير القاطع كثيرة (2)، كحكم الشارع على المقلّد بوجوب الرجوع إلى الغير في الحكم الشرعي إذا علم به من الطرق الاجتهاديّة المعهودة، لا من مثل الرمل و الجفر؛ فإنّ القطع الحاصل من هذه و إن وجب على القاطع الأخذ به في عمل نفسه، إلّا أنّه لا يجوز للغير تقليده في ذلك، و كذلك العلم الحاصل للمجتهد الفاسق أو غير الإماميّ من الطرق الاجتهاديّة المتعارفة، فإنّه لا يجوز للغير العمل بها (3)، و كحكم الشارع على الحاكم بوجوب قبول خبر العدل المعلوم له من الحسّ لا من الحدس، إلى غير ذلك.

[2- قيام الأمارات و بعض الأصول مقام القطع الموضوعي و الطريقي:]

ثمّ من خواصّ القطع الذي هو طريق إلى الواقع: قيام الأمارات الشرعيّة و بعض‏ (4) الاصول العمليّة مقامه في العمل، بخلاف المأخوذ في الحكم على وجه الموضوعيّة؛ فإنّه تابع لدليل الحكم‏ (5).

فإن ظهر منه أو من دليل خارج‏ (6) اعتباره على وجه الطريقية للموضوع- كالامثلة المتقدّمة (7)- قامت الأمارات و بعض‏ (8) الاصول مقامه.

____________

(1) لم ترد «حكم» في (ت).

(2) لم ترد عبارة «مثل ما ذهب- إلى- كثيرة» في (ظ) و (م).

(3) كذا في النسخ، و الأنسب: «به»؛ لرجوع الضمير إلى «العلم» لا «الطرق».

(4) لم ترد «بعض» في (ر)، (ل) و (م).

(5) في «ص»: «ذلك الحكم».

(6) لم ترد «أو من دليل خارج» في (ظ)، (ل) و (م).

(7) لم ترد «كالأمثلة المتقدّمة» في (ت)، (ر) و (ه).

(8) لم ترد «بعض» في (ر)، (ص)، (ظ)، (ل) و (م).

34

[عدم قيامها مقام القطع الموضوعي الصفتي:]

و إن ظهر من دليل الحكم‏ (1) اعتبار القطع‏ (2) في الموضوع من حيث كونها صفة خاصّة قائمة بالشخص لم يقم مقامه غيره، كما إذا فرضنا أنّ الشارع اعتبر صفة القطع على هذا الوجه في حفظ عدد الركعات الثنائيّة و الثلاثيّة و الاوليين من الرباعيّة (3)؛ فإنّ غيره- كالظنّ بأحد الطرفين أو أصالة عدم الزائد- لا يقوم مقامه إلّا بدليل خاصّ خارجيّ غير أدلّة حجّية مطلق الظنّ في الصلاة و أصالة عدم الأكثر.

و من هذا الباب: عدم جواز أداء الشهادة استنادا إلى البيّنة أو اليد- على قول- و إن جاز تعويل الشاهد في عمل نفسه بهما إجماعا؛ لأنّ العلم بالمشهود به مأخوذ (4) في مقام العمل على وجه الطريقيّة، بخلاف مقام أداء الشهادة، إلّا أن يثبت من الخارج: أنّ كلّ ما يجوز العمل به من الطرق الشرعيّة يجوز الاستناد إليه في الشهادة؛ كما يظهر من رواية حفص الواردة في جواز الاستناد إلى اليد (5).

و ممّا ذكرنا يظهر: أنّه لو نذر أحد أن يتصدّق كلّ يوم بدرهم ما دام متيقّنا بحياة ولده، فإنّه لا يجب التصدّق عند الشكّ في الحياة لأجل استصحاب الحياة، بخلاف ما لو علّق النذر بنفس الحياة، فإنّه يكفي في الوجوب الاستصحاب.

____________

(1) في (ر): «و إن ظهر منه».

(2) في (ر) و (ص): «صفة القطع».

(3) لم ترد «من الرباعيّة» في (ر)، (ظ)، (ل) و (م).

(4) لم ترد «مأخوذ» في (ر) و (ه).

(5) الوسائل 18: 215، الباب 25 من أبواب كيفية الحكم، الحديث 2.

35

[انقسام الظن كالقطع إلى طريقي و موضوعي:]

ثمّ إنّ هذا الذي ذكرنا- من‏ (1) كون القطع مأخوذا تارة على وجه الطريقيّة و اخرى على وجه الموضوعيّة- جار في الظنّ أيضا؛ فإنّه‏ (2) و إن فارق العلم في كيفيّة الطريقيّة- حيث إنّ العلم طريق بنفسه، و الظنّ المعتبر طريق بجعل الشارع، بمعنى كونه وسطا في ترتّب أحكام متعلّقه، كما أشرنا إليه سابقا- إلّا أنّه‏ (3) أيضا: قد يؤخذ طريقا مجعولا إلى متعلّقه يقوم مقامه سائر الطرق الشرعيّة، و قد يؤخذ موضوعا لحكم‏ (4).

فلا بدّ من ملاحظة دليل ذلك، ثمّ الحكم بقيام غيره من الطرق المعتبرة مقامه، لكن الغالب فيه الأوّل.

____________

(1) كذا في (ر) و (ص)، و في غيرهما: «في».

(2) لم ترد «فإنّه» في (ت)، (ر)، (ظ)، (ل) و (م).

(3) في (ص)، (ظ)، و (ه) بدل «إلّا أنّه»: «لكن الظنّ».

(4) وردت عبارة: «قد يؤخذ طريقا مجعولا- إلى- موضوعا لحكم» في (ت)، (ر)، (ه) و مصحّحة (ص) هكذا:

«قد يؤخذ طريقا مجعولا إلى متعلّقه (*)، سواء كان موضوعا على وجه الطريقية لحكم متعلّقه أو لحكم آخر يقوم مقامه سائر الطرق الشرعيّة، فيقال:

إنّه حجّة.

و قد يؤخذ موضوعا لا على وجه الطريقيّة لحكم متعلّقه أو لحكم آخر، و لا يطلق عليه الحجّة»، و في بعضها زيادة يسيرة.

(*) في طبعة جماعة المدرّسين- هنا- زيادة: «و قد يؤخذ موضوعا للحكم»، لكنّها لم ترد في ما بأيدينا من النسخ.

36

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

37

و ينبغي‏

التنبيه على امور:

الامر الأوّل [: الكلام في التجرّي و أنّه حرام أم لا؟]

أنّه قد عرفت‏ (1): أنّ القاطع لا يحتاج في العمل بقطعه إلى أزيد من الأدلّة المثبتة لأحكام مقطوعه، فيجعل ذلك كبرى لصغرى قطع بها، فيقطع بالنتيجة، فإذا قطع بكون شي‏ء خمرا، و قام الدليل على كون حكم الخمر في نفسها هي الحرمة، فيقطع بحرمة ذلك الشي‏ء.

[هل القطع حجّة مطلقا أو في خصوص صورة مصادفته للواقع؟]

لكنّ الكلام في أنّ قطعه هذا هل هو حجّة عليه من الشارع و إن كان مخالفا للواقع في علم اللّه، فيعاقب على مخالفته، أو أنّه حجّة عليه إذا صادف الواقع؟ بمعنى أنّه لو شرب الخمر الواقعيّ عالما عوقب عليه في مقابل من شربها جاهلا، لا أنّه يعاقب على شرب ما قطع بكونه خمرا و إن لم يكن خمرا في الواقع.

[الاستدلال على حرمة التجرّي بالإجماع‏]

ظاهر كلماتهم في بعض المقامات: الاتّفاق على الأوّل؛ كما يظهر من دعوى جماعة (2) الإجماع على أنّ ظانّ ضيق الوقت إذا أخّر الصلاة عصى و إن انكشف بقاء الوقت؛ فإنّ تعبيرهم بظنّ الضيق لبيان أدنى‏

____________

(1) في الصفحة 29- 30.

(2) منهم: العلّامة في المنتهى 4: 107، و الفاضل الهندي في كشف اللثام 3:

109، و السيّد العاملي في مفتاح الكرامة 2: 61.

38

فردي الرجحان، فيشمل القطع بالضيق.

نعم، حكي عن النهاية (1) و شيخنا البهائي‏ (2) التوقّف في العصيان، بل في التذكرة: لو ظنّ ضيق الوقت عصى لو أخّر إن استمرّ الظنّ، و إن انكشف خلافه‏ (3) فالوجه عدم العصيان‏ (4)، انتهى‏ (5). و استقرب العدم سيّد مشايخنا في المفاتيح‏ (6).

و كذا لا خلاف بينهم- ظاهرا- في أنّ سلوك الطريق المظنون الخطر أو مقطوعه معصية يجب إتمام الصلاة فيه و لو بعد انكشاف عدم الضرر فيه‏ (7).

[تأييد الحرمة ببناء العقلاء]

و يؤيّده: بناء العقلاء على الاستحقاق، و حكم العقل بقبح التجرّي.

[الاستدلال على الحرمة بالدليل العقلي‏]

و قد يقرّر دلالة العقل على ذلك‏ (8): بأنّا إذا فرضنا شخصين قاطعين، بأن قطع أحدهما بكون مائع معيّن خمرا، و قطع الآخر بكون‏

____________

(1) حكى السيّد المجاهد في مفاتيح الاصول عن الزبدة: التوقّف، و عن النهاية قولين في موضعين، انظر مفاتيح الاصول: 308، و الزبدة: 41، و نهاية الوصول (مخطوط): 11 و 94.

(2) حكى السيّد المجاهد في مفاتيح الاصول عن الزبدة: التوقّف، و عن النهاية قولين في موضعين، انظر مفاتيح الاصول: 308، و الزبدة: 41، و نهاية الوصول (مخطوط): 11 و 94.

(3) في (ظ)، (ل) و المصدر: بطلانه.

(4) التذكرة 2: 391.

(5) لم ترد عبارة «بل في التذكرة- إلى:- انتهى» في (م)، و كتب عليها في (ص):

أنّها زائدة، إلّا أنّه اضيف فيهما تصحيحا بعد قوله: «في المفاتيح» ما يلي:

«تبعا للعلّامة في التذكرة».

(6) مفاتيح الاصول: 308.

(7) في (ر) زيادة: «فتأمّل».

(8) المقرّر هو المحقّق السبزواري في الذخيرة.

39

مائع‏ (1) آخر خمرا، فشرباهما، فاتّفق مصادفة أحدهما للواقع و مخالفة الآخر: فإمّا أن يستحقّا العقاب، أو لا يستحقّه أحدهما، أو يستحقّه من صادف قطعه الواقع دون الآخر، أو العكس.

لا سبيل إلى الثاني و الرابع، و الثالث مستلزم لإناطة استحقاق العقاب بما هو خارج عن الاختيار، و هو مناف لما يقتضيه العدل، فتعيّن الأوّل‏ (2).

و يمكن الخدشة في الكلّ:

[المناقشة في الإجماع‏]

أمّا الإجماع، فالمحصّل منه غير حاصل، و المسألة عقليّة، خصوصا مع مخالفة غير واحد، كما عرفت من النهاية (3) و ستعرف من قواعد الشهيد (قدّس سرّه‏)(4)، و المنقول منه ليس حجّة في المقام.

[المناقشة في بناء العقلاء]

و أمّا بناء العقلاء، فلو سلّم فإنّما هو على مذمّة الشخص من حيث إنّ هذا الفعل يكشف عن وجود صفة الشقاوة فيه، لا على نفس فعله، كمن انكشف لهم من حاله أنّه بحيث لو قدر على قتل سيّده لقتله؛ فإنّ المذمّة على المنكشف، لا الكاشف.

و من هنا يظهر الجواب عن قبح التجرّي؛ فإنّه لكشف ما تجرّى به عن خبث الفاعل‏ (5)، لا عن كون الفعل مبغوضا للمولى.

و الحاصل: أنّ الكلام في كون هذا الفعل- الغير المنهيّ عنه واقعا- مبغوضا للمولى من حيث تعلّق اعتقاد المكلّف بكونه مبغوضا، لا في أنّ‏

____________

(1) في (ت) و نسخة بدل (ه) زيادة: «معيّن».

(2) انظر ذخيرة المعاد: 209 و 210.

(3) راجع الصفحة السابقة.

(4) انظر الصفحة 49- 50.

(5) في (ر) و (ص) زيادة: «لكونه جريئا عازما على العصيان و التمرّد».

40

هذا الفعل- المنهي عنه باعتقاده ظاهرا (1)- ينبئ عن سوء سريرة العبد مع سيّده و كونه في مقام الطغيان و المعصية (2)؛ فإنّ هذا غير منكر في المقام‏ (3)، لكن لا يجدي في كون الفعل محرّما شرعيّا؛ لأنّ استحقاق المذمّة على ما كشف عنه الفعل لا يوجب استحقاقه على نفس الفعل، و من المعلوم أنّ الحكم العقلي باستحقاق الذمّ إنّما يلازم استحقاق العقاب شرعا إذا تعلّق بالفعل، لا بالفاعل.

[المناقشة في الدليل العقلي‏]

و أمّا ما ذكر من الدليل العقلي، فنلتزم باستحقاق من صادف قطعه الواقع؛ لأنّه عصى اختيارا، دون من لم يصادف.

و (4) قولك: إنّ التفاوت بالاستحقاق و العدم لا يحسن أن يناط بما هو خارج عن الاختيار، ممنوع؛ فإنّ العقاب بما لا يرجع بالأخرة إلى الاختيار قبيح، إلّا أنّ عدم العقاب لأمر لا يرجع إلى الاختيار قبحه غير معلوم؛ كما يشهد به الأخبار الواردة في أنّ: من سنّ سنّة حسنة كان له مثل أجر من عمل بها، و من سنّ سنّة سيّئة كان له مثل وزر من عمل بها (5).

فإذا فرضنا أنّ شخصين سنّا سنّة حسنة أو سيّئة، و اتّفق كثرة

____________

(1) لم ترد عبارة: «المنهيّ عنه باعتقاده ظاهرا» في (ظ)، (ل) و (م)، و لم ترد كلمة «ظاهرا» في (ر) و (ص).

(2) في (ر) و (ص) زيادة: «و عازما عليه».

(3) في (ر)، (ص) و (ه) زيادة: «كما سيجي‏ء».

(4) «الواو» من (ه) و (ت).

(5) انظر الوسائل 11: 16، الباب 5 من أبواب جهاد العدوّ، الحديث 1، و البحار 100: 7، ضمن الحديث 1، و كنز العمّال 15: 780، الحديث 43078.

41

العامل بإحداهما و قلّة العامل بما سنّه الآخر، فإنّ مقتضى الروايات كون ثواب الأوّل أو عقابه أعظم، و قد اشتهر: «أنّ للمصيب أجرين و للمخطئ أجرا واحدا» (1). و الأخبار في أمثال ذلك في طرف‏ (2) الثواب و العقاب بحدّ التواتر.

فالظاهر: أنّ العقل إنّما يحكم بتساويهما في استحقاق المذمّة من حيث شقاوة الفاعل و خبث سريرته مع المولى، لا في استحقاق المذمّة على الفعل المقطوع بكونه معصية.

و ربما يؤيّد ذلك: أنّا نجد من أنفسنا الفرق في مرتبة الذمّ‏ (3) بين من صادف قطعه‏ (4) الواقع و بين من لم يصادف.

إلّا أن يقال: إنّ ذلك إنّما هو في المبغوضات العقلائيّة؛ من حيث إنّ زيادة العقاب‏ (5) من المولى و تأكّد الذمّ‏ (6) من العقلاء بالنسبة إلى من صادف اعتقاده الواقع لأجل التشفّي، المستحيل في حقّ الحكيم تعالى، فتأمّل.

[تفصيل صاحب الفصول في التجرّي:]

هذا، و قد يظهر من بعض المعاصرين‏ (7): التفصيل في صورة القطع‏

____________

(1) لم نجده بعينه، و يدلّ عليه ما في كنز العمّال 6: 7، الحديث 14597.

(2) في (ص): «طرفي».

(3) كذا في (ت)، (ر)، (ه) و نسخة بدل (ص)، و في غيرها: «العقاب» بدل «الذمّ».

(4) كذا في (ت)، (ه) و نسخة بدل (ص)، و في غيرها: «فعله» بدل «قطعه».

(5) كذا في (ل)، (م) و نسخة بدل (ص)، و في غيرها: «الذمّ» بدل «العقاب».

(6) كذا في (ر)، (ل) و (م)، و في غيرها: «تأكّده».

(7) هو صاحب الفصول، كما سيأتي.

42

بتحريم شي‏ء غير محرّم واقعا، فرجّح استحقاق العقاب بفعله، إلّا أن يعتقد تحريم واجب غير مشروط بقصد القربة، فإنّه لا يبعد عدم استحقاق العقاب عليه مطلقا أو في بعض الموارد؛ نظرا إلى معارضة الجهة الواقعيّة للجهة الظاهريّة؛ فإنّ قبح التجرّي عندنا ليس ذاتيّا، بل يختلف بالوجوه و الاعتبار.

فمن اشتبه عليه مؤمن ورع عالم بكافر واجب القتل، فحسب أنّه ذلك الكافر و تجرّى فلم يقتله، فإنّه لا يستحقّ الذمّ على هذا الفعل عقلا عند من انكشف له الواقع، و إن كان معذورا لو فعل.

و أظهر من ذلك: ما لو جزم بوجوب قتل نبيّ أو وصيّ، فتجرّى و لم يقتله.

أ لا ترى: أنّ المولى الحكيم إذا أمر عبده بقتل عدوّ له، فصادف العبد ابنه و زعمه ذلك العدوّ فتجرّى و لم يقتله، أنّ المولى إذا اطّلع على حاله لا يذمّه على هذا التجرّي، بل يرضى به و إن كان معذورا لو فعل.

و كذا لو نصب له طريقا غير القطع إلى معرفة عدوّه، فأدّى الطريق إلى تعيين ابنه فتجرّى و لم يفعل.

و هذا الاحتمال حيث يتحقّق عند المتجرّي لا يجديه إن لم يصادف الواقع؛ و لذا يلزمه العقل بالعمل بالطريق المنصوب؛ لما فيه من القطع بالسلامة من العقاب، بخلاف ما لو ترك العمل به، فإنّ المظنون فيه عدمها.

و من هنا يظهر: أنّ التجرّي على الحرام في المكروهات الواقعيّة أشدّ منه في مباحاتها، و هو فيها أشدّ منه في مندوباتها، و يختلف باختلافها ضعفا و شدّة كالمكروهات، و يمكن أن يراعى في الواجبات الواقعيّة

43

ما هو الأقوى من جهاته و جهات التجرّي‏ (1). انتهى كلامه، رفع مقامه.

[المناقشة في تفصيل صاحب الفصول:]

أقول: يرد عليه:

أوّلا: منع ما ذكره من عدم كون قبح التجرّي ذاتيّا؛ لأنّ التجرّي على المولى قبيح ذاتا- سواء كان لنفس الفعل أو لكشفه عن كونه جريئا (2)- كالظلم، بل هو قسم من الظلم، فيمتنع عروض الصفة المحسّنة له، و في مقابله الانقياد للّه سبحانه و تعالى، فإنّه يمتنع أن يعرض له جهة مقبّحة.

و ثانيا (3): لو سلّم أنّه لا امتناع في أن يعرض له جهة محسّنة، لكنّه باق على قبحه ما لم يعرض له تلك الجهة، و ليس ممّا لا يعرض له في نفسه حسن و لا قبح إلّا بعد ملاحظة (4) ما يتحقّق في ضمنه.

و بعبارة اخرى: لو سلّمنا عدم كونه علّة تامّة للقبح كالظلم، فلا شكّ في كونه مقتضيا له كالكذب، و ليس من قبيل الأفعال التي لا يدرك العقل بملاحظتها في أنفسها حسنها و لا قبحها، و حينئذ فيتوقّف ارتفاع قبحه على انضمام جهة يتدارك بها قبحه، كالكذب المتضمّن لإنجاء نبيّ.

و من المعلوم أنّ ترك قتل المؤمن بوصف أنّه مؤمن في المثال الذي ذكره- كفعله- ليس من الامور التي تتّصف بحسن أو قبح؛ للجهل‏

____________

(1) الفصول: 431- 432.

(2) لم ترد عبارة «سواء- إلى- جريئا» في (ظ)، (ل) و (م).

(3) في (ر) و (ص) زيادة: «أنّه».

(4) كذا في (ت)، (م) و (ه)، و في غيرها: «بملاحظة».

44

بكونه قتل مؤمن؛ و لذا اعترف في كلامه بأنّه لو قتله كان معذورا، فإذا لم يكن هذا الفعل الذي تحقّق التجرّي في ضمنه ممّا يتّصف بحسن أو قبح، لم يؤثّر في اقتضاء ما يقتضي القبح، كما لا يؤثّر في اقتضاء ما يقتضي الحسن لو فرض أمره بقتل كافر فقتل مؤمنا معتقدا كفره؛ فإنّه لا إشكال في مدحه من حيث الانقياد و عدم مزاحمة حسنه بكونه في الواقع قتل مؤمن.

و دعوى: أنّ الفعل الذي يتحقّق به التجرّي و إن لم يتّصف في نفسه بحسن و لا قبح- لكونه مجهول العنوان- لكنّه لا يمتنع أن يؤثّر في قبح ما يقتضي القبح بأن يرفعه، إلّا أن نقول بعدم مدخليّة الامور الخارجة عن القدرة في استحقاق المدح و الذمّ، و هو محلّ نظر، بل منع.

و عليه يمكن ابتناء منع الدليل العقلي السابق‏ (1) في قبح التجرّي.

مدفوعة- مضافا إلى الفرق بين ما نحن فيه و بين ما تقدّم من الدليل العقلي، كما لا يخفى على المتأمّل-: بأنّ العقل مستقلّ بقبح التجرّي في المثال المذكور، و مجرّد تحقّق ترك قتل المؤمن في ضمنه- مع الاعتراف بأنّ ترك القتل لا يتّصف بحسن و لا قبح- لا يرفع قبحه؛ و لذا يحكم العقل بقبح الكذب و ضرب اليتيم إذا انضمّ إليهما ما يصرفهما إلى المصلحة إذا جهل الفاعل بذلك.

ثمّ إنّه ذكر هذا القائل في بعض كلماته: أنّ التجرّي إذا صادف المعصية الواقعيّة تداخل عقابهما (2).

____________

(1) راجع الصفحة 38- 39.

(2) الفصول: 87.

45

و لم يعلم معنى محصّل لهذا الكلام؛ إذ مع كون التجرّي عنوانا مستقلا في استحقاق العقاب لا وجه للتداخل إن اريد به وحدة العقاب؛ فإنّه ترجيح بلا مرجّح‏ (1)، و إن اريد به عقاب زائد على عقاب محض التجرّي، فهذا ليس تداخلا؛ لأنّ كلّ فعل اجتمع فيه عنوانان من القبح يزيد عقابه على ما كان فيه أحدهما.

[عدم الإشكال في القبح الفاعلي:]

و التحقيق: أنّه لا فرق في قبح التجرّي بين موارده، و أنّ المتجرّي لا إشكال في استحقاقه الذمّ من جهة انكشاف خبث باطنه و سوء سريرته بذلك‏ (2).

[الإشكال في القبح الفعلي:]

و أمّا استحقاقه للذمّ من حيث الفعل المتجرّى في ضمنه، ففيه إشكال، كما اعترف به الشهيد (قدّس سرّه‏) فيما يأتي‏ (3) من كلامه‏ (4).

____________

(1) في (ر) و (ص) زيادة العبارة التالية: «و سيجي‏ء في الرواية أنّ على الراضي إثما، و على الداخل إثمين»، انظر الصفحة 47.

(2) لم ترد «بذلك» في (ت)، (ر) و (ص)، و في (ر) و (ص) زيادة: «و جرأته».

(3) في الصفحة 49- 50.

(4) وردت- هنا- زيادة في (ت)، (ه) و هامش (ص)- مع اختلاف يسير-، و كتب بعدها في (ص): «منه (قدّس سرّه‏)»، و الزيادة هكذا: «بل يظهر منه (قدّس سرّه‏): أنّ الكلام في تأثير نيّة المعصية إذا تلبّس بما يراه معصية، لا في تأثير الفعل المتلبّس به إذا صدر عن قصد المعصية، فتأمّل. نعم، يظهر من بعض الروايات حرمة الفعل المتجرّى به؛ لمجرّد الاعتقاد، مثل موثّقة سماعة: في رجلين قاما إلى الفجر، فقال أحدهما: هو ذا، و قال الآخر: ما أرى شيئا، قال (عليه السلام): فليأكل الذي لم يبن له، و حرّم على الذي زعم أنّه طلع الفجر؛ إنّ اللّه تعالى قال: كُلُوا وَ اشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ.

46

[دلالة الأخبار الكثيرة على العفو عن التجرّي بمجرّد القصد إلى المعصية]

نعم، لو كان‏ (1) التجرّي على المعصية بالقصد (2) إلى المعصية فالمصرّح به في الأخبار الكثيرة العفو عنه‏ (3)، و إن كان يظهر من أخبار أخر العقاب على القصد أيضا (4)، مثل:

قوله (صلوات اللّه عليه): «نيّة الكافر شرّ من عمله» (5).

و قوله: «إنّما يحشر الناس على نيّاتهم» (6).

[دلالة بعض الأخبار على العقاب في القصد:]

و ما ورد من تعليل خلود أهل النار في النار، و خلود أهل الجنّة في الجنّة؛ بعزم كلّ من الطائفتين على الثبات على ما كان عليه من المعصية و الطاعة لو خلّدوا في الدنيا (7).

و ما ورد من أنّه: «إذا التقى المسلمان بسيفهما فالقاتل و المقتول في النار، قيل: يا رسول اللّه، هذا القاتل، فما بال المقتول؟! قال: لأنّه أراد قتل صاحبه» (8).

____________

(1) في (ت)، (ص) و (ه) بدل «نعم لو كان»: «و أمّا».

(2) في (ص) و (ه) بدل «بالقصد»: «بسبب القصد».

(3) انظر الوسائل 1: 36- 40، الباب 6 من أبواب مقدمة العبادات، الحديث 6، 7، 8، 10، 20 و 21.

(4) لم ترد «أيضا» في (ظ) و (م).

(5) الوسائل 1: 35، الباب 6 من أبواب مقدّمات العبادات، الحديث 3.

(6) الوسائل 1: 34، الباب 5 من أبواب مقدّمات العبادات، الحديث 5، إلّا أنّ فيه: «إنّ اللّه يحشر ...».

(7) الوسائل 1: 36، الباب 6 من أبواب مقدّمات العبادات، الحديث 4.

(8) الوسائل 11: 113، الباب 67 من أبواب جهاد العدوّ، الحديث 1، إلّا فيه بعد قوله «بسيفهما»: «على غير سنّة».

47

و ما ورد في العقاب على فعل بعض المقدّمات بقصد ترتّب الحرام، كغارس الخمر (1) و الماشي لسعاية مؤمن‏ (2).

و فحوى ما دلّ على أنّ الرضا بفعل كفعله‏ (3)، مثل ما عن أمير المؤمنين (عليه السلام): أنّ‏ (4) «الراضي بفعل قوم كالداخل فيه معهم، و على الداخل إثمان: إثم الرضا، و إثم الدخول‏ (5)» (6).

و ما ورد في تفسير قوله تعالى: فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ‏ (7): من أنّ نسبة القتل إلى المخاطبين مع تأخّرهم عن القاتلين بكثير؛ لرضاهم‏ (8) بفعلهم‏ (9).

و يؤيّده: قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ‏ (10)، و قوله تعالى: إِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ

____________

(1) الوسائل 12: 165، الباب 55 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 4 و 5.

(2) انظر الوسائل 19: 9، الباب 2 من أبواب القصاص في النفس، الحديث 3 و 5.

(3) في (ظ)، (ل)، (م) و نسخة بدل (ه): «كالفعل».

(4) في (ل) و (م): «مثل قوله (عليه السلام): الراضي ...».

(5) لم ترد عبارة «و على الداخل- إلى- الدخول» في (م).

(6) نهج البلاغة: الحكمة 154، مع اختلاف، و الوسائل 11: 411، الباب 5 من أبواب الأمر و النهي، الحديث 12.

(7) آل عمران: 183.

(8) في (ت)، (ر) و (ظ): «رضاهم»، و في (ه): «برضاهم».

(9) الكافي 2: 409، الحديث 1، و الوسائل 11: 509، الباب 39 من أبواب الأمر و النهي، الحديث 6.

(10) النور: 19.

48

تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ‏ (1)، و ما ورد من أنّ: «من رضي بفعل فقد لزمه و إن لم يفعل» (2)، و قوله تعالى: تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَ لا فَساداً (3).

[الجمع بين أخبار العفو و العقاب:]

و يمكن حمل الأخبار الأول على من ارتدع عن قصده بنفسه، و حمل الأخبار الأخيرة على من بقي على قصده حتّى عجز عن الفعل لا باختياره.

أو يحمل الأول على من اكتفى بمجرّد القصد، و الثانية على من اشتغل بعد القصد ببعض المقدّمات؛ كما يشهد له حرمة الإعانة على المحرّم، حيث عمّمه بعض الأساطين‏ (4) لإعانة نفسه على الحرام؛ و لعلّه لتنقيح المناط، لا بالدلالة اللفظية.

[أقسام التجرّي:]

ثمّ اعلم: أنّ‏ (5) التجرّي على أقسام، يجمعها عدم المبالاة بالمعصية أو قلّتها (6).

أحدها: مجرّد القصد إلى المعصية.

ثانيها: القصد مع الاشتغال بمقدّماته.

و ثالثها: القصد مع التلبّس بما يعتقد كونه معصية.

____________

(1) البقرة: 284.

(2) لم نعثر عليه بلفظه، و يدلّ عليه ما تقدّم آنفا، و ما في الوسائل 11: 410، الباب 5 من أبواب الأمر و النهي، الحديثان 4 و 5.

(3) القصص: 83.

(4) هو كاشف الغطاء في شرحه على القواعد (مخطوط): الورقة 16.

(5) كذا في (ت) و (ه)، و في (ظ)، (ل)، (م) و نسخة بدل (ص): «و قد علم ممّا ذكرنا أنّ»، و في (ص) و (ر): «ثمّ إنّ».

(6) لم ترد عبارة «يجمعها عدم المبالاة بالمعصية أو قلّتها» في (ظ) و (م).

49

و رابعها: التلبّس بما يحتمل كونه معصية رجاء لتحقّق المعصية به.

و خامسها: التلبّس به لعدم المبالاة بمصادفة الحرام.

و سادسها (1): التلبّس برجاء (2) أن لا يكون معصية، و خوف أن يكون معصية.

و يشترط في صدق التجرّي في الثلاثة الأخيرة: عدم كون الجهل عذرا عقليّا أو شرعيّا- كما في الشبهة المحصورة الوجوبيّة أو التحريميّة-؛ و إلّا لم يتحقّق احتمال المعصية و إن تحقّق احتمال المخالفة للحكم الواقعي، كما في موارد أصالة البراءة و استصحابها.

ثمّ إنّ الأقسام الستّة كلّها مشتركة في استحقاق الفاعل للمذمّة من حيث خبث ذاته و جرأته‏ (3) و سوء سريرته، و إنّما الكلام في تحقّق العصيان بالفعل المتحقّق في ضمنه التجرّي. و عليك بالتأمّل في كلّ من الأقسام.

[ما أفاده الشهيد حول بعض الأقسام المذكورة:]

قال الشهيد (قدّس سرّه‏) في القواعد:

لا يؤثّر نيّة المعصية عقابا و لا ذمّا ما لم يتلبّس بها، و هو (4) ما (5) ثبت في الأخبار العفو عنه‏ (6).

و لو نوى المعصية و تلبّس بما يراه معصية، فظهر خلافها، ففي‏

____________

(1) كذا في (ظ)، و في غيرها: «و الثاني، و الثالث، و الرابع، و الخامس، و السادس».

(2) في (ه) و مصحّحة (ت) بدل «التلبّس برجاء»: «التلبّس به رجاء».

(3) لم ترد «و جرأته» في (ظ)، (ل) و (م).

(4) كذا في (ر)، (ص)، (ظ)، (ل)، (م) و المصدر، و في (ت) و (ه): «و هي».

(5) كذا في (ظ) و المصدر، و في غيرهما: «ممّا».

(6) الوسائل 1: 35، الباب 6 من أبواب مقدّمة العبادات، الأحاديث 6، 8، 10، 20 و 21.

50

تأثير هذه النيّة نظر:

من أنّها لمّا لم تصادف المعصية صارت كنيّة مجرّدة، و هو (1) غير مؤاخذ بها.

و من دلالتها على انتهاك الحرمة و جرأته على المعاصي. و قد ذكر بعض الأصحاب‏ (2): أنّه لو شرب المباح تشبّها بشرب المسكر فعل حراما، و لعلّه ليس لمجرّد النيّة، بل بانضمام فعل الجوارح.

و يتصوّر محلّ النظر في صور:

منها: ما لو وجد امرأة في منزل غيره، فظنّها أجنبيّة فأصابها، فبان أنّها زوجته أو أمته.

و منها: ما لو وطئ زوجته بظنّ أنّها حائض، فبانت طاهرة.

و منها: ما (3) لو هجم على طعام بيد غيره فأكله، فتبيّن أنّه ملكه.

و منها: ما (4) لو ذبح شاة بظنّها للغير بقصد العدوان، فظهرت ملكه.

و منها: ما إذا قتل نفسا بظنّ أنّها معصومة، فبانت مهدورة.

و قد قال بعض العامّة: نحكم بفسق المتعاطي ذلك؛ لدلالته على عدم المبالاة بالمعاصي، و يعاقب في الآخرة- ما لم يتب- عقابا متوسّطا بين الصغيرة و الكبيرة. و كلاهما تحكّم و تخرّص على الغيب‏ (5)، انتهى.

____________

(1) كذا في (ر)، (ص)، (ظ)، (ل)، (م) و المصدر، و في (ت) و (ه): «و هي».

(2) هو أبو الصلاح الحلبي في كتابه (الكافي في الفقه): 279.

(3) لم ترد «ما» في (ر)، (ظ)، (ل)، (م) و المصدر.

(4) لم ترد «ما» في (ر)، (ظ)، (م) و المصدر.

(5) القواعد و الفوائد 1: 107- 108.

51

الأمر الثاني: عدم حجّية القطع الحاصل من المقدّمات العقليّة عند الأخباريّين‏

أنّك قد عرفت‏ (1): أنّه لا فرق فيما يكون العلم فيه كاشفا محضا بين أسباب العلم، و ينسب إلى غير واحد من أصحابنا الأخباريّين‏ (2) عدم الاعتماد على القطع الحاصل من المقدّمات العقليّة القطعيّة (3) الغير الضروريّة؛ لكثرة وقوع الاشتباه و الغلط فيها، فلا يمكن الركون إلى شي‏ء منها.

[مناقشة الأخباريّين:]

فإن أرادوا عدم جواز الركون بعد حصول القطع، فلا يعقل ذلك في مقام اعتبار العلم من حيث الكشف؛ و لو أمكن الحكم بعدم اعتباره لجرى مثله في القطع الحاصل من المقدّمات الشرعيّة طابق النعل بالنعل.

و إن أرادوا عدم جواز الخوض في المطالب العقليّة لتحصيل المطالب الشرعيّة؛ لكثرة وقوع الغلط و الاشتباه فيها، فلو سلّم ذلك و اغمض عن المعارضة بكثرة ما يحصل من الخطأ في فهم المطالب من الأدلّة الشرعيّة، فله وجه، و حينئذ: فلو خاض فيها و حصل القطع بما

____________

(1) راجع الصفحة 31.

(2) كالأمين الأسترابادي، و المحدّث الجزائري، و المحدّث البحراني، كما سيأتي.

(3) لم ترد «القطعيّة» في (ظ)، (ل) و (م).

52

لا يوافق الحكم الواقعي لم يعذر في ذلك؛ لتقصيره في مقدّمات التحصيل.

إلّا أنّ الشأن في ثبوت كثرة الخطأ أزيد ممّا يقع في فهم المطالب من الأدلّة الشرعيّة.

و قد عثرت- بعد ما ذكرت هذا- على كلام يحكى عن المحدّث الأسترابادي في فوائده المدنيّة، قال- في عداد ما استدلّ به على انحصار الدليل في غير الضروريّات الدينيّة في السماع عن الصادقين (عليهم السلام)- (1):

[كلام المحدّث الأسترابادي في المسألة]

الدليل التاسع مبنيّ على مقدّمة دقيقة شريفة تفطّنت لها بتوفيق اللّه تعالى، و هي:

أنّ العلوم النظرية قسمان:

قسم ينتهي إلى مادّة هي قريبة من الإحساس، و من هذا القسم علم الهندسة و الحساب و أكثر أبواب المنطق، و هذا القسم لا يقع فيه الخلاف بين العلماء و الخطأ في نتائج الأفكار؛ و السبب في ذلك أنّ الخطأ في الفكر إمّا من جهة الصورة أو من جهة المادّة، و الخطأ من جهة الصورة لا يقع من العلماء؛ لأنّ معرفة الصورة من الامور الواضحة عند الأذهان المستقيمة، و الخطأ من جهة المادّة لا يتصوّر في هذه العلوم؛ لقرب الموادّ فيها إلى الإحساس.

و قسم ينتهي إلى مادّة هي بعيدة عن الإحساس، و من هذا القسم الحكمة الإلهيّة و الطبيعية و علم الكلام و علم اصول الفقه و المسائل النظرية الفقهيّة و بعض القواعد المذكورة في كتب المنطق؛ و من ثمّ وقع الاختلافات و المشاجرات بين الفلاسفة في الحكمة الإلهيّة و الطبيعيّة، و بين‏

____________

(1) في (ر)، (ص)، (ل) و (م) زيادة: «قال».

53

علماء الإسلام في اصول الفقه و المسائل الفقهيّة و علم الكلام، و غير ذلك.

و السبب في ذلك: أنّ القواعد المنطقيّة إنّما هي عاصمة من الخطأ من جهة الصورة، لا من جهة المادّة (1)، و ليست في المنطق قاعدة بها يعلم أنّ كلّ مادّة مخصوصة داخلة في أيّ قسم من الأقسام، و من المعلوم امتناع وضع قاعدة تكفل بذلك.

ثمّ استظهر ببعض الوجوه تأييدا لما ذكره، و قال بعد ذلك:

فإن قلت: لا فرق في ذلك بين العقليّات و الشرعيّات؛ و الشاهد على ذلك ما نشاهد من كثرة الاختلافات الواقعة بين أهل الشرع في اصول الدين و في الفروع الفقهيّة.

قلت: إنّما نشأ ذلك من ضمّ مقدّمة عقليّة باطلة بالمقدّمة النقليّة الظنيّة أو القطعيّة.

و من الموضحات لما ذكرناه- من أنّه ليس في المنطق قانون يعصم عن الخطأ في مادّة الفكر-: أنّ المشّائيين ادّعوا البداهة في أنّ تفريق ماء كوز إلى كوزين إعدام لشخصه و إحداث لشخصين آخرين، و على هذه المقدّمة بنوا إثبات الهيولى، و الإشراقيين ادّعوا البداهة في أنّه ليس إعداما للشخص الأوّل‏ (2) و إنّما انعدمت صفة من صفاته، و هو الاتصال.

ثمّ قال:

إذا عرفت ما مهّدناه من‏ (3) الدقيقة الشريفة، فنقول:

____________

(1) في (ر) و المصدر و نسخة بدل (ص) زيادة ما يلي: «إذ أقصى ما يستفاد من المنطق في باب موادّ الأقيسة تقسيم الموادّ على وجه كلّي إلى أقسام».

(2) في (ص) و المصدر زيادة: «و في أنّ الشخص الأوّل باق».

(3) في (ن)، (ر)، (ص) و (ه) زيادة: «المقدّمة».

54

إن تمسّكنا بكلامهم (عليهم السلام) فقد عصمنا من الخطأ، و إن تمسّكنا بغيرهم لم نعصم عنه‏ (1)، انتهى كلامه.

و المستفاد من كلامه: عدم حجّية إدراكات العقل في غير المحسوسات و ما تكون مبادئه قريبة من الإحساس.

و قد استحسن ما ذكره- إذا لم يتوافق عليه العقول‏ (2)- غير واحد ممّن تأخّر عنه، منهم السيّد المحدّث الجزائري (قدّس سرّه‏) في أوائل شرح التهذيب على ما حكي عنه. قال بعد ذكر كلام المحدّث المتقدّم بطوله:

[كلام المحدث الجزائري في المسألة:]

و تحقيق المقام يقتضي ما ذهب إليه. فإن قلت: قد عزلت العقل عن الحكم في الاصول و الفروع، فهل يبقى له حكم في مسألة من المسائل؟

قلت: أمّا البديهيّات فهي له وحده، و هو الحاكم فيها. و أمّا النظريات: فإن وافقه النقل و حكم بحكمه قدّم حكمه على النقل وحده، و أمّا لو تعارض هو و النقلي‏ (3) فلا شكّ عندنا في ترجيح النقل و عدم، الالتفات إلى ما حكم به العقل.

قال:

و هذا أصل يبتنى عليه مسائل كثيرة، ثمّ ذكر جملة من المسائل‏

____________

(1) الفوائد المدنيّة: 129- 131.

(2) كذا في (ص)، (ل) و (م)، و لم ترد عبارة «إذا لم يتوافق عليه العقول» في (ه)، و شطب عليها في (ت)، و وردت في (ر) قبل قوله: «و قد استحسن»، و في نسخة بدل (ص) بدل «العقول»: «النقل».

(3) كذا في (ت)، (ر)، (ظ) و نسخة بدل (ص)، و في (ص)، (ه) و (م): «تعارضا».

55

المتفرّعة (1).

[مناقشة ما أفاده المحدث الجزائري:]

أقول: لا يحضرني شرح التهذيب حتّى الاحظ ما فرّع على ذلك، فليت شعري! إذا فرض حكم العقل على وجه القطع بشي‏ء، كيف يجوز حصول القطع أو الظنّ من الدليل النقلي على خلافه؟ و كذا لو فرض حصول القطع من الدليل النقلي، كيف يجوز حكم العقل بخلافه على وجه القطع؟

[كلام المحدث البحراني في المسألة:]

و ممّن وافقهما على ذلك في الجملة: المحدّث البحراني في مقدّمات الحدائق، حيث نقل كلاما للسيّد المتقدّم في هذا المقام و استحسنه، إلّا أنّه صرّح بحجّية العقل الفطري الصحيح، و حكم بمطابقته للشرع و مطابقة الشرع له. ثمّ قال:

لا مدخل للعقل في شي‏ء من الأحكام الفقهيّة من عبادات و غيرها، و لا سبيل إليها إلّا السماع عن المعصوم (عليه السلام)؛ لقصور العقل المذكور عن الاطّلاع عليها. ثمّ قال:

نعم، يبقى الكلام بالنسبة إلى ما لا يتوقّف‏ (2) على التوقيف، فنقول:

إن كان الدليل العقلي المتعلّق بذلك بديهيّا ظاهر البداهة- مثل:

الواحد نصف الاثنين- فلا ريب في صحّة العمل به، و إلّا:

فإن لم يعارضه دليل عقليّ و لا نقليّ فكذلك.

و إن عارضه دليل عقليّ آخر: فإن تأيّد أحدهما بنقلي كان‏

____________

(1) شرح التهذيب (مخطوط): 47.

(2) في (ص) و المصدر: «يتوقّف»، و ما أثبتناه مطابق لسائر النسخ و الدرر النجفية لصاحب الحدائق، انظر الدرر النجفية: 147- 148.

56

الترجيح له‏ (1)، و إلّا فإشكال.

و إن عارضه دليل نقليّ: فإن تأيّد ذلك العقلي بدليل نقلي كان الترجيح للعقلي- إلّا أنّ هذا في الحقيقة تعارض في النقليّات- و إلّا فالترجيح للنقلي، وفاقا للسيّد المحدّث المتقدّم ذكره، و خلافا للأكثر.

هذا بالنسبة إلى العقلي بقول مطلق، أمّا لو اريد به المعنى الأخصّ، و هو الفطريّ الخالي عن شوائب الأوهام الذي هو حجّة من حجج الملك العلّام- و إن شذّ وجوده في الأنام- ففي ترجيح النقليّ عليه إشكال‏ (2)، انتهى.

[مناقشة ما أفاده المحدث البحراني:]

و لا أدري كيف جعل الدليل النقلي في الأحكام النظريّة مقدّما على ما هو في البداهة من قبيل «الواحد نصف الاثنين»؛ مع أنّ ضروريّات الدين و المذهب لم يزد في البداهة على ذلك؟! (3)

و العجب ممّا ذكره في الترجيح عند تعارض العقل و النقل، كيف يتصوّر الترجيح في القطعيّين، و أيّ دليل على الترجيح المذكور؟!

و أعجب من ذلك: الاستشكال في تعارض العقليّين من دون‏

____________

(1) كذا في (ل)، (م) و (ه)، و في (ر) و (ص) بدل «له»: «للمتأيّد بالدليل النقلي»، و في (ت) هكذا: «له، للتأييد النقلي»، و في نسخة بدل (ه) زيادة:

«للتأيّد بالدليل النقلي».

(2) الحدائق 1: 126- 133.

(3) لم ترد عبارة «و لا أدري- إلى- على ذلك» في (ه) و (ت)، و كتب عليها في (ص): «زائد».