كتاب الألفين - ج1

- العلامة الحلي المزيد...
432 /
7

الجزء الاول‏

مقدمة التحقيق‏

بسم اللّه الرحمن الرحيم الحمد للّه ربّ العالمين، و الصلاة و السلام على أشرف الأنبياء و المرسلين محمّد و على آل بيته الطيّبين الطاهرين.

و بعد:

تمثّل الإمامة في حياة المسلمين واحدة من أهمّ مفردات العقيدة الإسلامية التي ما سلّ في الإسلام سيف كما سلّ فيها كما قيل.

و لم يكن للسيف فيها موضع لو أنّ المسلمين استمعوا لنداء العقل و الفطرة السليمة و اتّبعوا منهج البحث العلمي و الاستدلال المنطقي على ما اختلفوا عليه.

لكنّها الأهواء عند ما تحلّ بديلا عن منطق العقل تجرّ الأمّة إلى ويلات و محن قد يكون أكثر المحترقين بنارها لا يعلمون حقيقة الأمر فيها لوقوعهم تحت تأثير أساليب الدعاية و التضليل و التغرير.

و لم تكن مسألة الإمامة من الغموض و الإبهام بما يوصل المسلمين لهذه الحالة من التنازع و الاختلاف، بل كانت واضحة جليّة أيّام الرسالة الأولى، لكن الغموض بدأ يكتنفها بتعاقب الزمن بسبب مزاحمتها لأهواء دفينة في نفوس دخلت الإسلام مرغمة، فأضمرت لأهله الشرّ و لنفسها الزعامة حين تسنح لها فرص غفلة الأمّة عن كتابها و أقوال رسولها صلّى اللّه عليه و آله.

و ما أن انقضت أيّام النبوّة حتى ظهر كامن القوم و علت أصوات أخر أخرستها كلمة الحقّ سنين طويلة، و عاش أكثر المسلمين التّيه الفكريّ مع أنّ كثيرا منهم عايش الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سمع حديثه و وصاياه، و صار الحديث عن خلافة خاتم الرسل حديثا عن الزعامة بما تحمل من رواسب العقلية الجاهلية و القبليّة، و غدا مصير خير أمّة أخرجت للناس تقرّره عقول قوم لم يتمثّل الإسلام في حياتهم سلوكا و مفهوما و مشاعر بالقدر الذي يؤهّلهم لخلافة خاتم الرسل صلّى اللّه عليه و آله.

فالعجب كلّ العجب من أمّة آمنت برسولها و كتابها و ترجع إليهما في معرفة

8

أحكامها من صوم و صلاة و حجّ و نكاح... و غير ذلك، و لا ترجع إليهما في أمر يصل فيه الاختلاف إلى حدّ التنازع و الاقتتال و انتهاك الحرمات!! و كأنّ القوم قد فتّشوا جميع أقوال نبيّهم و تمعّنوا في آيات كتابهم فلم يجدوا ما يتعلّق بأمر الإمامة من شي‏ء فحصروا دائرة النقاش فيها بحدود عقولهم و مصالحهم.

و حتى أولئك الذين لم يستطيعوا أن ينكروا ما أثر من نصّ في ذلك جرّتهم الأهواء لئن يلووا أعناق الكلمات أو يحرّفوها عن مواضعها، و قليل هم الذين عرفوا الإمامة و عظم خطرها و ما تمثّله من امتداد لمسيرة النبوّة و ما تضطلع به من مهمّة حفظ الشريعة المقدسة و القيام بتطبيقها، فلم يروا لها أهلا إلاّ من ارتضاه اللّه و رسوله و كانت سيرته شاهدة على صدق ما اختاره اللّه له.

و ذهب القوم مشارب شتّى في تعريف الإمامة و الإمام و تحديد صفاته و تعيين مصداقه، كلّ ينهل من معين ما يعتقد به، فغرّب بعض و شرّق آخرون.

و حيث كانت العصمة الواجب توفّرها في الإمام الذي يخلف الرسول صلّى اللّه عليه و آله بالقيام بمهام الرسالة من أهم المباحث في هذا المجال قامت (المؤسّسة الإسلامية للبحوث و المعلومات) بتوجيه و رعاية من سماحة آية اللّه السيد علي الناصر-دام ظلّه-نجل سماحة المرجع الديني المقدّس آية اللّه العظمى السيد ناصر الموسوي الأحسائي قدّس سرّه، بتحقيق و نشر واحد من أهم الكتب عند الطائفة الإمامية الذي دار عليه قطب الرحى طويلا لكونه منصبّا في جميع مباحثه على إيراد الأدلّة الدالة على وجوب عصمة الإمام عليه السّلام، و لما يتميّز به من موضوعية فى الطرح بعيدا عن روح التعصّب المذهبي الذي كان سائدا فترة تأليفه، و أيضا لما يتمتّع به مؤلّفه من مكانة علمية مرموقة أشهر من أن يشار إليها.

و نحن إذ نقدّم للقارى‏ء الكريم (كتاب الألفين الفارق بين الصدق و المين) لمؤلّفه العلاّمة الحلّي قدّس سرّه بعد أن بذلنا ما بوسعنا لتحقيقه و إخراجه بما يليق به، نأمل من القارئ العزيز أن يتحفنا بملاحظاته القيّمة عسانا أن نتلافى ما يمكن تلافيه ممّا أوقعنا فيه قصورنا و محدودية إمكاناتنا، و اللّه الهادي إلى سواء السبيل.

9

ترجمة المؤلّف‏

اسمه و كنيته و لقبه‏

هو الشيخ الحسن بن يوسف بن عليّ بن المطهّر الحلّي، و جاء في بعض كتب العامّة أنّ اسمه الحسين‏ (1) .

كنيته أبو منصور، و قد اشتهر بها، و هي التي كنّاه بها والده‏ (2) . و له كنية أخرى ذكرها أهل العامّة و بها عرف عندهم، و هي: (ابن المطهّر) (3) .

يلقّب بـ (جمال الدين) و بـ (آية اللّه) ، و أشهر ألقابه (العلاّمة) و إليه ينصرف عند الإطلاق.

و لقّبه البعض بـ (الأسدي) نسبة إلى أسرته التي تعرف بآل المطهّر من بني أسد (4) .

و لقّب بـ (الحلّي) نسبة إلى مدينة الحلّة التي ولد فيها و سكنها (5) .

مولده‏

اتّفقت أكثر المصادر على أنّ ولادته في شهر رمضان عام (648 هـ) ، لكن اختلف في يوم مولده، فقيل: ولد في ليلة الجمعة في الثلث الأخير من الليل في السابع

____________

(1) الوافي بالوفيات 13: 85، الدرر الكامنة 2: 71.

(2) أجوبة المسائل المهنائية: 139.

(3) الوافي بالوفيات 13: 85 مرآة الجنان 4: 208.

(4) الوافي بالوفيات 13: 85.

(5) رجال العلاّمة الحلّي: 45.

10

و العشرين من شهر رمضان؛ كما جاء في جواب العلاّمة-المترجم-للسيّد مهنا بن سنان عند ما سأله عن تاريخ مولده‏ (1) .

و قيل: ولد في التاسع عشر من شهر رمضان، كما جاء في ترجمته لنفسه في رجاله‏ (2) .

و قيل: ولد في التاسع و العشرين من شهر رمضان‏ (3) .

أسرته‏

ينحدر شيخنا العلاّمة من أسرة علمية عريقة، فوالده الشيخ سديد الدين يوسف ابن علي بن المطهّر الحلّي، و صفه بعض أصحاب التراجم بأنّه كان فقيها محقّقا مدرّسا عظيم الشأن‏ (4) ، و نعته بعض بالشيخ الأجلّ الفقيه السعيد شيخ الإسلام‏ (5) ، و قال عنه بعض بأنّه أعلم العلماء في عصره في الأصول‏ (6) .

و أمّه هي بنت العالم الفقيه الشيخ أبي يحيى الحسن ابن الشيخ أبي زكريا يحيى ابن الحسن بن السعيد الهذلي الحلّي‏ (7) .

و خاله الشيخ نجم الدين جعفر بن الحسن بن يحيى بن الحسن بن سعيد الهذلي المشهور بالمحقّق الحلّي، الذي وصف بأنّه المحقّق المدقّق، الإمام العلاّمة، واحد عصره، و كان ألسن أهل زمانه و أقومهم بالحجّة و أسرعهم استحضارا (8) .

____________

(1) أجوبة المسائل المهنائية: 139.

(2) رجال العلاّمة الحلّي: 48.

(3) روضات الجنّات 2: 273. تنقيح المقال 1: 315. أعيان الشيعة 5: 396.

(4) رجال ابن داود: 78.

(5) انظر: بحار الأنوار 108: 43.

(6) انظر بحار الأنوار 107: 64.

(7) مقدمة كتاب (مختلف الشيعة) تحقيق مركز الأبحاث و الدراسات الإسلامية: 15. خاتمة مستدرك الوسائل 2: 403.

(8) رجال ابن داود: 62.

11

و أخوه الشيخ رضيّ الدين عليّ بن يوسف بن المطهّر، و كان أكبر سنّا من العلاّمة بنحو ثلاث عشرة سنة، و كان عالما فاضلا (1) . و هو صاحب كتاب (العدد القوية لدفع المخاوف اليومية) الذي يعدّ من مصادر بحار الأنوار (2) .

و ابنه الشيخ فخر الدين محمّد بن الحسن بن يوسف بن المطهّر الحلّي، وصف بأنّه كان فاضلا محقّقا فقيها ثقة جليلا يروي عن أبيه العلاّمة (3) .

ما قيل فيه‏

مدحه و أثنى عليه كلّ من ذكره من علماء الإمامية الذين كتبوا في الرجال و التراجم، و إليك نماذج من ذلك:

1-ابن داود: (شيخ الطائفة و علاّمة وقته و صاحب التحقيق و التدقيق، كثير التصانيف، انتهت رئاسة الإمامية إليه في المعقول و المنقول) (4) .

2-السيّد التفرشي: (و يخطر ببالي ألاّ أصفه، إذ لا يسع كتابي هذا ذكر علومه و تصانيفه و فضائله و محامده، و إنّ كلّ ما يوصف به الناس من جميل و فضل فهو فوقه) (5) .

3-الحرّ العاملي: (فاضل عالم علاّمة العلماء، محقّق مدقّق ثقة ثقة، فقيه محدّث متكلّم ماهر، جليل القدر عظيم الشأن رفيع المنزلة، لا نظير له في الفنون و العلوم العقليات و النقليات، و فضائله و محاسنه أكثر من أن تحصى) (6) .

____________

(1) أمل الآمل 2: 211.

(2) الذريعة إلى تصانيف الشيعة 15: 232.

(3) أمل الآمل 2: 261.

(4) رجال ابن داود: 78.

(5) نقد الرجال 2: 70.

(6) أمل الآمل 2: 81.

12

4-الشيخ يوسف البحراني: (بحر العلوم الذي لا يوجد له ساحل، و كعبة الفضائل التي تطوى إليها المراحل... ) (1) .

و قال أيضا: (لو لم يكن له قدّس سرّه إلاّ هذه المنقبة-تشيّع الملك خدابنده على يده- لفاق بها على جميع العلماء فخرا و علا بها ذكرا، فكيف و مناقبه لا تعدّ و لا تحصى، و مآثره لا يدخلها الحصر و الاستقصاء) (2) .

5-الخوانساري: (لم تكتحل حدقة الزمان له بمثل و لا نظير، و لمّا تصل أجنحة الإمكان إلى ساحة بيان فضله الغزير، كيف و لم يدانه في الفضائل سابق عليه و لا لاحق، و لم يثن إلى زماننا هذا ثناؤه الفاخر الفائق، و إن كان قد ثنّى ما أثني على غيره من كلّ لقب جميل رائق و علم جليل لائق، و إذن فالأولى لنا التجاوز عن مراحل نعت كماله و الاعتراف بالعجز عن التعرّض لتوصيف أمثاله) (3) .

6-المحدّث النوري: (الشيخ الأجلّ الأعظم بحر العلوم و الفضائل و الحكم، حافظ قاموس الهداية كاسر ناقوس الغواية، حامي بيضة الدين ماحي آثار المفسدين، الذي هو بين علمائنا الأصفياء كالبدر بين النجوم و على المعاندين الأشقياء أشدّ من عذاب السموم و أحدّ من الصارم المسموم، صاحب المقامات الفاخرة و الكرامات الباهرة و العبادات الزاهرة و السعادات الظاهرة... آية اللّه التامّة العامّة و حجة الخاصّة على العامّة، علاّمة المشارق و المغارب... ) (4) .

7-الشيخ المامقاني: (اتّفق علماء الإسلام على وفور علمه في جميع الفنون و سرعة التصنيف، و بالغوا في وثاقته) (5) .

____________

(1) لؤلؤة البحرين: 226.

(2) لؤلؤة البحرين: 226.

(3) روضات الجنّات 2: 270-271.

____________

(4) خاتمة مستدرك الوسائل 2: 403.

(5) تنقيح المقال 1: 314.

13

8-الشيخ عبّاس القمّي: (علاّمة العالم و فخر نوع بني آدم، أعظم العلماء شأنا و أعلاهم برهانا، سحاب الفضل الهاطل و بحر العلم الذي لا يساجل، جمع من العلوم ما تفرّق في الناس، و أحاط من الفنون بما لا يحيط به القياس، رئيس علماء الشيعة و مروّج المذهب و الشريعة، صنّف في كلّ علم كتبا و آتاه اللّه من كلّ شي‏ء سببا، قد ملأ الآفاق بمصنّفاته و عطّر الأكوان بتأليفاته، انتهت إليه رئاسة الإمامية في المعقول و المنقول و الفروع و الأصول) (1) .

9-السيّد محسن الأمين: (هو العلاّمة على الإطلاق الذي طار ذكر صيته في الآفاق، و لم يتّفق لأحد من علماء الإمامية أن لقّب بالعلاّمة على الإطلاق غيره) (2) .

كما ذكره و مدحه و أثنى عليه جملة من علماء العامّة و مؤلّفيهم، و إليك نماذج من ذلك:

1-الصفدي: (الإمام العلاّمة ذو الفنون عالم الشيعة و فقيههم، صاحب التصانيف التي اشتهرت في حياته... كان يصنّف و هو راكب... ريّض الأخلاق مشتهر الذكر، تخرج به أقوام كثيرة) (3) .

2-ابن حجر العسقلاني: (صنّف في الأصول و الحكمة... و كان رأس الشيعة بالحلّة، و اشتهرت تصانيفه و تخرّج به جماعة) (4) .

و قال أيضا: (عالم الشيعة و إمامهم و مصنّفهم، و كان آية في الذكاء... اشتهرت تصانيفه في حياته... و كان مشتهر الذكر و حسن الأخلاق) (5) .

____________

(1) الكنى و الألقاب 2: 477-478.

(2) أعيان الشيعة 5: 396.

(3) الوافي بالوفيات 13: 85.

(4) الدرر الكامنة 2: 71.

(5) لسان الميزان 2: 317.

14

3-ابن تغري بردي الأتابكي: (كان عالما بالمعقولات، و كان رضي الخلق حليما) (1) .

4-خير الدين الزركلي: (جمال الدين و يعرف بالعلاّمة، من أئمّة الشيعة و أحد كبار العلماء) (2) .

معاصروه من العلماء

عاصر العلاّمة مجموعة من فطاحل العلماء و كبار الفقهاء من الخاصّة و العامّة في وقته، منهم: السيّد علي بن موسى بن طاوس، و الخواجه نصير الدين الطوسي، و المحقّق الحلّي، و الشيخ علي بن عيسى الأربلي، و الشيخ ميثم البحراني، و القاضي ناصر الدين البيضاوي، و برهان الدين العبدي، و محمد بن محمود الآملي، و القاضي عضد الدين الإيجي، و غيرهم من العلماء.

أبرز جوانب حياته‏

(3)

*بدأ مشوار حياته و نشأته في أسرة علمية عريقة حيث كان والده الشيخ سديد الدين يوسف عالما فاضلا ورعا، و كان من الأساتذة الكبار و العلماء الذين ذاع صيتهم في البلاد، و كذلك خاله الشيخ نجم الدين المعروف بالمحقّق الحلّي الذي كان رأس الشيعة و ملاذهم في العلوم، فقد نهل العلاّمة من علوم والده و تغذى من حسن أخلاقه، و من نعومة أظفاره بانت عليه علامات الذكاء و الموهبة، فانتقل إلى درس

____________

(1) النجوم الزاهرة 9: 267.

(2) الأعلام 2: 227.

(3) أخذت هذه المقاطع من عدّة كتب منها: رجال ابن داود: 78. خلاصة الأقوال (المقدمة) : 4-40.

أمل الآمل 2: 81-85 نقد الرجال 2: 69-70. لؤلؤة البحرين: 210-227. الفوائد الرجالية 2: 257-292. روضات الجنات 2: 269-286. تنقيح المقال 1: 314-315. الكنى و الألقاب 2: 477-480. أعيان الشيعة 5: 396-408. طبقات أعلام الشيعة (المائة الثامنة) : 52-54. تاريخ العلماء: 159-164. الوافي بالوفيات 13: 85 لسان الميزان 2: 317-138.

و من مقدّمات كتبه المحقّقة.

15

خاله المحقّق الحلّي الذي أحاطه برعاية تامّة و تشجيع مستمر، فتقدّمت شخصية العلاّمة شيئا فشيئا و صار يشار إليه بالبنان.

و قبل أن يتمّ سنّ التكليف حصل على إجازة الاجتهاد، و هو أوّل من روّج و قوّم و قرّر رسوم الاجتهاد، فصار يطلق عليه لقب آية اللّه.

*كانت فترة الصبا بالنسبة إليه فترة عصيبة و مؤلمة، حيث عاصر أحداث غزو هولاكو و ما جرى فيها من مجازر، و رأى بعينه كيف أنّ والده جاء بكتاب الأمان لأهل الحلّة.

*عكف على دراسة المعقولات و التزم درس الخواجه نصير الدين الطوسي عند ما جاء إلى العراق فدرس على يديه الفلسفة و الكلام و الفلك و النجوم، و كان ملازما له حتى في سفره، و سأله مرّة عن اثني عشرة مسألة كلّها من مشكلات المسائل فأجاب الخواجة عن بعضها و أجّل بعضها ممّا جعل الخواجه يثني عليه و على علمه.

*ما أن دخل في العقد الثالث من العمر حتى أكمل مصنّفاته الكلامية و الحكمية، و لذلك وصفه الخواجه الطوسي-عند ما زار الحلّة-بقوله: فوجدت في الحلّة عالما إذا جاهد فاق.

*حضر دروس فطاحل العلماء و أهل التدريس من الخاصّة و العامّة فأزخر بالعلوم، فذاع صيته و ارتفعت مكانته بالبلاد و شاع أمره بين الناس لنبوغه الفكري، و تميّز بين أبناء جيله ببراعة بيانه و كثرة مؤلّفاته ممّا جعله المؤهّل لأن يحلّ مكان خاله المحقّق عند ما توفّي، فصار درسه حافلا بطلبة العلوم و قد حضره العديد من خيار العلماء، و قيل: حضر درسه في الفقه و الأصول العلاّمة الخواجه نصير الدين الطوسي أيضا.

*كانت له مناظرات مع كبار العلماء و كان صاحب القول الفصل فيها، حيث كان قويّ الحجّة بمناظراته يفحم خصمه بالأدلّة العقلية و النقلية، حتى دان له خيرة علماء أهل العامّة بالفضل و المعرفة و حسن الحجّة و البرهان.

16

*استدعاه السلطان محمّد خدابنده ممثّلا عن رأي المذهب الشيعي في قضية طلاق السلطان زوجته، فذهب ملبّيا هذه الدعوى و متسلّحا بسلاح العلم و الإيمان و التقوى، فحصلت له المناظرة الكبرى التي كانت حصيلتها أن تشيّع السلطان محمّد خدابنده و أعلن التشيّع مذهبا رسميّا في البلاد الإسلامية، و نقشت أسماء الأئمّة عليهم السّلام على النقود و جدران المساجد، فقيل: لو لم يكن للعلاّمة إلاّ هذه المكرمة لكفى.

على أثر هذه الحادثة صار السلطان لا يفارق العلاّمة في حلّه و ترحاله، و اهتمّ بالعلم و العلماء، فبنى الكثير من المدارس و من بينها المدرسة السلطانية التي جعلها السلطان مدرسة سيّارة أينما يذهب السلطان فهي معه، فازدهر لذلك العلم و العلماء و كثرت المدارس الدينية و انتشر مذهب التشيّع.

*اشتغل العلاّمة بالتأليف و التصنيف فكتب في كلّ فنون المعرفة حتى قيل: إنّه كان يصنّف و هو راكب، و أحصى البعض مؤلّفاته فقال: هي تزيد على الخمسمائة مؤلّف، و قال بعضهم: لو قسّمنا ما أحصينا من مؤلّفاته على عدد سنوات حياته لوجدنا أنّ في كلّ يوم يصدر له كراس.

*ألّف الكثير من الكتب و جعلها هدية للسلطان خدابنده. و من أوضح ما كتبه و أهداه كتابه العقائدي المسمّى بـ (نهج الحق و كشف الصدق) .

*رغم احترام العلم و العلماء في وقته سواء كانوا من العامّة أو الخاصّة إلاّ أنّ بعض أصحاب الهوى كان لا يعجبهم أن يكون التشيع موضع احترام السلطة، فكتب ابن تيمية كتابا يتضمّن ردّا على أحد كتب العلاّمة و وصفه فيه بضدّ شهرته التي يعرف بها بـ (ابن المطهّر) . لكن أخلاق العلاّمة الرفيعة المكتسبة من سيرة أهل البيت عليهم السّلام و أخلاقهم لم تسمح له أن يقابله بالمثل و إنّما أجابه بأنّ الحجة و البرهان هما الدليل على الحقّ لا الشتم و السباب و غيرهما.

17

*استأذن العلاّمة من السلطان خدابنده في الرجوع إلى الحلّة و المقام فيها، فأذن له لكن على مضض؛ لأنّه كان لا يرغب في مفارقته.

أساتذته‏

أخذ العلاّمة علومه و اكتسبها من خلال قراءته على جمّ غفير من أهل العلم و الفضل و فطاحل المدرّسين من الخاصّة و العامّة في وقته، و كان في مقدّمتهم:

1-والده الشيخ سديد الدين يوسف بن عليّ المطهّر الحلّي و هو أوّل من قرأ عليه، فأخذ عنه الأدب و العربية و الأصول و الفقه و الرواية (1) .

2-خاله الشيخ نجم الدين جعفر بن الحسن بن سعيد المحقّق الحلّي، أخذ عنه الفقه و الأصول و الكلام و الرواية (2) .

3-الخواجه نصير الدين الطوسي، أخذ عنه الكلام و الرياضيات و الفلسفة (3) .

4-كمال الدين ميثم بن عليّ البحراني، قرأ عليه جملة من العلوم و أخذ عنه الرواية (4) .

5-السيّد جمال الدين أحمد بن موسى بن طاوس الحسيني‏ (5) .

6-السيّد عليّ بن طاوس‏ (6) .

7-الشيخ نجم الدين عليّ بن عمر الكاتب القزويني الشافعي‏ (7) .

____________

(1) روضات الجنات 2: 278. طبقات أعلام الشيعة (المائة و الثامنة) : 52. تاريخ العلماء: 160.

(2) أمل الآمل 2: 81 روضات الجنّات 2: 278. الكنى و الألقاب 2: 478. تاريخ العلماء: 160.

(3) أمل الآمل 2: 81 روضات الجنّات 2: 278. الكنى و الألقاب 2: 478. طبقات أعلام الشيعة (المائة الثامنة) : 52. تاريخ العلماء: 160. الدرر الكامنة 2: 71.

(4) روضات الجنّات 2: 278 أعيان الشيعة 5: 402.

(5) روضات الجنّات 2: 278. طبقات أعلام الشيعة (المائة الثامنة) : 52.

(6) روضات الجنّات 2: 278. طبقات أعلام الشيعة (المائة الثامنة) : 52.

(7) لؤلؤة البحرين: 223. طبقات أعلام الشيعة (المائة الثامنة) : 52.

18

8-الشيخ شمس الدين محمّد بن محمّد بن أحمد الكيشي‏ (1) .

9-نجيب الدين يحيى بن سعيد ابن عمّ المحقّق الحلّي.

10-حسين بن علي بن سلمان البحراني.

11-مفيد الدين محمّد بن عليّ بن الجهم الأسدي.

12-برهان الدين أبو الفضل محمّد بن محمّد بن محمّد النسفي.

13-عز الدين الفاروقي الواسطي.

14-تقي الدين عبد اللّه بن جعفر بن عليّ بن الصبّاغ الكوفي الحنفي.

15-جمال الدين النحوي.

و غيرهم من الخاصّة و العامّة (2) .

تلامذته‏

يروي عنه جماعة كبيرة من أهل الفضل و العلم، و أخذ عنه العلم مجموعة كبيرة من العلماء و المحقّقين و الفضلاء، و قيل: قد تخرّج من عالي درس العلاّمة أكثر من خمسمائة مجتهد. و من جملة من تلمذ عليه و أخذ عنه:

1-ولده المحقّق الشيخ فخر الدين محمّد، قرأ عنده كلّ العلوم و روى عنه‏ (3) .

2-ابن اخته السيّد عميد الدين عبد المطلب الحسيني الأعرجي الحلّي و روى عنه‏ (4) .

3-ابن أخته السيّد ضياء الدين عبد اللّه الحسيني الأعرجي الحلّي أخو عميد الدين، و روى عنه‏ (5) .

____________

(1) روضات الجنّات 2: 278.

(2) روضات الجنّات 2: 278. أعيان الشيعة 5: 402. راجع: طبقات أعلام الشيعة (المائة الثامنة) : 52.

(3) طبقات أعلام الشيعة (المائة الثامنة) : 53.

(4) أعيان الشيعة 5: 402. طبقات أعلام الشيعة (المائة الثامنة) : 53.

(5) أعيان الشيعة 5: 402. طبقات أعلام الشيعة (المائة الثامنة) : 53.

19

4-السيّد علاء الدين أبو الحسن علي بن زهرة (1) .

5-السيّد شرف الدين أبو عبد اللّه الحسين‏ (2) .

6-السيّد بدر الدين أبو عبد اللّه محمّد (3) .

7-السيّد أمين الدين أبو طالب أحمد (4) .

8-السيّد عزّ الدين أبو محمد الحسن‏ (5) .

9-الشيخ تاج الدين حسن بن الحسين بن الحسن السرابشنوي الكاشاني‏ (6) .

10-السيّد نجم الدين مهنا بن سنان المدني الحسيني‏ (7) .

11-محمّد بن عليّ الجرجاني‏ (8) .

12-الشيخ زين الدين أبو الحسن عليّ بن أحمد بن طراد المطارآبادي‏ (9) .

13-السيّد النسّابة تاج الدين محمّد بن القاسم بن معية الحلّي الحسيني‏ (10) .

14-الشيخ قطب الدين محمّد الرازي البويهي‏ (11) .

15-تاج الدين محمود بن المولى زين الدين محمّد ابن القاضي عبد الواحد الرازي‏ (12) .

____________

(1) بحار الأنوار 107: 61. الذريعة 1: 176.

(2) بحار الأنوار 107: 62. الذريعة 1: 176.

(3) بحار الأنوار 107: 62. الذريعة 1: 176.

(4) بحار الأنوار 107: 62. الذريعة 1: 176.

(5) بحار الأنوار 107: 62. الذريعة 1: 176.

(6) الذريعة 1: 177.

(7) أجوبة المسائل المهنائية: 115. بحار الأنوار 107: 143. الذريعة 1: 178.

(8) أعيان الشيعة 5: 402.

(9) أعيان الشيعة 5: 402.

(10) أعيان الشيعة 5: 402.

(11) الذريعة 1: 177-178.

(12) بحار الأنوار 107: 142. الذريعة 1: 178.

20

16-الشيخ عزّ الدين الحسين بن إبراهيم بن يحيى الأسترآبادي‏ (1) .

إلى غير ذلك ممّن قرأ عليه و روى عنه و تلمذ عليه.

مؤلّفاته و مصنّفاته‏

ألّف العلاّمة في معظم الفنون، و مصنّفاته كثيرة و قد أحصاها هو في كتابه المعروف بـ (رجال العلاّمة الحلّي) و الموسوم بـ (خلاصة الأقوال) عند ما ترجم لنفسه، فقال: مصنّف هذا الكتاب له كتب:

1-كتاب منتهى المطلب في تحقيق المذهب، لم يعمل مثله، ذكرنا فيه جميع مذاهب المسلمين في الفقه، و رجّحنا ما نعتقده بعد إبطال حجج من خالفنا فيه.

2-كتاب تلخيص المرام في معرفة الأحكام.

3-كتاب غاية الإحكام في تصحيح تلخيص المرام.

4-كتاب تحرير الأحكام الشرعية على مذهب الإمامية.

5-كتاب مختلف الشيعة في أحكام الشريعة.

6-كتاب تبصرة المتعلّمين في أحكام الدين.

7-كتاب استقصاء الاعتبار في تحرير معاني الأخبار.

8-كتاب مصابيح الأنوار.

9-كتاب الدر و المرجان في الأحاديث الصحاح و الحسان.

10-كتاب التناسب بين الأشعرية و فرق السوفسطائية.

11-كتاب نهج الإيمان في تفسير القرآن.

12-كتاب القول الوجيز في تفسير الكتاب العزيز.

13-كتاب الأدعية الفاخرة المنقولة عن الأئمّة الطاهرة.

14-كتاب النكت البديعة في تحرير الذريعة.

____________

(1) الذريعة 1: 177.

21

15-كتاب غاية الوصول و إيضاح السبل في شرح مختصر منتهى السئول و الأمل.

16-كتاب مبادي الأصول.

17-كتاب منهاج اليقين في أصول الدين.

18-كتاب منتهى الوصول إلى علمي الكلام و الأصول.

19-كتاب كشف المراد في شرح تجريد الاعتقاد.

20-كتاب أنوار الملكوت في شرح فصّ الياقوت.

21-كتاب نظم البراهين في أصول الدين.

22-كتاب معارج الفهم في شرح النظم.

23-كتاب الأبحاث المفيدة في تحصيل العقيدة.

24-كتاب نهاية المرام في علم الكلام.

25-كتاب كشف الفوائد في شرح قواعد العقائد.

26-كتاب المنهاج في مناسك الحجّ.

27-كتاب تذكرة الفقهاء.

28-كتاب تهذيب الوصول إلى علم الأصول.

29-كتاب القواعد و المقاصد في المنطق و الطبيعي و الإلهي.

30-كتاب الأسرار الخفيّة في العلوم العقلية.

31-كتاب كاشف الأستار في شرح كشف الأسرار.

32-كتاب الدر المكنون في علم القانون.

33-كتاب المباحث السنية و المعارضات النصرية.

34-كتاب المقاومات.

35-كتاب حلّ المشكلات من كتاب التلويحات.

36-كتاب إيضاح التلبيس من كلام الرئيس.

37-كتاب كشف المكنون من كتاب القانون.

22

38-كتاب بسط الكافية.

39-كتاب المقاصد الوافية بفوائد القانون و الكافية.

40-كتاب المطالب العلية في معرفة العربية.

41-كتاب القواعد الجلية في شرح الرسالة الشمسية.

42-كتاب الجوهر النضيد في شرح كتاب التجريد.

43-كتاب مختصر نهج البلاغة.

44-كتاب إيضاح المقاصد من حكمة عين القواعد.

45-كتاب نهج العرفان في علم الميزان.

46-كتاب إرشاد الأذهان في أحكام الإيمان.

47-كتاب مدارك الأحكام.

48-كتاب تسليك الأفهام إلى معرفة الأحكام.

49-كتاب نهاية الوصول إلى علم الأصول.

50-كتاب قواعد الأحكام في معرفة الحلال و الحرام.

51-كتاب كشف الخفاء من كتاب الشفا.

52-كتاب مقصد الواصلين في أصول الدين.

53-كتاب تسليك النفس إلى حظيرة القدس.

54-كتاب نهج المسترشدين في أصول الدين.

55-كتاب مراصد التدقيق و مقاصد التحقيق.

56-كتاب النهج الوضّاح في الأحاديث الصحاح.

57-كتاب نهاية الإحكام في معرفة الأحكام.

58-كتاب المحاكمات بين شراح الإشارات.

59-كتاب نهج الوصول إلى علم الأصول.

60-كتاب مناهج الهداية و معارج الدراية.

23

61-كتاب نهج الحقّ و كشف الصدق.

62-كتاب استقصاء النظر في القضاء و القدر.

63-كتاب الألفين الفارق بين الصدق و المين.

هذه فقط أسماء كتبه التي ذكرها في كتابه (خلاصة الأقوال) (1) ، و من أراد التعرّف على المزيد من كتبه فليراجع كتاب (مكتبة العلاّمة الحلّي) للمحقّق السيّد عبد العزيز الطباطبائي فقد ذكر فيه كتبه بالتفصيل المخطوط منها و المطبوع.

و قال الطريحي في مادة (علم) : (و العلاّمة الحلّي: الحسن بن يوسف بن مطهّر له كثير من التصانيف، و عن بعض الأفاضل: وجد بخطّه خمسمائة مجلد من مصنّفاته غير خطّ غيره من تصانيفه) (2) .

بعض أخباره‏

ذكر التقي المجلسي في كتابه (روضة المتّقين) أنّه كان سبب إيمان السلطان محمّد خدابنده جايلتو (أولجايتو) رحمه اللّه، حيث إنّه غضب على امرأته و قال لها:

أنت طالق ثلاثا، ثمّ ندم و جمع العلماء فقالوا: لا بدّ من المحلّل، فقال: عندكم في كلّ مسألة أقاويل مختلفة، أ فليس لكم هنا اختلاف؟فقالوا: لا، و قال أحد وزرائه: إنّ عالما بالحلّة و هو يقول ببطلان هذا الطلاق، فبعث كتابه إلى العلاّمة و أحضره. و لمّا بعث إليه قال علماء العامّة: إنّ له مذهبا باطلا، و لا عقل للروافض، و لا يليق بالملك أن يبعث إلى طلب رجل خفيف العقل. قال الملك: حتى يحضر.

فلمّا حضر العلاّمة بعث الملك إلى جميع علماء المذاهب الأربعة و جمعهم، فلمّا دخل العلاّمة أخذ نعليه بيده و دخل المجلس و قال: السلام عليكم، و جلس عند

____________

(1) خلاصة الأقوال: 45-47.

(2) مجمع البحرين 6: 123-علم.

24

الملك، فقالوا للملك: أ لم نقل لك: إنّهم ضعفاء العقول؟قال الملك: اسألوا عنه في كلّ ما فعل، فقالوا له: لم ما سجدت للملك و تركت الآداب؟فقال: إنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله كان ملكا و كان يسلّم عليه، و قال اللّه تعالى: فَإِذََا دَخَلْتُمْ بُيُوتاً فَسَلِّمُوا عَلى‏ََ أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اَللََّهِ مُبََارَكَةً (1) ، و لا خلاف بيننا و بينكم أنّه لا يجوز السجود لغير اللّه. قالوا له: لم جلست عند الملك؟قال: لم يكن مكان غيره، و كلّ ما يقوله العلاّمة بالعربية كان يترجم للملك.

قالوا له: لأيّ شي‏ء أخذت نعليك معك و هذا ممّا لا يليق بعاقل، بل إنسان؟قال:

خفت أن يسرقه الحنفيّة كما سرق أبو حنيفة نعل رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله، فصاحت الحنفيّة:

حاشا و كلاّ، متى كان أبو حنفية في زمن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله؟!بل كان تولّده بعد المائة من وفاة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله، فقال: نسيت، لعلّه كان السارق الشافعي، فصاحت الشافعية و قالوا: كان تولّد الشافعي يوم وفاة أبي حنيفة، و كان أربع سنين في بطن أمّه و لا يخرج رعاية لحرمة أبي حنيفة فلمّا مات خرج، و كان نشؤه في المائتين من وفاة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله، فقال: لعلّه كان مالك، فقالت المالكية بمثل ما قالته الحنفية، فقال لعلّه كان أحمد بن حنبل، فقالوا بمثل ما قالته الشافعية.

فتوجّه العلاّمة إلى الملك فقال: أيّها الملك، علمت أنّ رؤساء المذاهب الأربعة لم يكن أحدهم في زمان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و لا في زمان الصحابة، فهذه إحدى بدعهم أنّهم اختاروا من مجتهديهم هؤلاء الأربعة و لو كان منهم من كان أفضل منهم بمراتب لا يجوّزون أن يجتهد بخلاف ما أفتاه واحد منهم، فقال الملك: ما كان واحد منهم في زمان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و الصحابة؟فقال الجميع: لا، فقال العلاّمة و نحن معاشر الشيعة تابعون لأمير المؤمنين عليه السّلام نفس رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و أخيه و ابن عمّه و وصيّه.

____________

(1) النور: 61.

25

و على أيّ حال فالطلاق الذي أوقعه الملك باطل؛ لأنّه لم يتحقّق شروطه و منها العدلان، فهل قال الملك بمحضرهما؟قال: لا، و شرع في البحث مع علماء العامّة حتّى ألزمهم جميعا.

فتشيّع الملك و بعث إلى البلاد و الأقاليم حتى يخطبوا للأئمّة الاثني عشر في الخطبة و يكتبوا أساميهم عليهم السّلام في المساجد و المعابد (1) .

و من لطائفه أنّه ناظر أهل الخلاف في مجلس السلطان محمّد خدابنده أنار اللّه برهانه، و بعد إتمام المناظرة و بيان الحقّية لمذهب الإمامية الاثني عشرية خطب الشيخ خطبة بليغة مشتملة على حمد اللّه و الصلاة على رسوله و الأئمّة عليهم السّلام، فلمّا استمع ذلك السيّد الموصلي الذي هو من جملة المسكوتين بالمناظرة قال: ما الدليل على جواز توجيه الصلاة على غير الأنبياء؟فقرأ الشيخ في جوابه بلا انقطاع الكلام:

اَلَّذِينَ إِذََا أَصََابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قََالُوا إِنََّا لِلََّهِ وَ إِنََّا إِلَيْهِ رََاجِعُونَ*`أُولََئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوََاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَ رَحْمَةٌ (2) ، فقال الموصلي: ما المصيبة التي أصابت آله حتى أنّهم يستوجبوا بها الصلاة؟فقال الشيخ رحمة اللّه: من أشنع المصائب و أشدّها أن حصل من ذراريهم مثلك الذي يرجّح المنافقين الجهال-المستوجبين اللعنة و النكال- على رسول الملك المتعال. فاستضحك الحاضرون و تعجّبوا من بداهة آية اللّه في العالمين.

و قد أنشد بعض الشعراء يقول في ذلك:

إذ العلوي تابع ناصبيا # بمذهبه فما هو من أبيه

و كان الكلب خيرا منه حقّا # لأنّ الكلب طبع أبيه فيه‏ (3)

____________

(1) روضة المتقين 9: 30-32.

(2) البقرة: 156-157.

(3) لؤلؤة البحرين: 224.

26

قال صاحب (روضات الجنّات) : ثمّ إنّ العلاّمة أخذ من بعد ذلك بمعونة هذا السلطان المستبصر الرءوف في تشييد أساس الحقّ و ترويج المذهب على حسب ما يشتهيه و يريد، و كتب باسم السلطان الموصوف كتابه المسمّى بـ: (منهاج الكرامة) في الإمامة و كتاب (اليقين) و مسائل شتّى، و بلغ أيضا من المنزلة و القرب لديه بما لا مزيد عليه، وفاق في ذلك على سائر علماء حضرة السلطان المذكور مثل القاضي ناصر الدين البيضاوي، و القاضي عضد الدين الإيجي، و محمّد بن محمود الآملي، و غيرهم.

و كان-رحمه اللّه-في القرب و المنزلة عند السلطان المذكور بحيث لا يرضى بعد ذلك أن يفارقه في حضر و لا سفر، بل نقل أنّه أمر لجنابه المقدّس و طلاّب مجلسه الأقدس بترتيب مدرسة سيّارة ذات حجرات و مدارس من الخيام الكرباسيّة، و كانت تحمل مع الموكب الميمون أينما يسير، و تضرب بأمره الأنفذ الأعلى في كلّ منزل و مصير (1) .

و ينقل أنّ ابن تيمية كان من جملة علماء السنة المعاصرين للعلاّمة في وقته، و كان منكرا و متحاملا على العلاّمة في بعض كتبه، فكتب العلاّمة في الردّ عليه أبياتا منها:

لو كنت تعلم كلّ ما علم الورى # طرا لصرت صديق كلّ العالم

لكن جهلت فقلت: إنّ جميع # من يهوى خلاف هواك ليس بعالم‏ (2)

وفاته و مدفنه‏

كانت وفاته-رحمه اللّه-كما ذكر غير واحد من الخاصّة و العامّة بمحروسة الحلّة في ليلة السبت الحادي و العشرين من شهر محرّم الحرام سنة ست و عشرين

____________

(1) روضات الجنّات 2: 281-282.

(2) روضات الجنّات 2: 286. أعيان الشيعة 5: 407. الدرر الكامنة 2: 71.

27

و سبعمائة (1) ، و نقل نعشه إلى النجف الأشرف فدفن في حجرة عن يمين الداخل إلى الحضرة الشريفة من جهة الشمال و قبره ظاهر معروف مزور إلى اليوم‏ (2) .

وصيّته لولده‏

كتب العلاّمة وصيّته لولده في نهاية كتابه الفقهي (قواعد الأحكام) فقال: (اعلم يا بنيّ-أعانك اللّه تعالى على طاعته، و وفّقك لفعل الخير و ملازمته، و أرشدك إلى ما يحبّه و يرضاه، و بلّغك ما تأمله من الخير و تتمنّاه، و أسعدك اللّه في الدارين و حباك بكلّ ما تقرّ به العين، و مدّ لك في العمر السعيد و العيش الرغيد، و ختم أعمالك بالصالحات و رزقك أسباب السعادات و أفاض عليك من عظائم البركات، و وقاك اللّه كل محذور و دفع عنك الشرور-أنّي قد لخّصت لك في هذا الكتاب لبّ فتاوى الأحكام، و بيّنت لك فيه قواعد شرائع الإسلام بألفاظ مختصرة و عبارة محرّرة، و أوضحت لك فيه نهج الرشاد و طريق السداد، و ذلك بعد أن بلغت من العمر الخمسين و دخلت في عشر الستين، و قد حكم سيّد البرايا بأنّها مبدأ اعتراك المنايا.

فإن حكم اللّه تعالى عليّ فيها بقدره و أنفذ ما حكم به على العباد الحاضر منهم و الباد، فإنّي أوصيك-كما افترضه اللّه تعالى عليّ من الوصيّة و أمرني به حين إدراك المنية-بملازمة تقوى اللّه تعالى، فإنّها السنّة القائمة و الفريضة اللازمة و الجنّة الواقية و العدّة الباقية و أنفع ما أعدّه الإنسان ليوم تشخص فيه الأبصار و يعدم عنه الأنصار.

و عليك باتّباع أوامر اللّه تعالى و فعل ما يرضيه و اجتناب ما يكرهه و الانزجار عن نواهيه، و قطّع زمانك في تحصيل الكمالات النفسية، و صرّف أوقاتك في اقتناء الفضائل العلمية، و الارتقاء عن حضيض النقصان إلى ذروة الكمال، و الارتفاع إلى

____________

(1) روضات الجنّات 2: 282. أعيان الشيعة 5: 396. تاريخ العلماء: 159، مرآة الجنان 4: 208. الدرر الكامنة: 72. النجوم الزاهرة 9: 267 و غيرها.

(2) روضات الجنّات 2: 282. أعيان الشيعة 5: 396. تاريخ العلماء: 159.

28

أوج العرفان عن مهبط الجهّال، و بذل المعروف و مساعدة الإخوان و مقابلة المسي‏ء بالإحسان و المحسن بالامتنان.

و إيّاك و مصاحبة الأرذال و معاشرة الجهّال فإنّها تفيد خلقا ذميما و ملكة رديّة، بل عليك بملازمة العلماء و مجالسة الفضلاء فإنّها تفيد استعدادا تامّا لتحصيل الكمالات و تثمر لك ملكة راسخة لاستنباط المجهولات.

و ليكن يومك خيرا من أمسك، و عليك بالصبر و التوكّل و الرضا، و حاسب نفسك في كلّ يوم و ليلة، و أكثر من الاستغفار لربّك، و اتّق دعاء المظلوم خصوصا اليتامى و العجائز فإنّ اللّه تعالى لا يسامح بكسر كسير.

و عليك بصلاة الليل فإنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله حثّ عليها و ندب إليها، و قال: «من ختم له بقيام الليل ثمّ مات فله الجنّة» (1) .

و عليك بصلة الرحم فإنّها تزيد في العمر، و عليك بحسن الخلق فإنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله قال: «إنّكم لن تسعوا الناس بأموالكم فسعوهم بأخلاقكم» (2) .

و عليك بصلة الذرّية العلوية فإنّ اللّه تعالى قد أكّد الوصيّة فيهم و جعل مودّتهم أجر الرسالة و الإرشاد فقال تعالى: قُلْ لاََ أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ اَلْمَوَدَّةَ فِي اَلْقُرْبى‏ََ (3) .

و قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: «أنا شافع يوم القيامة لأربعة أصناف و لو جاءوا بذنوب أهل الدنيا: رجل نصر ذرّيتي، و رجل بذل ماله لذرّيتي عند الضيق، و رجل أحبّ ذرّيتي باللسان و القلب، و رجل سعى في حوائج ذرّيتي إذا طردوا أو شرّدوا» (4) .

____________

(1) وسائل الشيعة 8: 154، أبواب بقية الصلوات المندوبة، ب 39، ح 24.

(2) وسائل الشيعة 12: 161، أبواب أحكام العشرة، ب 107 ح 8.

(3) الشورى: 23.

(4) وسائل الشيعة 16: 332، أبواب فعل المعروف، ب 17، ح 2.

29

و قال الصادق عليه السّلام : «إذا كان يوم القيامة نادى مناد: أيها الخلائق أنصتوا فإنّ محمّد صلّى اللّه عليه و آله يكلّمكم، فتنصت الخلائق، فيقوم النبيّ صلّى اللّه عليه و آله فيقول: يا معشر الخلائق، من كانت له عندي يد أو منّة أو معروف فليقم حتى أكافيه، فيقولون: بآبائنا و أمّهاتنا و أيّ يد و أيّ منّة و أيّ معروف لنا؟!بل اليد و المنّة و المعروف للّه و لرسوله على جميع الخلائق، فيقول: بل من آوى أحدا من أهل بيتي أو برّهم أو كساهم من عري أو أشبع جائعهم فليقم حتى أكافيه، فيقوم أناس قد فعلوا ذلك، فيأتي النداء من عند اللّه: يا محمّد يا حبيبي، قد جعلت مكافأتهم إليك، فأسكنهم من الجنّة حيث شئت، فيسكنهم في الوسيلة حيث لا يحجبون عن محمّد و أهل بيته صلوات اللّه عليهم» (1) .

و عليك بتعظيم الفقهاء و تكرمة العلماء فإنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله قال: «من أكرم فقيها مسلما لقي اللّه يوم القيامة و هو عنه راض، و من أهان فقيها مسلما لقي اللّه يوم القيامة و هو عليه غضبان» (2) ، و جعل النظر إلى وجه العالم عبادة، و النظر إلى باب العالم عبادة، و مجالسة العالم عبادة.

و عليك بكثيرة الاجتهاد في ازدياد العلم و التفقه في الدين فإنّ أمير المؤمنين عليه السّلام قال لولده: «تفقه في الدين فإنّ الفقهاء ورثة الأنبياء» (3) ، و إنّ طالب العلم ليستغفر له من في السماوات و من في الأرض حتى الطير في الهواء و الحوت في البحر، و إنّ الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضى به.

و إيّاك و كتمان العلم و منعه عن المستحقّين لبذله فإنّ اللّه تعالى يقول: اَلَّذِينَ يَكْتُمُونَ مََا أَنْزَلْنََا مِنَ اَلْبَيِّنََاتِ وَ اَلْهُدى‏ََ مِنْ بَعْدِ مََا بَيَّنََّاهُ لِلنََّاسِ فِي اَلْكِتََابِ أُولََئِكَ يَلْعَنُهُمُ اَللََّهُ وَ يَلْعَنُهُمُ اَللاََّعِنُونَ (4) .

____________

(1) وسائل الشيعة 16: 333، أبواب فعل المعروف، ب 17، ح 3.

(2) عوالي اللآلي 4: 59-60، ح 4.

(3) عوالي اللآلي 4: 60، ح 5. بحار الأنوار 1: 126، ح 32.

(4) البقرة: 159.

30

و قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: «إذا ظهرت البدع في أمّتي فليظهر العالم علمه، فمن لم يفعل فعليه لعنة اللّه تعالى» (1) .

و قال عليه السّلام: «لا تؤتوا الحكمة غير أهلها فتظلموها، و لا تمنعوها أهلها فتظلموهم» (2) .

و عليك بتلاوة الكتاب العزيز و التفكّر في معانيه و امتثال أوامره و نواهيه، و تتبّع الأخبار النبويّة و الآثار المحمّدية، و البحث عن معانيها و استقصاء النظر فيها، و قد وضعت لك كتبا متعدّدة في ذلك كلّه. هذا ما يرجع إليك.

و أمّا ما يرجع إليّ و يعود نفعه عليّ فأن تتعهّدني بالترحّم في بعض الأوقات، و أن تهدي إليّ ثواب بعض الطاعات، و لا تقلل من ذكري فينسبك أهل الوفاء إلى الغدر، و لا تكثر من ذكري فينسبك أهل الغرم إلى العجز، بل اذكرني في خلواتك و عقيب صلواتك، و اقض ما عليّ من الديون الواجبة و التعهّدات اللازمة، وزر قبري بقدر الإمكان و اقرأ عليه شيئا من القرآن، و كلّ كتاب صنّفته و حكم اللّه تعالى بأمره قبل إتمامه فأكمله و أصلح ما تجده من الخلل و النقصان و الخطأ و النسيان.

و هذه وصيّتي إليك، و اللّه خليفتي عليك، و السّلام عليك و رحمة اللّه و بركاته) .

____________

(1) الكافي 1: 105، ح 2.

(2) عوالي اللآلي 4: 80-81، ح 81.

31

النسخ الخطّية المعتمدة

اعتمدنا في تحقيقنا لهذا الكتاب على مصوّرتين لمخطوطتين للكتاب في مركز إحياء التراث الإسلامي بمدينة قم المقدّسة.

الأولى برقم 2197/اعتقادات/عربي-رقم الفيلم 2394، و تقع في 282 صفحة بحجم 5/16-29 سم.

أوّلها بعد البسملة: (الحمد للّه مظهر الحقّ بنصب الأدلّة الواضحة و البراهين القاطعة، و موضح الإيمان عند أوليائه المخلصين، و منطق السنّة السنيّة بفساد اعتقاد المبطلين... ) إلى آخره.

و آخرها: (فهذا آخر ما أردنا إيراده في هذا الكتاب من الأدلّة الدالّة على وجوب عصمة الإمام عليه السّلام، و هي ألف دليل، فإنّ الأدلّة على ذلك لا تحصى، براهين قاطعة، لكن اقتصرنا على ألف دليل لهم على التطويل. و ذلك في غرّة رمضان المبارك سنة اثنتي عشرة و سبعمائة، و كتب محمد حسن بن مطهّر ببلدة جرجان في صحبة السلطان الأعظم غياث الدين محمد أولجايتو خلّد اللّه ملكه.

هذا صورة خطّ المصنّف والدي قدّس اللّه سرّه، و كتب هذا من النسخة بياضا ذلك، و وافق الفراغ منه في سابع عشر ربيع الأوّل من سنة أربع و خمسين و سبعمائة بالحضرة الشريفة الغروية، صلوات اللّه على مشرّفها، و الحمد للّه وحده.

32

هذا صورة خط والدي أدام اللّه أيّامه، و كان الفراغ منه في عاشر رمضان سنة سبع و خمسين و سبعمائة على يد الفقير إلى اللّه تعالى، يحيى بن محمد بن الحسن بن المطهّر، حامدا للّه تعالى، و مصلّيا على نبيّه محمّد و آله الطيّبين الطاهرين) .

و الثانية برقم 102/مجموعة. و تقع في 545 صفحة بحجم 5/16*29 سم.

أوّلها بعد البسملة: (الحمد للّه مظهر الحقّ بنصب الأدلّة الواضحة و البراهين القاطعة، و موضح الإيمان عند أوليائه المخلصين، و منطق السنّة السنيّة بفساد اعتقاد المبطلين... ) إلى آخره و آخرها: (فهذا آخر ما أردنا إيراده في هذا الكتاب من الأدلّة الدالّة على وجوب عصمة الإمام عليه السّلام، و هي ألف دليل، فإنّ الأدلّة على ذلك لا تحصى، و هي براهين قاطعة، لكن اقتصرنا على ألف دليل لهم عن التطويل. و ذلك في غرّة رمضان المبارك سنة اثنتي عشرة و سبعمائة، و كتب حسن بن مطهّر ببلدة جرجان في صحبة السلطان الأعظم غياث الدين محمد أولجايتو خلّد اللّه ملكه.

هذا صورة خطّ المصنّف والدي قدّس اللّه سرّه، و كتب هذا من النسخة بياضا ذلك، و وافق الفراغ منه في سابع عشر ربيع الأوّل من سنة أربع و خمسين و سبعمائة بالحضرة الشريفة الغروية، صلوات اللّه على مشرّفها، و الحمد للّه وحده.

33

هذا صورة خط والدي أدام اللّه أيّامه، و كان الفراغ منه في عاشر رمضان سنة سبع و خمسين و سبعمائة على يد الفقير إلى اللّه تعالى يحيى بن محمد بن الحسن بن المطهّر، حامدا للّه تعالى، و مصلّيا على نبيّه محمّد و آله الطيّبين الطاهرين.

قد فرغ من تسويد هذا الكتاب المبارك الموسوم بالألفين أقل الخلائق و أحوجهم إلى رحمة ربّه الغني خواجه فراست عصر يوم الأحد اثنان و عشرين من شهر ربيع الآخر من سنة ألف و ستين من هجرة النبوية المصطفوية و سلّم تسليما كثيرا كثيرا) .

و في آخرها أيضا تعليقات باللغة الفارسية تشير إلى مقابلتها و تصحيحها على نسخ متعدّدة.

كما جاء في آخرها أيضا:

(و نرجو من الله الظفر بتمامه و نفعنا به كما نفع به مصنّفه فإنّه نقل عنه ولده بعد فوته بثلاث ليال أنّه رآه فقال: لو لا كتاب الألفين و صلاة الإحدى و الخمسين و زيارة أبي عبد الله الحسين لأهلكتني الفتاوى. و المخبر عدل و المخبر عنه في دار الحقّ لا يقول إلاّ حقّا على ما روي) .

و رمزنا للمخطوطة الأولى بحرف «أ» و للثانية بحرف «ب» ، و اعتمدنا أسلوب التلفيق بين المخطوطتين في الموارد غير الضرورية من غير إشارة لذلك في الهامش بل اكتفينا بالتنويه إليه هنا، و أشرنا للاختلاف بينهما في الموارد التي تستوجب ذلك في مواضعه. و كلّ ما أضفناه من عناوين وضعناه بين معقوفتين، و اكتفينا بالإشارة إليه في هذه المقدّمة. ـ

34

منهج العمل‏

اعتمدنا منهج العمل الجماعي في تحقيقنا لهذا السفر الجليل، و توزّعت لجان العمل كالآتي:

1-صفّ الحروف و الإخراج الفنّي عبد الزهراء السوداني.

2-مقابلة المطبوع مع النسختين: الأخ علي الساعدي و الأخ قاسم نمر الغرّاوي و الأخ زيد الساعدي.

3-تخريج المصادر: السيد مالك البطّاط و السيد حبيب الموسوي.

4-تقويم النصّ: الشيخ رياض القطراني و الشيخ عصام العلي و الشيخ محمّد علي الأسدي.

و في الختام لا يفوتنا أن نتقدّم بالشكر و الامتنان لكلّ الذين ساهموا معنا في إبراز الكتاب بشكله هذا عبر توجيهاتهم و ملاحظاتهم أثناء عملنا، و نسأله تعالى أن يعيننا على ما فيه رضاه، إنّه نعم المولى و نعم المجيب.

عبد الهادي علي ناصر السلمان قم المقدّسة 1423 هـ. ق/1381 هـ. ش‏

35

الصفحة الأولى من المخطوطة «أ»

36

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

37

الصفحة الأخيرة من المخطوطة «أ»

38

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

39

الصفحة الأولى من المخطوطة «ب»

40

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

41

الصفحة الأخيرة من المخطوطة «ب»

42

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

43

[مقدّمة المؤلّف‏]

بسم اللّه الرحمن الرحيم الحمد للّه مظهر الحقّ بنصب الأدلّة الواضحة و البراهين القاطعة، و موضح الإيمان عند أوليائه المخلصين، و منطق السنّة السنيّة بفساد اعتقاد المبطلين، الذي شهد بوجوب وجوده الوجود عند الصدّيقين، و أقرّ بقدرته فناء العالمين، و تكافؤ كثير من الموجودات مع إبطال سائر الاعتقادات باليقين، و أوضح عن‏[وحدانيته‏] (1) انتظام أحوال السماوات و الأرضين، و وجود الممكنات مع استحالة الترجيح بلا مرجّح و تكثير الفاعلين، و أظهر استغناءه و علمه‏[و] (2) تمام حكمته، فجلّ عن أوصاف الواصفين، و تعالى عن إدراك كماله أبصار بصائر العارفين، فظهر من ذلك عصمة الأنبياء و الأئمّة الطاهرين.

و صلّى اللّه على سيّد المرسلين محمّد النبيّ و آله الطيّبين المعصومين، خصوصا على نفسه بالوحي النازل إليه على لسان الروح الأمين، عليّ بن أبي طالب أمير المؤمنين، و على الأحد عشر الذين كلّ واحد منهم هو حبل اللّه المتين، و مصباح

____________

(1) في «أ» : (وحدانية) ، و ما أثبتناه من «ب» .

(2) من «ب» .

44

الواصلين، و بهم تجاب دعوة الداعين، و تحصل النجاة لمحبّيهم المخلصين، فمن أقرّ بحقّهم فهو في أعلى علّيّين، و من أنكر فضلهم فهو في أسفل السافلين، صلاة دائمة متّصلة إلى يوم الدين.

أمّا بعد: فإنّ أضعف عباد اللّه تعالى الحسن بن يوسف بن المطهّر الحلّي يقول: أجبت سؤال ولدي العزيز عليّ محمّد-أصلح اللّه له أمر داريه كما هو بارّ بوالديه، و رزقه أسباب السعادات الدنيويّة و الأخروية كما أطاعني في استعمال قواه العقليّة و الحسّية، و أسعفه ببلوغ آماله كما أرضاني بأقواله و أفعاله، و جمع له بين الرئاستين كما لم يعصني طرفة عين-من إملاء هذا الكتاب الموسوم بـ: (كتاب الألفين الفارق بين الصدق و المين) ، فأوردت فيه من الأدلّة اليقينيّة و البراهين العقليّة و النقلية ألف دليل على إمامة سيّد الوصيّين عليّ بن أبي طالب أمير المؤمنين عليه السّلام، و ألف دليل أخرى على إبطال شبه الطاعنين، و أوردت فيه من الأدلّة على‏[إمامة] (1)

باقي الأئمّة عليهم السّلام ما فيه كفاية للمسترشدين، و جعلت ثوابه لولدي، [وقاه اللّه‏] (2) كلّ محذور، و صرف عنه جميع الشرور، و بلّغه جميع أمانيه، و كفاه اللّه أمر (3) معاديه و شانيه.

و قد رتّبته على مقدّمة و مقالتين و خاتمة.

***

____________

(1) من «ب» .

(2) في «أ» : (وقاني) ، و في «ب» : (وقاني اللّه عليه) ، و في هامش «ب» : (وقاه) بدل: (وقاني) ، و ما أثبتناه وفقا لما في «ب» و ما في هامشها.

(3) في هامش «ب» : (شرّ) بدل: (أمر) .

45

[المقدّمة]

أمّا المقدّمة ففيها مباحث:

البحث الأوّل: ما الإمام؟

الإمام هو الإنسان الذي له الرئاسة العامة في أمور الدين و الدنيا بالأصالة في دار التكليف.

و نقض بالنبيّ صلّى اللّه عليه و آله‏ (1) ، فأجيب بوجهين:

الأوّل: التزام دخوله في الحدّ؛ لقوله تعالى: إِنِّي جََاعِلُكَ لِلنََّاسِ إِمََاماً (2) .

الثاني: تبدّل قولنا: بالأصالة، بـ: نيابة عن النبيّ صلّى اللّه عليه و آله.

و قيل: الإمامة عبارة عن خلافة شخص من الأشخاص للرسول صلّى اللّه عليه و آله في إقامة قوانين الشرع و حفظ حوزة الملّة على وجه يجب اتّباعه على الأمّة كافّة، و جنسهما البعيد الإضافة (3) .

البحث الثاني: الإمامة لطف عامّ و النبوّة لطف خاصّ‏

لإمكان خلوّ الزمان من نبيّ حيّ بخلاف الإمام؛ لما سيأتي‏ (4) ، و إنكار اللطف

____________

(1) كذا في «أ» و «ب» أثبتت (صلّى اللّه عليه و آله) بعد لفظة (النبي) في هذا المورد و الذي بعده، و الظاهر أنّ المقصود فيهما طبيعيّ النبيّ لا شخص نبيّنا صلّى اللّه عليه و آله و إن كانت معظم بحوث الكتاب تختصّ بإمامة أمير المؤمنين عليه السّلام بعد نبيّنا صلّى اللّه عليه و آله.

(2) البقرة: 124.

(3) في هامش «ب» : (و جنسهما البعيد إضافة) خ ل.

(4) سيأتي في الدليل السابع و الستين من المائة الأولى.

46

العامّ شرّ من إنكار اللطف الخاصّ، و إلى هذا المعنى أشار الصادق عليه السّلام بقوله عن منكر الإمامة أصلا و رأسا: «... و هو شرّهم» (1) .

البحث الثالث: كلّ مسألة لا بدّ لها من موضوع و محمول‏

فإن كانت كسبيّة احتاجت إلى وسط ليتمّ البرهان عليها، و من ثمّ وجبت المقدّمتان، فإن كانتا ضروريتين فلا كلام، و إن كانتا برهانيّتين فهما علم من العلوم، و لا يبرهن عليهما و لا على شي‏ء من مباديهما بتلك المسألة، و إلاّ دار.

و على الناظر فيها أن يسلّم المبادي التي عليها بناء المسألة و لا يعترض عليها؛ لأنّ المنع منها و الاعتراض عليها يتعلّقان بنظر آخر غير النظر الأوّل الذي هو ناظر به، فإن اعتراه شكّ فليرجع إلى المواضع المخصوصة بها و يؤخّر النظر فيها إلى أن يحقّق المبادي التي هي كالقواعد، فإنّ الباحث عن قدرة الصانع لا يتكلّم في حدوث الأجسام، بل يكون ذلك مقرّرا عنده.

إذا تقرّر ذلك فنقول: موضوع هذه المسألة و محمولها ظاهران، و أمّا المبادي فهي ثمانية عشر:

الأوّل: أنّ العالم محدث، و اللّه تعالى محدثه.

الثاني: أنّه تعالى واجب الوجود لذاته أزلا و أبدا.

الثالث: أنّه قادر على كلّ المقدورات.

الرابع: أنّه عالم بجميع المعلومات.

الخامس: أنّه غنيّ عمّا سواه.

السادس: مريد للطاعات.

____________

(1) علل الشرائع 1: 339-340/1. و قد ورد في الرواية: «... و إيّاك أن تغتسل من غسالة الحمّام ففيها يجتمع غسالة اليهودي و النصراني و المجوسي و الناصب لنا أهل البيت، و هو شرّهم... » . و قريب منه في ثواب الأعمال و عقاب الأعمال: 246/1.

47

السابع: كاره للمعاصي.

الثامن: لا يخلّ بالواجبات، و لا يفعل المقبّحات، و لا يريد ذلك.

التاسع: أنّه تعالى كلّف العباد مصالحهم بقدر وسعهم.

العاشر: أنّه تعالى يجب عليه الألطاف‏ (1) .

الحادي عشر: أنّه تعالى قام بالألطاف الواجبة عليه ممّا يتعلّق بتكاليفهم.

الثاني عشر: أنّه تعالى أزاح عللهم، ليس غرضه في ذلك كلّه إلاّ الإحسان إليهم، و إفاضة النعم عليهم.

الثالث عشر: أنّه كلّفهم بالوجه الأفضل و البلوغ به إلى الثواب الأجزل.

الرابع عشر: أنّه تعالى أرسل محمّدا صلّى اللّه عليه و آله رسولا معصوما قائما بالحقّ قائلا بالصدق.

الخامس عشر: أنزل اللّه عليه الكتاب العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه و لا من خلفه، تنزيل من حكيم حميد، فنسخ بشريعته جميع الشرائع، و بسنّته السنن، و هي باقية إلى يوم الدين.

السادس عشر: أنّه معصوم من الزلل و الخطأ و النسيان.

السابع عشر: أنّ اللطف في الواجبات واجب عليه تعالى إذا كان من فعله خاصّة (2) .

الثامن عشر: أنّه تعالى لم يجعل لكلّ الناس القوّة القدسيّة التي تكون علومهم معها فطرية القياس، و تكون القوّة الوهميّة و الشهويّة و الغضبيّة مغلوبة دائما، و هذا ظاهر؛ فإنّه لم ينقل في عصر من الأعصار ذلك.

____________

(1) النكت الاعتقادية (ضمن سلسلة مؤلّفات الشيخ المفيد) 10: 35، 39. الاقتصاد فيما يتعلّق بالاعتقاد: 132. تجريد الاعتقاد: 204. المسلك في أصول الدين: 101-102. قواعد المرام في علم الكلام: 117-118. المغني في أبواب التوحيد و العدل (اللطف) : 27.

(2) الاقتصاد فيما يتعلّق بالاعتقاد: 132. تجريد الاعتقاد: 204. مناهج اليقين في أصول الدين: 254.

48

البحث الرابع: في أنّ نصب الإمام لطف‏

اعلم أنّ الإمام الذي حدّدناه إذا كان منصوبا يقرب المكلّف‏ (1) بسببه من الطاعات و يبعد عن ارتكاب المقبّحات، و إذا لم يكن كذلك كان الأمر بالعكس.

و هذا الحكم ظاهر لكلّ عاقل بالتجربة، و ضروري لا يتمكّن أحد من إنكاره، فكلّ ما يقرّب المكلّفين إلى الطاعة و يبعّدهم عن المعاصي يسمّى لطفا اصطلاحا (2) .

فظهر من ذلك أنّ كون الإمام منصوبا متمكّنا لطف في التكاليف الواجبة، و ما سيأتي في وجوب نصب الإمام يدلّ على أنّه لطف أيضا (3) .

البحث الخامس: لا يقوم غير الإمامة مقامها

لوجوه: الوجه الأول: ما ذكره القدماء (4) ، و هو: أنّ اتّفاق العقلاء في كلّ صقع و في كلّ زمان على إقامة الرؤساء يدلّ على عدم قيام غيرها مقامها.

الوجه الثاني: أنّ الغالب على أكثر الناس القوّة (5) الشهويّة[و الغضبيّة] (6)

و الوهميّة، بحيث لا يستقبح كثير من الجهّال لذلك اختلال نظام النوع الإنساني في جنب تحصيل غاية القوّة الشهويّة له أو الغضبيّة، و يظهر لذلك التغالب و التنازع

____________

(1) في «ب» : (المكلّفين) بدل: (المكلّف) .

(2) النكت الاعتقادية (ضمن سلسلة مؤلّفات الشيخ المفيد) 10: 35. الاقتصاد فيما يتعلّق بالاعتقاد: 130. المسلك في اصول الدين: 101. قواعد المرام في علم الكلام: 117. المغني في أبواب التوحيد و العدل (اللطف) : 9.

(3) سيأتي في النظر الأوّل من البحث السادس من هذه المقدمة.

(4) انظر: تقريب المعارف: 144. الاقتصاد فيما يتعلّق بالاعتقاد: 297-298.

(5) في هامش «ب» : (قوى) خ ل.

(6) من «ب» .

49

و الفساد الكلّي، فنحتاج إلى رادع لها، و هو لطف يتوقّف فعل الواجبات و ترك المحرّمات عليه، فيجب.

و هو إمّا داخلي، أو خارجي.

و الأوّل‏ ليس إلاّ القوّة العقليّة، و إلاّ لكان اللّه تعالى مخلاّ بالواجب في أكثر الناس، و هذا محال.

و لأنّه إن امتنع معه الفعل‏[و كان من فعله تعالى كان إلجاء، و هو ينافي التكليف، و إن كان من فعل‏] (1) المكلّف نقلنا الكلام إليه.

و إن كان ممّا يختار معه المكلّف فعل الواجبات و ترك المعاصي بحيث يوجب الداعي لذلك و يوجب الصارف عن ضدّه، و إن‏ (2) جاز معه الفعل بالنظر إلى القدرة لا بالنظر إلى الداعي كما في العصمة، فالتقدير خلاف ذلك في الأكثر، و الواقع ضدّ ذلك في غير المعصوم، و لأنّ البحث على تقدير عدمه؛ و لهذا أوجبنا الإمامة. و لأنّه يلزم إخلاله تعالى بالواجب.

و إن لم يكن كذلك لم نجد نفعا في ردعها، و هو ظاهر، و الواقع يدلّ عليه.

و الثاني‏ إن كان من فعله تعالى بحيث كلّما أخلّ المكلّف بواجب أو فعل محرّما أرسل اللّه عليه عقابا أو مانعا، أو في بعض الأوقات، كان إلجاء، و هو باطل.

و إن كان من فعله تعالى كتقرير الحدود و من فعل غيره كإقامتها، فهو المطلوب؛ لأنّ ذلك الغير يجب أن يكون معصوما مطاعا ليتمّ له ذلك، فلا يقوم مقامه غيره.

و لأنّه إن وجب وصوله كلّ وقت يجب أن يحتاج إليه لزم الجبر، و إلاّ فإمّا أن يكون من فعل اللّه تعالى بغير واسطة أحد من البشر بأن ينزل به العذاب إذا فعل أو آية عند عزمه، و التقدير عدمه. أو بتوسّط البشر، فهو مطلوبنا.

____________

(1) من «ب» .

(2) في «أ» زيادة: (كان) بعد: (و إن) ، و ما أثبتناه موافق لما في «ب» .

50

الوجه الثالث: أنّ تحصيل الأحكام الشرعية في جميع الوقائع من الكتاب و السنّة و حفظها لا بدّ له من نفس قدسيّة تكون العلوم الكسبيّة بالنسبة إليها كفطرية القياس معصومة من الخطأ، و لا يقوم غيرها مقامها في ذلك، إذ الوقائع غير متناهية و الكتاب و السنّة متناهيان. و لا يمكن أن تكون هذه النفس لسائر الناس، فتعيّن أن تكون لبعضهم، و هو الإمام، فلا يقوم غيره مقامه.

الوجه الرابع: المطلوب من الرئيس أشياء:

الأول: جمع الآراء على‏[الأمور] (1) الاجتماعية التي مناط[تكليف‏] (2) الشارع فيها الاجتماع كالحروب و الجماعات، فإنّه من المستبعد-بل المحال-أن يجتمع آراء الخلق الكثير على أمر واحد و على مصلحة واحدة، و أن يعرف الكلّ تلك المصلحة و يتّفقوا عليها، و أن يجتمعوا من البلاد المتباعدة، و أن يتّفق داعيهم‏ (3) في وقت واحد على الحرب و مدّته وجهته و المهاياة و[المصالحة] (4) في جميع الأوقات، فإنّ الاتّفاقي لا يكون دائما و لا أكثريا (5) . و لا يقوم غير الرئيس في ذلك مقام الرئيس، و هو ظاهر.

الثاني: التقدّم في ما يحتاج فيه إلى الاجتماع، فإنّ الناس لا يتّفقون على مقدّم، فيؤدّي إلى الاختلاف، و هو نقض للغرض، فلا بدّ و أن يتميّز بأنّه من اللّه تعالى، و يكون منزّها عن كلّ عيب، و يكون معصوما؛ لئلاّ[ينفّر] (6) الطباع عنه.

____________

(1) في «أ» : (العلوم) ، و ما أثبتناه من «ب» .

(2) في «أ» : (بتكليف) ، و ما أثبتناه من «ب» .

(3) في هامش «ب» : (دواعيهم) خ ل.

(4) في «أ» : (المصافحة) ، و ما أثبتناه من «ب» .

(5) الشفاء (الطبيعيات) 1: 63.

(6) في «أ» : (ينفوا) ، و ما أثبتناه من «ب» .

51

الثالث: حفظ نظام النوع عن الاختلال؛ لأنّ الإنسان مدني بالطبع لا يمكن أن يستقلّ وحده بأمور معاشه؛ لاحتياجه إلى الغذاء و الملبوس و المسكن و غير ذلك من ضروريّاته التي تخصّه و يشاركه غيره من أبناء نوعه فيها، و هي صناعة لا يمكن أن يعيش الإنسان مدّة يصنعها و يستعملها، فلا بدّ من الاجتماع على تلك الأفعال بحيث يحصل المعاون الموجب لتسهيل الفعل، فيكون كلّ واحد يفعل لهم عملا [يستفيد] (1) منه الآخر، لا يمكن النظام إلاّ بذلك.

و قد يمتنع المجتمعون من بعضها، فلا بدّ من قاهر يكون التخصيص منوطا بنظره؛ لاستحالة الترجيح من غير مرجّح، و لأنّه يؤدّي إلى التنازع.

الرابع: [الطبائع‏] (2) البشرية مجبولة بالشهوة و الغضب و التحاسد و التنازع، و الاجتماع مظنّة ذلك، فيقع بسبب الاجتماع الهرج و المرج و يختلّ أمر النظام، فلا بدّ من رئيس يقهر الظالم و ينصر المظلوم و يمنع من التعدّي و القهر، يستحيل عليه الميل و الحيف، و إنّما قصده الإنصاف، و يخاف من عقوبته العاجلة، فإنّ أكثر الناس لها أطوع من الآجلة، لأنّا نبحث على هذا التقدير، بحيث يقاوم خوفه شهوته و غضبه و حسده، و غير الرئيس لا يقوم مقامه في ذلك؛ لما تقدّم‏ (3) . و أيضا فإنّه معلوم بالضرورة.

الخامس: الحدود لطف، و قد أمر الشارع بها، فلا بدّ لها من مقيم، و غير الرئيس يؤدّي إلى الهرج و المرج و الترجيح بلا مرجّح، فلا يقوم غيره مقامه في ذلك.

السادس: الوقائع غير محصورة، و الحوادث غير مضبوطة، و الكتاب و السنّة لا يفيان بهما، فلا بدّ من إمام منصوب من قبل اللّه تعالى، معصوم من الزلل و الخطأ،

____________

(1) في «أ» : (يستفيض) ، و في «ب» : (يستغيض) ، و ما أثبتناه للسياق.

(2) من «ب» .

(3) تقدّم في الوجهين الأوّل و الثاني من البحث الخامس.

52

يعرّفنا الأحكام‏[و يحفظ الشرع؛ لئلاّ يترك بعض الأحكام‏] (1) ، أو يزيد فيها عمدا أو سهوا، أو يبدّلها. [و ظاهر] (2) أنّ غير المعصوم لا يقوم مقامه في ذلك.

السابع: تولية القضاة الذين يجب العمل بحكمهم في‏ (3) الدماء و الأموال و الفروج، و سعاة الزكوات الأمناء على أموال الفقراء، و أمراء الجيوش الواجبي الطاعة في الحروب و بذل النفس و القتل، و الولاة، أمر ضروري لنظام النوع، و لا بدّ أن يكون منوطا بنظر واحد؛ لاستحالة الترجيح من غير مرجّح.

و الواقع اختلاف الآراء و تضادّ الأهواء و غلبة الشهوات و تغاير[المرادات‏] (4) ، فاتّفاق الخلق من أنفسهم ابتداء على واحد في هذه المناصب متعذّر بل متعسّر، و في كلّ زمان على شخص واحد بالشرائط التي يستحقّ معها ذلك ممتنع، فإنّ الاتّفاقي يستحيل أن يكون أكثريّا أو دائميّا (5) .

و ذلك الواحد الذي يناط تولية هؤلاء بنظره لا بدّ و أن يكون واجب الطاعة من قبل اللّه تعالى، و يستحيل من الحكيم إيجاب طاعة غير المعصوم في مثل هذه الأمور الكلّية التي بها نظام النوع و اختلاله، و ظاهر أنّ غيره لا يقوم مقامه على التقادير التي يبحث عنها.

الثامن: الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر لطف لا يقوم مقامه غيره؛ لوجوبه من غير بدل، فالأمر لطف واجب لا يقوم غيره مقامه؛ لامتناع تحقّق الإضافة بدون

____________

(1) من «ب» .

(2) في «أ» : (فظاهر) ، و ما أثبتناه من «ب» .

(3) في «ب» زيادة: (الدين و) بعد: (في) .

(4) في «أ» : (الموجودات) ، و ما أثبتناه من «ب» .

(5) الشفاء (الطبيعيات) 1: 63.

53

تحقّق المضافين، و لا بدّ و أن ينتهي إلى معصوم لا يجوز عليه الخطأ بوجه من الوجوه و لا السهو، و إلاّ لجاز أمره بالمنكر و نهيه‏[عن المعروف‏] (1) ، فلم يبق وثوق بقوله، فانتفت فائدة التكليف به.

و لأنّه إمّا أن يكون كلّ واحد من الخلق مأمورا بأمر الآخر و نهيه من غير أن يكون هناك رئيس يأمر الكلّ و ينهاهم، أو مع رئيس.

و الأوّل باطل، و إلاّ لوقع الهرج و المرج، و لانتفى الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر، إذ الغالب أن يرضى الواحد بترك تأليم غيره ليترك تأليمه؛ لأنّا نبحث على تقدير غلبة القوّة الشهويّة و الغضبيّة على القوّة العقليّة في أكثر الناس، الذي يحصل بسبب تخليتهم على قوّتهم الشهويّة و الغضبيّة-المقتضية لعدم التفاتهم إلى الشرائع- اختلال نظام النوع.

فتعيّن الثاني، فلا يقوم غير الرئيس في ذلك مقامه.

و لا بدّ أن يكون ذلك الرئيس من قبل اللّه سبحانه و تعالى بحيث تجب طاعته وجوبا عامّا، و لا بدّ أن يكون معصوما.

التاسع: العلم‏[بالأحكام‏] (2) يقينا لا ظنّا بالاجتهاد؛ لأنّ المصيب واحد على ما بيّناه في كتبنا الأصولية (3) ، و قد تتعارض الأدلة و[تتساوى‏] (4) الأمارات و يستحيل الترجيح بلا مرجّح، و تتساوى أحوال العلماء بالنسبة إلى المقلّدين، فلا بدّ من عالم بالأحكام يقينا[لا ظنّا بالأمارات؛ ليرجع إليه من يطلب العلم و يطلب الصواب يقينا] (5) .

____________

(1) في «أ» : (بالمعروف) ، و ما أثبتناه من «ب» .

(2) من «ب» .

(3) مبادي الوصول إلى علم الأصول: 244. تهذيب الوصول إلى علم الأصول: 286.

(4) في «أ» : (التساوي) ، و ما أثبتناه من «ب» .

(5) من «ب» .

54

الوجه الخامس: أنّ نظام النوع لا يحصل إلاّ بحفظ النفس، و العقل، و الدين، و النسب، و المال.

فشرّع للأوّل القصاص، و أشار إليه بقوله تعالى: وَ لَكُمْ فِي اَلْقِصََاصِ حَيََاةٌ يََا أُولِي اَلْأَلْبََابِ (1) .

و[للثاني‏] (2) تحريم المسكر و الحدّ عليه.

و شرّع للثالث قتل المرتدّ و الجهاد.

و[للرابع‏] (3) تحريم الزنا و الحدّ عليه.

و[للخامس‏] (4) قطع السارق و ضمان المال.

و هذه أمور مهمّة يجب حكمها في كلّ شريعة في كلّ زمان، و لا يتمّ إلاّ بمتولّ لذلك يكون عارفا بكيفية إيجابها و كمّية الواجب و محلّه و شرائطه، و لا يقوم غيره مقامه في ذلك.

و لا بدّ أن يمتاز عن بني نوعه بنصّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله أو معجزة ظاهرة؛ لاستحالة الترجيح من غير مرجّح، و اجتماع جميع الآراء على غيره؛ لاختلاف الأهواء. و لانّه لو لا ذلك لأدّى إلى الهرج و المرج.

الوجه السادس: أنّ قيام البدل مقامه لا يتصوّر إلاّ في حال عدمه، و قد تقرّر (5)

حصول العلم الضروري‏[بأنّ‏] (6) التقريب و التبعيد عند عدم نصب الإمام أو تمكّنه على عكس ما ينبغي، فيستحيل أن يكون له بدل.

____________

(1) البقرة: 179.

(2) في «أ» و «ب» : (الثاني) ، و ما أثبتناه للسياق.

(3) في «أ» و «ب» : (الرابع) ، و ما أثبتناه للسياق.

(4) في «أ» و «ب» : (الخامس) ، و ما أثبتناه للسياق.

(5) تقدّم تقريره في البحث الرابع من هذه المقدمة.

(6) في «أ» و «ب» : (أنّ) ، و ما أثبتناه للسياق.

55

البحث السادس: في أنّ نصب الإمام واجب‏

و النظر في: الوجوب، و كيفيّته، و طريقه، و محلّه، و إبطال كلام الخصم.

النظر الأوّل: في الوجوب‏

العقلاء كافة على الوجوب في الجملة، خلافا للأزارقة (1) و الصفرية (2) و غيرهم من الخوارج‏ (3) (4) .

و الدليل على الوجوب مطلقا أنّ الإمامة لطف، و كلّ لطف واجب.

____________

(1) الأزارقة: فرقة من فرق الخوارج اتّخذت اسمها من نافع بن الأزرق المكنّى بأبي راشد.

و يزعمون أنّ دار مخالفيهم دار كفر، و أنّ مخالفيهم من أهل القبلة مشركون، و كلّ من لم يكن على مذهبهم فدمه و دم زوجته و ولده حلال. و يعتقدون بأمور و بدع ثمان يطول الكلام فيها. مقالات الإسلاميين: 86-87 الفرق بين الفرق: 82-86 الملل و النحل 1: 118-122. اعتقادات فرق المسلمين و المشركين: 21.

(2) الصفريّة: هم أتباع زياد بن الأصفر، و قولهم-في الجملة-كقول الأزارقة في أنّ أصحاب الذنوب مشركون، غير أنّ الصفريّة لا يرون قتل أطفال مخالفيهم و نسائهم. و قد زعمت فرقة من الصفريّة أنّ ما كان من الأعمال عليه حدّ واقع لا يسمّى صاحبه إلاّ بالاسم الموضوع له، كزان، و سارق، و قاذف، و قاتل عمد، و ليس صاحبه كافرا و لا مشركا، و كلّ ذنب ليس فيه حدّ كترك الصلاة و الصوم فهو كفر و صاحبه كافر. و فرقة أخرى قالت: إنّ صاحب الذنب لا يحكم عليه بالكفر حتّى يرفع إلى الوالي فيحدّه. و عليه صارت الصفريّة على ثلاث فرق. الفرق بين الفرق: 90-91. الملل و النحل 1: 137-138.

(3) الخوارج: كلّ من خرج على الإمام الحقّ يسمّى خارجيا، و أول ظهور للخوارج كان بعد مسألة التحكيم في زمن خلافة أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السّلام، خرجوا ينادون: لا حكم إلاّ للّه. و قد افترقت الخوارج عشرين فرقة، و كان يجمعهم تكفير عليّ و عثمان و أصحاب الجمل و الحكمين و من رضي بالتحكيم و صوّب الحكمين أو أحدهما. مقالات الإسلاميين: 86-87، الفرق بين الفرق: 72-74. الملل و النحل 1: 114-115.

(4) انظر: أوائل المقالات (ضمن سلسلة مؤلّفات الشيخ المفيد) 4: 39. المسلك في أصول الدين: 188. مقالات الإسلاميين: 125. كتاب المقالات و الفرق: 8 الفصل في الملل و الأهواء و النحل 4: 149. الملل و النحل 1: 116. الأربعين في أصول الدين 2: 256.

56

و الصغرى ضروريّة قد ذكرناها (1) .

و الكبرى مثبتة في علم الكلام‏ (2) .

لا يقال: إنّما يجب اللطف عينا إذا لم يقم غيره مقامه، أمّا إذا قام فلا.

سلّمنا، لكنّ الوجوب لا يكفي فيه وجه المصلحة ما لم يعلم انتفاء جهات القبح بأسرها، فلم لا يجوز أن تكون الإمامة قد اشتملت على نوع مفسدة لا نعلمه؟فلا يصح الحكم بالوجوب، و عدم العلم لا يدلّ على العدم، و وجه الوجوب علينا كاف لا عليه تعالى.

و لأنّ في نصبه إثارة الفتن و قيام الحروب كما في زمن عليّ و الحسن و الحسين عليهم السّلام.

و لأنّ مع وجود الإمام يخاف المكلّف فيفعل الطاعة و يترك القبيح؛ للخوف منه لا لكونه طاعة[أو] (3) قبيحا، و ذلك من أعظم المفاسد.

و لأنّ فعل الطاعة و ترك المعصية عند فقد الإمام أشدّ منهما عند وجوده، فيكون الثواب عليهما في حال فقده أكثر منه في حال وجوده، و ذلك فساد عظيم.

سلّمنا كونها لطفا، لكن لا نسلّم أنّها دائما كذلك، فإنّه قد يكون في بعض الأزمنة من يستنكف عن اتّباع غيره، فيكون نصب الإمام في ذلك الوقت قبيحا.

____________

(1) ذكرها في البحث الرابع من هذه المقدمة.

(2) انظر: النكت الاعتقادية (ضمن سلسلة مؤلّفات الشيخ المفيد) 10: 39. أوائل المقالات (ضمن سلسلة مؤلّفات الشيخ المفيد) 4: 59. الاقتصاد فيما يتعلّق بالاعتقاد: 135-136. تجريد الاعتقاد: 204. المسلك في أصول الدين: 101-102. الرسالة الماتعية (ضمن كتاب المسلك في أصول الدين) : 306، 311. و أشار المصنّف إلى ذلك في البحث الثالث من هذه المقدمة في المبدأ السابع عشر عند ذكره للمبادئ الثمانية عشر لمسألة ذلك البحث.

(3) من «ب» .