فرائد الأصول - ج2

- الشيخ مرتضى الأنصاري المزيد...
504 /
5

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم‏

6

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

7

المقصد الثّالث في الشّكّ‏

8

بسم اللّه الرحمن الرحيم‏ و به نستعين

الحمد للّه ربّ العالمين، و الصّلاة و السلام على محمّد و آله الطاهرين، و لعنة اللّه على أعدائهم أجمعين إلى يوم الدين‏ (1).

____________

(1) لم ترد الخطبة الشريفة في (ت).

9

المقصد الثالث من مقاصد هذا الكتاب في الشكّ‏

[المكلّف الملتفت إلى الحكم الشرعي‏]

قد قسّمنا في صدر هذا الكتاب المكلّف الملتفت إلى الحكم الشرعي العملي في الواقعة على ثلاثة أقسام؛ لأنّه إمّا أن يحصل له القطع بحكمه‏ (1) الشرعي، و إمّا أن يحصل له الظنّ، و إمّا أن يحصل له الشكّ.

[إمكان اعتبار الظنّ‏]

و قد عرفت: أنّ القطع حجّة في نفسه لا بجعل جاعل، و الظنّ يمكن أن يعتبر في متعلّقه‏ (2)؛ لأنّه كاشف عنه ظنّا، لكنّ العمل به و الاعتماد عليه في الشرعيّات موقوف على وقوع التعبّد به شرعا، و هو غير واقع إلّا في الجملة، و قد ذكرنا موارد وقوعه في الأحكام الشرعيّة في الجزء الأوّل من هذا الكتاب‏ (3).

____________

(1) في (ه): «بالحكم».

(2) في (ر) و (ظ) بدل «متعلّقه»: «الطرف المظنون».

(3) وردت في (ظ) و (ه) زيادة، و هي: «و أنّ ما لم يرد اعتباره في الشرع فهو داخل في الشكّ، فالمقصود هنا بيان حكم الشكّ بالمعنى الأعمّ من ظنّ غير ثابت الاعتبار». و كتب فوقها في (ظ): «زائد».

10

[عدم إمكان اعتبار الشكّ‏]

و أمّا الشكّ، فلمّا لم يكن فيه كشف أصلا لم يعقل‏ (1) أن يعتبر، فلو ورد في مورده حكم شرعيّ- كأن يقول: الواقعة المشكوكة حكمها كذا- كان حكما ظاهريّا؛ لكونه مقابلا للحكم الواقعيّ المشكوك بالفرض.

[الحكم الواقعي و الظاهري‏]

و يطلق عليه الواقعيّ الثانويّ أيضا؛ لأنّه حكم واقعيّ للواقعة المشكوك في حكمها، و ثانويّ بالنسبة إلى ذلك الحكم المشكوك فيه؛ لأنّ موضوع هذا الحكم الظاهريّ- و هي الواقعة المشكوك في حكمها- لا يتحقّق إلّا بعد تصوّر حكم نفس الواقعة و الشكّ فيه.

مثلا: شرب التتن في نفسه له حكم فرضنا في ما نحن فيه شكّ المكلّف فيه، فإذا فرضنا ورود حكم شرعيّ لهذا الفعل المشكوك الحكم، كان هذا الحكم الوارد (2) متأخّرا طبعا عن ذلك المشكوك، فذلك الحكم‏ (3) واقعيّ بقول مطلق، و هذا الوارد ظاهريّ؛ لكونه المعمول به في الظاهر، و واقعيّ ثانويّ؛ لأنّه متأخّر عن ذلك الحكم؛ لتأخّر موضوعه عنه.

[الدليل «الاجتهادي» و «الفقاهتي»]

و يسمّى الدليل الدالّ على هذا الحكم الظاهريّ «أصلا»، و أمّا ما دلّ على الحكم الأوّل- علما أو ظنّا معتبرا- فيختصّ باسم «الدليل»، و قد يقيّد ب «الاجتهادي»، كما أنّ الأوّل قد يسمّى ب «الدليل» مقيّدا ب «الفقاهتي». و هذان القيدان اصطلاحان من الوحيد البهبهاني؛ لمناسبة مذكورة في تعريف الفقه و الاجتهاد (4).

____________

(1) في غير (ت) زيادة: «فيه».

(2) لم ترد «الوارد» في (ت) و (ه).

(3) في (ر)، (ص) و (ه) زيادة: «حكم».

(4) انظر الفوائد الحائرية: 499، الفائدة 33، في تعريف المجتهد و الفقيه.

11

ثمّ إنّ الظنّ الغير المعتبر حكمه حكم الشكّ كما لا يخفى.

[وجه تقديم الأدلّة على الاصول‏]

و ممّا ذكرنا: من تأخّر مرتبة الحكم الظاهري عن الحكم الواقعي- لأجل تقييد موضوعه بالشكّ في الحكم الواقعي- يظهر لك وجه تقديم الأدلّة على الأصول؛ لأنّ موضوع الاصول يرتفع بوجود الدليل، فلا معارضة بينهما، لا لعدم اتّحاد الموضوع، بل لارتفاع موضوع الأصل- و هو الشكّ- بوجود الدليل.

أ لا ترى: أنّه لا معارضة و لا تنافي بين كون حكم شرب التتن المشكوك حكمه هي الإباحة و بين كون حكم شرب التتن في نفسه مع قطع النظر عن الشكّ فيه هي الحرمة، فإذا علمنا بالثاني- لكونه علميّا، و المفروض‏ (1) سلامته عن معارضة الأوّل- خرج شرب التتن عن موضوع دليل‏ (2) الأوّل و هو كونه مشكوك الحكم، لا عن حكمه حتّى يلزم فيه تخصيص و (3) طرح لظاهره.

[أخصّية الأدلّة غير العلميّة من الاصول‏]

و من هنا كان إطلاق التقديم و الترجيح في المقام تسامحا؛ لأنّ الترجيح فرع المعارضة. و كذلك إطلاق الخاصّ على الدليل و العامّ على الأصل، فيقال: يخصّص الأصل بالدليل، أو يخرج عن الأصل بالدليل.

و يمكن أن يكون هذا الاطلاق على الحقيقة بالنسبة إلى الأدلّة الغير العلميّة، بأن يقال: إنّ مؤدّى أصل البراءة- مثلا-: أنّه إذا لم يعلم حرمة شرب التتن فهو غير محرّم، و هذا عامّ، و مفاد الدليل‏

____________

(1) في (ر): «و الفرض»، و في (ظ) و (ه): «و لفرض».

(2) في (ر)، (ص) و (ظ): «الدليل».

(3) في (ظ): «أو».

12

الدالّ على اعتبار تلك الأمارة الغير العلميّة المقابلة للأصل: أنّه إذا قام تلك الأمارة الغير العلميّة على حرمة الشي‏ء الفلاني فهو حرام، و هذا أخصّ من دليل أصل البراءة مثلا، فيخرج به عنه.

و كون دليل تلك الأمارة أعمّ من وجه- باعتبار شموله لغير مورد أصل البراءة- لا ينفع بعد قيام الإجماع على عدم الفرق في اعتبار تلك الأمارة (1) بين مواردها.

[الدليل العلمي رافع لموضوع الأصل‏]

توضيح ذلك: أنّ كون الدليل رافعا لموضوع الأصل- و هو الشكّ- إنّما يصحّ في الدليل العلميّ؛ حيث إنّ وجوده يخرج حكم الواقعة عن كونه مشكوكا فيه، و أمّا الدليل الغير العلميّ فهو بنفسه‏ (2) غير رافع لموضوع الأصل و هو عدم العلم، و أما الدليل الدالّ على اعتباره فهو و إن كان علميّا، إلّا أنّه لا يفيد إلّا حكما ظاهريا نظير مفاد الأصل؛ إذ المراد بالحكم الظاهري ما ثبت لفعل المكلّف بملاحظة الجهل بحكمه الواقعي الثابت له من دون مدخليّة العلم و الجهل، فكما أنّ مفاد قوله (عليه السلام): «كلّ شي‏ء مطلق حتّى يرد فيه نهي» (3) يفيد الرخصة في الفعل الغير المعلوم ورود النهي فيه، فكذلك ما دلّ على حجية الشهرة الدالّة مثلا على وجوب شي‏ء، يفيد وجوب ذلك الشي‏ء من حيث إنّه مظنون مطلقا أو بهذه الأمارة- و لذا (4) اشتهر: أنّ علم المجتهد

____________

(1) في (ر)، (ص) و (ه) زيادة: «حينئذ».

(2) في (ت)، (ر) و (ص) زيادة: «بالنسبة إلى أصالة الاحتياط و التخيير كالعلم رافع للموضوع، و أمّا بالنسبة إلى ما عداهما فهو بنفسه».

(3) الوسائل 18: 127، الباب 12 من أبواب صفات القاضي، الحديث 60.

(4) في (ص): «و كذا».

13

بالحكم مستفاد من صغرى وجدانيّة، و هي: «هذا ما أدّى إليه ظنّي»، و كبرى برهانيّة، و هي: «كلّ ما أدّى إليه ظنّي فهو حكم اللّه في حقّي»، فإنّ الحكم المعلوم منهما هو الحكم الظاهريّ-، فإذا كان مفاد الأصل ثبوت الإباحة للفعل الغير المعلوم الحرمة، كانا متعارضين لا محالة، فإذا بني على العمل بتلك الأمارة كان فيه خروج عن عموم الأصل و تخصيص له لا محالة.

[التحقيق حكومة دليل الأمارة على الاصول الشرعيّة]

هذا، و لكنّ التحقيق: أنّ دليل تلك الأمارة و إن لم يكن كالدليل العلميّ رافعا لموضوع الأصل، إلّا أنّه نزّل شرعا منزلة الرافع، فهو حاكم على الأصل لا مخصّص له، كما سيتّضح‏ (1) إن شاء اللّه تعالى.

[ارتفاع موضوع الاصول العقليّة بالأدلّة الظنّية]

على: أنّ ذلك إنّما يتمّ بالنسبة إلى الأدلّة الشرعيّة، و أمّا الأدلّة العقليّة القائمة على البراءة و الاشتغال فارتفاع موضوعها بعد ورود الأدلّة الظنّيّة واضح؛ لجواز الاقتناع بها في مقام البيان و انتهاضها رافعا لاحتمال العقاب كما هو ظاهر. و أمّا التخيير فهو أصل عقليّ لا غير (2).

[انحصار الاصول في أربعة]

و اعلم: أنّ المقصود بالكلام في هذه الرسالة (3) الاصول المتضمّنة لحكم الشبهة في الحكم الفرعيّ الكليّ و إن تضمّنت حكم الشبهة في الموضوع أيضا، و هي منحصرة في أربعة: «أصل البراءة»، و «أصل الاحتياط»، و «التخيير»، و «الاستصحاب» بناء على كونه ظاهريّا ثبت‏

____________

(1) انظر مبحث التعادل و التراجيح 4: 13.

(2) في (ت)، (ص) و (ه) زيادة: «كما سيتّضح إن شاء اللّه».

(3) في (ت)، (ص) و (ه) بدل «هذه الرسالة»: «هذا المقصد».

14

التعبّد به من الأخبار؛ إذ بناء على كونه مفيدا للظنّ يدخل في الأمارات الكاشفة عن الحكم الواقعيّ.

و أمّا الاصول. المشخّصة لحكم الشبهة في الموضوع- كأصالة الصحّة، و أصالة الوقوع فيما شكّ فيه بعد تجاوز المحلّ- فلا يقع الكلام فيها إلّا لمناسبة يقتضيها المقام.

[الانحصار عقليّ‏]

ثمّ إنّ انحصار موارد الاشتباه في الاصول الأربعة عقليّ؛ لأنّ حكم الشك إمّا أن يكون ملحوظا فيه اليقين السابق عليه، و إمّا أن لا يكون،

[مجاري الاصول الأربعة]

سواء لم يكن يقين سابق عليه أم كان و لم يلحظ، و الأوّل هو مورد الاستصحاب، و الثاني إمّا يكون الاحتياط فيه ممكنا أم لا، و الثاني مورد التخيير، و الأوّل إمّا أن يدلّ دليل عقليّ أو نقليّ على ثبوت العقاب بمخالفة الواقع المجهول و إمّا أن لا يدلّ، و الأوّل مورد الاحتياط، و الثاني مورد البراءة.

[تداخل موارد الاصول أحيانا]

و قد ظهر ممّا ذكرنا: أنّ موارد الاصول قد تتداخل؛ لأنّ المناط في الاستصحاب ملاحظة الحالة السابقة المتيقّنة (1)، و مدار الثلاثة الباقية على عدم ملاحظتها و إن كانت موجودة.

ثمّ إنّ تمام الكلام في الاصول الأربعة يحصل باشباعه في مقامين:

أحدهما: حكم الشكّ في الحكم الواقعيّ من دون ملاحظة الحالة السابقة، الراجع إلى الاصول الثلاثة.

الثاني: حكمه بملاحظة الحالة السابقة و هو الاستصحاب.

____________

(1) في (ت)، (ظ) و (ه): «المتيقّنة السابقة».

15

المقام الأوّل في البراءة و الاشتغال و التّخيير

16

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

17

أمّا المقام الأوّل‏ فيقع الكلام فيه في موضعين:

لأنّ الشكّ إمّا في نفس التكليف و هو النوع الخاصّ من الإلزام و إن علم جنسه، كالتكليف المردّد بين الوجوب و التحريم.

و إمّا في متعلق التكليف مع العلم بنفسه، كما إذا علم وجوب شي‏ء و شكّ بين تعلّقه بالظهر و الجمعة، أو علم وجوب فائتة و تردّدت بين الظهر و المغرب.

[الموضع الأوّل‏] الشكّ في نفس التكليف، و فيه مطالب:

(1) و الموضع الأول يقع الكلام فيه في مطالب؛ لأنّ التكليف المشكوك فيه إمّا تحريم مشتبه بغير الوجوب، و إمّا وجوب مشتبه بغير التحريم، و إمّا تحريم مشتبه بالوجوب‏ (2)، و صور الاشتباه كثيرة.

____________

(1) العنوان منّا.

(2) في (ظ) بدل «إمّا تحريم مشتبه بغير الوجوب- إلى- بالوجوب»: «إمّا إيجاب مشتبه بغيره، و إمّا تحريم كذلك».

18

و هذا مبنيّ على اختصاص التكليف بالإلزام، أو اختصاص الخلاف في البراءة و الاحتياط به، و لو فرض‏ (1) شموله للمستحب و المكروه يظهر حالهما من الواجب و الحرام؛ فلا حاجة إلى تعميم العنوان.

ثمّ إنّ‏ (2) متعلّق التكليف المشكوك:

إمّا أن يكون فعلا كلّيّا متعلّقا للحكم الشرعي الكلّي، كشرب التتن المشكوك في حرمته، و الدعاء عند رؤية الهلال المشكوك في وجوبه.

و إمّا أن يكون فعلا جزئيّا متعلّقا للحكم الجزئي، كشرب هذا المائع المحتمل كونه خمرا.

و منشأ الشكّ في القسم الثاني: اشتباه الامور الخارجيّة.

و منشؤه في الأوّل: إمّا أن يكون عدم النصّ في المسألة، كمسألة شرب التتن، و إمّا أن يكون إجمال النصّ، كدوران الأمر في قوله تعالى:

حَتَّى يَطْهُرْنَ‏ (3) بين التشديد و التخفيف مثلا، و إمّا أن يكون تعارض النصّين، و منه الآية المذكورة بناء على تواتر القراءات.

و توضيح أحكام هذه الأقسام في ضمن مطالب:

الأوّل: دوران الأمر بين الحرمة و غير الوجوب من الأحكام الثلاثة الباقية.

الثاني: دورانه بين الوجوب و غير التحريم.

الثالث: دورانه بين الوجوب و التحريم.

____________

(1) كذا في (ت) و (ظ)، و في غيرهما: «فلو فرض».

(2) «إنّ» من (ه).

(3) البقرة: 222.

19

فالمطلب الأوّل فيما دار الأمر فيه بين الحرمة و غير الوجوب‏

و قد عرفت‏ (1): أنّ متعلّق الشكّ تارة: الواقعة الكلّية كشرب التتن، و منشأ الشكّ فيه عدم النصّ، أو إجماله، أو تعارضه، و اخرى:

الواقعة الجزئيّة.

فهنا أربع مسائل:

____________

(1) راجع الصفحة 17- 18.

20

المسألة الاولى ما لا نصّ فيه‏

[قولان في المسألة]

و قد اختلف فيه على ما يرجع إلى قولين:

أحدهما: إباحة الفعل شرعا

و عدم وجوب الاحتياط بالترك.

و الثاني: وجوب الترك‏

، و يعبّر عنه بالاحتياط.

و الأوّل منسوب إلى المجتهدين، و الثاني إلى معظم الأخباريّين‏ (1).

و ربما نسب إليهم أقوال أربعة: التحريم ظاهرا، و التحريم واقعا، و التوقّف، و الاحتياط (2). و لا يبعد أن يكون تغايرها باعتبار العنوان، و يحتمل الفرق بينها أو بين‏ (3) بعضها من وجوه أخر تأتي بعد ذكر أدلّة الأخباريّين‏ (4).

____________

(1) انظر القوانين 2: 16.

(2) الناسب هو الوحيد البهبهاني، كما سيأتي في الصفحة 105، و انظر الفصول:

352.

(3) في (ت) و (ر): «و بين».

(4) انظر الصفحة 105- 108.

21

احتجّ للقول الأوّل بالأدلّة الأربعة:

فمن الكتاب آيات:

منها: قوله تعالى: لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا ما آتاها (1).

قيل: دلالتها واضحة (2).

و فيه: أنّها غير ظاهرة؛ فإنّ حقيقة الإيتاء الإعطاء، فإمّا أن يراد بالموصول المال- بقرينة قوله تعالى قبل ذلك: وَ مَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتاهُ اللَّهُ‏ (3)-، فالمعنى: أنّ اللّه سبحانه لا يكلّف العبد إلّا دفع ما اعطي من المال.

و إمّا أن يراد نفس فعل الشي‏ء أو تركه- بقرينة إيقاع التكليف عليه-، فإعطاؤه كناية عن الإقدار عليه، فتدلّ على نفي التكليف بغير المقدور- كما ذكره الطبرسيّ‏ (4) (قدّس سرّه‏)- و هذا المعنى أظهر و أشمل؛ لأنّ الإنفاق من الميسور داخل في «ما آتاه اللّه».

و كيف كان: فمن المعلوم أنّ ترك ما يحتمل التحريم ليس غير مقدور؛ و إلّا لم ينازع في وقوع التكليف به أحد من المسلمين، و إن نازعت الأشاعرة في إمكانه.

نعم، لو اريد من الموصول نفس الحكم و التكليف، كان إيتاؤه‏

____________

(1) الطلاق: 7.

(2) قاله الفاضل النراقي في المناهج: 210.

(3) الطلاق: 7.

(4) مجمع البيان 5: 309.

22

عبارة عن الإعلام به. لكن إرادته بالخصوص تنافي مورد الآية، و إرادة الأعمّ منه و من المورد تستلزم‏ (1) استعمال الموصول في معنيين؛ إذ لا جامع بين تعلّق التكليف بنفس الحكم و بالفعل‏ (2) المحكوم عليه، فافهم.

نعم، في رواية عبد الأعلى عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): «قال: قلت له: هل كلّف النّاس بالمعرفة؟ قال: لا، على اللّه البيان؛ لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها، و لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا ما آتاها» (3).

لكنّه لا ينفع في المطلب؛ لأنّ نفس المعرفة باللّه غير مقدور قبل تعريف اللّه سبحانه، فلا يحتاج دخولها في الآية إلى إرادة الإعلام من الإيتاء، و سيجي‏ء زيادة توضيح لذلك في ذكر الدليل العقلي إن شاء اللّه تعالى‏ (4).

و ممّا ذكرنا يظهر حال التمسّك بقوله تعالى: لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها (5).

و منها: قوله تعالى: وَ ما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا (6).

بناء على أنّ بعث الرسول كناية عن بيان التكليف؛ لأنّه يكون به‏

____________

(1) في النسخ: «يستلزم».

(2) في (ر) و (ه): «و الفعل».

(3) الكافي 1: 163، باب البيان و التعريف و لزوم الحجة، الحديث 5. و الآيتان من سورة البقرة: 286، و الطلاق: 7.

(4) انظر الصفحة 56.

(5) البقرة: 286.

(6) الإسراء: 15.

23

غالبا، كما في قولك: «لا أبرح من هذا المكان حتّى يؤذّن المؤذّن» (1) كناية عن دخول الوقت، أو عبارة عن البيان النقلي- و يخصّص العموم بغير المستقلّات، أو يلتزم بوجوب التأكيد و عدم حسن العقاب إلّا مع اللطف بتأييد العقل بالنقل و إن حسن الذمّ، بناء على أنّ منع اللطف يوجب قبح العقاب دون الذمّ، كما صرّح به البعض‏ (2)-، و على أيّ تقدير فيدلّ على نفي العقاب قبل البيان.

و فيه: أنّ ظاهره الإخبار بوقوع التعذيب سابقا بعد البعث، فيختصّ بالعذاب الدنيويّ الواقع في الأمم السابقة.

ثمّ إنّه ربما يورد التناقض‏ (3) على من جمع بين التمسّك بالآية في المقام و بين ردّ من استدلّ بها لعدم الملازمة بين حكم العقل و حكم الشرع: بأنّ نفي فعليّة التعذيب أعمّ من نفي الاستحقاق؛ فإنّ الإخبار بنفي التعذيب إن دلّ على عدم التكليف شرعا فلا وجه للثاني، و إن لم يدلّ فلا وجه للأوّل.

و يمكن دفعه: بأنّ عدم الفعليّة يكفي في هذا المقام؛ لأنّ الخصم يدّعي أنّ في ارتكاب الشبهة الوقوع في العقاب و الهلاك فعلا من حيث‏

____________

(1) في (ص) زيادة: «فإنّه».

(2) قاله المحقّق الطوسي في مبحث اللطف من تجريد الاعتقاد، و أوضحه العلّامة الحلّي في شرحه (كشف المراد): 327.

(3) أورده المحقّق القمي على الوحيد البهبهاني (قدّس سرّهما‏) الذي عبّر عنه في القوانين ب:

«بعض الأعاظم»، انظر القوانين 2: 16- 17، و الرسائل الاصوليّة: 353، و الفوائد الحائريّة: 373.

24

لا يعلم- كما هو مقتضى رواية التثليث‏ (1) و نحوها (2) التي هي عمدة أدلّتهم-، و يعترف بعدم المقتضي للاستحقاق على تقدير عدم الفعليّة، فيكفي في عدم الاستحقاق نفي الفعليّة، بخلاف مقام التكلّم في الملازمة؛ فإنّ المقصود فيه إثبات الحكم الشرعيّ في مورد حكم العقل، و عدم ترتب العقاب على مخالفته لا ينافي ثبوته، كما في الظهار حيث قيل: إنّه محرّم معفوّ عنه‏ (3)، و كما في العزم على المعصية على احتمال.

نعم، لو فرض هناك- أيضا- إجماع على أنّه لو انتفت الفعليّة انتفى الاستحقاق- كما يظهر من بعض ما فرّعوا على تلك المسألة- لجاز التمسّك بها هناك.

و الإنصاف: أنّ الآية لا دلالة لها على المطلب في المقامين.

و منها: قوله تعالى: وَ ما كانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَداهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ ما يَتَّقُونَ‏ (4)

، أي: ما يجتنبونه من الأفعال و التروك. و ظاهرها:

أنّه تعالى لا يخذلهم بعد هدايتهم إلى الإسلام إلّا بعد ما يبيّن لهم.

و عن الكافي‏ (5) و تفسير العياشي‏ (6) و كتاب التوحيد (7): «حتّى‏

____________

(1) الوسائل 18: 114 و 118، الباب 12 من أبواب صفات القاضي، الحديث 9 و 23.

(2) انظر الصفحة 64- 67.

(3) يظهر من الشيخ الطبرسي القول به في تفسير مجمع البيان 5: 247.

(4) التوبة: 115.

(5) الكافي 1: 163، باب البيان و التعريف و لزوم الحجّة، الحديث 3.

(6) تفسير العيّاشي 2: 115، الحديث 150.

(7) كتاب التوحيد للصدوق: 414، باب التعريف و البيان و الحجّة، الحديث 11.

25

يعرّفهم ما يرضيه و ما يسخطه».

و فيه: ما تقدّم في الآية السابقة (1). مع أنّ دلالتها أضعف؛ من حيث إنّ توقّف الخذلان على البيان غير ظاهر الاستلزام للمطلب، اللهمّ إلّا بالفحوى.

و منها: قوله تعالى: لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَ يَحْيى‏ مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ (2).

و في دلالتها تأمّل ظاهر.

و يرد على الكلّ: أنّ غاية مدلولها عدم المؤاخذة على مخالفة النهي المجهول عند المكلّف لو فرض وجوده واقعا، فلا ينافي ورود الدليل العامّ على وجوب اجتناب ما يحتمل التحريم، و معلوم أنّ القائل بالاحتياط و وجوب الاجتناب لا يقول به إلّا عن دليل علميّ، و هذه الآيات بعد تسليم دلالتها غير معارضة لذلك الدليل، بل هي من قبيل الأصل بالنسبة إليه، كما لا يخفى.

و منها: قوله تعالى مخاطبا لنبيّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)، ملقّنا إيّاه طريق الردّ على اليهود حيث حرّموا بعض ما رزقهم اللّه افتراء عليه: قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلى‏ طاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً

(3).

فأبطل تشريعهم بعدم وجدان ما حرّموه في جملة المحرّمات التي أوحى اللّه إليه، و عدم وجدانه (صلّى اللّه عليه و آله) ذلك فيما اوحي إليه و إن كان دليلا

____________

(1) راجع الصفحة 23.

(2) الأنفال: 42.

(3) الانعام: 145.

26

قطعيّا على عدم الوجود، إلّا أنّ في التعبير بعدم الوجدان دلالة على كفاية عدم الوجدان في إبطال الحكم بالحرمة.

لكنّ الإنصاف: أنّ غاية الأمر أن يكون في العدول عن التعبير بعدم الوجود إلى عدم الوجدان إشارة إلى المطلب، و أمّا الدلالة فلا؛ و لذا قال في الوافية: و في الآية إشعار بأنّ إباحة الأشياء مركوزة في العقل قبل الشرع‏ (1).

مع أنّه لو سلّم دلالتها، فغاية مدلولها كون عدم وجدان التحريم فيما صدر عن اللّه تعالى من الأحكام يوجب عدم التحريم، لا عدم وجدانه فيما بقي بأيدينا من أحكام اللّه تعالى بعد العلم باختفاء كثير منها عنّا، و سيأتي توضيح ذلك عند الاستدلال بالإجماع العمليّ على هذا المطلب‏ (2).

و منها: قوله تعالى: وَ ما لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَ قَدْ فَصَّلَ لَكُمْ ما حَرَّمَ عَلَيْكُمْ‏

(3).

يعني مع خلوّ ما فصّل عن ذكر هذا الذي يجتنبونه.

و لعلّ هذه الآية أظهر من سابقتها؛ لأنّ السابقة دلّت على أنّه لا يجوز الحكم بحرمة ما لم يوجد تحريمه فيما أوحى اللّه سبحانه إلى النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)، و هذه تدل على أنّه لا يجوز التزام ترك الفعل مع عدم وجوده فيما فصّل و إن لم يحكم بحرمته، فيبطل وجوب الاحتياط أيضا.

____________

(1) الوافية: 186.

(2) انظر الصفحة 55- 56.

(3) الأنعام: 119.

27

إلّا أنّ دلالتها موهونة من جهة اخرى، و هي: أنّ ظاهر الموصول العموم، فالتوبيخ على الالتزام بترك الشي‏ء مع تفصيل جميع المحرّمات الواقعيّة و عدم كون المتروك منها، و لا ريب أنّ اللازم من ذلك، العلم بعدم كون المتروك محرّما واقعيّا، فالتوبيخ في محلّه.

[عدم نهوض الآيات المذكورة لإبطال وجوب الاحتياط]

و الإنصاف ما ذكرنا: من أنّ الآيات المذكورة لا تنهض على إبطال القول بوجوب الاحتياط؛ لأنّ غاية مدلول الدالّ منها هو عدم التكليف فيما لم يعلم خصوصا أو عموما بالعقل أو النقل، و هذا ممّا لا نزاع فيه لأحد، و إنّما أوجب الاحتياط من أوجبه بزعم قيام الدليل العقلي أو النقلي على وجوبه، فاللازم على منكره ردّ ذلك الدليل أو معارضته بما يدلّ على الرخصة و عدم وجوب الاحتياط في ما لا نصّ فيه، و أمّا الآيات المذكورة فهي- كبعض الأخبار الآتية (1)- لا تنهض لذلك‏ (2)؛ ضرورة أنّه إذا فرض أنّه ورد بطريق معتبر في نفسه أنّه يجب الاحتياط في كلّ ما يحتمل أن يكون قد حكم الشارع فيه بالحرمة، لم يكن يعارضه شي‏ء من الآيات المذكورة.

[الاستدلال على البراءة بالسنّة:]

و أمّا السنّة:

فيذكر منها في المقام أخبار كثيرة:

منها [الاستدلال بحديث «الرفع»]

: المرويّ عن النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) بسند صحيح في الخصال‏ (3)، كما عن‏

____________

(1) انظر الصفحة 42 و 50.

(2) في (ر) و (ظ): «بذلك».

(3) الخصال: 417، باب التسعة، الحديث 9.

28

التوحيد (1): «رفع عن امّتي تسعة (2): الخطأ، و النسيان، و ما استكرهوا عليه، و ما لا يعلمون، و ما لا يطيقون، و ما اضطرّوا إليه ... الخبر» (3).

فإنّ حرمة شرب التتن- مثلا- ممّا لا يعلمون، فهي مرفوعة عنهم، و معنى رفعها- كرفع الخطأ و النسيان- رفع آثارها أو خصوص المؤاخذة، فهو نظير قوله‏ (4) (عليه السلام): «ما حجب اللّه علمه عن العباد فهو موضوع عنهم» (5).

[المناقشة في الاستدلال‏]

و يمكن أن يورد عليه: بأنّ الظاهر من الموصول في «ما لا يعلمون»- بقرينة أخواتها- هو الموضوع، أعني فعل المكلّف الغير المعلوم، كالفعل الذي لا يعلم أنّه شرب الخمر أو شرب الخلّ و غير ذلك من الشبهات الموضوعيّة، فلا يشمل الحكم الغير المعلوم.

مع أنّ تقدير المؤاخذة في الرواية لا يلائم عموم الموصول للموضوع و الحكم؛ لأنّ المقدّر المؤاخذة على نفس هذه المذكورات، و لا معنى للمؤاخذة على نفس الحرمة المجهولة.

نعم، هي من آثارها، فلو جعل المقدّر في كلّ من هذه التسعة ما هو المناسب من أثره، أمكن أن يقال: إنّ أثر حرمة شرب التتن- مثلا- المؤاخذة على فعله، فهي مرفوعة.

____________

(1) كتاب التوحيد للصدوق: 353، باب الاستطاعة، الحديث 24.

(2) كذا في (ر) و المصدر، و في غيرهما زيادة: «أشياء».

(3) الوسائل 11: 295، باب جملة ممّا عفي عنه، الحديث الأوّل.

(4) كذا في (ظ)، (ه) و نسخة بدل (ص)، و في غيرها: «فهو كقوله».

(5) الوسائل 18: 119، الباب 12 من أبواب صفات القاضي، الحديث 28.

29

لكنّ الظاهر- بناء على تقدير المؤاخذة- نسبة المؤاخذة إلى نفس المذكورات.

و الحاصل: أنّ المقدّر في الرواية- باعتبار دلالة الاقتضاء- يحتمل أن يكون جميع الآثار في كلّ واحد من التسعة، و هو الأقرب اعتبارا إلى المعنى الحقيقيّ.

و أن يكون في كلّ منها ما هو الأثر الظاهر فيه.

و (1) أن يقدّر المؤاخذة في الكلّ، و هذا أقرب عرفا من الأوّل و أظهر من الثاني أيضا؛ لأنّ الظاهر أنّ نسبة الرفع إلى مجموع التسعة على نسق واحد، فإذا اريد من «الخطأ» و «النسيان» و «ما اكرهوا عليه» و «ما اضطرّوا» المؤاخذة على أنفسها، كان الظاهر في «ما لا يعلمون» ذلك أيضا.

نعم، يظهر من بعض الأخبار الصحيحة: عدم اختصاص الموضوع‏ (2) عن الامّة بخصوص المؤاخذة، فعن المحاسن، عن أبيه، عن صفوان بن يحيى و البزنطيّ جميعا، عن أبي الحسن (عليه السلام):

«في الرجل يستكره‏ (3) على اليمين فحلف بالطلاق و العتاق و صدقة ما يملك، أ يلزمه ذلك؟ فقال (عليه السلام): لا؛ قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): وضع عن امّتي ما اكرهوا عليه، و ما لم يطيقوا، و ما أخطئوا ... الخبر (4)».

____________

(1) في غير (ر): «و الظاهر أن».

(2) كذا في (ر) و (ظ)، و في (ت) و (ص): «المرفوع».

(3) كذا في المصدر و محتمل (ت)، و في غيرهما: «يستحلف».

(4) كذا في النسخ، و لكن ليست للحديث تتمّة. انظر المحاسن 2: 70، كتاب العلل، الحديث 124، و الوسائل 16: 136، الباب 12 من كتاب الأيمان، الحديث 12.

30

فإنّ الحلف بالطلاق و العتاق و الصدقة و إن كان باطلا عندنا مع الاختيار أيضا، إلّا أنّ استشهاد الإمام (عليه السلام) على عدم لزومها مع الإكراه على الحلف بها بحديث الرفع، شاهد على عدم اختصاصه برفع خصوص المؤاخذة.

لكنّ النبويّ المحكيّ في كلام الإمام (عليه السلام) مختصّ بثلاثة من التسعة فلعلّ نفي جميع الآثار مختصّ بها، فتأمّل.

و ممّا يؤيّد إرادة العموم: ظهور كون رفع كلّ واحد من التسعة من خواصّ أمّة النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله)؛ إذ لو اختصّ الرفع بالمؤاخذة أشكل الأمر في كثير من تلك الامور؛ من حيث إنّ العقل مستقلّ بقبح المؤاخذة عليها، فلا اختصاص له بامّة النبي (صلّى اللّه عليه و آله) على ما يظهر من الرواية.

و القول بأنّ الاختصاص باعتبار رفع المجموع و إن لم يكن رفع كلّ واحد من الخواصّ، شطط من الكلام.

لكنّ الذي يهوّن الأمر في الرواية: جريان هذا الإشكال في الكتاب العزيز أيضا؛ فإنّ موارد الإشكال فيها- و هي الخطأ و النسيان و ما لا يطاق‏ (1)- هي بعينها ما استوهبها النبي (صلّى اللّه عليه و آله) من ربّه جلّ ذكره ليلة المعراج، على ما حكاه اللّه تعالى عنه (صلّى اللّه عليه و آله) في القرآن بقوله تعالى:

رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا، رَبَّنا وَ لا تَحْمِلْ عَلَيْنا إِصْراً كَما حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنا، رَبَّنا وَ لا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ‏ (2).

و الذي يحسم أصل الإشكال: منع استقلال العقل بقبح المؤاخذة

____________

(1) كذا في (ص)، و في غيرها زيادة: «و ما اضطرّوا إليه».

(2) البقرة: 286.

31

على هذه الامور بقول مطلق؛ فإنّ الخطأ و النسيان الصادرين من ترك التحفّظ لا يقبح المؤاخذة عليهما، و كذا المؤاخذة على ما لا يعلمون مع إمكان الاحتياط، و كذا (1) التكليف الشاقّ الناشئ عن اختيار المكلّف.

و المراد ب «ما لا يطاق» في الرواية هو ما لا يتحمّل في العادة، لا ما لا يقدر عليه أصلا كالطيران في الهواء. و أمّا في الآية فلا يبعد أن يراد به العذاب و العقوبة، فمعنى‏ لا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ‏:

لا تورد علينا ما لا نطيقه من العقوبة.

و بالجملة: فتأييد إرادة رفع جميع الآثار بلزوم الإشكال على تقدير الاختصاص برفع المؤاخذة ضعيف جدا.

و أضعف منه: وهن إرادة العموم بلزوم كثرة الإضمار، و قلّة الإضمار أولى. و هو كما ترى و إن ذكره بعض الفحول‏ (2)، و لعلّه أراد بذلك أنّ المتيقن رفع المؤاخذة، و رفع ما عداه يحتاج إلى دليل‏ (3).

و فيه: أنّه إنّما يحسن الرجوع إليه بعد الاعتراف بإجمال الرواية، لا لإثبات ظهورها في رفع المؤاخذة.

إلّا أن يراد إثبات ظهورها؛ من حيث إنّ حملها على خصوص المؤاخذة يوجب عدم التخصيص في عموم الأدلّة المثبتة لآثار تلك الامور، و حملها على العموم يوجب التخصيص فيها؛ فعموم تلك الأدلّة مبيّن لتلك الرواية؛ فإنّ المخصّص إذا كان مجملا من جهة تردّده بين ما

____________

(1) في (ت) و (ر) زيادة: «في».

(2) لم نقف عليه.

(3) في (ت)، (ر) و (ص) زيادة: «قطعيّ»، و لكن يحتمل شطبها في (ت).

32

يوجب كثرة الخارج و بين ما يوجب قلّته، كان عموم العامّ بالنسبة إلى التخصيص‏ (1) المشكوك فيه مبيّنا لاجماله، فتأمّل.

و أضعف من الوهن المذكور: وهن العموم بلزوم تخصيص كثير (2) من الآثار بل أكثرها؛ حيث إنّها لا ترتفع بالخطإ و النسيان و أخواتهما.

و هو ناش عن عدم تحصيل معنى الرواية كما هو حقّه.

فاعلم: أنّه إذا بنينا على رفع‏ (3) عموم الآثار، فليس المراد بها الآثار المترتّبة على هذه العنوانات من حيث هي؛ إذ لا يعقل رفع الآثار الشرعية المترتّبة على الخطأ و السهو من حيث هذين العنوانين، كوجوب الكفّارة المترتّب على قتل الخطأ، و وجوب سجدتي السهو المترتّب على نسيان بعض الأجزاء.

و ليس المراد أيضا رفع الآثار المترتّبة على الشي‏ء بوصف عدم الخطأ، مثل قوله: «من تعمّد الافطار فعليه كذا»؛ لأنّ هذا الأثر يرتفع بنفسه في صورة الخطأ.

بل المراد: أنّ الآثار المترتّبة على نفس الفعل لا بشرط الخطأ و العمد قد رفعها الشارع عن ذلك الفعل إذا صدر عن خطأ.

[المرفوع هو الآثار الشرعيّة دون العقليّة و العاديّة]

ثم المراد بالآثار: هي الآثار المجعولة الشرعيّة التي وضعها الشارع؛ لأنّها هي‏ (4) القابلة للارتفاع برفعه، و أمّا ما لم يكن بجعله- من الآثار

____________

(1) في (ه): «المخصّص».

(2) في (ت)، (ر)، (ص) و (ه): «التخصيص بكثير».

(3) لم ترد «رفع» في (ر) و (ه).

(4) لم ترد «هي» في (ر) و (ظ).

33

العقليّة و العاديّة- فلا تدلّ الرواية على رفعها و لا رفع الآثار المجعولة المترتّبة عليها.

[المراد من الرفع:]

ثمّ المراد بالرفع: ما يشمل عدم التكليف مع قيام المقتضي له، فيعمّ الدفع و لو بأن يوجّه التكليف على وجه يختصّ بالعامد، و سيجي‏ء بيانه.

فإن قلت: على ما ذكرت يخرج أثر التكليف في «ما لا يعلمون» عن مورد الرواية؛ لأنّ استحقاق العقاب أثر عقليّ له، مع أنّه متفرّع على المخالفة بقيد العمد؛ إذ مناطه- أعني المعصية- لا يتحقق إلّا بذلك.

و أمّا نفس المؤاخذة فليست من الآثار المجعولة الشرعيّة.

و الحاصل: أنّه ليس في «ما لا يعلمون» أثر مجعول من الشارع مترتّب على الفعل لا بقيد العلم و لا الجهل، حتّى يحكم الشارع بارتفاعه مع الجهل.

قلت: قد عرفت: أنّ المراد ب «رفع التكليف» عدم توجيهه إلى المكلّف مع قيام المقتضي له، سواء كان هنا (1) دليل يثبته لو لا الرفع أم لا، فالرفع هنا نظير رفع الحرج في الشريعة، و حينئذ: فإذا فرضنا أنّه لا يقبح في العقل أن يوجّه التكليف بشرب الخمر على وجه يشمل صورة الشكّ فيه، فلم يفعل ذلك و لم يوجب تحصيل العلم و لو بالاحتياط، و وجّه التكليف على وجه يختصّ بالعالم تسهيلا على المكلّف، كفى في صدق الرفع. و هكذا الكلام في الخطأ و النسيان.

فلا يشترط في تحقّق الرفع وجود دليل يثبت التكليف في حال‏

____________

(1) في (ر)، (ص) و (ه): «هناك».

34

العمد و غيره.

نعم، لو قبح عقلا المؤاخذة على الترك، كما في الغافل الغير المتمكّن من الاحتياط، لم يكن في حقّه رفع أصلا؛ إذ ليس من شأنه أن يوجّه إليه التكليف‏ (1).

و حينئذ فنقول: معنى رفع أثر التحريم في «ما لا يعلمون» عدم إيجاب الاحتياط و التحفّظ فيه حتّى يلزمه ترتّب العقاب إذا أفضى ترك التحفّظ إلى الوقوع في الحرام الواقعيّ.

و كذلك الكلام في رفع أثر النسيان و الخطأ؛ فإنّ مرجعه إلى عدم إيجاب التحفّظ عليه؛ و إلّا فليس في التكاليف ما يعمّ صورة النسيان؛ لقبح تكليف الغافل.

[المرتفع هو إيجاب التحفّظ و الاحتياط]

و الحاصل: أنّ المرتفع في «ما لا يعلمون» و أشباهه ممّا لا يشمله أدلّة التكليف، هو إيجاب التحفّظ على وجه لا يقع في مخالفة الحرام الواقعيّ، و يلزمه ارتفاع العقاب و استحقاقه؛ فالمرتفع أوّلا و بالذات أمر مجعول يترتّب عليه ارتفاع أمر غير مجعول.

و نظير ذلك: ما ربّما يقال في ردّ من تمسّك على عدم وجوب الإعادة على من صلّى في النجاسة ناسيا بعموم حديث الرفع: من أنّ وجوب الإعادة و إن كان حكما شرعيّا، إلّا أنّه مترتّب على مخالفة المأتيّ به للمأمور به الموجبة لبقاء الأمر الأوّل، و هي ليست من الآثار الشرعيّة للنسيان، و قد تقدّم‏ (2) أنّ الرواية لا تدلّ على رفع الآثار الغير

____________

(1) في (ر)، (ص) و (ه): «التكليف إليه».

(2) راجع الصفحة 32.

35

المجعولة و لا الآثار الشرعيّة المترتّبة عليها، كوجوب الإعادة فيما نحن فيه.

و يردّه: ما تقدّم في نظيره: من أنّ الرفع راجع‏ (1) إلى شرطيّة طهارة اللباس بالنسبة إلى الناسي، فيقال- بحكم حديث الرفع-: إنّ شرطيّة الطهارة شرعا مختصّة بحال الذكر، فيصير صلاة الناسي في النجاسة مطابقة للمأمور به، فلا يجب الإعادة. و كذلك الكلام في الجزء المنسيّ، فتأمّل.

[اختصاص الرفع بما لا يكون في رفعه ما ينافي الامتنان‏]

و اعلم- أيضا-: أنّه لو حكمنا بعموم الرفع لجميع الآثار، فلا يبعد اختصاصه بما لا يكون في رفعه ما ينافي الامتنان على الامّة، كما إذا استلزم إضرار المسلم؛ فإتلاف المال المحترم نسيانا أو خطأ لا يرتفع معه الضّمان. و كذلك الإضرار بمسلم لدفع الضرر عن نفسه لا يدخل في عموم «ما اضطرّوا إليه»؛ إذ لا امتنان في رفع الأثر عن الفاعل بإضرار الغير؛ فليس الإضرار بالغير نظير سائر المحرّمات الإلهيّة المسوّغة لدفع الضرر.

و أمّا ورود الصحيحة المتقدّمة عن المحاسن‏ (2) في مورد حقّ الناس- أعني العتق و الصدقة- فرفع أثر الإكراه عن الحالف يوجب فوات نفع على المعتق و الفقراء، لا إضرارا بهم.

و كذلك رفع أثر الإكراه عن المكره في ما إذا تعلّق‏ (3) بإضرار

____________

(1) في (ر) و (ص) زيادة: «هنا»، و لكن شطب عليها ظاهرا في (ص).

(2) تقدّمت في الصفحة 29.

(3) في (ت) و (ه) زيادة: «الإكراه».

36

مسلم، من باب عدم وجوب تحمّل الضرر لدفع الضرر عن الغير و لا ينافي الامتنان، و ليس من باب الإضرار على الغير لدفع الضرر عن النفس لينافي ترخيصه الامتنان على العباد؛ فإنّ الضرر أوّلا و بالذات متوجّه على الغير بمقتضى إرادة المكره- بالكسر-، لا على المكره- بالفتح-، فافهم.

[المراد من رفع الحسد و الطيرة و التفكّر في الوسوسة في الخلق‏]

بقي في المقام شي‏ء و ان لم يكن مربوطا به، و هو:

أنّ النبويّ المذكور مشتمل على ذكر «الطيرة» و «الحسد» و «التفكّر في الوسوسة في الخلق ما لم ينطق الانسان بشفته» (1). و ظاهره رفع المؤاخذة على‏ (2) الحسد مع مخالفته لظاهر الأخبار الكثيرة (3). و يمكن حمله على ما لم يظهر الحاسد أثره باللسان أو غيره؛ بجعل عدم النطق باللسان قيدا له أيضا.

و يؤيّده: تأخير الحسد عن الكلّ في مرفوعة النهديّ‏ (4) عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، المرويّة في آخر أبواب الكفر و الإيمان من اصول الكافي:

«قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): وضع عن أمّتي تسعة أشياء:

الخطأ، و النسيان، و ما لا يعلمون، و ما لا يطيقون، و ما اضطرّوا إليه، و ما استكرهوا عليه، و الطيرة، و الوسوسة في التفكّر في الخلق، و الحسد

____________

(1) في (ظ): «بشفة»، و في (ت) و (ه): «بشفتيه».

(2) في (ص): «عن».

(3) انظر البحار 73: 237، باب الحسد.

(4) كذا في المصدر، و في النسخ «الهندي».

37

ما لم يظهر بلسان أو يد ... الحديث‏ (1)».

و لعلّ الاقتصار في النبويّ الأوّل على قوله: «ما لم ينطق»؛ لكونه أدنى مراتب الإظهار.

و روي: «ثلاثة لا يسلم منها أحد: الطيرة، و الحسد، و الظنّ.

قيل: فما نصنع؟ قال: إذا تطيّرت فامض، و إذا حسدت فلا تبغ، و إذا ظننت فلا تحقّق» (2).

و البغي: عبارة عن استعمال الحسد؛ و سيأتي في رواية الخصال:

«إنّ المؤمن لا يستعمل حسده» (3)؛ و لأجل ذلك عدّ في الدروس من الكبائر- في باب الشهادات- إظهار الحسد، لا نفسه‏ (4)، و في الشرائع:

إنّ الحسد معصية و كذا الظنّ بالمؤمن‏ (5)، و التظاهر بذلك قادح في‏

____________

(1) كذا في النسخ، و لكن ليست للحديث تتمّة. انظر الكافي 2: 463، باب ما رفع عن الامّة، الحديث 2، و الوسائل 11: 295، الباب 56 من أبواب جهاد النفس، الحديث 3.

(2) البحار 58: 320، ذيل الحديث 9.

(3) لم يذكر ذلك في رواية الخصال الآتية في الصفحة 40. نعم، في الوسائل عن حمزة بن حمران، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، قال: «ثلاثة لم ينج منها نبيّ فمن دونه: التفكّر في الوسوسة في الخلق، و الطيرة، و الحسد، إلّا أنّ المؤمن لا يستعمل حسده» الوسائل 11: 293، الباب 55 من أبواب جهاد النفس، الحديث 8.

(4) الدروس 2: 126.

(5) في (ت) و (ه) بدل: «الظنّ بالمؤمن»: «بغض المؤمن»، و في المصدر: «بغضة المؤمن».

38

العدالة (1).

و الإنصاف: أنّ في كثير من أخبار الحسد إشارة إلى ذلك.

و أمّا «الطيرة»- بفتح الياء، و قد يسكّن-: و هي في الأصل التشؤّم بالطير (2)؛ لأنّ أكثر تشؤم العرب كان به، خصوصا الغراب.

و المراد: إمّا رفع المؤاخذة عليها؛ و يؤيّده ما روي من: «أنّ الطيرة شرك و إنّما يذهبه التوكّل» (3)، و إمّا رفع أثرها؛ لأنّ التطيّر (4) كان يصدّهم عن مقاصدهم، فنفاه الشرع.

و أمّا «الوسوسة في التفكّر في الخلق» كما في النبويّ الثاني، أو «التفكّر في الوسوسة فيه» كما في الأوّل، فهما واحد، و الأوّل أنسب، و لعلّ الثاني اشتباه من الراوي.

و المراد به- كما قيل‏ (5)-: وسوسة الشيطان للانسان عند تفكّره في أمر الخلقة؛ و قد استفاضت الأخبار بالعفو عنه.

ففي صحيحة جميل بن درّاج، قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): «إنّه يقع في قلبي أمر عظيم، فقال (عليه السلام): قل: لا إله إلّا اللّه، قال جميل: فكلّما وقع في قلبي شي‏ء قلت: لا إله إلّا اللّه، فذهب عني» (6).

____________

(1) الشرائع 2: 128.

(2) انظر مجمع البحرين 3: 385 (مادة طير).

(3) البحار 58: 322، ذيل الحديث 10، مع تفاوت.

(4) كذا في (ص)، (ظ)، (ه) و محتمل (ر)، و في (ت) و محتمل (ر): «الطير».

(5) قاله المجلسي في مرآة العقول 11: 393.

(6) الوسائل 4: 1191، الباب 16 من أبواب الذكر، الحديث الأوّل.

39

و في رواية حمران عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، عن الوسوسة و إن كثرت، قال: «لا شي‏ء فيها، تقول: لا إله إلّا اللّه» (1).

و في صحيحة محمّد بن مسلم، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): «جاء رجل إلى النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)، فقال: يا رسول اللّه، إنّي هلكت، فقال (صلّى اللّه عليه و آله) له: أتاك الخبيث فقال لك: من خلقك؟ فقلت: اللّه تعالى، فقال: اللّه‏ (2) من خلقه؟ فقال: إي و الذي بعثك بالحقّ قال كذا، فقال (صلّى اللّه عليه و آله): ذاك و اللّه محض الإيمان».

قال ابن أبي عمير: فحدّثت ذلك عبد الرحمن بن الحجّاج، فقال:

حدّثني أبي، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): «إنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) إنّما عنى بقوله:" هذا محض الإيمان" خوفه أن يكون قد هلك حيث عرض في قلبه ذلك» (3).

و في رواية اخرى عنه (صلّى اللّه عليه و آله): «و الّذي بعثني بالحقّ إنّ هذا لصريح الإيمان، فإذا وجدتموه فقولوا: آمنّا باللّه و رسوله، و لا حول و لا قوّة إلّا باللّه» (4).

و في رواية اخرى عنه (صلّى اللّه عليه و آله): «إنّ الشيطان أتاكم من قبل الأعمال فلم يقو عليكم، فأتاكم من هذا الوجه لكي يستزلّكم، فإذا كان كذلك فليذكر أحدكم اللّه تعالى وحده» (5).

____________

(1) الوسائل 4: 1192، الباب 16 من أبواب الذكر، الحديث 4.

(2) كلمة «اللّه» المباركة من المصدر.

(3) الكافي 2: 425، باب الوسوسة و حديث النفس، الحديث 3.

(4) الوسائل 4: 1192، الباب 16 من أبواب الذكر، الحديث 3.

(5) الوسائل 4: 1192، الباب 16 من أبواب الذكر، الحديث 2.

40

و يحتمل أن يراد بالوسوسة في الخلق: الوسوسة في امور الناس و سوء الظنّ بهم، و هذا أنسب بقوله: «ما لم ينطق بشفة» (1).

ثمّ هذا الذي ذكرنا هو الظاهر المعروف في معنى الثلاثة الأخيرة المذكورة في الصحيحة.

و في الخصال بسند فيه رفع، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): «قال: ثلاث لم يعر منها نبيّ فمن دونه: الطيرة، و الحسد، و التفكّر في الوسوسة في الخلق» (2).

[ما ذكره الصدوق في تفسير الطيرة و الحسد و الوسوسة]

و ذكر الصدوق (رحمه اللّه) في تفسيرها (3): أنّ المراد بالطيرة التطيّر بالنبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) أو المؤمن، لا تطيّره؛ كما حكى اللّه عزّ و جلّ عن الكفّار:

قالُوا اطَّيَّرْنا بِكَ وَ بِمَنْ مَعَكَ‏ (4).

و المراد ب «الحسد» أن يحسد، لا أن يحسد؛ كما قال اللّه تعالى:

أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلى‏ ما آتاهُمُ اللَّهُ‏ (5).

و المراد ب «التفكّر» ابتلاء الأنبياء (عليهم السلام) بأهل الوسوسة، لا غير ذلك؛ كما حكى اللّه عن الوليد بن مغيرة: إِنَّهُ فَكَّرَ وَ قَدَّرَ فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (6)، فافهم.

____________

(1) كذا في (ظ) و المصدر، و في (ت)، (ر) و (ص): «بشفته»، و في (ه): «بشفتيه».

(2) الخصال: 89، باب الثلاثة، الحديث 27.

(3) نفس المصدر، ذيل الحديث المذكور.

(4) النمل: 47.

(5) النساء: 54.

(6) المدثر: 18- 19.

41

و قد خرجنا في الكلام في النبويّ الشريف عمّا يقتضيه وضع الرسالة.

[الاستدلال بحديث «الحجب» و المناقشة فيه‏]

و منها: قوله (عليه السلام): «ما حجب اللّه علمه عن العباد فهو موضوع عنهم» (1).

فإنّ المحجوب حرمة شرب التتن، فهي موضوعة عن العباد.

و فيه: أنّ الظاهر ممّا حجب اللّه علمه ما لم يبيّنه للعباد، لا ما بيّنه و اختفى عليهم بمعصية (2) من عصى اللّه في كتمان الحق أو ستره؛ فالرواية مساوقة لما ورد عن مولانا أمير المؤمنين (عليه السلام): «إنّ اللّه تعالى حدّ حدودا فلا تعتدوها، و فرض فرائض فلا تعصوها، و سكت عن أشياء لم يسكت عنها نسيانا فلا تتكلّفوها؛ رحمة من اللّه لكم» (3).

[الاستدلال بحديث «السعة» و المناقشة فيه‏]

و منها: قوله (عليه السلام): «الناس في سعة ما لم يعلموا» (4).

فإنّ كلمة «ما» إمّا موصولة اضيف إليه السعة و إمّا مصدريّة ظرفيّة، و على التقديرين يثبت المطلوب.

و فيه: ما تقدّم في الآيات‏ (5): من أنّ الأخباريين لا ينكرون عدم‏

____________

(1) الوسائل 18: 119، الباب 12 من صفات القاضي، الحديث 28.

(2) كذا في (ظ)، و في غيرها: «من معصية».

(3) نهج البلاغة: 487، الحكمة 105.

(4) عوالي اللآلي 1: 424، الحديث 109، و انظر المستدرك 18: 20، الباب 12 من أبواب مقدّمات الحدود، الحديث 4.

(5) راجع الصفحة 27.

42

وجوب الاحتياط على من لم يعلم بوجوب الاحتياط من العقل و النقل بعد التأمّل و التتبّع.

[الاستدلال برواية «عبد الأعلى» و المناقشة فيه‏]

و منها: رواية عبد الأعلى عن الصادق (عليه السلام): «قال: سألته عمّن لم يعرف شيئا، هل عليه شي‏ء؟ قال: لا» (1).

بناء على أنّ المراد بالشي‏ء الأوّل فرد معيّن مفروض في الخارج حتّى لا يفيد العموم في النفي‏ (2)، فيكون المراد: هل عليه شي‏ء في خصوص ذلك الشي‏ء المجهول؟ و أمّا بناء على إرادة العموم فظاهره السؤال عن القاصر الذي لا يدرك شيئا.

[الاستدلال برواية «أيّما امرئ ...» و المناقشة فيه‏]

و منها: قوله: «أيّما امرئ ركب أمرا بجهالة فلا شي‏ء عليه» (3).

و فيه: أنّ الظاهر من الرواية و نظائرها من قولك: «فلان عمل بكذا بجهالة» هو اعتقاد الصواب أو الغفلة عن الواقع، فلا يعمّ صورة التردّد في كون فعله صوابا أو خطأ.

و يؤيّده: أنّ تعميم الجهالة لصورة التردّد يحوج الكلام إلى التخصيص بالشاكّ الغير المقصّر، و سياقه يأبى عن التخصيص، فتأمّل.

[الاستدلال برواية «إنّ اللّه تعالى يحتجّ ...» و المناقشة فيه‏]

و منها: قوله (عليه السلام): «إنّ اللّه يحتجّ على العباد بما آتاهم و عرّفهم» (4).

____________

(1) الكافي 1: 164، باب حجج اللّه على خلقه، الحديث 2.

(2) في (ه): «المنفي».

(3) الوسائل 5: 344، الباب 30 من أبواب الخلل في الصلاة، الحديث الأوّل، مع تفاوت يسير.

(4) الكافي 1: 162، باب البيان و التعريف و لزوم الحجة، الحديث الأوّل.

43

و فيه: أنّ مدلوله- كما عرفت‏ (1) في الآيات و غير واحد من الأخبار- ممّا لا ينكره الأخباريّون.

[الاستدلال بمرسلة الفقيه‏]

و منها: قوله (عليه السلام) في مرسلة الفقيه: «كلّ شي‏ء مطلق حتّى يرد فيه نهي» (2).

استدلّ به الصدوق على جواز القنوت بالفارسية (3)، و استند إليه في أماليه حيث جعل إباحة الأشياء حتّى يثبت الحظر من دين الامامية (4).

و دلالته على المطلب أوضح من الكلّ، و ظاهره عدم وجوب الاحتياط؛ لأنّ الظاهر إرادة ورود النهي في الشي‏ء من حيث هو، لا من حيث كونه مجهول الحكم، فإن تمّ ما سيأتي من أدلّة الاحتياط (5) دلالة و سندا وجب ملاحظة التعارض بينها و بين هذه الرواية و أمثالها ممّا يدلّ على عدم وجوب الاحتياط، ثمّ الرجوع إلى ما تقتضيه‏ (6) قاعدة التعارض.

[الاستدلال بصحيحة عبد الرحمن بن الحجّاج‏]

و قد يحتجّ بصحيحة عبد الرحمن بن الحجّاج، في من تزوّج امرأة

____________

(1) راجع الصفحة 27 و 42.

(2) الفقيه 1: 317، الحديث 937. و انظر الوسائل 4: 917، الباب 19 من أبواب القنوت، الحديث 3.

(3) الفقيه 1: 317، ذيل الحديث 937.

(4) لم نعثر عليه في أمالي الصدوق، نعم ذكره (قدّس سرّه‏) في اعتقاداته، كما سيأتي في الصفحة 52.

(5) ستأتي أدلّة الاحتياط في الصفحة 62، فما بعدها.

(6) في النسخ: «يقتضيه».

44

في عدّتها: «قال: أمّا إذا كان بجهالة فليتزوّجها بعد ما تنقضي‏ (1) عدّتها، فقد يعذر الناس في الجهالة بما هو أعظم من ذلك. قلت: بأيّ الجهالتين أعذر (2)، بجهالته أنّ ذلك محرّم عليه، أم بجهالته أنّها في عدّة؟ قال:

إحدى الجهالتين أهون من الاخرى، الجهالة بأن اللّه حرّم عليه ذلك؛ و ذلك لأنّه لا يقدر معها على الاحتياط، قلت: فهو في الاخرى معذور؟ قال: نعم، إذا انقضت عدّتها فهو معذور في أن يتزوّجها» (3).

[المناقشة في الاستدلال بالصحيحة]

و فيه: أنّ الجهل بكونها في العدّة إن كان مع العلم بالعدّة في الجملة و الشكّ في انقضائها: فان كان الشك في أصل الانقضاء مع العلم بمقدارها فهو شبهة في الموضوع خارج عمّا نحن فيه، مع أنّ مقتضى الاستصحاب المركوز في الأذهان عدم الجواز.

و منه يعلم: أنّه لو كان الشكّ في مقدار العدّة فهي شبهة حكميّة قصّر في السؤال عنها، و هو ليس‏ (4) معذورا فيها (5) اتفاقا؛ و (6) لأصالة بقاء العدّة و أحكامها، بل في رواية اخرى أنّه: «إذا علمت أنّ عليها العدّة لزمتها الحجّة» (7)، فالمراد من المعذوريّة عدم حرمتها عليه مؤبّدا،

____________

(1) كذا في المصدر، و في النسخ: «ينقضي».

(2) في المصدر: «يعذر».

(3) الوسائل 14: 345، الباب 17 من ابواب ما يحرم بالمصاهرة، الحديث 4.

(4) كذا في (ظ)، و في (ر)، (ص) و (ه): «فهو ليس»، و في (ت): «و ليس».

(5) لم ترد «فيها» في (ر) و (ظ).

(6) «و» من (ت) و (ه).

(7) الوسائل 18: 396، الباب 27 من أبواب حد الزنا، الحديث 3.

45

لا من حيث المؤاخذة.

و يشهد له أيضا: قوله (عليه السلام)- بعد قوله: «نعم، أنّه إذا انقضت عدّتها فهو معذور»-: «جاز له أن يتزوّجها».

و كذا مع الجهل بأصل العدّة؛ لوجوب الفحص، و أصالة عدم تأثير العقد، خصوصا مع وضوح الحكم بين المسلمين الكاشف عن تقصير الجاهل.

هذا إن كان الجاهل ملتفتا شاكّا، و إن كان غافلا أو معتقدا للجواز فهو خارج عن مسألة البراءة؛ لعدم قدرته على الاحتياط.

و عليه يحمل تعليل معذوريّة الجاهل بالتحريم بقوله (عليه السلام): «لأنّه لا يقدر ... الخ»، و إن كان تخصيص الجاهل بالحرمة بهذا التعليل يدلّ على قدرة الجاهل بالعدّة على الاحتياط؛ فلا يجوز حمله على الغافل، إلّا أنّه إشكال يرد على الرواية على كلّ تقدير، و محصّله لزوم التفكيك بين الجهالتين، فتدبّر فيه و في دفعه.

[الاستدلال برواية «كلّ شي‏ء فيه حلال و حرام ...»]

و قد يستدلّ على المطلب‏ (1)- أخذا من الشهيد في الذكرى‏ (2)- بقوله (عليه السلام): «كلّ شي‏ء فيه حلال و حرام فهو لك حلال حتّى تعرف الحرام منه بعينه فتدعه» (3).

و تقريب الاستدلال كما في شرح الوافية، أنّ معنى الحديث: أنّ‏

____________

(1) المستدلّ هو الفاضل التوني في الوافية: 181، و كذا الفاضل النراقي في المناهج: 211.

(2) الذكرى 1: 52.

(3) الوسائل 12: 59، الباب 4 من أبواب ما يكتسب به، الحديث الأوّل.

46

كلّ فعل من جملة الأفعال التي تتّصف بالحلّ و الحرمة، و كذا كلّ عين ممّا يتعلّق به فعل المكلّف و يتّصف بالحلّ و الحرمة، إذا لم يعلم الحكم الخاصّ به من الحلّ و الحرمة، فهو حلال؛ فخرج ما لا يتّصف بهما جميعا: من الأفعال الاضطرارية، و الأعيان التي لا يتعلّق بها فعل المكلّف، و ما علم أنّه حلال لا حرام فيه أو حرام لا حلال فيه. و ليس الغرض من ذكر الوصف مجرّد الاحتراز، بل هو مع بيان ما فيه الاشتباه.

فصار الحاصل: أنّ ما اشتبه حكمه و كان محتملا لأن يكون حلالا و لأن يكون حراما فهو حلال، سواء علم حكم كليّ فوقه أو تحته- بحيث لو فرض العلم باندراجه تحته أو تحقّقه في ضمنه لعلم حكمه- أم لا.

و بعبارة اخرى: أنّ كلّ شي‏ء فيه الحلال و الحرام عندك- بمعنى أنّك تقسّمه إلى هذين و تحكم عليه بأحدهما لا على التعيين و لا تدري المعيّن منهما- فهو لك حلال.

فيقال حينئذ: إنّ الرواية صادقة على مثل اللحم المشترى من السوق المحتمل للمذكّى و الميتة، و على شرب التتن، و على لحم الحمير إن لم نقل بوضوحه و شككنا فيه؛ لأنّه يصدق على كلّ منها أنّه شي‏ء فيه حلال و حرام عندنا، بمعنى أنّه يجوز لنا أن نجعله مقسما لحكمين، فنقول: هو إمّا حلال و إمّا حرام، و أنّه يكون من جملة الأفعال التي يكون بعض أنواعها أو أصنافها حلالا و بعضها حراما، و اشتركت في أنّ الحكم الشرعيّ المتعلّق بها غير معلوم‏ (1)، انتهى.

____________

(1) شرح الوافية (مخطوط): 247- 248، مع تفاوت كثير.

47

[المناقشة في الاستدلال‏]

أقول: الظاهر أنّ المراد بالشي‏ء ليس هو خصوص المشتبه، كاللحم المشترى و لحم الحمير على ما مثّله‏ (1) بهما؛ إذ لا يستقيم إرجاع الضمير في «منه» إليهما (2)، لكن لفظة «منه» ليس في بعض النسخ.

و أيضا: الظاهر أنّ المراد بقوله (عليه السلام): «فيه حلال و حرام» كونه منقسما إليهما، و وجود القسمين فيه بالفعل، لا مردّدا بينهما؛ إذ لا تقسيم مع الترديد أصلا، لا ذهنا و لا خارجا. و كون الشي‏ء مقسما لحكمين- كما ذكره المستدلّ- لم يعلم له معنى محصّل، خصوصا مع قوله (قدّس سرّه‏): إنّه يجوز ذلك؛ لأنّ التقسيم إلى الحكمين الذي هو في الحقيقة ترديد لا تقسيم، أمر لازم قهريّ لا جائز لنا.

و على ما ذكرنا، فالمعنى- و اللّه العالم-: أنّ كلّ كلّيّ فيه قسم حلال و قسم حرام- كمطلق لحم الغنم المشترك بين المذكّى و الميتة- فهذا الكلّي لك حلال إلى أن تعرف القسم الحرام معيّنا في الخارج فتدعه.

و على الاستخدام يكون المراد: أنّ كلّ جزئيّ خارجيّ في نوعه القسمان المذكوران، فذلك الجزئيّ لك حلال حتّى تعرف القسم الحرام من ذلك الكلّي في الخارج فتدعه.

و على أيّ تقدير فالرواية مختصّة بالشبهة في الموضوع.

و أمّا ما ذكره المستدلّ من أنّ المراد من وجود الحلال و الحرام فيه احتماله و صلاحيته لهما، فهو مخالف لظاهر القضيّة، و لضمير «منه» و لو على الاستخدام.

____________

(1) في (ه): «مثّل».

(2) في (ص): «إليه».

48

ثم الظاهر: أنّ ذكر هذا القيد مع تمام الكلام بدونه- كما في قوله (عليه السلام) في رواية اخرى: «كلّ شي‏ء لك حلال حتّى تعرف أنّه حرام» (1)- بيان منشأ الاشتباه الذي يعلم من قوله (عليه السلام): «حتّى تعرف»، كما أنّ الاحتراز عن المذكورات في كلام المستدل أيضا يحصل بذلك.

و منه يظهر: فساد ما انتصر بعض المعاصرين‏ (2) للمستدلّ- بعد الاعتراف بما ذكرنا، من ظهور القضيّة في الانقسام الفعليّ؛ فلا يشمل مثل شرب التتن-: من أنّا نفرض شيئا له قسمان حلال و حرام، و اشتبه قسم ثالث منه كاللحم، فإنّه شي‏ء فيه حلال و هو لحم الغنم و حرام و هو لحم الخنزير، فهذا الكلّي المنقسم حلال، فيكون لحم الحمار حلالا حتّى تعرف حرمته‏ (3).

وجه الفساد: أنّ وجود القسمين في اللحم ليس منشأ لاشتباه لحم الحمار، و لا دخل له في هذا الحكم أصلا، و لا في تحقّق الموضوع، و تقييد الموضوع بقيد أجنبيّ لا دخل له في الحكم و لا في تحقّق الموضوع، مع خروج بعض الأفراد منه مثل شرب التتن- حتّى احتاج هذا المنتصر إلى إلحاق مثله بلحم الحمار و شبهه ممّا يوجد في نوعه قسمان معلومان، بالإجماع المركّب-، مستهجن جدّا لا ينبغي صدوره من متكلّم فضلا عن الإمام (عليه السلام).

____________

(1) الوسائل 12: 60، الباب 4 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 4، مع تفاوت.

(2) هو الفاضل النراقي (قدّس سرّه‏) في المناهج.

(3) مناهج الأحكام: 212.

49

هذا، مع أنّ اللازم ممّا ذكر (1) عدم الحاجة إلى الإجماع المركّب، فإنّ الشرب فيه قسمان: شرب الماء و شرب البنج، فشرب التتن كلحم الحمار بعينه، و هكذا جميع الافعال المجهولة الحكم.

و أمّا الفرق بين الشرب و اللحم بأنّ الشرب جنس بعيد لشرب التتن بخلاف اللحم، فممّا لا ينبغي أن يصغى إليه.

هذا كلّه، مضافا إلى أنّ الظاهر من قوله: «حتّى تعرف الحرام منه» معرفة ذلك الحرام الذي فرض وجوده في الشي‏ء، و معلوم أنّ معرفة لحم الخنزير و حرمته لا يكون غاية لحلّية لحم الحمار.

و قد أورد على الاستدلال‏ (2):

بلزوم استعمال قوله (عليه السلام): «فيه حلال و حرام» في معنيين:

أحدهما: أنّه قابل للاتصاف بهما- و بعبارة اخرى: يمكن تعلّق الحكم الشرعيّ به- ليخرج ما لا يقبل الاتصاف بشي‏ء منهما.

و الثاني: أنّه ينقسم إليهما و يوجد النوعان فيه إمّا في نفس الأمر أو عندنا، و هو غير جائز.

و بلزوم استعمال قوله (عليه السلام): «حتّى تعرف الحرام منه بعينه» في المعنيين أيضا؛ لأنّ المراد حتّى تعرف من الأدلّة الشرعيّة «الحرمة» (3)، إذا اريد معرفة الحكم المشتبه، و حتّى تعرف من الخارج- من بيّنة أو غيرها- «الحرمة»، إذا اريد معرفة الموضوع المشتبه فليتأمّل‏ (4)، انتهى.

____________

(1) في (ه): «ممّا ذكره».

(2) المورد هو المحقّق القمي (قدّس سرّه‏) في القوانين 2: 19.

(3) «الحرمة» من المصدر.

(4) القوانين 2: 259.

50

و ليته أمر بالتأمّل في الإيراد الأوّل أيضا، و يمكن إرجاعه إليهما معا، و هو الأولى.

هذه جملة ما استدلّ به من الأخبار.

[المحصّل من الأخبار المستدلّ بها على البراءة]

و الإنصاف: ظهور بعضها في الدلالة على عدم وجوب الاحتياط في ما لا نصّ فيه في الشبهة (1)، بحيث لو فرض تماميّة الأخبار الآتية للاحتياط (2) وقعت المعارضة بينها، لكن بعضها غير دالّ إلّا على عدم وجوب الاحتياط لو لم يرد أمر عامّ به، فلا يعارض‏ (3) ما سيجي‏ء من أخبار الاحتياط لو نهضت للحجيّة سندا و دلالة.

[الاستدلال على البراءة بالإجماع:]

و أمّا الإجماع:

فتقريره من‏ (4) وجهين:

الأوّل: دعوى إجماع العلماء كلّهم- من المجتهدين و الأخباريّين- على أنّ الحكم في ما لم يرد فيه دليل عقليّ أو نقليّ على تحريمه‏

من حيث هو و لا على تحريمه‏ (5) من حيث إنّه مجهول الحكم، هي البراءة و عدم العقاب على الفعل.

و هذا الوجه لا ينفع إلّا بعد عدم تماميّة ما ذكر من الدليل العقليّ‏

____________

(1) في (ص) زيادة: «التحريميّة».

(2) ستأتي في الصفحة 64- 67، 76- 78 و 82.

(3) في (ر) و (ظ): «فلا تعارض».

(4) في (ر) و (ص): «على».

(5) لم ترد «من حيث هو و لا على تحريمه» في (ر).

51

و النقليّ للحظر و الاحتياط، فهو نظير حكم العقل الآتي‏ (1).

الثاني: دعوى الإجماع على أنّ الحكم في ما لم يرد دليل على تحريمه من حيث هو

، هو (2) عدم وجوب الاحتياط و جواز الارتكاب.

و تحصيل الإجماع بهذا النحو من وجوه:

الأوّل: ملاحظة فتاوى العلماء في موارد الفقه:

فإنّك لا تكاد تجد من زمان المحدّثين إلى زمان أرباب التصنيف في الفتوى من يعتمد على حرمة شي‏ء من الأفعال بمجرّد الاحتياط.

نعم، ربما يذكرونه في طيّ الاستدلال في جميع الموارد، حتّى في الشبهة الوجوبيّة التي اعترف القائلون بالاحتياط هنا (3) بعدم وجوبه فيها.

و لا بأس بالاشارة إلى من وجدنا في كلماتهم ما هو ظاهر في هذا القول.

فمنهم: ثقة الإسلام الكلينيّ (قدّس سرّه‏)؛ حيث صرّح في ديباجة الكافي:

بأنّ الحكم في ما اختلف فيه الأخبار التخيير (4)، و لم يلزم‏ (5) الاحتياط مع ما ورد (6) من الأخبار بوجوب الاحتياط في ما تعارض فيه النصّان‏

____________

(1) في الصفحة 56.

(2) لم ترد «هو» في (ت) و (ر).

(3) «هنا» من (ظ).

(4) الكافي 1: 9.

(5) في (ت) و (ه): «و لم يلتزم».

(6) في (ظ) زيادة: «فيه».

52

و ما (1) لم يرد فيه‏ (2) نصّ بوجوبه في خصوص ما لا نصّ فيه.

فالظاهر: أنّ كلّ من قال بعدم وجوب الاحتياط هناك قال به هنا.

و منهم: الصدوق؛ فإنّه قال: اعتقادنا أنّ الأشياء على الإباحة حتّى يرد النهي‏ (3).

و يظهر من هذا موافقة والده و مشايخه؛ لأنّه لا يعبّر بمثل هذه العبارة مع مخالفته لهم، بل ربما يقول: «الذي أعتقده و افتي به»، و استظهر (4) من عبارته هذه: أنّه من دين الاماميّة (5).

و أمّا السيّدان: فقد صرّحا باستقلال العقل بإباحة ما لا طريق إلى كونه مفسدة (6)، و صرّحا أيضا في مسألة العمل بخبر الواحد: أنّه متى فرضنا عدم الدليل على حكم الواقعة رجعنا فيها إلى حكم العقل‏ (7).

و أمّا الشيخ (قدّس سرّه‏): فإنّه و إن ذهب وفاقا لشيخه المفيد (قدّس سرّه‏) إلى أنّ الأصل في الأشياء من طريق العقل الوقف‏ (8)، إلّا أنّه صرّح في العدة:

بأنّ حكم الأشياء من طريق العقل و إن كان هو الوقف، لكنه لا يمتنع‏

____________

(1) لم ترد «ما» في (ت)، (ر) و (ه).

(2) لم ترد «فيه» في (ت) و (ر).

(3) الاعتقادات للشيخ الصدوق، المطبوع ضمن مصنفات الشيخ المفيد 5: 114.

(4) في (ص): «بل استظهر».

(5) استظهره المحقّق القمّي في القوانين 2: 16.

(6) الذريعة 2: 809- 812، و الغنية (الجوامع الفقهية): 486.

(7) انظر الذريعة 2: 549، و الغنية (الجوامع الفقهية): 476.

(8) العدّة 2: 742، و انظر التذكرة باصول الفقه (مصنفات الشيخ المفيد): 43.

53

أن يدلّ دليل سمعيّ على أنّ الأشياء على الإباحة بعد أن كانت على الوقف، بل عندنا الأمر كذلك و إليه نذهب‏ (1)، انتهى.

و أمّا من تأخّر عن الشيخ (قدّس سرّه‏)، كالحلّي‏ (2) و المحقّق‏ (3) و العلّامة (4) و الشهيدين‏ (5) و غيرهم‏ (6): فحكمهم بالبراءة يعلم من مراجعة كتبهم.

و بالجملة: فلا نعرف قائلا معروفا بالاحتياط و إن كان ظاهر المعارج نسبته إلى جماعة (7).

ثمّ إنّه ربما نسب إلى المحقّق (قدّس سرّه‏) رجوعه عمّا في المعارج إلى ما في المعتبر (8): من التفصيل بين ما يعمّ به البلوى و غيره و أنّه لا يقول بالبراءة في الثاني. و سيجي‏ء الكلام في هذه النسبة بعد ذكر الأدلّة إن شاء اللّه‏ (9).

و ممّا ذكرنا يظهر: أنّ تخصيص بعض القول بالبراءة بمتأخّري الإماميّة مخالف للواقع‏ (10)، و كأنّه ناش عمّا رأى من السيّد و الشيخ من‏

____________

(1) العدّة 2: 750.

(2) السرائر 1: 46.

(3) المعارج: 212، و انظر المعتبر 1: 32.

(4) نهاية الوصول (مخطوط): 424.

(5) الذكرى 1: 52، و القواعد و الفوائد 1: 132، و تمهيد القواعد: 271.

(6) مثل الوحيد البهبهاني في الرسائل الاصوليّة: 353.

(7) المعارج: 203 و 216.

(8) الناسب هو المحقّق القمي في القوانين 2: 15، و انظر المعتبر 1: 32.

(9) انظر الصفحة 93.

(10) التخصيص من الشيخ حسين الكركي في كتاب هداية الأبرار: 266.

54

التمسّك بالاحتياط في كثير من الموارد؛ و يؤيّده ما في المعارج: من نسبة القول برفع الاحتياط على الإطلاق إلى جماعة (1).

الثاني: الإجماعات المنقولة و الشهرة المحقّقة

، فإنّها قد تفيد القطع بالاتّفاق.

و ممّن استظهر منه دعوى ذلك: الصدوق (رحمه اللّه) في عبارته المتقدّمة (2) عن اعتقاداته.

و ممّن ادّعى اتّفاق المحصلين عليه: الحلّيّ في أوّل السرائر؛ حيث قال بعد ذكر الكتاب و السنّة و الإجماع: إنّه إذا فقدت الثلاثة فالمعتمد في المسألة الشرعيّة عند المحقّقين الباحثين عن مأخذ الشريعة، التمسّك بدليل العقل‏ (3)، انتهى. و مراده بدليل العقل- كما يظهر من تتبّع كتابه- هو أصل البراءة.

و ممّن ادّعى إطباق العلماء: المحقّق في المعارج في باب الاستصحاب‏ (4)، و عنه في المسائل المصريّة أيضا في توجيه نسبة السيّد إلى مذهبنا جواز إزالة النجاسة بالمضاف مع عدم ورود نص فيه: أنّ من أصلنا العمل بالأصل حتّى يثبت الناقل، و لم يثبت المنع عن إزالة النجاسة بالمائعات‏ (5).

____________

(1) المعارج: 216.

(2) راجع الصفحة 43.

(3) السرائر 1: 46.

(4) المعارج: 208.

(5) المسائل المصريّة (الرسائل التسع): 216.