قلائد الفرائد - ج2

- الآخوند الشيخ غلام رضا القمي المزيد...
560 /
5

[الجزء الثاني‏]

[المقام الثانى في الاستصحاب‏]

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم‏

الحمد للّه ربّ العالمين، و الصلاة و السلام على سيّدنا محمّد و آله الطاهرين.

1- قوله (رحمه اللّه): «المقام الثاني في الاستصحاب ...» (3: 9)

أقول‏: تحقيق الكلام فيه بحيث يصير تفّاحا يتكاثر منه العطر لأهل البزم، و سيفا صارما يتقاطر منه البرق لأهل الرزم، و لسانا ناطقا ينفطر منه الورد لمن أتى بمقام العزم، مبنيّ على تعريفه متعقّبا برسم امور بمثابة المبادي للخوض في هذه المسألة، و المباني للمطالب المنتظمة فيها بنظم السلسلة. و ها أنا أشرع فيها بعد الحمد و البسملة؛ فنقول: إنّه لغة أخذ الشي‏ء مصاحبا (1) (2).

و للاصوليّين في مقام تحديده تعاريف كثيرة بلغت إلى نيّف و عشرة. و الجامع بينها بحيث ينتهي إليه جميعها بين طوائف ثلاث:

____________

(1)- لم نعثر على هذا التعريف في كتب اللغة؛ ففي كتاب العين للخليل الفراهيدي 3: 124: «كلّ شي‏ء لازم شيئا فقد استصحبه». و في لسان العرب لابن منظور 1: 520: «استصحب الرجل:

دعاه إلى الصحبة. و كلّ ما لازم شيئا فقد استصحبه». و في القاموس المحيط للفيروزآبادي 1: 91: «استصحبه: دعاه إلى الصحبة و لازمه». و في المصباح المنير للفيّومي:

«كلّ شي‏ء لازم شيئا فقد استصحبه. و استصحبت الكتاب و غيره: حملته على صحبتي». و في مجمع البحرين للشيخ الطريحي 2: 585- 586: «استصحب الشي‏ء: لازمه. استصحبت الكتاب و غيره: حملته على صحبتي. و من هنا قيل: استصحبت الحال إذا تمسّكت بما كان ثابتا؛ كأنّك جعلت تلك الحال مصاحبة غير مفارقة»؛ و انظر أيضا الصحاح للجوهري 1: 162.

(2)- و المناسبة بين المنقول و المنقول إليه هو التضادّيّة إن كان المراد بالأخذ هو الأخذ الحسّيّ. و إن اريد الأخذ بالمعنى الأعمّ فهو من قبيل إطلاق الكلّيّ على الفرد؛ فتدبّر. منه عفى عنه.

6

[تعريف الاستصحاب‏]

الاولى: تعريف الاستصحاب بالمحلّ: و هذا صريح المحقّق القميّ (رحمه اللّه)؛ حيث قال:

«و هو كون حكم أو وصف يقينيّ الحصول في الآن السابق مشكوك البقاء في الآن اللاحق» (1). و قد سيق هذا المساق ما عن المحقّق في محكيّ المعارج‏ (2). و يمكن استظهار ذلك ممّا ذكره في المعتبر أيضا؛ حيث قال (رحمه اللّه): «استصحاب حال الشرع كالمتيمّم يجد الماء في أثناء الصلاة» (3)؛ فإنّ المتيمّم بالوصف المزبور لا يكون إلّا محلّا للاستصحاب و موردا له. و اقتصاره فيه به من باب إعطاء الحكم الكلّيّ بالمثال.

الثانية: تعريفه بالحال: و هذا ما سلكه الجلّ. بل عن شارح الدروس‏ (4) نسبته إلى القوم. و التعبير عنه تارة: وقع بالإبقاء (5)، و اخرى: بالاستمرار (6)،

____________

(1)- القوانين 2: 53.

(2)- هذا، و لكن قال في معارج الاصول: 206- 208: «المسألة الثانية: إذا ثبت حكم في وقت، ثمّ جاء وقت آخر و لم يقم دليل على انتفاء ذلك الحكم، هل يحكم ببقائه على ما كان؟ أم يفتقر الحكم به في الوقت الثاني إلى دلالة كما يفتقر نفيه إلى الدلالة؟ حكي عن المفيد (رحمه اللّه): أنّه يحكم ببقائه ما لم تقم دلالة على نفيه؛ و هو المختار. و قال المرتضى (رحمه اللّه): لا يحكم بأحد الأمرين إلّا لدلالة. لنا وجوه ... الوجه الرابع: أطبق العلماء على أنّ مع عدم الدلالة الشرعيّة يجب بقاء الحكم على ما تقتضيه البراءة الأصليّة، و لا معنى للاستصحاب إلّا هذا. فإن قال: ليس هذا استصحابا بل هو ابقاء الحكم على ما كان لا حكما بالاستصحاب. قلنا: نعني بالاستصحاب هذا القدر، لا نعني به شيئا سوى ذلك».

(3)- المعتبر 1: 32.

(4)- قال في مشارق الشموس: 76: «إنّ القوم ذكروا أنّ الاستصحاب إثبات حكم شرعيّ في زمان لوجوده في زمان سابق عليه».

(5)- أي «إبقاء ما كان»؛ انظر مناهج الأحكام: 223؛ و ضوابط الاصول: 346.

(6)- قال الوحيد البهبهاني: «الاستصحاب هو الحكم باستمرار ما علم ثبوته» [الرسائل الفقهيّة:

15]؛ و قال الشيخ جعفر كاشف الغطاء: «الاستصحاب هو الحكم باستمرار ما كان إلى أن يعلم زواله» [كشف الغطاء 1: 35].-

7

و ثالثا: بالإثبات‏ (1)، إلى غير ذلك ممّا هو راجع إلى ما ذكر.

الثالثة: تعريفه بكليهما: و هذا ظاهر شارح المختصر و صاحب الوافية (2)؛ حيث قال الأوّل في محكيّ كلامه: «إنّ معنى استصحاب الحال: أنّ الحكم الفلانيّ قد كان و لم يظنّ عدمه، و كلّ ما كان كذلك فهو مظنون البقاء».

و تحقيق المقام بحيث لا يبقى بعده كلام يقتضي أن نتكلّم تارة:

في تصحيح هذه التعاريف بحسب النوع. و اخرى: في بيان ما هو المزيّف و المنظّف منها بحسب الفرد.

أمّا الأوّل: فنقول: إنّ هذه الطوائف بأسرها صحيحة في الغاية، و متينة في النهاية. و ببيان صحّة الطائفة الاولى و الثانية يتّضح الحال في الثالثة؛ فلنا دعويان:

أمّا الاولى- أعني بيان صحّة الطائفة الاولى-:

فهو مبنيّ على رسم مقدّمة؛ و هي: أنّ الدليل في اصطلاح أهل الميزان هو مجموع الصغرى و الكبرى يلزم من التيامهما النتيجة. و في اصطلاح أهل الاصول هو الحدّ الوسط الّذي يكون علّة لثبوت المحمول للموضوع.

____________

- و قال المحقق الآشتياني في بحر الفوائد 3: 5: «ثمّ إنّه يرجع إلى تعريف المشهور ما في كلام بعض في تعريفه من أنّه الحكم باستمرار أمر كان يقينيّ الحصول في وقت أو حال مشكوك البقاء بعد ذلك الوقت و الحال». و في رسالة الاستصحاب لآقا باقر البهبهاني: «الاستصحاب عبارة عن الحكم باستمرار أمر كان يقينيّ الحصول ...»؛ انظر كتاب «فهرست نسخه‏هاى خطّى كتابخانه آية اللّه گلپايگانى»، ج 3، ص 91.

(1)- عرّفه في الزبدة بأنّه: «إثبات الحكم في الزمان الثاني تعويلا على ثبوته في الزمان الأوّل»؛ انظر الزبدة: 72- 73، و ما قاله شارح الدروس في مشارق الشموس: 76.

(2)- شرح مختصر الاصول 2: 453؛ و الوافية 200.

8

و يدلّ على ذلك‏ (1): أوّلا: اطلاقهم الدليل على الكتاب و السّنة و الإجماع و العقل.

و الضرورة قضت بأنّ هذه بأنفسها ليست من القضايا، بل من مقولة التصوّرات.

و ثانيا: تعريفهم الدليل بأنّه ما يمكن التوصّل بصحيح النظر فيه إلى مطلوب خبريّ؛ و المراد بالتوصّل هو الإذعان سواء كان منتهيا إلى القطع أو الظنّ. و المراد بالنظر ترتّب امور معلومة للتأدية إلى مجهول؛ فلا بدّ أن يكون المراد بالموصول ما عرى عن الترتّب لكي يكون فيه مسرح للنظر بهذا المعنى، و هو ليس إلّا من مقولة المفرد- كحدّ الوسط- دون القضايا؛ لأنّها ما أخذت إلّا بوصف الترتّب؛ فلا يبقى فيها مجال للنظر.

و إن شئت قلت: إنّ قوام النظر بحصول ما للذهن من الحركات الثلاث:

هبوطيّة و عرضيّة و صعوديّة.

أمّا الاولى: فهي انتقاله من المطلب إلى المقدّمات.

و أمّا الثانية: فهي انتظامه للموضوع و المحمول، و التيامه للصغرى و الكبرى، و تشكّلهما بأحد الأشكال.

و أمّا الثالثة: فهي انتقاله من المقدّمات إلى النتيجة.

و ما هو قابل لأن يأتي فيه هذه الحركات بأسرها إنّما هو الحدّ (2) الوسط دون القضيّة و القضيّتين؛ لأنّ الاولى حاوية للحركة الاولى، كما أنّ الثانية حاوية لها و للحركة الثانية؛ فلا يكون افتقار في التوصّل بهما إلى النتيجة إلى تمام الحركات لكي يصحّ إطلاق النظر بالنسبة إليها؛ فظهر أنّ الدليل عند الاصوليّ ما هو من مقولة المفرد كحدّ الوسط.

إذا عرفت هذه فنقول: قد ملأ طواميرهم من عدّ الاستصحاب من الأدلّة. و كون‏

____________

(1)- أي: على كون الدليل في اصطلاح أهل الاصول هو الحدّ الوسط.

(2)- هذا، و في النسخة الموجودة: «حدّ الوسط».

9

الاستصحاب دليلا عند الاصوليّ بالمعنى الّذي عرفت لا يكون إلّا ما هو عبارة عن المحلّ؛ ضرورة أنّ ما يمكن الإذعان الظنّيّ بعد النظر فيه بوجود الحكم في الآن اللاحق، ليس إلّا كونه يقينيّ الحصول في الآن السابق مشكوك البقاء في الآن اللاحق؛ فظهر أنّ الّذي يورث الظنّ بثبوت الحكم في الآن اللاحق إنّما هو كينونته في الزمان السابق، و هذا هو الاستصحاب المعدود من الأدلّة، دون الإبقاء الّذي عرّفه القوم به.

و قد تصدّى المصنّف (رحمه اللّه)(1)- بعد توجيه تعريف الاستصحاب بالمحلّ بما عرفت شرحه- لدفعه: بأنّ الاستصحاب معدود عندهم من الأحكام العقليّة الغير المستقلّة، نظير المفاهيم و الاستلزامات؛ فهو لا يكون إلّا من الأدلّة العقليّة. و الدليل العقليّ هو حكم عقليّ يتوصّل به إلى حكم شرعيّ. و هذا لا ينطبق على المحلّ؛ لأنّ الكينونة في السابق بوصف الشكّ في اللاحق لا يكون إلّا من مقولة التصوّرات، فكيف يساوق مع الحكم العقليّ الّذي هو عبارة عن القضيّة الحاوية لتصديق العقل و إذعانه؟! هذا.

و أنت خبير بما فيه تارة بالنقض، و اخرى بالحلّ:

أمّا الأوّل: فهو أنّ ذلك يرد بعينه على تعريف القوم حيث عرّفوه بالحالّ؛ أعني الإبقاء و ما هو بمثابته‏ (2)؛ و ذلك لأنّ غاية ما يمكن أن يقال في إرجاعه إلى الحكم العقليّ لكي يوجب اندراجه في الدليل العقليّ هو: أنّ المراد بالإبقاء ليس إلّا الحكم بالبقاء، و هذا الحكم ما برز إلّا من محكمة العقل.

و فيه: أوّلا: أنّ ذلك و إن كان من مقولة الحكم، لكن صحّة انتسابه إلى العقل بمكان من المنع؛ لما حقّق في محلّه. و اعترف به المورد (رحمه اللّه) أيضا ثمّة من: أنّ المناط في‏

____________

(1)- انظر فرائد الاصول 3: 10.

(2)- أي «الاستمرار» و «الإثبات».

10

صحّة انتساب الحكم إلى العقل ليس مجرّد كون الإذعان الموجود في القضيّة عقليّا؛ كيف، و الإذعان في كلّ قضيّة لا محالة ينتهي إلى العقل؟! بل كون المحمول فيها من قبل العقل. و حينئذ ينحصر الحكم العقليّ في المستقلّات فقط، كما في قولك: «الظلم قبيح و الإحسان حسن». و يخرج عنه ما لا يستقل بأنحائه؛ لأنّ المحمول فيه ليس بعقليّ، و إنّما هو مستفاد من الشرع؛ لأنّ المراد بالحكم بالبقاء إنّما هو الإذعان على وجه الظنّ بثبوت وجوب صلاة الجمعة الثابت في زمان الإمام (عليه السلام) في زماننا هذا. و بعبارة اخرى: كون صلاة الجمعة واجبة في زماننا على وجه الظنّ. و الإذعان في هذه القضيّة و إن كان ينتهي إلى العقل، لكنّ المحمول فيها مستفاد من الشرع؛ هذا.

و ثانيا- بعد التسليم؛ نظرا إلى أنّ مجرّد كون الإذعان عقليّا يكفي في انتساب الحكم إلى العقل و إن كان المحمول غير عقليّ-: أنّه إن أريد بالحكم بالبقاء هو الإذعان الظنّيّ بثبوت الأحكام الجزئيّة- كوجوب صلاة الجمعة، و سببيّة البيع الفلانيّ، إلى غير ذلك من الأحكام الجزئيّة الثابت سابقا- ففيه: أنّ الدليل العقليّ ليس مجرّد الحكم العقليّ، بل الحكم العقليّ المتوصّل به إلى الحكم الشرعيّ. و في المقام إذ كان الحكم العقليّ هو الإذعان بثبوت ذلك الحكم الجزئيّ، فليس هنا حكم شرعيّ يتوصّل به إليه لكي يندرج بسببه تحت الدليل العقليّ.

و إن شئت قلت: إنّ الاستصحاب حينئذ إنّما هو الظنّ بثبوت ذلك الحكم و بقائه، و الدليل عبارة عمّا يفيد القطع أو الظنّ بالمطلوب؛ فلا يطلق على نفس القطع و الظنّ؛ أمّا في القطع فواضح. و أمّا الظنّ فكذلك إن اعتبر من باب العقل. و إن اعتبر من قبل الشرع و إن كان يطلق عليه الحجّة، لكن فيما نحن فيه إن اعتبر بهذا الوجه ينقلب من الدليل العقليّ إلى الشرعيّ. و مفروض المقام هو الأوّل.

فصار الحاصل: أنّ الدليل ما يفيد الظنّ بالمطلوب، فلا يطلق على نفس الظنّ به.

11

و الّذي يفيد الظنّ بالحكم في الاستصحاب إنّما هو الحالة السابقة، فهو الدليل، دون نفس الظنّ بالبقاء.

و إن اريد به الحكم الكلّيّ- أعني حكم العقل كلّيّا بأنّ ما ثبت يدوم، و هذا حكم عقليّ يتوصّل به إلى الحكم الجزئيّ؛ أعني ما هو فرد لهذه الكلّيّ مثل وجوب صلاة الجمعة و أمثاله- ففيه: أنّ القضايا الكلّيّة لا يصلح أن تكون أدلّة للقضايا الشخصيّة المندرجة تحتها:

أمّا أوّلا: فلأنّه منقوض بمثل قول الفقيه: «الصلاة في الأوقات المعهودة واجبة»، و «البيع سبب»، و «الكلب نجس»، إلى غير ذلك؛ فإنّها أيضا قضايا كلّيّة، فلا بدّ من كونها أدلّة للجزئيّات المندرجة تحتها، و لا يلتزم به أحد؛ كيف، و هو مستلزم لانقلاب ما هو من مسائل الفقه إلى أدلّتها، و كون الفقيه مبيّنا لأدلّة الفقه دون الأحكام و المسائل؟! و هو كما ترى.

و أمّا ثانيا: فبالحلّ؛ و هو أنّ القضايا الكلّيّة ليس بدليل لا باصطلاح المنطقيّ و لا الاصوليّ؛ لأنّ الدليل عند الأوّل عبارة عن القضيّتين، و عند الثاني عن حدّ الوسط، و على التقديرين لا يكون القضيّة الواحدة بدليل عندهما.

و أمّا الثاني: فبأنّه لا بدّ إمّا من رفع اليد عن تقسيم حكم العقل إلى المستقلّ و غير المستقلّ، و حينئذ يخرج الاستصحاب عن الدليل العقليّ؛ فلا يرد في عدم شمول التعريف له إشكال. و إمّا من رفع اليد عن تعريف الدليل العقليّ بما ذكر؛ بأن يقال بعد الالتزام بالتقسيم المزبور نمنع كون الدليل العقليّ عبارة عن الحكم العقليّ؛ لما عرفت من أنّ ملاك انتساب الحكم إلى العقل كون المحمول صادرا من العقل، و ليس الأمر في غير المستقلّ كذلك.

12

هذا كلّه في إثبات الدعوى الاولى. و أمّا الثانية- أعني بيان صحّة الطائفة الثانية- فهو أيضا مبنيّ على مقدّمة؛ و هي:

أنّ الاستصحاب له إطلاقان: إطلاق بحسب المعنى الاسميّ، و إطلاق بحسب المعنى الوصفيّ؛ نظير لفظ الأمر و أمثاله.

أمّا الأوّل: فهو باعتبار كونه اسما للمحلّ، و قد عرفت أنّه بهذا الاعتبار يكون من الأدلّة.

و أمّا الثاني: فهو باعتبار كون معناه مدلول ذلك الدليل؛ أعني الحكم بالبقاء؛ فإنّ مدلول ذلك الدليل- أعني الحالة السابقة- ليس إلّا الظنّ بالبقاء، و حيث إنّ المسلّم عندهم ثبوت قاعدة تسمّى بالاستصحاب في عرض سائر القواعد الأخر الّتي هي المرجع للشكّ في مقام العمل، فلا بدّ من انطباق الاستصحاب بالمعنى الثاني عليها.

إذا عرفت هذه فنقول: إنّ من عرّف الاستصحاب بالمحلّ فنظره إلى بيان المعنى الاسميّ. و من عرّفه بالحالّ فنظره إلى بيان المعنى الوصفيّ. و من هنا ظهر ما في كلام كلّ من عدّ الاستصحاب من الأدلّة و مع ذلك عرّفه بالحالّ دون المحلّ.

هذا كلّه في تصحيح التعاريف بحسب النوع.

و أمّا خيارها بحسب الفرد في الطائفة الاولى: فهو ما عرفت عن المحقّق القميّ (رحمه اللّه).

و قد اورد عليه بوجوه، للجواب عنها مجال نقتصر بذكر عمدتها:

أحدها: أنّه قد ثبت للاستصحاب مشتقّات مثل الماضي و المضارع و اسم الفاعل و المفعول و أمثالها. و لو كان معنى الاستصحاب هو المحلّ فهو غير قابل لاشتقاق هذه منه؛ كيف، و هو حينئذ من أسماء الأعيان، و المراعى في المشتقّات إنّما هو معنى الوصفيّ أعني الإبقاء؟!

و فيه: أنّ المشتقّات إنّما ثبت اشتقاقها من الاستصحاب بالمعنى الوصفيّ، دون‏

13

الاسميّ؛ فلا تنافي بين كون معنى الاستصحاب ما ذكر، و ثبوت المشتقّات؛ لأنّه باعتبار المعنى الآخر.

و ثانيها: أنّه غير منعكس؛ فإنّ ظاهر قوله: «يقينيّ الحصول في الآن السابق مشكوك البقاء في الآن اللاحق» إنّما هو كون زمان اليقين مقدّما على زمان الشكّ. مع أنّ المعتبر في الاستصحاب إنّما هو تقدّم المتيقّن على المشكوك، سواء كان زمان نفس اليقين و الشكّ متّحدا أو مختلفا، و على الاختلاف يكون زمان اليقين مقدّما أو بالعكس؛ فهذه الأقسام مندرجة تحت عنوان الاستصحاب، و ظاهر التعريف إنّما هو شموله للقسم الثاني فقط.

و فيه: أنّ هذا كذلك لو كان الظرف في الفقرتين متعلّقا باليقين و الشكّ. و ليس كذلك، بل هو متعلّق في الاولى بالحصول و في الثانية بالبقاء؛ و معنى العبارة حينئذ: أنّ حصوله في الآن السابق يقينيّ، و بقاءه في الآن اللاحق مشكوك. و هذا كما ترى يكون شاملا لجميع الأقسام.

و ثالثها: أنّه غير مطّرد؛ لشموله للشكّ الساري؛ فإنّ ظاهره حصول اليقين في السابق، سواء كان الموصوف باليقين باقيا على وصفه في زمن عروض الشكّ أم لا بل يكون الشكّ ساريا فيه أيضا.

و فيه: ما عرفت أنّه كذلك على تقدير تعلّق الظرف باليقين و الشكّ. و أمّا على تقدير تعلّقه بالحصول و البقاء فلا.

هذا على ما هو مقتضى التحقيق من كون الشكّ الساري خارجا عن حقيقة الاستصحاب. و أمّا على القول بالاندراج تحته فيشكل الأمر؛ لأنّ الظرف إن كان متعلّقا بالحصول و البقاء فيلزم خروجه، و إن كان متعلّقا باليقين و الشكّ فيرد عليه الإيراد السابق.

14

و رابعها: أنّ ذكر الحكم و الوصف تطويل بلا طائل؛ للاستغناء عنهما بذكر لفظ الشي‏ء. و الأمر في ذلك في غاية السهولة.

و أمّا خيارها بحسب الفرد في الطائفة الثانية: فقد ذكر المصنّف (رحمه اللّه): أنّ أخصرها و أسدّها: «إبقاء ما كان». ثمّ قال: «و المراد بالإبقاء الحكم بالبقاء، و دخل الوصف في الموضوع مشعر بعلّيّته للحكم؛ فعلّة الإبقاء هو أنّه كان» (1).

قلت: هذا خوض منه (رحمه اللّه) في وجه الأسدّيّة؛ و بيانه: أنّه قد اشتمل على الأركان الأربعة الّتي لا بدّ من اعتبارها في الاستصحاب؛ أعني: الحاكم، و المتيقّن السابق، و الشكّ اللاحق، و علّيّة اليقين السابق لجريان الحكم في اللاحق.

أمّا الأوّل: فيستفاد من الإبقاء، المراد به الحكم بالبقاء؛ لأنّ الحكم لا بدّ فيه من حاكم؛ و هو إمّا العقل أو الشرع على الاختلاف في مدركه.

أمّا الثاني: فمن كلمة «كان».

و أمّا الثالث: فمن كلمة «إبقاء»؛ لأنّ الحكم في اللاحق إن لم يكن مشكوكا فهو باق فلا يحتاج إلى الإبقاء.

و أمّا الرابع: فمرقوم في المتن.

و أنت خبير بما في كلّ من شطري كلامه:

أمّا الأوّل- أعني كونه أخصر- ففيه: أنّه إمّا أن يبنى في التعاريف على التجنّب و التحرّز عن الدلالات الاشعاريّة أم لا؛ فإن اختار الأوّل فهو مناف لصريح كلامه؛ حيث أفاد بعض أركان الاستصحاب من باب الإشعار؛ أعني إشعار تعليق الحكم على الوصف بعلّيّة مبدإ الاشتقاق.

____________

(1)- فرائد الاصول 3: 9.

15

و إن اختار الثاني فيمكن تعريفه بما هو أخصر منه؛ و هو كونه عبارة عن الإبقاء؛ فإنّ الإبقاء يفتقر إلى ما يبقى. و بعد دلالة الإبقاء على ما يبقى يكون هذا التعريف عبارة اخرى عمّا ذكره مع كونه أخصر؛ فكلّ ما هو المنشأ لاستفادة أركان الاستصحاب من ذلك فهو المنشأ لاستفادتها من هذا.

و أمّا الثّاني- أعني كونه أسدّ- ففيه: أوّلا: أنّ الإبقاء و كلّ ما هو بمثابته ليس له مدخليّة في حقيقة الاستصحاب؛ فإنّ حقيقته إنّما هو كون الشي‏ء في الزمان الثاني كالأوّل في الحكم الشرعيّ. و بعبارة اخرى: إنّ كنه حقيقته ليس إلّا عبارة عن القضيّة الباقية، و أمّا الإبقاء فهو عنوان ثانويّ ينبعث من ذلك باعتبار الفعل القائم بالمكلّف. و هذا نظير صيغة الأمر؛ فإنّ مدلولها حقيقة ليس إلّا ما هو قائم بنفس الأمر، و أمّا الإلزام و البعث و التحريك و التكليف فهذه كلّها عناوين ثانويّة بعث منه باعتبار حال الأمر بالنسبة إلى مأموره؛ فتعريف الاستصحاب بالإبقاء ليس بحدّ حقيقيّ؛ لعدم كونه كاشفا عن حقيقته، و إنّما هو تعريف له بالرسم.

فإن قيل: إنّ تعريفهم الاستصحاب بالإبقاء ليس تقصيرا، و إنّما هو من باب القصور؛ بمعنى أنّ هذا ليس من جهة عدم التفاهم إلى أنّ حقيقة الاستصحاب ليس بذلك، بل إنّما هو من جهة عدم لفظ يكشف عن حقيقته و كنهه؛ فعبّروا عنه بما هو عنوان ثانويّ لما هو المأخوذ في حقيقته.

قلت: إنّ المنشأ له إن كان ذلك فلا بدّ لهم من التعبير عنه بالبقاء؛ لأنّه و إن لم يكن بكاشف عن حقيقته أيضا، لكنّه من المعقولات الأوّليّة لما هو المأخوذ في حقيقته بخلاف الإبقاء؛ فإنّه من المعقولات الثانويّة؛ فيكون الأوّل أولى من جهة أقربيّته إلى المبدا.

لكن يمكن أن يقال: إنّ الحالة السابقة ليست بواسطة في الثبوت لكي يكون معلولها

16

البقاء، و إنّما هي واسطة في الإثبات، و معلولها حينئذ إنّما هو الإبقاء؛ فلا بدّ على تقدير التعذّر من التعبير عنه بالإبقاء.

و ثانيا: أنّ المراد بالإبقاء إنّما هو الإذعان الظنّيّ بالبقاء، و هو عبارة اخرى عن تعريفه بالظنّ بالبقاء. و هذا لا ينطبق إلّا على القول باعتبار الاستصحاب من باب الظنّ الشخصيّ، دون ما استقرّ عليه مذهب المشهور؛ لأنّ الظنّ حقيقة في الرجحان الفعليّ، فلا ينطبق على الظنّ النوعيّ؛ لأنّ المراد به إنّما هو السبب الّذي من شأنه إفادة الظنّ، و أين هذا من المدلول الحقيقيّ للظنّ؟! و إرادة ذلك منه من باب المجاز مستلزم للالتزام بالدلالات المجازيّة في التعريف، و هذا أمر معيب عند أهله.

و ثالثا: بأنّ من أركان الاستصحاب هو الشكّ اللاحق، و التعريف المزبور خال عن إفادته.

و ما مضى- من أنّ كلمة الإبقاء لا يتمّ إلّا مع الشكّ اللاحق بالتقريب الّذي مرّ- مدفوع: أوّلا: بأنّ هذا من باب الإشعار، و هو لا يكفي في التعاريف لو قلنا باعتباره في غيرها، بل لا بدّ فيها من التنصيص.

و ثانيا- بعد التسليم و كون هذا الإشعار معتبرا بحيث ينتهي إلى التنصيص-: بأنّ أخذ هذا و إن كان مفيدا لاعتبار الشكّ في موضوع الاستصحاب، لكنّه موهون من جهة اخرى؛ و هي أنّ الاعتماد على الحالة السابقة بحيث تكون علّة للحكم بالبقاء، لا مدخليّة له في حقيقة الاستصحاب، سواء قلنا باعتباره من باب الأخبار أو العقل.

أمّا على الأوّل: بالنسبة إلى مجرى الاستصحاب أعني المكلّف فواضح؛ لأنّ استناده ليس إلّا التعبّد بالأخبار دون الاتّكال على الحالة السابقة. و أمّا بالنسبة إلى جاعله و مشرّعه، فلأنّ كون الحالة السابقة علّة للتشريع لا يستلزم كون عليّتها جزء المشرّع و داخلا في حقيقته. و إن شئت قلت: إنّ اعتبار الاستصحاب حينئذ من باب‏

17

التعبّد بمثابة سائر الاصول العمليّة؛ فليس الغرض من جعله إلّا بيان قاعدة للشاكّ المتحيّر في مقام العمل، و أين ذلك من كونه ناظرا إلى الواقع لكي يفتقر إلى ملاحظة علّيّة الحالة السابقة؟!

و أمّا على الثاني: فلأنّ علّة الشي‏ء غير مأخوذ في حقيقة المعلول. و إن بني على أخذها في حقيقته يلزم إحداث نوع رابع على الأنواع الّتي ذكرت في تعريف الاستصحاب؛ فليس لأخذ علّيّة «ما كان» في حقيقة الاستصحاب لأجل إفادة اعتبار الشكّ وجه. و هل هو إلّا فرارا من المطر إلى الميزاب؟!

فلا بدّ من ازدياد قيد آخر لكي يفيد ذلك. و عبّر عنه بعضهم بقوله: «عند الشكّ»، و آخر بقوله: «عند عدم العلم»، و ثالث بقوله: «عند عدم الدليل».

فالأولى في التعريف بناء على التحديد بالمحلّ ما عرفت في كلام المحقّق القميّ (رحمه اللّه).

و بناء على التحديد بالحالّ إن كان مدركه العقل هو: «الإذعان الظنّيّ ببقاء ما كان فيما يحتمل البقاء فيه»، و إن كان مدركه الأخبار هو: «البناء على العمل بما كان فيما يحتمل البقاء فيه». و هذا و إن كان أيضا منتهيا إلى الرسم دون الحدّ، لكن عند عدم الماء لا بدّ من التيمّم.

و كيف كان: فقد ظهر أنّ المعتبر في تحقّق الاستصحاب أمران:

أحدهما: المتيقّن السابق؛ بمعنى العلم بما كان حين إرادة الحكم بالبقاء.

و ثانيهما: الشكّ فيه في الآن اللاحق.

خرج بالأوّل ما يعبّر عنه في لسان بعضهم بالشكّ الساري. و بالثاني ما اطلق عليه استصحاب القهقريّ من زمان المولى البهبهانيّ و من تأخّر عنه.

أمّا الأوّل: فهو عبارة عمّا إذا توجّه حكم إلى موضوع في زمان مستندا إلى سبب، ثمّ زال ذلك السبب بحيث طرأ الشكّ في ثبوته في ذلك الزمان. و الوجه في‏

18

خروج ذلك كونه فاقدا للمتيقّن السابق حين إرادة الحكم بالبقاء.

و لبعض الأعلام في المقام كلام شرحه: أنّ الشكّ الساري في مورده موضوع و حكم مترتّب عليه. و هو بالنسبة إلى الأوّل خارج عن حقيقة الاستصحاب و بالنسبة إلى الثاني داخل فيها لكنّ الاستصحاب غير جار لكون الشكّ فيه في المقتضي؛ فإذا علم بعدالة زيد في زمان ثمّ زال ذلك العلم و طرأ الشكّ فلا إشكال في أنّ نفس الموضوع- أعني العدالة- غير متيقّن حين إرادة الحكم بالبقاء؛ فيخرج عن مجرى الاستصحاب.

و هذا بخلاف الحكم المترتّب عليه؛ أعني جواز الاقتداء؛ فإنّ العلم بثبوته كان موجودا في السابق، و حال الشكّ أيضا أمر معلوم؛ كيف، و الاقتداء قد وقع حال العلم بالعدالة؟! فيكون لا محالة جائز الثبوت. و الشكّ في ثبوت العدالة في ذلك الزمان إنّما يوجب الشكّ في جواز الاقتداء في الآن اللاحق دون السابق.

و بالجملة: إنّ الحكم الظاهريّ للمكلّف في ذلك الزمان إنّما هو جواز الاقتداء، و هو حين إرادة الحكم بالبقاء أيضا كان متيقّنا؛ فيصلح أن يقع موردا للاستصحاب؛ هذا.

أقول: إنّ ما فرضه- من جريان الاستصحاب في طرف الحكم- مندرج تحت عنوان أنّ الاستصحاب جار في الأحكام الظاهريّة أم لا؟

و التحقيق في ذلك: هو التفصيل بين ما إذا كان المستند في ثبوت ذلك الحكم من الأمارات الشرعيّة فلا مانع من جريان الاستصحاب فيه، و بين ما إذا كان طريقا عقليّا كالقطع إذا كان جهلا مركّبا ثمّ انقلب إلى الجهل البسيط فلا يجري الاستصحاب فيه.

أمّا الأوّل: فلأنّ الطريق الشرعيّ جزء موضوع للحكم الظاهريّ؛ فما لم ينقلب إلى القطع بالعدم يكون محتمل البقاء. و مجرّد زوال ذلك الطريق لا يوجب رفع هذا الاحتمال؛ لأنّ ذلك الطريق بعد كون العمل به متعبّدا به يكون ثبوت التعميم في‏

19

موضوعه بمكان من الاحتمال؛ بأن يكون في نظر الشارع مجرّد قيامه كافيا في إثبات ما قام عليه، و المفروض وجود المتيقّن السابق، و مع قيام احتمال البقاء لا مانع من جريان الاستصحاب.

لكن هذا على القول بكفاية الصدق العرفيّ في موضوع الاستصحاب كما هو طريقة المشهور. و من هذا الباب استصحاب جواز التقليد عند موت المجتهد أو عروض إغماء و جنون له.

و أمّا الثاني: فلأنّ حكم العقل بسلوك القطع حينئذ إنّما هو من باب الطريقيّة و كون المكلّف معذورا. و إذا انكشف أنّه جهل مركّب فلم يتحقّق في نظر العقل طريق لكي يثبت به الحكم في السابق حتّى يقع مجرى الاستصحاب.

نعم لو أخذ العلم من باب الموضوعيّة لا يبعد جريان الاستصحاب في ذلك الحكم المترتّب عليه نظرا إلى احتمال كفاية حصوله في ثبوت الحكم المترتّب عليه، و إن أتى بعد ذلك بمقام الزوال؛ بأن يكون العلّة (1) الموجدة هي المبقية.

و الغرض من ذلك جعل مجرى الاستصحاب هو نفس الحكم دون الموضوع، لكي يقال: إنّ المحقّق في محلّه عدم قيام الاستصحاب مقام القطع الموضوعيّ‏ (2).

و أمّا الثاني؛ أعني استصحاب القهقريّ: فخروجه عن حقيقة الاستصحاب واضح، بل تسميته بهذا الإسم غلط لائح.

____________

(1)- هذا، و في النسخة الموجودة: «علة».

(2)- و اعلم: أنّ من خواصّ القطع الّذي هو طريق إلى الواقع قيام الأمارات الشرعيّة و بعض الاصول العمليّة مقامه في العمل، بخلاف المأخوذ في الحكم على وجه الموضوعيّة؛ فإنّه تابع لدليل الحكم؛ فإن ظهر منه أو من دليل خارج اعتباره على وجه الطريقيّة للموضوع قامت الأمارات و بعض الاصول مقامه. و إن ظهر من دليل الحكم اعتبار القطع في الموضوع من حيث كونها صفة خاصّة قائمة بالشخص لم يقم مقامه غيره؛ انظر فرائد الاصول: 1: 33- 34.

20

نعم في مورده ما هو من الاستصحاب الحقيقيّ؛ و هو أصالة عدم النقل؛ فإنّه إذا ثبت أنّ مدلول صيغة الأمر في زماننا هذا هو الوجوب، و شكّ فيه في زمان الصدور، فمقتضى أصالة عدم النقل كون هذا المعنى ثابتا في ذلك الزمان أيضا؛ لكنّه أصل مثبت؛ هذا (1).

[أمور في بيان أنه أصل عمليّ أو أمارة ظنّيّة و أنه من الأدلّة العقليّة و أنه هل الاستصحاب مسألة أصوليّة أو فقهيّة؟]

[الأمر الأوّل: هل الاستصحاب أصل عمليّ أو أمارة ظنّيّة؟]

2- قوله (رحمه اللّه): «الأوّل: أنّ عدّ الاستصحاب من الأحكام الظاهريّة ...» (3: 13)

أقول‏: غير خفيّ على الوفيّ أنّ الحكم الظاهريّ له إطلاقان:

أحدهما: ما جعل في حقّ الجاهل سواء جعل الجهل في موضوعه أم لا، كالطرق و الأدلّة الاجتهاديّة؛ فإنّ الأحكام المستفاد منها أحكام ظاهريّة بملاحظة ما دلّ على حجّيّتها؛ ضرورة أنّ المأمور بالرجوع إليها ليس إلّا الجهّال، و بهذا الإطلاق جرى جماعة.

و الثاني: ما أخذ الشكّ و الجهل في موضوعه من غير أن يكون ناظرا إلى الواقع، و هذا مختصّ بالاصول العمليّة، و بهذا الإطلاق جرى المصنّف (رحمه اللّه) في غير موضع من الكتاب.

و المعنى الأوّل أعمّ.

____________

(1)- و اعلم: أنّه قد يوجد شي‏ء في زمان و يشكّ في مبدئه، و يحكم بتقدّمه؛ لأنّ تأخّره لازم لحدوث حادث آخر قبله و الأصل عدمه. و قد يسمّى ذلك بالاستصحاب القهقريّ. مثاله أنّه إذا ثبت أنّ صيغة الأمر حقيقة في الوجوب في عرفنا، و شكّ في كونها كذلك قبل ذلك حتّى تحمل خطابات الشارع على ذلك، فيقال: مقتضى الأصل كون الصيغة حقيقة فيه في ذلك الزمان، بل قبله؛ إذ لو كان في ذلك الزمان حقيقة في غيره لزم النقل و تعدّد الوضع، و الأصل عدمه. و هذا إنّما يصحّ بناء على الأصل المثبت. و أنّه متّفق عليه في الاصول اللفظيّة. و مورده:

صورة الشكّ في وحدة المعنى و تعدّده. و أمّا إذا علم التعدّد و شكّ في مبدإ حدوث الوضع المعلوم في زماننا، فمقتضى الأصل عدم ثبوته قبل الزمان المعلوم؛ و لذا اتّفقوا في مسألة الحقيقة الشرعيّة على أنّ الأصل فيها عدم الثبوت؛ انظر فرائد الاصول 3: 254، آخر التنبيه السابع من تنبيهات الاستصحاب.

21

3- قوله (رحمه اللّه): «و من العجب أنّه انتصر بهذا الخبر الضعيف ...» (3: 14)

أقول‏: يمكن أن يكون الوجه في عدم تمسّكهم بالأخبار هو اختصاص بعضها بالموارد الخاصّة عندهم، و عدم دلالة أكثرها على اعتبار الاستصحاب، بل المستفاد منها قواعد أخر (1)؛ كما سيأتى عند تعرّض الأخبار.

4- قوله (رحمه اللّه): «فالصغرى شرعيّة ...» (3: 16)

أقول‏: قد يورد عليه بأنّ الصغرى في الاستصحاب قد يكون غير شرعيّة؛ كما في استصحاب الموضوعات.

و فيه: أنّ الاستصحاب فيها لا يكون من الأدلّة؛ كما يأتي.

[الامر الثانى و الثالث الوجه فى عد الاستصحاب من الادلة العقلية و هل الاستصحاب مسألة اصولية أو فقهية]

5- قوله (رحمه اللّه): «الثالث: أنّ مسألة الاستصحاب على القول بكونه من الأحكام العقليّة ...» (3: 17)

أقول‏: في كون مسألة الاستصحاب من المسائل الاصوليّة أو الفقهيّة وجوه:

ثالثها: التفصيل بين الشبهات الحكميّة و الموضوعيّة؛ فالبحث عن الاستصحاب الجاري في الاولى من مسائل الاصول، و في الثانية من مسائل الفقه.

و رابعها: التفصيل بين الاستصحاب المنتهى اعتباره إلى العقل فمن الاصول، و إلى النقل فمن الفقه.

و خامسها: التفصيل بين الاستصحاب بمعناه الاسميّ- أعني ما هو عبارة عن المحلّ- فمن الاصول، و بينه بمعناه الوصفيّ- أعني ما هو عبارة عن الحالّ- فمن الفقه.

و تحقيق الكلام في المقام مبنيّ على رسم مقدّمة؛ و هي:

أنّ ميزان تمايز العلوم بعضها عن بعض بين وجوه ثلاث:

أحدها: تمايز العلوم بتمايز موضوعاتها. و هذا فيما إذا تباينت الموضوعات‏

____________

(1)- كقاعدة اليقين أو الشكّ الساري، و قاعدة الاحتياط و الاشتغال.

22

بأنفسها؛ بأن كانت مختلفة الجنس؛ مثل علم الطبّ بالنسبة إلى علم النحو مثلا؛ حيث إنّ الموضوع في الأوّل إنّما هو البدن و في الثاني هو الكلمة و الكلام.

و ثانيها: تمايزها بتمايز المحمولات. و هذا فيما إذا كانت الموضوعات متّحدة الجنس؛ مثل علم النحو و الصرف و المعاني و البيان و البديع؛ حيث إنّ الموضوع في الكلّ إنّما هو أمر واحد و هو الكلمة و الكلام؛ لكنّ المحمول في الأوّل إنّما هو الإعراب و البناء، و في الثاني هو الصحّة و الاعتلال، و في الثالث كونه مطابقا لمقتضى الحال، و هكذا.

و من هنا افتقر في أوّل كلّ علم إلى تعريف الموضوع لكي يبيّن به جهة جامعة بين أفراده، و إلى تعريف نفس ذلك العلم لكي يعلم به جهة جامعة بين محمولات ذلك الموضوع؛ فالتعبير عن هذا الميزان تارة يكون ب «تمايز المحمولات» و اخرى ب «تمايز الحدود و التعاريف».

و كيف كان: فإلى هذا الميزان ينظر قول أهل الميزان: «إنّ تمايزها في صورة اتّحاد الموضوع إنّما هو بتمايز الموضوعات من جهة الاختلاف في الحيثيّات الّتي اخذت قيدا لها».

و إن كان المحقّق في محلّه ثبوت الفرق بين المسلكين و كون المعتبر هو الأوّل.

و كيف كان: فالمقام لا يقتضي أزيد من هذا المقدار من الخوض.

و ثالثها: تمايزها بتمايز الأغراض و الفوائد. و هذا فيما إذا ثبت الاتّحاد بين المحمولات أيضا؛ كما في بحث الاصوليّ عن معنى أداة الحصر مثل «إنّما» و أمثاله، و حروف العطف مثل كلمة «ثمّ» و «الفاء» و «الواو». و النحويّ أيضا يبحث عن هذه بعين ما يبحث عنه الاصوليّ؛ لكن فائدة البحث و الغرض منه على الأوّل إنّما هو استنباط الأحكام الشرعيّة، و على الثاني مجرّد الاطّلاع على مداليل هذه الألفاظ لكي ينفع في الخطب و الأشعار و غيرهما؛ و من هنا افتقر الاصوليّ إلى أخذ قيد «الممهّدة» في‏

23

تعريف علم الاصول لكي يحترز به عن البحث النحويّ عن مداليل هذه الألفاظ.

و ممّا ذكرنا ظهر: أنّ البحث عن المداليل اللغويّة، من مسائل علم الاصول.

و ربما يتوهّم اندراجه تحت المبادي؛ و لذا تعرّضوا قبل الخوض في مسائل الاصول للمبادي اللغويّة و جعلوا البحث فيها عن المداليل اللغويّة.

و أنت خبير بما فيه: أوّلا: بأنّه منقوض بما ذكروا في مسائل الاصول؛ كالبحث عن مداليل ألفاظ العموم و الخصوص، و أدوات الشرط و الحصر إلى غير ذلك. و لو بني على كون هذه من المبادي يلزم انقلاب جلّ المسائل إلى المبادي، و هذا ممّا لا يلتزم به أحد.

و تسميتهم ما يبحث فيه عن المداليل اللغويّة بالمبادي إنّما هو من جهة كونه مبادي للفقه دون الاصول؛ فإنّ المبادي اللغويّة ممّا لا مبادية له بالنسبة إلى الاصول.

و السرّ في ذلك: أنّ الفقيه المستنبط للحكم الشرعيّ لمّا كان باحثا عن مداليل الأدلّة التفصيليّة فهو لا محالة محتاج إلى معرفة المداليل اللغويّة. و هذا بخلاف الاصوليّ؛ فإنّه ليس لبحثه في الاصول حجّة توقّف على معرفة مداليل الكتاب و السنّة؛ لأنّ بحثه إنّما هو عن حجّيّة الأدلّة و اعتبارها و تعارضها و الترجيح حال التعارض، و هذا غير متوقّف على معرفة مداليل الأدلّة، بل المعرفة الإجماليّة بنفس الأدلّة كافية فيه و إن لم يكن له علم بأنّ الألفاظ الموجودة في الأدلّة بأيّ لغة من اللغات. بخلاف الفقيه؛ فإنّ استنباط الحكم الشرعيّ من الأدلّة لا يمكن إلّا بعد معرفة المداليل اللغويّة للألفاظ العربيّة؛ و لذا عدّ من شرائط الفقيه معرفة اللغات، بخلاف الاصوليّ؛ هذا.

و ثانيا: بالحلّ: و هو أنّه على الميزان الأوّل أيضا يكون المبادي اللغويّة من مسائل علم الاصول؛ و ذلك لأنّ موضوع هذا العلم إنّما هو الدليل، و هو ليس إلّا

24

ما يوصل إلى الحكم الشرعيّ؛ و المراد من الإيصال ما هو أعمّ من الإيصال الشأنيّ و الفعليّ؛ كيف، و لو كان المراد به خصوص الأخير لزم خروج أكثر الأدلّة عن كونه دليلا؟! فإنّه لا أقلّ من افتقاره إلى الفحص عن المعارض؛ فيلزم عدم كون الأخبار و ما هو بمثابتها قبل الفحص من الأدلّة؛ لعدم كونها حينئذ من الأدلّة الفعليّة. و هو كما ترى.

و إذ قد ثبت أنّ الموصل الشأنيّ أيضا دليل فنقول: إنّ البحث عن مدلول كلمة «ثمّ» و «الواو» و «الفاء» و «أداة الحصر» و «ألفاظ العموم» إلى غير ذلك بحث عن أحوال الأدلّة؛ لأنّها أجزاء للكتاب و السنّة. و جزء الدليل أيضا دليل و موصل شأنيّ؛ فيكون البحث عن أحواله من علم الاصول؛ هذا.

ثمّ إنّ المبادي لها إطلاقان: فإنّها يطلق:

تارة: و يراد بها طائفة من المطالب الّتي يتوقّف الشروع في العلم عليها.

و اخرى: يطلق و يراد بها الأدلّة المستدلّ بها لإثبات المحمول للموضوع في القضيّة المبحوث عنها في نفس العلم.

و المبادي بإطلاقها الثاني تكون من أجزاء العلم؛ كما نطق به الشعر المعروف:

أجزاء علوم نزد عاقل‏* * * موضوع و مبادى و مسائل.

ثمّ إنّ المسائل أيضا لها إطلاقان:

تارة: تطلق و يراد بها القضايا.

و اخرى: المحمولات المنتسبة.

إذا عرفت هذه المقدّمة، فنقول: إنّ الكلام في المقام تارة: يقع في الاستصحاب الّذي هو من الأدلّة؛ أعني ما هو عبارة عن المحلّ.

و اخرى: في الاستصحاب الّذي هو من القواعد.

25

أمّا الأوّل: ففيه تفصيل بين الاستصحاب الجاري في الشبهات الحكميّة الكلّيّة فيكون البحث عنه مندرجا تحت علم الاصول، و بين الجاري في الأحكام الجزئيّة و الموضوعات الخارجيّة فيكون البحث عنه مندرجا تحت علم الفقه.

فلنا دعويان أمّا الاولى‏

فنقول: إنّ مدرك الاستصحاب إمّا الأخبار، أو بناء العقلاء، أو حكم العقل باعتبار الظنّ الحاصل منه حال الانسداد.

فإن كان الأوّل: فلا إشكال في كون البحث عنه من علم الاصول؛ لأنّه حينئذ بمثابة البحث عن حجّيّة سائر الأمارات المفيدة للظنّ بالحكم الشرعيّ؛ كالبحث عن حجّيّة خبر الواحد، و ظواهر الألفاظ، و القياس على مذهب من استعمله، إلى غير ذلك؛ فكما أنّ البحث عنها من علم الاصول فكذلك المقام؛ نعم هنا كلام و هو: أنّ البحث عنها من المبادي لعلم الاصول أو من مسائله؛ و سيأتي تفصيله بعيد هذا.

و كذلك لا إشكال على الثاني؛ لأنّ اعتبار بناء العقلاء في الأحكام الشرعيّة لا يكون إلّا من باب الإمضاء و التقرير من الشارع؛ فلا يكون البحث عن اعتبار الاستصحاب حينئذ إلّا منتهيا إلى الدليل الشرعيّ؛ فيكون بمثابة الأوّل من حيث اندراجه تحت علم الاصول.

و أمّا على الثالث: ففي كون البحث عنه مندرجا في علم الاصول اشكال و غموض؛ و ذلك لأنّ مرجع النزاع في اعتباره و عدمه حينئذ إلى أنّ الظنّ الحاصل من الحالة السابقة حجّة حال الانسداد أم لا؟ و هذا البحث ممّا لا يصلح لأن يندرج في مسائل علم الاصول و لا مباديه.

أمّا الأوّل: فلأنّ مسائل الاصول ما يبحث فيه عن العارض الذاتيّ للدليل، و هو

26

ما يفيد الظنّ بالحكم الشرعيّ؛ فليس نفس الظنّ بدليل لكي يكون البحث عن حجّيّته من مسائل الاصول؛ نظير البحث عن حجّيّة القطع؛ فكما أنّ القطع الطريقيّ حين الانفتاح ليس بدليل- لأنّه لم يقع حدّ الوسط على ما حقّق في محلّه- فكذلك الظنّ حين الانسداد؛ لأنّه حينئذ بمثابة القطع في جميع ما له من الآثار.

و أمّا الثاني: فلأنّ المبادي ما يبحث فيه عمّا يتحقّق به عنوان الدليل. و بعبارة اخرى: يبحث فيه عمّا يثبت به وصف الدليليّة لذات الدليل. و ما نحن فيه ليس كذلك؛ لأنّه بعد البحث عن حجّيّة الظنّ، و إثبات الحجّيّة له لا يندرج تحت عنوان الدليل لكي يكون محلّ البحث عن إثبات هذا العنوان له هو المبادي؛ لما عرفت من أنّ الدليل ما يفيد الظنّ بالحكم؛ فليس نفس الظنّ بدليل؛ فثبت أنّ البحث عنه حينئذ ليس بصالح لأن يندرج تحت علم الاصول.

نعم، يمكن تصحيح الاندراج بأن يلتزم بتعميم ذلك الحكم الّذي يتوصّل من الدليل إليه بحيث يشمل الحكم الثابت حال الإلجاء و الاضطرار؛ لأنّ الظنّ الثابت الحجّيّة بدليل الانسداد يكون موصلا إلى ذلك الحكم و سببا لتحقّقه؛ فيكون مندرجا تحت عنوان الدليل؛ و إذا يكون البحث عن حاله داخلا في علم الاصول.

لكن فيه: أنّ هذا التعميم بمحلّ المنع. و غاية ما ثبت في ذلك الحكم من التعميم إنّما هو تعميمه للحكم الواقعيّ و الظاهريّ. و أمّا شموله للحكم الإلجائي فلا؛ كيف، و هو مستلزم لاندراج مثل السهو و النسيان و أمثالهما ممّا يوجب تحقّق الأحكام الإلجائيّة، تحت عنوان الأدلّة؟! و الالتزام به كما ترى.

و الأولى في مقام التفصّي عن الإشكال المزبور أن يقال: إنّ هذا إنّما يتوجّه على تقرير دليل الانسداد على وجه الحكومة. و أمّا على وجه الكشف فلا، سواء قلنا بأنّ نتيجته حينئذ الظنّ الشخصيّ، أو الظنون النوعيّة؛ أعني الأمارات المفيدة للظنّ بحسب نوعها.

27

أمّا على الأخير: فواضح؛ لأنّ البحث عنها- لكونه عمّا يوجب الظنّ بالحكم الشرعيّ- يكون بحثا عن حال الدليل؛ فيندرج تحت الاصول.

و أمّا على الأوّل: فلأنّ العقل حينئذ يكشف عن حجّيّة الظنّ عند الشارع؛ فيكون حاله حينئذ مثل ما اعتبره الشارع حال الانفتاح؛ فكما أنّه حينئذ يقع حدّ الوسط و يكون موصلا إلى الحكم الشرعيّ فيكون دليلا فكذلك في مفروض المقام.

و ممّا ذكرنا ظهر: أنّ قوله (عليه السلام): «لا تنقض اليقين ...» و ما هو بمثابته دليل لحجّيّة الظنّ الحاصل من الحالة السابقة، و هو دليل لإبقاء الحكم في الموارد الخاصّة؛ نظير آية النبأ بالقياس إلى أخبار الآحاد.

و لعلّه إلى هذا ينظر كلام السيّد العلّامة بحر العلوم؛ حيث جعل الاستصحاب دليلا على الحكم في مورده، و قوله (عليه السلام): «لا تنقض اليقين ...» دليلا على الدليل‏ (1).

و كيف كان: فإن كان مراده ما ذكرنا فهو متّجه، و إلّا فهو مردود بما في المتن.

بقي الكلام- بعد أن ثبت أنّ البحث عن الاستصحاب بمعناه الاسميّ أعني ما عدّ من الأدلّة داخل في علم الاصول سواء كان مدركه الشرع أو العقل- في أنّه من مبادي علم الاصول أو مسائله؟

قد يقال: إنّ ذلك مبنيّ على أنّ موضوع علم الاصول هل هو الدليل بعد الفراغ عن كونه دليلا كما عن المحقّق القميّ (رحمه اللّه)، أو ذات الدليل من حيث يبحث عن دليليّته أو عمّا يعرض له بعد الدليليّة؟

فعلى الأوّل يكون مسألة الاستصحاب من المبادي التصديقيّة بالمعنى الأوّل الّذي ذكرنا للمبادي، و على الثاني يكون من المسائل.

____________

(1)- فوائد السيّد بحر العلوم: 116- 117؛ انظر فرائد الاصول 3: 19- 20.

28

و تحقيق المقام يقتضي التكلّم تارة في المبنى، و اخرى في البناء؛ أعني ما تفرّع عليه:

أمّا الأوّل: فنقول: إنّ احتمال كون موضوع الاصول هو ذات الدليل إنّما يكون له مسرح لو قلنا بأنّ الموضوع فيه هو الكتاب و السنّة و الإجماع و العقل بعناوينها الخاصّة؛ كيف، و صحّ حينئذ أن يقال: إنّ موضوع هذا العلم هل هو ذات الكتاب و ذات السنّة و هكذا، أو الكتاب و السنّة و الإجماع و العقل بعد الفراغ عن كونها أدلّة؟! لكنّه ليس كذلك بل الموضوع له عبارة عن عنوان كلّيّ يعبّر عنه ب «ما يتوصّل به إلى الحكم الشرعيّ»، و الكتاب و السنّة إلى آخره ليست إلّا مصاديق له.

و تعبير القوم بهذه المصاديق إنّما هو من جهة انحصار ذلك الأمر الكلّيّ فيها؛ نظير تحديد الكوكب النهاريّ بالشمس.

و حينئذ لا مسرح لكون الموضوع عبارة عن ذات ذلك الأمر الكلّيّ؛ ضرورة أنّه حينئذ إن جعل الموضوع ذات الموصل بوصف الإيصال فهو عين مقالة المحقّق القميّ (رحمه اللّه)، و إن جعل الموضوع نفس الموصوف معرّى عن صفة الإيصال- أعني ذات الشي‏ء- فهو أمر مبهم لم يأت بعد بمقام التعقّل لكي يبحث عن أحواله. و المفروض أنّ ذات ذلك الأمر الكلّيّ غير مضاف إلى مصداق خاصّ- كالكتاب مثلا- حتّى يخرج عن مرتبة الإبهام.

و يشهد بما ادّعينا- من كون الموضوع ذلك الأمر الكلّيّ دون المصاديق-:

أوّلا: اختلافهم في عدد هذه المصاديق بين من اقتصر على الأربعة المزبورة و من زاد عليها و من نقص عنها؛ ضرورة أنّ نفس الموضوع غير قابل للزيادة و النقيصة؛ لأنّه ممّا لا يخفى على أحد؛ فمعلوم أنّ الموضوع عبارة عن ذلك الأمر الكلّيّ، و اختلافهم من حيث الزيادة و النقيصة إنّما هو بحسب مصاديقه.

29

و ثانيا: ما عن العلامة (رحمه اللّه) من التعبير عن موضوع هذا العلم بطرق الفقه؛ فإنّ هذا عبارة اخرى عن ذلك الأمر الكلّيّ‏ (1).

و ثالثا: أنّ الموضوع له إن كان هو الكتاب مثلا بعنوانه الخاصّ فلازمه أن يكون تميّز علم الاصول عن بعض ما عداه بحسب اختلاف المحمول و الحيثيّة. و التالي باطل بالبداهة؛ فإنّ كلّ من تعرّض لبيان تمايزه فإنّما ميّزه عن جميع ما عداه بحسب الموضوع.

بيان الملازمة: أنّ الكتاب بعنوانه الخاصّ كما يكون موضوعا لهذا العلم كذلك يكون موضوعا لعلم القراءة و علم الكلام و المعاني و البيان، فلا بدّ حينئذ من التمايز باختلاف الحيثيّة؛ بأن يقال: إنّ البحث في الأوّل من حيث كونه دليلا للحكم الشرعيّ، و في الثاني من حيث أداء حروفه عن المخارج، و في الثالث من حيث القدم و الحدوث و كونه مشتملا لصفة الإعجاز فيكون مثبتا للنبوّة، و في الرابع من حيث اشتماله على البلاغة و الفصاحة.

فظهر من الشواهد المرقومة: أنّ الموضوع في علم الاصول عبارة عن ذلك الأمر الكلّيّ الّذي ذكر دون مصاديقه.

نعم، ينافي ذلك:

تارة: تعبير القوم عنه بالأدلّة؛ كيف، و لو كان الموضوع فيه هو ذلك الكلّيّ لم يفتقر التعبير عنه إلى الإتيان بالجمع؟!

لكن فيه: أنّ المراد به جنس الجمع؛ نظير قولهم في مقام تعريف الحكم بأنّه خطاب اللّه المتعلّق بأفعال المكلّفين.

____________

(1)- قبل العلّامة، قال المحقّق في تحديد اصول الفقه: «هي طرق الفقه على الاجمال. و يقصد بطرق الفقه الامور الّتي يستخدمها الفقيه للوصول إلى الأحكام الشرعيّة»؛ انظر معارج الاصول:

47؛ و رياض المسائل للطباطبائيّ 2: 55.

30

و اخرى: تعبيرهم عنه بالكتاب و السنّة إلى آخره؛ فإنّ الظاهر كون الموضوع ذات الكتاب و ذات السنّة؛ فإنّ وصف الدليليّة أمر زائد لا دليل على اعتباره في عنوان الكتاب و أمثاله.

لكن فيه: ما عرفت من أنّ هذا ليس إلّا بيانا للمصاديق؛ هذا.

ثمّ إنّه قد أتى المصنّف (رحمه اللّه) في مقام تأييد القول بكون الموضوع ذات الدليل بقوله:

«و لعلّه موافق لتعريف الاصول بأنّه العلم بالقواعد الممهّدة لاستنباط الأحكام الفرعيّة عن أدلّتها» (1).

و منشأ نظره (رحمه اللّه) في ذلك: أنّ البحث عن دليليّة الدليل لكي يحصل العلم بها، علم بقاعدة كلّيّة مهّدت لاستنباط الحكم الفرعيّ. و إذا كان البحث عن وصف الدليليّة من المسائل كما هو مقتضى هذا التعريف، فلا بدّ أن يكون الموضوع ما يساوق كون هذا البحث من المسائل، و هذا ليس إلّا ذات الدليل؛ هذا.

و فيه: أنّ هذا التعريف إن لوحظ بظاهره يلزم اندراج المبادي التصديقيّة بأسرها تحت المسائل؛ لأنّ البحث فيها بأسرها لا يكون إلّا عن القواعد الممهّدة لاستنباط الأحكام الفرعيّة. و هذا ممّا لا يلتزم به أحد؛ فلا بدّ حذرا من ورود هذا المحذور من الالتزام بأنّ المراد بالتمهّد للاستنباط هو التمهّد القريب لا ما هو أعمّ منه و من البعيد. و حينئذ يخرج المبادي التصديقيّة؛ لأنّ التمهيد فيها للاستنباط إنّما هو بوجه بعيد. و كذلك يخرج البحث عن الدليليّة؛ لأنّه أيضا بمثابتها في البعد عن الاستنباط و لو بمرتبة واحدة؛ هذا.

و أمّا الثاني- أعني الكلام في التفريع على ذلك المبنى- فنقول: إنّ للنظر فيه مجالا واسعا؛ لأنّ لنا أن نقول: إنّ البحث عن حجّيّة الاستصحاب داخل في المسائل‏

____________

(1)- كما في الفصول: 9؛ و مناهج الأحكام: 1؛ انظر فرائد الاصول 3: 18.

31

و إن قلنا بأنّ الموضوع هو الدليل بعد الفراغ عن كونه دليلا؛ لأنّ البحث عن دليليّة الدليل غير البحث عن كونه حجّة.

و تفصيل هذا المقال: أنّه قد عرفت أنّ الدليل عبارة عمّا يتوصّل به إلى الحكم الشرعيّ؛ و المراد بالإيصال هو الإدراك. و هو من جهة الاختلاف في سببه- حيث إنّه بين دليل و أمارة- على قسمين: قطعيّ و ظنّيّ.

و الكلام في الدليل تارة: يقع في أنّه موصل إلى الحكم الشرعيّ أم لا؟ و بعبارة اخرى: إنّه يفيد القطع أو الظنّ به أم لا؟

و اخرى: بعد إحراز كونه مفيدا للقطع به أو الظنّ في أنّه حجّة يجب العمل به أم لا؟ و بعبارة اخرى: يكون قاطعا للعذر عن المكلّف؟

و الضرورة قضت بأنّ مجرّد كون الدليل مفيدا للظنّ أو القطع بالحكم الشرعيّ لا يوجب جواز العمل به؛ أو ليس القياس و الخبر من الفاسق مثلا مفيدا للظنّ به و مع ذلك لا يجوز العمل به؟! و كذلك القطع إذا حصل من العقل على مذهب الأخبارىّ؛ حيث قالوا: إنّ المناط في الإطاعة ليس مجرّد القطع بثبوت الحكم الشرعيّ من أيّ سبب حصل، بل ما ثبت من كلام المعصوم (عليه السلام)؛ فليس كلّ ما يفيد القطع بحجّة، فظهر أنّ البحث عن الدليليّة غير البحث عن الحجّيّة.

إذا عرفت هذا فنقول: إنّ البحث في باب الاستصحاب إن كان عن دليليّته- أعني كون الحالة السابقة مفيدة للظنّ بالحكم الشرعيّ في الآن اللاحق- لكان التفصيل المذكور في التفريع حسنا. لكنّه ليس كذلك، بل كان هذا مفروغ الثبوت، و إنّما البحث فيه عن حجّيّة الاستصحاب أعني كونه واجب العمل و من المعلوم أنّ هذا من عوارض الدليل بعد الفراغ عن كونه دليلا؛ فيكون البحث عنه من المسائل سواء كان الموضوع في الاصول هو ذات الدليل أو الدليل بوصف الدليليّة.

32

هذا كلّه في اثبات الدعوى الاولى و أمّا الثانية

أعني كون البحث عن الاستصحاب الجاري في الموضوعات الخارجيّة و الأحكام الجزئيّة، من المسائل الفقهيّة، سواء كان اعتباره منتهيا إلى العقل أو النقل، فهي بمكان من الوضوح؛ لأنّ إجراء هذا الاستصحاب- لعدم اشتراطه بالفحص في الأدلّة- لا يختصّ بالمجتهد، بل يكون المقلّد و المجتهد فيه على حدّ سواء؛ فيكون البحث عنه حينئذ نظير التكلّم في اعتبار سائر الأمارات؛ كيد المسلمين و سوقهم و البيّنة إلى غير ذلك.

[البحث عن الاستصحاب بمعناه الوضعيّ؛ أي ما عدّ من القواعد]

هذا تمام الكلام في الاستصحاب المعدود من الأدلّة.

و أمّا البحث عن الاستصحاب بمعناه الوضعيّ؛ أعني ما عدّ من القواعد:

فالكلام فيه تارة: يقع على تقدير كون اعتباره منتهيا إلى العقل، و اخرى: على تقدير انتهاء اعتباره إلى النقل.

أمّا الأوّل: فنقول: قد عدّ الاستصحاب حينئذ في كلام غير واحد (1)، من الاستلزامات المعبّر عنها بالأحكام العقليّة الغير المستقلّة، خلافا لما عن الذكرى حيث عدّه من المستقلّات العقليّة (2).

____________

(1)- قال الشيخ (رحمه اللّه): في فرائد الاصول 3: 13- 14: «ظاهر كلمات الأكثر- كالشيخ و السيّدين و الفاضلين و الشهيدين و صاحب المعالم- كونه حكما عقليّا؛ و لذا لم يتمسّك أحد هؤلاء فيه بخبر من الأخبار؛ انظر العدّة للشيخ 2: 758؛ و الذريعة للسيّد 2: 829- 832؛ و الغنية لابن زهرة (الجوامع الفقهيّة): 486؛ و المعارج للمحقّق: 206- 208؛ و أيضا المعتبر 1: 32؛ و مبادئ الوصول للعلّامة: 250- 251؛ و أيضا تهذيب الوصول: 105؛ و أيضا نهاية الوصول (مخطوط): 407؛ و الذكرى للشهيد الأوّل 1: 53؛ و أيضا القواعد و الفوائد 1: 132؛ و تمهيد القواعد للشهيد الثاني: 271؛ و المعالم للشيخ حسن: 233- 234.

(2)- الذكرى 1: 53.

33

و كيف كان: فالمراد بالاستلزامات هي القضايا العقليّة الّتي يكون العقل فيها بأنفسها مستقلّا، و باعتبار إجرائها في الموارد الخاصّة من الأحكام الشرعيّة يكون غير مستقلّ. و هذه مثل حكمه بثبوت التلازم بين وجوب المقدّمة و وجوب ذيها، و التلازم بين وجوب المأمور به و حرمة ضدّه، و التلازم بين المنطوق و المفهوم، إلى غير ذلك؛ فإنّ العقل فيها و إن كان يحكم مستقلّا من غير الاحتياج في حكمه هذا إلى الغير كما في المستقلّات العقليّة، إلّا أنّ حكمه هذا- باعتبار إجرائه في الموارد الخاصّة بحيث يصير محلّا لتكليف المكلّفين لا محالة- يحتاج إلى صدور خطاب من الشارع؛ لقضاء الضرورة بأنّ الحكم بوجوب المقدّمة مثلا بحيث يصير محلّا للتكليف لا يتعقّل إلّا بعد صدور خطاب من الشارع بوجوب ذي المقدّمة. و هذا بخلاف حكمه بقبح الظلم و حسن الوديعة؛ فإنّ هذا يتحقّق منه و لو لم يكن خطاب في البين أصلا، بل و لو لم يتديّن بالدين أبدا.

ثمّ إنّ هذا التلازم الّذي يحكم به العقل في الاستلزامات تارة: يكون دائميّا بحكم العقل الصريح؛ فيكون ذلك الحكم الصادر منه قطعيّا كما في الأمثلة المرقومة.

و اخرى: يكون بحكم الغلبة و العادة؛ حيث استقرّت على أنّ ما ثبت يدوم؛ فيكون ذلك ظنّيّا.

إذا عرفت ذلك فنقول: قد وقع البحث في علم الاصول عن غير واحد من القضايا العقليّة؛ كالبحث عن التحسين و التقبيح العقليّ، و البحث عن وجوب المقدّمة، و حرمة الضدّ، و ثبوت المفهوم، و أنّ ما ثبت يدوم أم لا؟ فلا بدّ من بيان أنّ البحث عنها أيّ محلّ له في الاصول؛ فنقول:

أمّا الأوّل: فهو من مبادي المبادي لمسائل الاصول؛ و ذلك لأنّه بحث عن إدراك العقل للحسن و القبح، و ذلك مقدّمة للبحث عن مسألة الملازمة، و البحث فيها-

34

لكونه بحثا عن دليليّة الدليل- كيف، و هو بحث عن كون الحسن العقليّ و كذا قبحه دليلا على الوجوب الشرعيّ و كذلك حرمته أم لا؟- يكون من المبادي بالنسبة إلى علم الاصول؛ فيكون البحث عن التحسين و التقبيح من مبادي ذلك المبادي.

يحصل من البحث الأوّل إثبات صغرى و هو كون العدل حسنا، و من الثاني إثبات كبرى و هو أنّ كلّ حسن يكون واجبا عند الشارع. و لا ريب أنّ الحسن لوقوعه حدّ الوسط يكون دليلا على الحكم الشرعيّ، و البحث عن دليليّة الدليل يكون من المبادي.

و لمّا كان هذا البحث موقوفا على ثبوت إدراك العقل للحسن و القبح، فيكون البحث عن إدراكه مبادي لذلك المبادي.

و بمثابة ما ذكر قد جرى البحث عن الاستلزامات القطعيّة؛ و ذلك لأنّ البحث عن ثبوت التلازم بين وجوب المقدّمة و ذيها مقدّمة للبحث عن دلالة خطاب‏ أَقِمِ الصَّلاةَ مثلا على وجوب مقدّمتها، و البحث في ذلك لكونه عن دلالة الدليل يكون من المبادي؛ فيكون البحث عن ثبوت التلازم بين وجوب المقدّمة و ذيها مبادي لهذه المبادي.

و أمّا البحث عن الاستلزام الظنّيّ الثابت بحكم العقل في قضيّة: «ما ثبت يدوم» فهو يختلف بالاختلاف الثابت في تقرير مدرك هذه القضيّة؛ أعني الغلبة؛ فإن قرّرت بحيث توجب الظنّ بأنّ مراد الشارع في الخطاب الصادر في بيان حكم الحالة السابقة ما هو أعمّ منها و من الحالة اللاحقة- يعنى أنّ المشكوك مظنون الاندراج تحت ذلك الخطاب- فيكون البحث عن تلك القضيّة من مبادي المبادي؛ لأنّه مقدّمة للبحث عن دلالة ذلك الخطاب، و هو لكونه بحثا عن دلالة الدليل يكون من المبادي؛ فيكون هذا البحث مبادي لذلك المبادي.

35

و إن قرّرت بحيث توجب الظنّ بثبوت الحكم في الآن اللاحق و لو لم يندرج تحت المراد من ذلك الخطاب، فالبحث حينئذ تارة: يقع عن حجّيّة تلك الأمارة الّتى أورثت الظنّ بثبوت الحكم في الآن اللاحق، و اخرى: عن حجّيّة نفس ذلك الظنّ.

فإن كان الأوّل: فهو من علم الاصول إمّا المبادي منه أو المسائل على الخلاف الّذي مضى.

و إن كان الثاني: فهو ليس منه لأنّه ليس بحثا عن حال الدليل و إنّما هو بحث عن حال ما يحصل من الدليل أعني الظنّ، بل يكون مندرجا تحت علم الكلام على ما حقّقناه في محلّه- تبعا للمحقّق القميّ (رحمه اللّه)-: من أنّ البحث عن حجّيّة الظنّ حال الانسداد إنّما هو من علم الكلام.

بقي شي‏ء: و هو أنّ المناط في انتساب الحكم إلى العقل ليس كون الموضوع في القضيّة عقليّا؛ كيف، و الموضوع في القضايا العقليّة غالبا يكون من الامور الخارجيّة؟!

و لا كون الإذعان فيها عقليّا؛ كيف، و الاذعان في جميع القضايا لا محالة ينتهى إلى العقل؟!

و لا كون الإنشاء عقليّا؛ كيف، و المحقّق في محلّه عدم ثبوت الإنشاء و الإلزام للعقل؟!

بل المناط فيه كون إدراك المحمول منبعثا من العقل بحيث لا ينتهي إدراكه إلّا إليه. و ذلك واضح في المستقلّات، و بمثابتها الاستلزامات القطعيّة؛ فإنّ إدراك التلازم بين وجوب المقدّمة و ذيها، و وجوب المأمور به و حرمة الضدّ، و المفهوم و المنطوق، ما بعث إلّا من مصدر العقل.

و أمّا ما ثبت في قضيّة: «ما ثبت يدوم» من التلازم فإن كان الحالة السابقة

36

واسطة في ثبوت الحكم بالدوام لكان لانتساب الحكم إلى العقل وجه. لكنّه ليس كذلك؛ فإنّ الحالة السابقة واسطة في الإثبات، و انبعاث ذلك لما كان من الأمر الخارجيّ- أعني العادة- ففي انتسابه إلى العقل إشكال غايته.

و أمّا الثاني- أعني البحث عنه على تقدير انتهاء اعتباره إلى النقل- فنقول:

إنّ الظاهر كونه حينئذ من المسائل الفقهيّة؛ و يدلّ عليه:

أوّلا: أنّ الفقه- كما ينبئ عن ذلك تعريفه- عبارة عن المداليل التفصيليّة المستفادة من الأدلّة التفصيليّة. و الحكم بوجوب إبقاء المتيقّن السابق أيضا حكم تفصيليّ مستفاد من الأدلّة التفصيليّة؛ أعني الأخبار الواردة في هذا الباب.

و ثانيا: أنّ الفقه لا يبحث فيه إلّا عمّا يتعلّق بكيفيّة عمل المكلّف. و البحث عن وجوب بقاء المتيقّن السابق أيضا بحث عمّا يتعلّق بكيفيّة عمل المكلّفين.

و الحاصل: أنّ العمدة في تميّز العلوم بعضها عن بعض إنّما هو صدق الموضوع و تعريف ذلك العلم، و كلاهما في المقام يوجبان اندراج البحث عن الاستصحاب تحت المسائل الفقهيّة؛ أمّا الأوّل فهو مفاد الوجه الثاني كما أنّ الثاني مفاد الوجه الأوّل.

و قد يقال: إنّ البحث عنه حينئذ من الاصول؛ و استدلّ له:

تارة: بصدق التعريف؛ أي تعريف الاصول بأنّه العلم بالقواعد الممهّدة لاستنباط الأحكام الشرعيّة الفرعيّة؛ فإنّ الاستصحاب الجاري في الشبهات الحكميّة- كما هو مفروض المقام- أيضا قاعدة ممهّدة لاستنباط الحكم الشرعيّ.

و اخرى: بأنّ تهذيب الأدلّة و تحقّق موضوعها بحيث تأتي بمقام العمل إنّما يكون بالاستصحاب؛ مثل أصالة عدم النسخ و عدم السهو و الخطأ إلى غير ذلك ممّا يتوقّف اتّفاق موضوع الدليل باجرائه. و كلّ ما يتوقّف تحقّق موضوع الدليل عليه يكون‏

37

البحث عنه لا محالة من شأن الاصوليّ؛ ضرورة أنّ الفقيه لا يبحث عمّا يتوقّف إتقان موضوع علم الاصول عليه.

و ثالثا: بأنّ الاستصحاب الجاري في الشبهات الحكميّة ممّا يختصّ الانتفاع به بالمجتهد و لا حظّ للمقلّد فيه؛ كيف، و هو موقوف على التتبّع، و المقلّد لا يقدر عليه؟! و هذا من خواصّ المسألة الاصوليّة.

و دعوى: أنّ اختصاص إجرائه بالمجتهد من جهة كون المقلّد فاقدا لشرطه، و هو الفحص، و هل هو إلّا كاختصاص وجوب الحجّ مثلا بواجد الاستطاعة دون فاقدها؟! و مجرّد اختصاص حكم بمكلّف خاصّ من جهة كونه واجدا لشرطه دون فاقده لا يوجب خروج البحث عنه عن مسائل الفقه.

مدفوعة: بأنّه لو بني على ذلك يلزم انقلاب جميع المسائل الاصوليّة عن كونها من علم الاصول إلى غيره؛ مثل البحث عن حجّيّة الخبر الواحد و غيره من الأمارات؛ لأنّ عدم العمل بها للمقلّد أيضا من جهة كونه فاقدا لشرطه.

و رابعا: بالتدوين في كتب الاصول؛ لأنّ المسائل الفقهيّة إنّما هي مدوّنة في الكتب الفقهيّة.

و خامسا: بالشهرة في الألسنة؛ هذا.

و في الكلّ مجال للنظر:

أمّا الأخيران: فبمكان من الوضوح؛ لأنّ أمثال ذلك ليست من الموازين في مقام تمايز العلوم؛ و لذا لم يتعرّض لذكرها أهل الميزان.

و أمّا الأوّل: ففيه: أوّلا: بالنقض بتعريف الفقه؛ فإنّه أيضا صادق على الاستصحاب المزبور؛ فإنّ وجوب إبقاء ما كان أيضا حكم شرعيّ فرعيّ مستفاد من الأدلّة التفصيليّة؛ أعني الأخبار الواردة في هذه الباب.

38

و ثانيا: بالحلّ؛ بأنّ مفاد «لا تنقض اليقين»- أعني وجوب إبقاء ما كان- ليس بقاعدة ممهّدة لاستنباط الحكم الشرعيّ، و إنّما هو بنفسه حكم شرعيّ مستفاد من الخبر.

و أمّا الثاني: ففيه: أوّلا: بالنقض بقاعدة الحرج؛ لأنّها أيضا ممّا ينقّح به موضوع الدليل؛ فإنّه ينفي وجوب الفحص عن المعارض حتّى يقطع بعدمه بنفي الحرج مع كون هذه القاعدة من المسائل الفقهيّة ممّا يشهد به البداهة.

و ثانيا: بالحلّ؛ بأنّ تلك الاصول الّتي ينقّح بها موضوع الدليل ليس ممّا ينتهي اعتباره إلى الأخبار، بل هي اصول عقلائيّة بعث اعتبارها من بناء العقلاء؛ فالّذي هو محلّ الكلام إنّما هو الاستصحاب الّذي اعتبر بالأخبار من باب التعبّد، و أين ذلك من الاصول المنتهى اعتباره إلى بناء العقلاء؟!

و أما حلّ الإشكال في مورد النقض: فبأنّ نفي الحرج الّذي يتمسّك به في المسألة الاصوليّة إنّما هو معتبر بحكم العقل من جهة كون الفحص العلميّ تكليفا بما لا يطاق، و الّذي هو من المسائل الفقهيّة إنّما هو نفي الحرج المنتهى اعتباره إلى الدليل النقليّ.

و أمّا الثالث: ففيه: أوّلا: أنّه منقوض بقاعدة الطهارة إذا كان موردها الشبهات الحكميّة.

و ثانيا: بمنع كون مسائل الفقه عبارة عن كلّ ما ينتفع به المقلّد؛ كيف، و هو يستلزم انقلاب جلّ قواعد الفقه إلى الاصول لعدم انتفاع المقلّد بها رأسا؟! و هو كما ترى.

و قد يستدلّ لاندراج البحث عن الاستصحاب المزبور تحت المسائل الاصوليّة:

بأنّ تميّز الفقه عن الاصول- بعد اشتراكهما في أنّ خطاب اللّه في كلّ منهما يتعلّق بعمل المكلّف- بأنّ تعلّقه إن كان بعمل المكلّف الخاصّ- أعني من هو جامع لشرائط الاجتهاد و قادر على الفحص في الأدلّة- فهو من علم الاصول، و إن كان تعلّقه بعمل‏

39

المكلّف من غير فرق فيه بين المجتهد و المقلّد فهو من الأحكام الفقهيّة. و الاستصحاب الجاري في الشبهات الحكميّة من قبيل الأوّل؛ كيف، و هو ليس إلّا مثل وجوب العمل بالخبر الواحد من حيث تعلّقه بعمل المكلّف الخاصّ؛ هذا.

و فيه: أوّلا: بالنقض بقاعدة الطهارة الجارية في الشبهات الحكميّة.

و ثانيا: بمنع كون الميزان في تمايزها ذلك، بل الميزان إنّما هو أنّ ذلك الخطاب إن كان متعلّقا بعمل المكلّف بلا واسطة فهو من المسائل الفقهيّة، و إن كان متعلّقا به مع الواسطة فهو من المسائل الاصوليّة.

و الاستصحاب من قبيل الأوّل؛ لأنّ مفاد دليل اعتباره- أعني لا تنقض اليقين- إنّما يتعلّق بعمل المكلّف بدون توسيط واسطة. و هذا بخلاف الخبر الواحد؛ فإنّ مفاد دليل اعتباره- أعني آية النبأ- يتعلّق بعمل المكلّف مع الواسطة، كما هو واضح.

6- قوله (رحمه اللّه): «الرابع: أنّ المناط في اعتبار الاستصحاب على القول بكونه ...» (3: 21)

أقول‏: توضيح المقام: أنّ اعتبار الاستصحاب إن انتهى إلى العقل فهل هو معتبر من باب الوصف أو السببيّة؟ و على الثاني فهل هو من باب السببيّة المطلقة أو المقيّدة؟

و بعبارة اخرى: إنّ اعتباره حينئذ هل هو من باب الظنّ الفعليّ أو النوعيّ؟

و على الثاني هل هو من باب الظنّ النوعيّ الكبير أو النوعيّ الصغير؟ وجوه.

و لا يتوهّم: أنّ اعتبار الاستصحاب عندنا من باب الأخبار يغنينا عن البحث المزبور؛ كيف، و المعيّن فيه حينئذ إنّما هو السببيّة المطلقة؟!

لأنّا نقول: إنّ لنا اصولا عدميّة بل وجوديّة أيضا في الجملة لا يزال التمسّك بها في العبادات و المعاملات و المرافعات و السياسات و لم يكن اعتبارها منتهيا إلى الأخبار أصلا، بل إنّما تكون ثابت الاعتبار من باب بناء العقلاء، و هذا البحث إنّما ينفع فيها.

40

و كيف كان: فالوجه الأوّل صريح شيخنا البهائي (رحمه اللّه)(1) و ارتضاه شارح الدروس‏ (2). و يشهد له ظاهر تعاريفهم حيث عبّروا فيها بالإبقاء؛ فإنّ المراد به هو الحكم بالبقاء، و هو إذا انتهى إلى العقل لا يكون إلّا الإذعان به ظنّا، و الظاهر من الظنّ هو الفعليّ.

و شواهد الوجه الثاني- أعني السببيّة المعبّر عنها بالظنّ النوعيّ- بين امور:

منها: تعريف العضدي؛ حيث قال: «إنّ الشي‏ء الفلاني قد كان و لم يظنّ عدمه، و كلّ ما هو كذلك فهو مظنون البقاء» (3)؛ ضرورة أنّ المراد بالظنّ بالبقاء المرسوم في كلامه إن كان هو الظنّ الشخصيّ فهو مستلزم للكذب؛ كيف، و مجرّد عدم الظنّ بالخلاف لا يوجب الظن الفعليّ بالبقاء؟! فلا بدّ أن يكون مراده هو الظنّ النوعيّ.

و منها: تمسّكهم في اعتبار الاستصحاب بأنّه لو لم يكن معتبرا للزم اختلال النظام. و زاد آخر بأنّ العمل بالحالة السابقة أمر مركوز في النفوس حتّى الحيوانات.

و ذلك لأنّ البداهة قاضية بأنّ من عدم العمل بالظنّ المنبعث من الحالة السابقة لا يلزم ذلك المحذور؛ كيف، و لو بني على صرف العمل بالحالة السابقة و لو لم تفد الظنّ لارتفع اختلال نظام العالم؟! و أيضا جبلّة نفوس الحيوانات ليست من جهة وصف الظنّ، بل لمجرّد وجود الحالة السابقة.

و منها: تمسّكهم في اعتباره أيضا بالغلبة؛ فإنّ الغلبة بنفسها و إن كانت تنبئ عن كون العبرة بوصف الظنّ، لكن بلحاظ تمسّك العلماء بها في مقام إثبات اعتبار غير واحد من الأمارات الّتي يكون اعتبارها عندهم من باب الظنّ النوعيّ، يعلم أنّ ملاحظتهم للظنّ ليس من باب العلّة لكي يدور مدار وصف الظنّ، بل إنّما هو من‏

____________

(1)- انظر الحبل المتين: 37.

(2)- انظر مشارق الشموس: 142.

(3)- شرح مختصر الاصول 2: 453.

41

باب الحكمة، فليكن في المقام أيضا كذلك؛ لأنّه أيضا بمثابتها.

هذا حسب ما يستفاد من كلماتهم، و التحقيق في المقام: أنّ اعتبار الاستصحاب إن كان من باب دليل الانسداد فهو لا محالة منوط بوصف الظنّ. و إن كان من بناء العقلاء فهو من باب الظنّ النوعيّ؛ لأنّه لم يستقرّ على حصول وصف الظنّ. و يؤكّد ذلك- أعني كون اعتباره من باب الظنّ النوعيّ- الإجماع المحقّق. و الاطّلاع على ذلك يحصل بعد ملاحظة أمرين:

أحدهما: قيام الضرورة على أنّ لهم اصولا عدميّة، بل الوجوديّة أيضا في الجملة، يعملون بها من غير انتهاء اعتبارها عندهم إلى الأخبار. و يفصح عن ذلك ما ذكروا في مقام تميّز المدّعي عن المنكر، و المثبت عن النافي، و غير ذلك ممّا يعلم به من التتبّع في باب السياسات و المرافعات و المعاملات.

و ثانيهما: أنّ اعتبار هذه الاصول عندهم ليس من باب وصف الظنّ بالإجماع القطعيّ.

و ينتج لحاظ ذينك كون اعتبار الاصول إذا انتهى إلى بناء العقلاء إنّما هو من باب الظنّ النوعيّ.

و إذ قد عرفت أنّ اعتبار الاستصحاب حينئذ إنّما هو من باب الظنّ النوعيّ فهل هو من السببيّة المطلقة أو المقيّدة؟ وجهان:

من ملاحظة بناء العقلاء؛ حيث استقرّ على العمل بالحالة السابقة فيما يرجع إليهم ما لم يحصل الظنّ على الخلاف؛ فيتعيّن الوجه الثاني.

و من ملاحظة بناء العلماء؛ حيث استقرّ على العمل بالاصول في تلك الأبواب الّتي عرفت آنفا و لو حصل الظنّ على الخلاف؛ فيتعيّن الوجه الأوّل.

و الإشكال موجود في المقام غايته؛ لأنّ المدرك في عملهم بالاصول في تلك المواضع إنّما هو بناء العقلاء، و قد عرفت أنّه لا يفيد إلّا اعتبارها من باب السببيّة

42

المقيّدة، و عملهم على السببيّة المطلقة، فيحصل المخالفة بين عملهم و ما هو المدرك له.

و بعيد غايته انتهاء اعتبار تلك الاصول عندهم إلى الأخبار؛ و ينبئ عن ذلك عمل العامّة أيضا بهذه الاصول كما عمل بها الخاصّة، و هم خذلهم اللّه تعالى ليس لهم طريق إلى الأخبار. و سيأتي بعض ما يتعلّق بهذا المقام عند التعرّض لبيان محلّ النزاع.

و للمصنّف (رحمه اللّه) كلام في حاشية نجاة العباد (1) ينبئ عن اعتبارها من باب السببيّة المقيّدة؛ حيث قال عند قول الماتن: «و لو شكّ في أصل الحاجب لم يجب البحث و إن كان هو الأحوط» (2)، ما لفظه: «بل لا يخلو عن قوّة، إلّا مع غلبة الظنّ بالعدم» (3).

و كلامه هذا لا مسرح لتنزيله على صورة اعتبار الاصول من باب الأخبار؛ كيف، و اعتبار أصل العدم في موارد الشكّ في المانع لا يكون إلّا من الاصول المثبتة؟! فلا بدّ من تنزيله على اعتبار الاصول في هذه المواضع من باب العقل.

و لا مسرح لتنزيله حينئذ على اعتبار الأصل من باب الوصفيّة؛ كيف، و هو مناف لما ينادي في المتن في هذا المقام من عدم اعتباره من باب وصف الظنّ؟! فتعيّن حمله على السببيّة المقيّدة.

اللّهمّ إلّا أن يقال: إنّ غرضه (رحمه اللّه) ليس انتهاء عدم الفحص في موارد الشكّ في الموانع‏

____________

(1)- «نجاة العباد في يوم المعاد» رسالة عمليّة فتوائيّة للعلّامة محمّد حسن بن باقر الاصفهاني انتزعه من كتابه «جواهر الكلام» لعمل المقلّدين له؛ فلمّا ألّف نجاة العباد اعتمد عليه العلّامة الأنصاري فوقعه لعمل مقلّديه و علّق على موارد اختلاف نظره في الحاشية؛ فحذا حذوه العلماء بعده؛ فكثرت الحواشي على نجاة العباد، و شرحه أيضا كثيرون، و له مختصرات و تراجم؛ انظر الذريعة 24: 60.

(2)- انظر رسائل فقهيّة (مخطوط) للشيخ الجواهري: 31.

(3)- انظر شرح نجاة العباد لآخوند ملّا ابو طالب الأراكي: 269.

43

إلى الأصل و لحاظ الحالة السابقة لكي ينزّل على اعتباره من باب السببيّة المقيّدة، بل إلى السيرة المتشرّعة حيث استقرّت على عدم الاعتناء باحتمال وجود المانع في مواضع الغسل و الوضوء، و حيث إنّ هذه السيرة لما كانت مجملة، فالقدر المتيقّن منها حال عدم حصول الظنّ على الخلاف.

و كيف كان: فظاهر كلام المحقّق القميّ (رحمه اللّه) أنّ حجّيّة الاستصحاب إن استند إلى غير الأخبار فهو معتبر من باب الوصف، و نسب ذلك إلى القوم أيضا. و إن استند إلى الأخبار فهو من باب السببيّة المطلقة.

و كلامه الّذي بمحلّ هذه الاستفادة ما قال: «و المراد من المشكوك أعمّ من المتساوي الطرفين ليشمل المظنون البقاء، و غيره، و إن كان مراد القوم من الشكّ هنا هو الاحتمال المرجوح؛ لأنّ بناءهم في الحجّيّة على حصول الظنّ، و نحن عمّمنا الشكّ بسبب الأخبار الآتية؛ فلا يضرّنا تساوي الطرفين بل كون البقاء مرجوحا أيضا؛ فالاستصحاب عندنا قد يستند في حجّيّته إلى الظنّ الحاصل من اليقين السابق، و قد يستند في حجّيّته إلى الأخبار، و هو لا يستلزم حصول الظنّ»، انتهى‏ (1).

و ظاهر كلام الفصول اعتباره من باب السببيّة المطلقة؛ حيث قال في ردّ الوجه الثامن لاعتبار الاستصحاب: «إن اريد بالظنّ بالبقاء ما يعمّ الظنّ الشأنيّ لا يقدح فيه كون الظنّ الفعليّ بخلافه» (2).

هذا كلّه فيما إذا انتهى اعتبار الاستصحاب إلى غير الأخبار. و أمّا على تقدير انتهائه إليها فلا إشكال في أنّه حينئذ من باب السببيّة المطلقة، و إن احتمل في القوانين كون اعتباره من باب الوصف حينئذ أيضا، و هو كما ترى.

____________

(1)- قوانين الاصول 2: 53؛ و انظر الحاشية على القوانين للشيخ الأنصاري: 259- 260.

(2)- الفصول الغرويّة: 374.

44

[في مقوّمات الاستصحاب‏]

7- قوله (رحمه اللّه): «فإخراج الظنّ عنه‏

(1)

...» (3: 22)

أقول‏: إنّ المراد هو إخراجه و اختصاصه بالحكم من بين سائر الأفراد.

8- قوله (رحمه اللّه): «ثمّ المعتبر هو الشكّ الفعليّ الموجود حال الالتفات إليه ...» (3: 25)

أقول‏: إنّ من أركان الاستصحاب الشكّ، و المعتبر هو الشكّ الفعليّ الموجود حال الالتفات إليه؛ فلو لم يلتفت إليه فلا استصحاب لا فعلا و لا شأنا و إن فرض الشكّ فيه على فرض الالتفات. و هذا ممّا لا يختصّ بهذا الأصل بل جميع الاصول الظاهريّة بهذه المثابة؛ فالأحكام الظاهريّة المستفادة منها إنّما هي منوطة بحصول الشكّ فعلا، فلو لم يحصل- و إن فرض حصوله على تقدير الالتفات- فليست بثابتة و لو بحسب الشأنيّة. و هذا بخلاف الأحكام الواقعيّة؛ فإنّها على تقدير عدم الالتفات إلى موضوعاتها فغاية ما يكون منها بمقام الانعدام حينئذ إنّما هو فعليّتها، و أمّا شأنيّتها فهي بمقام الثبوت لا محالة؛ و السرّ في ذلك: أنّ من أجزاء موضوع الاستصحاب إنّما هو الشكّ، و بانعدام الموضوع ينعدم الحكم الشأنيّ أيضا؛ لأنّ الحكم الشأنيّ إنّما يتحقّق فيما إذا وجد الموضوع و فرض الغفلة عن تحقّقه، كما في الخمر الموجود مع عدم الالتفات إلى كونه خمرا؛ فإنّ وجوب الاجتناب الشأنيّ ثابت حينئذ لا محالة. و هذا بخلاف ما إذا انعدم الموضوع رأسا؛ فإنّ الحكم الشأنيّ حينئذ أيضا بمقام الانعدام، و ما نحن فيه من هذا القبيل.

فإن قلت: إنّ لازم ما ذكر إنكار الحكم الشأنيّ في الأحكام الظاهريّة الثابتة بالاصول، و هذا بمكان من المنافاة لما هو المذكور في كلامهم- كما مضى في باب البراءة (2)-: من أنّ الحكم ينقسم إلى واقعيّ و ظاهريّ، و كلّ منهما إلى الشأنيّ و الفعليّ.

____________

(1)- في بعض نسخ الفرائد بدل «عنه»: «منها» و هو الأصحّ؛ انظر الهامش 2 من الفرائد 3: 22.

(2)- انظر فرائد الاصول 2: 10.

45

قلت: إنّ إنكار الحكم الشأنيّ في مورد الاصول من جهة عدم تحقّق الشكّ لا ينافي ثبوته فيه من جهة اخرى؛ و هي ما إذا تحقّق موضوع الاستصحاب مثلا- أعني المتيقّن السابق و الشكّ اللاحق- و كان الجهل بحكم الاستصحاب أعني الدليل الدالّ على إبقاء الحالة السابقة؛ فإنّ الحكم الشأنيّ للاستصحاب حينئذ ثابت لا محالة؛ هذا.

و يتفرّع على ما ذكرنا- من أنّ المعتبر في الاستصحاب هو الشكّ الفعليّ- فروع:

منها: ما في المتن من: أنّ المتيقّن للحدث لو التفت إلى حاله في اللاحق فشكّ ثمّ غفل عن ذلك و لم يتوضّأ و صلّى، بطلت صلاته؛ لسبق الأمر بالطهارة الثابت بالاستصحاب الجارى في حقّه قبل الصلاة؛ لتحقّق أركانه. و لا يجري في حقّه قاعدة الشكّ بعد الفراغ؛ كيف، و مجراها إنّما هو العمل المشكوك من حيث الصحّة و الفساد، دون ما حكم بفساده كما في المقام؛ حيث إنّه بحكم الاستصحاب الماضي يكون محكوما بالفساد؛ لكونه فاقدا للشرط؛ فلا مسرح لتلك القاعدة فيه.

و لو غفل عن حاله بعد اليقين بالحدث و صلّى ثمّ التفت و شكّ في كونه محدثا حال الصلاة أو متطهّرا، فلا ريب في عدم جريان الاستصحاب قبل العمل؛ لفقد ركنه و هو الشكّ حينئذ. و أمّا بعد العمل فالاستصحاب و إن كان جاريا- لحصول الشكّ حينئذ- و مقتضاه هو الحكم ببطلان الصلاة، لكن قاعدة الشكّ بعد الفراغ أيضا- لحدوث الشكّ بعد العمل- تكون بمحلّ الجريان، و هذه القاعدة مقدّمة على الاستصحاب؛ لما يأتي من حكومتها عليه؛ كيف، و لو لا ذلك يلزم خلوّ هذه القاعدة عن المورد؟! فإنّه ما من مورد من موارد هذه القاعدة إلّا و أصالة عدم الإتيان فيه محكّمة. و المراد بهذه الحكومة ليس هو الحكومة المصطلحة- كيف و تلك القاعدة لا توجب إزاحة الموضوع في طرف الاستصحاب؟! كما في الدليل بالنسبة إلى‏

46

الأصل- بل المراد بها هو التحكيم المستعمل في كلام بعض الفقهاء لإرادة مطلق تقديم أحد الدليلين و لو كان وجهه منتهيا إلى كونه خاصّا و الآخر عامّا و الخاصّ مقدّم على العامّ.

هذا غاية ما يهذّب به كلام الماتن (رحمه اللّه). و أنت خبير بما في كلّ من شطري كلامه:

أمّا الأوّل- أعني ما فرض فيه الصورة الاولى- فنقول: إنّ تحت هذه الصورة قسمين؛ لأنّه بعد الصلاة تارة: يحتمل إتيانه بالوضوء قبلها من زمان الشكّ إلى الدخول فيها. و اخرى: لا يحتمل في حقّه ذلك، بل يقطع بعدم إتيانه بالوضوء في هذا الزمان، و إنّما الموجود عنده مجرّد الشكّ في الإتيان بالوضوء الّذي كان حاصلا له قبل الصلاة و قبل طريان الغفلة.

أمّا الأوّل: فلا إشكال في أنّ المحكّم فيه قاعدة الفراغ، و لا مسرح للاستصحاب؛ و ذلك لأنّ استصحاب الحدث لكي يوجب الأمر بتحصيل الطهارة ليس بأولى من العلم بالحدث قبل العمل، و لا إشكال في أنّ المرجع فيما لو علم بالحدث قبل العمل و يحتمل بعده للإتيان بالوضوء في ذلك الوقت، إنّما هو قاعدة الفراغ، فكذلك فيما نحن فيه؛ لأنّ ما يثبت بالاستصحاب ليس بأشدّ ممّا يثبت باليقين، لكي يوجب الأوّل سقوط تلك القاعدة دون الثاني؛ فالظاهر أنّه لا إشكال في أنّ المرجع في هذا القسم إنّما هو قاعدة الفراغ، و كلامه (رحمه اللّه) أيضا غير منزّل على ذلك.

و أمّا الثاني: فالظاهر أنّ مراده (رحمه اللّه) من سقوط القاعدة و الرجوع إلى الاستصحاب إنّما هو في هذا القسم.

و فيه: أنّ الأمر بالعكس؛ يعني أنّ الاستصحاب ساقط، و المرجع إنّما هو قاعدة الفراغ؛ و ذلك لأنّ الاستصحاب بل تمام الاصول ليست بمثابة الطرق و الأدلّة الاجتهاديّة لكي يكون الحكم الثابت بها حكما واقعيّا فلا يرفع اليد عنه إلّا بعد

47

كشف الخلاف، و إنّما هي قواعد ظاهريّة جعلت في مقام الشكّ و التحيّر، ساكتة عن إثبات الحكم الواقعيّ و صامتة عن النظر إليه. و حينئذ يختلف جريانها باختلاف حالات المكلّف؛ فإن حصل له مناط جريان الاستصحاب- أعني اليقين السابق و الشكّ اللاحق- فيجري في حقّه الاستصحاب. و إن زال ذلك عنه بأن طرأ له الغفلة عمّا كان له، فيسقط. ثمّ بعد زوال الغفلة و حصول الالتفات يكون المتّبع في حقّه كلّ أصل يكون المكلّف واجدا لمناطه.

إذا عرفت ذلك فنقول فيما نحن فيه: إنّ الاستصحاب قبل العمل قد سقط بطريان الغفلة؛ لما عرفت من أنّ جريانه ما دام بقاء الموضوع؛ فإذا زال الموضوع يأتي الاستصحاب بمقام السقوط، و يبقى في حقّ المكلّف حينئذ الاستصحاب بعد العمل؛ لوجود اليقين السابق و الشكّ اللاحق؛ فيكون هذا القسم بمثابة ما هو المفروض في كلامه من الصورة الثانية؛ من حيث كون المكلّف فيها واجدا للاستصحاب بعد العمل و فاقدا للاستصحاب قبله، و سيأتي بعيد هذا أنّ الاستصحاب بعد العمل من الاصول المثبتة، فيكون بمحلّ السقوط؛ فالمتعيّن هو الرجوع إلى قاعدة الفراغ.

هذا كلّه في الشطر الأوّل من كلامه.

و أمّا الثاني- أعني ما فرض فيه من الصورة الثانية- فنقول: إنّ الاستصحاب فيها منحصر في الاستصحاب بعد العمل، و هو لكونه من الاصول المثبتة يكون بمحلّ السقوط؛ فالمرجع قاعدة الفراغ، لا أنّه يجري و يعارض مع قاعدة الفراغ و يقال بتحكيم القاعدة عليه كما سلكه المصنّف.

و الثمرة بينهما إنّما تظهر فيما لم يجر فيه قاعدة الفراغ، كغير العبادات على القول به؛ فإنّ المرجع فيه على الثاني هو الاستصحاب، و على الأوّل سائر الاصول الأخر.

و كيف كان: فالّذي يتّضح به حال ما ادّعينا- من أنّ الأصل الجاري في المقام‏

48

بعد العمل من الاصول المثبتة- إنّما هو ملاحظة حال غير واحد من الموارد الّتي يكون الأصل الجاري فيها بعد العمل من الاصول المثبتة، و إن كان هذا الأصل بعينه قبل العمل من الاصول الشرعيّة المعتبرة؛ و لذا فصّل فيها من كان بمقام التحقيق بين جريانه قبل العمل و جريانه بعده.

منها: ما إذا شكّ حال الاقتداء في إبقاء الإمام على الركوع و عدمه؛ فإنّه إن كان قبل الدخول في الصلاة و الإلحاق بالإمام فيه، يجري استصحاب بقائه على الركوع، و أثره إنّما هو جواز الاقتداء و إلحاقه به. و إن كان بعده- بأن كبّر و دخل في الركوع، ثم شكّ في أنّه أدركه حال الركوع أم لا؟- فاستصحاب بقاء الإمام على الركوع لا ينفع في الحكم بصحّة العمل إلّا بعد توسيط كون المأموم مدركا له في الركوع، و لا نعني بالأصل المثبت إلّا ذلك.

و الفرق بينهما: أنّ الشكّ في الأوّل إنّما هو في جواز الاقتداء و عدمه، دون صحّة العمل و فساده؛ كيف، و لم يقع بعد عمل لكي يكون صحّته بمقام الشكّ، و إنّما الصحّة تابعة لجواز الاقتداء، و موضوع جواز الاقتداء إنّما هو كون الإمام على الركوع، و إذا ثبت هذا الموضوع بالاستصحاب يترتّب عليه أثره- أعني جواز الاقتداء- و هو من الآثار الشرعيّة. و هذا بخلاف الثاني؛ فإنّ الشكّ فيه إنّما هو في صحّة العمل المأتيّ به، و موضوع الحكم بالصحّة ليس مجرّد كون الإمام على الركوع، بل كون المأموم مدركا له فيه. و استصحاب بقاء الإمام على الركوع لكي يترتّب عليه إدراك المأموم له فيه ثمّ يترتّب على هذا الأثر صحّة العمل، لا يكون إلّا الأصل المثبت.

و منها: ما إذا شكّ في عدالة الإمام بعد اليقين بها سابقا؛ فإن كان ذلك قبل العمل فيستصحب عدالته، و أثره إنّما هو جواز الاقتداء، فليس بأصل مثبت. و إن كان بعد العمل فاستصحاب العدالة لا يوجب الحكم بصحّته؛ لأنّ الصحّة ليست من آثار بقاء

49

الإمام على العدالة، بل اقتدائه مع العادل؛ فلا بد أوّلا من استصحاب عدالة الإمام ليترتّب عليه اقتداء المأموم بالإمام العادل، ثمّ يترتّب على هذا صحّة العمل، و هذا هو الأصل المثبت.

و منها: ما إذا شكّ في طهارة الماء المعدّ للوضوء مع سبق العلم بطهارته؛ فإنّه إن كان قبل التوضّؤ يستصحب طهارته، و أثره الشرعيّ إنّما هو جواز التوضّؤ به. و إن كان بعده فاستصحاب طهارة الماء لا يكفي في الحكم بصحّة الوضوء إلّا بعد توسيط وقوع الوضوء بالماء الطاهر، فلا بدّ أوّلا من استصحاب طهارة الماء ليترتّب عليه وقوع الوضوء به، ثمّ يترتّب عليه صحّة العمل، و هذا أيضا من الاصول المثبتة.

إذا عرفت هذا فنقول: إنّ ما نحن فيه أيضا بمثابة هذه الفروع؛ فإنّ استصحاب بقاء الحدث بعد العمل لا يكفي في الحكم بفساده إلّا بعد توسيط وقوع الصلاة مع الحدث، و هذا أيضا هو الأصل المثبت.

فان قلت: هب، أنّ الأصل الجاري بعد العمل أصل مثبت، لكن بعد طريان الشكّ بعد العمل يتولّد منه شكّ في بقاء الحدث قبل العمل أيضا؛ ضرورة أنّ الشكّ فيه بعد العمل يستلزم حصول الشكّ فيه قبل العمل أيضا، فنتشبّث بالأصل الجاري قبل العمل؛ لحصول الشكّ اللاحق حينئذ.

قلت: إنّ هذا أيضا أصل مثبت؛ لأنّ استصحاب بقاء الحدث و إن كان من آثاره فساد الصلاة الواقعة معه، لكن ترتّب الفساد على خصوص هذه الصلاة الصادرة من المكلّف لا يكون إلّا بمثابة انطباق الكلّيّ على الفرد، فهو أيضا أصل مثبت.

[تقسيمات الاستصحاب‏]

9- قوله (رحمه اللّه): «في تقسيم الاستصحاب إلى أقسام؛ ليعرف ...» (3: 26)

أقول‏: شرح المقام: أنّ له تقسيمات:

تارة: باعتبار المستصحب.

50

و اخرى: باعتبار الدليل الدالّ عليه.

و ثالثا: باعتبار الشكّ المأخوذ فيه.

[تقسيم الاستصحاب باعتبار المستصحب‏]

أمّا بالاعتبار الأوّل فمن وجوه:

[الوجه‏] الأوّل: من حيث إنّ المستصحب قد يكون أمرا وجوديّا، و قد يكون عدميّا.

و الكلام فيه يقع في مواضع:

تارة: في أنّ الاصول العدميّة خارجة عن محلّ النزاع في باب الاستصحاب أم لا بل هي أيضا مندرجة تحته؟

و اخرى: في أنّها على تقدير الخروج ما ذا حكمها؟ فهل هي حجّة إجماعا أم لا بل هي أيضا بمحلّ الخلاف مغايرا للخلاف في باب الاستصحاب بحسب الأقوال و الأدلّة؟

و ثالثا: في أنّ خروجها هل هو موضوعيّ أو حكميّ؟

و رابعا: في أنّها على تقدير الخروج هل يكون شروطها بعين ما هو شرط للاستصحاب أم لا بل لها شروط أخر؟

و خامسا: في أنّ اعتبارها هل هو من باب السببيّة المطلقة أو المقيّدة؟

أمّا الموضع الأوّل فنقول: إنّ موازين فيصل الأمر في تعيين محلّ النزاع في كلّ مسألة بين ثلاثة:

أحدها: ملاحظة حال عناوين القوم في هذه المسألة فكلّ ما يستفاد منها من التعميم و التخصيص فهو المتّبع.

و ثانيها: ملاحظة حال الأدلّة الّتي تكون بمحلّ التمسّك في هذه المسألة.

و إن حصل التعارض بين الأوّل و الثاني فالمتّبع هو الأوّل؛ و ذلك لأنّ الأوّل ينتهي غالبا إلى الإخبار عن الحسّ بخلاف الثاني؛ فإنّ الاستدلال في المسألة- لكون مبناه هو الاجتهاد- ينتهي لا محالة إلى الحدس، فيكون الأوّل نادر الخطأ.

51

و ثالثها: ملاحظة ما ذكر للمسألة من الثمرات.

و حيث إنّ مسألتنا هذه فاقدة للأخير، فلا بدّ في فيصل الأمر في تعيين محلّ النزاع فيها من الرجوع إلى الأوّل و الثاني؛ فنقول:

أمّا الأوّل: فهو بين امور، و كلّها يدلّ على اختصاص النزاع فيها بالوجوديّ:

منها: عنوانهم للمسألة باستصحاب الحال كما في كلام بعضهم‏ (1)، و استصحاب حال الشرع كما في الآخر (2).

و النسبة بين العنوانين: يحتمل أن يكون من باب العموم و الخصوص؛ فإنّ الأوّل عامّ لما كان المستصحب فيه من مقولة الحكم الكلّيّ أو الجزئيّ أو الموضوع الخارجيّ، بخلاف الثاني؛ فإنّه غير شامل للأخير؛ ضرورة أنّ الموضوع الخارجيّ ليس بحال الشرع؛ و حينئذ فإن قلنا بشموله للأوّل فقط فيكون أخصّيّته من جهتين، و إن قلنا بعمومه له و للثاني يكون أخصّيّته من جهة واحدة.

و يحتمل أن يكون من باب التساوي؛ فإنّ الموضوع الخارجيّ بنفسه و إن لم يكن مشمولا لحال الشرع، لكن باعتبار أثره المترتّب عليه لا غرو في الشمول.

و كيف كان: فظاهر كلّ من العنوانين اختصاص محلّ النزاع بالوجوديّ، و لو كان عامّا له و للعدميّ فما بالهم إن عبّروا في عنوان الباب بما هو ظاهر في الوجوديّ؟!

و قد يعتذر عن ذلك: بأنّ الوجه في تعبيرهم بذلك إنّما هو بيان الاستصحاب الّذي عدّ من الأدلّة للأحكام، و ظاهر أنّ الاصول العدميّة ليست من الأدلّة للأحكام الشرعيّة؛ لأنّ الثابت بها ليس إلّا عدم الحكم، و عدم الحكم ليس من مقولة الأحكام.

____________

(1)- انظر غاية المأمول في شرح زبدة الاصول للفاضل الجواد (مخطوط): الورقة 10؛ معالم الاصول: 231.

(2)- انظر المعتبر 1: 32؛ الوافية للفاضل التوني: 200.

52

و فيه: أوّلا: منع كون الدليل ما يكون مثبتا للحكم، بل الدليل ما يكون ناظرا إلى الحكم وجودا أو عدما.

و ثانيا- بعد التسليم-: أنّه مسلّم فيما لو لم يثبت بها حكم أصلا، بل أفاد صرف عدم الحكم فقط. و أمّا إذا تولّد من جريانها حكم- كما في أصالة عدم القرينة، أو عدم التخصيص، أو عدم الاشتراك، إلى غير ذلك- فهي لا محالة من الأدلّة.

و ثالثا: أنّ ما ذكر من الاعتذار عين الاعتراف بخروج الاصول العدميّة عن محلّ النزاع في هذا الباب.

فظهر: أنّ الاستظهار من العنوان المزبور- اختصاص محلّ النزاع بالاستصحابات الوجوديّة- غير قابل للخدشة؛ نعم، لو أخذنا بظاهر العنوان في فيصل الأمر في الموضع الثاني- بأن يقال: إنّ الاصول العدميّة خارجة عن محلّ النزاع، و يكون حجّيّتها إجماعيّة؛ لأنّ القوم قد اختصّوا محلّ النزاع بالاستصحابات الوجوديّة، كما هو ظاهر عنوانهم- فهو بمحلّ المناقشة؛ لأنّ اختصاص محلّ النزاع بالوجوديّ لا يفيد قيام الإجماع على حجّيّة الاصول العدميّة، لكنّا بمعزل عن ذلك.

و ربما يوهن العنوان الثاني: بأنّ ظاهره اختصاص النزاع بغير الاصول الجارية في الموضوعات، و ليس كذلك، بل هي أيضا بمحلّ النزاع، و هذا يكشف عن أنّ هذا العنوان ليس بمحلّ الاستظهار في شي‏ء.

و فيه: أوّلا: أنّا نلتزم بخروج الاصول الجارية في الموضوعات عن محلّ النزاع؛ لقيام الإجماع على حجّيّتها حتّى من الأخباريّين كما سيأتي استظهاره.

و ثانيا: أنّ خطأ المعنون في عنوانه من جهة لا يستلزم رفع اليد عن عنوانه بالنسبة إلى جهة اخرى؛ أعني دلالته على اختصاص محلّ النزاع بالوجوديّ.

و منها: تعريفات الاستصحاب؛ حيث عرّف بأنّه: «إثبات الحكم في الزمان‏

53

الثاني تعويلا على ثبوته في الزمن الأوّل» (1)، بل نسب ذلك شارح الدروس إلى القوم؛ حيث قال: «إنّ القوم ذكروا أنّ الاستصحاب إثبات حكم في زمان لوجوده في زمان سابق عليه» (2)؛ فإنّ هذه كما ترى تدلّ على خروج الاصول العدميّة عن حقيقة الاستصحاب، فيكون خروجها عن محلّ النزاع خروجا موضوعيّا.

و منها: كلام الفاضل التوني (رحمه اللّه)(3)؛ حيث جعل أصالة عدم الشي‏ء و أصالة عدم تقدّم الحادث قسيمين للاستصحاب. و بمثابته كلام الشهيد (رحمه اللّه) في مقدّمة الذكرى‏ (4).

و أمّا الثاني- أعني الأدلّة-:

فهي بين طائفتين: ما تمسّك به المثبتون، و ما تشبّث به النافون.

أمّا الأوّل: فجلّه يكون الظاهر كالصريح في اختصاص النزاع في هذا الباب بالوجوديّ؛ و من جملة ذلك: استدلالهم بأنّ العلّة الموجدة كافية في الإبقاء.

و من جملته: استدلالهم بأنّ المقتضي موجود و المانع لا يصلح للمانعيّة؛ فإنّ الأعدام لا مقتضي لها.

و من جملته: أنّ ما ثبت يدوم نظرا إلى الغلبة و الاستقراء؛ فإنّ موارد الغلبة و الاستقراء إنّما هي من الوجوديّات.

و بمثابة ما ذكر تمسّكهم بالإجماع و السيرة؛ فإنّ هذه كلّها- كما لا يخفى على من راجعها- تشهد بأنّ محلّ النزاع إنّما هو الوجوديّ.

و أمّا الثاني: فهو بين ما يشهد على الاختصاص، و بين ما يدلّ على التعميم.

أمّا الأوّل: فهو ما عن السيّد المرتضى (رحمه اللّه)(5) من: أنّ إثبات الحكم في الحالة الثانية

____________

(1)- الزبدة: 72- 73.

(2)- مشارق الشموس: 76؛ و فيه: «إثبات حكم شرعيّ ...».

(3)- الوافية: 169- 200.

(4)- الذكرى: 5.

(5)- الذريعة 2: 829- 830.

54

إلحاقا لها بالحالة الاولى ليس إلّا من باب القياس؛ فإنّ مقايسته للاستصحاب بالقياس ينبئ عن أنّ محلّ إنكاره إنّما هو الاستصحاب الوجوديّ؛ كيف، و تحقّق القياس إنّما هو في الوجوديّ؛ و لذا قالوا: «إنّه إلحاق شي‏ء بشي‏ء لجامع شرعيّ يستنبط ممّا دلّ على ثبوت الحكم في الملحق به»؛ فإنّ هذا كما ترى لا مسرح له في العدميّات.

و أمّا الثاني: فهو أنّ الاستصحاب لو كان حجّة لكان بيّنة النفي أرجح من بيّنة الإثبات؛ لاعتضادها باستصحاب النفي؛ هذا.

و هنا وجهان آخران قريبان: يدلّ أحدهما باعتبار صدره على اختصاص محلّ النزاع بالوجودى، و باعتبار ذيله على شي‏ء لا ربط له بالمقام أصلا. و ثانيهما يدلّ على تقدير على الاختصاص و على تقدير آخر على التعميم.

أمّا الاوّل: فهو كلام التفتازاني في شرح الشرح‏ (1)؛ حيث قال- بعد أن ذكر العضدي في الشرح: «و قد اختلف في صحّة الاستدلال به- أي بالاستصحاب- لإفادته ظنّ البقاء، و عدمها لعدم إفادته؛ فأكثر المحقّقين كالمزني و الصيرفي و الغزالي على صحّته، و أكثر الحنفيّة على بطلانه، فلا يثبت به حكم شرعيّ»- ما هذا لفظه:

كأنّه يشير إلى خلاف الحنفيّة في إثبات الحكم الشرعيّ دون النفي الأصليّ. و هذا ما يقولون إنّه حجّة في الدفع‏ (2) لا في الإثبات حتّى أنّ حياة المفقود بالاستصحاب يصلح حجّة لبقاء ملكه لا لإثبات الملك له في مال مورّثه، انتهى.

فإنّ قوله: «دون النفي الأصليّ» يدلّ على أنّ المنكر في المسألة معترف أيضا بحجّيّة الاصول العدميّة، فتكون خارجة عن محلّ النزاع؛ لكن ظاهر قوله: «حتّى انّ حياة المفقود ... إلى آخره» ينبئ عن أنّ تفصيل الحنفيّة ليس بين الاستصحاب‏

____________

(1)- تعليقة شرح مختصر الاصول 2: 284. و نقل المصنّف (رحمه اللّه) عبارة الشرح في حاشيته على استصحاب القوانين: 51.

(2)- في المصدر: «في الرفع»؛ و انظر أيضا جواهر الكلام 14: 304.