قاعدة لاضر ولاضرار / تقريرات

- السيد مرتضى الموسوي الخلخالي المزيد...
254 /
13

تقديم‏

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏

تعتبر السّنة النبوية الشّريفة لدى كافة المسلمين المصدر الثاني من مصادر التشريع لأحكام الدين الإسلامي الحنيف بعد القرآن الكريم.

و لم تختلف في عهد التابعين عن عهد الصحابة، فالسنة تالية الكتاب العزيز في كونها مرجعاً رئيسا و من أهمّ الأدلة الأساسية التي يعتمد عليها فقهاء المسلمين عامة في استخراج الأحكام الإلهيّة و يستندون إليها في تعيين التكاليف و قد اتفقت كلمة جميع المذاهب الإسلامية على حجّيتها، كما هو الحال بالنسبة للكتاب العزيز، و إن اختلفوا فيما سواهما من المصادر نفيا و إثباتا تارة، و ضيقا و سعة أخرى.

و من نظر في تاريخ السّنة النبوية الشّريفة لم يكن لتخفى عليه الأحداث التي جرت عليها، فقد مرّت السّنة النبوية منذ نشأتها الأولى و حتى عصرنا الحاضر بمراحل تاريخية متباينة تماما لأغراض و جهات لسنا في صدد البحث عنها، كما تفاعلت المذاهب الإسلاميّة مع السّنة الشّريفة تفاعلا مختلفا أيضا باختلاف الظروف و الملابسات.

و من بين المذاهب الإسلاميّة يلاحظ امتياز المذهب الشّيعي الاثني عشري بتعامله مع السّنة الشّريفة تعاملا قويما يتلاءم و الأسس التي وضعها رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) للتعامل مع السّنة الشّريفة.

نعم امتاز المذهب الشّيعيّ من بين المذاهب الإسلامية في تعامله مع السّنة

14

الشّريفة بثلاثة أمور جعلته ذا حيوية و نشاط و عطاء و نموّ متواصل:

الأمر الأوّل: امتاز المذهب الشّيعي بأخذه سنة الرّسول (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) من أهل بيته المعصومين (عليهم السّلام)، فالمذهب الشّيعيّ يتلقى السّنة الشّريفة من المعدن الطبيعي لها، وهم ورثة علم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) فعندهم من سنة جدهم (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) ما لا يوجد عند غيرهم قطّ.

و في ذلك صيانة للسنة النبوية من التحريف، و حفظ لها من التلاعب، و التدليس، و غير ذلك من الأمور الملاحظة بوضوح في سائر المذاهب الأخرى.

الأمر الثاني: امتاز المذهب الشّيعيّ بجعله قول، و فعل، و تقرير الأئمة المعصومين (عليهم السّلام)، من السّنّة الشّريفة، فهي بعنوانها ثاني مصادر التشريع تشمل ما يصدر عن أهل بيته المعصومين، و ورثة علمه (عليهم السّلام). و ذلك تمسكا بالأخبار الكثيرة المتواترة عنه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) الآمرة بأتباعهم (عليهم السّلام)، أشهرها حديث الثقلين الذي رواه الخاصة و العامة [1]، و هذا مما جعل مصداق السّنة عند المذهب الشّيعي و في مدرسة أهل البيت (عليهم السّلام) أوسع نطاقا، و أكبر مساحة مما هو عليه في المدارس الإسلاميّة الأخرى.

الأمر الثالث: امتاز المذهب الشّيعيّ بفتح باب الاجتهاد على الصعيدين:

____________

[1] و هذا الحديث من الأحاديث المتفق عليها بين المسلمين كافة، و قد رواه الخاصة بأسانيد مختلفة، و طرق متعددة، كما رواه العامة بأسانيدهم و طرقهم عن نيف و ثلاثين صحابيا عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) و هو مخرّج في أغلب كتبهم، فقد رواه أحمد بن حنبل بإسناده عن زيد بن ثابت أنّه قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): إنّي تارك فيكم خليفتين: كتاب اللّه، حبل ممدود ما بين السّماء و الأرض، و عترتي أهل بيتي، و إنّهما لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض (مسند أحمد 5 181).

كما أخرجه مسلم بإسناده عن زيد بن أرقم (7 123) و الترمذي بإسناده عن جابر بن عبد اللّه (صحيح الترمذي 62115) و الطبراني، عن أبي سعيد الخدري، (الدر المنثور 2 60) و الحاكم النيسابوري في مستدركه (3 110).

15

النظريّ، و العمليّ، حيث أمر أئمة أهل البيت (عليهم السّلام) أصحابهم في مواطن عديدة [1] بالنظر في الكتاب و السّنة، و التدبر فيهما لاستنباط الأحكام الإلهيّة منهما، و بالتدقيق في الأصول المقررة التي بين أيديهم، و إفراغ الجهد في استخراج الفروع منها.

و بذلك يكون المذهب الشّيعي قد أعطى ضمانا لنمو الحركة العلمية و صيانة

____________

[1] منها: ما رواه عبد الأعلى، مولى آل سام، قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السّلام): عثرت فانقطع ظفري، فجعلت على إصبعي مرارة، فكيف أصنع بالوضوء؟ قال: يعرف هذا و أشباهه من كتاب اللّه عزّ و جلّ‏ ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ‏، امسح عليه.

(فروع الكافي: 3: 33، تهذيب الأحكام، 1: 363، ح 1097) و منها: ما رواه الصدوق بإسناده عن أبي الحسن الرّضا (عليه السّلام)، في حديث طويل، قال فيه: (فما ورد عليكم من خبرين مختلفين فاعرضوهما على كتاب الله.).

(عيون أخبار الرّضا، ج 1: 23) و منهما: ما رواه الكليني بسنده عن أبي حيّون مولى الرّضا (عليه السّلام): (انّ في أخبارنا محكما كمحكم القرآن، و متشابها كمتشابه القرآن، فردوا متشابهها إلى محكمها و لا تتبعوا متشابهها دون محكمها فتضلوا).

(عيون أخبار الرّضا، ج 1، ص 290) و منها: ما عن معاني الأخبار بسنده، عن داود بن فرقد: قال: سمعت أبا عبد اللّه (عليه السّلام) يقول: (أنتم أفقه الناس إذا عرفتم معاني كلامنا).

(معاني الأخبار، ص 1) و قد ذكر الشّيخ الأنصاري (قدّس سرّه) في رسائله (2: 778) هاتين الرّوايتين الأخيرتين ضمن أربعة عشر رواية استدل بها على التراجيح.

و يرى (قدّس سرّه) أنّ الغرض من هاتين الرّوايتين الحث على الاجتهاد و استفراغ الوسع في معاني الرّوايات.

و يمكن أن يقال: إنّ جميع الرّوايات الأربعة عشر التي ذكرها الشّيخ (قدّس سرّه) تحث على الاجتهاد و إفراغ الوسع أيضا حيث إنّها تكفلت ببيان طرق الجمع بين الاخبار المتعارضة بالأخذ بالمجمع عليه و بعرضها على كتاب اللّه العزيز، و من الواضح أنّ طرق التعادل و التراجيح من أهم الركائز التي يعتمد عليها المجتهد في الاستنباط.

16

لاستمرار النشاط العلمي الذي يعتبر رمزا لبقاء الدين.

بينما المذاهب الأخرى أغلقت باب الاجتهاد على أنفسها، و جمدت أفكارها على آراء فقيه واحد معين، و أوقفت فقهها على برهة زمنية محدودة، تاركة بذلك الامتداد الطبيعي لشريعة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) و معرضة عن أهل بيته و ورثة علمه.

لذلك كان من الطبيعي أن يتفوق مذهب أهل البيت (عليهم السّلام) في جميع ميادين العلم سيّما علم الأصول، و الفقه، و أن يتوصل إلى ما عجز عنه الآخرون من نظريات و آراء علميّة تتجلى فيها عظمة الدين الإسلامي الحنيف.

و ذلك بما بذله السّلف الصالح من الجهد الكبير و السّعي المتواصل في تأسيس الأصول و القواعد و تحريرها و استنباط الأحكام الشّرعية بواسطة الجد و الاجتهاد المتمثلين بالرجوع إلى الأدلة المقررة.

فألّفوا في ذلك الكتب، و القواعد، و المقالات، و الرّسائل، و ألقوا المحاضرات تاركين لنا بذلك تراثا نفيسا و ثروة علمية هائلة.

و من ذلك التراث العظيم الذي خلّفه لنا علماؤنا الأكابر، (قدس اللّه أسرارهم)، (قاعدة لا ضرر و لا ضرار) التي استقطبت منهم رضي اللّه عنهم جهودا جبارة، حيث أشبعوها تحقيقا و تدقيقا و تنقيحا، فبحثوا في مدركها و في حدودها، و مجاريها، و ما يستنبط منها، كما تعرّضوا لما يتوهم من موهناتها، كتعارضها مع سائر الأدلّة، و كثرة التخصيصات الواردة عليها، و باقي الأبحاث التي تعرض لها العلماء رحمهم اللّه بالسبر و الغور، فجزاهم اللّه عن الإسلام و المسلمين خير الجزاء.

و يعتبر هذا الكتاب القيّم من ذلك التراث النفيس الذي تركه لنا السّلف الصالح، و هو يمثّل عصارة ما توصل إليه أحد عباقرة الإسلام الأصوليين، و الفقهاء المحققين، الشّيخ ضياء الدين العراقي (قدّس سرّه)، و يعبر عن آرائه (رحمه اللّه) في قاعدة نفي الضرر و الضرار.

17

موقف الفقهاء تجاه قاعدة نفي الضرر

تعتبر هذه القاعدة من أهمّ القواعد الأساسية الممهدة لاستنباط الحكم الشّرعي في الدين الإسلامي الحنيف، و من أبرز الرّكائز الفقهية المعروفة بين فقهاء المسلمين كافة، و هي من أشهر القواعد الفقهية التي استدل بها في معظم أبواب الفقه، و أغلب مسائله، بل هي المستند الوحيد لكثير من الفروع، و بعض المسائل المستحدثة، و قد أعرض أغلب الفقهاء عن التطرّق لسندها، و التأمل فيه، لتواترها و لو إجمالا [1].

هذا مضافا إلى اعتماد المشهور من الفقهاء المتقدمين عليها، و استنادهم إليها، مما استوجب حصول الوثوق و الاطمئنان بصدورها عن المعصوم (عليه السّلام)، فعليه لا مجال للخدشة بها من جهة أسانيدها، و إن كان السّند إلى بعض النصوص صحيحا و البعض الآخر موثقا.

و قد اشتهر عن فخر المحققين [682 771 ه.] أنّه ادّعى تواتر حديث نفي الضرر، قال في كتابه (إيضاح الفوائد): (و الضرر منفي بالحديث المتواتر) (1) و هذه الدعوى من الفخر و إن قوبلت بالتشكيك إذ أنّ بعض الفقهاء نفى حصول التواتر،

____________

[1] قال الشّيخ الأنصاري (قدّس سرّه) بعد أن ذكر سبعة روايات في حكم الضرر: هذه جملة ما عثرنا عليه من الرّوايات العامة، و كثرتها يغني عن ملاحظة سندها.

(المكاسب: ج 3، ص 342، ط، دار الذخائر، قم)

____________

(1) إيضاح الفوائد، كتاب الرّهن، باب التزاحم 2: 48.

18

سواء أريد به التواتر اللفظي أو المعنويّ، و من أثبته حمله على التواتر الإجمالي بمعنى القطع بصدور بعض المرويّ إلّا أنّ موقعية فخر المحققين التاريخية، و قربه من عصر القدماء أعطى تلك الدعوى نوعا من الوثوق، لاحتمال وقوفه على ما لم نقف عليه من الأحاديث الواردة في نفي الضرر، لذا أصبحت تلك الدعوى مورد عناية أغلب الفقهاء و الأصوليين من متأخري المتأخرين.

و يرى أبو القاسم نجم الدين، المحقّق الحلّي [603 676] في كتابه نكت النهاية: أنّه ليس كلّ ضرر بمنفي إلّا مع سلامته عن وجوب التحمل، فتضرر الزّوجة بسبب عدم إنفاق زوجها لإعساره يجب تحمله و ذلك:

لقوله تعالى‏ وَ إِنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلى‏ مَيْسَرَةٍ (1).

و لما روي من (أنّ امرأة استعدت على زوجها عند علي (عليه السّلام)، و ذكرت أنّه لا ينفق عليها، فأبى أن يحبسه، و قال: إنّ مع العسر يسرا) (2).

و الحاصل: أنّ المحقق الحلي (قدّس سرّه) استدلّ بالآية و الرّواية على عدم إطلاق نفي الضرر لوجوب تحمله في بعض الموارد (3).

و يتضح لنا الدور الكبير لهذه القاعدة في الفقه الإسلامي من خلال الوقوف على كيفيّة معاملة الشّهيد الأوّل الإمام أبي عبد اللّه محمد بن مكّي العاملي [734 786 ه.] معها في كتابه القواعد و الفوائد [1] حيث جعلها من جملة القواعد

____________

[1] و تجدر الإشارة إلى أنّ كتاب القواعد و الفوائد يعتبر أوّل كتاب من كتب الإمامية يطرح حديث نفي الضرر بصورة قاعدة فقهية عامّة، و ذلك حسب ما أدى إليه التتبع في مجامعنا الفقهية المتوفرة لدينا إذ لم نقف من خلالها على من سبق الشّهيد (قدّس سرّه) بالتعبير عن حديث نفي الضرر بالقاعدة، إلّا أنّ هذا المقدار لا يدعو إلى الجزم بذلك و لعلّ الذي ساعد على هذا الرّأي‏

____________

(1) البقرة (2)، الآية 280.

(2) الوسائل 18: 418 23961.

(3) نكت النهاية 2: 335.

19

الخمس [1] التي ذهب (قدّس سرّه) إلى إمكان ردّ الأحكام الشّرعية إليها (1).

و بعد أن ذكرها ضمن القواعد الخمس قال: و فروعها [أي: فروع قاعدة نفي الضرر] كثيرة حتى أنّ القاعدة الثانية (2) تكاد تداخل هذه القاعدة (3).

و يرى (قدّس سرّه) أنّ حاصل مدلولها: أنّها ترجع إلى تحصيل المنافع، أو تقريرها لدفع المفاسد، أو احتمال أخفّ المفسدتين.

و قد ذكر نيفا و عشرين فرعا للقاعدة في مختلف أبواب الفقه فيما يرتبط بتقرير المنافع لدفع المفاسد، كما ذكر لها بضعة فروع فيما يرتبط باحتمال أخفّ المفسدتين.

و في نهاية المطاف عقد فصلا لبيان الموارد التي يتخيّر فيها المكلّف باختيار أحد الضررين عند تساويهما، و بيان الموارد التي يقدّم فيها أحد الضررين المتساويين باعتبار مرجّحات داخلية أو خارجية.

و من الملاحظ: أنّ الشّهيد الأول لم يذكر خلال تعرضه للقاعدة و لو على نحو الإشارة شيئا من الرّوايات الواردة في حديث نفي الضرر، نعم في موضع‏

____________

عدم وجود كتاب للإمامية مؤلف في القواعد قبل كتاب القواعد و الفوائد حيث لم يعمل الأصحاب نظيره كما صرّح الشّهيد بذلك في إجازته لابن الخازن، حيث قال: (. و أجاز له جميع ما يجوز عنه و له روايته من مصنف و مؤلف. فمما صنفته: كتاب القواعد و الفوائد، في الفقه، مختصر مشتمل على ضوابط كليّة أصوليّة و فرعية تستنبط منها أحكام شرعية لم يعمل الأصحاب مثله.

(القواعد و الفوائد 1: 12)

[1] و هي: 1 قاعدة تبعية العمل للنية، 2 قاعدة المشقة موجبة للعسر، 3 قاعدة اليقين، 4 قاعدة نفي الضرر، 5 قاعدة العادة.

____________

(1) القواعد و الفوائد: 1: 74.

(2) و هي قاعدة المشقة موجبة للعسر.

(3) القواعد و الفوائد 1: 141.

20

آخر (1) تعرّض إلى أنّها ضمن القواعد الخمسة التي ذكرها مستنبطة من مدارك الأحكام الأربعة (الكتاب، السّنة، الإجماع، دليل العقل) (2)، كما أنّه استدل لقاعدة (المشقة موجبة لليسر) بقول الرّسول (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): (لا ضرر و لا ضرار) (3).

و يعود السّبب في تركه ذكر أحاديث القاعدة إلى شهرتها، و كثرة الاستدلال بها، مما يغني عن ذكرها، خصوصا مع ملاحظة أنّ مبني الشّهيد على الاختصار كما يستفاد من إجازة ابن الخازن‏ (4).

و اعتبر العلامة شيخ الإسلام محمد باقر المجلسي [1037- 1110 ه.] حديث نفي الضرر أصلا من الأصول فقال في بحار الأنوار: لهذا الأصل أي نفي الضرر شواهد كثيرة من الاخبار مذكورة في مواضعها، و قد أورد كثيرا منها الكلينيّ في باب مفرد (5).

و قال (قدّس سرّه) في مرآة العقول: إنّ مضمون قوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) (لا ضرر و لا ضرار) مرويّ من طرق الخاصة و العامة بأسانيد كثيرة فصار أصلا من الأصول و به يستدلون في كثير من الأحكام‏ (6).

و أمّا الفاضل التوني [المتوفى 1071] فقد حاز قصب السّبق في إبراز قاعدة نفي الضرر في الأبحاث الأصولية، و ذلك عند ما اعتبر عدم تحقق الضرر شرطا للتمسك بأصالة براءة الذّمّة، و بأصالة العدم، و بأصالة عدم تقدّم الحادث.

و في نهاية كلامه المقتضب حول حديث نفي الضرر استظهر بعد الإشارة إلى‏

____________

(1) القواعد و الفوائد: 74.

(2) القواعد و الفوائد 1: 123.

(3) القواعد و الفوائد 1: 123.

(4) المصدر السّابق 1: 12.

(5) بحار الأنوار 2: 277.

(6) مرآة العقول 19: 395.

21

تعذر الحمل على نفي الحقيقة أنّ المراد من الهيئة التركيبية له هو: نفي الضرر من غير جبران حسب الشّرع‏ (1).

و يرى المولى محمد باقر السّبزواري [المتوفى 1090] في كفاية الأحكام على ما حكاه عنه صاحب الجواهر (2): أنّ حديث نفي الضرر حديث معمول به بين الخاصة و العامة و مستفيض بينهم.

و قال الميرزا أبو القاسم القمّي الجيلاني [المتوفى 1232]: أنّ نفي الضرر من الأدلة الشّرعية المجمع عليها.

و يرى (قدّس سرّه) أنّه قد تداول العلماء الاستدلال بنفي العسر و الحرج و نفي الضرر في الموارد الكثيرة غاية الكثرة سواء كان الضرر و الحرج من جانب اللّه أو من جانب العبد.

و قد ذكر (قدّس سرّه) ثلاث معاني للحديث:

الأوّل: أن يكون المراد منه النهي.

الثاني: أن يكون المراد منه نفي الضرر الخالي عن الجبران.

الثالث: أن يكون المراد منه أنّ اللّه تعالى لم يرض لعباده بضرر لا من جانبه و لا من جانب بعضهم لبعض.

و اختار المعنى الثالث بعد أن ناقش المعنيين الأوليين و ردهما مدعيا بأن هذا المعنى هو الأظهر بالنسبة إلى الرّواية، و بالنسبة إلى العقل و عمل الأصحاب.

و قد شرح المحقق القمّي هذه القاعدة و بيّن بعض مقاصدها، مصرحا بأنّ كلام العلماء خال عن بيانه، و لم يقف في مقالاتهم على شي‏ء يوضّح هذا المقصد، مع أنّه في غاية الإجمال و نهاية الإشكال‏ (3).

و قال المولى أحمد النراقي [المتوفى 1245 ه.] قد شاع استدلال الفقهاء في‏

____________

(1) الوافية في أصول الفقه، للفاضل، التوني ص 193 194.

(2) جواهر الكلام 38: 50.

(3) القوانين المحكمة ج 2، ص 47 49، الطبعة الحجرية سنة 1303.

22

كثير من المسائل الفقهية بنفي الضرر و الضرار، و قد عقد للبحث عنها و التحقيق فيها أحد عشر بحثا، ذكر في الأوّل منها الأخبار الواردة في ذلك المضمار، و التي وصفها بأنّها كثيرة، و لم يذكر منها سوى أحد عشر رواية (1).

و في البحث الخامس قال: قد ظهر مما ذكر أنّ نفي الضرر و الضرار في الأحكام الشرعية من الأصول و القواعد الثابتة بالأخبار المستفيضة المعتضدة بعمل الأصحاب الموافقة للاعتبارات المناسبة للملّة السمحة السهلة المعاضدة بنفي الحرج و العسر و المشقة، كما ورد في الكتاب و السنة.

ثمّ ذهب إلى أنّ حديث نفي الضرر أصل من الأصول كسائر القواعد و الأصول الممهدة، و دليل شرعي يستدل به في موارد فإن لم يكن له معارض فالأمر واضح، و إن كان بأن يدل دليل آخر على ثبوت حكم شرعي يلزمه ضرر فيعمل فيهما بمقتضى التعارض و الترجيح‏ (2).

و قد أكثر الشيخ محمد حسن صاحب الجواهر [المتوفى 1266] من الاستدلال بقاعدة نفي الضرر في كتابه جواهر الكلام و ذلك في فروع كثيرة و أبواب متعددة معبرا عنها بأنّها قاعدة عامة مستفيضة (3).

و الظاهر منه: اختيار أنّ المراد من هيئتها التركيبية النهي عن الضرر و الضرار، فلا يمكن استفادة الضمان من القاعدة إذ لا اقتضاء لها إلّا عدم مشروعيّة ما فيه الضرر و الضرار في الإسلام على معنى النهي عن إيجاده، و هو إنّما يقتضي حرمة ذلك لا الجبر بالضمان.

____________

(1) عوائد الأيام: 15.

(2) المصدر نفسه: 19.

(3) منها: ما جاء في ج 6 ص 347، و ج 21 ص 372، و ج 5 ص 104 و ص 114، و ج 35 ص 200 و ج 43 ص 149، و ج 27 ص 312 و ص 310 و ص 46، و ج 37 ص 15 و ص 76، و ص 77، و ج 38 ص 52 و ص 130 و غير ذلك من الموارد الكثيرة.

23

و قد علّل (قدّس سرّه) استفادة النهي من الحديث بأنّه أقرب المجازات إلى نفي الضرر، بل ذهب إلى إمكان دعوى إرادة ذلك حقيقة من النفي بلا تجوّز (1).

و يرى (قدّس سرّه) حكومة قاعدة نفي الضرر على قاعدة السلطنة، قال: إنّ المنساق من العامين المزبورين [أي: نفي الضرر و السلطنة] تحكيم قاعدة نفي الضرر، كما في جميع نظائره، و إن كان بينهما تعارض العموم من وجه‏ (2).

و قد عبّر السيد مير فتاح المراغي [المتوفى 1274 ه.] في كتابه عناوين الأصول عن القاعدة بأنّها من جملة الأصول المتلقاة من الشريعة، و من القواعد الكثيرة الدوران العامة النّفع ثم قال: (و يبتني عليها كثير من الفروع في الفقه).

و قد عدّ العسر و الحرج من موارد قاعدة نفي الضرر، فإن كلّ ما فيه عسر و حرج فهو داخل في معنى الضرر، مدعيا أنّ الأصحاب صرحوا بذلك في طائفة من الموارد، ثم قال مستدركا: (إلّا أنّ العسر و نحوه إنّما يتحقق غالبا من حيث الحكم التكليفي، و الضرر أعمّ منه و من الوضعي).

ثمّ أدرج تحت هذه القاعدة فروعا كثيرة في مختلف أبواب الفقه من المعاملات، و يرى أنّه بعد التأمّل فيما ذكره من الفروع يظهر أنّ أصحابنا فاهمين عدم الضرر بما يشمل ذلك كلّه مصرحا بأنّ تنقيح هذا المطلب من جملة المشكلات‏ (3).

و قد قدّمها الشيخ الأنصاريّ [1214 1281 ه.] على سائر أدلّة العناوين المثبتة.

قال في فرائد الأصول: (ثمّ إنّ هذه القاعدة حاكمة على جميع العمومات الدالة بعمومها على تشريع الحكم الضرريّ، كأدلّة لزوم العقود، و سلطنة الناس على‏

____________

(1) جواهر الكلام 37: 15.

(2) جواهر الكلام 38: 51.

(3) عناوين الأصول، للسيد مير فتاح المراغي، العنوان العاشر، ص 196.

24

أموالهم، و وجوب الوضوء على واجد الماء، و حرمة الترافع إلى حكّام الجور، و غير ذلك.

و قد استدل (قدّس سرّه) على حكومتها على غيرها من العمومات بوقوعها في مقام الامتنان‏ (1).

و أعرض (قدّس سرّه) في رسالته الخاصة بهذه القاعدة عن النّظر في سند الأحاديث الواردة في نفي الضرر معلّلا ذلك بأنّ كثرتها يغني عن ملاحظة سندها (2).

و قد ذهب المحقق الخراسانيّ [المتوفى 1329 ه.] في كفاية الأصول إلى أنّ الرّوايات الواردة في نفي الضرر كثيرة، و بعد تصحيح دعوى تواترها بحمله على التواتر الإجمالي قال: (و هذا مع استناد المشهور إليها، موجب لكمال الوثوق بها و انجبار ضعفها، مع أنّ بعضها موثقة فلا مجال للإشكال فيها من جهة سندها، كما لا يخفى) (3).

و يرى الشيخ ضياء الدين العراقي [1278 1361 ه.] محاضر هذه القاعدة أنها قد اشتهرت على ألسن الفقهاء، و قد تمسّكوا بها في كثير من الموارد حتى صارت بين المعاصرين من القواعد الفقهية المسلّمة (4).

و أمّا فقهاء العامة فقد بلغت عنايتهم بهذه القاعدة مبلغا جعلت أبا طاهر الدّبّاس [من فقهاء القرن الرابع الهجري‏] يرجع جميع فقه أبي حنيفة إلى سبع عشرة قاعدة كلّية، من جملتها قاعدة الضرر يزال‏ (5).

كما أرجع الفقيه الشافعيّ القاضي حسين جميع المذهب إلى أربع قواعد منها

____________

(1) فرائد الأصول 2: 535.

(2) قاعدة لا ضرر الملحقة بالمكاسب 3: 342.

(3) كفاية الأصول: 381.

(4) مقالات الأصول: 2: 113.

(5) القواعد الفقهية، للندوي: 100، ط دار القلم دمشق.

25

قاعدة نفي الضرر (1).

و قد اعتبرها أبو الفتوح الطائي من الأحاديث الخمسة التي يعتمد عليها الفقيه‏ (2).

و قد ذهب السيوطيّ [المتوفى (911) ه.] إلى أنّ قاعدة نفي الضرر يبتني عليها كثير من أبواب الفقه، و بعد أن مثّل لذلك بشواهد كثيرة قال: و يتعلّق بهذه القاعدة قواعد: الأولى: الضرورات تبيح المحظورات بشرط عدم نقصانها عنها. (3).

و بعد هذه النظرات السريعة التي ألقيناها على موقف الفقهاء من هذه القاعدة يتضح لنا أنّ فقهاء الإسلام تلقوا هذه القاعدة باعتبارها أحد دعائم الفقه الإسلامي و ركائزه.

لكن وقع النقض و الإبرام و الهدم و الأحكام في مفادها و المراد من الهيئة التركيبية لها، كما وقع البحث حول جريانها في أكثر الفروع و عدمه، فجعلها بعضهم مدركا لأغلب الفروع، كما هو المشاهد من بعض كتبهم، و آخرون أبطلوا الاعتماد عليها في خصوص الفروع التي لا يوجد لها مدرك غيرها، و هناك من جعلها مقتصرة على الأحكام الوجودية دون العدمية، و هناك من جعلها أعمّ من ذلك.

كما ذهب بعضهم إلى أنّها حكم قضائي يختص بباب القضاء و لا يتعدى إلى سائر أبواب الفقه.

و غير ذلك من الأبحاث الكثيرة التي جرت عادة الأصحاب (رحمه اللّه) على تناولها في هذه القاعدة بعد قبولهم كونها من أهمّ أركان الفقه الإسلامي.

____________

(1) الأشباه و النّظائر للسيوطي: 8.

(2) تنوير الحوالك للسيوطي 2: 218، المكتبة الثقافية لبنان.

(3) الاشتباه و النّظائر: 92.

26

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

27

أهمية القاعدة في الدين الإسلامي الحنيف‏

جاء الدين الإسلامي الحنيف بتشريع إلهي خالد أحدث رقيّا واسعا في المجتمعات البشريّة، فكان آخر تشريع سماويّ جاء به آخر أنبياء اللّه تعالى، فلذا كان و لا بدّ أن يكون نظاما منسجما مع نواميس الفطرة، و قانونا متكاملا يضمن للإنسان جميع نواحي حياته: من الحقوق الاجتماعية و الفردية، كما يضمن له كرامته و حريته و سائر الحقوق التي يفتقر إليها في تعايشه مع الآخرين.

و قد بلغ من حرص الإسلام على حفظ كافة حقوق الإنسان أن شرّع قانونا يحرّم كلّ ما يعدّ ضررا على البشريّة، و بذلك يكون الدين الإسلامي الحنيف أوّل من أسّس نظام حقوق الإنسان المتمثل بقاعدة نفي الضرر و الضرار، التي تعتبر من أهمّ ركائز المجتمع السليم حيث أنّها توفر أسباب الحياة الطبيعية، فهي تنظم الروابط الاجتماعية و الفردية، و تبيّن حدود تعامل الناس مع بعضهم البعض الأخر، و تعيّن صلاحياتهم، و تدفع الاختلافات الناشئة فيما بينهم برفع أسبابها و مولّداتها، و تعطي كلّ ذي حقّ حقّه، و هي تقف أمام القويّ و الظالم حينما يريدان إعمال القوة و الظلم.

و قد اعتمد فقهاء الفريقين على هذه القاعدة في فروع و أحكام كثيرة ترتبط مباشرة بحفظ النظام العام الذي لولاه لعمّت الفوضى، و اختلّت النظم.

قال الشهيد الأوّل: إنّ فروعها كثيرة حتى أنّ قاعدة (المشقة موجبة لليسر) تكاد تداخل هذه القاعدة.

28

منها: (وجوب تمكين الإمام لينتفي به الظلم، و صلح المشركين، و رد مهاجريهم دون مهاجرينا، و جواز ردّ المعيب و أخذ أرشه، و فسخ النكاح بالعيب، و الحجر على المفلس و الصغير، و السفيه، و المجنون. إلخ) (1).

و قد أحصى السيد مير فتاح (رحمه اللّه) فروعا كثيرة و هامّة تتجاوز الستين فرعا، منها:

لزوم دية المتترس المقتول على المجاهدين، و سقوط النهي عن المنكر، و سقوط إقامة الحدود مع عدم الأمن، و عدم الإجبار على القسمة مع تحقق الضرر، و عدم لزوم أداء الشهادة كذلك، و حرمة السحر و الغش و التدليس، و مشروعية التقاصّ.) (2).

و غير ذلك من الفروع الكثيرة التي ذكرها علماؤنا في مختلف أبواب الفقه مما يطول نقله.

و أما علماء العامة فنقتصر من أقوالهم في هذا الصدد على ما ذكره السيوطي من أنّ قاعدة نفي الضرر يبتني عليها كثير من أبواب الفقه ممثلا لذلك بشواهد كثيرة منها: الرّد بالعيب، و جميع أنواع الخيار، و الحجر بأنواعه و التعزير، و الشفعة، و القصاص، و الحدود، و الكفارات. و قد فرّع عليها قواعد أخر منها قاعدة:

(الضرورات تبيح المحظورات) و من ثم جاز أكل الميتة عند المخمصة، و إساغة اللقمة بالخمر، و التلفظ بكلمة الكفر إكراها، و إتلاف المال.). (3).

نعم لا تخفى الأهمّية البالغة لهذه القاعدة العامة بالنسبة للمجتمع البشري فالاحتكار الذي يعدّ من أخطر الظواهر الاجتماعية حيث إنّه يؤدي إلى انهيار المجتمع اقتصاديا، و غير ذلك من المفاسد الاجتماعية الواضحة المترتبة عليه،

____________

(1) القواعد و الفوائد: 1: 141.

(2) العناوين، العنوان العاشر: 96.

(3) الأشباه و النّظائر دار إحياء الكتب العربية: 92.

29

تحرّمه هذه القاعدة (1).

و كذا الدخول في السوم الذي يؤدي إلى عواقب غير حميدة، من الشحناء و العداوة و البغضاء، فهو محرّم بقاعدة نفي الضرر (2).

كما أنّ هذه القاعدة هي المستند في بعض الخيارات، كخيار الغبن إذ لا نصّ فيه بخصوصه، و قد صرّح بذلك الشهيد الثاني [734 786 ه.] (3) كما أنّها مستند حرمة الخطبة بعد إجابة الغير (4).

و هي دليل مشروعيّة القصاص الذي يبتني عليه استقرار الأمن، و انعدام الجريمة (5)، و هي مدرك مشروعيّة الحدود (6) من قبيل قطع يد السارق في ربع دينار، مع أنّها تضمن بيد مثلها، أو خمسمائة دينار لما يترتّب على ذلك من فوائد و آثار اجتماعية كبرى [1].

و غير ذلك من الأفعال و العوامل السلبية التي استدل الفقهاء على حرمتها بالقاعدة المذكورة، و هي كثيرة في مختلف أبواب الفقه.

____________

[1] و لمّا لم يدرك أبو العلاء المعري الحكم الإلهيّة الكامنة في الشريعة المقدسة اعترض قائلًا:

تناقض ما لنا إلّا السكوت له * * * و أن نعوذ بمولانا من النّار

يد بخمس مئين عسجد فديت‏ * * * ما بالها قطعت في ربع دينار؟

لزوم ما لا يلزم 2: 737.

فأجابه السيد المرتضى علم الهدى، قائلًا:

حراسة الدم أغلاها، و أرخصها * * * حراسة المال فانظر حكمة الباري‏

القواعد و الفوائد 1: 142

____________

(1) العناوين للسيد مير فتاح المراغي، العنوان العاشر: 96.

(2) المصدر السابق.

(3) الروضة البهية 3: 465.

(4) العناوين: 96.

(5) القواعد و الفوائد 1: 141.

(6) العناوين، للمراغي: 96

30

و تتضح أهمّية هذه القاعدة البالغة من خلال تقديم أغلب الفقهاء إياها على قاعدة (الناس مسلطون على أموالهم) (1) و عليه فليس بإمكان المالك إساءة الاستفادة من قاعدة السلطنة ليورد الضرر على الغير، كما أراد فعل ذلك سمرة بن جندب، بل قدّمها الفقهاء على سائر أدلة العناوين الأولية [1].

____________

[1] نعم هي كالأدلة الأخرى بناء على إرادة النهي من النفي كما هو مذهب صاحب العناوين و من تبعه كشيخ الشريعة.

____________

(1) رواه العلّامة المجلسي في البحار 2: 272 7.

31

تحديد الضرر المنفي في الشريعة الإسلامية

يعود تحديد الضرر و الضرار المنفي في الشريعة الإسلامية المقدسة إلى العرف، فهو المرجع في ذلك، بمعنى أنّه يعيّن الضرر عند الشك في حصوله، فما لا يصدق عليه الضرر عرفا لا يعدّ منفيا بالقاعدة و لا محرما شرعا و إن صدق عليه ذلك لغة، كما أنّه لا يعارض ثبوت الأحكام الأخرى و إن حصل به النقص اليسير، فتلف مثقال من الحنطة مثلا لا يجوز إبطال العبادة بقطعها للحيلولة من تلفه فيما لو توقّف ذلك على إبطالها.

و لا يقال: إنّه ضرر منفي فيعارض قوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) (لا تُبْطِلُوا أَعْمالَكُمْ)، لعدم عدّ العرف ذلك و نظائره ضررا.

هذا ما لم يقم دليل خاصّ على أنّ الشارع وسّع الضرر أو ضيّقه في موارد خاصة، و إلّا فيتّبع ذلك الدليل الخاصّ.

ففي الصورة الأولى يكون الضرر شرعيا و إن لم يعده العرف ضررا.

و في الصورة الثانية يكون الضرر عرفيا لا شرعيا، لعدم عدّه من قبل الشارع ضررا.

و المعتبر في هاتين الصورتين هو الشارع، و إنّما يعتبر العرف فيما لو لم يدلّ دليل خاصّ من قبل الشارع يعيّن الضرر ضيقا و سعة.

ثمّ أنّ الضرر يختلف باختلاف الأشخاص و الأموال و الأماكن و الأزمنة و غير ذلك من الاعتبارات التي يجب ملاحظتها في الموارد حين التطبيق، نظير ما لو

32

أقدم الشخص على أصل التضرر فلا تشمله القاعدة برفع الضرر الوارد عليه لكونه حصل بفعله لا من حكم الشارع حتى يكون داخلا في القاعدة كمن أقدم على البيع بدون ثمن المثل عالما.

نعم لا فرق بين أن يكون المحقق لموضوع الحكم الضرري اختياريا أو غير اختياري كمن سبب لنفسه مرضا بحيث تضر معه العبادة فحينئذ يسقط عنه الوجوب على النحو الذي يتضرّر به، لكونه حكما ضرريا.

و أمّا مصاديق الضرر فلا فرق في ثبوت النفي بينها في كون بعضها أقلّ ضررا و الأخر أكثر، بل هي بعد الصدق العرفي على حدّ سواء في كونها منفية شرعا و إن تفاوتت في الضرر من جهة كون بعضها أقلّ ضررا من الأخر.

نعم عند التعارض يقدّم ما هو أقلّ ضررا و أخف فسادا على ما هو أكثر و أشدّ، كصلح المشركين فإنّ فيه ضررا على المسلمين لكن في تركه ضرر أعظم لما يترتب عليه من قتل المسلمين فيقدم الصلح على الحرب، و كذا تقدم الاستساغة بالخمر على فوات النّفس لأنّها أقلّ ضررا منه‏ (1).

و يستفاد تعين الأخف ضررا عند التعارض من نفس حديث نفي الضرر نظرا إلى كونه في مقام الإرفاق و الامتنان، فلا يفتقر التعين إلى دليل خاص.

و من هنا يعلم بطلان ما في العوائد من عدم الوجه في تقديم الأخف ما لم يقم دليل خاص عليه‏ (2).

____________

(1) القواعد و الفوائد 1: 142.

(2) عوائد الأيام: 21، البحث السابع.

33

سبب حكم الشارع في الصدر الأول بنفي الضرر

لقد أسلفنا بأنّ عصر الرسالة كان البذرة الأولى لقاعدة نفي الضرر، حيث طرحت بشكل خاص في الكتاب العزيز و بشكل عام في السنة الشريفة، و هذا ما تقدّمت الإشارة إليه، و سنستوفي البحث عنه إن شاء اللّه.

إلّا أنّ الذي يهمنا في هذا الحقل هو تسليط الضوء على الأسباب و العوامل الظاهرية التي جعلت الشارع المقدّس يصدر الحكم بنفي الضرر، و يمنع من إيراده.

أما الكتاب العزيز: فإنه حكم بنفي الضرر في أوّل خطوة منه لاجتثاث الظواهر السلبية التي خلّفتها عادات الجاهلية الأولى السائدة في تلك المجتمعات آنذاك.

فمن عاداتهم: إضرار الوالدين بولدهما، حيث كانت الأمّ تترك إرضاع ولدها غيضا على أبيه، و كان الأب يضر بولده بترك الإنفاق عليه. أو بأخذه من أمه و إعطائه للضرة فنهى تعالى عن ذلك بقوله‏ لا تُضَارَّ والِدَةٌ بِوَلَدِها وَ لا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ‏ (1).

و منها: الإضرار بالمطلقات: حيث كان الرّجل يطلّق زوجته، و يراجعها قبل انقضاء عدّتها لا لرغبة فيها، بل ليطوّل العدّة، فنهى تعالى عن ذلك بقوله:

وَ لا تُمْسِكُوهُنَّ ضِراراً لِتَعْتَدُوا (2).

____________

(1) البقرة: 233.

(2) البقرة: 231.

34

و منها: الإضرار بالمطلقات أيام العدّة، حيث كان الرّجل يدخل الضرر على زوجته المطلقة أيام عدّتها بالتضييق عليها في المسكن، و النفقة، و الكسوة فنهى تعالى عن ذلك بقوله‏ وَ لا تُضآرُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَ‏ (1).

و منها: الإضرار بالكاتب و الشهيد، حيث كان كاتب الدين يكتب ما لم يمل عليه، و كان الشاهد يشهد بما لم يستشهد فيه، و كان بعض الشهود يمتنع عن أداء الشهادة مع القدرة عليها، فنهى تعالى عن ذلك بقوله‏ وَ لا يُضَارَّ كاتِبٌ وَ لا شَهِيدٌ (2).

و منها: الإضرار بالورثة، حيث كان الشخص يوصي بجميع ماله، أو ببعضه إلى غير الطبقة الوارثة، أو يقرّ بدين غير مدان به، دفعا للميراث عن وارثه فنهى تعالى عن ذلك بقوله‏ أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ (3).

و من خلال هذه الآيات الكريمات يمكننا القول بأنّ الهدف الأوّل للقرآن الكريم من الحكم بنفي الضرر هو محق تلك العادات التي خلّفها العصر الجاهلي، و اجتثاث تلك الظواهر السلبية التي كانت البشرية تعاني من وطأتها.

أمّا السنة النبوية الشريفة: فالوارد فيها أنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) حكم بنفي الضرر في ثلاثة موارد:

الأوّل: حديث قضية سمرة بن جندب‏ (4).

الثاني: حديث قضيّة الشفعة (5).

____________

(1) الطلاق: 6.

(2) البقرة: 282.

(3) النساء: 12.

(4) الكافي 5: 293 2، الفقيه 3: 169 368، التهذيب 7: 133 651، الوسائل 25 428 322. انظر: أحاديث القاعدة في مقدمة الكتاب.

(5) الكافي 5: 281 4، الفقيه 3: 61 154، التهذيب 7: 148 727، الوسائل 25: 399 32217.

35

الثالث: حديث قضيّة منع فضل الماء (1).

أمّا قضيّة منع فضل الماء: فالسبب في حكم النبيّ بالنهي عنه هو أنّ آبار البوادي كان حولها كلا مباح، فكان صاحب البئر بحاجة إلى الكلأ دون الماء، فكانت تأتي مواشي غيره فتشرب من فاضل ماء بئره و تأكل من الكلأ النابت حولها، و صاحب البئر لم يكن له حقّ منعها عن الكلأ، لكونه غير مملوك له، فكان يمنع من فاضل ماء البئر ليمنع من الكلأ، فنهى النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) عن ذلك دفعا للضرر.

قال شيخ الشريعة الأصفهاني: و المعروف في تفسير الحديث بين الفقهاء و المحدثين من الفريقين أنّه يراد به [أي بحديث منع فضل الماء] ما إذا كان حول البئر كلأ و ليس عنده ماء غيره و لا يمكن أصحاب المواشي رعية إلّا إذا تمكنوا من سقي بهائمهم من تلك البئر لئلا يتضرروا بالعطش بعد الرعي، فيستلزم منعهم من الماء منعهم من الرعي. (انظر: قاعدة لا ضرر لشيخ الشريعة، ص 14).

و ذكر ابن حجر العسقلاني عن المهلب انه قال في تفسيره لحديث منع فضل الماء: (المراد رجل كان له بئر و حولها كلأ مباح فأراد الاختصاص به، فيمنع فضل ماء بئره و ان ترده نعم غيره للشرب، و لا حاجة به إلى الماء الذي يمنعه و إنما حاجته إلى الكلأ، و هو لا يقدر على منعه، لكونه غير مملوك له، فيمنع الماء فيتوفر له الكلأ لأنّ النعم لا تستغني عن الماء بل إذا رعت الكلأ عطشت، و يكون ماء غير البئر بعيدا عنها، فيرغب صاحبها عن ذلك الكلأ فيتوفر لصاحب البئر بهذه الحيلة.). انظر، فتح الباري 12: 296 ط.، بولاق مصر.

و أمّا قضيّة الشفعة: فالسبب في حكم النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) بثبوتها للشريك هو: أنّ أحد الشريكين يقدم على بيع حصته لشخص ثالث، و مما يؤدي إلى إلحاق الضرر بالشريك لجهة من الجهات، منها: كون الشريك الجديد سيئ المعاشرة أو المعاملة

____________

(1) الكافي 5: 294 6، البحار 2: 276، الوسائل 25: 420 42257.

36

و نحوهما، فلذلك حكم الرسول (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) بالشفعة دفعا للضرر.

و أمّا قضيّة سمرة: فالسبب في حكم النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) فيها بنفي الضرر هو: أنّ سمرة بن جندب كان له نخلة في بستان رجل من الأنصار، و كان دار الأنصاري بباب البستان بحيث إذا أراد سمرة الدخول إلى نخلته مرّ بدار الأنصاري، و كان يدخل سمرة بدون استئذان فكلّمه الأنصاري أن يستأذن إذا أراد الدخول، فأبى سمرة، فشكاه إلى الرسول (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) و لما استنفذ الرسول (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) الطرق في إرضاء سمرة بالاستئذان أمر الأنصاريّ أن يقلع نخلة سمرة معللا ذلك بعدم الضرر و الضرار.

و سمرة بفتح السين و ضمّ الميم بن جندب، بن هلال، بن جريح بن مرّة، ابن حزم، بن عمرو، بن جابر، بن ذي الرئاستين الفزاري.

و الظاهر من تتبع كتب السير و التأريخ و الرّجال: أنّ الرّجل فاسق منافق وضّاع، بل لا يبعد الحكم بكفره نظرا إلى مخالفته الصريحة لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) و معاندته له حتى أغاض من لا توازن السماوات و الأرض حلمه، و كان من أشدّ الناس عداوة لأمير المؤمنين عليّ (عليه السّلام)، و لأهل البيت (عليهم السّلام)، و شيعتهم، و له فضائع، و مثالب، و جرائم، و مخازي لا يخلو منها كتاب من كتب التأريخ المتضمنة لإحداث سنة خمسين.

مات سنة 51، و قيل: 59، و قيل: 60 (1).

و عمدة ما استدل به الفقهاء في إثبات نفي الضرر هو قضيّة سمرة، و ذلك لورودها في روايات صحيحة و موثقة، بل ادعي تواترها (2) و أما حديثي الشفعة،

____________

(1) انظر: الإصابة 2: 78، أسد الغابة 2: 354، شذرات الذهب 1: 65، الكامل في التأريخ 2:

481، 482، شرح نهج البلاغة 4: 73 و 77 و 78، تنقيح المقال للمامقاني 2: 68 69، قاعدة لا ضرر لشيخ الشريعة الأصفهاني ص 35.

(2) و قد ادعى تواترها فخر المحققين في رهن الإيضاح باب التزاحم إيضاح الفوائد 2: 48.

37

و منع فضل الماء فقد وقع التشكيك بتذييلها بجملة نفي الضرر من جهات عديدة.

منها: ضعف سند الحديثين، لعدم توثيق محمد بن عبد اللّه بن هلال، و عقبة بن خالد.

و منها: أنّ الجمع بين نفي الضرر و بين الحديثين جمع في الرواية لا في المروي، بمعنى أنّه لم يصدر عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) و إنّما صدر عن الراويين‏ (1).

____________

(1) و قد ذهب إلى ذلك شيخ الشريعة (قاعدة لا ضرر: 18 23) و المحقق النائيني (منية الطالب 2: 194) و المحقق الأصفهاني (نهاية الأفكار 4: 449).

38

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

39

مدرك القاعدة من الكتاب‏

و قد استدل فقهاؤنا العظام على تحريم الضرر و الضرار بالكتاب العزيز، و هذا مما لا شك فيه حيث إنّ الضرر و الضرار من أظهر مصاديق الظلم و التعدي المحكومين بالحرمة بنص الكتاب الكريم.

الآية الأولى: قوله تعالى‏ لا تُضَارَّ والِدَةٌ بِوَلَدِها وَ لا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ‏ (1).

و قد ذكر في تفسير هذه الآية الشريفة و جهان:

الأوّل: كون الضارّ كل من الوالدة و المولود له، فلا يجوز لها ترك إرضاعه، كما لا يجوز له ترك الإنفاق عليه.

و هذا بناء على كون الفعل مبنيا للفاعل، فتكون الباء حينئذ زائدة.

الثاني: كون المتضرر كل من الوالدة و المولود له، فلا يجوز للوالد أخذ الولد من أمه لترضعه غيرها، كما لا يجوز للوالدة إضرار الوالد بترك إرضاع ولده.

و هذا بناء على كون الفعل مبنيا للمجهول، و حينئذ تكون الباء سببية.

و هناك أقوال أخرى في تفسير هذه الآية الشريفة و ليس بينها تناف، فالأولى حمل الآية على جميعها (2).

الآية الثانية: قوله تعالى‏ وَ إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَ‏

____________

(1) سورة البقرة، الآية 233.

(2) انظر: تفسير مجمع البيان، للطبرسيّ، ج 1: ص 588، ط دار المعرفة.

40

بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَ لا تُمْسِكُوهُنَّ ضِراراً لِتَعْتَدُوا الآية (1).

فنهى تعالى عن إمساك المطلقات بالرجوع إليهن لا لرغبة فيهن بل لطلب الإضرار بهن و ذلك إمّا بتطويل العدّة، أو بتضييق النفقة في العدّة (2).

الآية الثالثة: قوله تعالى‏ وَ لا يُضَارَّ كاتِبٌ وَ لا شَهِيدٌ (3). و قد ذكر المفسرون في تفسير هذه الآية المباركة وجهين:

الأوّل: أنّه تعالى نهى عن إضرار كاتب الدين، بأن يكتب ما لم يمل عليه، كما نهى عن إضرار الشاهد على الدين، و على غيره، بأن يشهد بما لم يستشهد فيه، أو بأن يمتنع عن أداء الشهادة و هو قادر عليها.

و هذا بناء على كسر الراء الأولى من (يضار) فيكون مبنيا للفاعل‏ (4).

الثاني: أنّه تعالى نهى عن الإضرار بالكاتب، بأن يكلّف بالكتابة في حال عذره، كما نهى عن الإضرار بالشاهد بأن يدعى إلى إقامة الشهادة في حال عذره.

و هذا بناء على أنّ الأصل فيه (يضارّ) بفتح الراء الأولى فيكون مبنيا للمفعول‏ (5).

الآية الرابعة: قوله تعالى‏ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصى‏ بِها أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ. (6).

فنهى تعالى الموصي من الضرار في الوصية، فيكون معنى قوله تعالى‏ غَيْرَ مُضَارٍّ

____________

(1) سورة البقرة، الآية 231.

(2) انظر: تفسير مجمع البيان، للطبرسي، ج 1: ص 582، ط دار المعرفة.

(3) سورة البقرة: الآية 282.

(4) و على هذا النحو قرأ الحسن، و قتادة، و عطاء، و ابن زيد كما عن الشيخ الطبرسي، مجمع البيان ج 1: ص 684 ط، المعرفة.

(5) و على هذا النحو قرأ ابن مسعود، و مجاهد، انظر: مجمع البيان للطبرسي (ج 1 ص 684 ط دار المعرفة).

(6) سورة النساء، الآية 12.

41

مضارّ أي غير موص وصية تضر بالورثة، كما إذا أوصى بجميع ماله، أو بما يزيد على الثلث لغير الطبقة الوارثة لئلا يصل إليها، أو أقرّ بدين غير مدان به، أو أقرّ باستيفاء دين له في مرضه دفعا للميراث عن وارثه‏ (1).

الآية الخامسة: قوله تعالى‏ وَ لا تُضآرُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ وَ إِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَ‏ (2).

فنهى تعالى عن إدخال الضرر على المطلقات أيام عدتهن بالتضييق عليهن في المسكن، و النفقة، و الكسوة.

الآية السادسة: قوله تعالى‏ لا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ (3).

لقد حكم اللّه تعالى بعدم استواء المجاهدين مع القاعدين و استثنى من القاعدين أولي الضرر، أي: أهل الضرر، و هم الفاقدون أبصارهم و أصحاب العلل الأخرى التي لا سبيل لأهلها إلى الجهاد، للضرر الذي بهم‏ (4).

____________

(1) انظر: مجمع البيان للطبرسي، ج 3، ص 29.

(2) سورة الطلاق، الآية 6.

(3) سورة النساء، الآية 95.

(4) انظر: مجمع البيان للطبرسي 3: 148.

42

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

43

مدرك القاعدة من السنة الشريفة

و عمدة ما استدلّ به جمهور الفقهاء في إثبات هذه القاعدة هو الروايات الكثيرة المروية في كتب أصحابنا رضي اللّه عنهم في نيف و مائة حديث حسب ما أدّى إليه التتبع.

و هي على قسمين:

الأوّل: و يحتوي على أحاديث تنفي الضرر و الضرار بصيغة (لا ضرر و لا ضرار).

الثاني: و يحتوي على أحاديث يستفاد من بعضها عدم مشروعيّة الضرر و الضرار، و يستفاد من بعضها الأخر أحكام معللة بالضرر و عدمه.

44

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

45

القسم الأول من أحاديث قاعدة نفي الضرر و يحتوي على الروايات التي وردت فيها جملة: (لا ضرر و لا ضرار)

46

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

47

المورد الأوّل: قضيّة سمرة

1 روى الشيخ الكلينيّ، [1] عن عدة [2] من أصحابنا، عن أحمد بن محمد بن خالد، عن أبيه، عن عبد اللّه بن بكير، عن زرارة، عن أبي جعفر (عليه السّلام)، قال: إنّ سمرة بن جندب كان له عذق‏ (1) في حائط (2) لرجل من الأنصار و كان منزل‏

____________

[1] الكافي 5: 293 2، الفقيه 3: 169 648، التهذيب 7: 133 651، البحار 22: 13 117، الوسائل 25: 428 32281.

و من الملاحظ: عدم تفرّد كتبنا برواية قضيّة سمرة بن جندب، بل شاركتها في ذلك كتب العامة أيضا، حيث رووها بنصوص مختلفة، و طرق متعددة، منها: ما رواه أبو داود في سننه (3: 315)، و البغوي في مصابيح السنة (2: 372)، و الزمخشري في الفائق في غريب الحديث (2: 442).

نعم تفرّدت كتبنا برواية هذه القضية مقرونة بجملة (لا ضرر و لا ضرار) حيث لم تذكر هذه الجملة في قضيّة سمرة المرويّة بطرقهم، نعم في بعض طرقهم أنّ النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) قال لسمرة:

(أنت مضار) كما في سنن أبي داود بشرحه بذل المجهود 15 321 322.

[2] و المراد بالعدّة هنا هم: أ علي بن إبراهيم، ب علي بن محمد بن عبد اللّه بن أذينة، ج أحمد بن عبد اللّه عن أبيه، د علي بن الحسن. (انظر: خاتمة الوسائل، الفائدة الثالثة:

148).

____________

(1) العذق بفتح العين: النخلة، و بكسرها: الكباسة، و هو جامع الشماريخ (المصباح المنير: 399).

(2) الحائط: البستان من النخيل إذا كان عليه حائط و هو الجدار، و قد تكرّر في الحديث، و جمعه: الحوائط (النهاية ابن الأثير 1: 462).

48

الأنصاري بباب البستان و كان يمرّ به إلى نخلته و لا يستأذن، فكلّمه الأنصاري أن يستأذن إذا جاء فأبى سمرة، فلمّا تأبّى جاء الأنصاريّ إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) فشكا إليه و خبر الخبر، فأرسل إليه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) و خبّره بقول الأنصاري و ما شكا، و قال: إن أردت الدخول فاستأذن، فأبى فلمّا أبى ساومه حتّى بلغ به من الثمن ما شاء اللّه فأبى أن يبيع، فقال (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): لك بها عذق يمدّ [1] لك في الجنّة، فأبى أن يقبل، فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) للأنصاري: اذهب فاقلعها و ارم بها إليه، فإنّه لا ضرر و لا ضرار.

2 (1) روى الشيخ الكليني (قدّس سرّه) عن علي بن محمد بن بندار، عن أحمد بن أبي عبد اللّه، عن أبيه، عن بعض أصحابنا، عن عبد اللّه بن مسكان، عن زرارة، عن أبي جعفر (عليه السّلام) قال: إن سمرة بن جندب كان له عذق، و كان طريقه إليه في جوف منزل رجل من الأنصار فكان يجي‏ء و يدخل إلى عذقه بغير إذن من الأنصاري.

فقال له الأنصاريّ: يا سمرة لا تزال تفاجئنا على حال لا نحب أن تفاجئنا عليها، فإذا دخلت فاستأذن. فقال: لا أستأذن في طريق و هو طريقي إلى عذقي، قال:

فشكا الأنصاري إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) فأرسل إليه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) فأتاه فقال له: إنّ فلانا قد شكاك، و زعم أنّك تمرّ عليه و على أهله بغير إذنه، فاستأذن عليه إذا أردت أن تدخل، فقال: يا رسول اللّه أستأذن في طريقي إلى عذقي؟! فقال له رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): خلّ عنه و لك مكانه عذق، في مكان كذا و كذا. فقال: لا، قال: فلك اثنان، قال: لا أريد، فلم يزل يزيده حتى بلغ عشرة أعذاق، فقال: لا، قال: فلك‏

____________

[1] في البحار: لك بها عذق مذلّل في الجنة.

قال العلامة المجلسي: بيان: العذق بالفتح: النخلة بحملها، ذكره الجوهري، و قال قوله تعالى:

وَ ذُلِّلَتْ قُطُوفُها تَذْلِيلًا أي سوّيت عناقيدها و دلّيت. البحار 22: 134.

____________

(1) فروع الكافي 5: 294 8، بحار الأنوار 22: 135 118، وسائل الشيعة 25: 429 32282.

49

عشرة أعذاق في مكان كذا و كذا، فأبى، فقال: خلّ عنه و لك مكانه عذق في الجنّة، قال: لا أريد، فقال له (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): إنّك رجل مضارّ و لا ضرر و لا ضرار على مؤمن، قال:

ثمّ أمر بها رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) فقلعت، ثمّ رمى‏ (1) بها إليه، و قال له رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): انطلق فاغرسها حيث شئت [1].

3 (2) روى الشيخ الصدوق، عن ابن بكير، عن زرارة، عن أبي جعفر (عليه السّلام) قال: إنّ سمرة بن جندب كان له عذق في حائط رجل من الأنصار، و كان منزل الأنصاريّ‏

____________

[1] و تعتبر هذه الرواية و التي قبلها عمدة ما استدل به الأصحاب على نفي الضرر من السنة الشريفة، و يرى الشيخ الأعظم: أنّ أصحّ ما في هذا الباب سندا، و أوضحه دلالة هو هذه الرواية المتضمنة لقضيّة سمرة بن جندب مع الأنصاري، و هي ما رواه غير واحد عن زرارة عن أبي جعفر (عليه السّلام). (الرسائل 2: 533) و أهمّ ما يلاحظ في هذه الرواية: أنّها طبقت على خلاف سلطنة المالك، و قد تعرّض الشيخ الأنصاري لهذا الإشكال بعد ذكره للرواية قائلًا: (و في هذه القضيّة إشكال من حيث حكم النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) بقلع العذق، مع أنّ القواعد لا تقتضيه، و نفي الضرر لا يوجب ذلك، لكن لا يخلّ بالاستدلال. (رسالة لا ضرر الملحقة بالمكاسب: 341) و حاصل جوابه: (أنّ الإجمال في وجه التطبيق لا يوجب الإجمال في المطبّق) إلّا أنّ المحقق النائيني استغرب مما أفاده الشيخ الأعظم، لكون كلامه حينئذ يرجع إلى أنّ خروج المورد لا يقدح بالعموم فيتمسك به في سائر الموارد، مع أنّ هذا يكشف عن عدم إرادة ما تكون العلّة ظاهرة فيه، و هذا مرجعه إلى الاعتراف بإجمال الدليل.

و قد أجاب (قدّس سرّه) عن الإشكال في منية الطالب (2: 209) بجوابين:

الأوّل: أنّ (لا ضرر و لا ضرار) ليس علة لقلع النخلة، بل علّة لوجوب استئذان سمرة، و الأمر بالقلع ليس إلّا من باب الولاية العامة حسما للفساد.

و هذا الجواب يظهر من كلام العلامة المجلسي أيضا حيث قال: (و أمره (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) بالقلع كان لعدم قبول سمرة الاستئذان تعزيرا و دفعا للضرر عن المسلم. (مرآة العقول 19: 400) الثاني: لو سلمنا كونه علّة، إلّا أنّه لا ينافي القواعد، لحكومة لا ضرر على قاعدة السلطنة.

____________

(1) في الوسائل: فقلعت، (و رمى) بها إليه الوسائل 25: 429 32282.

(2) الفقيه 3: 169 648.

50

في الطريق إلى الحائط، فكان يأتيه فيدخل عليه و لا يستأذن، فقال: إنك تجي‏ء و تدخل و نحن في حال نكره أن ترانا عليه، فإذا جئت فاستأذن حتى نتحرّز ثمّ نأذن لك و تدخل، قال: لا أفعل هو مالي أدخل عليه لا أستأذن، فأتى الأنصاريّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) فشكا إليه و أخبره، فبعث إلى سمرة فجاءه فقال له: استأذن عليه، فأبى و قال له مثل ما قال للأنصاريّ، فعرض عليه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) أن يشتري منه بالثمن فأبى عليه، و جعل يزيده، فيأبى أن يبيع، فلمّا رأى ذلك رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) قال له: لك عذق في الجنة فأبى أن يقبل ذلك، فأمر رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) الأنصاري أن يقلع النخلة فيلقيها إليه و قال: لا ضرر و لا إضرار [1].

____________

[1] و هذه الرواية و إن كانت متحدة مع رواية الكليني الأولى إلّا أنّها اشتملت على ما لم تشتمل عليه تلك.

و هناك رواية أخرى في قضيّة سمرة يرويها الشيخ الصدوق، إلّا أنّها لم تحتوي على كبرى (لا ضرر و لا ضرار) بل فيها: (ما أراك يا سمرة إلّا مضارا) لذلك ذكرناها في القسم الثاني من أحاديث القاعدة، الحديث الرقم (30).

51

المورد الثاني: أحاديث الشفعة

4 (1) روى الشيخ الكليني (قدّس سرّه) عن محمّد بن يحيى، عن محمد بن الحسين، عن محمد بن عبد اللّه بن هلال، عن عقبة بن خالد، عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال: قضى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) بالشفعة (2) بين الشركاء في الأرضين، و المساكن، و قال: لا ضرر و لا ضرار (3)، و قال: إذا رفّت الأرف‏ (4)، و حدت الحدود فلا شفعة [1] [2].

____________

[1] و من الملاحظ: أنّ رواية الصدوق ذيلت ب «و لا شفعة إلّا لشريك غير مقاسم» و هذا الذيل لم يرد في روايتي الكافي و التهذيب، بل و حتى في بعض نسخ الفقيه أيضا، و أغلب الظن أنّها من كلام الشيخ الصدوق (رحمه اللّه) اقتطعت من رواية طلحة بن زيد، عن جعفر بن محمد، عن أبيه (عليهما السّلام) قال: قال علي (عليه السّلام): الشفعة على عدد الرّجال، و قال (عليه السّلام): ليس لليهودي و النصراني شفعة، و لا شفعة إلّا لشريك غير مقاسم. (الفقيه 3: 61)

[2] و استشكل في حديث الشفعة بأنّه مطبّق على خلاف سلطنة البائع و المشتري حيث جعل حق للشريك معلل بنفي الضرر مع أنّ النوعيّ منه غير مسمن، و الشخصيّ غير دائم.

____________

(1) الكافي 5: 281 4، و رواه الطوسي في التهذيب 7: 148 727، و الصدوق في الفقيه 3:

61 154، و العاملي في الوسائل 25: 399 32217.

(2) الشفعة بالضم: وزان فعله، و هي لغة: التقوية و الإعانة، و منه الشافع و الشفيع، و شرعا:

استحقاق الشريك الحصة المبيعة في شركته.

(3) و في الفقيه: (لا ضرر و لا إضرار) و لعله غلط، كما أشار إليه الشيخ الطريحي بعد ذكر حديث الشفعة. (مجمع البحرين 3: 373)

(4) الأرفة بالضم: الحد الفاصل بين الأرضين، و الجمع: أرف. (المصباح المنير ص 12)

52

5 (1) روى العلامة المجلسيّ عن فقه الرضا (عليه السّلام) [1]: اعلم أنّ الشفعة واجبة في الشركة المشاعة [2]، و ليس في المجاز

____________

و قد استراح شيخ الشريعة من الجواب عن هذا الإشكال حيث إنّه يرى عدم تذييل حديث الشفعة بحديث الضرر حال صدوره من الرسول (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) (قاعدة لا ضرر: 19) و قد تبعه المحقق النائيني في عدم التذييل، و في حال ثبوت الذيل فالتعليل محمول على كونه حكمة دفعا للإشكال. (منية الطالب 195 198).

[1] و قد اختلف في مؤلف هذا الكتاب على أقول، منها:

1 أنّه تأليف الإمام الرضا (عليه السّلام)، بدعوى وجود خطّه (عليه السّلام) فيه، و قد نقل ذلك العلامة محمد باقر المجلسي، عن والده العلّامة محمد تقي المجلسي، عن السيد المحدث أمير حسين. (بحار الأنوار 1: 11) 2 أنّه تأليف بعض أصحاب الإمام الرضا (عليه السّلام) و مال إليه السيد محسن الأعرجي، مدعيا اقتضاء التصفح و الاستقراء لذلك. (المستدرك: 3: 339، الطبعة القديمة) 3 أنّه صادر عن بعض أولاد الأئمة، بأمر الإمام الرضا (عليه السّلام) و هو ما احتمله الوحيد البهبهاني. (المستدرك 3: 338) 4 أنّه متحد مع كتاب المنقبة المنسوب للإمام العسكري (عليه السّلام) و قد نسب هذا القول لابن شهرآشوب، و الشيخ علي بن يونس العاملي. (انظر مقدّمة «الفقه المنسوب للإمام الرضا (عليه السّلام)» بقلم: السيد جواد الشهرستاني، تحقيق مؤسسة آل البيت (عليهم السّلام) ص 43) 5 أنّه متحد مع كتاب الشرائع، لعلي بن موسى بن بابويه القمّي، والد الصدوق و قد رجّح والد السيد حسين القزويني هذا القول نظرا إلى ان الكتاب مبدوء باسم والد الصدوق حيث جاء في أوّله ما نصه، (يقول عبد اللّه علي بن موسى) و بما أنّ اسم (علي بن موسى) مشترك بين الإمام الرضا (عليه السّلام) و بين والد الصدوق اشتبه الأمر على النساخ فظنوا أنه الإمام الرضا (عليه السّلام) فأضافوا اللقب الشريف. (المستدرك 3: 359) 6 أنّه متحد مع كتاب التكليف للشلمغاني، و قد أصرّ على هذا القول السيد حسن الصدر، متمسكا بشواهد و قرائن ذكرها في كتابه. (فصل القضاء)

[2] الشركة المشاعة: اجتماع حقوق الملاك في الشي‏ء الواحد على سبيل الشياع و معنى الشياع: هو عدم فرز حقّ كلّ واحد من الشركاء.

____________

(1) بحار الأنوار 104: 256 3؛ فقه الرضا 35؛ مستدرك الوسائل 17: 108.

53

المقسوم [1] و في المجاورة [2] و الشّربة الجامع [3] و في الأرحية [4] و في الحمامات، و لا شفعة ليهودي و لا نصراني و لا مخالف، و لا شفعة في سفينة، و لا في طريق لجميع المسلمين و لا حيوان، و لا ضرر في شفعة و لا ضرار، و الشفعة على البائع و المشتري و ليس للبائع أن يبيع أو يعرض على شريكه أو مجاوره و لا للمشتري أن يمتنع إذا طولب بالشفعة.

____________

[1] المجاز: الطريق. و المعنى: لا شفعة في الطريق المقسوم، نعم تثبت الشفعة في الطريق المشترك.

[2] أي لا تثبت في المجاورة ما لم يكن المجاور شريكا للبائع: فلا تستحق الشفعة بمجرد الجوار عندنا و قد ادعى ابن إدريس إجماع الإمامية على ذلك، محتجا على المخالف بما روي عنه (عليه السّلام): (الشفعة في ما لم يقسم، فإذا وقعت الحدود فلا شفعة) السرائر، لابن إدريس 2: 386.

[3] الشربة بفتح الراء: حوض يكون في أصل النخلة و حولها يملأ ماء لتشربه.

و في حديث عمر: «اذهب إلى شربة من الشربات فأدلك رأسك حتى تنقيه». (النهاية لابن الأثير، مادة شرب، 2: 455، فقه اللّغة و سرّ العربية، للثعالبي 289).

[4] الأرحية جمع رحى، قال الفيومي: الرّحى، مقصور: الطاحون. و الجمع: (أرح) و (أرحاء).

و ربما جمعت على (أرحية). و منعه أبو حاتم و قال: هو خطأ. و ربما جمعت على (رحيّ) على فعول و قال ابن الأنباري: و الاختيار أن تجمع (الرّحى) على (أرحاء). (المصباح المنير ص 223)

54

المورد الثالث: حديث منع فضل الماء

6 [1] روى الشيخ الكليني (قدّس سرّه)، عن محمد بن يحيى، عن محمد بن الحسين، عن محمد بن عبد اللّه بن هلال عن عقبة بن خالد، عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال: قضى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) بين أهل المدينة في مشارب [2] النخل أنّه لا يمنع نقع [3] البئر [4] و قضى بين أهل البادية: أنّه لا يمنع فضل ماء ليمنع به فضل كلأ [5] [6]،

____________

[1] الكافي 5: 294 6، الوسائل 25: 420 32257، البحار 2: 276 28، و بعد أن روى العلامة المجلسي هذا الحديث قال: بيان: أقول: لهذا الأصل أي: عدم الضرر شواهد كثيرة من الاخبار مذكورة في مواضعها، و قد أورد كثيرا منها الكليني في باب مفرد.

[2] المشارب جمع مشرب، و هو كما قال ابن الأثير و غيره حوض يكون في أصل النخلة و حولها، يملأ ماء لتشرب منه النخلة. (انظر: فقه اللغة و سرّ العربية، للثعالبي: 289، و النهاية لابن الأثير 2: 455).

[3] و في البحار 2: 276: (نقع الشي‏ء) و في الوسائل 25: 420: (نفع الشي‏ء) و هو تصحيف كما أشار إليه في الوافي المجلد 3 الجزء 10 136.

[4] قال ابن الأثير الجزري: (نقع البئر) أي فضل مائها، لأنه ينقع به العطش: أي يروي. و شرب حتى نقع: أي روي و قيل: النقع: الماء الناقع، و هو المجتمع. (النهاية نقع 5: 108)

[5] الكلاء مهموز: العشب رطبا كان أو يابسا، قاله ابن فارس و غيره و الجمع: (أكلاء) مثل سبب و أسباب، و موضع كالى و مكلئ: فيه الكلأ. (المصباح المنير، للفيومي كلا ص 540)

[6] و في قوله (عليه السّلام): (لا يمنع فضل ماء ليمنع به فضل كلأ) وجوه من المعاني نذكر أهمّها.

الأوّل: ان الذي يمنع المواشي من فضل ماء البئر يكون قد منع من النباتات القريبة منه.

55

و قال [1]: لا ضرر و لا ضرار [2] [3].

____________

الثاني: ان الذي يمنع فضل الماء سيقابل بمنع فضل الكلاء.

الثالث: ان الذي يمنع فضل الماء سيكون سببا في منع فضل الكلاء و ذلك لأن أهل البادية يحتاجون إلى الماء لزرعهم و كلئهم، فالمانع لهم من فضل الماء سيكون مانع لهم من فضل الكلاء.

و هذه المعاني الثلاثة و ان كانت في نفسها قابلة للانطباق إلّا ان المعنى الأول أوجه و قد ذكره الشهيد الثاني في المسالك (2: 237، س 3 قبل الأخير، ط الحجرية) كما ذكره ابن الأثير في النهاية (كلا 4: 194).

[1] قال شيخ الشريعة الأصفهاني: و ليعلم أنّ ما في بعض النسخ من عطف قوله: (فقال: لا ضرر و لا ضرار) بالفاء تصحيف قطعا، و النسخ الصحيحة المعتمدة من الكافي متفقة على الواو، فليكن على ذكر. (قاعدة لا ضرر ص 16)

[2] و قد جزم شيخ الشريعة بأن هذه الرواية لم تكن مذيلة بهذا الذيل حال صدورها من الرسول (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) و انما جمع بينهما الراوون لها. (قاعدة لا ضرر ص 19)

[3] و قد ذهب العلامة المجلسي إلى ان حديث منع فضل الماء حمل في المشهور على الكراهة إلّا أنّه لم يستبعد القول بأنّ للمسلمين حقّا للشرب و الوضوء و الغسل و الاستعمالات الضرورية كما يظهر من هذا الحديث و من غيره. (مرآة العقول 19: 398)

56

المورد الرابع: حديث الجدار

7 [1] روى المحدث النوري عن دعائم الإسلام [2] للقاضي النعمان، قال: روينا عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) إنه سئل عن جدار الرّجل و هو ستره بينه و بين جاره سقط فامتنع من بنيانه، قال: ليس يجبر على ذلك [3]، إلّا أن يكون وجب ذلك لصاحب الدار الأخرى بحقّ، أو بشرط في أصل الملك، و لكن يقال لصاحب المنزل: استر على نفسك في حقك إن شئت، قيل له: فإن كان الجدار لم يسقط، و لكنّه هدمه أو أراد هدمه إضرارا بجاره، لغير حاجة منه إلى هدمه؟ قال:

____________

[1] 7- مستدرك الوسائل 17: 118 20927، دعائم الإسلام 2: 504 1805 و هناك حديث آخر مشابه مرويّ في الدعائم أيضا، إلّا أنه ليس فيه جملة (لا ضرر و لا ضرار) و لذلك أوردناه في القسم الثاني.

[2] و يرى شيخ الشريعة: أنّ هذا الكتاب متين، جليل، قد استفاد منه في غير موضع فوائد لا توجد في غيره، و تنبّه ببركته على تصحيفات وقعت في الكافي و غيره أورثت عقدا لا تحل إلّا به، و ذهب إلى أنّ الثابت عنده كون مؤلّفه من الإماميّة الاثني عشرية. (إفاضة القدير في أحكام العصير لشيخ الشريعة ص 30) و أهمّ ما يلاحظ على هذا الكتاب إرسال جميع ما ورد فيه من الأحاديث و مع ذلك فهو يعدّ من أمهات المصادر الحديثية، و قد أكثر الفقهاء من النقل عنه سواء في كتبهم الروائيّة أو الاستدلالية.

[3] لعدم وجوب حفظ مال الغير و عرضه و نفسه مطلقا، بل اللازم عدم تفويت تلك الأمور، نعم في خصوص الهلاك يجب حفظ نفس الغير عنه.

57

لا يترك، و ذلك أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) قال: لا ضرر و لا ضرار، و إن هدمه كلّف أن يبنيه [1].

____________

[1] لا يقال: إنّ المالك بمقتضى سلطنته على ماله أقدم على الهدم، و هذا النوع من التصرّف جائز و إن عدّ إتلاف لحق الغير لأنّ الإتلاف حرام لو استلزم التصرّف في مال الغير، و هنا لم يتحقق عنوان التصرف بمال الغير.

لأنا نقول: لا إشكال في ثبوت سلطنته على ماله، إلّا أنّه يمنع من إجرائها لو قصد منه الإضرار بالغير، كما هو مورد ذيل الخبر، لذا منع من الهدم، و أجبر على البناء.

58

المورد الخامس: حديث الجمل‏

8 (1) روى المحدث النوري عن الصدوق في المقنع: رويت أنّه جاء رجل إلى عمر بن الخطاب و معه رجل فقال: إنّ بقرة هذا شقّت بطن جملي فقال عمر: قضى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) فيما قتل البهائم: إنّه جبار [1]، و الجبار [2] الذي لا دية له و لا قود [3]، فقال أمير المؤمنين (عليه السّلام): قضى النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) لا ضرر و لا ضرار، إن كان صاحب البقرة ربطها على طريق الجمل فهو له ضامن، فنظروا فإذا تلك البقرة جاء بها صاحبها من السواد و ربطها على طريق الجمل، فأخذ عمر برأيه و أغرم صاحب البقرة ثمن الجمل.

____________

[1] و قد روي عن الرسول انه قال: (العجماء جبار) معاني الأخبار للشيخ الصدوق: 303 1، و قد رواه البخاري في صحيحة 6: 2533 6514. ط. بيروت دار القلم.

[2] قال الفيومي: جرح العجماء جبار بالضم أي: هدر، قال الأزهري: معناه: أنّ البهيمة العجماء تنفلت فتتلف شيئا فهو هدر (المصباح المنير جبرت ص 89).

[3] القود بفتحتين: القصاص، و أقاد الأمير القاتل بالقتيل: قتله به (المصباح المنير قاد 519).

____________

(1) المستدرك 18: 321 22844.

59

المورد السادس: أحاديث ورودها مستقلة

9 (1) روى الحرّ العاملي عن الكليني بسنده عن عقبة بن خالد مرة، و عن زرارة مرة أخرى، عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) في حديث قال: لا ضرر و لا ضرار [1].

____________

[1] روى صاحب الوسائل هذا الحديث بطريقين مستقلا في غير مورد أو قضية لكن الظاهر: اقتطاع رواية عقبة من حديث منع فضل الماء، و اقتطاع رواية زرارة من حديث قضيّة سمرة، و يؤكد ذلك اتحاد سندي رواية عقبة و حديث منع الفضل، و سندي رواية زرارة و حديث قضية سمرة، مضافا إلى عدم ورود هذه الجملة مستقلة في الكافي مع أنّ صاحب الوسائل رواها عنه.

و قد وردت جملة (لا ضرر و لا ضرار) مستقلة في روايات العامة.

منها: ما رواه أحمد بن حنبل عن عبّادة بن الصامت في ضمن أقضية كثيرة قال: (و قضى أن لا ضرر و لا ضرار) مسند أحمد بن حنبل 5: 236.

و منها: ما رواه مالك بن أنس، عن عمرو بن يحيى المازني، عن أبيه أنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) قال:

(لا ضرر و لا ضرار) موطإ مالك باب القضاء الحديث 36 ص 638.

و قد ذكر الزيلعي في نصب الراية 4: 384: أنّ قول رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): (لا ضرر و لا ضرار) مروي من ثمان طرق:

1 طريق عبادة بن الصامت، و قد رواه عنه ابن ماجة في سننه في الأحكام (سنن ابن ماجة 2: 784 2340).

2 طريق ابن عباس، و قد رواه عنه ابن ماجة في سننه أيضا (المصدر السابق).

3 طريق أبي سعيد الخدري، و قد رواه عنه الحاكم النيسابوري، و قال: هذا حديث صحيح‏

____________

(1) الوسائل 18: 32 23073، 23074. ج 25: 429 32283.

60

10 (1) روى المحدث النوري في المستدرك عن دعائم الإسلام قال: روينا عن أبي عبد اللّه عن أبيه، عن آبائه، عن أمير المؤمنين (عليه السّلام): أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) قال:

لا ضرر و لا ضرار.

11 (2) روى الشيخ الصدوق قال: قال النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): (لا ضرر و لا إضرار في الإسلام) فالإسلام يزيد المسلم خيرا و لا يزيده شرا.

____________

الإسناد على شرط مسلم. (المستدرك 2: 57، البيوع) 4 طريق أبي هريرة، و قد رواه عنه الدارقطني في سننه، في باب الأقضية ج 3 ص 77.

5 طريق أبي لبابة، و قد رواه عنه ابن داود في المراسيل، 294 407.

6 طريق ثعلبة بن مالك، و قد رواه عنه الطبراني في معجمة الكبير: 2: 80 1387.

7 طريق جابر بن عبد اللّه، و قد رواه عنه الطبراني أيضا مع زيادة: (في الإسلام).

8 طريق عائشة، و قد رواه عنها الدارقطني، في الأقضية: 3: 77.

كما أنّ هذا الحديث ورد في موطإ مالك 2: 745 31، و تهذيب تاريخ دمشق 6: 325، و كنز العمال 3: 919 9167. و السيوطي في الجامع الكبير 1: 913، و في الجامع الصغير 2:

585، و تلخيص المستدرك للذهبي 2: 57، و في كشف الخفاء 2: 491 3075، و في حلية الأولياء 9: 76، و في تميز الخبيث من الطيب: 214 1626، و في المقاصد الحسنة: 462 1310، و في بذل المجهود 15 321 322. و غير ذلك من مصادر العامة التي ذكرت هذا الحديث الشريف.

____________

(1) مستدرك الوسائل 17: 118 20928، دعائم الإسلام 2: 499 1781.

(2) الفقيه 4: 297 777، الوسائل 26: 14 32382.

61

القسم الثاني من أحاديث قاعدة نفي الضرر و يحتوي على روايات يستفاد من بعضها عدم مشروعية الضرر، و يستفاد من بعضها الآخر أحكام معللة بالضرر و عدمه.

62

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}