قاعدتان فقهيتان / تقريرات

- الشيخ حسن محمد مكي العاملي المزيد...
248 /
3

[الرسالة الاولى «قاعدة لا ضرر»]

قد استجزنا شيخنا الاستاذ المعظم فى نشر هاتين الرسالتين و تعميم نفعهما فأجاز- (دام ظله)- بما هذا صورته‏

[استجازة المؤلف و اجازه الأستاذ]

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم‏

الحمد لوليه، و الصلاة و السلام على نبيه، و على الاصفياء من عترته.

أما بعد: فقد ساعدني التوفيق، و اسعفني الحظ، بمطالعة ما كتبه العلامة الشريف المفضال: الشيخ حسن مكى العاملى دامت افاضاته، (حفيد السعيد امام الفقه الشهيد الأول (قدس سره)) من بحوثنا حول القاعدتين الفقهيتين: «اللاضرر» و «الرضاع»، فوقفت على مدى مثابرته على المتاعب، و استسهاله المشاق في تنسيق رسالتيه، و على ما تمتع به من ذكاء متوقد، و نباهة علمية، و قد صاغ ما ألقيناه على الفضلاء، في الحوزة العلمية، في قوالب رصينة، مشفوعة بحسن الاسلوب و متانة التعبير.

فالمؤلف- زيد عزه- جدير بالذكر و الاطراء، كما أن كتابه قمين بالتقدير و الثناء، فاني ابارك له هذا العمل.

نسأله تعالى أن يجزيه الجزاء الأوفى، و يورده من معين المثوبة مورده الأصفى و يجعله أسوة و قدوة لا ترابه و قرنائه، انه قريب مجيب.

مؤسسة الامام الصادق (عليه السلام) جعفر السبحانى‏

قم- ساحة الشهداء صبيحة يوم الجمعة 18/ شوال المعظم/ 1408 ه

4

[مقدمة المؤلف‏]

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم‏

الحمد للّه بارئ النسمة، و له الشكر واهب النعمة، و على رسوله الامين و آله البررة، أفضل الصلاة و التسليم و التحية.

و بعد، لما انتهى استاذنا العلامة، المحقق المدقق، الشيخ جعفر السبحاني التبريزي (دام ظله)، من مباحث البراءة و الاشتغال و التخيير، و فرغ من بيان شرائط جريان تلك الاصول، تطرق الى تحقيق الحال في قاعدة «لا ضرر و لا ضرار» لجهات عديدة، منها مناسبتها للمقام حيث اشترطوا في جملة ما اشترطوه لجريان البراءة ان لا يستلزم اجراؤها ضررا على أحد لعموم قوله (صلى اللّه عليه و آله):

«لا ضرر و لا ضرار»، و تبعا للمشايخ العظام، و جريا على نسق كفاية الاصول للمحقق الشيخ محمد كاظم الخراساني (قدس سره) حيث كانت متن البحوث و المحاضرات.

و حيث اشتملت هذه القاعدة على تحقيق فريد، و تبويب نضيد، مع ما لها من خطير الآثار في مجرى الحكومة و الولاية، افردتها بالكتابة ليعم بها النفع. و اللّه جل و علا هو المسئول ان يتقبل ما في هذه الوريقات، و يجعلها ذخرا ليوم الملاقاة و سترا من الآفات، و اماما قائدا الى الجنات، بحق محمد و آله عليهم أفضل الصلوات.

أبو جعفر حسن بن محمد مكى العاملى‏

ربيع الاول 1408 ه ق‏

قم المشرفة

5

قال بعد البسملة و التحميد:

الضرر و الضرار فى الكتاب العزيز:

الضرر و الضرار من فروع الظلم و التعدي على النفوس و الحقوق و الأموال، و على ذلك فهما محكومان بالقبح عقلا و بالحرمة شرعا حسب ما ورد في الكتاب و السنة.

[تفسير الآيات الخمس‏]

و اليك ما ورد في الكتاب في هذا المجال:

1- قوله سبحانه و تعالى: «وَ إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَ لا تُمْسِكُوهُنَّ ضِراراً لِتَعْتَدُوا وَ مَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ وَ لا تَتَّخِذُوا آياتِ اللَّهِ هُزُواً وَ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَ ما أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتابِ وَ الْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ وَ اتَّقُوا اللَّهَ وَ اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْ‏ءٍ عَلِيمٌ» (البقرة/ 231).

كان الرجل يطلق امرأته و يتركها، و عند ما يقرب انقضاء عدتها، يراجعها لا عن حاجة و رغبة و لكن ليطول العدة عليها، فعد سبحانه هذا النوع من الإمساك «ضرارا». فالواجب على الزوج احد أمرين: الإمساك بالمعروف بالقيام بوظائف الزوجية. أو التسريح و التخلي عنها حتى تنقضي عدتها و تبين من غير ضرار.

و «الضرار» في الآية من مقولة فعل الواحد لا الاثنين و لا المجازاة، فاحتفظ بهذه النكتة مع ما سنذكره في تفسير الآيات الآتية لانها كقرائن منفصلة تثبت ما هو

6

المقصود من الحديث.

2- قوله سبحانه: «وَ الْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ لِمَنْ أَرادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ وَ عَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَ كِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَها لا تُضَارَّ والِدَةٌ بِوَلَدِها وَ لا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَ عَلَى الْوارِثِ مِثْلُ ذلِكَ فَإِنْ أَرادا فِصالًا عَنْ تَراضٍ مِنْهُما وَ تَشاوُرٍ فَلا جُناحَ عَلَيْهِما وَ إِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلادَكُمْ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِذا سَلَّمْتُمْ ما آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَ اتَّقُوا اللَّهَ وَ اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ» (البقرة/ 233).

و الآية تتكفل ببيان عدة أحكام:

أ- مدة ارضاع الامهات للاولاد.

ب- أن رزق الامهات المرضعات و كسوتهن، على المولود له- و هو الوالد- على النحو المعروف.

ج- أن لا يكلف أحدهما الآخر بما ليس في وسعه.

د- ان لا تضار «والِدَةٌ بِوَلَدِها وَ لا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ». و في تفسيره وجهان:

الاول: ان يكون الفعل «لا تضار» بصيغة المجهول فيكون كل من الوالدة و المولود له هو المتضرر و حذف الفاعل أي الضار لكونه معلوما من سياق الكلام و تكون الباء في «بولدها» و في «بولده» للسببية. و المعنى يحرم ان يتضرر و يقع كل من الوالدة و المولود له موردا للضرر بسبب ولدهما، فلا تضار الوالدة بأخذ ولدها عنها و دفعه الى الضرة بعد انسها به غيظا عليها. كما لا يضار الوالد بترك ارضاع ولده. ففي الصورة الاولى الأمّ هي المتضررة و الاب هو الضار، و في الصورة الثانية الأمر بالعكس. و على كل تقدير فالولد سبب الضرر و آلته و ليس موردا له.

الثانى: ان يكون الفعل «لا تضار» بصيغة المعلوم و على هذا يكون كل من الوالدة و المولود له هو الضار، و المتضرر هو الولد المذكور بعدهما، و الباء زائدة

7

و المعنى لا تضارر الوالدة ولدها و لا يضارر المولود له ولده، و اضرار الأمّ بترك الارضاع، و اضرار الاب باخذه منها و دفعه الى الضرة. و الفرق بين الوجهين واضح ففي الأول كل من الوالدة و المولود له هو المتضرر و الطرف المقابل هو الضار و الولد سبب الضرر و في الثاني كل منهما هو الضار، و المتضرر على كل تقدير هو الولد.

ه- يجب على الوارث ما كان يجب على المولود له من الرزق و الكسوة.

و- جواز فصل الرضيع عن الرضاع قبل الحولين عن تراض و تشاور من الوالدين، و قد شرط رضا الوالدة لانها تعلم من تربية الرضيع ما لا يعلمه الوالد.

ز- يجوز للآباء طلب مراضع غير امهات ابنائهم، اما لآباء الامهات عن الرضاع أو لاغراض عقلائية.

و على كل تقدير فمتعلق التحريم هو فعل الواحد أي اضرار كل مستقلا و ان لم يكن الآخر ضارا، و ليس متعلقه فعل الاثنين. و مع ذلك فلعل الاتيان ب «تضار» بصيغة المفاعلة مكان «تضر»، مع ان الانسب هو الثاني- لما عرفت من كون متعلق التحريم اضرار كل مستقلا و ان لم يكن الآخر ضارا- من جهة مظنة كون كل منهما بصدد الاضرار بالآخر.

3- قوله سبحانه: «وَ أَشْهِدُوا إِذا تَبايَعْتُمْ وَ لا يُضَارَّ كاتِبٌ وَ لا شَهِيدٌ» (البقرة/ 282).

فلو قرئ «لا يضار» بصيغة المعلوم بكسر الراء- و ان تبدلت الى الفتح بعد الادغام- كان النهي متوجها الى الكاتب و الشاهد، كأن يكتب الكاتب ما لم يمل عليه، و يشهد الشاهد بما لم يشهده أو يمتنع عن اقامة الشهادة.

و اما اذا قرئ بصيغة المجهول فيكون المراد عدم الاضرار بالكاتب و الشاهد، كأن يدعى الكاتب الى الكتابة أو الشاهد الى الشهادة في ظرف عدم تفرغهما لذلك‏

8

و الذيل يناسب المعنى الأول كما لا يخفى. و قد اريد من صيغة المفاعلة، الفعل من جانب واحد.

4- قوله سبحانه: «مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصى‏ بِها أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ» (النساء/ 12).

منع سبحانه من الضرار في الوصية بمعنى انه ليس للانسان ان يوصي وصية تضر بالورثة كما اذا أوصى بكل ماله، أو بأكثر من ثلثه، أو أقر بدين للأضرار بهم مع أنه غير مديون. فقد اريد من صيغة المفاعلة، الفعل جانب من واحد.

5- قوله سبحانه: «أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ وَ لا تُضآرُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ وَ إِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ» (الطلاق/ 6).

و المقصود هو المنع عن الضرار بالمطلقة في أيام عدتها بالتضييق في المسكن و المأكل.

فهذه الآيات تثبت قاعدة كلية و هي حرمة الضرر و الضرار، أي حرمة ان يضر مكلف بفرد آخر، فالضار هو المكلف و المتضرر انسان آخر فليكن هذا على ذكر منك فانه سينفعك في تفسير القاعدة.

9

الضرر و الضرار فى السنة

الروايات الحاكية عن تحريم الضرر و الضرار على اقسام كثيرة نأتي بما وقفنا عليه منها في كتب الفريقين.

القسم الاول: [الاخبار التي تنقل القاعدة في قضية سمرة]

ما يعتمد في بيان الحكم على نقل قضية سمرة و يعلل الامر بالقلع ب «انه رجل مضار»، و انه «لا ضرر و لا ضرار» و اليك صور الحديث.

1- موثقة زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «ان سمرة بن جندب كان له عذق في حائط لرجل من الأنصار، و كان منزل الانصاري بباب البستان، فكان يمر به الى نخلته و لا يستأذن، فكلمه الانصاري ان يستأذن اذا جاء، فأبى سمرة، فلما تأبى جاء الانصاري الى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) فشكا اليه و خبره الخبر فارسل اليه رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) و خبره بقول الأنصاري و ما شكا، و قال:

اذا أردت الدخول فاستأذن، فأبى، فلما أبي ساومه حتى بلغ به من الثمن ما شاء اللّه، فأبى ان يبيع، فقال: لك بها عذق يمد لك في الجنة، فابى ان يقبل، فقال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) للانصاري: اذهب فاقلعها و ارم بها اليه فانه لا ضرر و لا ضرار (1).

____________

(1) رواه المشايخ الثلاثة. الوسائل، الجزء 17، الباب 12، من كتاب احياء الموات-

10

2- روى الكليني عن علي بن محمد بن بندار عن أحمد بن أبي عبد اللّه عن أبيه عن بعض اصحابنا عن عبد اللّه بن مسكان عن زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) نحوه إلّا انه قال: «فقال له رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) انك رجل مضار و لا ضرار و لا ضرار على مؤمن قال: ثم أمر بها فقلعت و رمى بها اليه. فقال له رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله): انطلق فاغرسها حيث شئت» (1).

و علي بن بندار لم يوثق في الكتب الاصولية الرجالية: كما ان في السند ارسال. و الرواية مشتملة على بعض ما لا يوجد في الرواية المتقدمة مثل:

أ- انك رجل مضار.

ب- لا ضرر و لا ضرار على مؤمن.

3- ما رواه الصدوق عن الحسن الصيقل عن أبي عبيدة الحذاء قال: قال أبو جعفر (عليه السلام): «... ثم قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله): يسرك ان يكون لك عذق في الجنة بنخلتك؟ قال: لا. قال: لك ثلاثة. قال: لا قال ما أراك يا سمرة الا مضارا، اذهب يا فلان فاقطعها [فاقلعها] و اضرب بها وجهه» (2).

و الظاهر ان أبا جعفر (عليه السلام) حدث بهذا و سمعه زرارة و أبو عبيدة الحذاء فنقلاه بالزيادة و النقصان.

4- ما نقله أبو داود سليمان بن الأشعث السجستاني المتوفى عام 275 في سننه: عن واصل مولى أبي عيينة قال: سمعت أبا جعفر محمد بن علي يحدث عن‏

____________

- الحديث 3. و الرواية موثقة لاجل ابن بكير.

(1) الوسائل، الجزء 17، الباب 12، من كتاب احياء الموات، الحديث 4.

(2) الوسائل الجزء 17، الباب 12، من كتاب احياء الموات، الحديث 1. و فى سند الصدوق الى الحسن، على بن الحسين السعدآبادي و هو غير مصرح به بالتوثيق.

11

سمرة بن جندب أنه كانت له عضد (1) من نخل في حائط رجل من الانصار قال:

و مع اهله قال: فكان سمرة يدخل الى نخله فيتأذى به و يشق عليه، فطلب اليه ان يبيعه، فأبى و طلب اليه أن يناقله، فأبى فأتى النبي (صلى اللّه عليه و آله) فذكر [ذلك‏] له، فطلب اليه النبي (صلى اللّه عليه و آله) ان يبيعه، فابى فطلب اليه ان يناقله فأبى قال «فهبه له و لك كذا و كذا» امرا رغبة فيه، فابى، فقال: «انت مضار».

فقال رسول اللّه عليه و آله للانصاري «اذهب فاقلع نخله» (2).

و لعل المضمون مستفيض و ان كانت الخصوصيات غير مستفيضة.

القسم الثانى: [الاخبار المشتملة على القاعدة مجردة عن قضية سمرة]

ما يشتمل على لفظ «لا ضرر و لا ضرار» مجردا عن قضية سمرة و من دون اشارة الى مورد صدوره من النبي (صلى اللّه عليه و آله) و اليك بيانه.

5- روى الكليني بسنده عن عقبة بن خالد عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) فى حديث قال: «لا ضرر و لا ضرار» (3).

6- روى الكليني عن عقبة بن خالد عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: قضى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) بين أهل المدينة في مشارب النخل انه لا يمنع نفع الشي‏ء، و قضى بين أهل البادية أنه لا يمنع فضل ماء ليمنع كلاء، فقال: «لا ضرر و لا ضرار» (4).

و ما نقله صاحب الوسائل في البابين حديث واحد تطرق اليه التعدد بسبب التقطيع، و السند أيضا واحد رواه الكليني مجتمعا في الكافي‏ (5). و يحتمل ان يكون‏

____________

(1) الصواب «عضيد». قال ابن فارس فى المقاييس: العضيد، النخلة تتناول ثمرها بيدك. و يمكن ان يسمى بذلك لاجل ان العضد تطاولها فتناولها.

(2) سنن ابى داود ج 3 ص 315 فى ابواب من القضاء.

(3) الوسائل، الجزء 17، الباب 12، من كتاب احياء الموات، الحديث 5.

(4) الوسائل، الجزء 17، كتاب احياء الموات، الباب 7، الحديث 2.

(5) الكافى، الجزء 5، كتاب المعيشة، باب الضرار، الحديث 6.

12

«نفع الشي‏ء» مصحف «نقع الشي‏ء» و المراد فاضل الماء، و نقع البئر: فاضل مائها. و الموجود في الكافي المطبوع اخيرا «و قال» لا ضرر و لا ضرار، و في الوسائل كما عرفت «فقال»، و في الباب الثاني عشر من أبواب الاحياء «قال» بلا عاطف‏ (1).

فلو كان مع الفاء، يكون علة للحكم السابق اعنى «لا يمنع فضل ماء ...» و دالا على صدور هذه القاعدة عن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) في غير مورد سمرة أيضا.

و لو كان مع الواو، أو بدون العاطف، يكون قضاء مستقلا غير مرتبط بما تقدمه و لكن الراوي أي عقبة بن خالد- ضمه الى سائر الاقضية. و قد حكى شيخ الشريعة انه رأى في نسخة مصححة من الكافي انه مع «الواو» لامع «الفاء»، و لكن الظاهر خلافه كما سيوافيك.

7- روى الكليني عن عقبة بن خالد عن أبي عبد اللّه قال: قضى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) بالشفعة بين الشركاء في الارضين و المساكن و قال: «لا ضرر و لا ضرار» و قال: اذا أرفت الارف و حدت الحدود فلا شفعة (2).

و الظاهر اتحاده مع الحديث السادس و قد حصل التعدد من تقطيع الكليني حيث نقل قسما منه في باب الشفعة و قسما آخر في باب الضرار، و السند في الجميع واحد. و قد وقع قوله «لا ضرر و لا ضرار» هنا تعليلا للحكم بالشفعة اذا لم ترف الارف، و بعدمها اذا حدت الحدود و ليس قضاء مستقلا اذ لا يصح ادخال قضاء مستقل في اثناء قضاء واحد. و بذلك يقوى كون الصحيح في الحديث السادس هو «الفاء» ليكون تعليلا للحكم بعدم المنع، و يترتب على ذلك عدم ورود قوله‏

____________

(1) فالكافى نقله مع «الواو». و الوسائل تارة مع «الفاء» و اخرى بلا عاطف اصلا و السند و المتن فى البابين 7 و 12 من الوسائل واحد.

(2) الوسائل، الجزء 17، كتاب الشفعة، الباب 5، الحديث 1. و الكافى الجزء 5، كتاب المعيشة، باب الشفعة، الحديث 4،

13

«لا ضرر» مستقلا و انما ورد اما مقترنا بقضية سمرة، او مسألة نقع الماء ليمنع فضل الكلاء، او مسألة الشفعة.

8- ما أرسله الصدوق عند الاستدلال على ان المسلم يرث الكافر فقال:

(العبارة له) فاما المسلم فلأى جرم و عقوبة يحرم الميراث؟ و كيف صار الاسلام يزيده شرا؟

- مع قول النبي (صلى اللّه عليه و آله): «الاسلام يزيد و لا ينقص».

- مع قوله (عليه السلام): «لا ضرر و لا ضرار في الاسلام»، فالاسلام يزيد المسلم خيرا و لا يزيده شرا.

- و مع قوله (عليه السلام)، «الاسلام يعلو و لا يعلى عليه» (1).

و لا شك ان الجمع بين الأحاديث الثلاثة من فعل الصدوق، كما ان قوله «فالاسلام يزيد المسلم خيرا و لا يزيده شرا» من كلامه، ذكره مقدمة للاستدلال به على ان المسلم يرث الكافر. و يدل على ذلك ما روي عن معاذ انه احتج على ان المسلم يرث اليهودي بقوله: سمعت رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) يقول: «الاسلام يزيد و لا ينقص». و رواه في الوسائل في نفس الباب، الحديث الثامن.

و على كل تقدير، فالقاعدة حسب هذا النقل مذيلة بلفظة «في الاسلام».

9- ما رواه القاضي النعمان بن محمد التميمي المغربي في دعائم الاسلام قال: روينا عن أبي جعفر محمد عن أبيه عن آبائه عن علي (عليه السلام) ان رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) قال لا ضرر و لا اضرار (2).

____________

(1) الفقيه الجزء 4، كتاب الميراث، باب ميراث أهل الملل، الحديث 1 و 3:

و رواه فى الوسائل الجزء 17، كتاب الفرائض و المواريث، الباب الاول من الموانع، الحديث 9 و 11.

(2) دعائم الاسلام ج 2، ص 499، كتاب القسمة و البنيان، الحديث (1781) و فى-

14

10- ما رواه عن جعفر بن محمد انه قيل له: فان كان الجدار لم يسقط و لكن هدمه أو اراد هدمه اضرارا بجاره لغير حاجة منه الى هدمه، قال: لا يترك، و ذلك ان رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) قال: «لا ضرر و لا ضرار»، فان هدمه، كلف ان يبنيه‏ (1).

و روى المحدث النوري كلا الحديثين في مستدركه‏ (2).

و على كل تقدير فلعل الامام (عليه السلام) استند الى ما ورد في قضية سمرة، باعتبار انها قاعدة كلية.

11- ما رواه مالك بن انس المتوفي عام 179 في موطئه عن عمرو بن يحيى المازني عن أبيه ان رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) قال: «لا ضرر و لا ضرار» (3).

12- ما رواه أحمد في مسنده في ضمن اقضية النبي (صلى اللّه عليه و آله) عن عبادة بن الصامت قال: ان من قضاء رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) ان المعدن جبار، و البئر جبار، و العجماء جرحها جبار- و العجماء البهيمة من الأنعام و الجبار هو الهدر الذي لا يغرم- و قضى في الركاز الخمس، و قضى أن تمر النخل لمن أبرها إلّا أن يشترط المبتاع و قضى ان مال المملوك لمن باعه إلّا ان يشترط المبتاع ... الى ان قال ...

و قضى ان «لا ضرر و لا ضرار»، و قضى ان ليس لعرق ظالم حق، و قضى بين أهل المدينة في النخل لا يمنع نفع بئر، و قضى بين أهل المدينة انه لا يمنع فضل ماء ليمنع فصل الكلاء الخ ... (4).

____________

- الهامش رمز الى النسخة الأصلية ب (س) و فيها «لا ضرر و لا ضرار».

(1) دعائم الاسلام ج 2، ص 504، الحديث (1805).

(2) المستدرك، ج 3، ص 150.

(3) الموطأ، كتاب القضاء، باب القضاء فى المرفق، الحديث 36، ص 638.

(4) مسند الامام أحمد بن حنبل، ج 5، ص 336- 327.

15

و قد جمع عبادة بن الصامت في هذا الحديث من اقضية النبي (صلى اللّه عليه و آله) ما يتجاوز العشرين قضاء.

13- ما رواه ابن ماجة في سننه عن عبادة بن الصامت ان رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) قضى ان «لا ضرر و لا ضرار» (1).

14- ما رواه هو أيضا عن ابن عباس قال: قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) «لا ضرر و لا ضرار» (2).

هذا ما وقفنا عليه من هذا القسم و لعل هناك ما لم نقف عليه.

القسم الثالث: ما يشتمل على لفظة «الضرار» فقط.

15- روى الشيخ عن هارون بن حمزة الغنوي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في رجل شهد بعيرا مريضا و هو يباع فاشتراه رجل بعشرة دراهم، و اشرك فيه رجلا بدرهمين بالرأس و الجلد، و قضى ان البعير بري‏ء، فبلغ ثمنه [ثمانية خ ل‏] دنانير قال: فقال لصاحب الدرهمين خمس ما بلغ، فان قال: اريد الرأس و الجلد فليس له ذلك، هذا الضرار، و قد أعطي حقه اذا أعطي الخمس‏ (3).

المراد ان البعير علت قيمته بسبب برئه، فلو نحر يتضرر المشتري. و لاجل ذلك ليس للشريك الاصرار على النحر ليأخذ الرأس و الجلد، بل يباع و يكون للشريك الخمس. و الحديث يعطي قاعدة في مورد الشركة و انه ليس للطرف الآخر الاصرار على اعمال الحق اذا استلزم الاضرار بالغير، بل يجب ان يكون النيل به على وجه غير مضر بالآخر.

____________

(1) سنن ابن ماجة، ج 2 ص 57، باب من بنى فى حقه ما يضر بجاره. و سنن ابى داود، ج 3، ص 315، فى أبواب من القضاء.

(2) سنن ابن ماجة ج 2، ص 57، باب من بنى فى حقه ما يضر بجاره. و سنن أبى داود ج 3، ص 315، فى ابواب من القضاء.

(3) الوسائل، ج 13، ب 22، من أبواب بيع الحيوان، الحديث 1.

16

القسم الرابع: ما يدل على تحريم الاضرار بالغير.

1- روى في مجمع البيان في تفسير قوله تعالى‏ «مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصى‏ بِها أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ» قال: «و جاء في الحديث: ان الضرار في الوصية من الكبائر» (1).

17- روى الصدوق عن الحسن بن زياد عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال:

«لا ينبغي للرجل ان يطلق امرأته ثم يراجعها و ليس له فيها حاجة ثم يطلقها، فهذا الضرار الذي نهى اللّه عزّ و جل عنه إلّا ان يطلق ثم يراجع و هو ينوي الإمساك» (2).

18- ما رواه الكليني مرسلا عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «سألته عن قوم لهم عيون في ارض قريبة بعضها من بعض فأراد رجل ان يجعل عينه اسفل من موضعها الذي كانت عليه. و بعض العيون اذا فعل بها ذلك اضر بالبقية من العيون و بعضها لا يضر من شدة الارض. قال: فقال: ما كان في مكان شديد فلا يضر، و ما كان في ارض رخوة بطحاء فانه يضر و ان عرض رجل على جاره ان يضع عينه كما وضعها و هو على مقدار واحد قال: ان تراضيا فلا يضر. و قال: يكون بين العينين الف ذراع‏ (3).

و الحديث بصدد اعطاء ضابطة كلية و هي ان الاضرار بالغير، غير جائز، و ان المقياس في التصرف في العيون عدم الاضرار بالغير. و ما ذكره من كونه الف ذراع في الاراضي الرخوة، و خمسمائة ذراع في الصلبة محمول على الغالب، و يؤيد ذلك الاحاديث الآتية:

19- روى الصدوق عن أبي بصير عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «سمعت يقول: المطلقة الحبلى ينفق عليها حتى تضع حملها و هي احق بولدها أن ترضعه بما

____________

(1) مجمع البيان، ج 2، ص 18.

(2) الوسائل، ج 15، 34، من ابواب اقسام الطلاق، الحديث 1.

(3) الوسائل ج 17، الباب 13، من ابواب احياء الموات، الحديث 1.

17

تقبله امرأة اخرى. يقول اللّه عزّ و جل: «لا تُضَارَّ والِدَةٌ بِوَلَدِها وَ لا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَ عَلَى الْوارِثِ مِثْلُ ذلِكَ‏، لا يضار بالصبي، و لا يضار بامه في ارضاعه، و ليس لها ان تأخذ في رضاعه فوق حولين كاملين. فاذا اراد الفصال عن تراض منهما كان حسنا و الفصال هو الفطام» (1).

20- روى الكليني عن محمد بن الحسن [الحسين خ ل‏] قال كتبت الى أبي محمد (عليه السلام): «رجل كانت له قناة في قرية فاراد رجل ان يحفر قناة اخرى الى قرية له، كم يكون بينهما في البعد حتى لا تضر احداهما بالاخرى في الارض اذا كانت صلبة او رخوة؟ فوقع (عليه السلام): على حسب ان لا تضر احداهما بالاخرى ان شاء اللّه» (2).

21- روى الكليني عن محمد بن الحسين قال: «كتبت الى أبي محمد (عليه السلام): رجل كانت له رحى على نهر قرية و القرية لرجل، فاراد صاحب القرية ان يسوق الى قريته الماء في غير هذا النهر و يعطل هذه الرحى أ له ذلك ام لا؟ فوقع (عليه السلام): يتقي اللّه و بعمل في ذلك بالمعروف و لا يضر اخاه المؤمن» (3).

22- روى الكليني عن عقبة بن خالد عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): «في رجل اتى جبلا فشق فيه قناة جرى ماؤها سنة ثم ان رجلا اتى ذلك الجبل فشق فيه قناة اخرى، فذهبت بماء قناة الاول قال: فقال: يتقاسمان [يتقايسان‏] بحقائب البئر ليلة ليلة فينظر ايتها اضرت بصاحبتها فان رأيت الأخيرة اضرت بالاولى فلتعور» (4).

و ذكر المعلق على الوسائل ان الصحيح «بعقائب البئر» و العقيب كل شي‏ء

____________

(1) الوسائل ج 15، الباب 7، من ابواب احكام الاولاد، الحديث 7.

(2) الوسائل ج 17، الباب 14، من ابواب احياء الموات، الحديث 1.

(3) الوسائل، ج 17 الباب 15، من كتاب احياء الموات، الحديث 1.

(4) الوسائل، ج 17، الباب 16، من كتاب احياء الموات، الحديث 1.

18

اعقب شيئا و المراد هنا النوبة بان يمسك كل واحد منهما عن اجراء الماء، ليلة هذا و ليلة ذاك، فان اوجب سد مجرى احداهما كثرة ماء الاخرى تبين اضرارها بها.

و لو كانت النسخة «الحقائب» فالمراد منها الظروف، قال الشاعر (1):

أكارم يروي الغيث و الليث عنهم‏ اذا وهبوا مل‏ء الحقائب او هبوا

و فسره في المجمع ب «اعجاز البئر».

23- روى الكليني عن طلحة بن زيد عن أبي عبد اللّه عن أبيه (عليهما السلام) قال: قرأت في كتاب لعلي (عليه السلام) ان رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) كتب كتابا بين المهاجرين و الانصار و من لحق بهم من أهل يثرب ان كل غازية بما يعقب ...

و ان الجار كالنفس غير مضار و لا آثم و حرمة الجار على الجار كحرمة أمه و أبيه، لا يسالم مؤمن دون مؤمن فى قتال في سبيل اللّه الاعلى عدل و سواء» (2).

و الظاهر ان المراد من الجار في الحديث، من اعطى له الامان، بقرينة كون الموضوع هو الغازي و انما فسر بجار البيت بسبب التقطيع الذي ارتكبه الكليني فرواه فى كتاب المعيشة بلا صدر (3).

24- روى الصدوق في عقاب الاعمال عن النبي (صلى اللّه عليه و آله) في حديث قال: «و من اضر بامرأة حتى تفتدي منه نفسها لم يرض اللّه له بعقوبة دون النار ... الى ان قال: و من ضار مسلما فليس منا و لسنا منه في الدنيا و الآخرة ...

الا و ان اللّه و رسوله بريئان ممن اضر بامرأته حتى تختلع منه‏ (4).

25- روى الكليني عن الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «سألته عن‏

____________

(1) هو العلامة الاريب الشيخ مصطفى التبريزى (قدس سره).

(2 و 3) الوسائل، ج 11، الباب 20 من ابواب جهاد العدو، الحديث 5. و لاحظ الكافى، ج 5، ص 292 كتاب المعيشة، باب الضرار، الحديث 1.

(4) الوسائل، ج 15، الباب 2 من ابواب الخلع و المباراة، الحديث 1.

19

الشي‏ء يوضع على الطريق فتمر الدابة فتنفر بصاحبها فتعقره. فقال: كل شي‏ء يضر بطريق المسلمين فصاحبه ضامن لما يصيبه» (1).

26- روى الشيخ بسنده عن أبي الصباح الكناني قال: قال أبو عبد اللّه (عليه السلام) «من اضر بشي‏ء من طريق المسلمين فهو له ضامن» (2).

27- عن عبيد بن زرارة قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): «الجارية يريد أبوها ان يزوجها من رجل و يريد جدها ان يزوجها من رجل آخر فقال: الجد أولى بذلك ما لم يكن مضارا ان لم يكن الاب زوجها قبله، و يجوز عليها تزويج الاب و الجد» (3).

28- روى السكوني عن جعفر بن محمد عن أبيه (عليهما السلام) قال: «قال علي (عليه السلام): من اوصى و لم يحف و لم يضار، كان كمن تصدق به في حياته» (4).

29- محمد بن يعقوب عن محمد بن يحيى عن احمد بن محمد عن محمد ابن اسماعيل و الحسين بن سعيد جميعا عن محمد بن الفضيل عن أبي الصباح الكناني عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): «سألته عن قول اللّه عزّ و جل: لا تُضَارَّ والِدَةٌ بِوَلَدِها وَ لا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ‏». فقال: كانت المراضع مما تدفع احداهن الرجل اذا أراد الجماع، تقول: لا أدعك، اني اخاف أن أحبل، فأقتل ولدي هذا الذي أرضعه.

و كان الرجل تدعوه المرأة فيقول: اني اخاف أن اجامعك فأقتل ولدي، فيدفعها فلا يجامعها، فنهى اللّه عزّ و جل عن ذلك ان يضار الرجل المرأة، و المرأة الرجل.

و روى باسانيد اخرى صحيحة (5).

____________

(1) الوسائل، ج 19، الباب 9 من ابواب موجبات الضمان، الحديث 1.

(2) الوسائل، ج 19، الباب 8 من ابواب موجبات الضمان، الحديث 2.

(3) الوسائل، ج 14، الباب 11، من ابواب عقد النكاح، الحديث 2.

(4) الوسائل، ج 13، الباب 5، من ابواب الوصايا، الحديث 2.

(5) الوسائل، ج 15، الباب 72 من أبواب أحكام الاولاد، الحديث 1.

20

30- علي بن ابراهيم في تفسيره عن محمد بن الفضيل عن أبي الصباح الكناني عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «لا ينبغي للرجل ان يمتنع من جماع المرأة فيضار بها اذا كان لها ولد مرضع، و يقول لها: لا أقربك فاني اخاف عليك الحبل فتغيلي [فتقتلي خ ل‏] [فتغيلين خ ل‏] ولدي و كذلك المرأة لا يحل لها أن تمتنع على الرجل فتقول: اني أخاف أن أحبل فأغيل [فأقتل خ‏] ولدي. و هذه المضارة في الجماع على الرجل و المرأة، و على الوارث مثل ذلك. قال: لا يضار المرأة التي يولد لها ولد [لا تضار المرأة التي لها ولد خ ل‏] و قد توفي زوجها و لا يحل للوارث أن يضار أم الولد في النفقة فيضيق عليهما (1).

31- محمد بن يعقوب عن علي بن ابراهيم عن أبيه عن ابن أبي عمير عن حماد عن الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في حديث «أنه نهى أن يضار بالصبي أو تضار أمه في رضاعه» (2).

32- الكليني عن محمد بن يحيى عن أحمد (ابن خالد أو ابن عيسى) عن ابن فضال عن ابن بكير عن عبيد بن زرارة قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) الجارية يريد أبوها أن يزوجها من رجل، و يريد جدها أن يزوجها من رجل آخر.

فقال: الجد أولى بذلك ما لم يكن مضارا، ان لم يكن الاب زوجها قبله‏ (3).

33- روى أبو داود عن أبى صرمة صاحب النبي (صلى اللّه عليه و آله) انه قال:

«من ضار اضر اللّه به، و من شاق شاق اللّه عليه».

و رواه الترمذي باختلاف يسير، فروى «ضار اللّه» مكان «أضر اللّه».

____________

(1) الوسائل، ج 15، الباب 72 من ابواب أحكام الاولاد، الحديث 2.

(2) الوسائل، ج 15، الباب 70 من أبواب احكام الاولاد، الحديث 3.

(3) الوسائل، ج 14، الباب 11 من ابواب عقد النكاح، الحديث 2.

21

و رواه ابن ماجة في صحيحه بمثل ما رواه أبو داود (1).

34- روى الترمذي عن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) قال: «ملعون من ضار مؤمنا أو مكر به» (2).

استدلال المشهور بالقاعدة

و قد استدل المشهور بالقاعدة في موارد كثيرة نشير إلى أقل القليل منها:

قال الشيخ في الخلاف في خيار الغبن في المسألة الستين: دليلنا ما روي عن النبي (صلى اللّه عليه و آله) انه قال: «لا ضرر و لا ضرار». و استدل به أيضا في كتاب الشفعة في المسألة الرابعة عشرة و فيه اضافة: «في الاسلام» في ذيل الحديث‏ (3).

و قال ابن زهرة في خيار العيب: و يحتج على المخالف بقوله: «لا ضرر و لا ضرار» (4).

و استدل العلامة في التذكرة بالحديث في باب خيار الغبن في المسألة الاولى قال: الغبن سبب ثبوت الخيار للمغبون عند علمائنا و به قال مالك و أحمد، لقوله (صلى اللّه عليه و آله): «لا ضرر و لا ضرار في الاسلام» (5).

____________

(1) سنن أبى داود، ج 3، ص 315، كتاب الاقضية، الحديث 3635.

و صحيح الترمذى، ج 4، ص 332، الباب 27، من كتاب البر و الصلة، الحديث 1940. و سنن ابن ماجة، ج 2، ص 58.

(2) صحيح الترمذى ج 4، ص 332، الباب 27، من كتاب البر و الصلة، الحديث 1941.

(3) الخلاف ج 2، ص 19 فى خيار الغبن و ص 86 فى كتاب الشفعة.

(4) الغنية (ضمن الجوامع الفقهية) ص 588.

(5) تذكرة الفقهاء ج 1 ص 497 فى احكام خيار الغبن.

22

و قد اهتم بنقله شراح الأحاديث، ففي مجمع البحرين قال: و في حديث الشفعة قضى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) بالشفعة بين الشركاء في الأرضين و المساكين و قال: «لا ضرر و لا ضرار في الاسلام» (1).

و قال ابن الأثير فى النهاية: و في الحديث «لا ضرر و لا ضرار في الاسلام» (2).

هذا جملة ما وقفنا عليه من طرق الحديث و ما يؤيد مضمونه، و يقتدر الفقيه بها على استنباط قاعدة كلية من حرمة الاضرار بالنفس و العرض و المال تكليفا و وضعا كما سيوافيك. و لعل في الكتب ما لم نقف عليه، فعليك بالتفحص التام‏ (3).

اذا عرفت ذلك، فيجب لتنقيح القاعدة، البحث عن امور:

الأول: هل ورد قوله (صلى اللّه عليه و آله) «لا ضرر و لا ضرار» في غير مورد حديث سمرة أو لا؟

الثاني: هل الحديث مذيل بقوله: «على مؤمن» أو «في الاسلام» أو لا؟

الثالث: ما هو الفرق بين «الضرر» و «الضرار».

الرابع: ما هو مفاد الهيئة التركيبية.

____________

(1) مجمع البحرين ص 263 تحت كلمة «ضرر».

(2) النهاية ج 3 ص 81.

(3) و من جملة ذلك ما جاء فى الايضاح ج 4 ص 101 عند قول العلامة «و لو نذر أثانين سنة ففى وجوب الصبر حتى تخرج، اشكال اقربه الوجوب الا مع الضرر» قال ولده فى توضيحه «اقول: وجه القرب انه مع عدم الضرر بالتأخير قادر على الاتيان بالتتابع من غير ضرر حقيقة ... الى ان قال: و اما الضرر فهو عذر لقوله (عليه السلام) «لا ضرر و لا ضرار فى الاسلام»».

و جاء فى الايضاح ايضا ج 4 ص 103 عند قول العلامة «و لو خاف المظاهر الضرر بترك الوطء مدة وجوب التتابع لشدة شبقه فالاقرب الانتقال الى الاطعام» قال ولده فى توضيحه «اقول وجه القرب استلزامه الضرر و قال (عليه السلام): «لا ضرر و لا اضرار»».

23

الامر الاول فى ورود القاعدة فى غير مورد حديث سمرة

قد عرفت استفاضة قوله (صلى اللّه عليه و آله): «لا ضرر و لا ضرار»، و قد ورد في موثقة زرارة و مرسلته. و عدم اشتمال صحيحة الحذاء او رواية أبي داود عليها (1)، لا يضربها، لاختلاف الدواعي في نقل الحديث و اذا دار الامر بين الزيادة و النقيصة فالحمل على الثاني متعين. اضف الى ذلك، اشتمال عدة من الروايات على تلك القاعدة و ان لم تكن مقرونة بحديث سمرة (2). و لاجل ذلك يقول فخر المحققين فى رهن «الايضاح» بتواتره‏ (3). و انما الكلام في ورودها مستقلة عن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) في غير واقعة سمرة أو لا؟

اقول: الروايات على طائفتين:

احداهما: ما يكتفي بنقل نفس القاعدة من دون اشارة الى شي‏ء غيرها كما

____________

(1) الحديثان الثالث و الرابع من احاديث القسم الاول.

(2) لاحظ الاحاديث 5 الى 13.

(3) الايضاح، ج 2، ص 48.

24

هو الحال في اكثرها، نظير مرسلة الصدوق و رواية دعائم الاسلام (الاولى لا الثانية) و الموطأ و مسند أحمد و سنن ابن ماجة (1)، و نظيرها ما ورد في الخلاف و الغنية و التذكرة عند الاستدلال بها و لا شك ان ورودها كذلك لا يدل على ورودها مستقلة، لان ظاهرها ان النبي (صلى اللّه عليه و آله) تكلم بها بلا مقدمة و لا مؤخرة، و هو بعيد. و لأجل ذلك يجب ان نقول انها مقتطفة من الحديث الوارد في قصة سمرة أو من الحديث الوارد حول الشفعة او النهي عن منع الماء، نقله الصدوق أو غيره في مقام الاستدلال على الحكم الشرعي، و نقلها اصحاب اللغة عند تفسير الضرر و الضرار، و نقله احمد في مقام جمع اقضية النبي. و بالجملة فهذه الطائفة لا تدل على صدورها مستقلة.

الثانية: ما ينقل الرواية ضمن الحكم بالشفعة او النهي عن منع الماء او وجوب بناء الجدار، فهل هي تدل على صدور القاعدة عن النبي (صلى اللّه عليه و آله) في غير واقعة سمرة و ان الحكم في هذه الموارد كان مذيلا من أول الامر بالقاعدة في لسان النبي (صلى اللّه عليه و آله)، او ان ضم القاعدة الى هذه الموارد من فعل الراوي و لم يكن الصادر عن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) في هذه الموارد الثلاثة مذيلا بها؟

ثم ان شيخ الشريعة الاصفهاني (قدس سره) اول من فتح باب التشكيك، و ذهب الى ان ضم القاعدة الى تلك الموارد من صنع الرواة و تبعه عدة من الاعلام كالمحقق النائيني و غيره و استدلوا علي ذلك بوجوه:

الاول: ما ذكره شيخ الشريعة في رسالته و حاصله: ان اقضية النبي (صلى اللّه عليه و آله)، في طرق أهل السنة، كانت مجتمعة في رواية عبادة بن الصامت و قد نقلها امام الحنابلة في مسنده و يناهز عددها العشرين قضاء. و هي من طرقنا كانت‏

____________

(1) لاحظ الاحاديث 9 و 11 الى 14.

25

مجتمعة في رواية عقبة بن خالد عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، غير ان أئمة أهل الحديث فرقوها في ابواب مختلفة. و لما كان حديثا الشفعة و النهي عن منع الماء غير مذيلين بحديث «لا ضرر» في رواية «عبادة»، صح ان يقال ان ما ورد عن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) من طرقنا أيضا كان غير مذيل، لكن الراوي لما اراد الجمع بين الاقضية في رواية واحدة، ذيل حديث الشفعة و النهي عن منع الماء بحديث «لا ضرر»، فهو من باب الجمع في الرواية لا الجمع في المروي.

و لا يصح العكس، و هو تذيل الحديثين بالقاعدة في نفس الامر، غير أن عبادة بن الصامت روى جميع الفقرات مطابقة للواقع الا الفقرتين‏ (1).

و لا يخفى ان الدقة في رواية عبادة بن الصامت تقضي بوضوح ان الراوي كان بصدد الجمع بين الاقضية، و لاجل ذلك كرر لفظ «قضى» في تسعة عشر موردا. و اما المنقول عن عقبة بن خالد فهو على خلاف ذاك الظهور، فعبر فى الشفعة بلفظ «قضى» و في مورد لا ضرر ب «قال»، مشعرا بانه لم يكن في هذا المورد قضاء بل تعليلا. و اليك نص الحديث:

«قضى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) بالشفعة بين الشركاء في الارضين و المساكن و قال: لا ضرر و لا ضرار. و قال: اذا ارفت الارف وحدت الحدود فلا شفعة» (2).

و مثله حديث النهي عن بيع الماء، و اليك نصه:

«قضى بين أهل المدينة في مشارب النخل انه لا يمنع نفع الشي‏ء، و قضى بين اهل البادية انه: لا يمنع فضل ماء ليمنع فضل كلاء، فقال- او (و قال) على‏

____________

(1) رسالة قاعدة لا ضرر ص 19 الى ص 32 بتلخيص. و هذا الوجه مشترك بين كلا الحديثين.

(2) الوسائل، ج 17، الباب 5، من كتاب الشفعة، الحديث 1.

26

اختلاف النسخ- «لا ضرر و لا ضرار» (1).

فالعدول عن لفظ «قضى» الى لفظ «قال» يدل على ان الهدف من نقل القاعدة هو الاستدلال لا نقل قضاء آخر. و احتمال ان التركيب و التعليل كان من جانب الراوي، و اراد تعليل احد القضاءين بقضاء آخر، يوجب سلب الاعتماد على سائر الروايات.

و الحاصل انه لو كان قضاء مستقلا غير مربوط بالشفعة و نهي الماء، لما كان للعدول عن لفظ «قضى» الى «قال» وجه.

الثاني: ان بين موارد ثبوت حق الشفعة و تضرر الشريك بالبيع، عموم من وجه، فربما يتضرر الشريك و لا يكون له «حق الشفعة» كما اذا كان الشركاء اكثر من اثنين. و قد يثبت حق الشفعة بلا ترتب ضرر على الشريك، كما اذا كان البائع مؤذيا و المشتري محسنا. و قد يجتمعان، و عند ذاك لا يصح تعليل الحكم بالشفعة بشي‏ء يفارقه تارة و يجتمع معه اخرى.

الثالث: ان الضرر يأتي من قبل بيع الشريك حصته، فلو كان ذلك موردا لقاعدة «لا ضرر»، للزم الحكم ببطلان البيع أو عدم لزومه. و اما جعل حق الشفعة لجبران الضرار و تداركه بالحكم بانتقال المبيع الى ملك الشريك، فليس مستفادا من ادلة نفى الضرر فانها لا تدل على جعل حكم يتدارك به الضرر، غايتها نفي الحكم الضررى‏ (2).

و لا يخفى عدم تمامية الوجهين الأخيرين.

اما أولهما: فان تسلط الشريك على ماله على وجه الاطلاق بحيث كان له البيع ممن يشاء صالحا كان أو طالحا، حكم ضرري حسب الطبع. و المقياس‏

____________

(1) الوسائل، ج 17، الباب 7، من احياء الموات، الحديث 2.

(2) مصباح الاصول، ج 2، ص 521. تقرير درس آية اللّه العظمى السيد ابى القاسم الموسوى الخوئى (دام ظله).

27

في الحكم بالضرر ملاحظة نفس الحكم المجعول، أي جواز بيع الشريك حصته ممن يشاء، فهو بلا شك يوجب الاضطراب في الحياة و لا يرتفع ذلك الا بإعطاء القدرة للشريك الآخر على أخذ السهم المباع برد ثمن المثل حتى يسد حاجة البائع، لاحتياجه الى الثمن. و بذلك يرتفع قلق الشريك. و عدم ترتب الضرر فيما اذا كان المشتري رجلا بارا، لا يوجب عدم كون التسلط المطلق ضرريا.

و أما انتفاء الشفعة اذا كان الشركاء أكثر من اثنين، فهو لدليل خارج جوزه الشارح لمصلحة اهم.

و أما ثانيهما: فلان الحكم ببطلان البيع أو عدم لزومه، ضرر على البائع السهيم، لانه ربما يكون محتاجا الى البيع فإبطال تصرفه من دون جبران، ضرر، فلا معنى لدفع الضرر بالضرر بل لا يتم دفع الضررين الا بتجويز الأخذ بالشفعة برد مثل الثمن الذي باع حصته به.

و ان شئت قلت: ان مقتضى الجمع بين الحقين أو دفع الضررين، أوجب تشريع الأخذ بالشفعة. و لعل قوله «لا ضرر» اشارة الى كلا «الضررين» المقصودين في المقام، أو أنه اشارة الى تجويز ابطال بيعه، و أما أخذه بمثل الثمن فلأجل الجمع بين الحقين، هذا كله حول الشفعة.

و أما الحديث الناهي عن نقع الماء (1)، فقد رد عليه أيضا بوجهين:

الأول: ان الضرر لا ينطبق على منع المالك فضل ماله عن الغير. اذ من الواضح ان ذلك لا يعد ضررا على الغير، غايته عدم الانتفاع به.

الثاني: ان النهي في هذا المورد تنزيهي قطعا لعدم حرمة منع فضل المال عن الغير بالضرورة (2).

____________

(1) على اختلاف النسخ ففى بعضها (نفع الماء).

(2) مصباح الاصول ج 2، ص 521- 522.

28

و الوجهان من حيث الضعف كالسابقين:

اما الأول: فلان الحياة في البادية خصوصا- يوم ذاك- كانت مقرونة بالضيق و المشقة، و كانت الآبار قليلة و التمكن من الماء امرا غير سهل، فكان منع الغير من سقي المواشي و لو ببذل المال، موجبا لتعرض الأنعام و المواشي للهلاك و الدمار، لان منع السقي كان ملازما لترك الرعي و الانتقال من البادية الى بادية اخرى فيكون موجبا لضرر اقوى. و ليس الامتناع عن بذل الماء كالامتناع عن بيع السيارة و ما يعد من ادوات التجمل.

و بذلك يظهر ضعف الوجه الثاني، فان الظاهر لزوم البذل و حرمة المنع، رعاية لمصالح المسلمين اذا انحصر الماء في البادية بماء واحد. و قد أفتى بهذا الشيخ في المبسوط و ابن زهرة في الغنية، و نقله العلامة عن ابن الجنيد في المختلف.

و القول بان النهي مخالف لقاعدة السلطنة ضعيف، لانه مخالف لاطلاقه في بعض الاحايين، و لا بعد فيه، كالزام المحتكر على البيع في عام الضيق، و صاحب الدابة على بذل العلوفة لها، و الرجل لعائلته.

قال الشيخ في الخلاف: اذا ملك البئر بالاحياء و خرج ماؤها فهو أحق بمائها من غيره بقدر حاجته و حاجة ماشيته، و ما يفضل عن ذلك يجب عليه بذله لغيره لحاجته اليه للشرب، له و لماشيته. و لا يجب عليه بذله لسقي زرعه، بل يستحب له ذلك. ثم ذكر أقوال الفقهاء و استدل على مختاره بالروايات‏ (1).

و قال في المبسوط: فكل موضع قلنا انه يملك البئر فانه أحق بمائها بقدر حاجته لشربه و شرب ماشيته و سقى زرعه، فاذا فضل بعد ذلك شي‏ء، وجب عليه بذله بلا عوض لمن احتاج اليه لشربه و شرب ماشيته من السابلة و غيرهم، و ليس له منع‏

____________

(1) الخلاف، ج 2، ص 224- 225، كتاب احياء الموات، المسأله 13.

29

الفاضل من حاجته حتى لا يتمكن غيره من رعي الكلاء الذي بقرب ذلك الماء (1).

و نقل العلامة في المختلف القول بالاستحباب عن ابن الجنيد و ابن البراج، و حمل العلامة الروايات على الكراهة (2). و لكنه خلاف الظاهر، و على أي حال فليست الروايات معرضا عنها و لا على خلاف الاصول المسلمة في الفقه.

و بذلك يظهر أنه لا اشكال في القول بتذييل الحديثين بالقاعدة و ورودها تارة في حديث سمرة و اخرى في مورد الشفعة و ثالثا في مورد النهي عن بيع الماء.

و بذلك يعلم عدم تمامية ما افاده سيدنا الاستاذ (3) حيث نفي صلاحية كون القاعدة علة للتشريع أو نكتة له. اما الأول، فلأنها عبارة عن تشكيل صغرى و كبرى و حد وسط، فيكون المحمول في الصغرى نفس الموضوع في الكبرى. مثل قولنا:

الخمر مسكر، و كل مسكر حرام، فالخمر حرام. و لكن المحمول في المقام هو جائز أو حرام، كأن تقول: أخذ مال الشريك شفعة جائز أو منع فضول الماء حرام، و ليس المحمول فيها موضوعا في الكبرى، اعنى قوله «لا ضرر و لا ضرار».

و أما الثاني، فلأنها عبارة عن الحكم التي لا يلزم أن تكون سائرة في كل مورد، بل تكفي الاغلبية، كما في كون الحكمة في العدة عدم اختلاط المياه. و أما المقام فليس كذلك، لان دفع الضرر الذي هو نكتة التشريع فرضا، يصلح لجعل عدم اللزوم لبيع الشريك أو عدم صحته، لا لجعل جواز أخذه شفعة. و أما منع فضول الماء فالنكتة فيه منتفية، لعدم الضرر في المنع بل اقصاه عدم النفع‏ (4).

و يظهر ضعفه مما ذكرناه في دفع الاشكالات السابقة، فان القاعدة في المقام‏

____________

(1) المبسوط، ج 3، ص 281، كتاب احياء الموات.

(2) المختلف، ج 2، ص 15، كتاب احياء الموات، الطبعة الحجرية.

(3) هو الامام المجاهد آية اللّه العظمى السيد روح اللّه الخمينى (دام ظله).

(4) تهذيب الاصول، ج 2، ص 452، بتحرير جديد.

30

ليست إلّا من قبيل نكتة التشريع. و دفع الضرر، و ان كان يحصل برفع اللزوم و الصحة، لكنه يستلزم ورود الضرر على البائع فيلزم ان يكون ماله بلا مشتر. فلا محيص، من باب دفع الضرر، عن اختيار شي‏ء آخر، و هو جواز اخذه بالشفعة بثمن المثل.

و أما القول بأن الموجود في مورد منع الماء هو عدم الانتفاع لا الضرر، فقد عرفت عدم تماميته، و ان الحياة البدوية في المناطق الحارة، أو أكثر المناطق المعمورة، تدور على الاعاشة من المياه الموجودة. و حرمان أصحاب الدواب منها، يستلزم هلاكها و دمارها كما لا يخفى.

ثم ان الثمرة في ورودها في ذيل الحديث تظهر في توضيح مفاد القاعدة لان من محتملاتها جعل النفي بمعنى النهي. و هذا لا يتمشى في مورد الحديثين، اذ لا معنى فيهما للنهي عن الضرر، بل الظاهر كون النفي بمعناه، و قد صار مبدءا لاثبات حق الشفعة، و تحريم المنع عن بذل فضل الماء، و لا معنى للخطاب اذا لم يكن هناك مخاطب.

نعم صحة الروايتين على تأمل، لان محمد بن هلال و عقبة بن خالد لم يوثقا و ان كان الأول من مشايخ الكليني و الثاني من أصحاب الصادق (عليه السلام)، فلاحظ معاجم الرجال.

31

الامر الثانى هل الحديث مذيل بكلمتى «فى الاسلام» او «على مؤمن» او لا؟

قد وردت لفظة «في الاسلام» في مرسلة الصدوق: كما وردت مرسلة أيضا في نهاية ابن الاثير و مجمع البحرين و الكتب الفقهية الاستدلالية، و لا عبرة بالمراسيل الا مرسلة الصدوق لانه عبر بقوله: مع قول النبي (صلى اللّه عليه و آله) «لا ضرر و لا ضرار في الاسلام». و لكن الاعتماد على هذه الزيادة مشكل لامرين:

الاول: ان كلمة في الاسلام من الالفاظ الكثيرة الدوران على اللسان، و من الامور المرتكزة في الذهن فربما يتسابق الى اللسان و القلم بلا اختيار.

الثاني: احتمال وقوع التصحيف من النساخ حيث ان المراسيل الثلاثة التي نقلها الصدوق كانت متصلة، و اليك نص عبارة الصدوق:

«الاسلام يزيد و لا ينقص مع قوله (عليه السلام) لا ضرر و لا ضرار في الاسلام، فالاسلام يزيد المسلم خيرا و لا يزيده شرا».

و من المحتمل جدا ان الكاتب كتب لفظة «فالاسلام» مرتين اشتباها، فجاء الآخرون و ارادوا تصحيح النسخة فيتصوروا ان الاول مصحف «في الاسلام» ثم تتابعت النسخ عليه.

32

و لو لا هذا الوجهان لكان الاصل الحاكم هو تقدم احتمال النقيصة على احتمال الزيادة، لان النقيصة السهوية اكثر من الزيادة كذلك، فاحتمال السقط في سائر الروايات اقوى من الزيادة في رواية الصدوق لكن الوجهين عاقانا عن الاخذ بهذا الاصل.

و اما لفظة «على مؤمن» فجاءت في رواية زرارة الثانية، كما اشتملت على قوله: «انطلق فاغرسها حيث شئت». و يجرى فيها ما ذكرناه في لفظة «في الاسلام» من الوجه الاول، و لو لا هذا الوجه لكان المعتمد هو تقدم احتمال النقيصة على الزيادة.

و تظهر الفائدة في مفاد الحديث، فلو قلنا باشتمال الحديث على لفظة «في الاسلام»، يستقرب ما أفاده الشيخ في تفسير الحديث من ان المراد نفي الحكم الضرري و انه غير مجعول في الاسلام، فينفى به وجوب الوضوء و الحج الضرريين بخلاف ما اذا لم يكن مذيلا به، إذ من المحتمل كون النفي بمعنى النهي كما عليه شيخ الشريعة و سيدنا الاستاذ على اختلاف بينهما كما انه لو كان الحديث مشتملا على لفظة «على مؤمن»، تختص القاعدة بما اذا كان هناك ضرر على مؤمن، و لا يشمل مورد الوضوء و الحج الضرر بين. هذا و يكون حمل النفي على النهي أوضح من بقائه على معناه.

33

الامر الثالث فى بيان الفرق بين «الضرر» و «الضرار»

ان هنا الفاظا ثلاثة يجب التعرف على مفاهيمها:

1- الضر: بفتح الفاء و تشديد اللام. و هو مصدر هذا الباب و يقابل النفع.

يقال: ضر، يضر، ضرا. ضد: نفع، ينفع، نفعا.

2- الضرر: هو اسم مصدر الباب، و يقابله المنفعة. و سيوافيك ان الضر، بضم الفاء، أيضا اسم مثل الضرر.

3- الضرار: و هو مصدر باب المفاعلة.

و على ذلك، فالفرق بين الاولين هو الفرق الموجود بين المصدر و اسمه، فما ذكره اللغويون للمصدر من المعنى يرجع الى اسمه أيضا فنقول:

قال في الصحاح: الضر خلاف النفع، و قد ضره و ضاره بمعنى، و الاسم الضرر ... الى ان قال: و «الضرار» المضارة (1).

و قال في معجم مقاييس اللغة: الضر ضد النفع‏ (2).

____________

(1) الصحاح، ج 2، ص 719- 720، مادة ضرر.

(2) معجم مقاييس اللغة، ج 3، ص 360.

34

و قال الراغب في مفرداته: الضر سوء الحال، اما في نفسه لقلة العلم و الفضل و العفة، و اما في بدنه لعدم جارحة و نقص، و اما في حالة ظاهرة من قلة مال أو جاه. و قوله: «فكشفنا ما به من ضر» محتمل لثلاثتها (1).

و قال في القاموس: «الضر» بالضم ضد النفع أو بالفتح مصدر ... الى ان قال: و الضر سوء الحال ... و النقصان يدخل في الشي‏ء ... و الضيق و الضيق‏ (2).

و قال الفيومي: «الضر» الفاقة و الفقر. بضم الضاد اسم و بفتحها مصدر «ضره، يضره» اذا فعل به مكروها. و قال الازهري: كل ما كان سوء حال و فقر و شدة في بدن فهو ضر بالضم. و ما كان ضد النفع فهو بفتحها. و في التنزيل‏ «مَسَّنِيَ الضُّرُّ» أي المرض، و الاسم الضرر. و قد أطلق على نقص يدخل الأعيان‏ (3).

و قال ابن الأثير: «الضر» ضد النفع. فمعنى قوله لا ضرر: أي لا يضر الرجل أخاه فينقصه شيئا من حقه، و الضرار فعال من الضر أي لا يجازيه على اضراره بادخال الضرر عليه‏ (4).

و قال الطريحي: «و الضر» بالضم سوء الحال و بالفتح ضد النفع‏ (5).

هذه هي كلمات أعلام أهل اللغة و يظهر من الجميع: ان «الضر» بضم الفاء هو سوء الحال في النفس لأجل نزول المرض و العلة، أو لحلول الفقر و الفاقة بخلاف الضر بفتح الفاء، و الضرر فانهما يقابلان النفع.

و المتحصل من هذه النصوص ان الضرر عبارة عن النقص النازل بالنفس و البدن أو المال و الجاه، و ليس النقص بما هو هو، نفس الضرر، بل الهيئة الحاصلة

____________

(1) مفردات الراغب، ص 293.

(2) القاموس المحيط، ج 2 ص 75.

(3) المصباح المنير، ج 2، ص 6.

(4) النهاية لابن الاثير، ج 3، ص 81.

(5) مجمع البحرين، ص 263 من الطبعة القديمة.

35

من هذا النقص هي الضرر.

و ان شئت قلت: ان النفع عبارة عن التزايد المطلوب كالعافية في البدن، و الوفرة في المال، و حسن السمعة في الجاه. و يقابله الضرر فهو النقص الوارد على الشي‏ء كاذهاب العافية من البدن، و رأس المال من المال و حسن السمعة من العرض و الجاه.

و على ذلك، فالنفع هو التزايد المطلوب، و الضرر هو النقص غير المطلوب.

و هذا ما يعبر عنه في الفارسية ب «افزايش» و «كاهش» غير ان الزيادة المطلوبة و غير المطلوبة تختلف حسب اختلاف الموضوعات.

و بذلك يعلم ان بين الضرر و المنفعة تقابل التضاد، لان الضرر هو الحالة الحاصلة للانسان من ورود النقص على نفسه أو عرضه أو ماله، و هو أمر وجودي.

كالمنفعة. و ما عن المحقق الاصفهاني من ان النقص، المفسر به الضرر، ليس امرا وجوديا حتى يكون التقابل مع النفع، الذي هو أمر وجودي، تقابل التضاد، غير تام لما عرفت من ان الضرر ليس مساويا للنقص و انما هو المنشأ لحصول تلك الحالة الخاصة للانسان. نعم، لو فسر الضرر بنفس النقص لكان لما ذكره وجه. هذا كله حول الضرر.

اما الضرار فقد فرق بينه و بين الضرر بوجوه ذكر جملة منها ابن الأثير في نهايته‏ (1):

1- الضرر: فعل الواحد. و الضرار: فعل الاثنين.

2- الضرر: ابتداء الفعل. و الضرار: الجزاء عليه.

3- الضرر: ما تضر به صاحبك و تنتفع به أنت. و الضرار: ان تضره من‏

____________

(1) النهاية لابن الاثير، ج 3، ص 81- 83.

36

غير ان تنتفع به.

4- هما بمعنى واحد، و تكرارهما للتأكيد. نسبه في النهاية الى القيل.

5- الضرر: ايقاع الضرر على الغير عمدا كان أو غير عمد. و الضرار: القسم العمدي منه.

6- الضرار: التضييق، و ايصال المكروه و الحرج و التكلف، ذكره سيدنا الأستاذ.

و الاول مبني على الكلام المعروف في باب المفاعلة من ان الأصل فيه ان يكون فعل الاثنين لكنه ليس بتام كتفسيره بالجزاء عليه، لما عرفت من الآيات الناهية عن الضرار، و لم يكن الفعل هناك الا من جانب واحد قال سبحانه: «وَ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِداً ضِراراً وَ كُفْراً وَ تَفْرِيقاً بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَ إِرْصاداً لِمَنْ حارَبَ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ» (التوبة- 107)، فكان الإضرار من جانب المنافقين فحسب، كما لم يكن هنا اضرار من باب الجزاء أصلا. و قال سبحانه: «وَ لا تُمْسِكُوهُنَّ ضِراراً» (البقرة- 221)، و المقصود رجوع الزوج الى المعتدة بقصد الاضرار. و قال سبحانه:

«وَ لا تُضآرُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ» (الطلاق- 6)، أي لا تضيقوا عليهن بالنفقة.

و قال عزّ من قائل: «وَ لا يُضَارَّ كاتِبٌ وَ لا شَهِيدٌ» (البقرة- 282)، و لم يكن هناك الا اضرار من جانب واحد لا من الجانبين، كما ان الضرر الواقع لم يكن الا ابتدائيا لا مجازاة.

و يؤيده ما قاله النبي (صلى اللّه عليه و آله) في مورد سمرة، اذ لم يكن من الأنصاري الا الشكوى لا الاضرار الجزائي و لا غيره.

و ربما يستدل على رد الوجه الأول بقوله تعالى: «يُخادِعُونَ اللَّهَ وَ الَّذِينَ آمَنُوا وَ ما يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ» (البقرة- 9). و قوله سبحانه: «يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَ يُقْتَلُونَ» (البقرة- 111). و في الاستدلال بكلتا الآيتين نظر.

37

اما الأولى، فلان الفعل استعمل في فعل الاثنين بشهادة قوله سبحانه: «إِنَّ الْمُنافِقِينَ يُخادِعُونَ اللَّهَ وَ هُوَ خادِعُهُمْ» (النساء- 142). و أما قوله في آخر الآية «وَ ما يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ» بغير صيغة المفاعلة فلأجل ان حقيقة المخادعة من المنافقين بالمؤامرة ضد الاسلام، و هي من اللّه سبحانه بابطال تخطيطاتهم و ارجاع ضررها الى أنفسهم، فصح التعبير بالمخادعة لأجل المشاكلة، كما صح التعبير بغير صيغة المفاعلة، لعدم وجودها الا من جانب واحد.

و اما الآية الثانية، اعنى قوله «يقاتلون»، فلأن استعمال صيغة المفاعلة في مورد الجهاد انما هو بالنظر الى كيفية العمل، فان القتال في ميادين الحرب كان قائما بالطائفتين، فئة مؤمنة و اخرى كافرة، و ان كان القتال في سبيل اللّه مختصا بالطائفة الأولى دون الأخرى، و الأولى الاستدلال بما ذكرناه.

هذا حال المعنيين الاولين. و أما المعنى الثالث، أعنى التفريق بالانتفاع في الضرر، و عدم الانتفاع في الضرار، فيرد عليه انه ان اريد منه الاعم من الانتفاع المالي و غيره فهو ممنوع، و إلّا فلا وجه لأن يقوم به العاقل و يدخل الضرار على الغير و لا ينتفع به اصلا. و ان أريد خصوص عدم النفع المالي، ففيه أن النفع غير منحصر بالمالي بل هو أمر أعم منه و من النفسى و البدني و العرضي.

أضف الى ذلك أنه من المحتمل أن يكون المراد من الاعتداء في قوله سبحانه:

«وَ لا تُمْسِكُوهُنَّ ضِراراً لِتَعْتَدُوا» (البقرة- 231) هو الاعتداء المالي بتحليل مهورهن حتى يسترحن، فقد استعمل الضرار لاجل تحصيل النفع المالي.

و أما المعنى الرابع، أعنى كونهما بمعنى واحد، فبعيد جدا. مع أن الامام (عليه السلام) يركز في بعض الروايات على الضرار، و يقول في قصة الرأس و الجلد:

«ان هذا هو الضرار»، و لا يقول «هو الضرر». و قد وصف القرآن الكريم عمل المنافقين بالضرار، و هذا يفيد أن الضرار يشتمل على ما لا يشتمل عليه الضرر.

38

و أما المعنى الخامس، فهو الحق الذي لا ريب فيه. و ان شئت فعبر عن الضرار فيه: بالاضرار الصادر عن الشخص عنادا و لجاجة. و يؤيده قوله سبحانه‏ «وَ إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَ لا تُمْسِكُوهُنَّ ضِراراً لِتَعْتَدُوا» (البقرة- 231)، فان لفظة «لتعتدوا» تفسير «للضرار».

و يزيده توضيحا، رواية هارون بن حمزة الغنوي حيث طلب صاحب الدرهمين نحر البعير و أخذ الرأس و الجلد، فوصفه الامام (عليه السلام) بانه ضرار، لأن برء البعير صار سببا لارتفاع قيمته السوقية، فيجب ان يستفاد منه في الركوب لا في الاكل‏ (1).

و روى في مجمع البيان في تفسير قوله تعالى‏ «مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصى‏ بِها أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ» (النساء- 12)، قال: ان الضرار في الوصية من الكبائر و المراد هو الايصاء بأكثر المال أو جميعه حتى لا يرث الوارث مطلقا أو شيئا قليلا (2).

و الرواية التي ذكرناها في توضيح قوله سبحانه: «وَ لا تُمْسِكُوهُنَّ ضِراراً لِتَعْتَدُوا» تؤكد ذلك. كما يؤكده ما ورد فيه فعل ذلك المصدر، مثل «لا تضار»، فانه أيضا بمعنى الاضرار عن عمد و عناد و لجاجة.

و أما المعنى السادس، الذي هو مختار سيدنا الاستاذ- (دام ظله)-، فقد قال في توضيحه: «ان الضرر و الضر و الاضرار و ما يشتق منها انما يستعمل في الضرر المالي و النفسي بخلاف الضرار فان الشائع من استعماله، هو استعماله في التضيق و الحرج و ايراد المكروه و ايقاع الكلفة» (3).

____________

(1) لاحظ الحديث رقم 15 مما سردناه من السنة الدالة على القاعدة.

(2) لاحظ الحديث رقم 16.

(3) تهذيب الاصول، ج 2، ص 461.

39

يلاحظ عليه: ان عدم استعمال الضرار و ما يشتق منه في المالي و النفسي بعيد.

أما الأول، فقد استعمل في حديث هارون بن حمزة الغنوي في الضرر المالي حيث قال (عليه السلام) لمن طلب الرأس و الجلد: «ليس له ذلك، هذا الضرار، و قد أعطي حقه اذ أعطي الخمس» (1). و يقرب منه قوله سبحانه: «وَ لا تُمْسِكُوهُنَّ ضِراراً لِتَعْتَدُوا» اذ من المحتمل أن الاعتداء عن طريق الاكراه على بذل مهورهن.

و أما الثاني، أعني ما يشتق منه، ففي قوله سبحانه: «مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصى‏ بِها أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ» (النساء- 12). فان المراد من «المضارة»، الاعتراف بدين ليس عليه، دفعا للميراث عن الورثة.

اضف الى ذلك ان في عامة موارد الضرر المالي و النفسي و العرضي ضيقا و حرجا و ايراد مكروه. و هذه الامور من نتائج ورود الضرر لا من معانيه.

____________

(1) لاحظ الحديث الرقم 16.

40

الامر الرابع فى مفاد الهيئة التركيبية

قد اختلفت كلماتهم في بيان مفاد الحديث على وجوه أربعة أو خمسة (1).

الاول: ان المراد نفى الاحكام الضرورية

ذهب الشيخ الاعظم الى ان مفاد الهيئة هو نفي الاحكام الشرعية الضررية و أنها غير مجعولة. و المراد نفي الحكم الناشئ منه الضرر فيكون الضرر عنوانا للحكم لكونه معلولا له في مقام الامتثال. فكل حكم موجب لوقوع العبد المطيع في الضرر، فهو مرتفع في عالم التشريع.

قال (قدس سره) في الفرائد: «ان المعنى بعد تعذر ارادة الحقيقة، عدم تشريع الشارع حكما يلزم منه ضرر على أحد، تكليفيا كان أو وضعيا. فلزوم البيع مع الغبن يلزم منه ضرر على المغبون فينتفي بالخبر. و كذلك لزوم البيع من غير شفعة للشريك.

و كذلك وجوب الوضوء على من لا يجد الماء إلّا بثمن كثير و كذا سلطنة المالك على الدخول الى عذقه و اباحته له من دون استئذان من الانصاري. و كذلك حرمة

____________

(1) يشترك ثلاثة منها فى كون النفى باقيا على معناه بخلاف الاخيرين فانه فيهما بمعنى النهى نعم النفى فى الثلاثة الاولى محمول على الحقيقة الادعائية كما ستعرف.

41

الترافع الى حكام الجور اذا توقف اخذ الحق عليه. و منه براءة ذمة الضار عن تدارك ما أدخله من الضرر اذ كما ان تشريع حكم يحدث معه ضرر، منفي بالخبر كذلك تشريع ما يبقى معه الضرر الحادث. بل يجب ان يكون الحكم المشروع في تلك الواقعة على وجه يتدارك ذلك الضرر كأن لم يحدث» (1).

و قال (قدس سره) في الرسالة المطبوعة في ملحقات المكاسب: «الثالث: ان يراد به نفي الحكم الشرعي الذي هو ضرر على العباد، و انه ليس في الاسلام مجعول ضرري. و بعبارة اخرى: حكم يلزم من العمل به، الضرر على العباد.

مثلا يقال: ان حكم الشرع بلزوم البيع مع الغبن ضرر على المغبون فهو منفى في الشريعة.

و على ذلك فلو اريد من الهيئة التركيبية معناها الحقيقي، أعنى عدم الضرر في الخارج، لزم الكذب. و ان أريد معناها المجازي، اما من باب المجاز في الكلمة، أعنى اطلاق المسبب (الضرر) و ارادة سببه (الحكم)، أو من باب المجاز في الاضمار، و التقدير: (لا حكم ضرري) فلا. و هو المطلوب.

و بالجملة: المراد من نفي الضرر في عالم التشريع، هو نفي الحكم الضرري.

كما أن المراد من نفي الحرج، نفي الحكم الحرجي. فنفي الضرر عنوان لنفي الحكم الموجب له، فهو من قبيل نفي المعلول و ارادة نفي علته. فتكون القاعدة حاكمة على جميع العمومات، الدالة بعمومها على تشريع الحكم الضرري، كلزوم العقود، و سلطنة الناس على أموالهم و وجوب الوضوء على واجد الماء» (2).

تحليل نظرية الشيخ الاعظم (قدس سره)

أقول: ان فقه الحديث يتوقف على تعيين فاعل الضرر و مبدئه و انه هل هو الشارع‏

____________

(1) فرائد الاصول، ص 314 من طبعة رحمة اللّه.

(2) لاحظ رسالة «لا ضرر» المطبوعة فى ملحقات المكاسب، ص 371.

42

بالنسبة الى المكلفين؟ أو الناس بعضهم الى بعض؟

لو كان الحديث مذيلا بلفظ «في الاسلام» لكان للاحتمال الاول وجه- لو لا تعارضه ببعض القرائن الدالة على الثاني كما ستعرف- و قد عرفت عدم ثبوته.

و لكن هناك قرائن تؤيد و تثبت الوجه الثاني، و أن فاعله هو الناس، و أن المنفي هو الضرر الوارد من بعضهم على بعضهم الآخر، لا الضرر الوارد من جانب الشارع، و اذا ثبت ذلك كان الاستدلال به في الموارد التي يكون منشأ الضرر فيها حكم الشارع، كايجاب الوضوء على المريض و الصوم و الحج على من يتضرر بهما، بلا ملاك لما عرفت من أن محط النظر في الرواية نفي الضرر الوارد من الناس لا من الشارع، و المنشأ للضرر في العبادات هو الأحكام الايجابية. فلا يبقى للتمسك بالقاعدة في أبواب العبادات أي مجال. و تتضيق الرواية، لا محالة، بما كان للناس دور في تحقق الضرر، كالذي رأيته في حديث سمرة، و مسألة بيع الشريك سهمه من الغير، و منع الماء. و أما اذا لم يكن لهم دور في تحققه، فالحديث منصرف عنه. و اليك القرائن التي تعين الاحتمال الثاني.

1- قوله (صلى اللّه عليه و آله): «انك رجل مضار» او «ما أراك الا رجلا مضارا»، فانه صغرى لقوله: «لا ضرر و لا ضررا». و على ذلك فالضار هو الرجل لا الشارع و لا حكمه. و القول بانه اعتمد في اضراره على اطلاق دليل الشارع: سلطنة الناس على اموالهم، كما ترى. بل كان معتمدا على قوته و تجبره.

2- ان الضرار، كما عرفت، بمعنى الاضرار العمدي الناشئ عن لجاج و عناد. و لا يحتمل أبدا ان يكون الشارع المقدس مبدءا لهذا النوع من الضرر باحكامه و انشاءاته، حتى يكون الحديث بصدد نفيه.

3- قد عرفت ان حديث منع فضل الماء لمنع فضل الكلاء، كان معللا بحديث لا ضرر و لا ضرار. و هذا يوضح كون مبدإ الضرر هو الناس، و ان الحديث بصدد

43

رد مثل هذا.

و على ذلك، فالاستدلال بالحديث في الموارد التي ليس للناس فيها تأثير فى تحقق الضرر كالعبادات المحضة، غير تام و اما الاستدلال به في أبواب المعاملات كدفع لزوم المعاملة في الغبن، و اثبات الضمان في الاتلاف، فسيجي‏ء البحث عنه.

و هنا اشكالات أخر تتوجه الى مختار الشيخ، اليك بيانها:

1- كيف يمكن القول بان المراد نفي جعل الحكم الضرري في الاسلام مع شيوعه، كايجاب الزكاة، و الخمس، و حج البيت، و الجهاد في سبيله، و الحدود و القصاص، و الديات، و الكفارات، و الاسترقاق، و سلب المالكية عن الخمر و آلات الطرب و الاغاني، و الاعيان النجسة، فالكل لا يخلو من ضرر أو مبني عليه.

و مع ذلك كيف يمكن القول بانه لا حكم ضرري.

و قد تخلص عنه الشيخ في بعض كلماته بان المراد الاحكام غير المبنية على الضرر، أو الموجبة له في بعض الاوقات. و اما المبنية عليه بطبعها و ذاتها فهي خارجة عن مورد القاعدة.

و لا يخفي انه ادعاء محض و تخصيص بلا وجه في مقابل اطلاق القاعدة.

اذ كيف يمكن لانسان ان يدعي بان الشارع لم ينشئ حكما ضرريا مع حكمه بلزوم اتلاف بعض الاشياء التي لها قيمة غالية كالاصنام و الصلبان و ادوات القمار و الموسيقى.

2- مسألة كثرة التخصيص، بحيث يكون الخارج منها أضعاف الباقي خصوصا اذا قلنا بأن المراد من الضرر ادخال المكروه.

و قد أجاب عنه الشيخ بقوله: ان تخصيص الأكثر لا استهجان فيه، اذا كان بعنوان واحد جامع لافراد هي أكثر من الباقي كما اذا قيل: أكرم الناس، و دل دليل على اعتبار العدالة. خصوصا اذا كان المخصص مما يعلم به المخاطب حال الخطاب.

44

و فيه انه اذا كان الخروج بالغا حد الاستهجان فلا فرق فيه بين الخروج بعنوان واحد أو بعناوين. فلو قال: اكرم علماء البلد، ثم أشار بدليل منفصل الى خروج المعممين منهم و انحصر العالم غير المعمم في فرد أو فردين، يكون التخصيص مستهجنا.

اضف الى ذلك أن لازم كون الحديث، حديث امتنان مثل قوله‏ «وَ ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ» (الحج- 78)، أن لا يتوجه اليه تخصيص، لاستهجان تطرق التخصيص الى الدليل الامتناني.

الثاني: أن الموضوع الضررى لا حكم له‏

ذهب المحقق الخراساني الى أن المقام من قبيل نفي الحكم بلسان نفي موضوعه و أن الغاية هي التأكيد على أن الموضوع الضرري لا حكم له.

و حاصله: ان النفي بمعناه الحقيقي لا بمعنى النهي لكن لا من باب نفي الحكم ابتداء و مباشرة بل من باب نفى الموضوع استعمالا لغاية نفي الحكم جدا نظير قوله: لا شك لكثير الشك، أو لا ربابين الوالد و الولد. أو بين الزوج و الزوجة.

فلا شك أن الأخبار عن عدم الشك في كثيره أو عن عدم الربابين الطرفين كاذب في نفسه و انما يصححه كون الهدف من نفيهما نفي أثرهما لا نفي أنفسهما.

قال (قدس سره) في الكفاية: ان الظاهر أن يكون «لا» لنفي الحقيقة، كما هو الأصل في هذا التركيب، حقيقة أو ادّعاءً، كناية عن نفي الآثار كما هو الظاهر من مثل «لا صلاة لجار المسجد الا في المسجد». و «يا اشباه الرجال و لا رجال».

فان قضية البلاغة في الكلام هو ارادة نفي الحقيقة ادّعاءً لا نفي الحكم أو الصفة.

و نفي الحقيقة ادّعاءً بلحاظ الحكم أو الصفة غير نفي احدهما ابتداء مجازا في التقدير أو في الكلمة ... الى ان قال: ثم الحكم الذي اريد نفيه بنفي الضرر، هو

45

الحكم الثابت للأفعال بعناوينها أو المتوهم ثبوته بها كذلك في حال الضرر لا الثابت له بعنوانه لوضوح أنه العلة للنفي، و لا يكاد يكون الموضوع يمنع عن حكمه و ينفيه بل يثبته و يقتضيه».

لا يخفى وحدة النظريتين جوهرا، و ان اختلفتا تقريرا و صورة. و نتيجتهما واحدة و هي تحديد الأحكام الشرعية بنفي شمولها لحالة الضرر عباديا أو معامليا، إلّا ان طريق الاستفادة مختلفة. فذهب الشيخ الى ان المنفي ابتداء أولا و بالذات هو الحكم، اما من باب المجاز في الكلمة حيث أطلق المسبب و اريد السبب (الحكم)، أو من باب الأضمار بتقدير كلمة «الحكم». و بما أن هذا الأسلوب لا يوافق البلاغة بل يوجب خروج الكلام عن طورها كما حرّر في محله، سلك المحقق الخراساني- للوصول الى مقصد الشيخ- طريقا آخر و هو نفي الموضوع و ارادة نفي الحكم كما في «يا أشباه الرجال و لا رجال»، فان حقيقة الرجولية متمثلة في البسالة و الشجاعة و من فقدهما، فقد حقيقتها، فيصح ان يقال «لا رجال». و مثله المقام، لأن منشأ الضرر هو الحكم و التشريع فصح نفي الضرر بالحقيقة الادعائية لاجل نفي منشئه و اساسه، و هو الحكم. و على كل تقدير فالنتيجة واحدة، و ان كان طريق الوصول اليها مختلف.

تحليل نظرية المحقق الخراسانى (قدس سره)

يرد عليه انه غير تام، لانه انما يصح فيما اذا كان الموضوع المنفي ذا أثر شرعي كالشك و الربا. و أما المقام، اعنى الضرر، فليس كذلك اذ ليس الضرر بما هو هو موضوعا لحكم شرعي الا الحرمة، و من المعلوم انه لا يصح نفيه و طرحه. و ما ذكره في ذيل كلامه من ان الحكم الذي أريد نفيه بنفي الضرر، هو الحكم الثابت للافعال بعناوينها ... خروج عن البحث لأن نفي الضرر يصح ان يكون كناية عن نفي حكم نفسه، لا عن حكم الوضوء و البيع في حال الضرر كما هو المدعى، لان‏

46

الضرر في الموردين ليس موضوعا بل يعد من أحوالهما و أطوارهما.

و بالجملة، فرق واضح بين «الشك» و نفس «الضرر»، لان الأول موضوع حكم، كالربا، فيصح نفيهما لغاية نفي حكمهما. بخلاف الضرر، فانه موضوع لحكم واحد و هو الحرمة و لا يمكن نفيها بضرورة الفقه و العقل. و نفي وجوب الوضوء أو لزوم البيع في حال الضرر، ليس نفيا الا لحكم الوضوء و البيع، و هما ليسا موضوعين في الحديث، بل الضرر من اطوارهما و أحوالهما، و لم يتعارف نفي الحالة و ارادة نفي حكم ذي الحالة كما لا يخفى. نعم لو كان المنفي في لسان الشارع هو الفعل الضرري كان لما ذكره وجه.

الثالث: ان المنفى هو الضرر غير المتدارك‏

ذهب بعض الفحول الى ان المراد نفي الضرر المجرد عن التدارك، فكما ان ما يحصل بازائه نفع لا يسمي ضررا، كدفع مال بازاء عوض مساو له أو زائد عليه، كذلك الضرر المقرون بحكم الشارع بلزوم تداركه فانه نازل منزلة عدم الضرر و ان لم يسلب عنه مفهوم الضرر بمجرد حكم الشارع بالتدارك. فالمراد نفي و جود الضرر المجرد عن التدارك. فاتلاف المال بلا تدارك، ضرر على صاحبه، فهو منفي. فاذا وجد في الخارج فلا بد أن يكون مقرونا بلزوم التدارك. و كذلك تمليك الجاهل بالغبن، ماله بازاء ما دون قيمته من الثمن، ضرر عليه، فلا يوجد في الخارج الا مقرونا بالخيار (1).

تحليل هذه النظرية

لا يخفى ان المراد من الضرر في الحديث هو الضرر الخارجي الصادر من سمرة و أمثاله، و تدارك مثل هذا لا يكون بالجعل و التشريع بل بالعمل الخارجي‏

____________

(1) لاحظ رسالة لا ضرر للشيخ الاعظم المطبوعة فى ملحقات المكاسب، ص 372.

47

فاتلاف مال الغير ضرر خارجي و تداركه بدفع المثل أو القيمة، لا الحكم بانه يجب عليه دفع أحد الأمرين. و هذا ما أشار اليه الشيخ الأعظم في رسالته بقوله:

«ان الضرر الخارجي لا ينزل منزلة العدم بمجرد حكم الشارع بلزوم تداركه».

و الحاصل ان الضرر ان اتفق تداركه، يمكن تنزيله منزلة ما لم يوجد و اما اذا لم يتعقبه فلا وجه لتنزيله منزلة العدم بمجرد حكم الشارع بوجوب تداركه. و ان شئت قلت: الضرر المتدارك غير الضرر المحكوم بوجوبه.

و الظاهر وجاهة الاشكال، فان الضرر لو كان فعلا للشارع لصح الحكم بعدمه بحكم الشارع بجبره و تداركه. و اما اذا كان فعل المكلف، فلا يصح تداركه بحكم الشارع، فان المتدارك به يجب ان يكون من سنخ المتدارك. فلو حكم الشارع بجواز قتل الرجل اذا قتل امرأة، فانه يتدارك مثله بدفع أولياء المرأة نصف الدية الى ورثة الرجل. او حكم بقتل العشرة المشتركين فى قتل واحد، فانه يتدارك مثله بايجاب دفع تسعة اعشار الدية الى ورثة كل واحد. و اما اذا كان الضرر من المكلف، فلا يتدارك مثله بحكم الشارع و انشائه.

نعم، لو كان النفي ناظرا الى عالم التشريع فقط كان لما ذكره وجه، و لكنه خلاف الظاهر حيث ورد ردا لعمل سمرة كما عرفت.

اضف اليه ان ذلك المعنى لا يفي بما هو المتعارف بين المتأخرين من التمسك به في باب العبادات اذ ليس في الامر بالوضوء الضرري او الحج الضرري اي تدارك فيلزم عدم صحة التمسك به في تلك الابواب.

الى هنا تمت النظريات الثلاث المشتركة فى حمل الهيئة التركيبية على النفي دون النهي و تصحيح الاخبار عن عدم الضرر بوجه من الوجوه و لكن هناك نظرية اخرى مبنية على حمل النفي على النهي نقله الشيخ في الرسالة و اختاره شيخ الشريعة و بالغ في تحقيقه فى رسالته و اليك بيانها:

48

الرابع: ان النفى بمعنى النهى‏

ذهب شيخ الشريعة الى ان النفي في المقام بمعنى النهي عن الضرر، و له اشباه و نظائر في الكتاب و السنة، منها قوله تعالى: «الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَ لا فُسُوقَ وَ لا جِدالَ فِي الْحَجِّ وَ ما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَ تَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوى‏ وَ اتَّقُونِ يا أُولِي الْأَلْبابِ» (البقرة/ 197).

و قوله تعالى: (فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَياةِ أَنْ تَقُولَ لا مِساسَ وَ إِنَّ لَكَ مَوْعِداً لَنْ تُخْلَفَهُ وَ انْظُرْ إِلى‏ إِلهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عاكِفاً لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفاً) (طه/ 97).

و اما السنة فقد ذكر نماذج مما استعمل فيها النفي بمعنى النهي. مثل قوله (صلى اللّه عليه و آله): «لا اخصاء فى الاسلام و لا بنيان كنيسة» و «لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق». و «لا غش بين المسلمين».

و بذلك ابطل قول صاحب الكفاية، حيث قال ردا على هذا القول: «ان النفي بمعنى النهي و ان كان ليس بعزيز إلّا انه لم يعهد في مثل هذا التركيب»، و قال: ان الاذهان الفارغة لا تسبق الا الى هذا الوجه. ثم ايد (رحمه اللّه) مقاله بما ورد في رواية عبد اللّه بن مسكان عن زرارة «... فقال له رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله):

انك رجل مضار و لا ضرر و لا ضرار على مؤمن»، فان هذا الكلام بمنزلة صغرى و كبرى هما: انك رجل مضار، و المضارة حرام. و الكبرى، كما ترى مناسبة للصغرى بخلاف ما لو اريد غيره من المعاني الاخرى فان المعنى يصير: انك رجل مضار، و الحكم الموجب للضرر منفي، او الحكم المجعول منفي في صورة الضرر. و هذا مما لا تستسغيه الاذهان المستقيمة.

و بعد ان استشهد (رحمه اللّه) بكلمات أئمة اللغة، و مهرة الحديث، حيث فسروا

49

الحديث بالنهي، قال: ان المدعى هو أن حديث الضرر يراد منه افادة النهي عنه سواء كان هذا باستعمال التركيب في النهي ابتداء، أو أنه استعمل في معناه الحقيقي و هو النفى و لكن لينتقل منه الى ارادة النهي ... الى ان قال: فالمدعى ان الحديث يراد به افادة النهي، لا نفي الحكم الضررى و لا نفي الحكم المجعول للموضوعات عند الضرر.

تحليل نظرية شيخ الشريعة (قدس سره)

ما ذكرناه هو خلاصة كلامه (قدس سره)، و قد بالغ في تحقيق مرامه. و ما ذكره (قدس سره) اوضح مما ذكره العلمان و لكنه أيضا غير متعين بل لا يخلو من اشكال.

اما اولا: فان بعض الأمثلة التي ذكرها ليس النفي فيها بمعنى النهي، حتى قوله سبحانه: «فَلا رَفَثَ وَ لا فُسُوقَ وَ لا جِدالَ فِي الْحَجِّ» بل هو باق على معناه، و لم يرد منه النهي لا ابتداء، و لا انتهاء بان يستعمل في النفي ابتداء لينتقل به الى النهي. و انما استعمل في هذه النماذج في النفي لا تتجاوز عنه و ان كان الغرض الاعلى منها هو النهي. و لكن كون النهي غاية عليا غير كونه مستعملا فيه ابتداء أو انتهاء.

هذا، مع ان مقتضى البلاغة التحفظ على كون النفي بمعناه، لا بمعنى النهي و إلّا لنزل الكلام من ذروة البلاغة الى حضيض الكلام العادي.

بيان ذلك في قوله تعالى: «فَلا رَفَثَ وَ لا فُسُوقَ وَ لا جِدالَ فِي الْحَجِّ»، ان شدة علاقة الشارع بطهارة محيط الحج عن هذه الامور الثلاثة دفعه الى الأخبار عن خلوه منها. و هذا كثير في المحاورات العرفية. أ لا ترى ان الرجل يقول لزوجته أو صاحبه:

«لا كذب و لا خيانة» و ذاك ان رغبته بطهارة حياته العائلية أو الاجتماعية من الكذب و الخيانة، الجأه الى الاخبار عن عدم وجودهما. كما ان علاقة الأب بصلاة ابنه يدفعه‏

50

بدل الامر بها، الى الاخبار عنها فيقول في محضره: «ولدي يصلي»، مع ان الغاية في جميع ذلك هو النهي أو الأمر. و هذا غير القول بأن النفي مستعمل في الآية و امثالها في النهي ابتداء، أو في النفي لينتقل الى ارادة النهي. و لاجل ذلك لو جعلنا مكان «لا» لفظة «ليس» و قلنا: (ليس في الحج رفث و لا فسوق و لا جدال)، كانت الجملة صحيحة و متزنة.

و ثانيا: ان استعمال الهيئة في النفي ليس بأقل من استعمالها في النهي بأحد الوجهين لاحظ الجمل التالية: «لا بيع الا في ملك»، «لا عتق إلّا في ملك»، «لا طلاق الا على طهر»، «لا يمين للولد مع والده» «لا يمين للمملوك مع مولاه و لا للمرأة مع زوجها»، «لا رضاع بعد فطام»، «لأنذر في معصية اللّه»، «لا يمين للمكره»، «لا رهبانية في الاسلام» و غير ذلك، تجد أنه لا يصح فيها الا ابقاء النفي على معناه.

و لك ان تقول، ان ما يقع بعد النفي اذا كان مناسبا للحكم الوضعي كما في هذه الامثلة، فالصيغة متعينة في النفي، و أما غيره فهو محتمل للوجهين.

و ثالثا: ان حمل الصيغة على النهي لا يصح في حديث الشفعة حيث ان القاعدة جاءت علة لجعلها، حيث قال: «فقضى بالشفعة بين الشركاء في الارضين و المساكن.

و قال: لا ضرر و لا ضرار. و قال: اذا ارفت الارف وحدت الحدود فلا شفعة» فالقضاء بالشفعة من فعل الشارع و لا معنى لتعليله بحرمة اضرار الناس بعضهم ببعض بل يناسب نفي الضرر عن محيط التشريع.

و ما ذكره (رحمه اللّه) من ان أئمة اللغة فسروه بالنهي، فهو صحيح، لكن لم يعلم كونهم في مقام بيان المستعمل فيه. بل يحتمل انهم كانوا في مقام بيان مقاصد الحديث و مراميه، سواء أ كان النفي مستعملا في النفي أو فى النهي.

و على كل تقدير، فشكر اللّه مساعي المحقق شيخ الشريعة، فقد جاء في تحقيق مفاد الحديث و سنده و ما يرجع إليهما بأبحاث مفيدة لا توجد في غير رسالته.

51

الخامس: ان النفى بمعنى النهى و النهى مولوى سلطانى لا مولوى الهى‏

ذهب سيدنا الاستاذ (دام ظله) الى ان النفى بمعنى النهي، لكن ليس النهى المستفاد منه حكما شرعيا إلهيا كالنهي عن الغصب و الكذب، بل النهي حكم مولوي سلطاني ناجم عن كون النبي (صلى اللّه عليه و آله) حاكما و سلطانا على الامة: و قد اوضح نظريته بترتيب مقدمات و بيان امور نأتي بملخصها:

الاول: ان للنبي الاكرم (صلى اللّه عليه و آله) وراء منصب النبوة و الرسالة، مقام الحكم و القضاء.

فبما انه نبى و رسول، يبلغ احكام اللّه سبحانه حقيرها و جليلها حتى ارش الخدش.

و بما انه حاكم، يسوس العباد فى البلاد و يقوم بشئون الحكومة في حفظ الثغور و بعث الجيوش، و جباية الصدقات، و عقد الاتفاقيات مع رءوس القبائل و البلاد.

و بما ان له منصب القضاء، يقوم بفصل الخصومات و القضاء بين المتداعيين على الضوابط الشرعية. و لكل من هذه المناصب احكام و شئون معينة.

و الى المنصب الاول يشير قوله سبحانه‏ «الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسالاتِ اللَّهِ وَ يَخْشَوْنَهُ وَ لا يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلَّا اللَّهَ وَ كَفى‏ بِاللَّهِ حَسِيباً» (الاحزاب/ 39). و ليس للرسول الكريم في هذا الموقف امر و لا نهي و انما هو مذكر، ليس عليهم بمسيطر، وظيفته الإبلاغ و البيان.

و الى المنصب الثاني يشير قوله سبحانه‏ «وَ ما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَ لا مُؤْمِنَةٍ إِذا قَضَى اللَّهُ وَ رَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَ مَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا مُبِيناً» (الأحزاب/ 36) و المراد من القضاء، و الامر و النهي اللذان يناسبان مقام الامارة و السلطنة الموهوب له من اللّه تعالى فبعد تنصيبه في هذا المقام يصدر

52

امره و نهيه حسب المصالح، و يجب على الامة طاعته.

و الى المنصب الثالث يشير قوله سبحانه‏ «فَلا وَ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَ يُسَلِّمُوا تَسْلِيماً» (النساء/ 65).

فهذه المقامات الثلاثة ثابتة للنبي الاكرم بهذه النصوص القرآنية. ثم انها قد تجتمع في غيره (صلى اللّه عليه و آله) و قد تفترق، قال سبحانه: «وَ قالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طالُوتَ مَلِكاً قالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنا وَ نَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَ لَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمالِ قالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفاهُ عَلَيْكُمْ وَ زادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَ الْجِسْمِ وَ اللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشاءُ وَ اللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ» البقرة/ 247)، فكان لطالوت الحكم و السلطة فقط دون النبوة و الرسالة، لمصلحة وقتية اقتضت ذلك.

الثانى: كلما ورد في الاثر الصحيح ان الرسول أمر بشي‏ء أو حكم او قضى به فالظاهر منه ان هذه الاحكام صدرت منه بماله من منصب الحكم و القضاء لا بما انه رسول مبلغ لأحكام اللّه و رسالاته، اذ ليس له في هذا الموقف امر و لا نهي و لا حكم و لا قضاء فكيف يصح له ان يأمر و ينهى. و لاجل ذلك ترى امثال هذه التعابير في حياة الرسول و الوصي دون سائر الائمة لان الظروف لم تسمح لهم باعتلاء منصة الحكم و سدة القضاء فانحصرت وظيفتهم (عليهم السلام) في التبليغ و البيان دون الحكم و القضاء.

نعم، ربما يستعمل لفظ «قال» في مقام القضاء و الحكم، و يعلم ان المراد هو الامر و النهي، لا تبليغ الحلال و الحرام. كما اذا قيل: «قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) لاسامة: انت قائد الجيش، اذهب إلى القطر الفلاني و قاتل الروم».

الثالث: ان السابر في الروايات يرى نماذج وافرة من احكام الرسول السلطانية و اقضية مبثوثة في مختلف الابواب.