فرائد الأصول - ج3

- الشيخ مرتضى الأنصاري المزيد...
439 /
5

بسم اللّه الرحمن الرحيم‏

6

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

7

المقام الثّاني في الاستصحاب‏

8

بسم اللّه الرحمن الرحيم‏

الحمد للّه ربّ العالمين، و الصلاة و السلام على خير خلقه محمّد و آله الطاهرين، و لعنة اللّه على أعدائهم أجمعين إلى يوم الدين.

9

المقام الثاني‏ (1) في الاستصحاب‏

[تعاريف الاستصحاب:]

[الاستصحاب لغة و اصطلاحا]

و هو لغة: أخذ الشي‏ء مصاحبا (2)، و منه: استصحاب أجزاء ما لا يؤكل لحمه في الصلاة.

و عند الاصوليّين عرّف بتعاريف، أسدّها و أخصرها: «إبقاء ما كان» (3)، و المراد بالإبقاء الحكم بالبقاء، و دخل الوصف في الموضوع مشعر بعلّيته للحكم، فعلّة الإبقاء هو أنّه‏ (4) كان، فيخرج إبقاء الحكم لأجل وجود علّته أو دليله.

و إلى ما ذكرنا يرجع تعريفه في الزبدة بأنّه: «إثبات الحكم في الزمان الثاني تعويلا على ثبوته في الزمان الأوّل» (5)، بل نسبه شارح‏

____________

(1) من المقامين المذكورين في مبحث البراءة 2: 14.

(2) لم نعثر على هذا التعريف بلفظه في كتب اللغة، ففي القاموس: «استصحبه:

دعاه إلى الصحبة و لازمه»، و في المصباح: «كلّ شي‏ء لازم شيئا فقد استصحبه، و استصحبت الكتاب و غيره: حملته صحبتي»، و كذا في الصحاح و مجمع البحرين، مادة «صحب».

(3) انظر مناهج الأحكام: 223، و كذا ضوابط الاصول: 346.

(4) في (ص): «أن».

(5) الزبدة: 72- 73.

10

الدروس إلى القوم، فقال: إنّ القوم ذكروا أنّ الاستصحاب إثبات حكم في زمان لوجوده في زمان سابق عليه‏ (1).

[تعريف صاحب القوانين و المناقشة فيه:]

و أزيف التعاريف تعريفه بأنّه: «كون حكم أو وصف يقينيّ الحصول في الآن السابق مشكوك البقاء في الآن اللاحق» (2)؛ إذ لا يخفى أنّ كون حكم أو وصف كذلك، هو محقّق مورد الاستصحاب و محلّه، لا نفسه. و لذا صرّح في المعالم- كما عن غاية المأمول‏ (3)-: بأنّ استصحاب الحال، محلّه أن يثبت حكم في وقت، ثمّ يجي‏ء وقت آخر، و لا يقوم دليل على انتفاء ذلك الحكم، فهل يحكم ببقائه على ما كان، و هو الاستصحاب؟ (4) انتهى.

[توجيه تعريف القوانين:]

و يمكن توجيه التعريف المذكور: بأنّ المحدود هو الاستصحاب المعدود من الأدلّة، و ليس الدليل إلّا ما أفاد العلم أو الظنّ بالحكم، و المفيد للظنّ بوجود الحكم في الآن اللاحق ليس إلّا كونه يقينيّ الحصول في الآن السابق، مشكوك البقاء في الآن اللاحق؛ فلا مناص عن تعريف الاستصحاب المعدود من الأمارات إلّا (5) بما ذكره (قدّس سرّه‏).

[عدم تمامية التوجيه المذكور:]

لكن فيه: أنّ الاستصحاب- كما صرّح به هو (قدّس سرّه‏) في أوّل كتابه‏ (6)-

____________

(1) مشارق الشموس: 76، و فيه: «إثبات حكم شرعيّ ... الخ».

(2) هذا التعريف للمحقّق القمّي في القوانين 2: 53.

(3) غاية المأمول في شرح زبدة الاصول للفاضل الجواد (مخطوط): الورقة 128، و حكاه عنه السيّد المجاهد في مفاتيح الاصول: 634.

(4) المعالم: 231.

(5) لم ترد «إلّا» في (ت) و (ه).

(6) القوانين 1: 9.

11

إن اخذ من العقل كان داخلا في دليل العقل‏ (1)، و إن اخذ من الأخبار فيدخل في السنّة، و على كلّ تقدير، فلا يستقيم تعريفه بما ذكره؛ لأنّ دليل العقل هو حكم عقليّ يتوصّل به إلى حكم شرعيّ، و ليس هنا إلّا حكم العقل ببقاء ما كان على ما كان‏ (2)، و المأخوذ من السنّة ليس إلّا وجوب الحكم ببقاء ما كان على ما كان، فكون الشي‏ء معلوما سابقا مشكوكا فيه لاحقا (3) لا ينطبق على الاستصحاب بأحد الوجهين.

[تعريف شارح المختصر:]

نعم ذكر شارح المختصر: «أنّ معنى استصحاب الحال أنّ الحكم الفلاني قد كان و لم يظنّ عدمه، و كلّ ما كان كذلك فهو مظنون البقاء» (4).

فإن كان الحدّ هو خصوص الصغرى انطبق على التعريف المذكور، و إن جعل خصوص الكبرى انطبق على تعاريف‏ (5) المشهور.

[تعريف صاحب الوافية:]

و كأنّ صاحب الوافية استظهر منه‏ (6) كون التعريف مجموع المقدّمتين، فوافقه في ذلك، فقال: الاستصحاب هو التمسّك بثبوت ما ثبت في وقت أو حال على بقائه فيما بعد ذلك الوقت أو في غير تلك الحال، فيقال:

____________

(1) كذا في (ر) و (ظ)، و في غيرهما: «الدليل العقلي».

(2) لم ترد «على ما كان» في (ر).

(3) «لاحقا» من (ه).

(4) شرح مختصر الاصول 2: 453.

(5) في (ت) و (ه): «تعريف».

(6) لم ترد «منه» في (ظ).

12

إنّ الأمر الفلاني قد كان و لم يعلم عدمه، و كلّ ما كان كذلك فهو باق‏ (1)، انتهى. و لا ثمرة مهمّة في ذلك.

____________

(1) الوافية: 200.

13

بقي الكلام في امور:

[الأمر] الأوّل [: هل الاستصحاب أصل عمليّ أو أمارة ظنّية؟]

أنّ عدّ الاستصحاب من الأحكام الظاهريّة الثابتة للشي‏ء بوصف كونه مشكوك الحكم- نظير أصل البراءة و قاعدة الاشتغال- مبنيّ على استفادته من الأخبار، و أمّا بناء على كونه من أحكام العقل فهو دليل ظنّيّ اجتهاديّ، نظير القياس و الاستقراء، على القول بهما.

[المختار كونه من الاصول العمليّة:]

و حيث إنّ المختار عندنا هو الأوّل، ذكرناه في الاصول العمليّة المقرّرة للموضوعات بوصف كونها مشكوكة الحكم، لكن ظاهر كلمات الأكثر- كالشيخ‏ (1) و السيّدين‏ (2) و الفاضلين‏ (3) و الشهيدين‏ (4) و صاحب المعالم‏ (5)-

____________

(1) العدّة 2: 758.

(2) السيّد المرتضى في الذريعة 2: 829- 832، و السيّد ابن زهرة في الغنية (الجوامع الفقهيّة): 486.

(3) المحقّق في المعارج: 206- 208، و المعتبر 1: 32، و العلّامة في مبادئ الوصول:

250 و 251، و تهذيب الوصول: 105، و نهاية الوصول (مخطوط): 407.

(4) الشهيد الأوّل في الذكرى 1: 53، و القواعد و الفوائد 1: 132، و الشهيد الثاني في تمهيد القواعد: 271.

(5) المعالم: 233- 234.

14

كونه حكما عقليّا؛ و لذا لم يتمسّك أحد (1) هؤلاء فيه بخبر من الأخبار.

نعم، ذكر في العدّة (2)- انتصارا للقائل بحجّيته- ما روي عن النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) من: «أنّ الشيطان ينفخ‏ (3) بين أليتي المصلّي فلا ينصرفنّ أحدكم إلّا بعد أن يسمع صوتا أو يجد ريحا» (4).

و من العجب أنّه انتصر بهذا الخبر الضعيف المختصّ بمورد خاصّ، و لم يتمسّك بالأخبار الصحيحة العامّة المعدودة- في حديث الأربعمائة- من أبواب العلوم‏ (5).

و أوّل من تمسّك بهذه الأخبار- فيما وجدته- والد الشيخ البهائي (قدّس سرّه‏)، فيما حكي عنه في العقد الطهماسبي‏ (6)، و تبعه صاحب الذخيرة (7) و شارح الدروس‏ (8)، و شاع بين من تأخّر عنهم‏ (9).

____________

(1) في (ت) و (ه) زيادة: «من».

(2) العدّة 2: 757- 758.

(3) في العدّة هكذا: «إنّ الشيطان يأتي أحدكم فينفخ بين أليتيه، فيقول: أحدثت أحدثت، فلا ينصرفنّ حتّى يسمع صوتا أو يجد ريحا».

(4) لم نعثر عليه بعينه في المجاميع الحديثية من الخاصّة و العامّة. نعم، ورد ما يقرب منه في عوالي اللآلي 1: 380، الحديث الأوّل.

(5) الوسائل 1: 175، الباب 1 من أبواب نواقض الوضوء، الحديث 6، و انظر الخصال: 609- 637.

(6) العقد الطهماسبي (مخطوط): الورقة 28.

(7) الذخيرة: 44 و 115- 116.

(8) مشارق الشموس: 76 و 141- 142.

(9) كما في الحدائق 1: 142- 143، و الفصول: 370، و القوانين 2: 55.

15

نعم، ربما يظهر من الحلّي في السرائر (1) الاعتماد على هذه الأخبار؛ حيث عبّر عن استصحاب نجاسة الماء المتغيّر بعد زوال تغيّره من قبل نفسه، ب: «عدم نقض اليقين إلّا باليقين» (2). و هذه العبارة، الظاهر (3) أنّها مأخوذة من الأخبار.

____________

(1) السرائر 1: 62.

(2) كذا في (ص) و (ه)، و في غيرهما بدل «عدم نقض اليقين إلّا باليقين»:

«بنقض اليقين باليقين».

(3) في (ر): «ظاهرة في»، و في (ص): «ظاهرة».

16

[الأمر] الثاني [: الوجه في عدّ الاستصحاب من الأدلّة العقليّة]

أنّ عدّ الاستصحاب- على تقدير اعتباره من باب إفادة الظنّ- من الأدلّة العقليّة، كما فعله غير واحد منهم؛ باعتبار أنّه حكم عقليّ يتوصّل به إلى حكم شرعيّ بواسطة خطاب الشارع، فنقول: إنّ الحكم الشرعي الفلاني ثبت سابقا و لم يعلم ارتفاعه، و كلّ ما كان كذلك فهو باق، فالصغرى شرعيّة، و الكبرى عقليّة ظنّية، فهو و القياس و الاستحسان و الاستقراء (1)- نظير المفاهيم و الاستلزامات- من العقليّات الغير المستقلّة.

____________

(1) لم ترد «و الاستقراء» في (ظ) و (ه)، و شطب عليها في (ت).

17

[الأمر] الثالث [: هل الاستصحاب مسألة اصوليّة أو فقهيّة؟]

أنّ مسألة الاستصحاب على القول بكونه من الأحكام العقليّة مسألة اصوليّة يبحث فيها عن كون الشي‏ء دليلا على الحكم الشرعيّ، نظير حجّية القياس و الاستقراء.

[بناء على كونه حكما عقليا فهو مسألة اصوليّة:]

نعم، يشكل ذلك بما ذكره المحقّق القمّي (قدّس سرّه‏) في القوانين و حاشيته:

من أنّ مسائل الاصول ما يبحث فيها عن حال الدليل بعد الفراغ عن كونه دليلا، لا عن دليليّة الدليل‏ (1).

و على ما ذكره (قدّس سرّه‏)، فيكون مسألة الاستصحاب- كمسائل حجّية الأدلّة الظنّية، كظاهر الكتاب و خبر الواحد و نحوهما- من المبادئ التصديقيّة للمسائل الاصوليّة، و حيث لم تتبيّن في علم آخر احتيج إلى بيانها في نفس العلم، كأكثر المبادئ التصوّريّة.

نعم ذكر بعضهم‏ (2): أنّ موضوع الاصول‏ (3) ذوات الأدلّة من حيث‏

____________

(1) لم نقف عليه في القوانين، نعم ذكر ذلك في حاشيته، انظر القوانين (طبعة 1291) 1: 6، الحاشية المبدوّة بقوله: «موضوع العلم هو ما يبحث فيه ... الخ».

(2) هو صاحب الفصول في الفصول: 12.

(3) في (ت) و (ه) زيادة: «هي».

18

يبحث عن دليليّتها أو عمّا يعرض لها بعد الدليليّة.

و لعلّه موافق لتعريف الاصول بأنّه: «العلم بالقواعد الممهّدة لاستنباط الأحكام الفرعيّة من أدلّتها» (1).

[بناء على كونه من الاصول العمليّة ففي كونه من المسائل الاصوليّة غموض:]

و (2) أمّا على القول بكونه من الاصول العمليّة، ففي كونه من المسائل الاصوليّة غموض؛ من حيث إنّ‏ (3) الاستصحاب حينئذ قاعدة مستفادة من السنّة، و ليس التكلّم فيه تكلّما في أحوال السنّة، بل هو نظير سائر القواعد المستفادة من الكتاب و السنّة، و المسألة الاصوليّة هي التي بمعونتها يستنبط هذه القاعدة من قولهم (عليهم السلام): «لا تنقض اليقين بالشكّ»، و هي المسائل الباحثة عن أحوال طريق الخبر و عن أحوال الألفاظ الواقعة فيه، فهذه القاعدة- كقاعدة «البراءة» و «الاشتغال»- نظير قاعدة «نفي الضرر و الحرج»، من القواعد الفرعيّة المتعلّقة بعمل المكلّف. نعم، تندرج تحت هذه القاعدة مسألة اصوليّة يجري فيها الاستصحاب، كما تندرج المسألة الاصوليّة أحيانا تحت أدلّة نفي الحرج‏ (4)، كما ينفى وجوب الفحص عن المعارض حتّى يقطع بعدمه بنفي الحرج.

[الإشكال في كون الاستصحاب من المسائل الفرعية:]

نعم، يشكل كون الاستصحاب من المسائل الفرعيّة: بأنّ إجراءها في موردها (5)- أعني: صورة الشكّ في بقاء الحكم الشرعي السابق، كنجاسة الماء المتغيّر بعد زوال تغيّره- مختصّ بالمجتهد و ليس وظيفة

____________

(1) كما في الفصول: 9، و مناهج الأحكام: 1.

(2) «الواو» من (ت).

(3) في (ر) و (ص) بدل «من حيث إنّ»: «لأنّ».

(4) في (ظ): «نفي الضرر و الحرج».

(5) كذا في النسخ، و المناسب: «بأنّ إجراءه في مورده»، كما لا يخفى.

19

للمقلّد (1)، فهي ممّا يحتاج إليه المجتهد فقط و لا ينفع للمقلّد، و هذا من خواصّ المسألة الاصوليّة؛ فإنّ المسائل الاصوليّة لمّا مهّدت للاجتهاد و استنباط الأحكام من الأدلّة اختصّ التكلّم فيها بالمستنبط، و لا حظّ لغيره فيها.

فإن قلت: إنّ اختصاص هذه المسألة بالمجتهد؛ لأجل أنّ موضوعها- و هو الشكّ في الحكم الشرعيّ و عدم قيام الدليل الاجتهادي عليه- لا يتشخّص إلّا للمجتهد، و إلّا فمضمونه و هو: العمل على طبق الحالة السابقة و ترتيب آثارها، مشترك بين المجتهد و المقلّد.

قلت: جميع المسائل الاصوليّة كذلك؛ لأنّ وجوب العمل بخبر الواحد و ترتيب آثار الصدق عليه ليس مختصّا بالمجتهد. نعم، تشخيص مجرى خبر الواحد و تعيين مدلوله و تحصيل شروط العمل به مختصّ بالمجتهد؛ لتمكّنه من ذلك و عجز المقلّد عنه، فكأنّ المجتهد نائب عن المقلّد (2) في تحصيل مقدّمات العمل بالأدلّة الاجتهاديّة و تشخيص مجاري الاصول العمليّة، و إلّا فحكم اللّه الشرعيّ في الاصول و الفروع مشترك بين المجتهد و المقلّد.

[كلام السيد بحر العلوم فيما يرتبط بالمقام:]

هذا، و قد جعل بعض السادة الفحول‏ (3) الاستصحاب دليلا على الحكم في مورده، و جعل قولهم (عليهم السلام): «لا تنقض اليقين بالشكّ» دليلا على الدليل- نظير آية النبأ بالنسبة إلى خبر الواحد- حيث قال:

____________

(1) في (ظ): «المقلّد».

(2) في (ت)، (ظ) و (ه) بدل «عن المقلّد»: «عنه».

(3) هو السيّد بحر العلوم في فوائده.

20

إنّ استصحاب الحكم المخالف للأصل في شي‏ء، دليل شرعيّ رافع لحكم الأصل، و مخصّص لعمومات الحلّ- إلى أن قال في آخر كلام له سيأتي نقله‏ (1)-: و ليس عموم قولهم (عليهم السلام): «لا تنقض اليقين بالشكّ» بالقياس إلى أفراد الاستصحاب و جزئيّاته، إلّا كعموم آية النبأ بالقياس إلى آحاد الأخبار المعتبرة (2)، انتهى.

[المناقشة فيما أفاده بحر العلوم:]

أقول: معنى الاستصحاب الجزئيّ في المورد الخاصّ- كاستصحاب نجاسة الماء المتغيّر- ليس إلّا الحكم بثبوت النجاسة في ذلك الماء النجس سابقا، و هل هذا إلّا نفس الحكم الشرعي؟! و هل الدليل عليه إلّا قولهم (عليهم السلام): «لا تنقض اليقين بالشكّ» (3)؟! و بالجملة: فلا فرق بين الاستصحاب و سائر القواعد المستفادة من العمومات.

هذا كلّه في الاستصحاب الجاري في الشبهة الحكميّة المثبت للحكم الظاهري الكلّي.

[الاستصحاب الجاري في الشبهة الموضوعيّة:]

و أمّا الجاري في الشبهة الموضوعيّة- كعدالة زيد و نجاسة ثوبه و فسق عمرو و طهارة بدنه- فلا إشكال في كونه حكما فرعيّا، سواء كان التكلّم فيه من باب الظنّ، أم كان من باب كونها قاعدة تعبّديّة مستفادة من الأخبار؛ لأنّ التكلّم فيه على الأوّل، نظير التكلّم في اعتبار سائر الأمارات، ك «يد المسلمين» و «سوقهم» و «البيّنة» و «الغلبة» و نحوها في الشبهات الخارجيّة. و على الثاني، من باب أصالة الطهارة و عدم الاعتناء بالشكّ بعد الفراغ، و نحو ذلك.

____________

(1) انظر الصفحة 276 و 277.

(2) فوائد السيد بحر العلوم: 116- 117.

(3) الوسائل 1: 174، الباب 1 من أبواب نواقض الوضوء، الحديث الأوّل.

21

[الأمر] الرابع [: مناط الاستصحاب بناء على كونه من باب التعبّد]

أنّ المناط في اعتبار الاستصحاب على القول بكونه من باب التعبّد الظاهري‏ (1)، هو مجرّد عدم العلم بزوال الحالة السابقة.

[ليس المناط الظنّ الشخصي بناء على كونه من باب الظنّ:]

و أمّا على القول بكونه من باب الظنّ، فالمعهود من طريقة الفقهاء عدم اعتبار إفادة الظنّ في خصوص المقام؛ كما يعلم ذلك من حكمهم بمقتضيات الاصول كلّية مع عدم اعتبارهم أن يكون العامل بها ظانّا ببقاء الحالة السابقة (2)، و يظهر ذلك بأدنى تتبّع‏ (3) في أحكام العبادات و المعاملات و المرافعات و السياسات.

[كلام الشيخ البهائي في أن المناط الظن الشخصي:]

نعم، ذكر شيخنا البهائي (قدّس سرّه‏) في الحبل المتين- في باب الشكّ في الحدث بعد الطهارة- ما يظهر منه اعتبار الظنّ الشخصيّ، حيث قال:

لا يخفى أنّ الظنّ الحاصل بالاستصحاب في من تيقّن الطهارة و شكّ في الحدث، لا يبقى على نهج واحد، بل يضعف بطول المدّة شيئا

____________

(1) لم ترد «الظاهري» في (ظ).

(2) انظر الجواهر 2: 347.

(3) كذا في (ه) و (ت)، و في غيرهما: «لأدنى متتبّع».

22

فشيئا، بل قد يزول الرجحان و يتساوى الطرفان، بل ربما يصير الراجح مرجوحا، كما إذا توضّأ عند الصبح و ذهل عن التحفّظ، ثمّ شكّ عند المغرب في صدور الحدث منه، و لم يكن من عادته البقاء على الطهارة إلى ذلك الوقت. و الحاصل: أنّ المدار على الظنّ، فما دام باقيا فالعمل عليه و إن ضعف‏ (1). انتهى كلامه، رفع في الخلد مقامه.

[ظاهر شارح الدروس ارتضاؤه ذلك:]

و يظهر من شارح الدروس ارتضاؤه؛ حيث قال بعد حكاية هذا الكلام:

و لا يخفى أنّ هذا إنّما يصحّ لو بنى المسألة على أنّ ما تيقّن بحصوله في وقت و لم يعلم أو يظنّ طروّ ما يزيله، يحصل الظنّ ببقائه، و الشكّ في نقيضه لا يعارضه؛ إذ الضعيف لا يعارض القويّ.

لكن، هذا البناء ضعيف جدّا، بل بناؤها على الروايات مؤيّدة بأصالة البراءة في بعض الموارد، و هي تشمل الشكّ و الظنّ معا، فإخراج الظنّ منها (2) ممّا لا وجه له أصلا (3)، انتهى كلامه.

[استظهار ذلك من كلام الشهيد (قدّس سرّه‏) في الذكرى:]

و يمكن استظهار ذلك من الشهيد (قدّس سرّه‏) في الذكرى حيث ذكر أنّ:

قولنا: «اليقين لا ينقضه الشكّ»، لا نعني به اجتماع اليقين و الشكّ، بل المراد أنّ اليقين الذي كان في الزمن الأوّل لا يخرج عن حكمه بالشكّ في الزمان الثاني؛ لأصالة بقاء ما كان، فيؤول إلى اجتماع الظنّ‏

____________

(1) الحبل المتين: 37.

(2) كذا في (ر) و نسختي بدل (ت) و (ص)، و هو الأصحّ، و في (ت)، (ظ) و (ص) و المصدر بدل «منها»: «عنه».

(3) مشارق الشموس: 142.

23

و الشكّ في الزمان الواحد، فيرجّح الظنّ عليه، كما هو مطّرد في العبادات‏ (1)، انتهى كلامه.

و مراده من الشكّ مجرّد الاحتمال، بل ظاهر كلامه أنّ المناط في اعتبار الاستصحاب من باب‏ (2) أخبار عدم نقض اليقين بالشكّ، هو الظنّ أيضا، فتأمّل.

____________

(1) الذكرى 1: 207، مع اختلاف في بعض الألفاظ.

(2) لم ترد «اعتبار الاستصحاب من باب» في (ظ).

24

[الأمر] الخامس: تقوّم الاستصحاب بأمرين: اليقين بالحدوث، و الشكّ في البقاء

أنّ المستفاد من تعريفنا السابق‏ (1)- الظاهر في استناد الحكم بالبقاء إلى مجرّد الوجود السابق- أنّ الاستصحاب يتقوّم بأمرين:

أحدهما: وجود الشي‏ء في زمان، سواء علم به في زمان وجوده أم لا. نعم، لا بدّ من إحراز ذلك حين إرادة الحكم بالبقاء بالعلم أو الظنّ المعتبر، و أمّا مجرّد الاعتقاد بوجود شي‏ء في زمان مع زوال ذلك الاعتقاد في زمان آخر، فلا يتحقّق معه الاستصحاب الاصطلاحي و إن توهّم بعضهم‏ (2): جريان عموم‏ (3) «لا تنقض» فيه، كما سننبّه عليه‏ (4).

[الاستصحاب القهقري:]

و الثاني: الشكّ في وجوده في زمان لاحق عليه؛ فلو شكّ في زمان سابق عليه فلا استصحاب، و قد يطلق عليه الاستصحاب القهقرى مجازا.

____________

(1) و هو «إبقاء ما كان».

(2) هو المحقّق السبزواري في ذخيرة المعاد: 44.

(3) لم ترد «عموم» في (ظ)، و شطب عليها في (ت) و (ه).

(4) انظر الصفحة 303.

25

[المعتبر هو الشكّ الفعليّ‏]

ثمّ المعتبر هو الشكّ الفعليّ الموجود حال الالتفات إليه، أمّا لو لم يلتفت‏ (1) فلا استصحاب و إن فرض الشكّ فيه على فرض الالتفات.

فالمتيقّن للحدث إذا التفت إلى حاله في اللاحق فشكّ، جرى الاستصحاب في حقّه، فلو غفل عن ذلك و صلّى بطلت صلاته؛ لسبق الأمر بالطهارة (2)، و لا يجري في حقّه حكم الشكّ في الصحّة بعد الفراغ عن العمل؛ لأنّ مجراه الشكّ الحادث بعد الفراغ، لا الموجود من قبل‏ (3).

نعم‏ (4)، لو غفل عن حاله بعد اليقين بالحدث و صلّى، ثمّ التفت و شكّ في كونه محدثا حال الصلاة أو متطهّرا، جرى في حقّه قاعدة الشكّ بعد الفراغ؛ لحدوث الشكّ بعد العمل و عدم وجوده قبله حتّى يوجب الأمر بالطهارة و النهي عن الدخول فيه بدونها.

نعم، هذا الشكّ اللاحق يوجب الإعادة بحكم استصحاب عدم الطهارة، لو لا حكومة قاعدة الشكّ بعد الفراغ عليه، فافهم‏ (5).

____________

(1) في (ظ) و (ه) زيادة: «إليه».

(2) لم ترد «لسبق الأمر بالطهارة» في (ظ).

(3) لم ترد «لأنّ مجراه الشكّ الحادث بعد الفراغ لا الموجود من قبل» في (ظ).

(4) في (ت)، (ظ) و (ه) بدل «نعم»: «و».

(5) في (ظ) بدل «لحدوث- إلى- فافهم» ما يلي: «و لا يجري الاستصحاب؛ لأنّ الاستصحاب قبل دخوله في العمل لم ينعقد؛ لعدم الشكّ الفعلي و إن كان غير عالم بالحال، و بعد الفراغ غير معتبر؛ لورود قاعدة الصحّة عليه، فافهم».

26

[الأمر] السادس: تقسيم الاستصحاب من وجوه:

في تقسيم الاستصحاب إلى أقسام؛ ليعرف أنّ الخلاف في مسألة الاستصحاب في كلّها أو في بعضها، فنقول:

إنّ له تقسيما باعتبار المستصحب.

و آخر باعتبار الدليل الدالّ عليه.

و ثالثا باعتبار الشكّ المأخوذ فيه.

[1- تقسيم الاستصحاب باعتبار المستصحب‏] (1)

أمّا بالاعتبار الأوّل فمن وجوه:

الوجه الأوّل: المستصحب إمّا وجوديّ و إمّا عدميّ:

من حيث إنّ المستصحب قد يكون أمرا وجوديّا- كوجوب‏ (2) شي‏ء

____________

(1) العنوان منّا.

(2) في (ظ): «كوجود».

27

أو طهارة شي‏ء أو رطوبة ثوب‏ (1) أو نحو ذلك- و قد يكون عدميّا.

و هو على قسمين:

أحدهما: عدم اشتغال الذمّة بتكليف شرعيّ، و يسمّى عند بعضهم‏ (2) ب: «البراءة الأصليّة» و «أصالة النفي».

و الثاني: غيره، كعدم نقل اللفظ عن معناه، و عدم القرينة، و عدم موت زيد و رطوبة الثوب و حدوث موجب الوضوء أو الغسل، و نحو ذلك.

و لا خلاف في كون الوجوديّ محلّ النزاع.

[كلام شريف العلماء في خروج العدميّات عن محلّ النزاع:]

و أمّا العدمي، فقد مال الاستاذ (3) (قدّس سرّه‏) إلى عدم الخلاف فيه، تبعا لما حكاه عن استاذه السيّد صاحب الرياض (رحمه اللّه): من دعوى الإجماع على اعتباره في العدميّات. و استشهد على ذلك- بعد نقل الإجماع المذكور- باستقرار سيرة العلماء على التمسّك بالاصول العدميّة، مثل:

أصالة عدم القرينة و النقل و الاشتراك و غير ذلك، و ببنائهم هذه المسألة على كفاية العلّة المحدثة للإبقاء.

____________

(1) في (ر) بدل «طهارة شي‏ء أو رطوبة ثوب»: «طهارته أو رطوبته»، و في (ت)، (ص) و (ه): «طهارته أو رطوبة ثوب».

(2) مثل المحقّق في المعتبر 1: 32، و الشهيد الأوّل في القواعد و الفوائد 1: 132، و الشهيد الثاني في تمهيد القواعد: 271، و الفاضل الجواد في غاية المأمول (مخطوط): الورقة 128، و المحدّث البحراني في الدرر النجفيّة: 34، و الحدائق 1: 51.

(3) هو المحقّق شريف العلماء المازندراني، انظر تقريرات درسه في ضوابط الاصول:

351.

28

[المناقشة فيما أفاده شريف العلماء:]

أقول: ما استظهره (قدّس سرّه‏) لا يخلو عن تأمّل‏ (1):

أمّا دعوى الإجماع، فلا مسرح لها في المقام مع ما سيمرّ بك من تصريحات كثير (2) بخلافها، و إن كان يشهد لها ظاهر التفتازاني في شرح الشرح؛ حيث قال:

«إنّ خلاف الحنفيّة المنكرين للاستصحاب إنّما هو في الإثبات دون النفي الأصليّ» (3).

[قيام السيرة على التمسّك بالاصول الوجوديّة و العدميّة في باب الألفاظ]

و أمّا سيرة العلماء، فقد استقرّت في باب الألفاظ على التمسّك بالاصول الوجوديّة و العدميّة كلتيهما.

قال الوحيد البهبهاني في رسالته الاستصحابيّة- بعد نقل القول بإنكار اعتبار الاستصحاب مطلقا عن بعض، و إثباته عن بعض، و التفصيل عن بعض آخر- ما هذا لفظه:

[كلام الوحيد البهبهاني في ذلك:]

لكنّ الذي نجد من الجميع- حتّى من المنكر مطلقا- أنّهم يستدلّون بأصالة عدم النقل، فيقولون: الأمر حقيقة في الوجوب عرفا، فكذا لغة؛ لأصالة عدم النقل، و يستدلّون بأصالة بقاء المعنى اللغويّ، فينكرون الحقيقة الشرعيّة، إلى غير ذلك، كما لا يخفى على المتتبّع‏ (4)، انتهى.

____________

(1) في (ر) و (ص) بدل «تأمّل»: «خفاء».

(2) في (ر): «كثيرة».

(3) حاشية شرح مختصر الاصول 2: 284، و نقل المصنّف (قدّس سرّه‏) عبارة الشرح في حاشيته على استصحاب القوانين: 51.

(4) الرسائل الاصوليّة: 424- 425.

29

و حينئذ، فلا شهادة في السيرة الجارية في باب الألفاظ على خروج العدميّات.

[ما يظهر منه الاختصاص بالوجوديّات و مناقشته:]

و أمّا استدلالهم على إثبات الاستصحاب باستغناء الباقي عن المؤثّر الظاهر الاختصاص بالوجوديّ- فمع أنّه معارض باختصاص بعض أدلّتهم الآتي بالعدمي‏ (1)، و بأنّه يقتضي أن يكون النزاع مختصّا بالشكّ من حيث المقتضي لا من حيث الرافع- يمكن توجيهه‏ (2): بأنّ الغرض الأصليّ هنا لمّا كان هو التكلّم في الاستصحاب الذي هو من أدلّة الأحكام الشرعيّة، اكتفوا بذكر ما يثبت الاستصحاب الوجوديّ. مع أنّه يمكن أن يكون الغرض تتميم المطلب في العدميّ بالإجماع المركّب، بل الأولويّة؛ لأنّ الموجود إذا لم يحتج في بقائه إلى المؤثّر فالمعدوم كذلك بالطريق الأولى.

نعم، ظاهر عنوانهم للمسألة ب «استصحاب الحال»، و تعريفهم له، ظاهر (3) الاختصاص بالوجوديّ، إلّا أنّ الوجه فيه: بيان الاستصحاب الذي هو من الأدلّة الشرعيّة للأحكام؛ و لذا عنونه بعضهم- بل الأكثر- ب «استصحاب حال الشرع».

و ممّا ذكرنا يظهر عدم جواز الاستشهاد (4) على اختصاص محلّ النزاع بظهور (5) قولهم في عنوان المسألة: «استصحاب الحال»، في‏

____________

(1) انظر الصفحة الآتية.

(2) في (ر) و (ص) زيادة: «أيضا».

(3) كذا في النسخ، و لا يخفى زيادة لفظة «ظاهر» في أحد الموضعين.

(4) الاستشهاد من ضوابط الاصول: 351.

(5) في (ر) و (ص) بدل «بظهور»: «بظاهر».

30

الوجوديّ؛ و إلّا لدلّ تقييد كثير منهم العنوان ب «استصحاب حال الشرع»، على اختصاص النزاع بغير الامور الخارجيّة.

و ممّن يظهر منه دخول العدميّات في محلّ الخلاف الوحيد البهبهاني فيما تقدّم منه‏ (1)، بل لعلّه صريح في ذلك بملاحظة ما ذكره قبل ذلك في تقسيم الاستصحاب‏ (2).

و أصرح من ذلك في عموم محلّ النزاع، استدلال النافين في كتب الخاصّة (3) و العامّة (4): بأنّه لو كان الاستصحاب معتبرا لزم ترجيح بيّنة النافي؛ لاعتضاده‏ (5) بالاستصحاب، و استدلال المثبتين- كما في المنية-:

بأنّه لو لم يعتبر الاستصحاب لا نسدّ باب استنباط الأحكام من الأدلّة؛ لتطرّق احتمالات فيها لا تندفع إلّا بالاستصحاب‏ (6).

و ممّن أنكر الاستصحاب في العدميّات صاحب المدارك؛ حيث أنكر اعتبار استصحاب عدم التذكية الذي تمسّك به الأكثر لنجاسة الجلد المطروح‏ (7).

[التتبّع يشهد بعدم خروج العدميّات عن محلّ النزاع:]

و بالجملة: فالظاهر أنّ التتبّع يشهد بأنّ العدميّات ليست خارجة

____________

(1) راجع الصفحة 28.

(2) انظر الرسائل الاصوليّة: 423.

(3) انظر ما نقله العلّامة في نهاية الوصول (مخطوط): 407.

(4) انظر ما نقله العضدي في شرح مختصر الاصول 2: 454.

(5) كذا في النسخ، و المناسب: «لاعتضادها»؛ لرجوع الضمير إلى البيّنة.

(6) منية اللبيب؛ للعميدي (مخطوط): الورقة 181.

(7) انظر المدارك 2: 387.

31

عن محلّ النزاع، بل سيجي‏ء- عند بيان أدلّة الأقوال- أنّ القول بالتفصيل بين العدميّ و الوجوديّ- بناء على اعتبار الاستصحاب من باب الظنّ- وجوده بين العلماء لا يخلو من إشكال، فضلا عن اتّفاق النافين عليه؛ إذ ما من استصحاب وجوديّ إلّا و يمكن معه فرض استصحاب عدميّ يلزم من الظنّ به الظنّ بذلك المستصحب الوجوديّ، فيسقط فائدة نفي اعتبار الاستصحابات الوجوديّة. و انتظر لتمام الكلام‏ (1).

و ممّا يشهد بعدم الاتّفاق في العدميّات: اختلافهم في أنّ النافي يحتاج إلى دليل أم لا؟ فلاحظ ذلك العنوان‏ (2) تجده شاهد صدق على ما ادّعيناه.

[ظاهر جماعة خروج بعض العدميّات عن محلّ النزاع:]

نعم، ربما يظهر من بعضهم خروج بعض الأقسام من العدميّات من محلّ النزاع، كاستصحاب النفي المسمّى ب «البراءة الأصليّة»؛ فإنّ المصرّح به في كلام جماعة- كالمحقّق‏ (3) و العلّامة (4) و الفاضل الجواد (5)-:

الإطباق على العمل عليه. و كاستصحاب عدم النسخ؛ فإنّ المصرّح به في كلام غير واحد- كالمحدّث الأسترابادي و المحدّث البحراني-: عدم الخلاف فيه، بل مال الأوّل إلى كونه من ضروريات الدين‏ (6)، و ألحق‏

____________

(1) انظر الصفحة 103.

(2) انظر الذريعة 2: 827، و العدّة 2: 752، و المعارج: 210، و مبادئ الوصول: 251.

(3) المعارج: 208.

(4) انظر نهاية الوصول (مخطوط): 424.

(5) غاية المأمول (مخطوط): الورقة 128.

(6) الفوائد المدنيّة: 143.

32

الثاني بذلك استصحاب عدم المخصّص و المقيّد (1).

و التحقيق: أنّ اعتبار الاستصحاب- بمعنى التعويل في تحقّق شي‏ء في الزمان الثاني على تحقّقه في الزمان السابق عليه- مختلف فيه، من غير فرق بين الوجوديّ و العدميّ. نعم، قد يتحقّق في بعض الموارد قاعدة اخرى توجب الأخذ بمقتضى الحالة السابقة، ك «قاعدة قبح التكليف من غير بيان»، أو «عدم الدليل دليل العدم»، أو «ظهور الدليل الدالّ على الحكم في استمراره أو عمومه أو إطلاقه»، أو غير ذلك، و هذا لا ربط له باعتبار الاستصحاب.

ثمّ إنّا لم نجد في أصحابنا من فرّق بين الوجوديّ و العدميّ. نعم، حكى شارح الشرح‏ (2) هذا التفصيل عن الحنفيّة.

الوجه الثاني: [المستصحب إمّا حكم شرعيّ و إمّا من الامور الخارجيّة:]

أنّ المستصحب قد يكون حكما شرعيّا، كالطهارة المستصحبة بعد خروج المذي، و النجاسة المستصحبة بعد زوال تغيّر المتغيّر بنفسه، و قد يكون غيره، كاستصحاب الكرّية، و الرطوبة، و الوضع الأوّل عند الشكّ في حدوث النقل أو في تأريخه.

[وقوع الخلاف في كليهما:]

و الظاهر بل صريح جماعة وقوع الخلاف في كلا القسمين.

نعم، نسب إلى بعض التفصيل بينهما بإنكار الأوّل و الاعتراف‏

____________

(1) في (ظ): «عدم التخصيص و التقييد»، و انظر الحدائق 1: 52، و الدرر النجفيّة: 34.

(2) أي التفتازاني، و قد تقدّم كلامه في الصفحة 28.

33

بالثاني، و نسب إلى آخر العكس، حكاهما الفاضل القمّي في القوانين‏ (1).

و فيه نظر، يظهر بتوضيح المراد من الحكم الشرعي و غيره،

[للحكم الشرعي إطلاقان: 1- الحكم الكلّي 2- ما يعمّ الحكم الجزئي‏]

فنقول: الحكم الشرعيّ يراد به تارة الحكم الكلّي الذي من شأنه أن يؤخذ من الشارع، كطهارة من خرج منه المذي أو نجاسة ما زال تغيّره بنفسه، و اخرى يراد به ما يعمّ الحكم الجزئي الخاصّ في الموضوع الخاصّ، كطهارة هذا الثوب و نجاسته؛ فإنّ الحكم بهما- من جهة عدم ملاقاته للنجس أو ملاقاته- ليس وظيفة للشارع. نعم، وظيفته إثبات الطهارة كلّية (2) لكلّ شي‏ء شكّ في ملاقاته للنجس و عدمها.

[إنكار الأخباريين جريان الاستصحاب في الحكم بالإطلاق الأوّل‏]

و على الإطلاق الأوّل جرى الأخباريّون؛ حيث أنكروا اعتبار الاستصحاب في نفس أحكام اللّه تعالى، و جعله الأسترابادي من أغلاط من تأخّر عن المفيد، مع اعترافه باعتبار الاستصحاب في مثل طهارة الثوب و نجاسته‏ (3) و غيرهما ممّا شكّ فيه من الأحكام الجزئيّة لأجل الاشتباه في الامور الخارجيّة (4).

و صرّح المحدّث الحرّ العاملي: بأنّ أخبار الاستصحاب لا تدلّ على اعتباره في نفس الحكم الشرعيّ، و إنّما تدلّ على اعتباره في موضوعاته و متعلّقاته‏ (5).

____________

(1) القوانين 2: 57.

(2) في (ت) و (ر): «الكلّية».

(3) الفوائد المدنيّة: 143.

(4) الفوائد المدنيّة: 148.

(5) الفوائد الطوسيّة: 208، و الفصول المهمّة في اصول الأئمّة: 250.

34

و الأصل في ذلك عندهم: أنّ الشبهة في الحكم الكلّي لا مرجع فيها إلّا الاحتياط دون البراءة أو الاستصحاب؛ فإنّهما عندهم مختصّان بالشبهة في الموضوع.

و على الإطلاق الثاني جرى بعض آخر.

قال المحقّق الخوانساري في مسألة الاستنجاء بالأحجار:

و ينقسم الاستصحاب إلى قسمين، باعتبار [انقسام‏] (1) الحكم المأخوذ فيه إلى شرعي و غيره. و مثّل للأوّل بنجاسة الثوب أو البدن، و للثاني برطوبته، ثمّ قال: ذهب بعضهم إلى حجّيته بقسميه، و بعضهم إلى حجّية القسم الأوّل فقط (2)، انتهى.

إذا عرفت ما ذكرناه، ظهر (3) أنّ عدّ القول بالتفصيل بين الأحكام الشرعيّة و الامور الخارجيّة قولين متعاكسين ليس على ما ينبغي؛ لأنّ المراد بالحكم الشرعيّ:

إن كان هو الحكم الكلّي الذي أنكره الأخباريّون فليس هنا من يقول باعتبار الاستصحاب فيه و نفيه في غيره؛ فإنّ ما حكاه المحقّق الخوانساري‏ (4) و استظهره السبزواري‏ (5) هو اعتباره في الحكم الشرعي بالإطلاق الثاني الذي هو أعمّ من الأوّل.

____________

(1) ما بين المعقوفتين من المصدر.

(2) مشارق الشموس: 76.

(3) هذا وجه ما ذكره من النظر في كلام المحقّق القمي، المتقدّم في الصفحة السابقة.

(4) مشارق الشموس: 76.

(5) ذخيرة المعاد: 115 و 116.

35

و إن اريد بالحكم الشرعيّ الإطلاق الثاني الأعمّ، فلم يقل أحد باعتباره في غير الحكم الشرعيّ و عدمه في الحكم الشرعيّ؛ لأنّ الأخباريّين لا ينكرون الاستصحاب في الأحكام الجزئيّة.

[الأقوى في حجّية الاستصحاب من حيث هذا التقسيم‏]

ثمّ إنّ المحصّل من القول بالتفصيل بين القسمين المذكورين في هذا التقسيم ثلاثة:

الأوّل: اعتبار الاستصحاب في الحكم الشرعيّ مطلقا- جزئيّا كان كنجاسة الثوب، أو كلّيا كنجاسة الماء المتغيّر بعد زوال التغيّر- و هو الظاهر ممّا حكاه المحقّق الخوانساري‏ (1).

الثاني: اعتباره في ما عدا الحكم الشرعيّ الكلّي و إن كان حكما جزئيا، و هو الذي حكاه في الرسالة الاستصحابيّة عن الأخباريّين‏ (2).

الثالث: اعتباره في الحكم الجزئيّ دون الكلّي و دون الامور الخارجيّة، و هو الذي ربما يستظهر ممّا حكاه السيّد شارح الوافية عن المحقّق الخوانساري في حاشية له على قول الشهيد (قدّس سرّه‏) في تحريم استعمال الماء النجس و المشتبه‏ (3).

الوجه الثالث: [المستصحب إمّا حكم تكليفي و إمّا حكم وضعي:]

من حيث إنّ المستصحب قد يكون حكما تكليفيّا، و قد يكون‏

____________

(1) تقدّم كلامه في الصفحة السابقة.

(2) الرسائل الاصوليّة: 425.

(3) شرح الوافية (مخطوط): 339، و لكن لم نقف على هذه الحاشية في الموضع المذكور فيما عندنا من نسخة مشارق الشموس، انظر المشارق: 281.

36

وضعيّا شرعيّا (1) كالأسباب و الشروط و الموانع.

[القول بالتفصيل بين التكليفي و غيره:]

و قد وقع الخلاف من هذه الجهة، ففصّل صاحب الوافية بين التكليفيّ و غيره، بالإنكار في الأوّل دون الثاني‏ (2).

و إنّما لم ندرج هذا التقسيم في التقسيم الثاني مع أنّه تقسيم لأحد قسميه؛ لأنّ ظاهر كلام المفصّل المذكور و إن كان هو التفصيل بين الحكم التكليفيّ و الوضعيّ، إلّا أنّ آخر كلامه ظاهر في إجراء الاستصحاب في نفس الأسباب و الشروط و الموانع، دون السببيّة و الشرطيّة و المانعيّة، و سيتّضح ذلك عند نقل عبارته عند التعرّض لأدلّة الأقوال‏ (3).

____________

(1) لم ترد «شرعيا» في (ت).

(2) الوافية: 202.

(3) انظر الصفحة 121- 124.

37

[2- تقسيم الاستصحاب باعتبار دليل المستصحب‏] (1)

و أمّا بالاعتبار الثاني، فمن وجوه أيضا:

أحدها: [دليل المستصحب إمّا الإجماع و إمّا غيره:]

من حيث إنّ الدليل المثبت للمستصحب إمّا أن يكون هو الإجماع، و إمّا أن يكون غيره. و قد فصّل بين هذين القسمين الغزالي، فأنكر الاستصحاب في الأوّل‏ (2). و ربما يظهر من صاحب الحدائق- فيما حكي عنه في الدرر النجفيّة- أنّ محلّ النزاع في الاستصحاب منحصر في استصحاب حال الإجماع‏ (3). و سيأتي تفصيل ذلك عند نقل أدلّة الأقوال إن شاء اللّه.

[الوجه‏] الثاني: [المستصحب إمّا يثبت بالدليل العقلي و إمّا بالدليل الشرعي‏]

من حيث إنّه قد يثبت بالدليل الشرعيّ، و قد يثبت بالدليل العقليّ. و لم أجد من فصّل بينهما، إلّا أنّ في تحقّق الاستصحاب مع ثبوت الحكم بالدليل العقليّ- و هو الحكم العقليّ المتوصّل به إلى حكم شرعي- تأمّلا؛ نظرا إلى أنّ الأحكام العقليّة كلّها مبيّنة مفصّلة من حيث مناط الحكم‏ (4)، و الشكّ في بقاء المستصحب و عدمه لا بدّ و أن‏

____________

(1) العنوان منّا.

(2) المستصفى 1: 128.

(3) الدرر النجفيّة: 34.

(4) في (ر) و (ص) زيادة: «الشرعي».

38

يرجع إلى الشكّ في موضوع الحكم؛ لأنّ الجهات المقتضية للحكم العقليّ بالحسن و القبح كلّها راجعة إلى قيود فعل المكلّف، الذي هو الموضوع.

[الإشكال في الاستصحاب مع ثبوت الحكم بالدليل العقلي‏]

فالشكّ في حكم العقل حتّى لأجل وجود الرافع لا يكون إلّا للشكّ في موضوعه، و الموضوع لا بدّ أن يكون محرزا معلوم البقاء في الاستصحاب، كما سيجي‏ء (1).

و لا فرق فيما ذكرنا، بين أن يكون الشكّ من جهة الشكّ في وجود الرافع، و بين أن يكون لأجل الشكّ في استعداد الحكم؛ لأنّ ارتفاع الحكم العقليّ لا يكون إلّا بارتفاع موضوعه، فيرجع الأمر بالأخرة إلى تبدّل العنوان؛ أ لا ترى أنّ العقل إذا حكم بقبح الصدق الضارّ، فحكمه يرجع إلى أنّ الضارّ من حيث إنّه ضارّ حرام، و معلوم أنّ هذه القضيّة غير قابلة للاستصحاب عند الشكّ في الضرر مع العلم بتحقّقه سابقا؛ لأنّ قولنا: «المضرّ قبيح» حكم دائميّ لا يحتمل ارتفاعه أبدا، و لا ينفع في إثبات القبح عند الشكّ في بقاء الضرر.

و لا يجوز أن يقال: إنّ هذا الصدق كان قبيحا سابقا فيستصحب قبحه؛ لأنّ الموضوع في حكم العقل بالقبح ليس هذا الصدق، بل عنوان المضرّ، و الحكم له مقطوع البقاء، و هذا بخلاف الأحكام الشرعيّة؛ فإنّه قد يحكم الشارع على الصدق بكونه حراما، و لا يعلم أنّ المناط الحقيقيّ‏ (2) فيه باق في زمان الشكّ أو مرتفع- إمّا من جهة جهل المناط أو من جهة الجهل ببقائه مع معرفته‏ (3)- فيستصحب الحكم الشرعيّ.

____________

(1) انظر الصفحة 291.

(2) لم ترد «الحقيقي» في (ظ).

(3) لم ترد «إمّا من- إلى- معرفته» في (ت)، (ر) و (ه).

39

فإن قلت: على القول بكون الأحكام الشرعيّة تابعة للأحكام العقليّة، فما هو مناط الحكم و موضوعه في الحكم العقليّ بقبح هذا الصدق فهو المناط و الموضوع في حكم الشرع بحرمته؛ إذ المفروض بقاعدة التطابق، أنّ موضوع الحرمة و مناطها هو بعينه موضوع القبح و مناطه.

قلت: هذا مسلّم، لكنّه مانع عن الفرق بين الحكم الشرعيّ و العقليّ من حيث الظنّ بالبقاء في الآن اللاحق، لا من حيث جريان أخبار الاستصحاب و عدمه؛ فإنّه تابع لتحقّق موضوع المستصحب و معروضه بحكم العرف، فإذا حكم الشارع بحرمة شي‏ء في زمان، و شكّ في الزمان الثاني، و لم يعلم أنّ المناط الحقيقي واقعا- الذي هو المناط و الموضوع‏ (1) في حكم العقل- باق هنا أم لا، فيصدق هنا أنّ الحكم الشرعيّ الثابت لما هو الموضوع له في الأدلّة الشرعيّة كان موجودا سابقا و شكّ في بقائه، و يجري فيه أخبار الاستصحاب. نعم، لو علم مناط هذا الحكم و موضوعه‏ (2) المعلّق عليه في حكم العقل لم يجر الاستصحاب؛ لما ذكرنا من عدم إحراز الموضوع.

[عدم جريان الاستصحاب في الأحكام العقليّة و لا في الأحكام الشرعيّة المستندة إليها]

و ممّا ذكرنا يظهر: أنّ الاستصحاب لا يجري في الأحكام العقليّة، و لا في الأحكام الشرعيّة المستندة إليها، سواء كانت وجوديّة أم عدميّة، إذا كان العدم مستندا إلى القضيّة العقليّة، كعدم وجوب الصلاة مع السورة على ناسيها، فإنّه لا يجوز استصحابه بعد الالتفات، كما صدر

____________

(1) في (ه): «و عنوان الموضوع»، و في (ر) و (ص): «الذي هو عنوان الموضوع».

(2) في (ر) و (ص) بدل «موضوعه»: «عنوانه».

40

من بعض‏ (1) من مال إلى الحكم بالإجزاء في هذه الصورة و أمثالها من موارد الأعذار العقليّة الرافعة للتكليف مع قيام مقتضيه.

و أمّا إذا لم يكن العدم مستندا إلى القضيّة العقليّة، بل كان لعدم المقتضي و إن كان القضيّة العقليّة موجودة أيضا، فلا بأس باستصحاب العدم المطلق بعد ارتفاع القضيّة العقليّة.

[استصحاب حال العقل لا يستند إلى القضيّة العقليّة:]

و من هذا الباب استصحاب حال العقل، المراد به في اصطلاحهم استصحاب البراءة و النفي، فالمراد استصحاب الحال التي يحكم العقل على طبقها- و هو عدم التكليف- لا الحال المستندة إلى العقل، حتّى يقال: إنّ مقتضى ما تقدّم هو عدم جواز استصحاب عدم التكليف عند ارتفاع القضيّة العقليّة، و هي قبح تكليف غير المميّز أو المعدوم.

و ممّا ذكرنا ظهر أنّه لا وجه للاعتراض‏ (2) على القوم- في تخصيص استصحاب حال العقل باستصحاب النفي و البراءة- بأنّ الثابت بالعقل قد يكون‏ (3) عدميّا و قد يكون وجوديّا، فلا وجه للتخصيص؛ و ذلك لما عرفت: من أنّ الحال المستند إلى العقل المنوط بالقضيّة العقليّة لا يجري فيه‏ (4) الاستصحاب وجوديّا كان أو عدميّا، و ما ذكره من الأمثلة يظهر الحال فيها ممّا تقدّم.

____________

(1) لم نعثر عليه، و قيل: إنّه المحقّق القمّي، انظر أوثق الوسائل: 445.

(2) المعترض هو صاحب الفصول في الفصول: 366.

(3) في (ت) و (ه) زيادة: «أمرا».

(4) في (ت)، (ر) و (ص): «فيها».

41

[الوجه‏] الثالث: [دليل المستصحب قد يدلّ على الاستمرار و قد لا يدلّ‏]

أنّ دليل المستصحب: إمّا أن يدلّ على استمرار الحكم إلى حصول رافع أو غاية، و إمّا أن لا يدلّ. و قد فصّل بين هذين القسمين المحقّق في المعارج، و المحقّق الخوانساري في شرح الدروس، فأنكرا الحجّية في الثاني و اعترفا بها في الأوّل، مطلقا كما يظهر من المعارج‏ (1)، أو بشرط كون الشكّ في وجود الغاية كما يأتي من شارح الدروس‏ (2).

و تخيّل بعضهم‏ (3)- تبعا لصاحب المعالم‏ (4)-: أنّ قول المحقّق (قدّس سرّه‏) موافق للمنكرين؛ لأنّ محلّ النزاع ما لم يكن الدليل مقتضيا للحكم في الآن اللاحق لو لا الشكّ في الرافع. و هو غير بعيد بالنظر إلى كلام السيّد (5) و الشيخ‏ (6) و ابن زهرة (7) و غيرهم؛ حيث إنّ المفروض في كلامهم هو كون دليل الحكم في الزمان الأوّل قضيّة مهملة ساكتة عن حكم الزمان الثاني و لو مع فرض عدم الرافع.

____________

(1) المعارج: 209- 210.

(2) انظر الصفحة 50 و 169.

(3) مثل: الفاضل الجواد في غاية المأمول (مخطوط): الورقة 130.

(4) المعالم: 235.

(5) الذريعة 2: 830.

(6) العدّة 2: 756- 758.

(7) الغنية (الجوامع الفقهيّة): 486.

42

إلّا أنّ الذي يقتضيه التدبّر في بعض كلماتهم- مثل: إنكار السيّد (1) لاستصحاب البلد المبنيّ على ساحل البحر مع كون الشكّ فيه نظير الشكّ في وجود الرافع للحكم الشرعيّ، و غير ذلك ممّا يظهر للمتأمّل، و يقتضيه الجمع بين كلماتهم و بين ما يظهر من بعض استدلال المثبتين و النافين-: هو عموم النزاع لما ذكره المحقّق، فما ذكره في المعارج‏ (2) أخيرا ليس رجوعا عمّا ذكره أوّلا، بل لعلّه بيان لمورد تلك الأدلّة التي ذكرها لاعتبار الاستصحاب، و أنّها لا تقتضي اعتبارا أزيد من مورد يكون الدليل فيه مقتضيا للحكم مطلقا و يشكّ في رافعه.

____________

(1) الذريعة 2: 833.

(2) المعارج: 209- 210.

43

[3- تقسيم الاستصحاب باعتبار الشكّ المأخوذ فيه‏] (1)

و أمّا باعتبار الشكّ في البقاء، فمن وجوه أيضا:

أحدها: [منشأ الشكّ إمّا اشتباه الأمر الخارجي و إمّا اشتباه الحكم الشرعي‏]

من جهة أنّ الشكّ قد ينشأ من اشتباه الأمر الخارجيّ- مثل:

الشكّ في حدوث البول، أو كون الحادث بولا أو وذيا- و يسمّى بالشبهة في الموضوع، سواء كان المستصحب حكما شرعيّا جزئيّا كالطهارة في المثالين، أم موضوعا كالرطوبة و الكرّيّة و نقل اللفظ عن معناه الأصلي، و شبه ذلك.

و قد ينشأ من اشتباه الحكم الشرعيّ الصادر من الشارع، كالشكّ في بقاء نجاسة المتغيّر بعد زوال تغيّره، و طهارة المكلّف بعد حدوث المذي منه، و نحو ذلك.

[دخول القسمين في محلّ النزاع:]

و الظاهر دخول القسمين في محلّ النزاع، كما يظهر من كلام المنكرين؛ حيث ينكرون استصحاب حياة زيد بعد غيبته عن النظر، و البلد المبنيّ على ساحل البحر، و من كلام المثبتين حيث يستدلّون يتوقّف نظام معاش الناس و معادهم على الاستصحاب.

[المحكي عن الأخباريين اختصاص النزاع بالشبهة الحكميّة:]

و يحكى عن الأخباريّين اختصاص الخلاف بالثاني، و هو الذي صرّح به المحدّث البحراني‏ (2)، و يظهر من كلام المحدّث الأسترابادي،

____________

(1) العنوان منّا.

(2) انظر الحدائق 1: 52 و 143، و الدرر النجفيّة: 34.

44

حيث قال في فوائده:

[كلام المحدّث الأسترابادي في الفوائد المدنية:]

اعلم أنّ للاستصحاب صورتين معتبرتين باتّفاق الامّة، بل أقول:

اعتبارهما من ضروريّات الدين.

إحداهما: أنّ الصحابة و غيرهم كانوا يستصحبون ما جاء به نبيّنا (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) إلى أن يجي‏ء ناسخه.

الثانية: أنّا نستصحب كلّ أمر من الامور الشرعيّة- مثل: كون الرجل مالك أرض، و كونه زوج امرأة، و كونه عبد رجل، و كونه على وضوء، و كون الثوب طاهرا أو نجسا، و كون الليل أو النهار باقيا، و كون ذمّة الإنسان مشغولة بصلاة أو طواف- إلى أن يقطع بوجود شي‏ء جعله الشارع سببا لنقض تلك الامور (1). ثمّ ذلك الشي‏ء قد يكون شهادة العدلين، و قد يكون قول الحجّام المسلم أو من في حكمه، و قد يكون قول القصّار أو من في حكمه، و قد يكون بيع ما يحتاج إلى الذبح و الغسل في سوق المسلمين، و أشباه ذلك من الامور الحسّية (2)، انتهى.

و لو لا تمثيله باستصحاب الليل و النهار لاحتمل أن يكون معقد إجماعه الشكّ من حيث المانع وجودا أو منعا، إلّا أنّ الجامع بين جميع أمثلة الصورة الثانية ليس إلّا الشبهة الموضوعيّة، فكأنّه استثنى من محلّ الخلاف صورة واحدة من الشبهة الحكميّة- أعني الشكّ في النسخ-

____________

(1) كذا في المصدر، و في «ص»: «سببا مزيلا لتلك الامور»، و في سائر النسخ:

«سببا مزيلا لنقض تلك الامور»، و لا يخفى ما فيه.

(2) الفوائد المدنيّة: 143.

45

و جميع صور الشبهة الموضوعيّة.

[كلامه في الفوائد المكية:]

و أصرح من العبارة المذكورة في اختصاص محلّ الخلاف بالشبهة الحكميّة، ما حكي عنه في الفوائد (1) أنّه قال- في جملة كلام له-: إنّ صور الاستصحاب المختلف فيه راجعة إلى أنّه إذا ثبت حكم بخطاب شرعيّ في موضوع في حال من حالاته نجريه في ذلك الموضوع عند زوال الحالة القديمة و حدوث نقيضها فيه. و من المعلوم أنّه إذا تبدّل قيد موضوع المسألة بنقيض ذلك القيد اختلف موضوع المسألتين، فالذي سمّوه استصحابا راجع في الحقيقة إلى إسراء حكم لموضوع إلى موضوع آخر متّحد معه بالذات مختلف بالقيد و الصفات‏ (2)، انتهى.

[الوجه‏] الثاني: [الشكّ في البقاء قد يكون مع تساوي الطرفين و قد يكون مع رجحان البقاء أو الارتفاع‏]

من حيث إنّ الشكّ بالمعنى الأعمّ الذي هو المأخوذ في تعريف الاستصحاب:

قد يكون مع تساوي الطرفين، و قد يكون مع رجحان البقاء، أو الارتفاع.

و لا إشكال في دخول الأوّلين في محلّ النزاع، و أمّا الثالث فقد يتراءى من بعض كلماتهم عدم وقوع الخلاف فيه.

قال شارح المختصر: معنى استصحاب الحال أنّ الحكم الفلاني قد

____________

(1) أي: الفوائد المكّية.

(2) الفوائد المكّية (مخطوط): الورقة 103، و حكاه عنه الفاضل التوني في الوافية:

212، و ورد هذا المضمون في الفوائد المدنيّة: 143، أيضا.

46

كان و لم يظنّ عدمه، و كلّ ما كان كذلك فهو مظنون البقاء، و قد اختلف في صحّة الاستدلال به لإفادته الظنّ، و عدمها لعدم إفادته‏ (1)، انتهى.

[محلّ الخلاف في هذه الصور:]

و التحقيق: أنّ محلّ الخلاف إن كان في اعتبار الاستصحاب من باب التعبّد و الطريق الظاهريّ، عمّ صورة الظنّ الغير المعتبر بالخلاف.

و إن كان من باب إفادة الظنّ- كما صرّح به شارح المختصر- فإن كان من باب الظنّ الشخصيّ، كما يظهر من كلمات بعضهم- كشيخنا البهائيّ في الحبل المتين‏ (2) و بعض من تأخّر عنه‏ (3)- كان محلّ الخلاف في غير صورة الظنّ بالخلاف؛ إذ مع وجوده لا يعقل ظنّ البقاء، و إن كان من باب إفادة نوعه الظنّ لو خلّي و طبعه- و إن عرض لبعض أفراده ما يسقطه عن إفادة الظنّ- عمّ الخلاف صورة الظنّ بالخلاف أيضا.

و يمكن أن يحمل كلام العضديّ على إرادة أنّ الاستصحاب من شأنه بالنوع أن يفيد الظنّ عند فرض عدم الظنّ بالخلاف، و سيجي‏ء زيادة توضيح لذلك‏ (4) إن شاء اللّه.

الثالث: [الشكّ إمّا في المقتضي و إمّا في الرافع‏]

من حيث إنّ الشكّ في بقاء المستصحب:

قد يكون من جهة المقتضي، و المراد به: الشكّ من حيث استعداده‏

____________

(1) شرح مختصر الاصول 2: 453.

(2) تقدّم كلامه في الصفحة 21.

(3) يعني به شارح الدروس، المحقّق الخوانساري، انظر الصفحة 22.

(4) انظر الصفحة 87.

47

و قابليّته في ذاته للبقاء، كالشكّ في بقاء الليل و النهار و خيار الغبن بعد الزمان الأوّل.

[أقسام الشكّ من جهة الرافع:]

و قد يكون من جهة طروّ الرافع مع القطع باستعداده للبقاء، و هذا على أقسام: لأنّ الشكّ إمّا في وجود الرافع، كالشكّ في حدوث البول، و إمّا أن يكون في رافعيّة الموجود؛ إمّا لعدم تعيّن المستصحب و تردّده بين ما يكون الموجود رافعا (1) و بين ما لا يكون، كفعل الظهر المشكوك كونه رافعا لشغل الذمّة بالصلاة المكلّف بها قبل العصر يوم الجمعة من جهة تردّده بين الظهر و الجمعة، و إمّا للجهل بصفة الموجود من كونه رافعا كالمذي، أو مصداقا لرافع معلوم المفهوم كالرطوبة المردّدة بين البول و الودي، أو مجهول المفهوم.

[محل الخلاف من هذه الأقسام:]

و لا إشكال في كون ما عدا الشكّ في وجود الرافع محلا للخلاف، و إن كان ظاهر استدلال بعض المثبتين: بأنّ المقتضي للحكم الأوّل موجود (2) ... إلى آخره، يوهم الخلاف.

و أمّا هو فالظاهر أيضا وقوع الخلاف فيه؛ كما يظهر من إنكار السيّد (قدّس سرّه‏) للاستصحاب في البلد المبنيّ على ساحل البحر، و زيد الغائب عن النظر (3)، و أنّ الاستصحاب لو كان حجّة لكان بيّنة النافي أولى؛ لاعتضادها بالاستصحاب.

و كيف كان، فقد يفصّل بين كون الشكّ من جهة المقتضي و بين‏

____________

(1) كذا في النسخ، و المناسب: «رافعا له».

(2) كما في المعارج: 206.

(3) الذريعة 2: 832 و 833.

48

كونه من جهة الرافع، فينكر الاستصحاب في الأوّل.

و قد يفصّل في الرافع بين الشكّ في وجوده و الشكّ في رافعيّته، فينكر الثاني مطلقا، أو إذا لم يكن الشكّ في المصداق الخارجي.

هذه جملة ما حضرني من كلمات الأصحاب.

و المتحصّل منها في بادئ النظر أحد عشر قولا:

49

[الأقوال في حجّية الاستصحاب‏] (1)

الأوّل: القول بالحجّية مطلقا.

الثاني: عدمها مطلقا.

الثالث: التفصيل بين العدميّ و الوجوديّ.

الرابع: التفصيل بين الامور الخارجيّة و بين الحكم الشرعيّ مطلقا،

فلا يعتبر في الأوّل.

الخامس: التفصيل بين الحكم الشرعيّ الكلّي و غيره‏

، فلا يعتبر في الأوّل إلّا في عدم النسخ.

السادس: التفصيل بين الحكم الجزئي و غيره‏

، فلا يعتبر في غير الأوّل، و هذا هو الذي تقدّم أنّه ربما يستظهر من كلام المحقّق الخوانساري في حاشية شرح‏ (2) الدروس‏ (3)، على ما حكاه السيّد في‏

____________

(1) العنوان منّا.

(2) لم ترد «شرح» في (ت).

(3) راجع الصفحة 35.

50

شرح الوافية (1).

السابع: التفصيل بين الأحكام الوضعيّة

- يعني نفس الأسباب و الشروط و الموانع- و الأحكام التكليفيّة التابعة لها، و بين غيرها من الأحكام الشرعيّة، فيجري في الأوّل دون الثاني‏ (2).

الثامن: التفصيل بين ما ثبت بالإجماع و غيره‏

، فلا يعتبر في الأوّل.

التاسع: التفصيل بين كون المستصحب ممّا ثبت بدليله أو من الخارج‏

استمراره فشكّ في الغاية الرافعة له، و بين غيره، فيعتبر في الأوّل دون الثاني، كما هو ظاهر المعارج‏ (3).

العاشر: هذا التفصيل مع اختصاص الشكّ بوجود الغاية

، كما هو الظاهر من المحقّق السبزواري فيما سيجي‏ء من كلامه‏ (4).

الحادي عشر: زيادة الشكّ في مصداق الغاية من جهة الاشتباه‏

المصداقيّ دون المفهوميّ، كما هو ظاهر ما سيجي‏ء من المحقّق الخوانساري‏ (5).

ثمّ إنّه لو بني على ملاحظة ظواهر كلمات من تعرّض لهذه المسألة

____________

(1) لم ترد «و هذا هو الذي- إلى- شرح الوافية» في (ه)، و كتب فوقها في (ص): «زائد». و انظر شرح الوافية (مخطوط): 339.

(2) لم ترد «التفصيل- إلى- دون الثاني» في (ظ)، و ورد بدلها: «التفصيل بين الكلّي التكليفي الغير التابع للحكم الوضعي و غيره، فلا يعتبر في الأوّل».

(3) المعارج: 209- 210.

(4) سيأتي كلامه في الصفحة 165- 166.

(5) سيأتي كلامه في الصفحة 169- 177.

51

في الاصول و الفروع، لزادت الأقوال على العدد المذكور بكثير (1)، بل يحصل لعالم واحد قولان أو أزيد في المسألة، إلّا أنّ صرف الوقت في هذا ممّا لا ينبغي.

[أقوى الأقوال في الاستصحاب‏] (2)

و الأقوى: هو القول التاسع، و هو الذي اختاره المحقّق، فإنّ المحكيّ عنه في المعارج‏ (3) أنّه قال:

إذا ثبت حكم في وقت، ثمّ جاء وقت آخر و لم يقم دليل على انتفاء ذلك الحكم، هل يحكم ببقائه ما لم يقم دلالة على نفيه؟ أم يفتقر الحكم في الوقت الثاني إلى دلالة؟

[كلام المحقق في المعارج:]

حكي عن المفيد (قدّس سرّه‏): أنّه يحكم ببقائه‏ (4)، و هو المختار. و قال المرتضى (قدّس سرّه‏): لا يحكم‏ (5).

____________

(1) للوقوف على سائر الأقوال، انظر «خزائن الاصول» للفاضل الدربندي، فنّ الاستصحاب، الصفحة 16- 18، و ادّعى بعضهم: أنّ الأقوال ترتقي إلى نيّف و خمسين، انظر وسيلة الوسائل في شرح الرسائل للسيّد محمّد باقر اليزدي، الصفحة 12، من مباحث الاستصحاب.

(2) العنوان منّا.

(3) حكاه عنه في المعالم: 234 و 235.

(4) حكاه عنه الشيخ الطوسي في العدّة 2: 756، و انظر التذكرة باصول الفقه (مصنّفات الشيخ المفيد) 9: 45.

(5) انظر الذريعة 2: 829.

52

ثمّ مثّل بالمتيمّم الواجد للماء في أثناء الصلاة، ثمّ احتجّ للحجّية بوجوه، منها: أنّ المقتضي للحكم الأوّل موجود، ثمّ ذكر أدلّة المانعين و أجاب عنها.

ثمّ قال: و الذي نختاره: أن ننظر في دليل ذلك الحكم، فإن كان يقتضيه مطلقا وجب الحكم باستمرار الحكم، ك: «عقد النكاح»، فإنّه يوجب حلّ الوطء مطلقا، فإذا وقع الخلاف في الألفاظ التي يقع بها الطلاق، فالمستدلّ على أنّ الطلاق لا يقع بها لو قال: «حلّ الوطء ثابت قبل النطق بهذه الألفاظ، فكذا بعده» كان صحيحا؛ لأنّ المقتضي للتحليل- و هو العقد- اقتضاه مطلقا، و لا يعلم أنّ الألفاظ المذكورة رافعة لذلك الاقتضاء، فيثبت الحكم عملا بالمقتضي.

لا يقال: إنّ المقتضي هو العقد، و لم يثبت أنّه باق.

لأنّا نقول: وقوع العقد اقتضى حلّ الوطء لا مقيّدا بوقت، فيلزم دوام الحلّ؛ نظرا إلى وقوع المقتضي، لا إلى دوامه، فيجب أن يثبت الحلّ حتّى يثبت الرافع.

ثمّ قال: فإن كان الخصم يعني بالاستصحاب ما أشرنا إليه فليس هذا عملا بغير دليل، و إن كان يعني أمرا آخر وراء هذا فنحن مضربون عنه‏ (1)، انتهى.

و يظهر من صاحب المعالم اختياره؛ حيث جعل هذا القول من المحقّق نفيا لحجّية الاستصحاب‏ (2)، فيظهر أنّ الاستصحاب المختلف فيه غيره.

____________

(1) المعارج: 206- 210، مع اختلاف يسير.

(2) المعالم: 235.

53

[الاستدلال على القول المختار] (1)

لنا على ذلك وجوه:

[الوجه‏] الأوّل: ظهور كلمات جماعة في الاتّفاق عليه.

فمنها: ما عن المبادئ، حيث قال: الاستصحاب حجّة؛ لإجماع الفقهاء على أنّه متى حصل حكم، ثمّ وقع الشكّ في أنّه طرأ ما يزيله أم لا؟ وجب الحكم ببقائه على ما كان أوّلا، و لو لا القول بأنّ الاستصحاب حجّة، لكان ترجيحا لأحد طرفي الممكن من غير مرجّح‏ (2)، انتهى.

و مراده و إن كان الاستدلال به على حجّية مطلق الاستصحاب، بناء على ما ادّعاه: من أنّ الوجه في الإجماع على الاستصحاب مع الشكّ في طروّ المزيل، هو اعتبار الحالة السابقة مطلقا، لكنّه ممنوع؛ لعدم الملازمة، كما سيجي‏ء (3).

و نظير هذا ما عن النهاية: من أنّ الفقهاء بأسرهم- على كثرة اختلافهم- اتّفقوا على أنّا متى تيقّنا حصول شي‏ء و شككنا في حدوث المزيل له أخذنا بالمتيقّن، و هو عين الاستصحاب؛ لأنّهم رجّحوا بقاء الباقي على حدوث الحادث‏ (4).

____________

(1) العنوان منّا.

(2) مبادئ الوصول إلى علم الاصول: 251.

(3) انظر الصفحة 54 و 82.

(4) نهاية الوصول (مخطوط): 410 و 411.

54

و منها: تصريح صاحب المعالم‏ (1) و الفاضل الجواد (2): بأنّ ما ذكره المحقّق أخيرا في المعارج‏ (3) راجع إلى قول السيّد المرتضى المنكر للاستصحاب‏ (4)؛ فإنّ هذه شهادة منهما على خروج ما ذكره المحقّق عن مورد النزاع و كونه موضع وفاق. إلّا أنّ في صحّة هذه الشهادة نظرا؛ لأنّ ما مثّل في المعارج من الشكّ في الرافعيّة من‏ (5) مثال النكاح‏ (6) هو بعينه ما أنكره الغزالي و مثّل له بالخارج من غير السبيلين‏ (7)؛ فإنّ الطهارة كالنكاح في أنّ سببها مقتض لتحقّقه‏ (8) دائما إلى أن يثبت الرافع.

[الوجه‏] الثاني: [الاستقراء:]

أنّا تتبّعنا موارد الشكّ في بقاء الحكم السابق المشكوك من جهة الرافع، فلم نجد من أوّل الفقه إلى آخره موردا إلّا و حكم الشارع فيه بالبقاء، إلّا مع أمارة توجب الظنّ بالخلاف، كالحكم بنجاسة الخارج قبل الاستبراء؛ فإنّ الحكم بها ليس لعدم اعتبار الحالة السابقة- و إلّا لوجب الحكم بالطهارة لقاعدة الطهارة- بل لغلبة بقاء جزء من البول‏

____________

(1) المعالم: 235.

(2) غاية المأمول (مخطوط): الورقة 130.

(3) المعارج: 210.

(4) الذريعة 2: 829.

(5) في (ظ) بدل «من»: «و».

(6) المعارج: 209.

(7) المستصفى 1: 224، و ليس فيه مثال «الخارج من غير السبيلين»، نعم حكى تمثيله بذلك في نهاية الوصول، كما سيأتي في الصفحة 151.

(8) كذا في النسخ، و المناسب: «لتحقّقها»؛ لرجوع الضمير إلى الطهارة.