فرائد الأصول(حواشي أوثق الوسائل) - ج3

- الميرزا موسى التبريزي المزيد...
470 /
5

المجلد الثالث‏

المقصد الثالث في الشكّ‏

6

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

7

بسم اللّه الرحمن الرحيم و به نستعين‏

الحمد للّه ربّ العالمين، و الصّلاة و السلام على محمّد و آله الطاهرين، و لعنة اللّه على أعدائهم أجمعين إلى يوم الدين.

[المقدمة]

المقصد الثالث من مقاصد هذا الكتاب في الشكّ قد قسّمنا في صدر هذا الكتاب المكلّف الملتفت إلى الحكم الشرعيّ العملي في الواقعة على ثلاثة أقسام؛ لأنّه إمّا أن يحصل له القطع بحكمه الشرعيّ، و إمّا أن يحصل له الظنّ، و إمّا أن يحصل له الشكّ.

و قد عرفت أنّ القطع حجّة في نفسه لا بجعل جاعل، و الظنّ يمكن أن يعتبر في متعلّقه؛ لأنّه كاشف عنه ظنّا، لكنّ العمل به و الاعتماد عليه في الشرعيّات موقوف على وقوع التعبّد به شرعا، و هو غير واقع إلّا في الجملة، و قد ذكرنا موارد وقوعه في الأحكام الشرعيّة في الجزء الأوّل من هذا الكتاب.

و أمّا الشكّ، فلمّا لم يكن فيه كشف (1087) أصلا لم يعقل أن يعتبر، فلو ورد في مورده حكم شرعيّ- كأن يقول: الواقعة المشكوكة حكمها كذا- كان حكما

____________

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم، الحمد للّه ربّ العالمين، و صلّى اللّه على أشرف الأنبياء و المرسلين، محمّد و آله المعصومين الأطيبين، و لعنة اللّه على أعدائهم أجمعين إلى يوم الدين.

1087. لتساوي نسبة الشكّ إلى طرفيه، فلا يعقل أن يعتبر من باب الكشف بالنسبة إلى أحدهما، و إلّا لزم ترجيح أحد المتساويين على الآخر. و لكنّا قد أسلفنا

8

ظاهريّا (1088)،

____________

فيما علّقناه على صدر الكتاب ما يناقش في ذلك.

1088. اعلم أنّ الأحكام باعتبار تعلّقها بنفس الموضوعات الواقعيّة و بالموضوعات المشكوك في حكمها تنقسم إلى واقعيّة و ظاهريّة، و الأدلّة الدالّة عليها إلى اجتهاديّة و فقاهتيّة.

أمّا الاولى فهي- كما يستفاد من عبارة المصنّف (رحمه اللّه)- الأحكام المقرّرة في نفس الأمر لنفس الموضوعات الواقعيّة من غير مدخليّة للعلم و الجهل فيها، بمعنى تغيّرها و تبدّلها بعلم المكلّف و جهله بها، إذ لو كان لهما مدخل فيها لزم التصويب في الأحكام الأوّلية، لدورانها حينئذ وجودا و عدما مدار العلم و الجهل.

نعم، قد يكون لهما مدخل في موضوع هذه الأحكام، بمعنى كونهما جزءا من موضوعاتها من دون أن يلزم منه تصويب باطل، بأن يجعل الشارع الحرمة و النجاسة مرتّبتين على الخمر المعلومة الخمريّة، و مقتضاه كونها مباحة و طاهرة في حقّ الجاهل بها. و من هذا القبيل جواز الشهادة، بناء على كون علم الشاهد بالواقعة جزءا من موضوع هذا الحكم.

و هذه الأحكام على قسمين، اختياري: و هي الأحكام التي جعلها الشارع للمختار، كوجوب الإتيان بالصلاة قائما، و تسمّى بالأحكام الواقعيّة الاختياريّة. و اضطراري: و هي الأحكام التي جعلها الشارع للمضطرّ، مثل وجوب الإتيان بالصلاة قاعدا أو مضطجعا، و تسمّى بالأحكام الواقعيّة الاضطراريّة. و من لوازم هذه الأحكام عدم تنجّزها إلّا مع العلم بها. و مع العلم بها لا يجوز للشارع الحكم بخلافها إذا حصل العلم بها تفصيلا، لوضوح المنافاة بينهما. و أمّا مع العلم بها إجمالا ففيه وجه للجواز، لعدم امتناع أن يأمر الشارع ببدل الواقع، بمعنى أن يقنع ببعض محتملات الواقع في مقام امتثاله، بأن جعله بدلا عن الواقع، كما في الشبهة المحصورة على القول بعدم وجوب الموافقة القطعيّة و حرمة المخالفة القطعيّة.

9

و أمّا الثانية فهي الأحكام المقرّرة للجاهل بالأحكام الواقعيّة، كمؤديات الاصول العمليّة. و هي مستلزمة لأحكام أخر مقرّرة في نفس الأمر لينسب الجهل إليها، و تكون هذه ظاهريّة بالنسبة إليها، كما قرّره المصنّف (رحمه اللّه). و تسمّى أحكاما واقعية ثانويّة في لسان بعضهم، و ظاهريّة في لسان آخرين. و وجه التسمية واضح ممّا قرّره المصنّف (رحمه اللّه).

قيل: و من لوازمها عدم تحقّقها إلّا مع العلم بها، لأنّ مؤدّى البراءة و الاستصحاب مثلا لا يتحقّق و لا يصير حكما في حقّ المكلّف إلّا بعد العلم بكونه حكم اللّه في حقّه، فبمجرّد علمه به يجعل هذا الحكم في حقّه و يتنجّز التكليف به، بخلاف الأحكام الواقعيّة، لتحقّقها في الواقع مع علم المكلّف بها و جهله. نعم، تنجّزها يتوقّف على العلم بها على ما أسلفناه، فتأمّل.

و من جملة لوازمها أيضا انتفائها حقيقة أو حكما مع العلم أو الظنّ المعتبر بالحكم الواقعي، على ما قرّره المصنّف (رحمه اللّه). و توضيحه: أنّ الواقع قد يفرض بالنسبة إلى نفس الأمر، و قد يفرض بالنسبة إلى ما جعله الشارع في عرض الواقع بل عيّنه بالتنزيل، كمؤديات الكتاب و السنّة على القول باعتبارها بالخصوص، و بكونها منزّلة بمنزلة الواقع و إن لم تكن هي هو. و قد عرفت كون الأحكام الظاهريّة مجعولة في حقّ الجاهل بالحكم الواقعي لا العالم به.

و حينئذ إن كان المأخوذ في موضوع الحكم الظاهري أعمّ من الجهل بالحكم الواقعي و ما هو بمنزلته، فمع العلم بأحدهما ينتفي موضوعه، لفرض انتفاء الوصف المأخوذ في موضوعه، فيتبعه انتفاء الحكم الظاهري حقيقة. و حينئذ تكون الأدلّة الاجتهاديّة- سواء أفادت العلم أو الظنّ بالواقع- واردة على الاصول.

و إن كان المأخوذ فيه هو الجهل بالحكم الواقعي خاصّة دون ما هو بمنزلته، فبالعلم به ينتفي الحكم الظاهري حقيقة على ما عرفت. و أمّا مع العلم بما هو بمنزلته، فيكون انتفاء الحكم الظاهري حينئذ بحسب حكم الشارع لا بحسب‏

10

الحقيقة، لكون انتفاء موضوعه حينئذ بحكم الشارع لا بحسب الحقيقة، لأنّ مؤدّيات ظواهر الكتاب و السنّة لمّا كانت بمنزلة الواقع بجعل الشارع كان العلم بها بمنزلة العلم بالواقع، فترتّب على العلم بها أحكام العلم بالواقع. فكما أنّه مع العلم بالواقع ينتفي موضوع الحكم الظاهري، كذلك مع العلم بالحكم المستفاد من ظواهر الكتاب مثلا، غاية الأمر كون انتفائه هنا حكما و هناك حقيقة. و حينئذ تكون الأدلّة الاجتهاديّة الظنّية حاكمة على الاصول لا واردة عليها.

و على تقدير كون المراد من الجهل أعمّ من الجهل بالواقع و ما هو بمنزلته، قد يعتبر وصف الواقعيّة و الظاهريّة بالنسبة إلى مؤدّيات الاصول التي هي أحكام ظاهريّة، فيقال: إنّ شرب التتن مثلا له حكم واقعي مقرّر في نفس الأمر لا يختلف بالعلم و الجهل، و له مع الجهل بالواقع حكم ظاهري، و هو ما يستفاد من البراءة، و له حكم ظاهري آخر مع العجز عن ترجيح أدلّة البراءة على أدلّة الاحتياط في الموارد المختلف فيها، و هو الحظر أو الإباحة على الخلاف في الأشياء المشتملة على منفعة خالية عن أمارة مفسدة، كشمّ الطيب و أكل الفاكهة. و على القول بالإباحة فيها يتّحد الحكمان الظاهريّان، فالبراءة و الاحتياط بالنسبة إلى الواقع حكمان ظاهريّان، و بالنسبة إلى الحظر و الإباحة واقعيّان. و في جميع هذه المراتب ينتفي موضوع الحكم الظاهري حقيقة أو حكما- على ما عرفت- بالعلم بالحكم الواقعي أو ما هو بمنزلته.

و كيف كان، فقد ظهر ممّا قدّمناه وجه ما ادّعاه المصنّف (رحمه اللّه) من كون تقديم الأدلّة الاجتهاديّة الظنّية على الاصول من باب الحكومة دون التخصيص. و كذلك الوجه فيما فرّق بين ما لو قلنا باعتبار الاصول من باب الشرع أو العقل، حيث تنزّل ممّا ذكرناه أوّلا، فسلّم كون تقديمها عليها من باب التخصيص على الأوّل دون الثاني، لأنّ المأخوذ في موضوع البراءة و الاشتغال إذا قلنا باعتبارهما من باب الشرع هو عدم العلم بالواقع، و هو لا يرتفع بالظنّ به و إن كان معتبرا شرعا.

11

و حينئذ يمكن أن يتوهّم كون تقديمها عليها من باب التخصيص على نحو ما قرّبه المصنّف (رحمه اللّه)، و إن كان الحقّ كون ذلك من باب التخصّص كما حقّقه ثانيا، و عرفت الوجه فيه، بخلاف ما لو قلنا باعتبارهما من باب العقل، إذ لا مجال للتوهّم المذكور حينئذ، لأنّ المأخوذ في موضوعهما حينئذ إنّما هو التحيّر و عدم معرفة طريق امتثال الواقع لا عدم العلم به، و لا ريب في ارتفاعه بمجرّد قيام طريق شرعيّ على تعيين الواقع، و إن تخلّف عنه في نفس الأمر، فلا بدّ حينئذ أن يكون رفع اليد عن البراءة و الاشتغال لأجل التخصّص دون التخصيص.

و من هنا يظهر وجه الفرق بين القول باعتبارهما من باب الشرع و العقل، لكون تقديم الأدلّة الاجتهاديّة الظنية عليهما على الأوّل من باب الحكومة، و على الثاني من باب الورود.

و كيف كان، فما وقع في بعض الكتب- سيّما كتاب الرياض- من أنّ الأصل مخصّص بالدليل كما نقله المصنّف (رحمه اللّه)، يرد عليه أوّلا: منع عموم أدلّة الاصول لموارد وجود الدليل، لانتفاء موضوعها به، و التخصيص فرع الشمول ليكون خروج الواقعة من مقتضى الاصول بحسب الحكم دون الموضوع.

و ثانيا: مع التسليم أنّ النسبة بينها و بين أدلّة الأمارات عموم من وجه، لكون الاولى أعمّ من حيث وجود الأمارة في موردها و عدمه، و الثانية من حيث شمولها لغير موارد الاصول، و حينئذ لا بدّ من الحكم بالإجمال في مورد التعارض، فتأمّل، فإنّ في كلام المصنّف (رحمه اللّه) ما يدفع هذا، و هو ما أشار إليه بقوله: «لا ينفع بعد قيام الإجماع». و حاصله: أنّ الحكم بالإجمال في مورد التعارض في المتعارضين من وجه إنّما هو مع عدم انعقاد الإجماع على عدم الفرق بين موارد أحد العامين بالخصوص، و إلّا كانت مادّة التعارض مندرجة تحت هذا العامّ لا محالة، إذ لا إشكال في جواز العمل به في محلّ الافتراق، فلا بدّ أن يعمل به في محلّ التعارض أيضا للإجماع المذكور. بل لو كان إطلاق التقديم و التخصيص في المقام مبنيّا على‏

12

المسامحة- كما أشار إليه المصنّف (رحمه اللّه)- اندفع الإيرادان معا كما هو واضح.

و أمّا الثالثة، أعني: الأدلّة الاجتهاديّة، فهي الأمارات التي تكشف عن الواقع و لو ظنّا، مثل ظواهر الكتاب و السنّة.

و أمّا الرابعة، فهي ما كان مثبتا للأحكام الظاهريّة، مثل الاصول العمليّة. و قد حكيت تسميته هذا القسم بالدليل الفقهائي عن الفاضل الصالح المازندراني في شرح الزبدة. و هذا أولى ممّا نقله المصنّف (رحمه اللّه) عن التوحيد البهبهاني من تسميته بالدليل الفقاهتي، لأنّ القياس حذف التاء مع لحوق ياء النسبة.

و كيف كان، و قد شاع هذا الاصطلاح في زمان الوحيد البهبهاني و بعده. و لعلّ هذا هو وجه نسبة التسمية إليه دون الفاضل المازندراني. و وجه تسميته بالفقاهتي و سابقه بالاجتهادي: أنّ الاجتهاد- على ما عرّفوه- هو استفراغ الوسع لتحصيل الظنّ بالأحكام الفرعيّة. و الفقه هو العلم بالأحكام الشرعيّة الفرعيّة عن أدلّتها التفصيليّة. فالفقه بناء على كون المراد بالأحكام أعمّ من الواقعيّة و الظاهريّة هو العلم و الجزم بما ذكر في الحدّ. فالفقيه من حيث بذل جهده لتحصيل الظنّ بالأحكام مجتهد، و من حيث علمه بها- لأجل مقدّمة أثبتها بدليل خارج، و هو الإجماع على أنّ ما ظنّه هو حكم اللّه في حقّه و حقّ مقلّده- فقيه، فاختلافهما إنّما هو بالاعتبار و ملاحظة الحيثيّة، كاختلاف القاضي مع المفتي. و من هنا كان الأنسب تسمية ما يستعمله الفقيه لتحصيل الظنّ بالأحكام الواقعيّة بالدليل الاجتهادي، و تسمية ما يستعمله لتحصيل العلم بها بالدليل الفقاهتي. و لا ريب أنّ مؤدّيات الاصول العمليّة هو العلم بالأحكام الظاهريّة لا الظنّ بالأحكام الواقعيّة، لأنّ ذلك مؤدّى الأمارات المسمّاة بالأدلّة الاجتهاديّة على ما عرفت.

ثمّ إنّه قد يتسامح في إطلاق الدليل الفقاهتي على كلّ أمارة لا تفيد العلم بالواقع، فيندرج فيه حينئذ ظواهر الكتاب و السنّة أيضا. و وجه التسامح واضح، لأنّ الدليل الفقاهتي ما كان مثبتا لحكم ظاهري، و هو ما جعله الشارع للجاهل‏

13

لكونه مقابلا للحكم الواقعي المشكوك بالفرض. و يطلق عليه الواقعي الثانوي أيضا؛ لأنّه حكم واقعي للواقعة المشكوك في حكمها، و ثانوي بالنسبة إلى ذلك الحكم المشكوك فيه؛ لأنّ موضوع هذا الحكم الظاهري و هي الواقعة المشكوك في حكمها لا يتحقّق إلّا بعد تصوّر حكم نفس الواقعة و الشكّ فيه، مثلا شرب التتن في نفسه له حكم فرضنا فيما نحن فيه شكّ المكلّف فيه، فإذا فرضنا ورود حكم شرعيّ لهذا الفعل المشكوك الحكم، كان هذا الحكم الوارد متأخّرا طبعا عن ذلك المشكوك، فذلك الحكم واقعي بقول مطلق، و هذا الوارد ظاهري؛ لكونه المعمول به في الظاهر، و واقعي ثانوي؛ لأنّه متأخّر عن ذلك الحكم؛ لتأخّر موضوعه عنه. و يسمّى الدليل الدالّ على هذا الحكم الظاهري «أصلا».

و أمّا ما دلّ على الحكم الأوّل علما أو ظنّا معتبرا فيختصّ باسم «الدليل»، و قد يقيّد ب «الاجتهادي»، كما أنّ الأوّل قد يسمّى ب «الدليل» مقيّدا ب «الفقاهتي». و هذان القيدان اصطلاحان من الوحيد البهبهاني لمناسبة مذكورة في تعريف الفقه و الاجتهاد.

1

ثمّ إنّ الظنّ الغير المعتبر حكمه حكم الشكّ كما لا يخفى.

و ممّا ذكرنا من تأخّر مرتبة الحكم الظاهري عن الحكم الواقعي لأجل تقييد

____________

من حيث كونه جاهلا، و لا ريب أنّ مؤدّيات ظواهر الكتاب و السنّة ليست كذلك و إن كانت مجعولة في حال جهل المكلّف بالواقع، و لذا لا يعتدّ بها مع العلم بالواقع. و بعبارة اخرى: أنّ الجهل مأخوذ في الأحكام الظاهريّة من حيث كونه جزءا من موضوعها، و في مؤدّيات ظواهر الكتاب و السنّة من حيث الظرفية و كونها مجعولة في هذا الحال خاصّة، و لكن مع قطع النظر عنه. و لعلّ هذا هو السبب في هذا التسامح، لكون مؤدّيات الظواهر شبيهة بمؤديات الاصول فيما ذكرناه، و إن فارقتها من جهة اخرى كما أوضحناه. و يمكن أن يكون السبب فيه هو كون اعتبار مؤدّيات الظواهر من حيث كونها مظنونة. كما أوضحه المصنّف (رحمه اللّه) بقوله: «حكما ظاهريّا نظير مفاد الأصل ...». و الفرق بينه و بين ما ذكرناه واضح.

14

موضوعه بالشكّ في الحكم الواقعي يظهر لك وجه تقديم الأدلّة على الاصول؛ لأنّ موضوع الاصول يرتفع بوجود الدليل، فلا معارضة بينهما، لا لعدم اتّحاد الموضوع، بل لارتفاع موضوع الأصل- و هو الشكّ- بوجود الدليل. أ لا ترى أنّه لا معارضة و لا تنافي بين كون حكم شرب التتن المشكوك حكمه هي الإباحة و بين كون حكم شرب التتن في نفسه مع قطع النظر عن الشكّ فيه هي الحرمة، فإذا علمنا بالثاني لكونه علميّا و المفروض‏

(*)

سلامته عن معارضة الأوّل، خرج شرب التتن عن موضوع دليل الأوّل و هو كونه مشكوك الحكم، لا عن حكمه حتّى يلزم فيه تخصيص و طرح لظاهره. و من هنا كان إطلاق التقديم و الترجيح في المقام تسامحا؛ لأنّ الترجيح فرع‏

____________

فإن قلت: إنّ اعتبار الاستصحاب عند الأكثر إنّما هو من جهة إفادته الظنّ بالحكم السابق. و إليه أشار العضدي في تعريفه بأنّ الشي‏ء الفلاني قد كان و لم يظنّ عدمه، و كلّ ما هو كذلك فهو مظنون البقاء. و حينئذ يجب إدخاله في الأدلّة الاجتهاديّة مثل ظواهر الكتاب و السنّة، فما وجه تقديم سائر الأدلّة عليه عند التعارض؟

قلت: إنّ الوجه في تقديمها عليه على القول باعتباره من باب الظنّ أنّه إنّما يفيد الظنّ في مورد الشكّ، بمعنى أنّ الشاكّ في بقاء الحكم السابق يحصل له الظنّ ببقائه بملاحظة كونه متيقّنا في السابق، و حينئذ تكون سائر الأدلّة الاجتهاديّة واردة عليه.

و لكن يشكل ذلك بأنّ مقتضاه عدم العمل به في مقابل سائر الأمارات المشكوكة الاعتبار، و هو خلاف ما استقرّت عليه طريقة الفقهاء، لعملهم بالاصول في مقابلها. و الإنصاف أنّ هذا الإشكال وارد على القول باعتبار الاستصحاب من باب الظنّ الشخصي، لا على الجواب المذكور.

____________

(*) في بعض النسخ: بدل «المفروض»، و لفرض.

15

المعارضة. و كذلك إطلاق الخاصّ على الدليل و العامّ على الأصل، فيقال: يخصّص الأصل بالدليل أو يخرج عن الأصل بالدليل.

و يمكن أن يكون هذا الاطلاق على الحقيقة بالنسبة إلى الأدلّة الغير العلميّة، بأن يقال: إنّ مؤدّى أصل البراءة مثلا: أنّه إذا لم يعلم حرمة شرب التتن فهو غير محرّم، و هذا عامّ، و مفاد الدليل الدالّ على اعتبار تلك الأمارة الغير العلميّة المقابلة للأصل أنّه إذا قام تلك الأمارة الغير العلميّة على حرمة الشي‏ء الفلاني فهو حرام، و هذا أخصّ من دليل أصل البراءة مثلا، فيخرج به عنه. و كون دليل تلك الأمارة أعمّ من وجه- باعتبار شموله لغير مورد أصل البراءة- لا ينفع بعد قيام الإجماع على عدم الفرق في اعتبار تلك الأمارة بين مواردها.

توضيح ذلك (1089): أنّ كون الدليل رافعا لموضوع الأصل- و هو الشكّ- إنّما يصحّ في الدليل العلمي؛ حيث إنّ وجوده يخرج حكم الواقعة عن كونه مشكوكا فيه، و أمّا الدليل الغير العلمي فهو بنفسه‏

(*)

غير رافع لموضوع الأصل و هو عدم العلم، و أمّا الدليل الدالّ على اعتباره فهو و إن كان علميّا إلّا أنّه لا يفيد إلّا حكما ظاهريا نظير مفاد الأصل؛ إذ المراد بالحكم الظاهري ما ثبت لفعل المكلّف بملاحظة الجهل بحكمه الواقعي الثابت له من دون مدخليّة العلم و الجهل، فكما أنّ مفاد قوله (عليه السّلام): «كلّ شي‏ء مطلق حتّى يرد فيه نهي»

2

يفيد الرخصة في الفعل الغير المعلوم ورود النهي فيه، فكذلك ما دلّ على حجيّة الشهرة الدالّة مثلا على وجوب شي‏ء، يفيد وجوب ذلك الشي‏ء من حيث إنّه مظنون مطلقا (1090) أو بهذه الأمارة (1091) و لذا اشتهر: أنّ علم المجتهد بالحكم مستفاد من صغرى وجدانيّة و هي:

____________

1089. أي كون دليل الأمارة مخصّصا لدليل أصل البراءة.

1090. بأن كانت حجيّة الشهرة ثابتة بدليل الانسداد.

1091. بأن كانت حجيّة الشهرة ثابتة بدليل خاصّ.

____________

(*) في بعض النسخ زيادة: بالنسبة إلى أصالة الاحتياط و التخيير كالعلم رافع للموضوع، و أمّا بالنسبة إلى ما عداهما فهو بنفسه.

16

«هذا ما أدّى إليه ظنّي»، و كبرى برهانيّة و هي: «كل ما أدّى إليه ظنّي فهو حكم اللّه في حقّي»، فإنّ الحكم المعلوم منهما هو الحكم الظاهري، فإذا كان مفاد الأصل ثبوت الإباحة للفعل الغير المعلوم الحرمة و مفاد دليل تلك الأمارة ثبوت الحرمة للفعل المظنون الحرمة، كانا متعارضين لا محالة، فإذا بني على العمل بتلك الأمارة كان فيه خروج عن عموم الأصل و تخصيص له لا محالة.

هذا، و لكنّ التحقيق أنّ دليل تلك الأمارة و إن لم يكن كالدليل العلمي رافعا لموضوع الأصل، إلّا أنّه نزّل شرعا منزلة الرافع، فهو حاكم على الأصل لا مخصّص له كما سيتّضح إن شاء اللّه تعالى، على أنّ ذلك إنّما يتمّ بالنسبة إلى الأدلة الشرعيّة (1092)، و أمّا الأدلّة العقليّة القائمة على البراءة و الاشتغال فارتفاع موضوعها بعد ورود الأدلّة الظنيّة واضح، لجواز الاقتناع بها (1093) في مقام البيان و انتهاضها رافعا لاحتمال (1094) العقاب كما هو ظاهر. و أمّا التخيير فهو أصل عقلي لا غير.

و اعلم: أنّ المقصود بالكلام (1095) هذه الرسالة الاصول المتضمّنة لحكم الشبهة في الحكم الفرعي الكلّي و إن تضمّنت حكم الشبهة في الموضوع أيضا، و هي منحصرة في أربعة: «أصل البراءة» و «أصل الاحتياط» و «التخيير» و «الاستصحاب» بناء على كونه ظاهريّا ثبت التعبّد به من الأخبار؛ إذ بناء على كونه مفيدا للظنّ يدخل في الأمارات الكاشفة عن الحكم الواقعي. و أمّا الاصول المشخّصة لحكم الشبهة في الموضوع- كأصالة الصحّة و أصالة الوقوع فيما شكّ فيه بعد تجاوز المحلّ- فلا يقع الكلام فيها إلّا لمناسبة يقتضيها المقام.

____________

1092. الدالّة على اعتبار الاصوليّة.

1093. هذا بالنسبة إلى البراءة.

1094. هذا بالنسبة إلى قاعدة الاشتغال.

1095. لأنّ علم الاصول هو العلم بالقواعد الممهّدة لاستنباط الأحكام الشرعيّة الفرعيّة، فما تستنبط منها أحكام الموضوعات الخارجة التي لا يتعلّق بها إلّا

17

[انحصار موارد الاشتباه في الاصول الأربعة عقلي‏]

ثمّ إنّ انحصار موارد الاشتباه في الاصول الأربعة عقلي (1096)،

____________

أحكام جزئيّة فهي داخلة في الفقه دون الاصول، مثل قاعدة البراءة و الاشتغال و الطهارة بالنسبة إلى إجرائها في الموضوعات الخارجة. و كذا قاعدة الشكّ بعد الفراغ، و قاعدة حمل فعل المسلم على الصحّة، و نحوها. و لكنّك خبير بأنّ مقتضى هذا الوجه كون قاعدة الطهارة من الاصول إذا أثبتت طهارة موضوع كلّي، و هو خلاف ظاهرهم. و قد أوضحنا الكلام في ذلك في محلّ آخر.

1096. لدوران الأمر فيها بين النفي و الإثبات. و قد أسلفنا ما يتعلّق بذلك و بتقسيم الاصول إلى الأربعة عند شرح ما يتعلّق بصدر الكتاب، و نقول هنا:

إن قلت: كيف تدّعي دوران الأمر بين الأربعة المذكورة مع أنّ في الشرع اصولا أخر لم يبحثوا عنها في الاصول، مثل أصالة الطهارة المستفادة من قوله (عليه السّلام):

«كلّ شي‏ء طاهر حتّى تعلم أنّه قذر»؟ فما وجه الحصر المذكور؟ و ما السّر في عدم بحثهم عنها هنا؟

قلنا: إنّ ما ذكره المصنّف (رحمه اللّه) من الحصر ناظر إلى ظاهر كلمات الفقهاء، حيث إنّ ظاهرها كون الاصول الأربعة من الأدلّة الاجتهاديّة، لأنّهم قد اعتبروا أصالتي البراءة و الاستصحاب من أسباب الظنّ الذي مستنده العقل، و لذا لم يتمسّك أحد منهم في إثباتهما- إلى زمان والد شيخنا البهائي (رحمه اللّه)- بالأخبار، و هو (رحمه اللّه) قد تمسّك في بعض كلماته في إثبات اعتبار الاستصحاب بالأخبار، و تبعه من تأخّر عنه. و اعتبروا أصالتي الاشتغال و التخيير من باب حكم العقل، نظير حكمه بوجوب ردّ الوديعة و قبح الظلم، بخلاف أصالة الطهارة، فإنّها قاعدة مستفادة من الشرع خاصّة. نعم، قد تمسّك الفاضل في بعض كتبه في تأسيس أصالة الطهارة بالأدلّة الأربعة، نظرا في دلالة العقل إلى اقتضاء قاعدة اللطف من حيث رفع المشاقّ عن العباد لخلق الماء طهورا. و لكنّه ضعيف كما قرّر في محلّه.

18

و بالجملة، إنّ عدم بحثهم عن أصالة الطهارة في الاصول إنّما هو من جهة عدم كونها من الأدلّة، لكونها عندهم من القواعد الشرعيّة، بخلاف الاصول الأربعة، و لذا جعلوها من الأدلّة العقليّة. و الفرق بين الدليل و القاعدة واضح، و لذا جعلوا كلّ واحد منهما معنى مستقلا للأصل.

ثمّ إنّ هنا أمرين لم يتعرّض لهما المصنّف (رحمه اللّه) ينبغي التنبيه عليهما.

الأمر الأوّل: إنّ هنا إشكالين يجري أحدهما في جميع الأدلّة العقليّة، و يختصّ الآخر بالاصول الأربعة.

أمّا الأوّل فهو أنّهم قد عرّفوا علم الاصول بأنّه ما يبحث فيه عن أحوال الأدلّة، و لا ريب أنّ البحث في الأدلّة العقليّة ليس عن أحوال الدليل، لأنّ بحثهم فيها- كما قرّر في محلّ آخر- إنّما هو عن حكم العقل لا عن أحواله من حيث كونه حجّة و عدمها، لأنّهم قد بحثوا في مسألة البراءة و الاستصحاب، و كذا في مسألة الحسن و القبح، عن أنّ العقل هل يحكم بالبراءة عن التكليف عند فقد الدليل على الحكم المشكوك فيه، و أنّه يحكم ببقاء الحالة السابقة عند الشكّ في بقائها، و أنّه يحكم بحسن فعل أو قبحه أو لا؟ لا عن اعتباره بعد فرض حكمه، لكون اعتبار حكم العقل مسلّما عندهم بعد فرض وجوده، و البحث عن أحوال الدليل العقلي إنّما يصدق بعد فرض حكمه.

و بالجملة، إنّ البحث في الأدلّة العقليّة صغروي، و البحث عن حجيّتها بعد إحراز الصغرى كبروي، و الأدلّة العقليّة إنّما تدخل في موضوع علم الاصول بالاعتبار الثاني [لا] (*) الأوّل، فيجب إخراجها عن موضوع هذا العلم. و مع تسليم كون البحث فيها عن حجيّتها فلا ريب أنّ البحث من هذه الحيثيّة داخل في المبادئ، لأنّ موضوع علم الاصول هي الأدلّة الأربعة، و البحث عن الحجيّة بحث عن دليليّة الدليل، و هو بحث عن موضوع الدليل، لا عن أحواله ليدخل في‏

____________

(*) سقط ما بين المعقوفتين من الطبعة الحجريّة، و إنّما أضفناه ليستقيم المعنى.

19

المقاصد.

و الجواب: أنّ البحث عن إدراك العقل من حيث هو و إن كان داخلا في المبادئ، إلّا أنّ الملحوظ في ذلك هو إثبات حكم العقل و إدراكه لتخصّص و تقيّد به عمومات الكتاب و السنّة و إطلاقاتهما عند المعارضة، فمرجع البحث من هذه الجهة إلى البحث عن أحوال الكتاب و السنّة من حيث جواز تخصيصهما و تقييدهما بالعقل. و من هنا تظهر الحال فيما كان البحث عنه من حيث حجيّته بعد الفراغ عن حكم العقل. مضافا إلى ما ذكره بعض الأفاضل من كون موضوع علم الاصول هي ذات الأدلّة لا هي بوصف الدليليّة، و حينئذ يكون البحث عن حجيّتها بحثا عن أحوالها، فيدخل في المقاصد.

و أمّا الثاني فهو أنّهم قد عرّفوا الدليل العقلي بأنّه حكم عقلي يتوصّل به إلى حكم شرعيّ. و هذا غير صادق على الاصول، لعدم التوصّل بها إلى حكم شرعيّ، فلا وجه لعدّها من الأدلّة العقليّة. أمّا أصالة البراءة فلأنّ غاية ما يدلّ عليه العقل عند عدم الدليل على الحكم المحتمل هو الإتيان بالفعل المحتمل للحرمة و ترك ما يحتمل الوجوب، و أمّا دلالته على عدمها فلا سبيل للعقل إليها، مع أنّ عدمهما ليس من الأحكام الخمسة.

فإن قلت: ربّما يدور الأمر بين الضدّين، كالوجوب و الاستحباب في غسل الجمعة، حيث قال بكلّ منهما بعضهم، و لا ريب أنّ نفي الوجوب بأصالة البراءة يثبت الاستحباب.

قلت: إنّ الأقوال ربّما تتكثّر في المسألة، فنفي أحدها بالأصل لا يعيّن خصوص أحدها ممّا بقي محتملا في المسألة. مع أنّ إثبات الاستحباب بنفي الوجوب إنّما يتمّ على القول بالاصول التي لا نقول بها. و أمّا قاعدة الانتقال فلأنّ وجوب الاحتياط فيما علم التكليف فيه، و شكّ في المكلّف به، إنّما هو من أجل كونه من شعب وجوب دفع الضرر المظنون أو المحتمل، فإنّ حكم العقل بوجوب‏

20

الإتيان بجميع أطراف الشبهة إنّما هو لخوف ترك الواقع عند الاقتصار ببعض أطرافها في مقام الامتثال. فحكم العقل بوجوب الاحتياط إنّما هو لأجل دفع الضرر المحتمل، أعني: العقاب الاخروي، و لا ريب أنّ حكم العقل بذلك ليس إلزاميّا حتّى يقال: إنّه حكم عقلي يتوصّل به إلى حكم شرعيّ، بل هو إرشادي من باب إراءة مصلحة المكلّف، فهو نظير أوامر الأطبّاء لا يترتّب على موافقته ثواب و لا على مخالفته عقاب. بل جميع الأحكام العقليّة حتّى ما استقلّ به العقل- مثل قبح الظلم و حسن الإحسان- من قبيل ذلك، لعدم إلزامه المكلّف بأمر مولوي بترك الظلم لأجل قبحه، لأنّ غايته الإرشاد و لو إلزاما إلى أنّ في فعله ارتكابا للقبيح، لا إلزامه بأمر مولويّ بتركه.

و حينئذ إن كان ما حكم به العقل ممّا يصحّ تعلّق خطاب شرعيّ به فهو، و إلّا كان هذا الحكم إرشاديّا محضا. و وجوب الاحتياط من قبيل ذلك، لكونه طريق امتثال إجمالي للواقع المعلوم إجمالا، و ما هو من قبيل كيفيّة امتثال أوامر الشرع لا يصلح تعلّق خطاب به، لا بمعنى عدم إمكان تعلّق خطاب شرعيّ به، بل بمعنى أنّه لو فرض ورود خطاب شرعيّ عليه كان من قبيل تقرير حكم العقل لا من باب إنشاء حكم شرعيّ، إذ لو كان طريق امتثال الواقع محتاجا إلى بيان الشارع لاحتاج امتثال هذا الخطاب أيضا إلى بيان آخر حتّى يتسلسل أو يدور. و ما كان قابلا لتعلّق خطاب كلّ من العقل و الشرع به كان متّصفا بكلّ من حكمهما، مثل الظلم و الإحسان. و هذا أيضا هو المقصود من قولهم: كلّ ما حكم به العقل حكم به الشرع.

و ممّا ذكرناه يندفع ما يمكن أن يورد علي ما ذكرناه من النقض بالضرر الدنيوي، لأنّ المشهور حرمة السفر مع خوف الضرر فيه، فإذا سافر يعاقب عليه في الآخرة و إن لم يصبه الضرر المتوهّم أو المظنون. و وجه الاندفاع: كون ذلك قليلا، لورود حكم كلّ من العقل و الشرع عليه. و تظهر الثمرة بينه و بين ما نحن‏

21

فيه في أنّ العقاب فيه على تقدير المخالفة على السفر خاصّة، و فيما نحن فيه على تقدير وجوب الاحتياط شرعا لو خالفه على كلّ من ترك الاحتياط و الواقع لو فرضت مخالفة عمله له، فيعاقب عقابين، أحدهما لترك الاحتياط، و الآخر لمخالفة الواقع.

ثمّ إنّا لو قلنا بوجوب مقدّمة الواجب شرعا بواسطة حكم العقل لا نقول به فيما نحن فيه، لوضوح الفرق بين المقدّمات الوجوديّة كالطهارة بالنسبة إلى الصلاة، و المقدّمات العلميّة كالإتيان بجميع أطراف الشبهة لتحصيل العلم بالواقع، لكون الاولى مقدّمة لنفس الواجب، فلا يبعد إلزام العقل بملاحظة خطاب الشارع بالإتيان بها، بخلاف الثانية، لفرض كونها مقدّمة للعلم بحصول الواجب في الخارج لا لنفسه، لإمكان حصوله بدونه كما لا يخفى، فحكم العقل بالإتيان بها إنّما هو لمجرّد الإرشاد إلى التحرّز عن احتمال ترك الواجب الواقعي الموعود بالعقاب عليه كما أسلفناه. و أمّا الاستصحاب فمن وجهين:

أحدهما: أنّ الظاهر المتبادر من حكم العقل حيث يطلق هو حكمه على سبيل القطع و الجزم، و لا ريب في عدم حكمه ببقاء الحالة السابقة كذلك في الاستصحاب، لكون حكمه فيه ظنيّا كما هو واضح، فلا ينطبق عليه ما تقدّم من تعريف الدليل العقلي.

و ثانيهما:- مع تسليم كونه أعمّ من القطعي و الظنّي- أنّ المعتبر في حكم العقل حصوله من مقدّمتين، إحداهما عقليّة أو عاديّة، و هي الصغرى، و الاخرى:

عقليّة محضة، و هي الكبرى، فيقال: هذا ظلم، و كلّ ظلم قبيح، بخلاف الاستصحاب، فإنّ الصغرى فيه- أعني قولنا: إنّ هذا الحكم كان محقّقا سابقا- مستفادة من الشرع، و إن كانت كبراها- أعني قولنا: كلّ ما هو كذلك فهو مظنون البقاء- مستندة إلى العقل، و النتيجة تابعة لأخسّ مقدّمتيها، فإذا كانت إحداهما شرعيّة لا تكون النتيجة عقليّة، كما أنّه لو كانت إحداهما ظنّية لا تكون النتيجة قطعيّة،

22

و حينئذ لا ينطبق عليه تعريف الحكم العقلي. و لأجل ذلك قد ذكر الأكثر المفاهيم في مباحث الألفاظ دون الأدلّة العقليّة، لكون الصغرى فيها مستندة إلى اللفظ، لأنّه يقال فيها: إنّ هذا الحكم لازم لمنطوق هذا اللفظ بالدلالة الالتزاميّة، و كلّ ما هو كذلك فهو مقصود للمتكلّم. و كذلك مقدّمة الواجب، لكون الصغرى فيها أيضا مستندة إلى الخطاب الشرعيّ، لأنّه يقال فيها: إنّ هذا ممّا يتوقّف عليه وجود الواجب، و كلّ ما هو كذلك فهو واجب.

و الحاصل: أنّ ذكرهم المفاهيم، و كذا مقدّمة الواجب، و كذلك اقتضاء الأمر بالشي‏ء للنهي عن ضدّه، في مباحث الألفاظ إنّما هو من جهة عدم كون الصغرى فيها مستندة إلى العقل، فلا ينطبق عليها تعريف الدليل العقلي بأنّه حكم عقلي يتوصّل به إلى حكم شرعيّ. و ما نحن فيه أيضا كذلك، فلا وجه لإدراجه في الأدلّة العقليّة.

و أمّا التخيير فلأنّه في حكم الاحتياط، من حيث كونه من قبيل امتثال التكليف المعلوم إجمالا، فلا يتعلّق به خطاب شرعيّ كما تقدّم، لرجوعه إلى الاقتناع ببعض محتملات الواقع المعلوم إجمالا فيما لا يمكن فيه الاحتياط، أو هو راجع إلى البراءة، لأنّ مرجعه إلى نفي احتمال تعيين أحد الطرفين كما قدّمناه، فيأتي فيه ما قدّمناه في أصالة البراءة.

و قد ظهر ممّا ذكرناه حقّية ما أسلفناه من فساد إدراج الاصول الأربعة في الأدلّة العقليّة. اللّهمّ إلّا أن يحمل ذلك منهم على التسامح، بأن يقال في أصالة البراءة: إنّ العقل في مشتبه الحكم الواقعي و إن لم يحكم بشي‏ء من الأحكام الخمسة، إلّا أنّ إدراجها في الأدلّة العقليّة لأجل المسامحة في إطلاق الحكم المأخوذ في تعريف الدليل العقلي بأنّه حكم عقلي يتوصّل به إلى حكم شرعيّ، بأخذه في الموضعين أعمّ من إثبات حكم و نفيه، و لا ريب في حكم العقل بنفي التكليف في مقام الظاهر في موارد الشبهة التكليفيّة، فبهذا الاعتبار يصحّ إدراجها في الأدلّة

23

العقليّة.

و أمّا الاحتياط فإدراجه فيها لوجهين:

أحدهما: أخذ الحكم العقلي و كذا الشرعيّ في تعريف الدليل العقلي أعمّ من الإرشادي و المولوي، و لا ريب أنّ العقل إذا حكم بوجوب الاحتياط إرشادا يحكم به الشرع أيضا كذلك، إذ قد عرفت أنّ الممنوع منه فيه حكم الشارع بأمر مولوي لا إرشادي.

و ثانيهما: كون وجوب الاحتياط شرعيّا، كما هو ظاهر المشهور، حيث لا يفرّقون في رسائلهم العمليّة بين ما ثبت وجوبه بقاعدة الاشتغال و غيره.

و أمّا الاستصحاب فإدراجه فيها إمّا بملاحظة قلّة الأحكام العقليّة، لأنّ الأحكام الشرعيّة لمّا كانت كثيرة بالنسبة إليها فأدرجوا الاستصحاب في العقليّات، نظرا إلى كونه مستندا إلى العقل في الجملة. و إمّا لأنّ العمدة في تحصيل النتيجة هي الكبرى، و كانت الكبرى في الحكم الثابت بالاستصحاب عقليّة كما تقدّم، فأدرجوه فيها. و أمّا التخيير فيظهر الوجه فيه ممّا قدّمناه في الاحتياط.

الأمر الثاني: في بيان المراد بأصالة البراءة. قال المحقّق القمّي (رحمه اللّه): «الأصل يطلق في مصطلحهم على معان كثيرة مرجعها إلى أربعة: الدليل، و القاعدة، و الاستصحاب، و الراجح. و هو هنا- يعني: في أصالة البراءة- قابل لثلاثة منها. الأوّل: استصحاب البراءة السابقة في حال الصغر أو الجنون، أو حال علم فيها عدم اشتغال الذمّة بشي‏ء، مثل البراءة عن المهر قبل النكاح. و الثاني: القاعدة المستفادة من العقل و النقل أن لا تكليف إلّا بعد البيان. الثالث: أنّ الراجح عند العقل براءة الذمّة إن جعلنا الراجح من معاني الأصل أعمّ من المتيقّن و المظنون» انتهى ملخّصا.

و قال في الفصول: «الأصل يطلق في عرفهم غالبا على معان أربعة: القاعدة، و الدليل، و الاستصحاب، و الراجح. و المراد به هنا- يعني: أصالة البراءة- هو المعنى الأوّل، أعني: القاعدة. فالمعنى: القاعدة المحرّرة في البراءة أو للبراءة، دون‏

24

الدليل، لعدم ملائمته للمقام، فإنّ البحث هنا عن مدلوله لا عن نفسه. و دون الاستصحاب و إن كان من جملة أدلّته، لاختلاف مدارك المسألتين و أقوالهم فيهما.

و دون الراجح، لأنّ المراد به المظنون، إذ المقطوع به لا يسمّى أصلا في اصطلاحهم. و لا خفاء في أنّ البراءة إن قيست إلى الواقع فقد لا يكون ظنّ بها، و إن قيست إلى الظاهر فهي مقطوع بها. و لئن سلّم أنّ معناه الأعمّ فإنّما يصحّ على الظاهر اعتباره في التركيب الحملي كما ذكره الشهيد الثاني، دون الإضافي كما زعمه الفاضل المعاصر» انتهى.

و قال في موضع آخر: «الثاني- يعني من أدلّة البراءة- استصحاب البراءة الثابتة في حال الصغر و شبهه، فإنّ قضيّة عموم أدلّته كما سيأتي عدم اختصاص مورده بغير البراءة. و لا يخفى أنّ هذا الدليل أخصّ من المدّعى، إذ بين مورد الاستصحاب و بين مورد أصل البراءة عموم من وجه، لجريان الاستصحاب في غير البراءة، و جريان أصل البراءة حيث لا يتقدّم براءة، كمن علم بوقوع جنابة و غسل عمّا في الذمّة منه و شكّ في المتأخّر، فإنّ قضيّة أصل البراءة هنا عدم تحريم جواز المسجدين و اللبث في المساجد و قراءة العزائم عليه، مع أنّه لا مسرح للاستصحاب فيها» انتهى.

و ممّا ذكره يظهر ضعف ما تقدّم من المحقّق القمّي (رحمه اللّه) من صحّة إرادة معنى الاستصحاب من الأصل في المقام مطلقا.

و قال في الضوابط في مقام بيان مادّة الافتراق من جانب البراءة: «إنّا نرى تمسّكهم بأصل البراءة فيما لا يصلح فيه الاستصحاب، كما في مسألة تبعيّة القضاء للأمر الأوّل أو للفرض الجديد، فالمعظم على الثاني، لأصالة البراءة، مع أنّه لا معنى لاستصحاب البراءة هنا لو لم نقل إنّ الاستصحاب يقتضي الخلاف» انتهى. و يظهر هذا أيضا من المحقّق القمّي (رحمه اللّه) في مسألة تبعيّة القضاء للأمر الأوّل و عدمها.

هذا، و يرد على ما ذكره في الفصول أنّه إن أراد عدم صلاحيّة المثال المذكور

25

للاستصحاب أصلا، ففيه: أنّه لا وجه لمنع جريان استصحاب الجنابة و الطهارة معا، غاية الأمر أن يكون هنا أصلان متعارضان، لا عدم كونه موردا للاستصحاب أصلا. و إن أراد عدم تحقّق استصحاب مثمر في مقام العمل، ففيه: أنّ الشبهة في المثال موضوعيّة، لأنّ مرجعها إلى الشكّ في كون المكلّف على الجنابة أو الطهارة.

و حينئذ إن أراد عدم جريان الاستصحاب في الموضوعات المشتبهة مطلقا فهو متّضح الفساد، إذ لا ريب في جواز استصحاب حياة زيد عند الشكّ في موته، و بقاء الخلّ على حالته الاولى عند الشكّ في انقلابه خمرا.

و إن أراد عدم جريانه في خصوص المثال كما هو ظاهر كلامه، ففيه: أنّه لا شكّ في عدم تعلّق الخطابات الشرعيّة- التي منها عدم جواز الجواز من المسجدين و اللبث في المساجد للجنب- بالمكلّف في حال الصغر و الجنون، و المتيقّن من انقطاع هذه الحالة بعد البلوغ و الإفاقة هي صورة العلم بالجنابة تفصيلا لا مع الشكّ فيها، و إن علم إجمالا بوقوع أحد الأمرين منها و من الطهارة. و حينئذ يصحّ استصحاب العدم السابق إلى زمان الشكّ، و إن لم يصحّ استصحاب خصوص إحداهما لأجل المعارضة.

و أمّا ما ذكره في الضوابط فيرد عليه: منع عدم صحّة استصحاب العدم فيما شكّ في كون القضاء بالأمر الأوّل أو بأمر جديد، لأنّا لو قلنا بكونه بالأمر الأوّل فالأداء و القضاء تكليفان متغايران، و دلالة الأمر الأوّل عليهما من قبيل تعدّد الدالّ و المدلول، لأنّ مطلوبيّة إيجاد الطبيعية في خارج الوقت على تقدير الإخلال بها في الوقت مستفادة من الخارج، و مع الشكّ في التكليف الثاني يستصحب العدم السابق الثابت في حال الصغر. و لا وجه لاستصحاب التكليف الثابت في الوقت كما زعمه، لاحتمال كون الإتيان به في الوقت مأخوذا في موضوعه، فلا يكون الموضوع حينئذ محرزا حتّى يصحّ التمسّك بالاستصحاب.

و ممّا ذكرنا ظهر أنّ الحقّ اتّحاد أصالة البراءة و استصحابها بحسب الموارد و

26

لأنّ حكم الشكّ إمّا أن يكون ملحوظا فيه اليقين السابق عليه، و إمّا أن لا يكون، سواء لم يكن يقين سابق عليه أم كان و لم يلحظ، و الأوّل هو مورد الاستصحاب، و الثاني إمّا أن يكون الاحتياط فيه ممكنا أم لا، و الثاني مورد التخيير، و الأوّل إمّا أن يدلّ دليل عقلي أو نقلي على ثبوت العقاب بمخالفة الواقع المجهول و إمّا أن لا يدلّ، و الأوّل مورد الاحتياط، و الثاني مورد البراءة. و قد ظهر ممّا ذكرنا: أنّ موارد الاصول قد تتداخل؛ لأنّ المناط في الاستصحاب ملاحظة الحالة السابقة المتيقّنة، و مدار الثلاثة الباقية على عدم ملاحظتها و إن كانت موجودة.

____________

إن اختلفا بحسب المفهوم، إذ المناط في حكم العقل بالبراءة هو مجرّد الشكّ في التكليف مع قطع النظر عن الحالة السابقة، و في الاستصحاب هو اليقين بالحالة السابقة و الشكّ في بقائها، فهما مختلفان مفهوما و إن اتّحدا موردا. و إن كان هذا خلاف المشهور، إذ المعروف بين العلماء كون البراءة قسما من الاستصحاب، فلاحظ المحقّق حيث قسّم في الفصل الثالث من مقدّمات المعتبر الاستصحاب إلى ثلاثة أقسام: استصحاب حال العقل، و فسّره بالبراءة الأصليّة، و استصحاب حال الشرع، و هو أن يقال: عدم الدليل على كذا، فيجب انتفائه.

و ذكر الشهيد في الذكرى أصل البراءة في الأدلّة النقليّة و قال: و يسمّى استصحاب حال العقل. و قال الشهيد الثاني في تمهيد القواعد: استصحاب الحال هو أربعة أقسام، أحدها: استصحاب النفي في الحكم الشرعيّ إلى أن يرد دليل، و هو المعبّر عنه بالبراءة الأصليّة. و قريب منه في قواعد الشهيد.

و في المعارج: أطبق العلماء على أنّ مع عدم الدلالة الشرعيّة يجب إبقاء الحكم على ما يقتضيه البراءة الأصليّة، و لا معنى للاستصحاب إلّا هذا. فإن قال:

ليس هذا استصحابا، بل هو إبقاء الحكم على ما كان، لا حكما بالاستصحاب.

قلنا: نحن نريد بالاستصحاب هذا القدر.

و قال في المعتبر: و أمّا الاستصحاب فأقسامه ثلاثة، استصحاب حال العقل، و

27

هو التمسّك بالبراءة الأصليّة. و قد اقتنع في المعالم عن عنوان مسألة البراءة بمبحث الاستصحاب، إلى غير ذلك من كلماتهم الصريحة أو الظاهرة في كون أصالة البراءة قسما من الاستصحاب.

و كيف كان، فقد ظهر لك عدم صحّة أخذ أصالة البراءة بمعنى الاستصحاب كما توهّمه المحقّق القمي (رحمه اللّه). و أمّا أخذها بمعنى الراجح- أعني: الظنّ- فهو أيضا غير صحيح، لأنّ أصالة البراءة المبنيّة على قبح العقاب بلا بيان إن قيست إلى الواقع فهي لا تفيد الظنّ، و إن قيست إلى الظاهر فهي تفيد القطع دون الظنّ. و من هنا جاز العمل بها مع الظنّ غير المعتبر على خلافها.

و أمّا أخذها بمعنى الدليل فهو أيضا غير صحيح كما تقدّم في كلام صاحب الفصول. و حينئذ لا بدّ أن يؤخذ بمعنى القاعدة، و هي حكم العقل على سبيل القطع بعدم التكليف ظاهرا عند الشكّ فيه بحسب الواقع، لاستقلاله بقبح التكليف بلا بيان و هذه القاعدة مطّردة في جميع موارد استصحاب النفي و إن تغايرا مفهوما، فتأمّل، لأنّ كلمات القوم غير محرّرة في المقام.

ثمّ اعلم أنّ هاهنا اصولا أخر سوى الاصول الأربعة العمليّة، قد تداولت بينهم، و استعملوها في كتبهم، مثل كون عدم الدليل دليل العدم، و البناء على الأقلّ عند دوران الأمر بينه و بين الأكثر، و على الأخفّ عند دوران الأمر بينه و بين الأثقل، و غيرها. و هي إن رجعت إلى أحد الأربعة المذكورة فهو، و إلّا فلا دليل عليها. نعم، أصالة الإباحة معتبرة في نفسها، و مغايرة للأربعة المذكورة. و قد ذكروا في التفصّي عن الإشكال الوارد على البحث عنها بعنوان مستقلّ في الكتب الاصوليّة، بكون البحث عن أصالة البراءة مغنيا عنها من حيث كونها أعمّ منها، وجوها كثيرة. و أرى ترك التعرّض لها و تمييز صحيحها عن سقيمها أولى، لأنّ الاشتغال بالأهمّ فالأهمّ هو الأهمّ، و إن كان التعرّض لها، بل بسط الكلام في تحقيق ما هو الأحقّ بالقبول منها في مسألة أصالة الإباحة مناسبا للمقام، وفّقنا اللّه‏

28

ثمّ إنّ تمام الكلام في الاصول الأربعة يحصل باشباعه في مقامين: أحدهما: حكم الشكّ (1097) في الحكم الواقعي من دون ملاحظة الحالة السابقة الراجع إلى الاصول الثلاثة. الثاني: حكمه بملاحظة الحالة السابقة و هو الاستصحاب.

____________

[المقام الأول حكم الشكّ من دون ملاحظة الحالة السابقة و الكلام في موضعين‏]

أمّا المقام الأوّل (1098)

لما هو الأوفق بالمرام.

1097. الوجه في إدراج مسألتي أصالة التخيير و الاشتغال في مسألة البراءة و إفراد مقام آخر للاستصحاب: أنّ أصالة التخيير راجعة إلى أصالة البراءة، لكون مرجعها إلى أصالة البراءة عن التعيين، و أنّ حكم أصالة الاشتغال معلوم من حكم أصالة البراءة بالمقابلة، نظرا إلى أنّ كلّ مورد لم يكن موردا للبراءة فهو مورد للاشتغال.

1098. اعلم أنّ المصنّف (رحمه اللّه) قد ذكر أقسام موارد الشكّ البدوي هنا، مع إدراج بعضها في بعض تقليلا للأقسام، و أقسام الشكّ المشوب بالعلم الإجمالي في الموضع الثاني. و نحن نذكر جميعها هنا مع إضافة بعض آخر إليها، ليكون الشروع في المقصد على زيادة بصيرة، و إن احتجنا إلى حذف بعض الأقسام أيضا خوفا من الإطالة المخلّة، فنقول مستمدّا من اللّه تعالى: إنّ الشكّ المأخوذ في موضوع الاصول إمّا أن يكون متعلّقا بالموضوع أو الحكم. و بعبارة اخرى: إمّا بالمصداق أو المراد.

و المراد بالأوّل ما كان منشأ الشبهة فيه اختلاط امور خارجة بحيث لو تبدّل الشكّ فيه بالعلم لا يحتاج في معرفة حكمه إلى بيان الشارع، مثل المائع المردّد بين الخمر و الخلّ، لأنّا لو علمنا بكونه أحدهما علمنا حكمه من الحلّ أو الحرمة. و بالجملة، إنّ المراد به الشكّ المتعلّق بالموضوعات الصرفة.

و المراد بالثاني ما كان الشكّ فيه في مراد الشارع، إمّا من جهة الموضوع مثل حرمة الغناء المردّد مفهومه بين الصوت المطرب و الصوت مع الترجيع، و إمّا من‏

29

جهة المحمول كالشكّ في حرمة شرب التتن، و إمّا من الجهتين كالمثال الأوّل إذا فرض الشكّ فيه في الحكم أيضا.

و على كلّ من القسمين، إمّا أن يكون الشكّ مشوبا بالعلم الإجمالي، و إمّا أن يكون بدويّا. و المراد بالأوّل ما علم فيه سنخ التكليف و حصل الشكّ في متعلّقه، كالظهر و الجمعة اللتين علم وجوب أحدهما، إجمالا و الإنائين اللذين علمت حرمة شرب أحدهما كذلك، لا ما علم جنس التكليف الإلزامي فيه و تردّد بين نوعيه من الوجوب و الحرمة. و المراد بالثاني ما حصل الشكّ فيه في سنخ التكليف الإلزامي و إن علم جنسه، كما يظهر بالمقايسة. و بضرب هذين القسمين في السابقين ترتقي الأقسام إلى أربعة، أعني: الشبهة الموضوعيّة المشوبة بالعلم الإجمالي، كما في الشبهة المحصورة. و كذا البدويّة، مثل المائع المردّد بين الخمر و الخلّ. و الشبهة الحكميّة المشوبة بالعلم الإجمالي، كالواجب المردّد بين الظهر و الجمعة. و كذا البدويّة، مثل شرب التتن المردّد حكمه بين الحرمة و الإباحة.

ثمّ إنّه مع العلم الإجمالي بالتكليف إمّا أن يدور الأمر بين المتباينين، أو بين الأقلّ و الأكثر. و المراد بالتباين أعمّ من الحقيقي و الحكمي. و الأوّل مع كون الشبهة في الموضوع مثل الشبهة المحصورة، و مع كونها في الحكم مثل الظهر و الجمعة على ما عرفت. و المراد بالتباين الحكمي ما دار الأمر فيه بين التعيين و التخيير. و المراد بالتخيير أعمّ من الشرعيّ و العقلي. و الأوّل مثل ما لو ثبت من الشرع وجوب عتق رقبة، و دار الأمر فيه بين تخيير الشارع بين أفرادها و إرادة فرد خاصّ منها كالمؤمنة. و الثاني مثل ما لو ثبت شرعا وجوب عتق رقبة، و دار الأمر بين إرادة الطبيعة- التي لازمها تخيّر المكلّف عقلا بين أفرادها- و بين إرادة فرد خاصّ منها. و هذان المثالان من قبيل الشكّ في الحكم، من جهة الشكّ في موضوعه، مع العلم الإجمالي بالتكليف، مع دوران الأمر بين المتباينين حكما، و كون التخيير شرعيّا على الأوّل و عقليّا على الثاني.

30

و أمّا ما دار الأمر فيه بين الأقلّ و الأكثر، فاعلم أنّهما إمّا ارتباطيّان أو غيره.

و الثاني خارج من هذا التقسيم المختصّ بما كان الشكّ فيه مشوبا بالعلم الإجمالي الذي مرجعه إلى الشكّ في المكلّف به، لانحلال العلم الإجمالي فيه إلى علم تفصيلي و شكّ بدوي، فيدخل في قسم الشكّ في التكليف دون المكلّف به.

و المراد بالارتباطي عدم إجزاء الأقلّ و لو بقدره على تقدير كون المطلوب في الواقع هو الأكثر، و بغير الارتباطي ما كان على عكسه. و الأوّل مثل الشكّ في بعض أجزاء الصلاة و شرائطها، و الشكّ في حرمة تصوير أعضاء الحيوان مع العلم بحرمة تمام الصورة. و الثاني مثل دوران الأمر في الفائتة بين الأربع و الخمس، و في الدين بين درهم و درهمين، و في ولوغ الكلب بين ثلاث غسلات و سبع، و في بعض صور منزوحات البئر بين ثلاثين و أربعين و الأوّلان من قبيل الشبهة الموضوعيّة، و الأخيران من قبيل الحكميّة. و الجميع من قبيل الشكّ في التكليف دون المكلّف به، لكون وجوب الأقلّ معلوما تفصيلا، و وجوب الأكثر مشكوكا من رأس، و لذا أخرجنا هذا القسم من أقسام الشكّ في المكلّف به. و مثله الأقلّ و الأكثر الارتباطيّان مع كون الشبهة تحريميّة، مثل ما عرفت من مثال حرمة تصوير الصورة، لكون حرمة الأكثر فيه معلومة، و حرمة الأقلّ مشكوكة من رأس. و لا فرق فيه بين الأقسام الثلاثة الآتية للشبهة الحكميّة، أعني: ما كانت الشبهة فيه ناشئة من فقدان النصّ أو إجماله أو تعارضه، و بين الشبهة الموضوعيّة، بخلاف ما لو كانت الشبهة فيه وجوبيّة، لعدم وجود قدر متيقّن حينئذ كما لا يخفى.

و قد ظهر ممّا ذكرنا أنّ الباقي من أقسام الشكّ في المكلّف به أربعة، و هي الشبهة الحكميّة و الموضوعيّة مع دوران الأمر فيهما بين المتباينين، أو الأقلّ و الأكثر الارتباطيّين، مع كون الشبهة فيهما وجوبيّة، و بضمّها إلى قسمي الشكّ في التكليف ترتقي الأقسام إلى ستّة.

31

فيقع الكلام فيه في موضعين: لأنّ الشكّ إمّا في نفس التكليف و هو النوع الخاصّ من الإلزام و إن علم جنسه، كالتكليف المردّد بين الوجوب و التحريم. و إمّا في متعلق التكليف مع العلم بنفسه، كما إذا علم وجوب شي‏ء و شكّ بين تعلّقه بالظهر و الجمعة، أو علم وجوب فائتة و تردّدت بين الظهر و المغرب.

[الموضع الأول في الشك في التكليف و فيه مطالب‏]

و الموضع الأوّل يقع الكلام فيه في مطالب؛ لأنّ التكليف المشكوك فيه إمّا تحريم مشتبه بغير الوجوب، و إمّا وجوب مشتبه بغير التحريم، و إمّا تحريم مشتبه‏

____________

ثمّ إنّ صور الشكّ كثيرة، لأنّه تارة يكون ثنائيّا، و اخرى ثلاثيّا، و ثالثة رباعيّا، و رابعة خماسيّا، لأنّه مع الشكّ في التكليف أو المكلّف به ربّما يدور الأمر بين حكمين من الأحكام الخمسة، و تارة بين ثلاثة منها، و هكذا. و لكنا اقتصرنا منها على بيان بعض الصور الثنائيّة كما ستعرفه، تقليلا للأقسام، مع كون الأحكام الباقية معلومة ممّا ذكره المصنّف (رحمه اللّه) من أحكامها.

ثمّ إنّه على جميع التقادير: إمّا أن يكون الأمر دائرا بين الوجوب و غير الحرمة، أو الحرمة و غير الوجوب، أو يدور الأمر بينهما. و بضرب الثلاثة في الستّة ترتقي الأقسام إلى ثمانية عشر قسما، ستّة منها للشكّ في التكليف، و الباقي للشكّ في المكلّف به.

ثمّ إنّ هنا تقسيما آخر مختصّا بأقسام الشبهة الحكميّة، و هي تسعة من الثمانيّة عشر، و هو أنّ الشبهة في الحكم إمّا أن تكون لأجل فقدان النص في المسألة كشرب التتن، أو لأجل تعارض النصّين مثل الظهر و الجمعة، أو لأجل إجماله كقوله تعالى: أَقِمِ الصَّلاةَ* بناء على كون ألفاظ العبادات أسامي للصحيح. و بضرب هذه في التسعة المذكورة تحصل سبعة و عشرون قسما. و بضمّ أقسام الشبهة الموضوعيّة- و هي التسعة الباقية- ترتقي الأقسام إلى ستّة و ثلاثين قسما.

و المراد بفقدان النصّ أعمّ من عدم وجود دليل في المسألة أصلا، و من وجود أمارة غير معتبرة، كالشهرة و قول الفقيه و نحوهما.

32

بالوجوب، و صور الاشتباه كثيرة. و هذا مبنيّ على اختصاص (1099) التكليف بالإلزام أو اختصاص الخلاف في البراءة و الاحتياط به، و لو فرض شموله للمستحبّ و المكروه يظهر حالهما من الواجب و الحرام؛ فلا حاجة إلى تعميم العنوان.

ثمّ إنّ متعلّق التكليف المشكوك إمّا أن يكون فعلا كلّيا متعلّقا للحكم الشرعيّ الكلّي، كشرب التتن المشكوك في حرمته و الدعاء عند رؤية الهلال المشكوك في وجوبه، و إمّا أن يكون فعلا جزئيّا متعلّقا للحكم الجزئي، كشرب هذا المائع المحتمل كونه خمرا.

____________

1099. يعني: حصر موارد الاشتباه في الثلاثة. قال المحقّق القمّي (رحمه اللّه): «و هذا الإطلاق- يعني: إطلاق أصالة البراءة بمعنى استصحابها- إنّما يناسب بالنسبة إلى ما شكّ في تحريمه أو وجوبه، لأنّ اشتغال الذمّة لا يكون إلّا بالتكليف، و التكليف منحصر فيهما» انتهى.

و قال بعض الأفاضل بعد نقله عنه: «و لعلّه ناظر إلى ما قيل من أنّ التكليف مأخوذ من الكلفة، و معناه الإلقاء في المشقّة، و لا يصدق على غيرهما. و ضعفه ظاهر، لأنّ ذلك معنى التكليف لغة، و أمّا في الاصطلاح فهو أعمّ من ذلك قطعا، لأنّه يتناول الوجوب و الحرمة بأنواعهما قولا واحدا، و من الواضح أنّه لا يكون كلفة فيهما. و كان المتداول في كلامهم استعمال أصل البراءة في نفي الوجوب و أصل الإباحة في نفي التحريم و الكراهة، و التعميم أولى بالمقام، لصلوح اللفظ له بالمعنى الذي ذكرناه، مع اشتراك الجميع في الأدلّة» انتهى.

و أنت خبير بأنّ ما ذكره و إن كان متّجها بحسب استعمال أصالة البراءة في مواردها في كلمات العلماء، إلّا أنّه لم يقم دليل على اعتبارها بهذا الإطلاق، لأنّ غاية ما دلّ عليه الدليل العقلي المستدلّ به عليها و المنساق من الأدلّة اللفظيّة- كما سيجي‏ء في محلّه- هو مجرّد نفي العقاب على مخالفة التكليف المحتمل مع عدم وصول البيان من الشارع، لا نفي التكليف المحتمل في الواقع حتّى يقال: إنّه أعمّ من‏

33

و منشأ الشكّ في القسم الثاني: اشتباه الامور الخارجيّة. و منشؤه في الأوّل: إمّا أن يكون عدم النصّ (1100) في المسألة، كمسألة شرب التتن، و إمّا أن يكون إجمال النصّ، كدوران الأمر في قوله تعالى:

حَتَّى يَطْهُرْنَ‏ 3

بين التشديد و التخفيف مثلا، و إمّا أن يكون تعارض النصّين، و منه الآية المذكورة بناء على تواتر القراءات (1101).

و توضيح أحكام هذه الأقسام في ضمن مطالب: الأوّل: دوران الأمر بين الحرمة و غير الوجوب من الأحكام الثلاثة الباقية. الثاني: دورانه بين الوجوب و غير التحريم. الثالث: دورانه بين الوجوب و التحريم.

[المطلب الأوّل فيما دار الأمر فيه بين الحرمة و غير الوجوب و فيه مسائل أربع‏]

فالمطلب الأوّل فيما دار الأمر فيه بين الحرمة و غير الوجوب و قد عرفت: أنّ متعلّق الشكّ تارة الواقعة الكلّية كشرب التتن، و منشأ الشكّ فيه عدم النصّ أو إجماله أو تعارضه، و اخرى الواقعة الجزئيّة. فهنا أربع مسائل:

[المسألة الاولى فيما لا نصّ فيه و فيها قولان‏]

الاولى ما لا نصّ فيه.

و قد اختلف فيه على ما يرجع إلى قولين (1102):

____________

الوجوب و الحرمة و غيرهما.

1100. لعلّ المراد بالنصّ هو مطلق الدليل الشامل للإجماع و غيره أيضا، و إلّا فلا اختصاص لموارد البراءة بموارد فقدان النصّ فقط، و لعلّ تخصيصه بالذكر لأجل كون بيان الأحكام به غالبا.

1101. كذلك بناء على عدم تواترها مع ثبوت جواز الاستدلال بكلّ قراءة من السبعة، كما أشار إليه في مبحث حجّية الظنّ، فراجع.

1102. لعلّ التعبير بهذه العبارة إشارة إلى ضعف ما توهّمه المحقّق القمّي (رحمه اللّه)، حيث نسب القول بالتفصيل بين ما يعمّ به البلوى و غيره- بالقول بالبراءة في الأوّل دون الثاني- إلى المحقّق في المعتبر.

و وجه الضعف: أنّ المحقّق إنّما فصّل بذلك بالنسبة إلى كون عدم الدليل دليل العدم، و قد تقدّم في الحواشي السابقة- عند بيان الفرق بين أصالة البراءة و

34

[القول الأول البراءة و احتجّ له بالأدلّة الأربعة]

أحدهما: إباحة الفعل شرعا و عدم وجوب الاحتياط بالترك. و الثاني: وجوب الترك، و يعبّر عنه بالاحتياط. و الأوّل منسوب إلى المجتهدين، و الثاني إلى معظم الأخباريّين.

و ربّما نسب إليهم أقوال أربعة: التحريم ظاهرا، و التحريم واقعا، و التوقّف، و الاحتياط. و لا يبعد أن يكون تغايرها باعتبار العنوان، و يحتمل الفرق بينها أو بين بعضها من وجوه أخر تأتي بعد ذكر أدلّة الأخباريّين.

احتجّ للقول الأوّل بالأدلّة الأربعة:

[الاستدلال بالكتاب‏]

فمن الكتاب آيات: منها: قوله تعالى:

لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا ما آتاها 4

(1103). قيل: دلالتها واضحة

5

. و فيه: أنّها غير ظاهرة؛ فإنّ حقيقة الإيتاء: الإعطاء، فإمّا أن يراد بالموصول المال- بقرينة قوله تعالى‏

____________

سائر الاصول- مغايرة هذا الأصل عندهم لأصالة البراءة. مع أنّ المقصود في المقام بيان حكم ما اشتبه حكمه الواقعي- أعني: الحرمة- في مقام الظاهر، و أنّه هي البراءة أو الاحتياط. و الأصل المذكور و إن سلّمنا اندراجه في أصالة البراءة، إلّا أنّه يفيد نفي الحكم فيما يعمّ به البلوى بحسب الواقع دون الظاهر، فلا دخل له فيما نحن فيه. فالأولى حصر القول في المقام في البراءة و الاحتياط.

1103. هذه الآية في سورة الطلاق. و تقريب الدلالة: أنّ المراد بالإيتاء إمّا هو الإعلام، كما يشعر به قوله (عليه السّلام): «إنّ اللّه يحتجّ على الناس بما آتاهم و عرّفهم» و إمّا الإقرار، كما هو صريح الطبرسي. فهي تدلّ على الأوّل على نفي التكليف قبل وصول الإعلام و البيان من اللّه سبحانه، و على الثاني على نفي التكليف عن غير المقدور، لأنّ المعنى حينئذ: لا يكلّف اللّه نفسا إلّا ما أقدرها عليه، و التكليف بالمجهول تكليف بغير المقدور، فيكون منفيّا بحكم الآية.

و أمّا ما أورد عليه المصنّف (رحمه اللّه) بأنّ ترك ما يحتمل التحريم ليس غير مقدور، فيرد عليه: أنّه إن أراد ذلك عقلا فمسلّم إلّا أنّه غير مجد، لأنّ الخطابات الشرعيّة واردة على متفاهم العرف، فيكفي في الاستدلال بها كون الفعل غير مقدور في نظر

35

قبل ذلك:

وَ مَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتاهُ اللَّهُ‏ 6

- فالمعنى: أنّ اللّه سبحانه لا يكلّف العبد إلّا دفع ما اعطي من المال. و إمّا أن يراد نفس فعل الشي‏ء أو تركه بقرينة إيقاع التكليف عليه، فإعطاؤه كناية عن الإقدار عليه، فتدلّ على نفي التكليف بغير المقدور كما ذكره الطبرسي‏

7

(قدّس سرّه)، و هذا المعنى أظهر و أشمل؛ لأنّ الإنفاق من الميسور داخل في «

مِمَّا آتاهُ اللَّهُ‏

». و كيف كان: فمن المعلوم أنّ ترك ما يحتمل التحريم ليس غير مقدور؛ و إلّا لم ينازع في وقوع التكليف به أحد من المسلمين، و إن نازعت الأشاعرة في إمكانه. نعم، لو اريد من الموصول نفس الحكم و التكليف، كان إيتائه عبارة عن الإعلام به، لكن إرادته بالخصوص تنافي مورد الآية، و إرادة الأعمّ‏

____________

عامّة الناس، و ما نحن فيه كذلك كما ستعرفه. و إن أراد ذلك في نظر العامّة فهو ممنوع.

و توضيح المقام: أنّ خروج الفعل من قدرة المكلّف تارة يكون عقليّا، و اخرى عرفيّا، بمعنى كونه كذلك في نظر أهل العرف و إن لم يكن كذلك عقلا. و من هذا القبيل أمر الموالي عبيدهم بما لم يكن لهم طريق إلى امتثاله، إذ لا ريب في عدّ مثل ذلك عندهم من قبيل التكليف بغير المقدور. و ما نحن فيه من هذا القبيل، إذ لو تنجّز التكليف بالواقع فيما يحتمل التحريم عدّ ذلك أيضا تكليفا بغير مقدور، إذ الفرض عدم ثبوت وجوب الاحتياط حتّى يقال إنّه طريق ظاهري في الشبهات. و مجرّد حسن الاحتياط عقلا و شرعا لا يصلح أن يكون طريقا لامتثال التكليف المفروض تنجّزه في الواقع، إذ غايته جواز الاحتياط، و هو لا يصلح طريقا لذلك.

و بالجملة، إنّ وجه الاستدلال أنّ المراد بالموصولة إمّا هو الحكم، و المراد بإيتائه إعلامه، كما ترشد إليه الرواية المتقدّمة، إلّا أنّه يشكل بعدم شمول الآية حينئذ لموردها، كما أفاده المصنّف (رحمه اللّه). و إمّا نفس الفعل و الترك، و الإيتاء و إن كان حقيقة في الإعطاء إلّا أن إيتاءهما كناية عن الإقدام عليهما. و المعنى: لا يكلّف اللّه نفسا إلّا بفعل أقدرها عليه، فما هو غير مقدور للمكلّف لا يكلّف به، و هو

36

منه و من المورد تستلزم استعمال الموصول في معنيين؛ إذ لا جامع بين تعلّق التكليف بنفس الحكم و بالفعل‏

(*)

المحكوم عليه، فافهم.

نعم، في رواية عبد الأعلى عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام): «قال: قلت له: هل كلّف النّاس بالمعرفة؟ قال: لا، على اللّه البيان؛

لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها

، و

لا يُكَلِّفُ اللَّهُ‏

____________

أعمّ ممّا كان غير مقدور بالذات كالطيران إلى السماء، أو بالعرض كما فيما نحن فيه على ما عرفت. و عليه، تكون الآية عامّة لمواردها أيضا، و هو خصوص المال، كما يرشد إليه قوله سبحانه قبلها: وَ مَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتاهُ اللَّهُ‏ لأنّ المعنى حينئذ بالنسبة إلى موردها: لا يكلّف اللّه نفسا إلّا بدفع مال أقدرها عليه، و بالنسبة إلى الأحكام المعلومة: لا يكلّف اللّه نفسا إلّا بفعل واجب أو ترك حرام أقدرها عليه.

و لا يرد عليه ما أورده المصنّف (رحمه اللّه) على إرادة المعنى الأعمّ من استلزامه لاستعمال اللفظ في أكثر من معنى، لكون الموصولة على ما ذكرناه عبارة عن نفس الفعل أو الترك، و هو إن اعتبر بالنسبة إلى مورد الآية- و هو المال- فهو عبارة عن دفعه، و إن اعتبر بالنسبة إلى الأحكام فهو عبارة عن الإتيان بها و امتثالها.

و ممّا ذكرناه يظهر تقريب الاستدلال بقوله تعالى في آخر سورة البقرة:

لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها نظرا إلى كون الفعل المجهول الحكم خارجا عن وسع المكلّف في نظر العامّة كما تقدّم. و كذا يندفع ما أورد عليه بأنّه إنّما يتمّ على تقدير انسداد باب العلم في أغلب الأحكام، نظرا إلى كون التكليف بالأفعال المجهولة الحكم في الواقع مع تعذّر الاحتياط لكثرة الشبهات تكليفا بما هو خارج من الوسع، بخلاف ما لو كان باب العلم مفتوحا عقلا أو شرعا كما هو الفرض، لأنّ الكلام مع الأخباريّين القائلين بالانفتاح، بل على مذهب القائلين بالظنون الخاصّة من الاصوليّين، إذ لا ريب في تيسّر الاحتياط حينئذ، لقلّة موارد الشبهة،

____________

(*) في بعض النسخ: بدل «بالفعل»، و الفعل.

37

نَفْساً إِلَّا ما آتاها

»

8

، لكنّها لا ينفع في المطلب، لأنّ نفس المعرفة باللّه غير مقدور (1104) قبل تعريف اللّه سبحانه، فلا يحتاج دخولها في الآية إلى إرادة الإعلام من الإيتاء، و سيجي‏ء زيادة توضيح لذلك في ذكر الدليل العقلي إن شاء اللّه تعالى. و ممّا ذكرنا يظهر حال التمسّك بقوله تعالى:

لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها 9

.

و منها: قوله تعالى:

وَ ما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا 10

(1105) بناء على أنّ بعث الرسول كناية عن بيان التكليف؛ لأنّه يكون به غالبا، كما في قولك:

«لا أبرح من هذا المكان حتّى يؤذّن المؤذّن‏

(*)

» كناية عن دخول الوقت أو عبارة عن البيان النقلي، و يخصّص العموم بغير المستقلّات، أو يلتزم بوجوب التأكيد و عدم حسن العقاب إلّا مع اللطف بتأييد العقل بالنقل و إن حسن الذمّ، بناء على أنّ منع‏

____________

فالتكليف بالأفعال المجهولة الحكم لا يستلزم المحذور. و وجه الاندفاع واضح، لأنّ ما ذكرناه مبنيّ على كون الفعل المجهول الحكم خارجا من الوسع مطلقا، من دون فرق بين قلّة الشبهات و كثرتها.

1104. لعلّ الوجه فيه هو كون المراد بالمعرفة هي المعرفة الكاملة التي لا يهتدي إليها العباد بعقولهم القاصرة، أو المراد بها مطلقها إلّا أنّ المراد بالبيان أعمّ من البيان الشرعيّ و العقلي. و القرينة على التأويل بهذين الوجهين هو تعرّض السائل لهذا السؤال، إذ من البعيد حصول الشبهة في وجوب أصل المعرفة. مضافا إلى نفي الإمام (عليه السّلام) للتكليف من دون بيان من اللّه تعالى، للقطع بثبوت التكليف بأصل المعرفة و لو مع عدم بيان من اللّه سبحانه. و حاصل ما ذكره: انطباق الرواية على الآية على تقدير كون المراد بالموصولة هو الفعل و الترك، و بالإيتاء الإقدار عليهما.

1105. الآية في أوائل سورة بني إسرائيل. و لا يذهب عليك أنّ جريان أصالة البراءة لمّا كان موقوفا على عدم الدليل العقلي و الشرعيّ في موردها، لأنّ‏

____________

(*) في بعض النسخ زيادة: فإنّه.

38

المستدلّين بالآية هم الاصوليّون القائلون بالملازمة بين حكم العقل و الشرع، و كان ظاهر الآية نفي التكليف مع عدم البيان النقلي مطلقا، سواء كان هنا دليل عقلي أم لا، احتاج المصنّف (رحمه اللّه) في الاستدلال بها إلى إثبات احدى مقدّمات. الاولى: أن يكون بعث الرسول كناية عن بيان التكليف مطلقا، سواء كان بالنقل أم العقل.

الثانية: أن تبقى الآية على ظاهرها، و يقال بكونها من قبيل المخصّص بالمخصّص المنفصل، و هو ما دلّ على اعتبار العقل. الثالثة: أن تبقى الآية على ظاهرها من إرادة البيان النقلي من دون التزام استثناء أصلا. و يدّعى عدم منافاتها لملازمة حكم العقل لحكم الشرع بأن يقال: إنّ الملازمة بينهما إنّما هي في الحكم بحسن فعل أو قبحه، بمعنى: أنّ العقل إذا حكم بحسنه أو قبحه فالشرع أيضا يحكم بذلك و بكون فاعله مستحقّا للعقاب، إلّا أنّه لا ينافي عدم ترتّب العقاب الفعلي على ارتكاب فعل حكم العقل بقبحه و لم يرد النهي عنه شرعا، كما هو مقتضى الآية.

و بالجملة، إنّ الملازمة في الحكم بالقبح و الاستحقاق لا تلازمها فعليّة ترتّب العقاب على ارتكاب هذا القبيح، نظير حرمة الظهار المتعقّبة بالعفو بقوله تعالى:

إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ* على ما يراه الشهيد الثاني، و حرمة نيّة السوء التي ورد في الأخبار أنّها لا تكتب. و الوجه في عدم ترتّب العقاب على مخالفة ما حكم بقبحه العقل، مع عدم ورود النهي عنه شرعا، ما أشار إليه المصنّف (رحمه اللّه) من كون تأكّد العقل بالشرع لطفا واجبا على اللّه تعالى.

و على كلّ تقدير، فالآية لا تنافي الملازمة المذكورة. و ما أورد عليه المصنّف (رحمه اللّه) من كون ظاهرها إخبارا عن وقوع التعذيب سابقا في الأمم الماضية و القرون الخالية بعد البعث و البيان، فلا تشمل نفي العقاب الاخروي من دون بيان، ضعيف جدّا، لأنّ ظاهرها أنّها إخبار عن عدم جريان عادته و سجيّته سبحانه و لو في الامم السابقة على التعذيب من دون بيان، لأنّ معناها: ما كان من شأننا و سجيّتنا التعذيب حتّى نبعث و نبيّن الأحكام للعباد، فهي بإطلاقها تشمل العقاب‏

39

اللطف يوجب قبح العقاب دون الذمّ، كما صرّح به البعض، و على أيّ تقدير فيدلّ على نفي العقاب قبل البيان. و فيه: أنّ ظاهره الإخبار بوقوع التعذيب سابقا بعد البعث، فيختصّ بالعذاب الدنيوي الواقع في الامم السابقة.

ثمّ إنّه ربّما يورد التناقض‏

11

(1106) على من جمع بين التمسّك بالآية في المقام‏

____________

الدنيوي و الاخروي، كما هو صريح الطبرسي في تفسيره. و لا ريب أنّ مقتضى الحكمة أن لا تتغيّر عادته و لا تتبدّل سجيّته في القرون اللاحقة، إن لم تكن هذه الأمّة المرحومة أولى بذلك. مع أنّ لفظة «كان» قد تستعمل للدلالة على استمرار خبرها لاسمها، نحو «وَ كانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً*» أي: لم يزل عليما حكيما في الماضي و الحال و الاستقبال.

نعم، يرد على المقدّمة الأخيرة أنّ تسليم كون فاعل ما يستقلّ بقبحه العقل و تارك ما يستقلّ بحسنه مستحقّا للعقاب و مبغوضا عند الشارع و إن لم يكن معاقبا بالفعل، مناف لما وجب على اللّه تعالى من اللطف بتأكيد الأحكام العقليّة بالسمعيّة، لأنّ كون العبد مبغوضا للشارع و مستحقّا لسخطه أشدّ من التعذيب بالنار عند ذوي العقول و الأبصار، فكما أنّ العقاب بلا بيان ينافي اللطف، كذلك الاستحقاق بلا بيان إن لم يكن أولى.

فإن قلت: إنّ غاية ما تدلّ عليه الآية مع تسليم المقدّمات المتقدّمة هو نفي فعليّة العقاب بلا بيان، لا نفي الاستحقاق أيضا، و لا يستلزم كون محتمل الحرمة غير حرام و لو في الظاهر، لأنّ الحرام ما يستحقّ فاعله العقاب لا ما يعاقب عليه فعلا، و نفي الفعليّة لا ينفي الاستحقاق أيضا.

قلت: مع أنّ مقتضى البراءة- كما سيجي‏ء في محلّه- هو مجرّد نفي العقاب لا نفي الحكم الواقعي، إنّ الخصم يسلّم عدم الاستحقاق على تقدير ثبوت عدم الفعليّة، كما صرّح به المصنّف (رحمه اللّه)، و ستعرفه عنه شرح كلامه.

1106. المورد هو المحقّق القمّي (رحمه اللّه)، أورده على الفاضل التوني، حيث استدلّ‏

40

و بين ردّ من استدلّ بها لعدم الملازمة بين حكم العقل و حكم الشرع: بأنّ نفي فعليّة التعذيب أعمّ من نفي الاستحقاق؛ فإنّ الإخبار بنفي التعذيب إن دلّ على عدم التكليف شرعا فلا وجه للثاني، و إن لم يدلّ فلا وجه للأوّل. و يمكن دفعه: بأنّ عدم الفعليّة يكفي في هذا المقام؛ لأنّ الخصم يدّعي أنّ في ارتكاب الشبهة الوقوع في العقاب و الهلاك فعلا من حيث لا يعلم- كما هو مقتضى رواية التثليث و نحوها التي هي عمدة أدلّتهم-، و يعترف بعدم المقتضي للاستحقاق على تقدير عدم الفعليّة، فيكفي في عدم الاستحقاق نفي الفعليّة، بخلاف مقام التكلّم في الملازمة؛ فإنّ المقصود فيه إثبات الحكم الشرعيّ في مورد حكم العقل، و عدم ترتب العقاب على مخالفته لا ينافي ثبوته، كما في الظهار حيث قيل: إنّه محرّم معفوّ عنه، و كما في العزم على المعصية على احتمال. نعم، لو فرض هناك أيضا إجماع على أنّه لو انتفت الفعليّة انتفى الاستحقاق- كما يظهر من بعض ما فرّعوا على تلك المسألة- لجاز التمسّك بها هناك. و الإنصاف أنّ الآية لا دلالة لها (1107) على المطلب في المقامين.

____________

في مسألة البراءة بالآية عليها. و في مسألة الحسن و القبح ردّ على من منع الملازمة بين حكم العقل و الشرع، مستدلا بها عليه بأنّ نفي فعليّة التعذيب أعمّ من نفي الاستحقاق، و منع الملازمة إنّما يتمّ على الثاني دون الأوّل. قال: «و العجب من بعض الأعاظم حيث جمع في كلامه بين الاستدلال بالآية لأصل البراءة، و دفع الإشكال الوارد على الآية بالأحكام العقليّة الإلزاميّة، بجواز العفو عن اللّه تعالى» انتهى.

و حاصل ما أورده من التناقض: أنّ مقتضى الاستدلال بالآية على أصالة البراءة هو نفي الحكم المستتبع لنفي الاستحقاق، و مقتضى الردّ على المانع بما ذكره نفي فعليّة التعذيب بالعفو عنه مع تسليم أصل الاستحقاق، و التنافي بينهما واضح.

1107. أمّا عدم دلالتها على أصالة البراءة فلما أورده على المستدلّ بها عليها. و أمّا عدم دلالتها على عدم الملازمة فلما صرّح به من كون محلّ النزاع هناك هو إثبات الملازمة بين حكم العقل و الشرع في الاستحقاق خاصّة، و مجرّد

41

و منها: قوله تعالى:

وَ ما كانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَداهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ ما يَتَّقُونَ‏ 12

(1108) أي: ما يجتنبونه من الأفعال و التروك. و ظاهرها: أنّه تعالى لا يخذلهم بعد هدايتهم إلى الإسلام إلّا بعد ما يبيّن لهم. و عن الكافي و تفسير العياشي و كتاب التوحيد:

13

«حتّى يعرّفهم ما يرضيه و ما يسخطه». و فيه ما تقدّم في الآية السابقة، مع أنّ دلالتها أضعف من حيث إنّ توقّف الخذلان على البيان غير ظاهر الاستلزام للمطلب، اللهمّ إلّا بالفحوى.

____________

نفي فعليّة التعذيب- كما هو مقتضى الآية- لا ينفيها.

1108. هذه الآية في سورة التوبة. و تقريب الاستدلال: أنّ المراد بقوله:

لِيُضِلَ‏ إمّا هو الحكم بالضلالة، أو التعذيب في الدنيا و الآخرة، و الوجهان يظهران من بعض المفسّرين، أو الخذلان في مقابل الهداية و التوفيق، كما يظهر من المصنّف (رحمه اللّه). و هذه الامور كلّها مرتّبة على معصيته سبحانه، فإذا نفتها الآية قبل بيان ما يجب اجتنابه من الأفعال و التروك ثبت عدم تحقّق المعصية و المخالفة قبل وصول البيان من الشارع، و إن كان الفعل المأتيّ به محتملا للحرمة في الواقع و المتروك للوجوب كذلك.

و المصنّف (رحمه اللّه) قد حمل الآية على الوجه الثالث، و أجاب عنها تارة بما تقدّم في سابقتها من كونها إخبارا عن عادته تعالى في الأمم الماضية. و اخرى بمنع استلزام توقّف الخذلان على البيان لتوقّف تنجّز التكليف عليه كما هو المدّعى، و ذلك لأنّ معنى الآية: ما كان اللّه ليخذل قوما بسلب أسباب التوفيق و التوكيل إلى النفس فيما يتعلّق بالمعاش و المعاد إلّا بعد بيان الواجبات و المحرّمات. و عليه، تكون مرتبة الخذلان بعد بيان الأحكام، إلّا أنّ الآية لا تدلّ على عدم التكليف قبل البيان، لوضوح عدم استلزام توقّف الخذلان عليه- كما هو ظاهر الآية- لتوقّف التكليف عليه. اللّهمّ إلّا أن يتمسّك بالفحوى، بأن يقال: إنّ الخذلان إذا توقّف علي البيان فتوقّف التعذيب الذي هو أشدّ منه عليه بطريق أولى.

42

و منها: قوله تعالى:

لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَ يَحْيى‏ مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ 14

(1109) و في دلالتها تأمّل ظاهر.

____________

و أنت خبير بأنّ خذلانه سبحانه للعبد إنّما هو بعد بيان ما يرضيه و يسخطه من الواجبات و المحرّمات و مخالفة العبد له، و بعد إيعاده عليه مرّة بعد اخرى بإنزال البلايا و الشدائد، بل بعد بيان المكمّلات من الأعمال الموجبة للمراتب العليّة و الدرجات الرفيعة من المستحبّات و غيرها، فإذا استمرّ العبد على ما أصرّ عليه استحقّ الخذلان الذي هو أشدّ من الدخول في النيران، إذ من البعيد خذلانه سبحانه للعبد بعد بيان الواجبات و المحرّمات بمجرّد مخالفته له تعالى فيهما من دون إصرار أو استمرار على ما أصرّ عليه، كيف لا و بيان ما يرضيه و يسخطه من الواجبات و المحرّمات واجب عليه سبحانه من باب اللطف.

و بالجملة، إنّ استحقاق الخذلان فضلا عن فعليّته ليس مرتّبا على مجرّد المخالفة. فمن هنا يظهر أنّ جعل الإضلال في الآية الشريفة مغيّا ببيان «ما يَتَّقُونَ‏» ممّا يرضيه و يسخطه من الواجبات و المحرّمات، قرينة لعدم إرادة الخذلان من الإضلال، لأنّ الخذلان و إن توقّف على بيان ما يتّقون، إلّا أنّه متوقّف على أشياء أخر أيضا، فجعل الإضلال مغيّا بما يجب بيانه على اللّه تعالى دليل على عدم إرادته من الإضلال، بل المناسب له كون المراد به التعذيب. و المعنى حينئذ: ما كان اللّه ليعذّب قوما بعد أن هدهم إلى الإسلام حتّى يبيّن لهم ما يرضيه و يسخطه. و دلالتها على المدّعى حينئذ واضحة كما تقدّم. و من التأمّل فيما ذكرناه يظهر ضعف التمسّك بالفحوى أيضا، لما عرفت من كون الخذلان أشدّ من التعذيب في الدنيا و الآخرة.

1109. الآية في سورة الأنفال. و المعني: ليهلك من ضلّ بعد قيام الحجّة عليه، فتكون حياة الكافر و بقائه هلاكا له. و يحيا من اهتدى بعد قيام الحجّة عليه، فيكون بقاء من بقي على الإيمان حياة له. و قوله: «عَنْ بَيِّنَةٍ» أي: بعد بيان‏

43

و يردّ على الكلّ: أنّ غاية مدلولها عدم المؤاخذة على مخالفة النهي المجهول عند المكلّف لو فرض وجوده واقعا، فلا ينافي ورود الدليل العامّ على وجوب اجتناب ما يحتمل التحريم، و معلوم أنّ القائل بالاحتياط و وجوب الاجتناب لا يقول به إلّا عن دليل علمي، و هذه الآيات بعد تسليم دلالتها غير معارضة لذلك الدليل، بل هي من قبيل الأصل بالنسبة إليه، كما لا يخفى.

____________

و إعلام. و قضيّة تخصيص الضلال و الاهتداء بما بعد البيان هو عدم الوجوب و الحرمة قبله.

و لعلّ وجه تأمّل المصنّف (رحمه اللّه) في دلالتها هو كون المراد بالبيّنة هي المعجزات الباهرة للنبيّ (صلّى اللّه عليه و آله). و المقصود من الآية بيان علّة ما وقع منه تعالى من نصرة المسلمين، لأنّ الآية قد نزلت في بيان قصّة غزوة بدر و نصرة المسلمين فيها، كما يشهد به ما قبلها، قال سبحانه: إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيا وَ هُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوى‏ وَ الرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَ لَوْ تَواعَدْتُمْ لَاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعادِ وَ لكِنْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْراً كانَ مَفْعُولًا لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ ....

قد أخبر اللّه عزّ و جلّ نبيّه (صلّى اللّه عليه و آله) بأنّكم مع قلّة عددكم قد كنتم بشفير الوادي الأقرب إلى المدينة، و المشركون بالشفير الأقصى منها، في حال كون الركب- يعني: أبا سفيان و أصحابه- في موضع أسفل منكم إلى ساحل البحر، يعني: مع قلّة عددكم و بعدكم عن الماء، و المشركون مع تقارب الفئتين منهم و مع كثرتهم و نزولهم على الماء، قد نصر المسلمين عليهم.

ثمّ أخبر عن قلّة عدد المسلمين بأنّهم كانوا بحيث لو تواعدوا على الاجتماع في الموضع الذي اجتمعوا فيه، ثمّ بلغهم كثرة المشركين مع قلّة عددهم، لتأخّروا و نقضوا الميعاد.

ثمّ أخبر بأنّه تعالى قادر على الجمع بينهم و بين المشركين ليقضي ما لا بدّ من‏

44

و منها: قوله تعالى مخاطبا لنبيّه (صلّى اللّه عليه و آله) (1110) ملقّنا إيّاه طريق الرد على اليهود حيث حرّموا بعض ما رزقهم اللّه افتراء عليه:

قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلى‏ طاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً 15

، فأبطل تشريعهم بعدم وجدان ما حرّموه في جملة المحرّمات التي أوحى اللّه إليه، و عدم وجدانه (صلّى اللّه عليه و آله) ذلك فيما اوحي إليه و إن كان دليلا قطعيّا على عدم الوجود، إلّا أنّ في التعبير بعدم الوجدان دلالة على كفاية عدم الوجدان في إبطال الحكم بالحرمة. لكنّ الإنصاف: أنّ غاية الأمر أن يكون‏

____________

كونه، من إعزاز الدين و أهله، و إذلال الشرّ و أهله، ليموت من مات عن بيّنة، يعني: بعد إلزام الحجّة عليه بما رآه في هذه الغزوة ممّا يدلّ على صدق النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله)، و هو نصرة المسلمين مع قلّة عددهم و كثرة المشركين و نزولهم على الماء دونهم، و يعيش من عاش منهم بعد قيام الحجّة عليه.

و بالجملة، إنّ المراد بقوله تعالى: لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ ... بيان للغرض من نصرة المسلمين في هذه الغزوة من إلزام الحجّة على من مات أو بقي من المشركين، و لا دلالة فيها على عدم التكليف بلا بيان، لكونه بيانا لإلزام الحجّة على الكفّار في واقعة خاصّة. اللّهمّ إلّا أن يقال: إنّ المستفاد من الآية لزوم إذاعة الحجّة في كلّ ما أراده اللّه تعالى من العباد، سواء كان هو الإسلام أو الأحكام الفرعيّة، فتأمّل.

1110. الآية في سورة الأنعام. و تقريب الدلالة: أنّ اللّه تعالى قد خاطب نبيّه ملقّنا إيّاه كيفيّة الردّ على اليهود حيث حرّموا ما أحلّ اللّه لهم افتراء عليه تعالى، بأن يقول: إنّي لا أجد في جملة ما أوحى اللّه تعالى إليّ محرّما سوى هذه المحرّمات، فلقّنه طريق الردّ على اليهود بعدم وجدانه ما حرّموه في جملة ما أوحى إليه. فدلّت على كون عدم الوجدان دليلا على عدم الوجود، إذ لو لم يكن كذلك لم يكن وجه لتلقينه تعالى له ذلك في مقام الردّ على اليهود. و حينئذ يتمّ القول بالبراءة في الشبهات التحريميّة- بل مطلقا- بعد عدم وجدان الدليل في الواقعة على التكليف.

45

في العدول عن التعبير بعدم الوجود إلى عدم الوجدان إشارة إلى المطلب (1111)، و أمّا الدلالة فلا؛ و لذا قال في الوافية: و في الآية إشعار بأنّ إباحة الأشياء مركوزة في العقل قبل الشرع. مع أنّه لو سلّم دلالتها فغاية مدلولها (1112) كون عدم وجدان التحريم فيما صدر عن اللّه تعالى من الأحكام يوجب عدم التحريم، لا عدم وجدانه فيما بقي بأيدينا من أحكام اللّه تعالى بعد العلم باختفاء كثير منها عنّا، و سيأتي توضيح ذلك عند الاستدلال بالإجماع العملي على هذا المطلب.

و منها: قوله تعالى:

وَ ما لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَ قَدْ فَصَّلَ لَكُمْ ما حَرَّمَ عَلَيْكُمْ‏ 16

(1113). يعني مع خلوّ ما فصّل عن ذكر هذا الذي يجتنبونه.

____________

1111. يمكن منع الإشارة و الإشعار أيضا، لاحتمال كون النكتة في التعبير بعدم الوجدان هي الإشارة إلى قلّة المحرّمات، لأنّه مع اختلاط القليل بالكثير و اشتباهه فيه ينسب الوجدان و عدمه إلى القليل، فيقال: إذا تتبّعت الأشياء الفلانيّة فوجدت الشي‏ء الفلاني من بينها أو لم تجد من بينها. ففي التعبير به إشارة إلى قلّة المحرّمات و كثرة المباحات، بحيث توجد هي من بينها.

1112. بل يمكن أن يقال: إنّ غاية مدلولها كون عدم وجدان النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) دليلا على عدم الوجود في الواقع، إذ لا ريب في كون عدم وجدانه حرمة شي‏ء كاشفا عن إباحته في الواقع. و المقصود في المقام إثبات الإباحة الظاهريّة بعدم وجدان الدليل على الحرمة، كيف و المأخوذ في موضوع الاصول هو الجهل بالحكم الواقعي، فكيف تجعل الآية دليلا على إثبات الإباحة الظاهريّة؟ و الفرق بينه و بين ما ذكره المصنّف (رحمه اللّه) واضح، فلا تغفل.

1113. الآية في سورة الأنعام. و تقريب الدلالة: أنّ اللّه تعالى قد ذمّ على الالتزام بترك ما لم يوجد فيما فصّل من المحرّمات، فتدلّ على إباحة كذلك ما لم يوجد تحريمه في الكتاب و السنّة.

46

و لعلّ هذه الآية أظهر من سابقتها؛ لأنّ السابقة دلّت على أنّه لا يجوز (1114) الحكم بحرمة ما لم يوجد تحريمه فيما أوحى اللّه سبحانه إلى النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله)، و هذه تدلّ على أنّه لا يجوز التزام ترك الفعل مع عدم وجوده فيما فصّل و إن لم يحكم بحرمته، فيبطل وجوب الاحتياط أيضا (1115) إلّا أنّ دلالتها موهونة من جهة اخرى و هي أنّ ظاهر الموصول العموم، فالتوبيخ على الالتزام بترك الشي‏ء مع تفصيل جميع (1116) المحرّمات الواقعيّة و عدم كون المتروك منها، و لا ريب أنّ اللازم من ذلك العلم بعدم كون المتروك محرّما واقعيّا، فالتوبيخ في محلّه.

و الإنصاف ما ذكرنا من أنّ الآيات المذكورة لا تنهض على إبطال القول بوجوب الاحتياط؛ لأنّ غاية مدلول الدالّ منها هو عدم التكليف فيما لم يعلم خصوصا أو عموما بالعقل أو النقل، و هذا ممّا لا نزاع فيه لأحد، و إنّما أوجب الاحتياط من أوجبه بزعم قيام الدليل العقلي أو النقلي على وجوبه، فاللازم على منكره ردّ ذلك الدليل أو معارضته بما يدلّ على الرخصة و عدم وجوب الاحتياط فيما لا نصّ فيه، و أمّا الآيات المذكورة فهي كبعض الأخبار الآتية لا تنهض لذلك؛ ضرورة أنّه إذا فرض أنّه ورد بطريق معتبر في نفسه أنّه يجب الاحتياط في كلّ ما يحتمل أن يكون قد حكم الشارع فيه بالحرمة، لم يكن يعارضه شي‏ء من الآيات المذكورة.

____________

1114. عدم الحكم بالحرمة لا ينافي وجوب الاحتياط، لأنّه عبارة عن الالتزام بالترك في الشبهة التحريميّة لا الحكم بالحرمة.

1115. أي: كما تدلّ على عدم جواز الحكم بالحرمة.

1116. ظاهره أنّ ما نحن فيه يفارق مورد الآية من وجهين:

أحدهما: أنّ موردها عدم كون المتروك في جميع المحرّمات الواقعيّة، و المقصود فيما نحن فيه عدم كونه فيما بأيدينا من الأدلّة بعد العلم باختفاء كثير منها عنّا.

و ثانيهما: أنّ عدم وجدان المتروك في المحرّمات الواقعيّة دليل على إباحته في‏

47

الواقع، و المقصود فيما نحن فيه إثبات الإباحة الظاهرية لمجهول الحكم بحسب الواقع.

و ربّما يتمسّك في المقام أيضا بقوله تعالى: إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ إِمَّا شاكِراً وَ إِمَّا كَفُوراً. و قوله سبحانه: وَ أَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمى‏ عَلَى الْهُدى‏.

و قوله جلّ ذكره: خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً.

و تقريب الدلالة في الأوليين منها: أنّه تعالى رتّب الشكر و الكفران فيها على الهداية، فلا شكر و لا كفران إلّا بعد الهداية.

و فيه: أنّ المعنى في الاولى: أنّا فعلنا ذلك يعني: الهداية- سواء كانوا بعد ذلك شاكرين أم كافرين. و في الثانية: أنّا هدينا ثمود، و هم اختاروا العمى- يعني:

الغواية و الضلال- على الهدى. و لا دلالة فيها على وجوب الهداية قبل الضلال، لكونهما إخبارا عن وقوع ذلك فيما سلف لا بيانا لوجوب الهداية قبل الضلال.

و أمّا الثالثة، فوجه الدلالة فيها: أنّ اللام يقتضي الاختصاص بجهة الانتفاع، فهي تدلّ على إباحة جميع ما يمكن الانتفاع به بنحو من أنحاء الانتفاع.

و فيه: أنّها أخصّ من المدّعى، لأنّ ما في الأرض على أقسام: منها ما لا منفعة فيه ظاهرا، و منها ما له جهة منفعة واحدة، و منها ما له منافع متعدّدة، مثل الأكل و اللبس و نحوهما. و هذا أيضا على قسمين: قسم منافعه مختلفة في الظهور و الخفاء، فبعضها ظاهر من بينها، كاللبس في الملبوس و الشرب في المشروب و الأكل في المأكول، و قسم منافعه متساوية في الظهور و الخفاء. و لا ريب أنّ المطلقات إذا كانت لها أفراد ظاهرة و خفيّة إنّما تنصرف إلى الظاهرة منها. و حينئذ نقول: إنّ المقصود بقوله تعالى: خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ‏ هو خلق الأشياء لغاية الانتفاع بها، و هو مطلق لا ينصرف إلّا إلى الأشياء التي لا يمكن الانتفاع بها إلّا بجهة واحدة،

48

[أمّا السنّة: فيذكر منها في المقام أخبار]

و أمّا السنّة: فيذكر منها في المقام أخبار كثيرة: منها: المرويّ عن النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) بسند صحيح (1117) في الخصال كما عن التوحيد: «رفع عن أمّتي تسعة أشياء:

الخطأ، و النسيان، و ما استكرهوا عليه، و ما لا يعلمون، و ما لا يطيقون، و ما اضطرّوا إليه ...»

17

. فإنّ حرمة شرب التتن (1118)

____________

و إلى ما له منافع من جهات متساوية، و إلى أظهر جهات ما له جهات مختلفة، فيكون أخصّ من المدّعى.

و ربّما يقال: إنّ الآية مفسّرة في الخبر بالانتفاع بجهة الاستدلال بما في الأرض على وجود الصانع. و اعترض عليه: أنّ الخبر إنّما تضمّن إحدى جهات الانتفاع، و لا دلالة فيه على الحصر فيها. و ربّما يقال أيضا: إنّها واردة في مقام بيان عدم كون خلق ما في الأرض عبثا، لا لبيان إباحة جميع ما في الأرض، فتأمّل.

1117. لفظ الحديث على ما نقله في تفسير نور الثقلين عن التوحيد مسندا إلى حريز بن عبد اللّه عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) هكذا: قال: «قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): رفع عن أمّتي تسعة أشياء: الخطأ، و النسيان، و ما أكرهوا عليه، و ما لا يطيقون، و ما لا يعلمون، و ما اضطرّوا إليه، و الحسد، و الطيرة، و التفكّر في الوسوسة في الخلق ما لم ينطق بشفة». و الخبر قد صحّ عن أئمّتنا (عليهم السّلام)، و أسندوه إلى النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله)، فما ربّما يتوهّم من كونه نبويّا ضعيفا ضعيف جدّا.

1118. قد أورد على التمسّك بالخبر بوجوه:

أحدها: بما تقدّم في الحاشية السابقة مع تضعيفه من كونه نبويّا ضعيفا.

و ثانيها: أنّه خبر الواحد، فلا يجوز التمسّك به في إثبات المسائل الاصوليّة عند المشهور.

و فيه أوّلا: أنّ هذه المسألة- كمسألة الاستصحاب، كما سيأتي في مسألة الاستصحاب- من المسائل الفرعيّة دون الاصوليّة.

و ثانيا: أنّ الاستدلال ليس بهذا الخبر، بل به بضميمة سائر الأخبار التي‏

49

تمسّك بها المصنّف (رحمه اللّه) في المقام. و لا تبعد دعوى تواترها معنى. و ثالثا: منع عدم جواز الاستدلال بأخبار الآحاد في المسائل الاصوليّة، لعموم أدلّتها كما لا يخفى.

و ثالثها: ما أورده المصنّف (رحمه اللّه) من كون المراد بالموصولة بقرينة أخواتها هو الموضوع، فلا يشمل الحكم المجهول. و يؤيّده أنّه لو كان المراد بها أعمّ من الموضوع و الحكم لزم استعمالها في معنيين مختلفين، لأنّ نسبة الرفع إليها عند إرادة الموضوع باعتبار معنى، و عند إرادة الحكم باعتبار معنى آخر، إذ المراد على الأوّل رفع مؤاخذة الفعل المشتبه الحكم، و على الثاني رفع نفس الحكم المشتبه. اللّهمّ أن يقال: إنّ المراد بها الموضوع خاصّة، إلّا أنّ المراد به أعمّ من الموضوع المشتبه في نفسه، كالمائع المردّد بين كونه خمرا و خلّا، و من الموضوع المشتبه الحكم كشرب التتن، إلّا أنّه بعيد و منافر لسائر الفقرات.

و الحاصل: أنّه إمّا أن يراد بالموصولة الموضوع خاصّة، أو الحكم خاصّة، أو الأعمّ منهما. و الأوّل هو المطلوب، و لا ينفع المستدلّ. و الثاني بعيد عن السياق. و الثالث مستلزم لاستعمال اللفظ في معنيين متغايرين بإرادة واحدة.

و يرد عليه أوّلا: أنّ دعوى ظهور الموصولة في إرادة الموضوع خاصّة بقرينة السياق، نظرا إلى اختصاص الخطأ و النسيان و الإكراه و عدم الطاقة و الاضطرار بالموضوع ممنوعة، لصحّة إرادة الأعمّ منه و من الحكم في هذه الفقرات أيضا. أمّا الخطأ فإنّه كما يتحقّق في الأفعال كذلك في الأحكام، كما إذا اعتقد الفقيه عبارة الصدوق عبارة للصادق (عليه السّلام) فأفتى بمضمونها ثمّ تبيّن خطائه، فيكون الخطأ في الفتوى حينئذ ناشئا من الخطأ في الموضوع الخارج. و أمّا النسيان كما إذا كان عالما بحرمة الخمر مثلا فنسيها فشربها. و أمّا الإكراه فكإكراه فقيه على الإفتاء بخلاف الحقّ الذي اعتقده. و منه يظهر الحال في الاضطرار أيضا- و أمّا عدم الطاقة فكتكليف المكلّف بما لا يطيق‏ (*) لامتثاله.

____________

(*) في هامش الطبعة الحجريّة: «كإرادة الامتثال التفصيلي في التكاليف المجهولة. منه».

50

و ثانيا: منع لزوم استعمال الموصولة في معنيين على تقدير إرادة المعنى الأعمّ منها، إذ المراد برفع الامور التسعة. كما سيجي‏ء في الحواشي الآتية- ليس رفع مؤاخذتها حتّى يلزم المحذور، بل المراد هو عدم توجيه الخطاب على وجه يشمل صورة الخطأ و النسيان مثلا أيضا. و حينئذ يقال: إنّ المراد برفع ما لا يعلمون أيضا هو عدم توجيه التكليف بحيث يشمل المجهولات حتّى يجب فيه الاحتياط. و حينئذ يصحّ أن يقال: إنّ المراد بما لا يعلمون أعمّ من الموضوع و الحكم المشتبهين، و المراد برفعهما رفع حكمهما الظاهري، بمعنى: أنّه إذا اشتبه الخمر بالخلّ أو اشتبه حكم شرب التتن، فالخبر يدلّ على عدم توجّه الخطاب الواقعي بحيث يشمل صورة الجهل حتّى يجب الاحتياط في الصورتين. و سيأتي توضيح لذلك إن شاء اللّه تعالى.

فإن قلت: إنّ اللازم على المجتهد هو استفراغ تمام وسعه في استنباط الأحكام الشرعيّة، بحيث لا يقع منه تقصير في مقدّمات استنباطه إلّا على وجه يكون معذورا فيه، كما إذا أخذ حكما من خبر صحيح على اعتقاده و كان من الأخبار المدسوسة في الواقع. و قد حكى بعض مشايخنا عن بعض مشايخه عن الشيخ أسد اللّه التستري أنّه قد ذكر أنّ الإمام (عليه السّلام) لو كان حاضرا لاحتججت معه إلى سنّة، و لا يلزمني بتقصير في مقدّمات اجتهادي و في كيفيّة استنباطي فاللازم على المجتهد أوّلا هو بذل الوسع في تحصيل الأحكام الواقعيّة و الوصول إليها، و إن لم يصل إليها فهو إمّا من جهة تقصيره في الفحص عن الأدلّة أو معارضاتها، أو من جهة قصوره عن الفحص أزيد ممّا بذل جهده فيه، فهو على الأوّل معاقب، و على الثاني معذور لا محالة، و إلّا لزم التكليف بما لا يطاق، و هو منفي عقلا و شرعا.

و إذا تحقّق ذلك نقول: إنّك قد عرفت أنّ المراد في الخبر برفع الامور التسعة هو عدم توجيه الخطاب على وجه يشمل صورة الخطأ و النسيان و الجهل مثلا. و لا ريب أنّ عدم توجيهه كذلك إمّا مع تقصير من المكلّف في حصول الامور المذكورة، بأن لم يتحفّظ محفوظه بتكرير التذكّر مثلا حتّى لا ينسى، أو لم يتفحّص‏

51

عن الأدلّة حتّى يصير عالما بالحكم، أو لم يحتط في أفعاله كي لا يقع في الخطأ فيها، أو مع عدم تقصير منه في ذلك. و تعميم الخبر للصورة الاولى بعيد في الغاية و فضيح إلى النهاية. و كذلك للصورة الثانية، لأنّ قبح المؤاخذة في صورة عدم التقصير عقلي، و يبعد بل لا يصحّ حمل الخبر الوارد في مقام المنّة على صورة يستقلّ بحكمها العقل.

و على كلّ تقدير فحمل الخبر على بيان رفع مؤاخذة الأحكام غير صحيح، فلا بدّ من حمله على بيان رفع المؤاخذة على الموضوعات المشتبهة. فإذا أكل مال الغير مثلا خطأ أو نسيانا أو إكراها أو اضطرارا أو جهالة أو لأجل عدم الطاقة للاستنكاف عنه لبعض الأسباب الخارجة، فالخبر يدلّ على رفع المؤاخذة عنه على ذلك، و لا محذور فيه، لعدم وجوب التحفّظ و الاحتياط و تحصيل العلم في الموضوعات الخارجة المشتبهة، حتّى يقال إنّه مع التقصير فالتكليف باق، و مع عدمه فارتفاعه عقلي لا يناسب مقام المنّة.

قلت: إنّ اعتبار بذل الجهد في مقدّمات الاجتهاد بحيث لا يقع منه تقصير فيها أصلا عقلا يسدّ باب الاجتهاد، لأنّ من زاول علم النحو مثلا بالتعليم و التعلّم، و استمرّ عليه في أغلب أيّامه، و غار في مسائله و أتقنها و أحكمها بما وصل إليه جهده و وسعه، و بعد ذلك إذا أراد العود إلى ذلك ثانيا بتكرير النظر و البحث مع المتبحّرين في هذا العلم، ينكشف عنه حجب العلم، و يزداد علمه في كلّ آن و نظر، إذ فوق كلّ ذي علم عليم.

و الحاصل: أنّ العلوم ليست ممّا يقف على حدّ يمكن تحصيله، فلو قلنا بوجوب تحصيل علم النحو و المنطق و الاصول و غيرها من مقدّمات الفقه بحيث لا يعدّ مقصّرا فيها عقلا، فلا بدّ أن نطوي ورقة الاجتهاد، لكون تحصيلها على هذا النحو خارجا من الوسع و الطاقة، فلا بدّ له من حدّ مضبوط لئلّا يلزم تعطيل الحدود و الأحكام. فالأولى حينئذ أن يقال: إنّ الواجب هو تحصيل المقدّمات‏

52

على حسب الوسع و الطاقة، بل دون الوسع، لاستلزامه العسر أيضا كما لا يخفى.

فالواجب هو تحصيل المقدّمات على وجه لا يعدّ مقصّرا في العرف و العادة.

فإذا صحّح كتاب الحديث من نسخة مصحّحة مرّتين أو مرّات ثلاثة كفى في الرجوع إليه و أخذ الأحاديث منه لاستنباط الأحكام منها، و إن كان مقصّرا عقلا لو تبيّن الخطأ بعد ذلك، و كذا في غيره من المقدّمات.

و حينئذ إذا كان المراد بالموصولة في قوله: «و ما لا يعلمون» أعمّ من الحكم و الموضوع، فمن الجائز أن يكون الخبر واردا في مقام بيان رفع المؤاخذة على الأحكام المجهولة إذا لم يتفحّص عنها فوق متعارف الناس، و هو لا ينافي المنّة. و كذا الكلام في باقي الفقرات، بأن يقال بكونه واردا في مقام بيان رفع المؤاخذة على الأحكام المنسيّة إذا كان النسيان ناشئا من عدم التحفّظ فوق المتعارف، و كذلك الأحكام التي وقع فيها الخطأ إذا كان ناشئا من عدم الاحتياط فوق المتعارف. فإذا زعم فقيه عبارة الفقيه متن حديث، و فتّش عن ذلك بحسب المتعارف و أفتى بمضمونها، ثمّ ظهر خطائه فيها، فالخبر ينفى المؤاخذة على ذلك. و هكذا الكلام في باقي الفقرات، فلا وجه لتخصيصها بالموضوعات.

و ثالثا: مع تسليم اختصاص الموصولة بالموضوعات المشتبهة، فلا ريب في شمولها للأفراد الخفيّة فيما لو علّق حكم على عامّ له أفراد ظاهرة و خفيّة، كما إذا علمت حرمة الخمر و شكّ في شمول لفظ الخمر للفقّاع أيضا فإذا ثبت حكم الفقّاع بحكم الخبر و قلنا بإباحته ثبت جواز الحكم بالإباحة في سائر موارد أصالة البراءة أيضا بعدم القول بالفصل، لمخالفة الأخباريّين في أصالة البراءة حتّى في الشبهات المفهوميّة، و سمّوها بالأفراد الخفيّة، لإيجابهم الاحتياط فيما تعلّق الحكم على عامّ مجمل بالنسبة إلى بعض أفراده، مع كون الشبهة فيه في الحكم لا في موضوعه.

قال المحدّث البحراني في مقدّمات حدائقه: «التحقيق في المقام على ما أدّى‏

53

مثلا ممّا لا يعلمون، فهي مرفوعة عنهم، و معنى رفعها- كرفع الخطأ و النسيان- رفع آثارها أو خصوص المؤاخذة، فهو نظير قوله (عليه السّلام): «ما حجب اللّه علمه عن العباد فهو موضوع عنهم».

____________

إليه النظر القاصر من أخبار أهل الذكر (عليهم السّلام) هو أن يقال: لا ريب في رجحان الاحتياط شرعا، و استفاضة الأمر به كما سيمرّ بك شطر من أخباره، و هو عبارة عمّا يخرج به المكلّف عن عهدة التكليف على جميع الاحتمالات، و منه ما يكون واجبا، و منه ما يكون مستحبّا. و الأوّل كما إذا تردّد المكلّف في الحكم، إمّا لتعارض أدلّته، أو لتشابهها و عدم وضوح دلالتها، أو لعدم الدليل بالكلّية بناء على نفي البراءة الأصليّة، أو لكون ذلك مشكوكا في اندراجه تحت الكلّيات المعلومة الحكم، أو نحو ذلك.

ثمّ ساق الكلام في ذكر الأمثلة إلى أن انتهى إلى قوله: «و من الاحتياط الواجب في جزئيّات الحكم الشرعيّ الإتيان بالفعل إذا علم أصل الحكم و كان هو الوجوب، و لكن حصل الشكّ في اندراج بعض الأفراد تحته. و ستأتي صحيحة عبد الرحمن بن الحجّاج الواردة في جزاء الصيد الدالّة على ذلك. و من هذا القسم- و لكن مع كون الاحتياط بالترك- ما إذا كان الحكم الشرعيّ التحريم، و حصل الشكّ في اندراج بعض الجزئيّات تحته، فإنّ الاحتياط هنا بالترك، كحكم السجود على الخزف و الحكم بطهارته بالطبخ، فإنّ أصل الحكم في كلّ من المسألتين معلوم، و لكن هذا الفرد بسبب الشكّ في استحالته بالطبخ و عدمها قد أوجب الشكّ في اندراجه تحت أصل الحكم، فالاحتياط عند من يحصل له الشكّ المذكور واجب بترك السجود و ترك استعماله فيما يشترط فيه الطهارة. و منه الشكّ في اندراج بعض الأصوات تحت الغناء المعلوم تحريمه، فإنّ الاحتياط واجب بتركه. و أمّا من يعمل بالبراءة الأصليّة، فيرجّح بها هنا جانب العدم، فلا يتّجه ذلك عنده» انتهى.

54

و يمكن أن يورد عليه بأنّ الظاهر من الموصول في «ما لا يعلمون» بقرينة أخواتها هو الموضوع، أعني فعل المكلّف الغير المعلوم، كالفعل الذي لا يعلم أنّه شرب الخمر أو شرب الخلّ و غير ذلك من الشبهات الموضوعيّة، فلا يشمل الحكم الغير المعلوم، مع أنّ تقدير المؤاخذة في الرواية لا يلائم عموم الموصول للموضوع و الحكم؛ لأنّ المقدّر المؤاخذة على نفس هذه المذكورات، و لا معنى للمؤاخذة (1119) على نفس الحرمة المجهولة. نعم، هي من آثارها، فلو جعل المقدّر في كلّ من هذه التسعة ما هو المناسب (1120) من أثره، أمكن أن يقال: إنّ أثر حرمة شرب التتن مثلا المؤاخذة على فعله، فهي مرفوعة. لكنّ الظاهر (1121)- بناء على تقدير المؤاخذة

____________

و قد يناقش في دلالة النبويّ أيضا، بأنّ الحمل على ظاهره غير ممكن، فلا بدّ من حمله على خلاف ظاهره. و هو كما يمكن بحمله على إرادة نفى الآثار، كذلك يمكن بتصرّف في نسبة الرفع إلى الأمّة، بأن تكون نسبة الرفع إليها باعتبار ارتفاع الامور التسعة عن بعضها، كما يقال: فلان يركب الخيل إذا ركب بعضها، و بنو فلان قتلوا فلانا و قد قتله بعضهم، فالخبر حينئذ يدلّ على وجود معصوم عن هذه الامور في جملة الأمّة، و لا مرجّح لأحد المجازين، فيعود الخبر مجملا.

أقول: هذه المناقشة قد ذكرها الشهيد (رحمه اللّه). و يرد عليها أوّلا: منع ارتفاع كلّ واحد من الامور التسعة عن بعض الأمّة، إذ لا ريب في عدم ارتفاع الإكراه عن أئمّتنا (عليهم السّلام). و تشريع باب التقيّة أوضح شاهد له. و ثانيا: أنّه على ما ذكر يكون تقييد قوله: «و الوسوسة في الخلق» بقوله: «ما لم ينطق بشفة» لغوا، لكون الإمام (عليه السّلام) معصوما عن الوسوسة مطلقا.

1119. لأنّ المؤاخذة على ارتكاب الحرام لا على الحرمة، و إن كانت المؤاخذة من آثارها، و هي سبب لها.

1120. كالمضرّة في الطيرة، و الكفر في الوسوسة، و المؤاخذة في البواقي.

1121. حاصله: أنّه إن قدّرت المؤاخذة باعتبار كونها مترتّبة على‏