فرائد الأصول - ج4

- الشيخ مرتضى الأنصاري المزيد...
352 /
5

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم‏

6

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

7

خاتمة في التّعادل و التّراجيح‏

8

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

9

بسم اللّه الرحمن الرحيم‏

الحمد للّه ربّ العالمين، و الصلاة و السلام على خير خلقه محمّد و آله الطاهرين، و لعنة اللّه على أعدائهم أجمعين إلى يوم الدين.

10

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

11

خاتمة في التعادل و التراجيح‏ (1) و حيث إنّ موردهما الدليلان المتعارضان، فلا بدّ من تعريف التعارض و بيانه.

[التعارض لغة و اصطلاحا:]

و هو لغة: من العرض بمعنى الإظهار (2)، و غلّب في الاصطلاح على: تنافي الدليلين و تمانعهما باعتبار مدلولهما؛ و لذا ذكروا: أنّ التعارض تنافي مدلولي الدليلين على وجه التناقض أو التضادّ (3).

و كيف كان، فلا يتحقّق إلّا بعد اتحاد الموضوع و إلّا لم يمتنع اجتماعهما.

[عدم التعارض بين الاصول و الأدلّة الاجتهادية:]

و منه يعلم: أنّه لا تعارض بين الاصول و ما يحصّله المجتهد من‏ (4) الأدلّة الاجتهاديّة؛ لأنّ موضوع الحكم في الاصول الشي‏ء بوصف أنّه‏

____________

(1) كذا في (ر) و (ص)، و في غيرهما: «الترجيح».

(2) في القاموس (2: 334) عرض الشي‏ء له: أظهره له. و في المصباح المنير (402): عرضت المتاع للبيع: أظهرته لذوي الرغبة ليشتروه.

(3) انظر منية اللبيب (مخطوط)، الورقة: 169، و القوانين 2: 276، و ضوابط الاصول: 423.

(4) لم ترد «ما يحصّله المجتهد من» في (ظ).

12

مجهول الحكم، و في الدليل نفس ذلك الشي‏ء من دون ملاحظة ثبوت حكم له، فضلا عن الجهل بحكمه، فلا منافاة بين كون العصير المتّصف بجهالة حكمه حلالا على ما هو مقتضى الأصل، و بين كون نفس العصير حراما كما هو مقتضى الدليل الدالّ على حرمته‏ (1).

و الدليل المفروض‏ (2):

إن كان بنفسه يفيد العلم صار المحصّل له عالما بحكم العصير (3)، فلا يقتضي الأصل حلّيته؛ لأنّه إنّما اقتضى حلّية مجهول الحكم، فالحكم بالحرمة ليس طرحا للأصل، بل هو بنفسه غير جار و غير مقتض؛ لأنّ موضوعه مجهول الحكم.

و إن كان بنفسه لا يفيد العلم، بل هو محتمل الخلاف، لكن ثبت اعتباره بدليل علميّ:

[ورود الأدلّة على الاصول العقليّة:]

فإن كان الأصل ممّا كان مؤدّاه بحكم العقل- كأصالة البراءة العقليّة، و الاحتياط و التخيير العقليين- فالدليل أيضا (4) وارد عليه و رافع‏

____________

(1) لم ترد «و في الدليل- إلى- على حرمته» في غير (ظ)، و ورد بدلها في (ر) و (ص) العبارة التالية: «كالحكم بحليّة العصير مثلا من حيث إنّه مجهول الحكم، و موضوع الحكم الواقعي الفعل من حيث هو، فإذا لم يطلع عليه المجتهد كان موضوع الحكم في الاصول باقيا على حاله، فيعمل على طبقه، و إذا اطّلع المجتهد على دليل يكشف عن الحكم الواقعي فإن».

(2) لم ترد «و الدليل المفروض» في (ر) و (ص).

(3) في (ت) و (ه) زيادة: «العنبي مثلا»، و في (ر) و (ص) زيادة: «مثلا».

(4) لم ترد «أيضا» في (ر)، و في (ص) كتب فوقه: «نسخة».

13

لموضوعه؛ لأنّ موضوع الأوّل عدم البيان، و موضوع الثاني احتمال العقاب، و مورد الثالث عدم المرجّح لأحد طرفي التخيير، و كلّ ذلك يرتفع بالدليل العلميّ‏ (1) المذكور.

[حكومة الأدلّة على الاصول الشرعيّة:]

و إن كان مؤدّاه من المجعولات الشرعيّة- كالاستصحاب و نحوه- كان ذلك الدليل حاكما على الأصل، بمعنى: أنّه يحكم عليه بخروج مورده عن مجرى الأصل، فالدليل العلميّ المذكور و إن لم يرفع موضوعه- أعني الشكّ- إلّا أنّه يرفع حكم الشكّ، أعني الاستصحاب.

[ضابط الحكومة:]

و ضابط الحكومة: أن يكون أحد الدليلين بمدلوله اللفظيّ متعرّضا لحال الدليل الآخر و رافعا للحكم الثابت بالدليل الآخر عن بعض أفراد موضوعه، فيكون مبيّنا لمقدار مدلوله، مسوقا لبيان حاله، متفرّعا (2) عليه‏ (3).

و ميزان ذلك: أن يكون بحيث لو فرض عدم ورود ذلك الدليل لكان هذا الدليل لغوا خاليا عن المورد (4).

نظير الدليل الدالّ على أنّه لا حكم للشكّ في النافلة، أو مع كثرة الشكّ، أو مع حفظ الإمام أو المأموم، أو بعد الفراغ من العمل، فإنّه‏

____________

(1) في (ر)، (ص) و (ه) و نسخة بدل (ت) بدل «العلميّ»: «الظنّي»، و في نسخة بدل (ه): «العلميّ».

(2) في (ر) و (ص) بدل «متفرّعا»: «متعرّضا».

(3) لم ترد «مسوقا لبيان حاله، متفرّعا عليه» في (ت) و (ظ).

(4) في (ت) زيادة: «بظاهره»، و عبارة «و ميزان- إلى- عن المورد» لم ترد في (ر) و (ص).

14

حاكم على الأدلّة المتكفّلة لأحكام الشكوك، فلو فرض أنّه لم يرد من الشارع حكم الشكوك- لا عموما و لا خصوصا (1)- لم يكن مورد للأدلّة النافية لحكم الشكّ في هذه الصور.

[الفرق بين الحكومة و التخصيص:]

و الفرق بينه و بين التخصيص: أنّ كون المخصّص بيانا للعامّ، إنّما هو (2) بحكم العقل، الحاكم بعدم جواز إرادة العموم مع العمل بالخاصّ‏ (3)، و هذا بيان بلفظه و مفسّر للمراد من العامّ، فهو تخصيص في المعنى بعبارة التفسير.

ثمّ الخاصّ، إن كان قطعيّا تعيّن طرح عموم العامّ، و إن كان ظنّيّا دار الأمر بين طرحه و طرح العموم، و يصلح كلّ منهما لرفع اليد بمضمونه على تقدير مطابقته للواقع عن الآخر، فلا بدّ من الترجيح.

بخلاف الحاكم، فإنّه يكتفى به في صرف المحكوم عن ظاهره، و لا يكتفى بالمحكوم في صرف الحاكم عن ظاهره، بل يحتاج إلى قرينة اخرى، كما يتّضح ذلك بملاحظة الأمثلة المذكورة.

[لثمرة بين التخصيص و الحكومة:]

فالثمرة بين التخصيص و الحكومة تظهر في الظاهرين، حيث لا يقدّم المحكوم و لو كان الحاكم أضعف منه؛ لأنّ صرفه عن ظاهره لا يحسن بلا قرينة اخرى، هي‏ (4) مدفوعة بالأصل. و أمّا الحكم بالتخصيص‏

____________

(1) لم ترد «لا عموما و لا خصوصا» في (ظ).

(2) «إنّما هو» من (ظ).

(3) في (ظ) بدل «العمل بالخاص»: «القرينة المعاندة»، و في (ع) و نسخة بدل (ف): «القرينة الصارفة».

(4) «هي» من (ظ).

15

فيتوقّف على ترجيح ظهور الخاصّ، و إلّا أمكن رفع اليد عن ظهوره و إخراجه عن الخصوص بقرينة صاحبه.

فلنرجع إلى ما نحن بصدده، من‏ (1) حكومة الأدلّة الظنيّة على الاصول، فنقول:

قد (2) جعل الشارع- مثلا (3)- للشي‏ء المحتمل للحلّ و الحرمة حكما شرعيّا أعني: «الحلّ»، ثمّ حكم بأنّ الأمارة الفلانيّة- كخبر العادل الدالّ على حرمة العصير- حجّة، بمعنى أنّه لا يعبأ باحتمال مخالفة مؤدّاه للواقع، فاحتمال حلّيّة العصير المخالف للأمارة بمنزلة العدم، لا يترتّب عليه حكم شرعيّ كان يترتّب عليه لو لا هذه الأمارة، و هو ما ذكرنا:

من الحكم بالحلّيّة الظاهريّة. فمؤدّى الأمارات بحكم الشارع كالمعلوم، لا يترتّب عليه الأحكام الشرعيّة المجعولة للمجهولات.

[جريان الورود و الحكومة في الاصول اللفظيّة أيضا:]

ثمّ إنّ ما ذكرنا- من الورود و الحكومة- جار في الاصول اللفظيّة أيضا، فإنّ أصالة الحقيقة أو العموم معتبرة إذا لم يعلم هناك قرينة على المجاز.

فإن كان المخصّص- مثلا- دليلا علميّا كان واردا على الأصل المذكور، فالعمل بالنصّ القطعيّ في مقابل الظاهر كالعمل بالدليل العلميّ في مقابل الأصل العمليّ‏ (4)

____________

(1) في غير (ه) زيادة: «ترجيح»، و في (خ): «توضيح».

(2) لم ترد «فهو تخصيص في المعنى- إلى- فنقول قد» في (ظ)، و ورد بدلها:

«ففيما نحن فيه».

(3) «مثلا» من (ص) و نسخة بدل (ت).

(4) في (ظ) زيادة: «فإطلاق المتعارضين عليهما مسامحة».

16

و إن كان المخصّص ظنّيا معتبرا كان حاكما على الأصل؛ لأنّ معنى حجّية الظنّ جعل احتمال مخالفة مؤدّاه للواقع بمنزلة العدم، في عدم ترتّب ما كان يترتّب عليه من الأثر لو لا حجّية هذه الأمارة، و هو وجوب العمل بالعموم؛ فإنّ الواجب عرفا و شرعا العمل بالعموم‏ (1) عند احتمال وجود المخصّص و عدمه، فعدم العبرة باحتمال عدم التخصيص إلغاء للعمل بالعموم.

فثبت: أنّ النصّ وارد على أصالة الحقيقة (2) إذا كان قطعيّا من جميع الجهات، و حاكم عليه‏ (3) إذا كان ظنّيا في الجملة، كالخاصّ الظنّيّ السند مثلا.

و يحتمل أن يكون الظنّي أيضا واردا، بناء على كون العمل بالظاهر عرفا و شرعا معلّقا على عدم التعبّد بالتخصيص، فحالها حال الاصول العقليّة، فتأمّل‏ (4).

هذا كلّه على تقدير كون أصالة الظهور من حيث أصالة عدم القرينة.

و أمّا إذا كان من جهة الظنّ النوعيّ الحاصل بإرادة الحقيقة- الحاصل من الغلبة أو من غيرها- فالظاهر أنّ النصّ وارد عليها

____________

(1) لم ترد «فإنّ الواجب عرفا و شرعا العمل بالعموم» في (ت)، (ه) و (ر)، و كتب فوقها في (ص): «نسخة».

(2) في (ظ) زيادة: «في الظاهر».

(3) كذا في النسخ، و المناسب: «عليها»، لرجوع الضمير إلى أصالة الحقيقة.

(4) لم ترد «فتأمّل» في (ظ).

17

مطلقا و إن كان النصّ ظنيّا؛ لأنّ الظاهر أنّ دليل حجّيّة الظنّ الحاصل بإرادة الحقيقة- الذي هو مستند أصالة الظهور- مقيّد بصورة عدم وجود ظنّ معتبر على خلافه، فإذا وجد ارتفع موضوع ذلك الدليل، نظير ارتفاع موضوع الأصل بالدليل.

و يكشف عمّا ذكرنا: أنّا لم نجد و لا نجد من أنفسنا موردا يقدّم فيه العامّ- من حيث هو- على الخاصّ و إن فرض كونه أضعف الظنون المعتبرة، فلو كان حجّيّة ظهور العامّ غير معلّق على عدم الظنّ المعتبر على خلافه، لوجد مورد يفرض‏ (1) فيه أضعفيّة مرتبة ظنّ الخاصّ من ظنّ العامّ حتّى يقدّم عليه، أو مكافئته له حتّى يتوقّف، مع أنّا لم نسمع موردا يتوقف في مقابلة العامّ من حيث هو و الخاصّ، فضلا عن أن يرجّح عليه. نعم، لو فرض الخاصّ ظاهرا أيضا خرج عن النصّ، و صار من باب تعارض الظاهرين، فربما يقدّم العامّ‏ (2).

و هذا نظير ظنّ الاستصحاب على القول به، فإنّه لم يسمع مورد يقدّم الاستصحاب على الأمارة المعتبرة المخالفة له، فيكشف عن أنّ إفادته للظنّ أو اعتبار ظنّه النوعيّ مقيّد بعدم قيام‏ (3) ظنّ آخر على خلافه، فافهم‏ (4).

[عدم التعارض في القطعيّين و لا في الظنّيين الفعليّين:]

ثمّ إنّ التعارض- على ما عرفت من تعريفه- لا يكون في الأدلّة

____________

(1) كذا في (ظ)، و في غيرها: «نفرض».

(2) لم ترد «نعم لو فرض- إلى- يقدّم العامّ» في (ظ).

(3) لم ترد «قيام» في (ر)، (ص) و (ظ).

(4) لم ترد «فافهم» في (ظ).

18

القطعيّة؛ لأنّ حجّيّتها إنّما هي من حيث صفة القطع، و القطع بالمتنافيين أو بأحدهما مع الظنّ بالآخر غير ممكن.

و منه يعلم: عدم وقوع التعارض بين دليلين يكون حجّيّتهما باعتبار صفة الظنّ الفعليّ؛ لأنّ اجتماع الظنّين بالمتنافيين محال، فإذا تعارض سببان للظنّ الفعليّ، فإن بقي الظنّ في أحدهما فهو المعتبر، و إلّا تساقطا.

و قولهم: «إنّ التعارض لا يكون إلّا في الظنّين»، يريدون به الدليلين المعتبرين من حيث إفادة نوعهما الظنّ. و إنّما أطلقوا القول في ذلك؛ لأنّ أغلب الأمارات بل جميعها- عند جلّ العلماء، بل ما عدا جمع ممّن قارب عصرنا (1)- معتبرة من هذه الحيثيّة، لا لإفادة الظنّ الفعليّ بحيث يناط الاعتبار به.

و مثل هذا في القطعيّات غير موجود؛ إذ ليس هنا ما يكون اعتباره من باب إفادة نوعه القطع؛ لأنّ هذا يحتاج إلى جعل الشارع، فيدخل حينئذ في الأدلّة الغير القطعيّة؛ لأنّ الاعتبار في الأدلّة القطعيّة من حيث صفة القطع، و هي في المقام منتفية، فيدخل في الأدلّة الغير القطعيّة (2).

____________

(1) مثل: الوحيد البهبهاني، و كذا المحقّق القمي الذي قال بحجّية الأمارات من جهة دليل الانسداد، انظر الرسائل الاصولية: 429- 434، و الفوائد الحائرية:

117- 125، و القوانين 1: 440، و 2: 102.

(2) لم ترد «لأنّ الاعتبار- إلى- الغير القطعيّة» في (ظ)، و في (ه) كتب عليها:

«زائد»، و في (ت) كتب عليها: «نسخة بدل».

19

إذا عرفت ما ذكرناه، فاعلم: أنّ الكلام في أحكام التعارض يقع في مقامين؛ لأنّ المتعارضين:

إمّا أن يكون لأحدهما مرجّح على الآخر.

و إمّا أن لا يكون، بل يكونان متعادلين متكافئين.

[قاعدة «الجمع مهما أمكن أولى من الطرح»:]

و قبل الشروع في بيان حكمهما لا بدّ من الكلام في القضيّة المشهورة، و هي: أنّ الجمع بين الدليلين مهما أمكن أولى من الطرح‏ (1).

و المراد بالطرح- على الظاهر المصرّح به في كلام بعضهم‏ (2)، و في معقد إجماع بعض آخر (3)- أعمّ من طرح أحدهما لمرجّح في الآخر، فيكون الجمع مع التعادل أولى من التخيير، و مع وجود المرجّح أولى من الترجيح.

[كلام ابن أبي جمهور الأحسائيّ في عوالي اللآلي:]

قال الشيخ ابن أبي جمهور الأحسائيّ في عوالي اللآلي- على ما حكي عنه-:

إنّ كلّ حديثين ظاهرهما التعارض يجب عليك: أوّلا البحث عن معناهما و كيفيّة دلالة ألفاظهما، فإن أمكنك التوفيق بينهما بالحمل على جهات التأويل و الدلالات، فاحرص عليه و اجتهد في تحصيله؛ فإنّ العمل بالدليلين مهما أمكن خير من ترك أحدهما و تعطيله بإجماع العلماء. فإذا لم تتمكّن من ذلك و لم يظهر (4) لك وجهه، فارجع إلى‏

____________

(1) انظر الفصول: 440، و مناهج الأحكام: 312، بل ادّعى عليها الإجماع في عوالي اللآلي كما سيأتي بعد سطور.

(2) مثل صاحبي الفصول و المناهج.

(3) هو ابن أبي جمهور، كما سيأتي.

(4) في المصدر: «أو لم يظهر».

20

العمل بهذا الحديث- و أشار بهذا إلى مقبولة عمر بن حنظلة (1)- (2) انتهى.

[ما استدلّ به على هذه القاعدة:]

و استدلّ عليه:

تارة: بأنّ الأصل في الدليلين الإعمال، فيجب الجمع بينهما بما أمكن؛ لاستحالة الترجيح من غير مرجّح‏ (3).

و اخرى: بأنّ دلالة اللفظ على تمام معناه أصليّة و على جزئه تبعيّة، و على تقدير الجمع يلزم إهمال دلالة تبعيّة، و هو أولى ممّا يلزم على تقدير عدمه، و هو إهمال دلالة أصليّة (4).

[عدم إمكان العمل بهذه القاعدة:]

و لا يخفى: أنّ العمل بهذه القضيّة على ظاهرها يوجب سدّ باب الترجيح، و الهرج في الفقه، كما لا يخفى. و لا دليل عليه، بل الدليل على خلافه، من الإجماع و النصّ‏ (5).

[عدم الدليل على هذه القاعدة]

أمّا عدم الدليل عليه؛ فلأنّ ما ذكر- من أنّ الأصل في الدليلين الإعمال- مسلّم، لكنّ المفروض عدم إمكانه في المقام؛ فإنّ العمل بقوله (عليه السلام): «ثمن العذرة سحت» (6)، و قوله (عليه السلام): «لا بأس ببيع العذرة» (7)- على ظاهرهما- غير ممكن، و إلّا لم يكونا متعارضين.

و إخراجهما عن ظاهرهما- بحمل الأوّل على عذرة غير مأكول اللحم،

____________

(1) عوالي اللآلي 4: 136.

(2) الآتية في الصفحة 57.

(3) هذا الاستدلال من الشهيد الثاني في تمهيد القواعد: 283.

(4) ذكر الاستدلال به في نهاية الوصول (مخطوط): 453، و منية اللبيب (مخطوط):

الورقة 169، و الفصول: 440، و القوانين 2: 279، و مناهج الأحكام: 312.

(5) انظر الصفحة 24، الهامش 3.

(6) الوسائل 12: 126، الباب 40 من أبواب ما يكتسب به، الحديث الأوّل.

(7) الوسائل 12: 126، الباب 40 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 3.

21

و الثاني على عذرة مأكول اللحم‏ (1)- ليس عملا بهما (2)؛ إذ كما يجب مراعاة السند في الرواية و التعبّد بصدورها إذا اجتمعت شرائط الحجّيّة، كذلك يجب التعبّد بإرادة المتكلّم ظاهر الكلام المفروض وجوب التعبّد بصدوره إذا لم يكن هناك قرينة صارفة، و لا ريب أنّ التعبّد بصدور أحدهما- المعيّن إذا كان هناك مرجّح، و المخيّر إذا لم يكن- ثابت على تقدير الجمع و عدمه، فالتعبّد بظاهره واجب، كما أنّ التعبّد بصدور الآخر أيضا واجب.

فيدور الأمر بين عدم التعبّد بصدور ما عدا الواحد المتّفق على التعبّد به، و بين عدم التعبّد بظاهر الواحد المتّفق على التعبّد به، و لا أولويّة للثاني.

بل قد يتخيّل العكس؛ من حيث إنّ في الجمع ترك التعبّد بظاهرين، و في طرح أحدهما ترك التعبّد بسند واحد.

لكنّه فاسد؛ من حيث إنّ ترك التعبّد بظاهر ما لم يثبت التعبّد بصدوره‏ (3) و لم يحرز كونه صادرا عن المتكلّم- و هو ما عدا الواحد المتيقّن العمل به- ليس مخالفا للأصل، بل التعبّد غير معقول؛ إذ لا ظاهر حتّى يتعبّد به‏ (4).

____________

(1) كما فعله الشيخ (قدّس سرّه‏) في الاستبصار 3: 56، ذيل الحديث 182.

(2) في (ظ) بدل «عملا بهما»: «علاجهما».

(3) في (ت): «صدوره».

(4) في (ص)، و (ر) زيادة: «و ليس مخالفا للأصل و تركا للتعبّد بما يجب التعبّد به». و في (ظ) بدل «ما لم يثبت- إلى حتّى يتعبّد به»: «ما لا تعبّد بسنده ليس مخالفا للأصل و تركا للتعبّد بما يجب التعبّد به».

22

و ممّا ذكرنا يظهر فساد توهّم: أنّه إذا عملنا بدليل حجّيّة الأمارة فيهما و قلنا بأنّ الخبرين معتبران سندا، فيصيران كمقطوعي الصدور، و لا إشكال و لا خلاف في أنّه إذا وقع التعارض بين ظاهري مقطوعي الصدور- كآيتين أو متواترين- وجب تأويلهما و العمل بخلاف ظاهرهما، فيكون القطع بصدورهما عن المعصوم (عليه السلام) قرينة صارفة لتأويل كلّ من الظاهرين.

و توضيح الفرق و فساد القياس: أنّ وجوب التعبّد بالظواهر لا يزاحم القطع بالصدور، بل القطع بالصدور قرينة على إرادة خلاف الظاهر، و فيما نحن فيه يكون وجوب التعبّد بالظاهر مزاحما لوجوب التعبّد بالسند.

و بعبارة اخرى: العمل بمقتضى أدلّة اعتبار السند و الظاهر- بمعنى:

الحكم بصدورهما و إرادة ظاهرهما- غير ممكن، و الممكن من هذه الامور الأربعة اثنان لا غير: إمّا الأخذ بالسندين، و إمّا الأخذ بظاهر و سند من أحدهما، فالسند الواحد منهما متيقّن‏ (1) الأخذ به.

و طرح أحد الظاهرين- و هو ظاهر الآخر الغير المتيقّن الأخذ بسنده- ليس مخالفا للأصل؛ لأنّ المخالف للأصل ارتكاب التأويل في الكلام بعد الفراغ عن التعبّد بصدوره.

فيدور الأمر بين مخالفة أحد أصلين: إمّا مخالفة دليل التعبّد بالصدور في غير المتيقّن التعبّد، و إمّا مخالفة الظاهر في متيقّن التعبّد، و أحدهما ليس حاكما على الآخر؛ لأنّ الشكّ فيهما مسبّب عن ثالث، فيتعارضان.

____________

(1) في (ت) بدل «متيقّن»: «متعيّن»، و كذا في الموارد المشابهة الآتية.

23

و منه يظهر: فساد قياس ذلك بالنصّ الظنّيّ السند مع الظاهر، حيث يجب‏ (1) الجمع بينهما بطرح ظهور الظاهر، لا سند النصّ.

توضيحه: أنّ سند الظاهر لا يزاحم دلالته‏ (2)- بديهة (3)- و لا سند النصّ و لا دلالته‏ (4)، و أمّا سند النصّ و دلالته، فإنّما يزاحمان ظاهره لا سنده، و هما حاكمان‏ (5) على ظهوره؛ لأنّ من آثار التعبّد به رفع اليد عن ذلك الظهور؛ لأنّ الشكّ فيه مسبّب عن الشكّ في التعبّد بالنصّ.

و أضعف ممّا ذكر: توهّم قياس ذلك بما إذا كان خبر بلا معارض، لكن ظاهره مخالف للإجماع، فإنّه يحكم بمقتضى اعتبار سنده بإرادة خلاف الظاهر من مدلوله.

لكن لا دوران هناك بين طرح السند و العمل بالظاهر و بين العكس؛ إذ لو طرحنا سند ذلك الخبر لم يبق مورد للعمل بظاهره، بخلاف ما نحن فيه؛ فإنّا إذا طرحنا سند أحد الخبرين أمكننا العمل بظاهر الآخر، و لا مرجّح لعكس ذلك. بل الظاهر هو الطرح؛ لأنّ المرجع و المحكّم في الإمكان الذي قيّد به وجوب العمل بالخبرين هو العرف، و لا شكّ في حكم العرف و أهل اللسان بعدم إمكان العمل بقوله: «أكرم العلماء»، و «لا تكرم العلماء». نعم، لو فرض علمهم‏

____________

(1) كذا في (د)، و في غيرها: «يوجب».

(2) في (ظ) بدل «لا يزاحم دلالته»: «لا يزاحمه».

(3) لم ترد «بديهة» في (ت) و (ظ).

(4) في (ت) و (ص) زيادة: «أمّا دلالته فواضح؛ إذ لا يبقى مع طرح السند مراعاة للظاهر»، لكن كتب عليها: «نسخة».

(5) في (ظ): «و هو حاكم».

24

بصدور كليهما حملوا أمر الآمر (1) بالعمل بهما على إرادة ما يعمّ العمل بخلاف ما يقتضيانه بحسب اللغة و العرف.

[دليل آخر على عدم كليّة هذه القاعدة:]

و لأجل ما ذكرنا وقع من جماعة- من أجلّاء الرواة (2)- السؤال عن حكم الخبرين المتعارضين، مع ما هو مركوز في ذهن كلّ أحد: من أنّ كلّ دليل شرعيّ يجب العمل به مهما أمكن؛ فلو لم يفهموا عدم الإمكان في المتعارضين لم يبق وجه للتحيّر الموجب للسؤال. مع أنّه لم يقع‏ (3) الجواب في شي‏ء من تلك الأخبار العلاجيّة بوجوب الجمع بتأويلهما معا. و حمل مورد السؤال على صورة تعذّر تأويلهما و لو بعيدا تقييد بفرد غير واقع في الأخبار المتعارضة.

[مخالفة هذه القاعدة للإجماع:]

و هذا دليل آخر على عدم كلّيّة هذه القاعدة.

هذا كلّه، مضافا إلى مخالفتها للإجماع؛ فإنّ علماء الإسلام من زمن الصحابة إلى يومنا هذا لم يزالوا يستعملون المرجّحات في الأخبار المتعارضة بظواهرها، ثمّ اختيار أحدهما و طرح الآخر من دون تأويلهما معا لأجل الجمع.

و أمّا ما تقدّم من عوالي اللآلي‏ (4)، فليس نصّا، بل و لا ظاهرا في دعوى تقديم الجمع بهذا النحو على الترجيح و التخيير؛ فإنّ الظاهر من الإمكان في قوله: «فإن أمكنك التوفيق بينهما»، هو الإمكان العرفيّ، في‏

____________

(1) في (ه) بدل «أمر الآمر»: «الأمر».

(2) انظر الصفحة 57- 67.

(3) يبدو أنّ هذا هو مراده من النصّ الذي أشار إليه في الصفحة 20، بقوله:

«بل الدليل على خلافه من الإجماع و النصّ».

(4) تقدّم في الصفحة 19.

25

مقابل الامتناع العرفيّ بحكم أهل اللسان، فإنّ حمل اللفظ على خلاف ظاهره بلا قرينة غير ممكن عند أهل اللسان، بخلاف حمل العامّ و المطلق على الخاصّ و المقيّد.

و يؤيّده قوله أخيرا: «فإذا لم تتمكّن من ذلك و لم يظهر لك وجهه فارجع إلى العمل بهذا الحديث»؛ فإنّ مورد عدم التمكّن- و لو بعيدا (1)- نادر جدّا.

و بالجملة: فلا يظنّ بصاحب العوالي و لا بمن هو دونه أن يقتصر في الترجيح على موارد لا يمكن تأويل كليهما، فضلا عن دعواه الإجماع على ذلك.

[أقسام الجمع:]

و التحقيق الذي عليه أهله: أنّ الجمع بين الخبرين المتنافيين بظاهرهما على أقسام ثلاثة:

أحدها: ما يكون متوقّفا على تأويلهما معا.

و الثاني: ما يتوقّف على تأويل أحدهما المعيّن.

و الثالث: ما يتوقّف على تأويل أحدهما لا بعينه.

أمّا الأوّل، فهو الذي تقدّم‏ (2) أنّه مخالف للدليل و النصّ و الإجماع.

و أمّا الثاني، فهو تعارض النصّ و الظاهر، الذي تقدّم‏ (3) أنّه ليس بتعارض في الحقيقة.

[تعارض الظاهرين:]

و أمّا الثالث، فمن أمثلته‏ (4): العامّ و الخاصّ من وجه، حيث يحصل‏

____________

(1) «و لو بعيدا» من (ظ).

(2) راجع الصفحة 20.

(3) راجع الصفحة 16.

(4) في (ظ) بدل «فمن أمثلته»: «فمثاله».

26

الجمع بتخصيص أحدهما مع بقاء الآخر على ظاهره. و مثل قوله:

«اغتسل يوم الجمعة»، بناء على أنّ ظاهر الصيغة الوجوب. و قوله:

«ينبغي غسل الجمعة»، بناء على ظهور هذه المادّة في الاستحباب، فإنّ الجمع يحصل برفع اليد عن ظاهر أحدهما.

[لو كان لأحد الظاهرين مزيّة على الآخر:]

و حينئذ، فإن كان لأحد الظاهرين مزيّة و قوّة على الآخر- بحيث لو اجتمعا في كلام واحد، نحو رأيت أسدا يرمي‏ (1)، أو اتّصلا في كلامين لمتكلّم واحد، تعيّن العمل بالأظهر و صرف الظاهر إلى ما لا يخالفه- كان حكم هذا حكم القسم الثاني، في أنّه إذا تعبّدنا (2) بصدور الأظهر يصير قرينة صارفة للظاهر من دون عكس.

نعم، الفرق بينه و بين القسم الثاني: أنّ التعبّد بصدور النصّ لا يمكن إلّا بكونه صارفا عن الظاهر، و لا معنى له غير ذلك؛ و لذا ذكرنا دوران الأمر فيه بين طرح دلالة الظاهر و طرح سند النصّ، و فيما نحن فيه يمكن التعبّد بصدور الأظهر و إبقاء الظاهر على حاله و صرف الأظهر؛ لأنّ كلا من الظهورين مستند إلى أصالة الحقيقة، إلّا أنّ العرف يرجّحون أحد الظهورين على الآخر، فالتعارض موجود و الترجيح بالعرف بخلاف النصّ و الظاهر (3).

____________

(1) لم ترد «نحو رأيت أسدا يرمي» في (ظ).

(2) في (ت)، (ه) و (ص) بدل «تعبّدنا»: «تعبّد».

(3) هنا حاشية من المصنّف ذكرت في (خ) و (ف)، و هي كما يلي: «نعم، بعد إحراز الترجيح العرفي للأظهر يصير كالنصّ و يعامل معه معاملة الحاكم؛ لأنّه يمكن أن يصير قرينة للظاهر، و لا يصلح الظاهر أن يكون قرينة له، بل لو اريد التصرّف فيه احتاج إلى قرينة من الخارج، و الأصل عدمها».

27

[لو لم يكن لأحد الظاهرين مزيّة على الآخر:]

و أمّا لو لم يكن لأحد الظاهرين مزيّة على الآخر، فالظاهر أنّ الدليل المتقدّم‏ (1) في الجمع- و هو ترجيح التعبّد بالصدور على أصالة الظهور- غير جار هنا؛ إذ لو جمع بينهما و حكم باعتبار سندهما و بأنّ أحدهما لا بعينه مؤوّل لم يترتّب على ذلك أزيد من الأخذ بظاهر أحدهما (2)، إمّا من باب عروض الإجمال لهما بتساقط أصالتي الحقيقة في كلّ منهما؛ لأجل التعارض، فيعمل بالأصل الموافق لأحدهما، و إمّا من باب التخيير في الأخذ بواحد من أصالتي الحقيقة، على أضعف الوجهين في حكم‏ (3) تعارض الأحوال إذا تكافأت. و على كلّ تقدير يجب طرح أحدهما.

نعم، يظهر الثمرة في إعمال المرجّحات السنديّة في هذا القسم؛ إذ على العمل بقاعدة (4) «الجمع» يجب أن يحكم بصدورهما و إجمالهما، كمقطوعي الصدور، بخلاف ما إذا أدرجناه في ما لا يمكن الجمع، فإنّه يرجع فيه إلى المرجّحات، و قد عرفت: أنّ هذا هو الأقوى، و أنّه‏ (5) لا محصّل للعمل بهما على أن يكونا مجملين و يرجع إلى الأصل الموافق‏

____________

(1) إشارة إلى ما ذكره قبل سطور بقوله: «إذا تعبّدنا بصدور الأظهر يصير قرينة صارفة للظاهر».

(2) في (ص) بدل «بظاهر أحدهما»: «بأحدهما».

(3) لم ترد «حكم» في (ر).

(4) في (ت)، (ر) و (ه) بدل «العمل بقاعدة»: «إعمال قاعدة».

(5) في (ظ) بدل «و قد عرفت أنّ هذا هو الأقوى و أنّه»: «و الظاهر أنّ حكمه حكم القسم الأوّل إذ».

28

لأحدهما (1).

و يؤيّد ذلك بل يدلّ عليه: أنّ الظاهر من العرف دخول هذا القسم في الأخبار العلاجيّة الآمرة بالرجوع إلى المرجّحات.

لكن يوهنه: أنّ اللازم حينئذ بعد فقد المرجّحات التخيير بينهما، كما هو صريح تلك الأخبار، مع أنّ الظاهر من سيرة العلماء- عدا ما سيجي‏ء من الشيخ‏ (2) (رحمه اللّه) في العدّة و الاستبصار- في مقام الاستنباط التوقّف و الرجوع إلى الأصل المطابق لأحدهما.

إلّا أن يقال: إنّ هذا من باب الترجيح بالأصل، فيعملون بمطابق الأصل منهما، لا بالأصل المطابق لأحدهما، و مع مخالفتهما للأصل فاللازم التخيير على كلّ تقدير، غاية الأمر أنّ التخيير شرعيّ إن قلنا بدخولهما في عموم الأخبار، و عقليّ‏ (3) إن لم نقل.

[تفصيل في الظاهرين المتعارضين:]

و قد يفصّل بين ما إذا كان لكلّ من الظاهرين مورد سليم عن المعارض، كالعامّين من وجه؛ حيث إنّ مادّة الافتراق في كلّ منهما سليمة عن المعارض، و بين غيره، كقوله: «اغتسل للجمعة»، و «ينبغي غسل الجمعة»، فيرجّح الجمع على الطرح في الأوّل؛ لوجوب العمل بكلّ منهما في الجملة، فيستبعد الطرح في مادّة الاجتماع، بخلاف‏

____________

(1) في (ت)، (ص) و (ه) زيادة، كتب عليها «نسخة» و هي: «ليكون حاصل الأمر بالتعبّد بهما ترك الجمع بينهما و الأخذ بالأصل المطابق لأحدهما».

(2) انظر الصفحة 82- 84.

(3) في (ظ) زيادة: «على القول به في مخالفي الأصل»، و كتب عليها في (ص):

«نسخة».

29

الثاني‏ (1). و سيجي‏ء تتمّة الكلام إن شاء اللّه تعالى‏ (2).

[ما فرّعه الشهيد الثاني على قاعدة «الجمع»:]

بقي في المقام: أنّ شيخنا الشهيد الثاني (رحمه اللّه) فرّع في تمهيده على قضيّة أولويّة الجمع، الحكم بتنصيف دار تداعياها و هي في يدهما، أو لا يد لأحدهما، و أقاما بيّنة (3)، انتهى المحكيّ عنه.

و لو خصّ المثال بالصورة الثانية لم يرد عليه ما ذكره المحقّق القمي (رحمه اللّه)(4)، و إن كان ذلك أيضا لا يخلو عن مناقشة يظهر بالتأمّل.

و كيف كان، فالأولى التمثيل بها و بما أشبهها، مثل حكمهم بوجوب العمل بالبيّنات في تقويم المعيب و الصحيح.

و كيف كان، فالكلام في مستند أولويّة الجمع بهذا النحو، أعني العمل بكلّ من الدليلين في بعض مدلولهما المستلزم للمخالفة القطعيّة لمقتضى الدليلين؛ لأنّ الدليل الواحد لا يتبعّض في الصدق و الكذب.

و مثل هذا غير جار (5) في أدلّة الأحكام الشرعيّة.

و التحقيق: أنّ العمل بالدليلين، بمعنى الحركة و السكون على طبق مدلولهما، غير ممكن مطلقا، فلا بدّ- على القول بعموم القضيّة المشهورة- من العمل على وجه يكون فيه جمع بينهما من جهة و إن كان طرحا من‏

____________

(1) لم ترد «و قد يفصّل- إلى- بخلاف الثاني» في (ظ)، و ورد بدله: «و هذا أظهر».

(2) انظر الصفحة 87- 89.

(3) تمهيد القواعد: 284.

(4) انظر القوانين 2: 279.

(5) في (ظ) بدل «جار»: «جائز».

30

جهة اخرى، في مقابل طرح أحدهما رأسا.

و الجمع في أدلّة الأحكام عندهم، بالعمل بهما من حيث الحكم بصدقهما و إن كان فيه طرح لهما من حيث ظاهرهما.

[إمكان الجمع بين البيّنات بالتبعيض:]

و في مثل تعارض البيّنات، لمّا لم يمكن ذلك؛ لعدم تأتّي التأويل في ظاهر كلمات الشهود، فهي بمنزلة النصّين المتعارضين، انحصر وجه الجمع في التبعيض فيهما من حيث التصديق، بأن يصدّق كلّ من المتعارضين في بعض ما يخبر به.

فمن أخبر بأنّ هذه الدار كلّها لزيد نصدّقه في نصف الدار. و كذا من شهد بأنّ قيمة هذا الشي‏ء صحيحا كذا و معيبا كذا نصدّقه في أنّ قيمة كلّ نصف منه منضمّا إلى نصفه الآخر نصف القيمة.

[عدم إمكان الجمع بالتبعيض في تعارض الأخبار:]

و هذا النحو غير ممكن في الأخبار؛ لأنّ مضمون خبر العادل- أعني: صدور هذا القول الخاصّ من الإمام (عليه السلام)- غير قابل للتبعيض، بل هو نظير تعارض البيّنات في الزوجيّة أو النسب.

نعم قد يتصوّر التبعيض في ترتيب الآثار على تصديق العادل إذا كان كلّ من الدليلين عامّا ذا أفراد، فيؤخذ بقوله في بعضها و بقول الآخر في بعضها، فيكرم بعض العلماء و يهين بعضهم، فيما إذا ورد:

«أكرم العلماء»، و ورد أيضا: «أهن العلماء»، سواء كانا نصّين بحيث لا يمكن التجوّز في أحدهما، أو ظاهرين فيمكن الجمع بينهما على وجه التجوّز و على طريق التبعيض.

إلّا أنّ المخالفة القطعية في الأحكام الشرعيّة لا ترتكب في واقعة واحدة؛ لأنّ الحقّ فيها للشارع و لا يرضى بالمعصية القطعيّة مقدّمة للعلم بالإطاعة، فيجب اختيار أحدهما و طرح الآخر، بخلاف حقوق الناس؛

31

فإنّ الحقّ فيها لمتعدّد، فالعمل بالبعض في كلّ منهما جمع بين الحقّين من غير ترجيح لأحدهما على الآخر بالدواعي النفسانيّة، فهو أولى من الإهمال الكلّي لأحدهما و تفويض تعيين ذلك إلى اختيار الحاكم و دواعيه النفسانيّة الغير المنضبطة في الموارد. و لأجل هذا يعدّ الجمع بهذا النحو مصالحة بين الخصمين عند العرف، و قد وقع التعبّد به في بعض النصوص‏ (1) أيضا.

فظهر ممّا ذكرنا: أنّ الجمع في أدلّة الأحكام بالنحو المتقدّم- من تأويل كليهما- لا أولويّة له أصلا على طرح أحدهما و الأخذ بالآخر، بل الأمر بالعكس.

[الجمع بين البيّنات في حقوق الناس:]

و أمّا الجمع بين البيّنات في حقوق الناس، فهو و إن كان لا أولويّة فيه على طرح أحدهما بحسب أدلّة حجّيّة البيّنة؛ لأنّها تدلّ على وجوب الأخذ بكلّ منهما في تمام مضمونه، فلا فرق في مخالفتها (2) بين الأخذ لا بكلّ منهما بل بأحدهما، أو بكلّ منهما لا في تمام مضمونه بل في بعضه، إلّا أنّ ما ذكرناه‏ (3) من الاعتبار لعلّه يكون مرجّحا للثاني على الأوّل.

و يؤيّده: ورود الأمر بالجمع بين الحقّين بهذا النحو في رواية السكوني‏ (4)- المعمول بها- في من أودعه رجل درهمين و آخر درهما (5)،

____________

(1) المقصود منه رواية السكوني الآتية بعد سطور.

(2) في غير (ظ): «مخالفتهما».

(3) في (ر): «ذكر».

(4) الوسائل 13: 171، الباب 12 من أحكام الصلح، الحديث الأوّل.

(5) في (المصدر) بدل «درهمين و درهم»: «دينارين و دينار».

32

فامتزجا بغير تفريط و تلف أحدها.

[الأصل في تعارض البيّنات هي القرعة:]

هذا، و لكنّ الإنصاف: أنّ الأصل في موارد تعارض البيّنات و شبهها هي القرعة. نعم، يبقى الكلام في كون القرعة مرجّحة للبيّنة المطابقة لها أو مرجعا بعد تساقط البيّنتين. و كذا الكلام في عموم مورد (1) القرعة أو اختصاصها بما لا يكون هناك أصل عمليّ- كأصالة الطهارة- مع إحدى البيّنتين. و للكلام مورد آخر (2).

[الكلام في أحكام التعارض في مقامين:]

فلنرجع إلى ما كنّا فيه، فنقول: حيث تبيّن عدم تقدّم الجمع على الترجيح و لا على التخيير، فلا بدّ من الكلام في المقامين اللذين ذكرنا (3) أنّ الكلام في أحكام التعارض يقع فيهما، فنقول‏ (4):

إنّ المتعارضين، إمّا أن لا يكون مع أحدهما مرجّح فيكونان متكافئين متعادلين، و إمّا أن يكون مع أحدهما مرجّح‏ (5).

____________

(1) في غير (ت): «موارد».

(2) انظر مبحث القرعة في عوائد الأيّام: 639- 669، و العناوين 1: 352- 360.

(3) راجع الصفحة 19.

(4) في (ظ) بدل «حيث تبيّن- إلى- فنقول»: «هذا تمام الكلام في عدم تقدّم الجمع على الترجيح، و أمّا على التخيير فلا بدّ من الكلام في مقامين؛ لأنّا ذكرنا أنّ المتعارضين ...».

(5) لم ترد «إنّ المتعارضين- إلى- مرجّح» في (ر) و (ص).

33

المقام الأوّل في المتكافئين‏

و الكلام فيه:

[ما هو مقتضى الأصل الأوّلي في المتكافئين؟]

أوّلا: في أنّ الأصل في المتكافئين التساقط و فرضهما كأن لم يكونا، أو لا؟

ثمّ اللازم بعد عدم التساقط: الاحتياط، أو التخيير، أو التوقّف و الرجوع إلى الأصل المطابق لأحدهما دون المخالف لهما؛ لأنّه معنى تساقطهما؟

[كلام السيّد المجاهد في أنّ مقتضى الأصل هو التساقط]

فنقول- و باللّه المستعان-:

قد يقال، بل قيل: إنّ الأصل في المتعارضين عدم حجّية أحدهما (1)؛ لأنّ دليل الحجّية مختصّ بغير صورة التعارض‏ (2):

أمّا إذا كان إجماعا؛ فلاختصاصه بغير المتعارضين، و ليس فيه عموم أو إطلاق لفظيّ يفيد العموم‏ (3).

____________

(1) قاله السيّد المجاهد في مفاتيح الاصول: 683، و كذا بعض العامّة كما في المعالم: 250.

(2) هذا ما استدلّ به السيد المجاهد.

(3) في (ت)، (ه) و (ظ) زيادة: «ليكون مدّعي الاختصاص محتاجا إلى المخصّص و المقيّد».

34

و أمّا إذا كان لفظا؛ فلعدم إمكان إرادة المتعارضين من عموم ذلك اللفظ؛ لأنّه يدلّ على وجوب العمل عينا بكلّ خبر- مثلا- و لا ريب أنّ وجوب العمل عينا بكلّ من المتعارضين ممتنع، و العمل بكلّ منهما تخييرا لا يدلّ عليه الكلام‏ (1)؛ إذ لا يجوز إرادة الوجوب العينيّ بالنسبة إلى غير المتعارضين، و التخييريّ بالنسبة إلى المتعارضين، من لفظ واحد.

و أمّا العمل بأحدهما الكلّيّ عينا فليس من أفراد العامّ؛ لأنّ أفراده هي المشخّصات‏ (2) الخارجيّة، و ليس الواحد على البدل فردا آخر، بل هو عنوان منتزع منها غير محكوم بحكم نفس المشخّصات بعد الحكم بوجوب العمل بها عينا.

[المناقشة فيما أفاده السيّد المجاهد]

هذا، لكن ما ذكره- من الفرق بين الإجماع و الدليل اللفظيّ- لا محصّل و لا ثمرة له فيما نحن فيه‏ (3)؛ لأنّ المفروض قيام الإجماع على‏

____________

(1) في (ص) بدل «يدلّ عليه الكلام»: «لا دليل عليه».

(2) في (ظ): «المتشخّصات»، و كذا في الموارد المشابهة الآتية.

(3) لم ترد «هذا، لكن- إلى- فيما نحن فيه» في (ظ)، و ورد بدلها ما يلي:

«و الإنصاف أنّ ما ذكر مغالطة، أمّا دعوى اختصاص الإجماع بغير المتعارضين؛ فلأنّه إنّ اريد أنّ وجوب العمل بكلّ منهما له مانع غير وجوب العمل بالآخر، فهذا خلاف الفرض؛ لأنّ المفروض باعتراف الطرفين أنّ المانع عن العمل هو وجود المعارض الواجب العمل في نفسه. و إن اريد أنّ وجوب العمل بكل منهما مانع عن وجوب العمل بالآخر، ففيه: أنّه لا فرق بين الدليل العام على وجوب العمل بالمتعارضين، و بين قيام الإجماع عليه، فلا معنى لدعوى أنّ المتيقن منه كذا؛ إذ ليس هنا أمر زائد على وجوب العمل بكلّ خبر لو لا معارضة حتّى يشكّ فيه.

و أمّا ما يرى من اختصاص حجّية بعض الأمارات و اشتراطها بفقد الأمارة

35

أنّ كلا منهما واجب العمل لو لا المانع الشرعيّ- و هو وجوب العمل بالآخر-؛ إذ لا نعني بالمتعارضين إلّا ما كان كذلك، و أمّا ما كان وجود أحدهما مانعا عن وجوب العمل بالآخر فهو خارج عن موضوع التعارض؛ لأنّ الأمارة الممنوعة لا وجوب للعمل بها، و الأمارة المانعة إن كانت واجبة العمل تعيّن العمل بها لسلامتها عن معارضة الاخرى، فهي بوجودها تمنع وجوب العمل بتلك، و تلك لا تمنع وجوب العمل بهذه، لا بوجودها و لا بوجوبها، فافهم.

و الغرض من هذا التطويل حسم مادّة الشبهة التي توهّمها بعضهم‏ (1): من أنّ القدر المتيقّن من أدلّة الأمارات التي ليس لها عموم لفظيّ هو حجّيّتها مع الخلوّ عن المعارض.

[الأصل عدم التساقط و الدليل عليه:]

و حيث اتّضح عدم الفرق في المقام بين كون أدلّة الأمارات من العمومات أو من قبيل الإجماع، فنقول: إنّ الحكم بوجوب الأخذ بأحد المتعارضين في الجملة و عدم تساقطهما ليس لأجل شمول العموم اللفظيّ‏

____________

الفلانية- كاشتراط حجيّة الخبر بعدم كون الشهرة على خلافه، فيكون لعدم الشهرة مدخلا في أصل الحجيّة- فليس من قبيل ما نحن فيه؛ إذ فرق بيّن بين اشتراط وجوب العمل بأمارة بعدم وجود الأمارة المخالفة فيكون غير حجّة مع وجودها، و بين اشتراطه بعدم وجوب العمل بها فيكون وجوب العمل بكلّ منهما مانعا عن وجوب العمل بالاخرى؛ لاستحالة إيجاب العمل بالمتقابلين، فحجيّة كلّ منهما بالذات ثابتة، لكن وجوب العمل بهما بالفعل غير ممكن؛ لمعارضته بوجوب مخالفها.

و من المعلوم أنّ هذا المعنى لا يتفاوت بكون الدليل عامّا لفظيّا أو إجماعا».

(1) هو السيد المجاهد في مفاتيح الاصول، كما تقدّم في الصفحة 33.

36

لأحدهما على البدل من حيث هذا المفهوم المنتزع؛ لأنّ ذلك غير ممكن، كما تقدّم وجهه في بيان الشبهة (1). لكن‏ (2)، لمّا كان امتثال التكليف بالعمل بكلّ منهما كسائر التكاليف الشرعيّة و العرفيّة مشروطا بالقدرة، و المفروض أنّ كلا منهما مقدور في حال ترك الآخر و غير مقدور مع إيجاد الآخر، فكلّ منهما مع ترك الآخر مقدور يحرم تركه و يتعيّن فعله، و مع إيجاد الآخر يجوز تركه و لا يعاقب عليه، فوجوب الأخذ بأحدهما نتيجة أدلّة وجوب الامتثال و العمل بكلّ منهما، بعد تقييد وجوب الامتثال بالقدرة (3).

و هذا ممّا يحكم به بديهة العقل، كما في كلّ واجبين اجتمعا على المكلّف، و لا مانع من تعيين كلّ منهما على المكلّف بمقتضى دليله إلّا تعيين الآخر عليه كذلك.

و السرّ في ذلك: أنّا لو حكمنا بسقوط كليهما مع إمكان أحدهما على البدل، لم يكن وجوب كلّ واحد منهما ثابتا بمجرّد الإمكان، و لزم كون وجوب كلّ منهما مشروطا بعدم انضمامه مع الآخر، و هذا خلاف‏

____________

(1) تقدّم في الصفحة 34.

(2) في (خ) و (ف) بدل «لكن»: «بل».

(3) وردت في (ظ) بدل «من حيث هذا- إلى- بالقدرة» العبارة التالية: «نظير شموله للواحد المعيّن؛ لأنّ دخول أحدهما على البدل و خروج الآخر غير ممكن، كما تقدّم وجهه في بيان الشبهة، و إنّما هو حكم عقليّ يحكم به العقل بعد ملاحظة وجوب كلّ منهما في حدّ نفسه، بحيث لو أمكن الجمع بينهما وجب كلاهما؛ لبقاء المصلحة في كلّ منهما، غاية الأمر أنّه يفوته إحدى المصلحتين و يدرك الاخرى».

37

ما فرضنا: من عدم تقييد كلّ منهما في مقام الامتثال‏ (1) بأزيد من الإمكان، سواء كان وجوب كلّ منهما بأمر (2)، أو كان بأمر واحد يشمل الواجبين. و ليس التخيير في القسم الأوّل لاستعمال الأمر في التخيير (3)- كما توهّم‏ (4)- بل من جهة ما عرفت‏ (5).

و الحاصل: أنّه إذا أمر الشارع بشي‏ء واحد استقلّ العقل بوجوب إطاعته في ذلك الأمر بشرط عدم المانع العقليّ و الشرعي‏ (6)، و إذا أمر بشيئين و اتفق امتناع إيجادهما في الخارج استقلّ بوجوب إطاعته في أحدهما لا بعينه؛ لأنّها ممكنة، فيقبح تركها.

[مقتضى الأصل التخيير بناء على السببيّة:]

لكن، هذا كلّه على تقدير أن يكون العمل بالخبر من باب السببيّة، بأن يكون قيام الخبر على وجوب فعل واقعا، سببا شرعيّا لوجوبه ظاهرا على المكلّف، فيصير المتعارضان من قبيل السببين المتزاحمين، فيلغى أحدهما مع وجود وصف السببيّة فيه لإعمال الآخر، كما في كلّ واجبين متزاحمين.

____________

(1) لم ترد «في مقام الامتثال» في (ظ).

(2) في غير (ر) و (ص): «بأمرين».

(3) في (ظ) زيادة: «و لا في القسم الثاني بالعموم اللفظي»، كما أنّه وردت عبارة «سواء كان- إلى- في التخيير» في (ظ) قبل عبارة «و السرّ في ذلك- إلى- بأزيد من الإمكان».

(4) في نسخة بدل (ص): «كما يتوهّم».

(5) عبارة «كما توهّم، بل من جهة ما عرفت» من (ت)، (ه) و نسخة بدل (ص).

(6) لم ترد «بشرط عدم المانع العقلي و الشرعي» في (ظ).

38

أمّا لو جعلناه من باب الطريقيّة- كما هو ظاهر أدلّة حجّيّة الأخبار بل غيرها من الأمارات- بمعنى: أنّ الشارع لاحظ الواقع و أمر بالتوصّل إليه من هذا الطريق؛ لغلبة إيصاله إلى الواقع‏ (1)، فالمتعارضان لا يصيران من قبيل الواجبين المتزاحمين؛ للعلم بعدم إرادة الشارع سلوك الطريقين معا؛ لأنّ أحدهما مخالف للواقع قطعا، فلا يكونان طريقين إلى الواقع و لو فرض- محالا- إمكان العمل بهما، كما يعلم إرادته لكلّ من المتزاحمين في نفسه على تقدير إمكان الجمع.

مثلا: لو فرضنا أنّ الشارع لاحظ كون الخبر غالب الإيصال إلى الواقع، فأمر بالعمل به في جميع الموارد؛ لعدم المائز بين الفرد الموصل منه و غيره، فإذا تعارض خبران جامعان لشرائط الحجّيّة لم يعقل بقاء تلك المصلحة في كلّ منهما، بحيث لو أمكن الجمع بينهما أراد الشارع إدراك المصلحتين، بل وجود تلك المصلحة في كلّ منهما بخصوصه مقيّد بعدم معارضته بمثله.

[مقتضى الأصل التوقّف بناء على الطريقيّة:]

و من هنا، يتّجه الحكم حينئذ بالتوقّف، لا بمعنى أنّ أحدهما المعيّن واقعا طريق و لا نعلمه بعينه- كما لو اشتبه خبر صحيح بين خبرين- بل بمعنى أنّ شيئا منهما ليس طريقا في مؤدّاه بخصوصه.

و مقتضاه: الرجوع إلى الاصول العمليّة إن لم نرجّح‏ (2) بالأصل الخبر المطابق له، و إن قلنا بأنّه مرجّح خرج عن مورد الكلام- أعني التكافؤ-، فلا بدّ من فرض الكلام فيما لم يكن هناك أصل‏

____________

(1) لم ترد «لغلبة إيصاله إلى الواقع» في (ظ).

(2) كذا في (ص)، و في غيره: «يرجّح».

39

مع أحدهما، فيتساقطان من حيث جواز العمل بكلّ منهما؛ لعدم كونهما طريقين، كما أنّ التخيير مرجعه إلى التساقط من حيث وجوب العمل.

[مقتضى الأخبار عدم التساقط:]

هذا ما تقتضيه القاعدة في مقتضى وجوب العمل بالأخبار من حيث الطريقيّة (1)، إلّا أنّ الأخبار المستفيضة بل المتواترة (2) قد دلّت على عدم التساقط مع فقد المرجّح‏ (3).

[ما هو الحكم بناء على عدم التساقط؟]

و حينئذ فهل يحكم بالتخيير، أو العمل بما طابق منهما الاحتياط، أو بالاحتياط و لو كان مخالفا لهما، كالجمع بين الظهر و الجمعة مع تصادم أدلّتهما، و كذا بين القصر و الإتمام؟ وجوه:

[المشهور هو التخيير للأخبار المستفيضة الدالّة على التخيير:]

المشهور- و هو الذي عليه جمهور المجتهدين‏ (4)- الأوّل؛ للأخبار المستفيضة، بل المتواترة الدالّة عليه‏ (5).

____________

(1) لم ترد «بخصوصه- إلى- من حيث الطريقيّة» في (ظ)، و وردت بدلها العبارة التالية: «فيتساقطان من حيث وجوب العمل، كما أنّ التخيير مرجعه إلى التساقط من حيث وجوب العمل. هذا ما تقتضيه القاعدة في مقتضى وجوب العمل بالأخبار من حيث الطريقيّة، و مقتضاه الرجوع إلى الاصول العمليّة إن لم يرجّح بالأصل الخبر المطابق له».

(2) سيأتي ذكرها في الصفحة 57- 67.

(3) في (ت) زيادة: «فلذا لم نحكم بالتساقط».

(4) انظر الاستبصار 1: 4 و 5، و المعارج: 156، و مبادئ الوصول: 233، و المعالم: 250، و الفصول: 454، و القوانين 2: 283، و مناهج الأحكام: 317.

(5) انظر الوسائل 18: 87- 88، الباب 9 من أبواب صفات القاضي، الحديث 39، 40، 41 و 44.

40

و لا يعارضها عدا ما في مرفوعة زرارة الآتية (1)- المحكيّة عن عوالي اللآلي- الدالّة على الوجه الثاني من الوجوه الثلاثة.

و هي ضعيفة جدّا، و قد طعن في ذلك التأليف‏ (2) و في مؤلّفه، المحدّث البحراني (قدّس سرّه‏) في مقدّمات الحدائق‏ (3).

[أخبار التوقّف و الجواب عنها]

و أمّا أخبار التوقّف الدالّة على الوجه الثالث- من حيث إنّ التوقّف في الفتوى يستلزم الاحتياط في العمل، كما في ما لا نصّ فيه- فهي محمولة على صورة التمكّن من الوصول إلى الإمام (عليه السلام)، كما يظهر من بعضها. فيظهر منها: أنّ المراد ترك العمل و إرجاء الواقعة إلى لقاء الإمام (عليه السلام)، لا العمل بها بالاحتياط.

ثمّ إنّ حكم الشارع في تلك الأخبار بالتخيير في تكافؤ الخبرين لا يدلّ على كون حجّيّة الأخبار من باب السببيّة بتوهّم أنه لو لا ذلك‏ (4) لأوجب التوقّف؛ لقوّة احتمال أن يكون التخيير حكما ظاهريّا عمليّا في مورد التوقّف، لا حكما واقعيّا ناشئا من تزاحم الواجبين، بل الأخبار المشتملة على الترجيحات و تعليلاتها أصدق شاهد على ما استظهرناه:

من كون حجّيّة الأخبار من باب الطريقيّة، بل هو أمر واضح. و مراد من جعلها من باب السببيّة (5) عدم إناطتها بالظنّ الشخصيّ، كما يظهر (6)

____________

(1) تأتي في الصفحة 62.

(2) لم ترد «التأليف» في (ظ).

(3) الحدائق 1: 99.

(4) كذا في (ص) و مصححة (ه)، و في غيرهما بدل «بتوهّم أنّه لو لا ذلك»: «و إلّا».

(5) كذا في (ص)، و في غيرها بدل «السببيّة»: «الأسباب».

(6) كذا في النسخ، و المناسب: «كما تظهر»؛ لرجوع الضمير إلى الإناطة.

41

من صاحب المعالم (رحمه اللّه) في تقرير دليل الانسداد (1).

[لو وقع التعادل للمجتهد في عمل نفسه أو للمفتي لأجل الإفتاء:]

ثمّ المحكيّ عن جماعة (2)- بل قيل: إنّه ممّا لا خلاف فيه‏ (3)-:

أنّ التعادل إن وقع للمجتهد كان مخيّرا في عمل نفسه.

و إن وقع للمفتي لأجل الإفتاء فحكمه أن يخيّر المستفتي، فيتخيّر في العمل كالمفتي.

و وجه الأوّل واضح.

و أمّا وجه الثاني؛ فلأنّ نصب الشارع للأمارات و طريقيّتها يشمل المجتهد و المقلّد، إلّا أنّ المقلّد عاجز عن القيام بشروط العمل بالأدلّة من حيث تشخيص مقتضياتها و دفع موانعها، فإذا أثبت ذلك المجتهد، و أثبت‏ (4) جواز العمل لكلّ‏ (5) من الخبرين المتكافئين، المشترك بين المقلّد و المجتهد، تخيّر المقلّد كالمجتهد.

و لأنّ إيجاب مضمون أحد الخبرين على المقلّد لم يقم عليه دليل، فهو تشريع.

و يحتمل أن يكون التخيير للمفتي، فيفتي بما اختار؛ لأنّه حكم‏

____________

(1) انظر المعالم: 192.

(2) حكاه السيّد المجاهد- في مفاتيح الاصول: 682- عن جماعة، منهم العلّامة في النهاية (مخطوط): 450، و تهذيب الوصول: 98، و مبادئ الوصول: 231، و السيّد العميدي في منية اللبيب (مخطوط): الورقة 169.

(3) القائل هو السيد المجاهد في مفاتيح الاصول: 682.

(4) لم ترد «أثبت» في (ر) و (ت).

(5) كذا في (ر)، و في غيرها: «بكلّ».

42

للمتحيّر، و هو المجتهد. و لا يقاس هذا بالشكّ الحاصل للمجتهد في بقاء الحكم الشرعيّ، مع أنّ حكمه- و هو البناء على الحالة السابقة- مشترك بينه و بين المقلّد؛ لأنّ الشكّ هناك في نفس الحكم الفرعيّ المشترك و له حكم مشترك، و التحيّر هنا في الطريق إلى الحكم، فعلاجه بالتخيير مختصّ بمن يتصدّى لتعيين الطريق، كما أنّ العلاج بالترجيح مختصّ‏ (1) به.

فلو فرضنا أنّ راوي أحد الخبرين عند المقلّد أعدل و أوثق من الآخر؛ لأنّه أخبر و أعرف به، مع تساويهما عند المجتهد أو انعكاس الأمر عنده، فلا عبرة بنظر المقلّد. و كذا لو فرضنا تكافؤ قولي اللغويين في معنى لفظ الرواية، فالعبرة بتخيّر (2) المجتهد، لا تخيّر (3) المقلّد بين حكم يتفرّع على أحد القولين و آخر يتفرّع على الآخر.

و المسألة محتاجة إلى التأمّل، و إن كان وجه المشهور أقوى.

هذا حكم المفتي.

[لو وقع التعادل للحاكم و القاضي فالظاهر التخيير:]

و أمّا الحاكم و القاضي، فالظاهر- كما عن جماعة (4)-: أنّه يتخيّر أحدهما فيقضي به؛ لأنّ القضاء و الحكم عمل له لا للغير فهو المخيّر، و لما عن بعض‏ (5): من أنّ تخيّر (6) المتخاصمين لا يرتفع معه الخصومة.

____________

(1) لم ترد «بمن يتصدّى- إلى- مختصّ» في (ظ).

(2) في (ص) و (ظ): «تخيير»، و في (ر) و (ه): «تحيّر».

(3) في (ص) و (ظ): «تخيير»، و في (ر) و (ه): «تحيّر».

(4) حكاه عنهم السيّد المجاهد أيضا.

(5) كالعلّامة في النهاية (مخطوط): 450، و السيّد العميدي في منية اللبيب (مخطوط): الورقة 169.

(6) في (ظ): «تخيير».

43

[هل التخيير بدويّ أو استمراري؟]

و لو حكم على طبق إحدى الأمارتين في واقعة، فهل له الحكم على طبق الاخرى في واقعة اخرى؟

المحكيّ عن العلّامة (رحمه اللّه) و غيره‏ (1): الجواز، بل حكي نسبته إلى المحقّقين‏ (2)؛ لما عن النهاية: من أنّه ليس في العقل ما يدلّ على خلاف ذلك، و لا يستبعد وقوعه- كما لو تغيّر اجتهاده- إلّا أن يدلّ دليل شرعيّ خارج على عدم جوازه، كما روي أنّ النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) قال لأبي بكر:

«لا تقض في الشي‏ء الواحد (3) بحكمين مختلفين‏ (4)».

[مختار المصنّف التخيير البدويّ:]

أقول: يشكل الجواز؛ لعدم الدليل عليه؛ لأنّ دليل التخيير إن كان الأخبار الدالّة عليه، فالظاهر أنّها مسوقة لبيان وظيفة المتحيّر في ابتداء الأمر، فلا إطلاق فيها بالنسبة إلى حال المتحيّر بعد الالتزام بأحدهما. و أمّا العقل الحاكم بعدم جواز طرح كليهما فهو ساكت من هذه الجهة أيضا (5)، و الأصل عدم حجّيّة الآخر له‏ (6) بعد الالتزام‏

____________

(1) حكاه أيضا السيّد المجاهد عن العلّامة في النهاية و التهذيب، و كذا عن السيّد العميدي في المنية.

(2) نسبه إلى المحقّقين السيّد العميدي في منية اللبيب (مخطوط): الورقة 69، و حكاه عنه السيد المجاهد في مفاتيح الاصول.

(3) في منية اللبيب زيادة: «لخصمين».

(4) نهاية الوصول (مخطوط): 450، و حكاه عنه السيد المجاهد في مفاتيح الاصول، و لفظ الحديث هكذا: «لا يقضي أحد في أمر بقضاءين»، انظر كنز العمّال 6: 103، الحديث 15041.

(5) «أيضا» من (ظ).

(6) «له» من (ظ).

44

بأحدهما، كما تقرّر في دليل عدم جواز العدول عن فتوى‏ (1) مجتهد إلى مثله.

نعم، لو كان الحكم بالتخيير في المقام من باب تزاحم الواجبين كان الأقوى استمراره؛ لأنّ المقتضي له في السابق موجود بعينه. بخلاف التخيير الظاهريّ في تعارض الطريقين، فإنّ احتمال تعيين ما التزمه قائم، بخلاف التخيير الواقعيّ، فتأمّل‏ (2).

و استصحاب التخيير غير جار؛ لأنّ الثابت سابقا ثبوت الاختيار لمن لم يتخيّر، فإثباته لمن اختار و التزم إثبات للحكم في غير موضوعه‏ (3) الأوّل.

و بعض المعاصرين‏ (4) (رحمه اللّه) استجود هنا كلام العلّامة (رحمه اللّه)؛ مع أنّه منع من العدول عن أمارة إلى اخرى و عن مجتهد إلى آخر (5)، فتدبّر.

[حكم التعادل في الأمارات المنصوبة في غير الأحكام:]

ثمّ إنّ حكم التعادل في الأمارات المنصوبة في غير الأحكام- كما في أقوال أهل اللغة و أهل الرجال- هو وجوب التوقّف؛ لأنّ الظاهر اعتبارها من حيث الطريقيّة إلى الواقع- لا السببيّة المحضة- و إن لم يكن منوطا بالظنّ الفعليّ، و قد عرفت أنّ اللازم في تعادل ما هو من هذا القبيل التوقّف و الرجوع إلى ما يقتضيه الأصل في ذلك المقام.

____________

(1) لم ترد «فتوى» في (ظ).

(2) لم ترد «فتأمّل» في (ظ).

(3) في (ت) و (ر): «موضعه».

(4) هو السيد المجاهد في مفاتيح الاصول: 682.

(5) راجع مفاتيح الاصول: 686 و 616.

45

إلّا أنّه إن جعلنا الأصل من المرجّحات- كما هو المشهور و سيجي‏ء (1)- لم يتحقّق التعادل بين الأمارتين إلّا بعد عدم موافقة شي‏ء منهما للأصل، و المفروض عدم جواز الرجوع إلى الثالث؛ لأنّه طرح للأمارتين، فالأصل الذي يرجع إليه هو الأصل في المسألة المتفرّعة على مورد التعارض، كما لو فرضنا تعادل أقوال أهل اللغة في معنى «الغناء» أو «الصعيد» أو «الجذع» من الشاة في الأضحية، فإنّه يرجع إلى الأصل في المسألة الفرعيّة.

[لا بدّ من الفحص عن المرجّحات في المتعارضين:]

بقي هنا ما يجب التنبيه عليه خاتمة للتخيير و مقدّمة للترجيح، و هو: أنّ الرجوع إلى التخيير غير جائز (2) إلّا بعد الفحص التامّ عن المرجّحات؛ لأنّ مأخذ التخيير:

إن كان هو العقل الحاكم بأنّ عدم إمكان الجمع في العمل لا يوجب إلّا طرح البعض، فهو لا يستقلّ بالتخيير في المأخوذ و المطروح إلّا بعد عدم مزيّة في أحدهما اعتبرها الشارع في العمل. و الحكم بعدمها لا يمكن إلّا بعد القطع بالعدم، أو الظنّ المعتبر، أو إجراء أصالة العدم التي لا تعتبر فيما له دخل في الأحكام الشرعيّة الكلّية إلّا بعد الفحص التامّ، مع أنّ أصالة العدم لا تجدي في استقلال العقل بالتخيير، كما لا يخفى.

و إن كان مأخذه الأخبار، فالمتراءى منها- من حيث سكوت بعضها عن جميع المرجّحات- و إن كان جواز الأخذ بالتخيير ابتداء،

____________

(1) في (ظ) زيادة: «الكلام فيه»، انظر الصفحة 151.

(2) كذا في (ص) و (ظ)، و في غيرهما: «غير جار».

46

إلّا أنّه يكفي في تقييدها دلالة بعضها الآخر على وجوب الترجيح ببعض المرجّحات المذكورة فيها، المتوقّف على الفحص عنها، المتمّمة فيما لم يذكر فيها من المرجّحات المعتبرة بعدم القول بالفصل بينها.

هذا، مضافا إلى لزوم الهرج و المرج، نظير ما يلزم من العمل بالاصول العمليّة و اللفظيّة قبل الفحص.

هذا، مضافا إلى الإجماع القطعيّ- بل الضرورة- من كلّ من يرى وجوب العمل بالراجح من الأمارتين؛ فإنّ الخلاف و إن وقع من جماعة (1) في وجوب العمل بالراجح من الأمارتين و عدم وجوبه لعدم اعتبار الظنّ في أحد الطرفين، إلّا أنّ من أوجب العمل بالراجح أوجب الفحص عنه، و لم يجعله واجبا مشروطا بالاطّلاع عليه. و حينئذ، فيجب على المجتهد الفحص التامّ عن وجود المرجّح لإحدى الأمارتين.

____________

(1) سيأتي ذكرهم في الصفحة 47- 48.

47

المقام الثاني في التراجيح‏

[تعريف الترجيح:]

الترجيح: تقديم إحدى الأمارتين على الاخرى في العمل؛ لمزيّة لها عليها بوجه من الوجوه.

[هنا مقامات:]

و فيه مقامات:

الأوّل: في وجوب ترجيح أحد الخبرين بالمزيّة الداخليّة أو الخارجيّة الموجودة فيه.

الثاني: في ذكر المزايا المنصوصة، و الأخبار الواردة.

الثالث: في وجوب الاقتصار عليها أو التعدّي إلى غيرها.

الرابع: في بيان المرجّحات الداخليّة و الخارجيّة.

أمّا المقام الأوّل [: المشهور وجوب الترجيح و الاستدلال عليه‏]

فالمشهور فيه وجوب الترجيح‏ (1). و حكي عن جماعة (2)- منهم‏

____________

(1) انظر مفاتيح الاصول: 686.

(2) انظر مفاتيح الاصول: 686، و فواتح الرحموت المطبوع ذيل المستصفى 2: 189.

48

الباقلاني و الجبّائيان- عدم الاعتبار بالمزيّة و جريان حكم التعادل.

و يدلّ على المشهور- مضافا إلى الإجماع المحقّق و السيرة القطعيّة و المحكيّة عن الخلف و السلف‏ (1) و تواتر الأخبار (2) بذلك-: أنّ حكم المتعارضين‏ (3) من الأدلّة- على ما عرفت‏ (4)- بعد عدم جواز طرحهما معا، إمّا التخيير لو كانت الحجّية من باب الموضوعيّة و السببيّة، و إمّا التوقّف لو كانت من باب الطريقيّة، و مرجع التوقّف أيضا إلى التخيير إذا لم نجعل الأصل من المرجّحات أو فرضنا الكلام في مخالفي الأصل؛ إذ على تقدير الترجيح بالأصل يخرج صورة مطابقة أحدهما للأصل عن مورد التعادل. فالحكم بالتخيير، على تقدير فقده أو كونه مرجعا، بناء على أنّ الحكم في المتعادلين مطلقا التخيير، لا الرجوع إلى‏ (5) الأصل المطابق لأحدهما (6). و التخيير (7) إمّا بالنقل و إمّا بالعقل، أمّا النقل فقد قيّد فيه التخيير بفقد المرجّح، و به يقيّد ما اطلق فيه التخيير، و أمّا العقل فلا يدلّ على التخيير بعد احتمال اعتبار الشارع للمزيّة و تعيين العمل بذيها.

____________

(1) انظر غاية البادئ (مخطوط): 279، و غاية المأمول (مخطوط): الورقة 218.

(2) أي: أخبار الترجيح الآتية في الصفحة 57- 67.

(3) في (ظ): «المتعادلين».

(4) راجع الصفحة 37- 38.

(5) «الرجوع إلى» من (ت) و (ه).

(6) لم ترد «إذ على تقدير- إلى- المطابق لأحدهما» في (ظ).

(7) شطب على «التخيير» في (ه)، و في (ت) كتب فوقه: «زائد».

49

و لا يندفع هذا الاحتمال بإطلاق أدلّة العمل بالأخبار؛ لأنّها في مقام تعيين العمل بكلّ من المتعارضين مع الإمكان، لكن صورة التعارض ليست من صور إمكان العمل بكلّ منهما، و إلّا لتعيّن العمل بكليهما. و العقل إنّما يستفيد من ذلك الحكم المعلّق بالإمكان عدم جواز طرح كليهما (1)، لا التخيير بينهما، و إنّما يحكم بالتخيير بضميمة أنّ تعيين أحدهما ترجيح بلا مرجّح، فإن استقلّ بعدم المرجّح حكم بالتخيير؛ لأنّه نتيجة عدم إمكان الجمع و عدم جواز الطرح و عدم وجود المرجّح لأحدهما، و إن لم يستقلّ بالمقدّمة الثالثة توقّف عن التخيير، فيكون العمل بالراجح معلوم الجواز و العمل بالمرجوح مشكوكا.

[المناقشة في وجوب الترجيح:]

فإن قلت:

أوّلا: إنّ كون الشي‏ء مرجّحا- مثل كون الشي‏ء دليلا- يحتاج إلى دليل؛ لأنّ التعبّد بخصوص الراجح إذا لم يعلم من الشارع كان الأصل عدمه، بل العمل به مع الشكّ يكون تشريعا، كالتعبّد بما لم يعلم حجّيته.

و ثانيا: إذا دار الأمر بين وجوب أحدهما على التعيين و أحدهما على البدل، فالأصل براءة الذمّة عن خصوص الواحد المعيّن، كما هو مذهب جماعة في مسألة دوران الأمر بين التخيير و التعيين‏ (2).

[الجواب عن المناقشة:]

قلت: إنّ كون الترجيح كالحجّية أمرا يجب ورود التعبّد به من الشارع مسلّم، إلّا أنّ الالتزام بالعمل بما علم جواز العمل به من‏

____________

(1) في (ظ) زيادة: «مع إمكان الأخذ بأحدهما».

(2) راجع مبحث البراءة 2: 357.

50

الشارع من دون استناد الالتزام‏ (1) إلى إلزام الشارع‏ (2)، احتياط لا يجري فيه ما تقرّر في وجه حرمة العمل بما وراء العلم، فراجع‏ (3). نظير الاحتياط بالتزام ما دلّ أمارة غير معتبرة على وجوبه مع عدم‏ (4) احتمال الحرمة أو العكس‏ (5).

[عدم اندراج المسألة في مسألة «دوران الأمر بين التعيين و التخيير»:]

و أمّا إدراج المسألة في مسألة دوران المكلّف به بين أحدهما المعيّن و أحدهما على البدل، ففيه: أنّه لا ينفع بعد ما اخترنا في تلك المسألة وجوب الاحتياط و عدم جريان قاعدة البراءة.

و الأولى منع اندراجها في تلك المسألة؛ لأنّ مرجع الشكّ في المقام إلى الشكّ في جواز العمل بالمرجوح، و لا ريب أنّ مقتضى القاعدة المنع عمّا لم يعلم جواز العمل به من الأمارات، و هي ليست مختصّة بما إذا شكّ في أصل الحجّية ابتداء، بل تشمل ما إذا شكّ في الحجّية الفعليّة مع إحراز الحجّية الشأنيّة، فإنّ المرجوح و إن كان حجّة في نفسه، إلّا أنّ حجّيته فعلا مع معارضة الراجح- بمعنى جواز العمل به فعلا- غير معلوم، فالأخذ به و الفتوى بمؤدّاه تشريع محرّم بالأدلّة الأربعة.

[التحقيق في المسألة:]

هذا، و التحقيق: أنّا إن قلنا بأنّ العمل بأحد المتعارضين في الجملة

____________

(1) لم ترد «الالتزام» في (ص).

(2) لم ترد «من دون استناد الالتزام إلى إلزام الشارع» في (ر).

(3) في (ظ) بدل «احتياط- إلى- فراجع»: «ليس أمرا تعبّديا فلا التزام بالعمل بالراجح»، و راجع مبحث الظنّ 1: 126.

(4) «عدم» من (ت).

(5) لم ترد «مع عدم احتمال الحرمة أو العكس» في (ظ).

51

مستفاد من حكم الشارع به بدليل الإجماع و الأخبار العلاجيّة، كان اللازم الالتزام بالراجح و طرح المرجوح و إن قلنا بأصالة البراءة عند دوران الأمر في المكلّف به بين التعيين و التخيير؛ لما عرفت: من أنّ الشكّ في جواز العمل بالمرجوح فعلا، و لا ينفع وجوب العمل به عينا في نفسه مع قطع النظر عن المعارض، فهو كأمارة لم يثبت حجّيتها أصلا.

و إن لم نقل بذلك، بل قلنا باستفادة العمل بأحد المتعارضين من نفس أدلّة العمل بالأخبار (1):

فإن قلنا بما اخترناه: من أنّ الأصل التوقّف- بناء على اعتبار الأخبار من باب الطريقيّة و الكشف الغالبي عن الواقع- فلا دليل على وجوب الترجيح بمجرّد قوّة في أحد الخبرين؛ لأنّ كلّا منهما جامع لشرائط الطريقيّة، و التمانع يحصل بمجرّد ذلك، فيجب الرجوع إلى الاصول الموجودة في تلك المسألة إذا لم تخالف كلا المتعارضين، فرفع اليد عن مقتضى الأصل المحكّم في كلّ‏ (2) ما لم يكن طريق فعليّ على خلافه، بمجرّد مزيّة لم يعلم اعتبارها، لا وجه له؛ لأنّ المعارض المخالف بمجرّده ليس طريقا فعليّا؛ لابتلائه بالمعارض الموافق للأصل، و المزيّة الموجودة لم يثبت تأثيرها في دفع‏ (3) المعارض.

و توهّم: استقلال العقل بوجوب العمل بأقرب الطريقين إلى الواقع، و هو الراجح.

____________

(1) لم ترد «بل قلنا- إلى- بالأخبار» في (ظ).

(2) لم ترد «كلّ» في (ظ).

(3) في (ر): «رفع».

52

مدفوع: بأنّ ذلك إنّما هو فيما كان بنفسه طريقا- كالأمارات المعتبرة لمجرّد إفادة الظنّ- و أمّا (1) الطرق المعتبرة شرعا من حيث إفادة نوعها الظنّ و ليس اعتبارها منوطا بالظنّ، فالمتعارضان المفيدان منها بالنوع للظنّ في نظر الشارع سواء. و ما نحن فيه من هذا القبيل؛ لأنّ المفروض أنّ المعارض المرجوح لم يسقط من الحجّيّة الشأنيّة، كما يخرج الأمارة المعتبرة بوصف الظنّ عن الحجّيّة إذا كان معارضها أقوى.

و بالجملة: فاعتبار قوّة الظنّ في الترجيح في تعارض ما لم ينط اعتباره بإفادة الظنّ أو بعدم الظنّ على الخلاف لا دليل عليه.

و إن قلنا بالتخيير- بناء على اعتبار الأخبار من باب السببيّة و الموضوعيّة- فالمستفاد بحكم العقل من دليل وجوب العمل بكلّ من المتعارضين مع الإمكان، كون وجوب العمل بكلّ منهما عينا مانعا عن وجوب العمل بالآخر كذلك، و لا تفاوت بين الوجوبين في المانعيّة قطعا.

و مجرّد مزيّة أحدهما على الآخر بما يرجع إلى أقربيّته إلى الواقع لا يوجب كون وجوب العمل بالراجح مانعا عن العمل بالمرجوح دون العكس؛ لأنّ المانع بحكم العقل هو مجرّد الوجوب، و المفروض وجوده في المرجوح. و ليس في هذا الحكم العقليّ إهمال و إجمال و واقع مجهول حتّى يحتمل تعيين الراجح و وجوب طرح المرجوح.

و بالجملة: فحكم العقل بالتخيير نتيجة وجوب العمل بكلّ منهما في حدّ ذاته، و هذا الكلام مطّرد في كلّ واجبين متزاحمين.

نعم، لو كان الوجوب في أحدها آكد و المطلوبيّة فيه أشدّ، استقلّ‏

____________

(1) في (ظ) بدل «و أمّا»: «لا».

53

العقل عند التزاحم بوجوب ترك غيره، و كون وجوب الأهمّ مزاحما لوجوب غيره من دون عكس. و كذا لو احتمل الأهميّة في أحدهما دون الآخر. و ما نحن فيه ليس كذلك قطعا؛ فإنّ وجوب العمل بالراجح من الخبرين ليس آكد من وجوب العمل بغيره.

هذا، و قد عرفت فيما تقدّم‏ (1): أنّا لا نقول بأصالة التخيير في تعارض الأخبار، بل و لا غيرها من الأدلّة؛ بناء على أنّ الظاهر من أدلّتها و أدلّة حكم تعارضها كونها من باب الطريقيّة، و لازمه التوقّف و الرجوع إلى الأصل المطابق لأحدهما أو أحدهما المطابق للأصل، إلّا أنّ الدليل الشرعيّ دلّ على وجوب العمل بأحد المتعارضين في الجملة، و حيث كان ذلك بحكم الشرع فالمتيقّن من التخيير هو صورة تكافؤ الخبرين.

[الأصل وجوب العمل بالمرجّح، بل ما يحتمل كونه مرجّحا]

أمّا مع مزيّة أحدهما على الآخر من بعض الجهات فالمتيقّن هو جواز العمل بالراجح، و أمّا العمل بالمرجوح فلم يثبت، فلا يجوز الالتزام به‏ (2)، فصار الأصل وجوب العمل بالراجح، و هو أصل ثانوي، بل الأصل فيما يحتمل كونه مرجّحا الترجيح به، إلّا أن يرد عليه إطلاقات التخيير؛ بناء على وجوب الاقتصار في تقييدها على ما علم كونه مرجّحا.

[استدلال آخر على وجوب الترجيح و المناقشة فيه:]

و قد يستدلّ على وجوب الترجيح‏ (3): بأنّه لو لا ذلك لاختلّ نظم‏

____________

(1) راجع الصفحة 38.

(2) «به» من (ت).

(3) انظر مفاتيح الاصول: 687.

54

الاجتهاد، بل نظام الفقه؛ من حيث لزوم التخيير بين الخاصّ و العامّ و المطلق و المقيّد و غيرهما من الظاهر و النصّ المتعارضين.

و فيه: أنّ الظاهر خروج مثل هذه المعارضات عن محلّ النزاع؛ فإنّ الظاهر لا يعدّ معارضا للنصّ، إمّا لأنّ العمل به لأصالة عدم الصارف المندفعة بوجود النصّ، و إمّا لأنّ ذلك لا يعدّ تعارضا في العرف. و محلّ النزاع في غير ذلك.

[ضعف القول بعدم وجوب الترجيح و ضعف دليله:]

و كيف كان، فقد ظهر ضعف القول المزبور و ضعف دليله المذكور (1)، و هو: عدم الدليل على الترجيح بقوّة الظنّ.

و أضعف من ذلك ما حكي عن النهاية، من احتجاجه: بأنّه لو وجب الترجيح بين الأمارات في الأحكام لوجب عند تعارض البيّنات، و التالي باطل؛ لعدم تقديم شهادة الأربعة على الاثنين‏ (2).

و أجاب عنه في محكيّ النهاية و المنية: بمنع بطلان التالي، و أنّه يقدّم شهادة الأربعة على الاثنين. سلّمنا، لكن عدم الترجيح في الشهادة ربما كان مذهب أكثر الصحابة، و الترجيح هنا مذهب الجميع‏ (3)، انتهى.

و مرجع الأخير إلى أنّه لو لا الإجماع حكمنا بالترجيح في البيّنات أيضا.

____________

(1) في (ر) و (ه) زيادة: «له».

(2) نهاية الوصول (مخطوط): 451- 452، و حكاه عنه في مفاتيح الاصول:

688.

(3) نهاية الوصول (مخطوط): 452، و منية اللبيب (مخطوط): الورقة 169، و حكاه عنهما السيد المجاهد في مفاتيح الاصول: 688.