دراسة حول نهج البلاغة

- السيد محمد حسين الجلالي المزيد...
221 /
7

مقدمة

«بِسْمِ اَللََّهِ اَلرَّحْمََنِ اَلرَّحِيمِ»

و بعد، فيقول محمد حسين بن محسن الحسيني الجلالي بصّره اللّه عيوب نفسه و جعل مستقبله خيرا من أمسه: إنّه ما بلغ كتاب في البلاغة ما بلغه نهج البلاغة من الشهرة في الآفاق، حيث مدّت إليه الأعناق من مختلف أصحاب الملل و أرباب النحل؛ لما وجدوا فيه نهجا علويا سديدا، و لجامعه اسلوبا رشيدا. و قد ارتأى جامع النهج أن يقتصر فيه على المتون من الخطب و الرسائل و الحكم المنتقاة، مجرّدة من أسانيد الروايات حيث انّ لكل منها طريق خاص.

و قد غفل عن هذا التصرف الرشيد و الاسلوب السديد جمع-عن حسن ظن أو غيره-و حاولوا أن يعتبروه نقصا يؤخذ عليه، كما حاول بعض المتأخرين سدّ هذه الثغرة في مؤلّفات خاصة. و قد أنصف امتياز علي عرشي الحنفي (ت/1405 هـ-) في استناد نهج البلاغة، حيث قال: «إنّ معظم محتويات نهج البلاغة توجد في كتب المتقدّمين و إن لم يذكرها الشريف الرضي، و لو لم يعر بغداد ما عراها من الدمار على يد التتر، و لو بقيت خزانة الكتب الثمينة التي أحرقها الجهلاء، لعثرنا على مرجع كلّ مقولة مندرجة في نهج البلاغة» (1) ، و لعله يشير إلى ما ذكره الحموي (ت/622) بقوله: «بين السّورين-تثنية سور المدينة-اسم لمحلّة كبيرة كانت بكرخ بغداد، و كانت من أحسن محالّها و أعمرها، و بها كانت خزانة الكتب التي وقفها الوزير أبو نصر سابور بن أردشير، وزير بهاء الدولة بن عضد الدولة، و لم يكن في الدنيا أحسن كتبا منها، كانت كلّها بخطوط الأئمة المعتبرة و أصولهم المحرّرة، و احترقت فيما احرق من محالّ الكرخ عند ورود طغرل بك أوّل ملوك

____________

(1) استناد نهج البلاغة: 20.

8

السلجوقية إلى بغداد سنة 447» (1) .

و مواقف أصحابنا بالنسبة إلى نهج البلاغة مختلفة بين من يرى تواتر الكتاب و من لا يرى ذلك.

قال السيد الخميني (ت/1410 هـ-) عن الصحيفة: «و تلقّي أصحابنا إيّاها بالقبول كتلقّيهم نهج البلاغة به-لو ثبت في الفقه أيضا-إنّما هو على نحو الاجمال، و هو غير ثابت في جميع الفقرات» (2) .

و مما قال محمد هاشم الموسوي الخوئي (ت/1358 هـ-) : «لا خلاف بين الإمامية في أنّ كتاب نهج البلاغة من مؤلفات السيد رضي الدين رحمه اللّه، و هو طاب ثراه عالم أديب، و فقيه ثقة، عدل جليل، حبر خبير، جلالته أشهر من أن يحتاج إلى التحرير، و أكثر من أن يحيطه البيان و التقرير، و مرسلاته-كمسنداته-حجّة عند الأصحاب، على أنّ خطب النهج لا ريب في صدورها من مولانا أمير المؤمنين عليه السّلام، و لم يسمع من أحد التردد في صدورها عنه، و علّق عليها جماعة من فضلاء العامة و الخاصة، و متونها أقوى القرائن عند أهل البلاغة لصدورها عنه و صحّة سندها، و بالجملة: لا ريب في صحة سندها، بل هو منقول عنه عليهم السّلام بالاستفاضة ان لم نقل بكونها متواترة» (3) .

قال الجلالي: و التحقيق انّ هنا مقامان:

الأوّل: السند إلى الشريف الرضي جامع النهج.

و الثاني: تواتر النهج من الرضي إلى الإمام عليه السّلام.

أمّا السند إلى الشريف الرضي، فيمكن دعوى التواتر فيه، كما ستعرف من أسانيد مشايخ الإجازات إليه، و تصريح الشريف الرضي و كلّ من تأخّر عنه بذلك، يثبت نسبة الكتاب و تواتره إلى المؤلّف.

و أمّا تواتر النهج من الرضيّ إلى الإمام عليه السّلام، فهذا يتوقّف على تواتر مصادر الرضي،

____________

(1) معجم البلدان 1: 530.

(2) المكاسب المحرمة 1: 320.

(3) شرح الأربعين: 136.

9

و هذا ما لم يدّعه الرضي نفسه، بل يكفي في ذلك الاستفاضة، شأن كلّ المرويات عن النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و الصحابة و غيرهم، فلا سبيل إلى ادّعاء التواتر في جميعها، بل يتبع ذلك المصادر التي اعتمد عليها، و نحن و إن كنّا لا نعلم من مصادر الرضي سوى القليل منها- و سيأتي ذكر و شرح ذلك-و لكن تكفينا حجة الرضي روايا ففيها.

و على النقيض من ذلك ما ذهب إليه المقبلي (ت/1108 هـ-) (1) بقوله: «نهج البلاغة، الذي صار عند الشيعة عديل كتاب اللّه بمجرّد الهوى الذي أصاب كلّ عرق منهم و مفصل، وليتهم سلكوا مسلك جلاميد الناس، و أوصلوا ذلك إلى علي برواية يسوغ عند الناس، و جادلوا عن رواتها، و لكن لم يبلغوا بها مصنّفها، حتى لقد سألت في الزيدية إمامهم الأعظم و غيره فلم يبلغوا بها الرضي الرافضي، و لو بلغوه لم ينفعهم، فإنّ مذهب الإمامية تكفير من لم يكن على مذهبهم كفرا صريحا لا تأويلا» (2) .

قال الجلالي: بل هذه الدعوى ليس لها دليل سوى الهوى و التضليل، و هي تكشف عن جهل بالتاريخ و الروايات و الأسانيد، و ذلك:

أولاً: إنّ قوله بأنّ نهج البلاغة صار عند الشيعة عديل كتاب اللّه، كذب صراح، فليس في الإمامية و لا غيرهم من يذهب إلى ذلك. نعوذ باللّه، كيف؟و القرآن وحي اللّه المنزل على قلب النبي المرسل، و ما هذا شأنه لا يقاس به كلام البشر.

ثانيا: إنّ انكار رواية موصولة إلى الإمام علي عليه السّلام جهل بالروايات عامة و بروايات أهل البيت عليهم السّلام خاصة-كما ستعرف-و لا أدري ماذا يعني بـ «الناس» ؟أ ليس أصحاب المصادر الأوّليّة للفكر العربي الإسلامي من الناس؟ ثالثا: إتّهم الشيعة بأنّهم «لم يبلغوا بها مصنّفها» ، و هذا جهل بأسانيد مذهب أهل البيت عليهم السّلام، و ستعرف في القسم الأول من هذه الدراسة إنّ لهم أسانيد متّصلة متعدّدة من

____________

(1) هو صالح بن مهدي المقبلي (1047-1108 هـ-) من قرية المقبل من أعمال كوكبان-اليمن، خالف الزيود في معتقدهم و حكمهم، و كتب «العلم الشامخ في تفضيل الحق على الآباء و المشايخ» المطبوع سنة 1328 هـ-، و نظر إلى الحياة بعين الحقد، و إلى آثارهم بعين الغضب كردّ فعل لسياستهم، كما يظهر من كتابه، و لأجل ذلك ارتحل إلى مكة و مات بها سنة 1108 هـ-، عن 61 عاما.

(2) العلم الشامخ: 452.

10

عصرنا الحاضر إلى المؤلف الشريف الرضي.

رابعا: إنّ قوله: «لقد سألت في الزيدية إمامهم الأعظم و غيره فلم يبلغوا بها الرضي» سوء فهم يعرّفنا بموقف الرجل و جهله بأسانيد الزيدية. و إن كنت لا أدري من يعني بالإمام الأعظم؟و لعله معاصره المتوكّل على اللّه إسماعيل بن القاسم (ت/1087 هـ-) و لعل مسؤولياته الإدارية حالت دون تتبّع إسناده، فإنّ العلماء الزيود أسانيدهم إلى نهج البلاغة كثيرة، و أقدمهم عمرو بن جميل النهدي (ت/606 هـ-) كما ذكره المسوري (ت/1049 هـ-) في إجازته.

خامسا: إنّ دعواه بأنّ من مذهب الإمامية تكفير من لم يكن على مذهبهم «كفرا صريحا لا تأويلا» جهل بفقه أهل البيت عليهم السّلام و بالتاريخ، و ليس في تاريخ مذهب أهل البيت فتوى من أحد من علمائهم بتكفير من ينطق بالشهادتين بالرغم من الحروب الشرسة التي شنها العثمانيون عليهم في العراق و سوريا، بل الأمر بالعكس و فتوى ابن نوح و من سار على خطاه ليس منسيا في التاريخ.

و نعم ما قال الهادي كاشف الغطاء (ت/1361 هـ-) : «و الشريف إن لم يكن من أفضل الرواة و أوثقهم فهو ليس دون غيره في جميع الصفات المعتبرة في الرواية، كما أنه يذعن بذلك كلّ خبير ترجم السيد و عارف بحاله... و لا أدري لأيّ سبب يقع الريب فيما يرويه الشريف المذكور على جلالة قدره و عظيم منزلته و ثقته و ورعه، دون مرويات الجاحظ و ابن جرير و أمثالهما من العلماء و الرواة، فيؤخذ بما يرويه هؤلاء بدون تردّد و شك و لا بمطالبة مصدر لذلك أو مستند؟و على أي حال فلا يهمّنا البحث» (1) .

و قال أيضا: «إنّ تهمة أمثال السيد من علماء الرواة بغير حجّة و لا برهان بذلك ظلم للحقيقة و خروج عن الطريقة، و فتح باب لهدم أصول الشريعة و الدين، و زوال الثقة بما في الجوامع الصحيحة» (2) .

و هذه دراسة متواضعة استغرقت العطلة الصيفية في النجف الأشرف عام 1385 هـ-

____________

(1) مدارك نهج البلاغة: 236.

(2) مدارك نهج البلاغة: 198.

11

جعلتها مقدمة لكتاب «مسند نهج البلاغة بتحقيق أسانيد أهل البيت عليهم السّلام مع الموافقات» (1) ، و قد ظهر-بحمد اللّه-طائفة جليلة من الكتب في الموضوع نفسه لها قيمتها من مؤلّفين قديرين مما دعاني إلى إسدال الستار على هذا الكتاب آنذاك.

و قد دعاني إلى هذا ما وجدته في أكثر الطبعات شيوعا و إناقة في التشكيل و الإخراج الفني و الفهارس، و هي طبعة الدكتور صبحي الصالح-بيروت سنة 1387 هـ-1967 م. من تصحيف و تحريف، و على سبيل المثال: ما ورد في الحكمة رقم 190 من أنّه قال عليه السّلام: و أعجباه!أ تكون الخلافة بالصّحابة و القرابة؟ قال الرضي: و روي له شعر في هذ المعنى:

فإن كنت بالشورى ملكت أمورهم # فكيف بهذا و المشيرون غيّب؟

و إن كنت بالقربى حججت خصيمهم # فغيرك أولى بالنبيّ و أقرب‏

(2)

و الجملة الاستفهامية المذكورة تعني أن الخلافة لا تكون بالصحابة و لا بالقرابة، و عليه لا يكون الشعر المزبور في هذا المعنى المذكور.

هذا، و لكن جاءت العبارة في النسخة المؤرخة سنة 494 هـ-كالآتي:

« و اعجبا!أ تكون الخلافة بالصحابة، و لا تكون بالصحابة و القرابة !» (3) .

و عليه يكون الشعر المذكور في هذا المعنى بالذات كما صرّح به الشريف الرضي، و يكون النص و الشعر منسجمين.

و رأيت أنّ ما وقفت عليه من هذه البحوث قد أغفلت بتقديم النص كما يرويه أسانيد أهل البيت عليهم السّلام، فلعل هذا الكتاب يكون مساهمة متواضعة في إحياء تراث طائفة من المسلمين حاربها الحكام بالتقتيل و التشريد، و حاربها الأقلام بالتشكيك و التفنيد، و لم تزدها ذلك إلاّ صمودا في اعتزازا.

____________

(1) جاء ذكر الكتاب في معجم رجال الفكر و الأدب في النجف تأليف الشيخ محمد هادي الأميني ط/النجف 1385، بعنوان (مستند) ، و الصحيح: (مسند) .

(2) نهج البلاغة: 502 ط/صبحي الصالح.

(3) نهج البلاغة: 278، ط/طهران بالاوفسيت.

12

منهجية الدراسة

:

يمكن حصر هذه الدراسة في البحث عن ثلاث جهات: 1-الاسناد 2-التعقيبات 3-الموافقات.

1-الاسناد:

يشتمل هذا المسند على أسانيد روايات نهج البلاغة في كتب أخرى من روايات أهل البيت عليهم السّلام مرتبة على ترتيبها الوارد في نهج البلاغة من الخطب و الرسائل، مع المحافظة على صفة الأسانيد كما وردت في المصادر أو زيادة تقتضيها الضرورة.

2-التعقيبات:

و عقّبتها بما روي عن أئمة أهل البيت بعد الإمام عليّ عليه السّلام الذين اعتزّوا بآثاره و حافظوا على سيرته، و من هنا قد تنسب إليهم، لأنهم رواة لها، خصوصا و أنّ الإمام جعفر الصادق عليه السّلام نفسه صرّح بتسلسل الاسناد بالآباء في حديث رواه أهل البيت عليهم السّلام، فقد

روى جماعة منهم هشام بن سالم الجواليقي الكوفي، عن الإمام جعفر بن محمّد الصادق عليه السّلام قوله : «حديثي حديث أبي، و حديث أبي حديث جدّي، و حديث جدّي حديث الحسين، و حديث الحسين حديث الحسن، و حديث الحسن حديث أمير المؤمنين، و حديث أمير المؤمنين حديث رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله»

(1) .

فقد حافظ على تراث أمير المؤمنين علي عليه السّلام أولاده عليهم السلام محافظة الأبناء على تراث الآباء، و كذا أولياؤهم الصالحون من بعدهم، و إنّ بعض الرواة نسب شيئا من تراث الإمام عليه السّلام إلى من بعده الأئمّة عليهم السّلام لسماعه منهم، ظانا أنّها لهم، مع أنّهم رواة لتراث الإمام عليه السّلام.

3-الموافقات:

ثم عقّبتها بالموافقات من المصادر من غير أهل البيت عليهم السّلام، و اكتفيت فيها بالاشارة إلى المصدر الذي وقفت عليه.

____________

(1) الكافي 1: 53، باب فضل العلم.

13

و من روايات أهل البيت عليهم السّلام التي رواها العامة في كتبهم، فان عموم «الناس» في الحديث يشمل حجّية كلّ ما رووه بطرقهم، فإنّ فيهم من يميّز بين الحصى و الجوهر، و الفضل ما شهدت به الأعداء.

و قد رتّبته على قسمين:

الأول: في دراسة النهج و إلمامة بحياة الشريف الرضي، و شبهات و حلول حول جامع النهج و النص، مع الأسانيد إلى الجامع، و العناية بالنهج منذ عصر التأليف حتى العصر الحاضر، و شرح الخطبة.

الثاني: ما وقفت عليه من أسانيد روايات النهج و الخطب و الرسائل و الحكم.

و ختاما: فهذا جهد فردي، قيّدت فيه ما تيسّر الوقوف عليه من أسانيد روايات نهج البلاغة التي رويت في كتب اخرى كلا أو بعضا، و كذا ما ورد ذكره مرسلا، و ليس الغرض شرح كل مادة أو فقرة منها، فإن لذلك مقام آخر تكفّل بعضها القدماء و المحدثون.

و عسى أن تكون هذه الدراسة خطوة متواضعة في سبيل إحياء التراث الإسلامي الأصيل. محمد حسين الحسيني الجلالي‏

14

ما هو نهج البلاغة

:

التعريف بكتاب نهج البلاغة لا يختلف اليوم عن الأمس، لأنه بلغ في سماء البلاغة محل الشمس، عشت عنها عيون، و حييت بأشعّتها معارف و فنون عبر القرون، فإنّه الكتاب الوحيد الذي جمع باسلوب فريد روايات منتقاة من خطب و رسائل و حكم الإمام علي بن أبي طالب عليه السّلام.

و قد رافقت شهرة نهج البلاغة شهرة جامعة الشريف الرضي، و المروي عنه الإمام علي عليه السّلام.

و جامع نهج البلاغة هو الشريف الرضي محمد بن الحسين بن موسى بن محمد بن موسى بن إبراهيم بن الإمام موسى الكاظم عليه السّلام (359-406 هـ-) ، و ينتهي نسبه إلى الإمام علي بـ 12 واسطة. جمعه خلال (17) عاما تقريبا، من سنة 382 هـ-إلى سنة 400 للهجرة.

و يحتوي نهج البلاغة على 242 خطبة و كلاما، و 78 كتابا و رسالة، و 498 حكمة مفردة.

و قد حظى نهج البلاغة عبر القرون من الاهتمام بالنسخ و الشرح و التعليق و الإجازة بعناية بالغة من قبل أعلام البلاغة و الأدب، و تداوله علماء أهل البيت جيلا بعد جيل.

و منذ صدور الكتاب ظهرت محاولات التشكيك في النسبة و الجامع بسبب الصراع المذهبي، و لا يزال صداها ترنّ بين فترة و اخرى بالرغم من أن الشريف الرضي شرح اسلوبه في الجمع و أحال إليه في كتبه الاخرى، و رواه عنه طائفة من علماء أهل البيت عليهم السّلام و غيرهم بأسانيدهم المتصلة، و دراساتهم الممتعة، كما ينبى‏ء عن ذلك نظرة عابرة إلى الأعمال حول نهج البلاغة عبر القرون.

15

جدول الأعمال حول نهج البلاغة عبر القرون‏

الاهتمام/القرون/5/6/7/8/9/10/11/12/13/14 النسخ/4/17/33/25/16/8/46/19/5/1 الشروح و التعليقات/2/7/8/7/3/3/15/20/12/28 الترجمات//////5/4//3/5 الطبعات/////////4/12 الاجازات/5/11/6/7/1/2/7/1/2/4 المجموع/11/35/47/39/20/18/72/40/26/50 المجموع الكلى 358 و يستكشف من هذا الجدول نقاط:

1-الاهتمام بنهج البلاغة منذ عصر الشريف حسب متطلّبات كل عصر حتى العصر الحاضر.

2-أول ترجمة لنهج البلاغة حصلت في القرن العاشر إلى الفارسية ثم التركية ثم الاوردوية ثم الانجليزية ثم الألمانية.

3-الحاجة إلى الاستنساخ انعدمت في القرن الحاضر لكثرة المطابع، و للتفصيل يراجع فصل الاهتمام بنهج البلاغة عبر القرون.

قال الأميني (ت/1390 هـ-) : «نهج البلاغة كان يهتم بحفظه حملة العلم و الحديث في العصور المتقادمة حتى اليوم، و يتبرّكون بذلك كحفظ القرآن الشريف-و عدّ من حفظته في قرب عهد المؤلف: -القاضي جمال الدين محمد بن الحسين بن محمد القاساني، فإنّه كان يكتب نهج البلاغة من حفظه كما ذكره الشيخ منتجب الدين في فهرسته، و من حفاظه في القرون المتقادمة الخطيب أبو عبد اللّه محمد الفارقي المتوفى سنة 564 كما ذكره إبن‏

16

كثير في تاريخه ج 12 ص 260، و ابن الجوزي في المنتظم ج 10 ص 229. و من حفظته المتأخرين العلامة الورع السيد محمد اليماني المكي الحائري، المتوفى في الحائر المقدس سنة 1280 في 28 ربيع الأوّل، و منهم العالم المؤرخ الشاعر الشيخ محمّد حسين مروّة الحافظ العاملي» (1) ، ثم ذكر للنهج 81 شرحا، في الصفحات 186-193، و عشرين اجازة في الصفحات 186-194.

و من هنا قيل في وصف نهج البلاغة: إنّه دون كلام الخالق و فوق كلام المخلوقين‏ (2) .

____________

(1) الغدير 4: 186-194، ط/بيروت.

(2) راجع البيان: 91، لسيدنا الاستاذ الخوئي قدّس سرّه.

17

عنوان نهج البلاغة

:

لقد قرن عنوان (نهج البلاغة) اسم الإمام علي بن أبي طالب عليه السّلام إلى درجة أنّه قد يغفل عن اسم جامعه الشريف الرضي، و أصبح-أو كاد-أن يكون اسما علما للبليغ المأثور عن الإمام عليه السّلام فقط دون غيره من المأثورات عنه. هذا و ذكر شيخنا العلامة قدّس سرّه (ت/1389 هـ-) إنّ الشريف الرضي و هو جامع النهج اول من شرح نهج البلاغة، و قال عن اول شرح له: «هو تعليقاته على كثير من الخطب و غيرها، فهو أول الشارحين له كما أشرنا إليه» (1) ، و هذا سهو منه فإنّ تعليقاته على الخطب جزء من كتابه نهج البلاغة، و لا يمكن عدها شرحا لنهج البلاغة إلاّ على التجوّز المتقدم، و حصل مثل هذا لتغري بردي (ت/874 هـ-) في وفيات سنة 374، حيث قال ما لفظه: «و فيها توفي عبد الرحيم بن محمد إسماعيل بن نباتة الخطيب الفارقي... و كان مولده بميافارقين في سنة 335، و كان بارعا في الأدب و كان يحفظ نهج البلاغة و عامة خطبه بألفاظها و معانيها، و مات بميافارقين عن تسع و ثلاثين سنة» (2) .

و ترجم ابن خلكان (ت/681 هـ-) الخطيب ابن نباتة (ت/374 هـ-) و قال: «و هذا الخطيب لم أر أحدا من المؤرخين ذكر تاريخه في المولد و الوفاة سوى ابن الأزرق الفارقي في تاريخه، فإنّه قال: ولد في سنة خمس و ثلاثين و ثلاثمائة، و توفي في سنة أربع و سبعين و ثلاثمائة بميافارقين و دفن بها رحمه اللّه» (3) .

بيان ذلك: ان الشريف الرضي جمع نهج البلاغة بين العامين (383) و (400) خلال 17 عاما، و الخطيب ابن نباتة توفي سنة 374 اي انه توفي قبل جمعه بـ-9 أعوام، إلاّ أن يكون غلط في تاريخ الوفاة الذي لم يؤرخه سوى ابن الازرق كما قال ابن خلكان، أو أن ابن تغري بردى (ت/874 هـ-) عنى بنهج البلاغة: المأثور عن الإمام علي من البليغ، و هذا يدل على شهرة هذا العنوان في عصره.

____________

(1) الذريعة 14: 146.

(2) النجوم الزاهرة 4: 146، ط/القاهرة سنة 1352 هـ-1933 م.

(3) وفيات الأعيان 3: 156.

18

شجرة الاسرة

:

ينتهي نسب الشريف الرضي إلى الإمام علي بـ-12 واسطة، فهو محمد بن الحسين ابن موسى الأبرش بن محمد بن موسى بن ابراهيم المرتضى بن الإمام موسى الكاظم بن جعفر الصادق بن محمد الباقر بن السجاد بن الحسين الشهيد بن علي بن أبي طالب عليهم السّلام.

موسى الأبرش‏

(استوطن البصرة) أبو عبد اللّه احمد (ت/381 هـ-) /علي/موسى/الحسن/ (له عقب بالبصرة) (له عقب) (له عقب) /ذكرهم ابن عنبة في الصفحة 211 من عمدة الطالب، ط/النجف 1380 هـ-) الحسين (أبو احمد، ت/396 هـ-) /علي (الشريف المرتضى، ت/436 هـ-) /أبو جعفر محمّد/علي/محمّد/الحسن الرضي/أبو القاسم علي النسّابة [علي المرتضي، له «ديوان النسب» ينقل عنه ابن طاوس (ت/664 هـ-) في فرج المهموم: 35]/أحمد (درج) /النقيبة (بنت) زينب خديجة محمّد) (الشريف الرضي، ت/406 هـ-) ولد سنة 309، و حجّ أبوه بالناس من العراق كما في النجوم الزاهرة 4: 56/عدنان (ت/400 هـ-) (في الروضات: انقرض عقب الرضي بموته) أبو طالب المحسن (له عقب بالبصرة) قال ابن عنبة: «و انقرض علي المرتضى النسابة و انقرض بانقراضه الشريف المرتضى علم الهدى» (1) .

____________

(1) عمدة الطالب: 207.

19

الشريف الرضي (359-406 هـ-)

أقدم مصدرين في ترجمة الشريف الرضي أبو العباس النجاشي (ت/450 هـ-) و الثعالبي (ت/429 هـ-) ، و قد أشارا بايجاز إلى نسبته و شهرته و 12 كتابا من مؤلفاته، و نظرة خاطفة إلى مؤلفاته تنبي‏ء عن مدى اهتمامه بالأدب العربي شعرا و نثرا في القرآن الكريم و الروايات و الآثار النبوية و العلوية و غيرها، بل تجاوز ذوقه الأدبي أن يختار من أدب أبي اسحاق الصابي على ما بينهما من خلاف في العقيدة، و ما ذلك إلاّ لتحرّره من عقدة العصبية في ذوقه الأدبي. و تكاد تطبق المصادر المتأخرة عنه أن الرضي كان أشعر قريش، و قد تعاطى هذا الفن منذ صغره، قال النجاشي ما نصه: «محمّد بن الحسين بن موسى بن محمد بن موسى بن إبراهيم بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين ابن علي بن أبي طالب عليهم السّلام أبو الحسن الرضي نقيب العلوييّن ببغداد، أخو المرتضى، كان شاعرا مبرّزا، له كتب منها: كتاب حقائق التنزيل، كتاب مجاز القرآن، كتاب خصائص الأئمة عليهم السّلام، كتاب نهج البلاغة، كتاب الزيادات في شعر أبي تمام، كتاب تعليق خلاف الفقهاء، كتاب مجازات الآثار النبوّية، كتاب تعليقة في الايضاح لأبي علي، كتاب الجيّد من شعر ابن الحجاج، كتاب الزيادات في شعر ابن الحجاج، كتاب مختار شعر أبي اسحاق الصّابي، كتاب مادار بينه و بين أبي اسحاق من الرسائل، شعر، توفي في السادس من المحرم سنة ست و أربعمائة» (1) .

و قال أبو منصور الثعالبي في اليتيمة في ترجمته: «ابتدأ يقول الشعر بعد أن جاوز عشر سنين بقليل، و هو اليوم أبدع أبناء الزّمان، و أنجب سادة العراق، يتحلّى مع محتده الشريف و مفخره المنيف بأدب ظاهر، و حظّ من جميع المحاسن وافر، ثمّ هو أشعر جميع الطالبيين، من مضى منهم و من غبر، على كثرة شعرائهم المفلّقين، و لو قلت: إنّه أشعر قريش لم أبعد عن الصّدق، و سيشهد بما اجريه من ذكره، شاهد عدل من شعره العالي

____________

(1) رجال النجاشي: 398 ط/جماعة المدرسين بقم، سنة 1407 هـ-.

20

القدح، الممتنع عن القدح، الّذي يجمع إلى السّلاسة متانة، و إلى السّهولة رصانة، و يشتمل على معان يقرب جناها، و يبعد مداها، و كان أبوه يتولّى نقابة نقباء الطّالبيين و يحكم فيهم أجمعين، و كان له النّظر في المظالم و الحج بالناس، ثمّ ردّت هذه الأعمال كلّها إلى ولده الرضيّ المذكور، في سنة ثمانين و ثلاثماءة و أبوه حيّ، و من غرر شعره ما كتبه إلى الإمام القادر باللّه أبي العبّاس أحمد بن المقتدر من جملة قصيدة:

عطفا أمير المؤمنين فإنّنا # في دوحة العلياء لا نتفرّق

ما بيننا يوم الفخار تفاوت # أبدا، كلانا في المعالي معرق

إلاّ الخلافة ميّزتك فإنني # أنا عاطل منها، و أنت مطوّق‏

(1)

قال ابن عنبة (ت/828 هـ-) : «الملقب بالرضي ذو الحسبين، يكنى أبا الحسن، نقيب النقباء، و هو ذو الفضائل الشائعة و المكارم الذائعة، كانت له هيبة و جلالة، و فيه ورع و عفّة و تقشّف و مراعاة للأهل و العشيرة، ولي نقابة الطالبيين مرارا، و كانت إليه أمارة الحاج و المظالم، كان يتولّى ذلك نيابة عن أبيه ذي المناقب، ثم تولّى ذلك بعد وفاته مستقلا و حجّ بالناس مرّات، و هو أول طالبي جعل عليه السواد، و كان أحد علماء عصره، قرأ على أجلاّء الأفاضل، و له من التصانيف: كتاب المتشابه في القرآن، و كتاب مجازات الآثار النبوية، و كتاب نهج البلاغة، و كتاب تلخيص البيان في مجازات القرآن، و كتاب الخصائص، و كتاب سيرة والده الطاهر، و كتاب انتخاب شعر ابن الحجاج، سمّاه الحسن من شعر الحسين، و كتاب أخبار قضاة بغداد، و كتاب رسائله، ثلاث مجلدات، و كتاب ديوان شعره، و هو مشهور. قال الشيخ أبو الحسن العمري، شاهدت مجلدا من تفسير القرآن منسوبا إليه مليحا حسنا يكون بالقياس في كبر تفسير أبي جعفر الطبري أو أكبر، و شعره مشهور و هو أشعر قريش» (2) .

و لعل أصدق التراجم ما قال عن نفسه قوله:

حذفت فضول العيش حتى رددتها # إلى دون ما يرضى به المتعفّف‏

____________

(1) ديوان الشريف الرضي 2: 42.

(2) عمدة الطالب: 207.

21

و أملّت أن أجري خفيفا إلى العلى # إذا شئتم أن تلحقوا فتخفّفوا

حلفت بربّ البدن تدمى نحورها # و بالنفر الأطوار لبّوا و عرّفوا

لأبتذلنّ النفس حتى أصونها # و غيري في قيد من الذلّ يرسف

فقد طالما ضيعت في العيش فرصة # و هل ينفع الملهوف ما يتلهّف

و إنّ قوافي الشعر ما لم أكن لها # مسفسفة فيها عتيق و مقرف

أنا الفارس الوثّاب في صهواتها # و كلّ مجيد جاء بعدي مردف‏

(1)

و لقد صدق رحمه اللّه و عاش عيشة العصامييّن من العظماء، حاملا رسالته الأدبية بأحسن وجه، فرضي من العيش ما يكون في أداء هذه الرسالة و خدمة القرآن الكريم و السنة النبوية و البلاغة العلوية في سلسلة مترابطة من البحوث التي أنارت الطريق للأجيال، فكان الفارس الوثاب الذي صان نفسه و جرى خفيا إلى العلى بخطوات سريعة.

و مواقفه في قول الحق و الالتزام بالمبادى‏ء صريحة، ففي غاية الإختصار: «ان القادر باللّه العباسي كان في بلاده كاسمه، و كان قد ولّى الشريف نقابة النقباء، و ولّى أباه أمارة الحج و مع ذلك لمّا عمل المحضر المشهور لإنكار نسب الملوك الفاطميين بمصر و كلّف الحاضرين بالتوقيع، امتنع الشريف الرضي مستعظما انكار نسب ثابت، و لم يخش بطش الخليفة فيه» (2) .

و يظهر انّ هذه الألقاب و المناصب التي قلّدته قيادة الخلافة العباسية كانت بدوافع سياسية لاحتواء الشريف الرضي من أن يوالي الخلافة الفاطمية التي كانت تناهض الخلافة العباسية من مقرّها بمصر، و كان لذلك الأثر على نشاط الشريف، و كان الشريف علي و عي كامل للاهداف فلم ينزلق عن مسيرته فرفض الهدايا و الصلات بأدب، و لم يشارك في إنكار نسب ثابت، غير متأثّر بالدعاية العباسية، بل أنشد من شعره ما يغيض الموقف العباسي.

و قد عاش الشريف الرضي في خلافة ثلاثة من العباسيين، هم: المطيع و الطائع

____________

(1) ديوان الشريف الرضي 2: 21.

(2) غاية الاختصار: 59.

22

و القادر، و قضى طفولته في عهد المطيع و عهد الطائع من سنة 363 إلى سنة 381، و وقف على نقاط القوة و الضعف في الحكم و الحكام مما دعاه إلى أن يخاطب القادر العباسي في قصيدة منها:

عطفا أمير المؤمنين فاننا # في دوحة العلياء لا نتفرّق

ما بيننا يوم الفخار تفاوت # أبدا، كلانا في المعالي معرق

إلاّ الخلافة ميّزتك فإنني # أنا عاطل عنها و أنت مطوّق‏

(1)

فقال له القادر: على رغم أنف الشريف، و انقطع عنه بعد ذلك.

لقد عرّف الشريف الرضي شعره، بل اتفق النقاد و العلماء على أنّ الرضي أشعر الطالبيين من مضى منهم و من غبر، على كثرة شعرائهم المفلّقين، بل لو قيل: إنّه أشعر قريش لم يجاوز ذلك الصدق، لان قريشا كان فيها من يجيد القول، أما الشعر فقلّ في قريش مجيدوه، فأمّا المجيد المكثر فليس إلاّ الشريف الرضي.

و لكن الشريف الرضي لم ير الشعر إلاّ ذريعة لرسالة يحملها في الدفاع عن آل البيت عليهم السّلام، و قد صرّح بذلك في قوله:

و ما قولي الأشعار إلاّ ذريعة # إلى أمل قد آن قود جنيبه

و إنّي إذا ما بلّغ اللّه منيتي # ضمنت له هجر القريض و حوبه‏

(2)

و قال:

و ما الشعر فخري، و لكنّه # أطول به همّة الفاخر

و منها:

و إني و إن كنت من أهله # لتنكرني حرفة الشاعر

(3)

و يكشف عن فكره الحر ما قاله في عمر بن عبد العزيز الأموي و هو في عهد الخلافة العباسية حيث لم يمدح فيه أمويا، فجعله مما يعبّر متحديّا صارخا بقول الحق:

____________

(1) ديوان الشريف الرضي 2: 42.

(2) ديوان الشريف الرضي 1: 135، و الحوب: الاثم.

(3) ديوان الشريف الرضي 1: 432.

23

يا ابن عبد العزيز لو بكت العين # فتى من اميّة لبكيتك

غير أني أقول: إنك قد طبت # و إن لم يطب و لم يزك بيتك

و لو أني رأيت قبرك لاستحييت # من أن أرى و ما حييتك

أنت نزّهتنا من السبّ و القذف # و لو أمكن الجزاء جزيتك‏

(1)

من تواريخ حياته‏

:

سنة 359 هـ- مولده ببغداد في اسرة علويّة عريقة في العلم و الأدب، فأبوه المتقدم، و أمّه فاطمة بنت أحمد بن الحسن الإمام الناصر الاطروش الزيدي، صاحب دولة الديلم بطبرستان، بن علي بن الحسن بن علي بن عمر بن علي زين العابدين بن الحسين بن علي ابن أبي طالب، و ينتهي نسبها إلى الإمام علي عليه السّلام بـ 9 وسائط.

سنة 369 هـ- صادر عضد الدولة أموال ابيه أبي أحمد الموسوي، و أمر بسجنه في فارس، و كان لذلك أشد الأثر على نفس الرضي أبرزها في قصائد.

سنة 379 هـ- افرج عن والده، فهنّأ ولده الرضي بقصيدة مطلعها:

طلوع هداه إلينا المغيب # و يوم تمزّق عنه الخطوب‏

(2)

سنة 380 هـ-في العاشر من رمضان تولّى النقابة و النظر في امور المساجد خلفا لوالده، و في ذلك يقول:

فافيضت الخلع السواد # عليّ ترشفها العيون

و خرجت أسحبها ولي # فوق العلى، و النجم دون

جذلا و للحسّاد من # أسف زفير و أنين‏

(3)

سنة 384 هـ- استعفى من النقابة أو اعفي هو و أبوه و أخوه، و لعلّ السبب في ذلك قصائده الثائرة التي منها:

____________

(1) ديوان الشريف الرضي 1: 215.

(2) ديوان الشريف الرضي 1: 75.

(3) ديوان الشريف الرضي 2: 526-527.

24

ما مقامي على الهوان و عندي # مقول صارم و أنف حميّ

ألبس الذلّ في ديار الأعادي # و بمصر الخليفة العلويّ

من أبوه أبي و مولاه مولاي # إذا ضامني البعيد القصيّ

لفّ عرقي بعرقه سيدا الناس # جميعا محمّد و عليّ

إنّ ذلّي بذلك الجوّ عز # و أوامي بذلك النقع ريّ‏

(1)

سنة 385 هـ- ماتت امه و هكذا فقد اصحابه و أقرباءه فيها.

سنة 388 هـ- اعطاه بهاء الدولة نيابة الخلافة ببغداد و تولى ديوان المظالم.

سنة 388 هـ- لقّبه بهاء الدولة بالشريف الأجلّ و الشريف الجليل.

سنة 392 هـ- لقب بذي المنقبتين.

سنة 397 هـ- ولاّه أبوه على النقابة و أمارة الحج.

سنة 398 هـ- و فيها لقبه بهاء الدولة بالرضي ذي الحسبين.

سنة 399 هـ- جاء المصري إلى العراق و اجتمع به ببغداد.

سنة 400 هـ- في جمادى الأولى توفي ابوه عن سبعة و تسعين عاما.

سنة 400 هـ- في رجب انتهى الشريف الرضي من جمع نهج البلاغة.

سنة 402 هـ- كتب في ديوان الخلافة محضرا في الطعن في نسب الفاطميين و أنهم «أدعياء خوارج لا نسب لهم في ولد علي بن أبي طالب و لا يتعلّقون منه بسبب، و أنهم ملحدون زنادقة معطّلون، و للاسلام جاحدون، و لمذهب الثنوية و المجوسية معتقدون» (2) . و رفض الشريف المشاركة فيها، و ادرج اسم الرضي فيه من دون رضاه.

سنة 403 هـ- تولّى نقابة الطالبيين في 16 محرم على كره منه.

سنة 406 هـ- في 6 محرم توفي الشريف الرضي و حضر جنازته فخر الملك و الأشراف و القضاة و الأعيان، و لم يطق أخوه المرتضى النظر الى تابوته فذهب إلى مقابر قريش و رثاه بقصيدة.

____________

(1) ديوان الشريف الرضي 2: 576.

(2) المنتظم 7: 255.

25

و هذه النقاط البارزة في تاريخ حياة الشريف الرضي تكشف عن موقف ثابت في حقيقة الشريف الرضي تلقّاه من مدرسته الاولى مدرسة الاسرة، و إليك لمحة عنها.

والده‏

:

أبو أحمد الحسين الملقب بالطاهر الأوحد (340-400 هـ) ، كان زعيما مطاعا، جاء في وصفه: «كان قويّ المنّة، شديد العصبة، يتلاعب بالدول و يتجرّأ على الامور» (1) .

كان يخص بالتكريم من الناس بلقب «الطاهر» و «الأوحد» و «نقيب الطالبيين» و «أمير الحاج» .

سنة 354 هـ- ولي النقابة للعلويين بأسرهم، و كان له دور فعّال في الاصلاح و إخماد الفتن.

سنة 356 هـ- و خطب بمكة لبختيار الملك البويهي.

سنة 357 هـ-خطب لعضد الدولة البويهي.

سنة 359 هـ-أصلح بين الحمدانيين و آل تغلب.

سنة 366 هـ- أصلح بين البويهي بختيار و عضد الدولة (2) .

سنة 369 هـ-ابعد من العراق إلى شيراز بأمر عضد الدولة البويهي، و كان بها حتى سنة 373.

سنة 373 هـ-اطلق سراحه شرف الدولة كما في المنتظم 7: 226.

سنة 400 هـ-توفي ببغداد ليلة السبت لخمس بقين من جمادى الاولى، بعد أن أضرّ في آخر عمره.

و جاء في تجارب الامم انه اعتقل الوزير العباس بن الحسين-وزير بختيار-أباه في قلعة فارس على أثر حريق الكرخ الذي دام اكثر من أسبوع، و عاقب والد السيد في

____________

(1) عمدة الطالب: 203.

(2) المنتظم 7: 83.

26

ذلك، و في سنة 363 دارت رحى الحرب بين عضد الدولة و بختيار و آل الأمر إلى قتل بختيار، و افرج عن الموسوي، و بعد عام واحد القي القبض عليه من قبل عضد الدولة و على أخيه أبي عبد اللّه و صودرت أملاكهما، و كان عضد الدولة سياسيا داهية، و كانت محنته على الامة عظيمة، و لما مات سنة 372 خلفه ابنه صمصام الدولة، و بعد فترة أفرج عنه ابنه الآخر شرف الدولة و استرجع ما صودر من املاكه في سنة 386 و توفي سنة 396» (1) .

و قد مدح الشريف الرضي أباه بقصائد، منها قصيدة مطلعها:

شيمي لحاظك عنا ظيبة الخمر # ليس الصبا اليوم من شأني و لا وطري‏

(2)

و رثاه بقصيدة مطلعها:

و سمتك حالية الربيع المرهم # و سقتك ساقية الغمام المرزم‏

(3)

و أروعها ما قال في أبيه مستعرضا ملامح من حياته:

و هذا أبي الأدنى الذي تعرفونه # مقدّم مجد أوّل و مخلّف

مؤلّف ما بين الملوك إذا هفوا # و أشفوا على حزّ الرقاب و أشرفوا

إذا قال: ردّوا غارب الحلم راجعوا # و إن قال: مهلا بعض ذا الجد وقّفوا

و بالأمس لما صال قادر ملكهم # و أعرض منه الجانب المتخوّف

تلافاه حتى سامح الضّغن قلبه # و أسمح لمّا قيل لا يتألّف

و كان وليّ العقد و العهد بينه # و بين بهاء الملك يسعى و يلطف

و لما التقى نجوى عقيل لنبوة # و مدّ لهم حبلا من الغدر محصف‏ (4)

لوى عطفه ليّ القنيّ رقابهم # و لو لسواه استعطفوا ما تعطفوا

و سل مضرا لمّا سما لديارها # فهب و نام العاجز المتضعف

تولّجها كالسيل صلحا و عنوة # فأبقى و ردّ البيض ظمأى تلهّف‏

____________

(1) تجارب الامم: 873.

(2) ديوان الشريف الرضي 1: 458.

(3) ديوان الشريف الرضي 2: 290.

(4) محصف: اي مفتول.

27

له وقفات بالحجيج شهودها # إلى عقب الدنيا منى و المخيف

و من مأثرات غير هاتيك لم تزل # لها عنق عال على الناس مشرف

حمى فاه عن بسط الملوك و قد كبت # عليها جباه من رجال و انف

زمام علا لو غيره رام جرّه # لساق به حاد من الذل معنف

جرى ما جرى قبلي و ها أنا خلفه # إلى الأمد الأقصى أغذّ و أوجف‏

(1)

عمّه‏

:

أبو عبد اللّه أحمد بن موسى الأبرش (ت/381 هـ-) و كان عمه هذا قد انتقل مع ابنه من البصرة إلى بغداد و استوطناه، و كان الشريف الرضي على صداقة متينة مع ابن عمه هذا -كما سيأتي-و قد توفي العم في شهر ربيع الآخر عام 381 و رثاه الشريف الرضي بقصيدة يعزي والده، و قد خرج إلى واسط يلتقي بهاء الدولة، يقول فيها:

سلا ظاهر الأنفاس عن باطن الوجد # فإنّ الذي اخفي نظير الذي ابدي

زفيرا تهاداه الجوانح كلّما # تمطّى بقلبي ضاق عن مرّه جلدي

و كيف يردّ الدمع يا عين بعد ما # تعسف أجفاني و جار على خدّي

و إنّي إن أنضح جواي بعبرة # يكنّ كخبي النار يقدح بالزند

فهذي جفوني من دموعي في حيا # و هذا جناني من غليلي في و قد

حلفت بما وارى الستار و ما هوت # إليه رقاب العيس ترقل أو تخدي

لقد ذهب العيش الرقيق بذاهب # هو الغارب المجزول من ذروة المجد

و ألمح فيها إلى شجاعته وجوده و سائر صفاته بقوله:

حسام جلا عنه الزمان فصمّمت # مضاربه حينا و عاد إلى الغمد

سنان تحدّته الدروع بزغفها # فبدّد أعيان المضاعف و السرد

جواد جرى حتى استبدّ بغاية # تقطّع أنفاس الجياد من الجهد

____________

(1) ديوان الشريف الرضي 2: 21.

28

سحاب علا حتى تصوّب مزنه # و أقلع لمّا عمّ بالعيشة الرغد

ربيع تجلّى و انجلى و وراءه # ثناء كما يثنى على زمن الورد

نعضّ على الموت الأنامل حسرة # و ان كان لا يغني غناء و لا يجدي‏

(1)

امّه‏

:

ام الرضي و المرتضى معا هي فاطمة بنت الحسين بن الحسن الثاني الأصمّ (الاطروش) صاحب الديلم، الذي ملك الديلم و لقّب بـ «الناصر للحق» و توفي بطبرستان سنة 304 هـ-.

و من ذلك ظهر ممّن لم يدرس مؤلفات الشريف الرضي أنه كان زيدي العقيدة، و غفل عن ان الزيدية كانت تمثّل الجناح العسكري لمذهب أهل البيت، و لم تكن في بدء أمرها خطّا معارضا للمذهب، كيف؟و كتب الشريف الرضي طافحة بالولاء و أشعاره تنبي‏ء عن اعتقاده بالائمة الاثنى عشر عليهم السّلام، و هذا ما لا تؤمن به الزيدية اليوم، و نكتفي في إثبات معتقده بقصيدته المشهورة التي مطلعها:

كربلا لا زلت كربا و بلا # مالقى عندك آل المصطفى‏

إلى قوله:

معشر منهم رسول اللّه و الكاشف # الكرب إذا الكرب عرا

صهره الباذل عنه نفسه # و حسام اللّه في يوم الوغى

أوّل الناس إلى الداعي الذي # لم يقدّم غيره لمّا دعا

ثم سبطاه الشهيدان فذا # بحسا السم و هذا بالظّبى

و عليّ و ابنه الباقر و الصادق # القول و موسى و الرضا

و علي و أبوه و ابنه # و الذي ينتظر القوم غدا

(2)

و كان لوفاة هذه الام المثالية أكبر الأثر على قلب الشريف الرضي، و قد رثاها

____________

(1) ديوان الشريف الرضي 1: 377-378.

(2) ديوان الشريف الرضي 1: 47.

29

بقصيدة وجدانية، منها قوله:

أبكيك لو نقع الغليل بكائي # و أقول لو ذهب المقال بدائي

و أعوذ بالصبر الجميل تعزّيا # لو كان بالصبر الجميل عزائي

طورا تكاثرني الدموع و تارة # آوي إلى اكرومتي و حيائي

كم عبرة موّهتها بأناملي # و سترتها متجمّلا بردائي

ابدي التجلّد للعدوّ و لو درى # بتململي لقد اشتفى أعدائي

ما كنت أذخر في فداك رغيبة # لو كان يرجع ميّت بفداء

لو كان يدفع ذا الحمام بقوة # لتكدّست عصب وراء لوائي‏

(1)

و يصفها-كما شاهدها عيانا-امّا غمرت حياتها العفة و الزهادة بالصلاة و القيام:

أنضيت عيشك عفّة و زهادة # و طرحت مثقلة من الأعباء

بصيام يوم القيظ تلهب شمسه # و قيام طول الليلة الليلاء

ما كان يوما بالغبين من اشترى # رغد الجنان بعيشة خشناء

لو كان مثلك كل امّ برّة # غني البنون بها عن الآباء

كيف السلوّ، و كلّ موقع لحظة # أثر لفضلك خالد بإزائي

فعلات معروف تقرّ نواظري # فتكون أجلب جالب لبكائي‏

و يتألّم تألّم كلّ من فقد امّا صالحة تضحّي من أجل أولادها الغالي و الرخيص، و يصوّرها بأروع صورة حياتية، فيقول:

فبأي كفّ أستجنّ و أتّقي # صرف النوائب أم بأيّ دعاء

و من المموّل لي إذا ضاقت يدي # و من المعلّل لي من الأدواء

و من الذي ان ساورتني نكبة # كان الموقّي لي من الأسواء

أم من يلطّ عليّ ستر دعائه # حرما من البأساء و الضراء

رزآن يزدادان طول تجدّد # أبد الزمان فناؤها و بقائي‏

____________

(1) ديوان الشريف الرضي 1: 62.

30

و يشير إلى طيبة أرومتها و إلى المدرسة الاولى التي تخرّجت منها بقوله:

آباؤك الغرّ الذين تفجّرت # بهم ينابيع من النعماء

من ناصر للحق أو داع إلى # سبل الهدى أو كاشف الغمّاء

نزلوا بعرعرة السنام من العلى # و علوا على الأثباج و الأمطاء

من كلّ مستبق اليدين إلى الندى # و مسدّد الأقوال و الآراء

و لا يجد من فقد امّا صالحة عزاء سوى أعمالها الصالحة التي تؤنسها في الوحشة و الوحدة، فيختم رثاءه بقوله:

معروفك السامي أنيسك كلّما # ورد الظلام بوحشة الغبراء

و ضياء ما قدّمته من صالح # لك في الدجى بدل من الأضواء

إنّ الذي أرضاه فعلك لم يزل # ترضيك رحمته صباح مساء

صلّى عليك، و ما فقدت صلاته # قبل الرّدى و جزاك أيّ جزاء

لو كان يبلغك الصفيح رسائلي # أو كان يسمعك التراب ندائي

لسمعت طول تأوّهي و تفجّعي # و علمت حسن رعايتي و وفائي

كان ارتكاضي في حشاك مسببا # ركض الغليل عليك في أحشائي‏

(1)

و لعل أروع ما فيها قوله:

لو كان مثلك كلّ أمّ برّة # غني البنون بها عن الآباء

____________

(1) ديوان الشريف الرضي 1: 26-30.

31

خاله‏

:

الشريف الناصر أبو القاسم الملقب بريقا، و امّه: فاطمة بنت الناصر الصغير أبي محمد الحسن‏[الحسين‏]بن أبي الحسين بن أحمد بن أبي محمد الحسين صاحب الديلم ابن أبي الحسن العسكري بن أبي محمد الحسن بن علي الأصغر المحدّث بن عمر الأشرف.

و مدح خاله بقصيدة مطلعها:

لك السوابق و الأوضاح و الغرر # و ناظر ما انطوى عن لحظه أثر

و عاطفات من البقيا إذا جعلت # محقّرات من الأضغان تبتدر

إطراقة كقبوع الصّل يتبعها # عزم يسور فلا يبقي و لا يذر

و اللّيث لا ترهب الأقران طلعته # حتى يصمّم منه الناب و الظفر

أنت المؤدّب أخلاق السحاب إذا # ضنت بدرّتها العرّاصة الهمر

من بعد ما اصطفقت فيها صواعقها # و شاغب البرق في أطرفها المطر

و البالغ الأمر جالت دون مبلغه # سمر القنا و أمرت دونه المرر

(1)

و رثاه بقصيدة مطلعها:

لنا كلّ يوم رنّة خلف ذاهب # و مستهلك بين النّوى و النّوادب‏

و منها:

أفي كل يوم يعرق الدهر أعظمي # و ينهس لحمي جانبا بعد جانب

فيوما رزايا في صديق مصادق # و يوما رزايا في قريب مقارب

فكم فلّ منّي ساعدا بعد ساعد # و كم جبّ منّي غاربا بعد غارب

و فادحة يستهزم الصبر باسمها # و تظمى إلى ماء الدموع السواكب

صبرنا لها صبر المناكب حسبة # إذا اضطرب الناس اضطراب الذوائب

تعاصي أنابيب الحلوم جلادة # و تهفو يراعات العقول العوازب‏

____________

(1) ديوان الشريف الرضي 1: 461.

32

كظوما على مثل الجوائف أتعبت # نطاسيّها من قارف بعد جالب

تحلّ الرزايا بالرجال و تنجلي # و ربّ مصاب ينجلي عن مصائب

من اليوم يستدعي منازلك البكا # إذا ما طوى الأبواب مرّ المواكب

و تضحك عنك الأرض انسا و غبطة # و تبكيك أخدان العلى و المناقب

سقاك الحيا إن كان يرضى لك الحيا # بغرّ الأعالي مظلمات الجوانب

تمدّ بأرداف ثقال و ترتمي # على عجرفيّات الصبا و الجنايب

كأنّ لواء يزدحمن وراءه # إذا اختلج البرق ازدحام المقانب

بودق كأخلاق العشار استفاضها # تداعي رغاء من مبسّ و حالب

يقرّ بعيني أن تطيل مواقفا # عليك مجرّ المدجنات الهواضب

و أن ترقم الانواء تربك بعدها # بكلّ جديد النور رقم الكواكب

ذكرتكم و العين غير محيلة # فأنبطتّ غدران الدموع السواكب

و ما جالت الالحاظ الا بقاطر # و لا امتدت الانفاس إلاّ بحاصب

و هل نافعي ذكر الأخلاّء بعده # جرى بيننا مور النقا و السباسب‏

(1)

أخوه الشريف المرتضى (ت/436)

:

للشريف الرضي شقيق واحد هو الشريف المرتضى و علم الهدى، ترجمه النجاشي (ت/450 هـ-) بقوله: «أبو القاسم المرتضى، حاز من العلوم ما لم يدانه فيه أحد في زمانه، و سمع من الحديث، فأكثر، و كان متكلّما، شاعرا، أديبا، عظيم المنزلة في العلم و الدّين و الدّنيا. صنّف كتبا-ثم ذكر كتبه بتفصيل و قال: -مات رضي اللّه عنه لخمس بقين من شهر ربيع الأوّل سنة ست و ثلاثين و أربع مائة، و صلّى عليه ابنه في داره، و دفن فيها، و تولّيت غسله و معي الشريف أبو يعلى محمّد بن الحسن الجعفري، و سلاّر بن عبد العزيز» (2) .

____________

(1) ديوان الشريف الرضي 1: 146-151.

(2) رجال النجاشي: 270-271.

33

فيكون المرتضى المولود سنة 355 هـ- أكبر من الشريف الرضي بأربع سنوات، و أنّه كان-كما نبى‏ء قائمة مؤلفاته و الموجود من آثاره-أكثر اهتماما بمسائل العقيدة و الفقه و الاصول، و ان كانا معا بدران في سماء البلاغة و الشعر، و بحكم العلاقة الاسرية كانا يتشاركان في امور والدهما من النقابة و أمارة الحج و غيرها.

كما شاءت الأقدار أن يعمر بعد أخيه و تناط إليه نقابة الطالبيين كما في المنتظم‏ (1)

حتى وفاته سنة 436، اي بعد ثلاثين عاما من وفاة أخيه الرضي.

و في ديوان الشريف الرضي طائفة من القصائد في مدح أخيه المرتضى مختلفة، من ميلاد أو عتاب أخوي ممّا يؤكّد على أو اصر القربى العريقة في الاسرة، فمدح أخاه مهنئا بمولودة جاءته، بقصيدة مطلعها:

جرى النسيم على ماء العناقيد # و علّلي بالأماني كلّ معمود

(2)

و أيضا بقصيدة مطلعها:

لبست الوغى قبل ثوب الغبار # و قارعت بالنصل قبل الغرار

(3)

و أيضا مهنئا بمولود ذكر عام 374 بقصيدة مطلعها:

لأغنتك عن وصلي الهجوم القواطع # و عن مشرع الذلّ الرماح الشوارع‏

(4)

و نقل المجلسي من خط الشهيد قدّس سرّه-و قد نقلها عنه الشيخ محمّد بن عليّ الجبعي المذكور رحمه اللّه أيضا-قال: «دخل أبو الحسن الحذّاء وكيل الرضي و المرتضى يوما على المرتضى فسمع منه هذه الأبيات فكتبها و هي:

سرى طيف سعدي طارقا فاستفزّني # سحيرا و صحبي بالفلاة رقود

فلما انتبهنا للخيال الّذي سرى # إذ الدار قفر و المزار بعيد

فقلت لعيني عاودي النوم و اهجعي # لعلّ خيالا طارقا سيعود

ثمّ دخل أبو الحسن الحذّاء على الرضي و هي في يده، فاستعرضها بما معه فعرضها

____________

(1) المنتظم 7: 276.

(2) ديوان الشريف الرضي 1: 465.

(3) ديوان الشريف الرضي 1: 313.

(4) ديوان الشريف الرضي 1: 610.

34

عليه، و قال الرضي: أين أخي من هذه الأبيات و ترك منه بيتين و أخذ القلم و كتب تحتها:

فردّت جوابا و الدموع بوادر # و قد آن للشمل المشتّ ورود

فهيهات من ذكرى حبيب تعرّضت # لنا دون لقياه مهامه بيد

ثمّ عاد إلى المرتضى فشرح له القصة و عرض عليه القرطاس الّذي فيه الأبيات فعجب فقال: عزّ عليّ يا أخي قتله الذكا، ثمّ بعد ذلك بيوم مات و قضى نحبه تغمدهما اللّه برحمته مع أئمّتهما بمحمّد و آله صلوات اللّه و سلامه عليه و عليهم أجمعين» (1) .

شقيقتاه‏

:

كان للشريف الرضي شقيقتان: زينب و خديجة، لا يعرف أيهما كانت الكبرى، الاولى-و يظهر أنها الصغرى-توفيت في حياته و رثاها بقصيدة تعبّر عن أروع الولاء الاسري في العاطفة الصادقة و إن كنّا لا نعرف بالضبط من هذه الشقيقة و ما هي اسمها و كم كان عمرها، و لكن الرابطة الاسرية تجلّت بأسمى معانيها، و كلّما نعرف أنّها توفيت و دفنت في مشهد الحسين عليه السلام، و أنه رثاها بقصيدة طويلة مطلعها:

يا دين قلبك من با # رق ينير و يخبو

و منها:

شقيقتي إنّ خطبا # عدا عليك لخطب

و إن رزءا رماني # بالبعد عنك لصعب

سهم أصابك منه # للقدر فوق و غرب

لا النصل منه بناب # يوما و لا الريش لغب

يبيت بعدك في مضجعي # الجوى و الكرب

كما يبيت رميض # بعد السنام الأجب

أنّى على قضض الهـ # مّ يطمئنّ الجنب‏

____________

(1) بحار الأنوار 107: 20-21.

35

لو ردّ عنك المنايا العـ # -جال طعن و ضرب

لخاض فيها سنان # ماض و طبّق عضب

و قام دون الردى غلظ # السواعد غلب

و ناقلت بالعوالي ذؤبان # ليل تخبّ

قضيت نحبا قضى بعـ # ده من المجد نحب

و لم يكن لك إلاّ # من المقادير خطب

و دون كل حجاب # من العفافة حجب

و قبرك الصون من قبل # أن يضمّك ترب

كأنّني كلّ يوم # قلي إليك أصب

و كلّما اندمل القرح # عاد قلبي ندب‏

و منها:

جاورت جارا تلقاك # منه برور حب

شعب غدا و هو لله # و الملائك شعب

يانومة ثمّ منها # إلى الجنان المهبّ

إن كان للشخص بعد # فللعلائق قرب

أغبّه و برغمي # إنّ الزيارة غبّ

لئن خلا منك طرف # لقد ملي منك قلب

و إن غربت فللطا # لعات شرق و غرب

خلاك ذمّ، و ذمّ # للدهر فيك و قصب

و لم يزل بعد يومي # منّي على الدهر عتب

فكم أبيت و عندي # لذي المقادير ذنب‏

(1)

و الشقيقة الثانية كانت قد أسنّت، فبلغت من العمر نيّفا و تسعين سنة، و توفيت

____________

(1) ديوان الشريف الرضي 1: 159-164.

36

أواخر شعبان 419، و قد رثاها أخوها المرتضى بقصيدة، مطلعها:

صمت العواذل في أساك و سلّموا # لمّا رأوا أنّ العزاء محرّم‏

(1)

ولده‏

:

للشريف الرضي ولد واحد هو أبو أحمد عدنان المولود سنة 309 هـ-، و هو الملقب بالطاهر ذي المناقب، تولّى نقابة الطالبيين ببغداد.

قال ابن عنبة (ت/828 هـ-) : «فولد الرضي أبو الحسن محمد، أبا أحمد عدنان، يلقب الطاهر ذا المناقب، لقب جده أبي أحمد الحسين بن موسى، تولّى نقابة الطالبيين ببغداد على قاعدة جدّه و أبيه و عمّه، قال أبو الحسن العمري: هو الشريف العفيف المتميّز في سداده و صونه، رأيته يعرف علم العروض و أظنه يأخذ ديوان أبيه، و وجدته يحسن الاستماع و يتصور ما ينبذ إليه. هذا كلامه، و انقرض بانقراضه و انقراض أخيه عقب أبي أحمد الموسوي» (2) .

مشايخه‏

:

تلمّذ الرضي على جماعة كبيرة من أعلام عصره، و كتبه تكشف عن ذلك، و اليك ثبت من روى عنهم في كتبه، و لعل الاستقصاء يكشف لنا أكثر من هذا العدد:

1-أبو إسحاق ابراهيم بن أحمد بن محمد الطبري، الفقيه المالكي (ت/399) ، ذكره ابن الجوزي في تذكرة الخواص، ص 393 (3) .

2-أبو علي الحسن بن أحمد الفارسي (ت/377 هـ-) ، عزّاه الرضي بولد في له في ديوانه‏ (4) .

____________

(1) ديوان السيد المرتضى 3: 186-190. طبعة القاهرة 1958 م.

(2) عمدة الطالب: 211.

(3) الغدير 4: 183.

(4) ديوان الشريف الرضي 2: 488، و انظر المجازات النبوية و الفهرست، لابن النديم: 95.

37

3-أبو سعيد الحسن بن عبد اللّه بن مرزبان السيرافي (ت/368 هـ-) (1) .

4-سهل بن أحمد بن عبد اللّه بن سهل الديباجي (ت/385 هـ-) (2) .

5-قاضي القضاة أبي الحسن عبد الجبار بن أحمد الهمداني البغدادي الشافعي المعتزلي، كان شيخ المعتزلة في عصره، قرأ عليه الشريف كتابيه: تقريب الاصول و شرح الاصول الخمسة (3) .

6-أبو اليمن عبد الرحيم بن محمد بن نباتة، صاحب ديوان الخطب (ت/394 هـ-) (4) .

7-القاضي أبو محمد عبد اللّه بن محمد بن عبد اللّه الأسدي، ابن الأكفاني الحنفي (ت/405 هـ-) (5) .

8-أبو الفتح عثمان بن جنّي الرومي الموصلي (ت/392 هـ-) (6) ، و قال فيه الرضي قصيدة، منها:

فدى لأبي الفتح الأفاضل إنّه # يبرّ عليهم إن ارمّ و قالا (7)

9-أبو الحسن علي بن عيسى الرماني الربعي البغدادي النحوي (ت/420 هـ) (8) .

10-أبو حفص يحيى بن إبراهيم الكتاني (ت/390 هـ-) (9) .

11-أبو القاسم عيسى بن علي بن عيسى بن داود بن الجراح (ت/291 هـ-) (10) .

12-أبو عبيد اللّه محمد بن عمران المرزباني (ت/384 هـ-) (11) .

13-أبوبكر محمد بن موسى بن محمد الخوارزمي الحنفي (ت/403 هـ-) (12) . قال في المنتظم (15: 97) : «و كان من تلامذته الرضي» .

____________

(1) حقائق التأويل: 87، الفهرست، لابن النديم: 93.

(2) المجازات النبوية: 241 و 217.

(3) حقائق التأويل: 204 و 234، تلخيص البيان: 99، 127، المجازات النبوية 28، 29 و 114 و 233.

(4) الدرجات الرفيعة: 456، روضات الجنات: 376.

(5) -حقائق التأويل: 346.

(6) تلخيص البيان: 26، 77، 107، المجازات النبوية: 250، حقائق التأويل 140: 321.

(7) ديوان الشريف الرضي 2: 167.

(8) حقائق التأويل: 87، تلخيص البيان: 250.

(9) المجازات النبوية: 155.

(10) المجازات النبوية: 143.

(11) المجازات النبوية: 137.

(12) المجازات النبوية 145، و تلخيص البيان: 162.

38

14-الشيخ المفيد محمد بن محمد بن النعمان (ت/413 هـ-) (1) .

15-الفقيه أبو عبد اللّه محمد بن يحيى بن مهدي الجرجاني (ت/398 هـ-) .

16-أبو الفرج المعافى بن زكريا النهرواني (ت/390 هـ-) (2) .

17-أبو محمد هارون بن موسى التلعكبرى (ت/385 هـ-) (3) .

18-أبو عبد اللّه بن الإمام المنصوري اللغوي (ت/391 هـ-) (4) .

و ما أصدق محمد عبد الغني المصري حيث قال: «و من هذا الثبت نعرف أن الشريف الرضي كان واسع العقل، رحب الصدر، حرّ الفكر، فلم يتعصّب لرجال مذهب على رجال مذهب آخر، لقد كان من شيوخه الشيعي، و السني، و المعتزلي، و الرافضي، و الشافعي، و الحنفي، و المالكي، فلم يتحرّج أن يأخذ العلم من أي مصدر. و قد رأينا أنّ أبا إسحاق الطبري الذي منحه داره ليقيم فيها، كان فقيها سنيّا على مذهب الإمام مالك» (5) .

و صدق الدكتور زكي مبارك في قوله: «و الواقع أنّ الشريف كان قليل الرعاية للعصبية المذهبية، و الظاهر أنّه كان حرّ العقل إلى حدّ بعيد فقد كان يدرس جميع المذاهب الإسلامية ليمدّ عقله بالأنوار التي يرسلها اختلاف الفقهاء» (6) .

____________

(1) روضات الجنات: 547، المستدرك: 514، شرح لنهج البلاغة، لابن أبي الحديد 1: 13.

(2) تلخيص البيان: 102.

(3) حقائق التأويل: 24، 33، 41، 42، 48، 81.

(4) ذكره محمد عبد الغني حسن في كتابه الشريف الرضي: 30.

(5) الشريف الرضي: 30.

(6) عبقرية الشريف الرضي 1: 125.

39

مؤلفاته‏

:

ذكرت المصادر له طائفة من المؤلّفات، و قد أشار الشريف الرضي نفسه إلى بعض مؤلفاته الموجودة، و هي:

1-أخبار قضاة بغداد (1) .

2-تلخيص البيان عن مجازات القرآن‏ (2) . طبع لأول مرة على مصوّرة من القرن الخامس ناقصة باهتمام السيد محمد المشكاة بطهران عام 1369 هـ-، و تلته طبعات اخرى، ثم طبع طبعة حروفية بتحقيق محمد عبد الغني حسن بالقاهرة سنة 1955 م.

3-تعليق خلاف الفقهاء (3) .

4-تعليقة على الإيضاح لأبي علي الفارسي‏ (4) .

5-الحسن من شعر الحسين، و الحسين هو أبو عبد اللّه بن الحجاج (ت/391 هـ-) و هو شاعر عرف بالمجون، فاختار الشريف الحسن من شعره‏ (5) .

6-حقائق التأويل، أشار إليه الرضي في مقدمة تلخيص البيان ص 2، و قد طبع منه الجزء الخامس فقط في النجف الأشرف عام 1936 بتحقيق الشيخ محمد رضا كاشف الغطاء عن نسخة مؤرخة 532، و لعله المراد بمعاني القرآن الذي ذكره ابن شهراشوب في المعالم، و ذكره الحاجي خليفة في كشف الظنون في عنوان نهج البلاغة (6) ، و خير ما يقال فيه:

في سيرة غرّاء تستضوي بها الدنيا # و يلبسها الزمان الأطول

ملئت بفضلك فالوليّ مكثّر # ما شاع عنها و العدو مقلّل‏

(7)

7-خصائص الأئمة عليهم السّلام، أشار إليه الرضي في مقدمة نهج البلاغة، و قد طبع قسم منه في النجف سنة 1369 هـ-، و لشيخنا العلامة فيه كلام، فراجع الذريعة 7: 164، منه

____________

(1) عمدة الطالب: 208.

(2) ذكرها النجاشي: 398.

(3) رجال النجاشي: 398، و الدرجات الرفيعة: 467.

(4) رجال النجاشي: 398.

(5) رجال النجاشي: 398، و عمدة الطالب: 208، و الدرجات الرفيعة: 208.

(6) كشف الظنون 2: 1991.

(7) ديوان الشريف الرضي 2: 159.

40

نسخة عليها قراءة فضل اللّه الراوندي في الهند، صورتها.

8-ديوان شعر، و قد ذاع صيته في الشعر (راجع الدرجات الرفيعة تاريخ بغداد، للخطيب، و شرح ابن ابي الحديد) ، و قد جمعه أبو حكيم الحبري (ت/476 هـ-) بعد وفاة الشريف، و قد أرسل الصاحب إلى بغداد من ينسخ ديوان فمدحه الشريف سنة 385 بقصيدة منها:

بيني و بينك حرمتان تلاقتا # نثري الذي بك يقتدي و قصيدي‏

و منها:

إن أهد أشعاري إليك فانه # كالسرد أعرضه على داود

(1)

و هكذا طلبت تقية بنت سيف الدولة نسخة من ديوانه، و كانت من أفاضل النساء.

و ابن جنّي شرح مرثية الشريف لابي ظاهر إبراهيم بن ناصر الدولة، و هي:

ألقى السلاح ربيعة بن نزار # اودى الردى بقريعك المغوار

ذكر الديوان النجاشي و ابن عنبة في عمدة الطالب‏ (2) ، و هو مطبوع بالهند سنة 1306 هـ-و بيروت سنة 1307 هـ-في مجلدين.

9-الرسائل، و يظهر أنها مجموعة مختلفة المواضيع و المناسبات، و صرح ابن عنبة انها «رسائله في ثلاث مجلدات» (3) ، و نقل ابن معصوم بعضها في الدرجات الرفيعة ص 475-478، و قد طبع قسم منها بعنوان: «رسائل الصابي و الشريف الرضي» بتحقيق محمد يوسف نجم، في الكويت، سنة 1961 م ضمن سلسلة التراث العربي.

10-الزيادات، و لا يعرف بالضبط طبيعة هذه الزيادات، و هل هي من إنشاء الشريف الرضي أو ما يراه الشريف زيادات على الأصل، و ذكر النجاشي عنوانين:

أ-الزيادات في شعر أبي تمام ص 283.

ب-الزيادات في شعر ابن الحجاج، و لم تقف يد التتبّع عليهما بعد.

11-سيرة والده الطاهر (المتوفى سنة 400 هـ-) ألّفه في حياة والده، و قبل 21 سنة من وفاته، ذكر في عمدة الطالب‏ (4) و الدرجات الرفيعة (5) ، و هو أول مؤلفات الشريف

____________

(1) ديوان الشريف الرضي 1: 285-290.

(2) رجال النجاشي: 398، عمدة الطالب: 308.

(3) عمدة الطالب: 208.

(4) عمدة الطالب: 207.

(5) الدرجات الرفيعة: 467.

41

الرضي، كتبه عام 379 و هو ابن عشرين سنة.

12-مختار اشعار أبي إسحاق الصابي، ورد ذكره في رجال النجاشي، و الدرجات الرفيعة (1) .

13-المجازات النبوية: أحال إليه الشريف الرضي في نهج البلاغة و تلخيص البيان ص 167، و ذكره النجاشي و ابن عنبة في عمدة الطالب، و قد طبع أولا ببغداد سنة 1338، ثم في القاهرة سنة 1356 و 1387، و يدرس فيها الشريف الرضي 361 حديثا نبويا، شارحا وجوه المجاز فيها (2) .

14-نهج البلاغة، أحال اليه في حقائق التأويل ص 167 و 283، و ابن شهراشوب ص 327 و المجازات النبوية كما سيأتي.

و هو أشهر ما قام به، و قد رافقت شهرة الكتاب شهرة جامعه الشريف الرضي و اقترنت بشهرة المروي عنه الإمام عليّ عليه السّلام.

وفاته‏

:

توفي الشريف الرضي يوم الأحد 6 محرم سنة 406 هـ-و رثاه جمع من الشعراء، و لعلّ أوّلهم أخوه الأكبر الشريف المرتضى حيث قال:

يا للرجال لفجعة جذمت يدي # و وددت لو ذهبت عليّ برأسي

ما زلت أحذر وقعها حتّى أتت # فحسوتها في بعض ما أنا حاسي

و مطلتها زمنا فلّما صمّمت # لم يجدني مطلي و طول مكاسي

لا تنكروا من فيض دمعي عبرة # فالدمع غير مساعد و مواسي

للّه عمرك من قصير طاهر # و لربّ عمر طال بالأدناس‏

(3)

و يستظهر منها أن وفاة أخيه كانت غير طبيعية و غير متوقّعة، و اللّه العالم.

و كذلك رثاه تلميذه مهيار الديلمي المتوفى سنة 428 بقصيدة طويلة مطلعها:

____________

(1) رجال النجاشي: 398، الدرجات الرفيعة: 467.

(2) تلخيص البيان: 167، رجال النجاشي: 398، عمدة الطالب: 107.

(3) ديوان السيد المرتضى 3: 190.

42

من جب غارب هاشم و سنامها # و لوى لؤيّا فاستزل مقامها

(1)

قال ابن عنبة: «و توفي يوم الأحد السادس من المحرم سنة ست و أربعماءة، و دفن في داره، ثم نقل إلى مشهد الحسين عليه السّلام بكربلاء، فدفن عند أبيه، و قبره ظاهر معروف، و لما توفي جزع أخوه المرتضى جزعا شديدا، بلغ منه الا أنّه لم يتمكّن من الصلاة عليه، و رثاه هو و غيره من شعراء زمانه» (2) .

و في زهر الرياض: «نقل جسده‏[ الرضي‏]إلى مشهد جدّه الحسين و نبش قبره في سنة 942 بإغراء بعض قضاة الأورام، فوجد كما هو لم تغيّر الأرض منه شيئا، و الظاهر ان قبر السيد و قبر أخيه و أبيه في المحلّ المعروف بابراهيم المجاب، و كان إبراهيم هذا هو جدّ المرتضى و ابن الإمام موسى عليه السّلام» (3) ، و قبر إبراهيم المجاب الحائري معروف مشهور.

من مصادر الترجمة

:

تاريخ بغداد 2: 264، رجال النجاشي: 283، عمدة الطالب: 170، الدرجات الرفيعة: 466، شذرات الذهب 3-182، لؤلؤة البحرين: 332، يتيمة الدهر 3: 136.

____________

(1) ديوان مهيار الديلمي 3: 366-370.

(2) عمدة الطالب: 211.

(3) يراجع الفوائد الرجالية 3: 111.

43

من هو جامع نهج البلاغة؟

قال ابن خلكان (ت/681 هـ-) : «اختلف الناس فيه، هل أنّ الشريف أبي القاسم علي بن طاهر المرتضى المتوفى سنة 436 جمعه من كلام علي بن أبي طالب عليه السّلام، أم جمعه أخوه الشريف الرضي البغدادي، و قد قيل: إنّه ليس من كلام علي» (1) .

و كثر ممن جاء بعد ابن خلكان (ت/681 هـ-) تبعيّته في ترديد دعواه، راجع ميزان الاعتدال، للذهبي (ت/748 هـ-) 3: 124. و مرآة الجنان، لليافعي (ت/768 هـ-) 3: 55.

و البداية و النهاية، لابن كثير (ت/774 هـ-) 12: 3 و 53. و لسان الميزان، لابن حجر (ت/852 هـ-) 5: 141، كما تبعه في ذلك بعض المتأخرين منهم: فريد و جدي في دائرة المعارف 4: 260.

و ليس لهذا الاختلاف أثر في مصادر أهل البيت، فقد أطبقت المصادر و الأسانيد على أنّ الجامع هو الشريف الرضي، فإنّ أقرب مصدر للترجمة إلى زمان الشريف للنهج هو فهرستا الطوسي و النجاشي، و كلاههما ترجما المرتضى و لم يذكرا نهج البلاغة من تأليفه، بل ذكر النجاشي (ت/450 هـ-) أنّه من تأليف الشريف الرضي، و هو أقدم من ابن خلّكان (ت/681 هـ-) و أعرف، و غير خفيّ على المتتبّع أنّ السبب في هذه التهمة هو الصراع المذهبي، كما يظهر جليا من ترجمة الشريفين الرضي و المرتضى ممن لا يوافقهما في العقيدة و المذهب.

قال الذهبي (ت/748 هـ-) في تاريخ الإسلام في حوادث سنة 436 في ترجمة الشريف المرتضى: «قلت: و قد اختلف في كتاب نهج البلاغة المكذوب على عليّ عليه السّلام، هل هو من وضعه، أو وضع أخيه الرضي. و قد حكى عنه ابن برهان النحوي أنّه سمعه و وجهه إلى الحائط يعاتب نفسه و يقول: أبوبكر و عمر وليا فعدلا، و استرحما فرحما، أ فأنا أقول: ارتدا؟!قلت: و في تصانيفه سبّ الصحابة و تكفيرهم» (2) .

و قال الذهبي أيضا: «هو جامع كتاب نهج البلاغة المنسوبة ألفاظه إلى الإمام

____________

(1) وفيات الأعيان 1: 471.

(2) راجع تاريخ الاسلام: وفيات عام 436.

44

عليّ رضى اللّه عنه، و لا أسانيد لذلك، و بعضها باطل، و فيه حقّ، و لكن فيه موضوعات حاشا الإمام من النّطق بها، و لكن أين المنصف؟!و قيل: بل جمع أخيه الشريف الرضي» (1) .

و قال أيضا في الميزان: «هو المتّهم بوضع كتاب نهج البلاغة، و له مشاركة قويّة في العلوم، و من طالع كتابه نهج البلاغة جزم بأنّه مكذوب على أمير المؤمنين علي رضى اللّه عنه، ففيه السب الصراح و الحط على السيدين أبي بكر و عمر، و فيه من التناقض و الأشياء الركيكة و العبارات التي من له معرفة بنفس القرشيين الصحابة و بنفس غيرهم من بعدهم من المتأخرين جزم بأنّ أكثره باطل» (2) .

و قد يرى البغضاء من قلمه و الكذب في قوله: «في تصانيفه‏[ المرتضى‏]سبّ الصحابة و تكفيرهم» فإنّه ليس لذلك في تصانيفه عين و لا أثر. و قوله: «لا أسانيد لذلك» يدل على جهله بأسانيد المرويات عن عليّ عليه السّلام-كما ستعرف في هذا الكتاب-و من إتهامه الشريف المرتضى بالوضع، و هذا ما لم يتهمه منصف في حياته و بعد وفاته، و لا أدري هل هو أعرف بنفس القرشيّين أم أهل البيت الذين اغترفوا من زلال علوم النبي الأطهر صلّى اللّه عليه و آله و عاصروا الصحابة الأخيار و حافظوا على تراث الإسلام.

و لعل أقرب الأقوال ما ذكره زكي مبارك في كتابه النثر الفني، حيث قال: «و قد أراد المسيو ديمومبين‏ (senybmomeD) أن يغضّ من قيمة ما نسب إلى علي بن أبي طالب من خطب و رسائل، استنادا إلى ما شاع منذ أزمان من أنّ الشريف الرضي هو واضع كتاب نهج البلاغة، أما نحن فنتحفّظ في هذه المسألة كل التحفّظ، لأن الجاحظ يحدثنا: إنّ خطب علي و عمر و عثمان كانت محفوظة في مجموعات. و معنى هذا أن خطب عليّ كانت معروفة قبل الشريف الرضي. و الذين نسبوا نهج البلاغة إلى الرضي يحتجّون بأنّه وضعها لأغراض شيعية، فلم لا نقول من جانبنا بأن تهمة الوضع جاءت لتأييد خصوم الحملات الشيعية؟» (3) .

____________

(1) سير أعلام النبلاء 17: 589.

(2) ميزان الاعتدال 3: 124.

(3) النثر الفنّي 1: 69.

45

و نحن نقول: إنّ تهمة الرضي بالانتحال ساقطة لأمرين:

أولا: إنّ شخصية الرضي معروفة بالأمانة، كما ذكرته مصادر الأدب و التأريخ.

ثانيا: إنّ الذهبي، و هذه دعوى يجب أن تخضع للدراسة و النقد، و من الثابت في قواعد الجرح و التعديل أنّ ذلك مما لا يعبأ به، و أنّها حقا تهمة ظالمة لرجل و صفته المصادر بالورع و الشرف و الصراحة في تطبيق حكم اللّه.

و نكتفي بما نقله ابن عنبة (ت/828 هـ-) من حادثتين تكشف عن مدى أمانة الشريف الرضي ننقلهما من لفظه من دون تعليق ليحكم القارى‏ء الكريم بنفسه على هذه الاتهامات:

نقل ابن عنبة عن ابي اسحاق الصابي عن الوزير أبي محمد المهدي في الشريف الرضي قال: «و أما أخوه الرضي، فبلغني ذات يوم أنه ولد له غلام فأرسلت إليه بطبق فيه ألف دينار، فرده و قال: قد علم الوزير أني لا أقبل من أحد شيئا. فرددته إليه و قلت: إني إنما أرسلته للقوابل. فرده الثانية و قال: قد علم الوزير أنه لا تقبّل نساءنا غريبة. فرددته إليه و قلت: يفرّقه الشريف على ملازميه من طلاب العلم. فلما جاءه الطبق و حوله طلاب العلم قال: هاهم حضور فليأخذ كل أحد ما يريد. فقام رجل و أخذ دينارا فقرض من جانبه قطعة و أمسكها ورد الدينار إلى الطبق، فسأله الشريف عن ذلك فقال: احتجت إلى دهن السراج ليلة و لم يكن الخازن حاضرا فاقترضت من فلان البقال دهنا فأخذت هذه القطعة لأدفعها إليه عوض دهنه، و كان طلبة العلم الملازمون للشريف الرضي في دار قد اتخذها لهم سماها (دار العلم) و عيّن لهم جميع ما يحتاجون إليه، فلما سمع الرضي ذلك أمر في الحال بأن يتخذ للخزانة مفاتيح بعدد الطلبة و يدفع إلى كلّ منهم مفتاح ليأخذ ما يحتاج إليه و لا ينتظر خازنا يعطيه، و ردّ الطبق على هذه الصورة، فكيف لا أعظّم من هذا حاله؟» (1) .

____________

(1) عمدة الطالب: 209-210.

46

و كان الرضي ينسب إلى الإفراط في عقاب الجاني من أهله و له في ذلك حكايات، و منها: «أنّ امرأة علوية شكت إليه زوجها و أنه يقامر بما يتحصل له من حرفة يعانيها، و أنّ له أطفالا و هو ذو عيلة و حاجة، و شهد لها من حضر بالصدق فيما ذكرت، فاستحضره الشريف و أمر به فبطح و أمر بضربه فضرب و الإمرأة تنتظر أن يكف، و الآمر يزيد حتى جاوز ضربه مائة خشبة، فصاحت الإمرأة: و ايتم أولادي، كيف تكون صورتنا إذا مات هذا؟فكلّمها الشريف بكلام فظّ فقال: ظننت أنّك تشكينه إلى المعلّم» (1) .

و يكفي الشريف فخرا أنّه لم يدنّس ثوبه بمغريات الحياة الزائلة حتى قال فيه تلميذه الوفي مهيار الديلمي:

أبكيك للدنيا التي طلّقتها # و قد اصطفتك شبابها و عرامها

و رميت غادتها بفضلة معرض # زهدا و قد ألقت إليك زمامها

(2)

تعقيب: استساغ للذهبي أن يتّهم الشريف الرضي بمجرّد الهوى و مخالفة العقيدة و المذهب. و لا أدري كيف استساغ كارل برو كلمان الالماني لنفسه ان يقول بصورة قاطعة:

«و ينسب إلى الشريف الرضي أيضا كتاب نهج البلاغة، و الصحيح أنه من جمع أخيه الشريف المرتضى» (3) .

و لعله قلّد في ذلك ادوارد فانديك، و قد التمس شيخنا العلامة الشهرستاني عذرا لهذه الدعوى و قال: «و نسبة (ادوارد فانديك) في اكتفاء القنوع كتاب نهج البلاغة إلى الشريف المرتضى أخي الرضي خطأ منشأه أنّ الشريف الرضي كان يلقب بالمرتضى أحيانا، لأن جدّه إبراهيم المرتضى بن الإمام موسى بن جعفر عليه السّلام، كما أن أخاه المرتضى كان يلقّب بذلك، ثم بقي هذا اللقب على هذا، و لقّب الأول بالرضي يوم رضوا به نقيبا على نقباء العلويين ليتميّز عن بقية آل المرتضى» (4) .

____________

(1) عمدة الطالب: 210.

(2) ديوان مهيار الديلمي 3: 369.

(3) راجع تاريخ الأدب العربي 2: 64، ترجمة د. عبد الحليم النجار، ط/3 دار المعارف القاهرة سنة 1974 م.

(4) ما هو نهج البلاغة: 18.

47

و من تقوّلات إدوارد فانديك في اكتفاء القنوع انه ينسب نهج البلاغة إلى الرازي (ت/406 هـ-) ، و لعل السبب أنّه ليس من أبناء الضاد، و قادته عجمته إلى تبديل الضاد بالزاي، فهو تصحيف.

أدلة خمسة

:

هذا و قد استدل إمتياز علي العرشي على أنّ المؤلف هو الرضي بأدلّة خمسة، ملخّصها:

أولا: ان المؤلف أشار في مقدمة النهج إلى كتابه خصائص الأئمة، و يوجد من هذا الكتاب نسخة في مكتبة رامپور-الهند، مؤرخة سنة 553 و عليها إجازات، فإذا ثبت أنّ مؤلّف الخصائص هو الشريف الرضي ثبت أنه كذلك مؤلّف نهج البلاغة.

ثانيا: ذكر النجاشي و غيره أنّ له: حقائق التنزيل، و قد طبع المجلد الأول في النجف سنة 355؛ و قد جاء في ص 167 إحالة إلى كتابه الآخر (نهج البلاغة) .

ثالثا: لا خلاف في أنّ كتاب مجازات الآثار النبوية للشريف الرضي، و قد طبع، و فيه يحيل الشريف إلى كتاب نهج البلاغة في ص 22 و ص 41، كما و يشير في النهج 3: 263 إليه، و يقوّي ذلك كلّه ما نجد بين عبارتيهما في هذا المحل من تماثل و تقارب مما لا يدع لنا مجالا لتخيّل أنّ الكتابين لمؤلّفين، بل لمؤلّف واحد.

رابعا: نجد في بعض نسخ نهج البلاغة أنّ النسخ تبدأ باسم الرضي، و أهم هذه النسخ ما طبعها محمد محيي الدين عبد الحميد الاستاذ بجامع الأزهر، و لا يكاد يظن أنّ المصحح هو الذي أضاف هذه الجمل في المتن.

خامسا: بلغ عدد شروح نهج البلاغة بالعربية و الفارسية ما ينيف على أربعة، و أجمع الشراح على أنّ الكتاب من تأليف الرضي، و ذكر سبعة شروح‏ (1) .

قال الجلالي: و نزيد ذلك حجة:

____________

(1) استناد نهج البلاغة: 5-13.

48

سادسا: سلاسل الإجازات الموصولة إلى الشريف الرضي بطرق عديدة، ستأتي في أسانيد المؤلف.

سابعا: العناية بالنهج عبر القرون بالنسخ و المقابلة و القراءة و الاجازة و غيرها كما سيأتي.

إرجاعات الجامع‏

:

و قد أحال الشريف الرضي إلى نهج البلاغة في كتبه الاخرى في مناسبات مختلفة بما يدل بكل وضوح على أنّه هو الجامع للكتاب دون أخيه المرتضى، كما يدل على اهتمامه و اعتزازه بكتاب نهج البلاغة، و إليك كلامه في مواضع:

قال في المجازات النبوية في مواضع، منها قوله: «و من ذلك قوله عليه الصلاة و السلام: «أغبط النّاس عندي مؤمن خفيف الحاذ ذو حظ من صلاة»

. و في هذا القول استعارة، لأن الحاذ على الحقيقة: اسم لما وقع عليه الذّنب-إلى أن قال: -لأن الدنيا بمنزلة المضمار، و الناس فيها بمنزلة الخيل المجراة، و الغاية هي الآخرة. فكلّما كان الواحد منهم أخف نهضا و امتراقا، كان أسرع بلوغا و لحاقا، و يبيّن ذلك

قول أمير المؤمنين عليّ عليه السّلام، في كلام له : «تخفّفوا تلحقوا»

، و قد ذكرنا لك في كتابنا الموسوم بنهج البلاغة الذي أوردنا فيه مختار جميع كلامه صلّى اللّه عليه و سلم و على الطاهرين من أولاده» (1) .

و منها:

«و من ذلك قوله عليه الصلاة و السلام لأزواجه : «أسرعكنّ لحاقا بي أطولكن يدا»

(2) -إلى أن قال: -و مثل ذلك

قول أمير المؤمنين عليّ عليه السّلام: «من يعط باليد القصيرة يعط باليد الطويلة»

، و معنى هذا القول أنّ من يبذل خير الدنيا يجزه اللّه خير الآخرة، و كنّى عليه السّلام عما يبذل من نفع الدنيا باليد القصيرة لقلّته في جنب نفع الآخرة، لأنّ ذلك زائل ماض و هذا مقيم باق. و قد ذكرنا ذلك في كتابنا الموسوم بنهج البلاغة» (3) .

____________

(1) المجازات النبوية: 40، و يراجع نهج البلاغة 1: 54، 2: 97.

(2) نهج البلاغة: 3: 204.

(3) المجازات النبوية: 67.

49

و منها:

«و من ذلك قوله عليه الصلاة و السلام في خطبة له: «ألا و إنّ الدّنيا قد ارتحلت مدبرة، و إنّ الآخرة قد ارتحلت مقبلة»

و هذه استعارة، لأنه عليه الصلاة و السلام جعل الدنيا بمنزلة-إلى أن قال: -و يروى هذا الكلام على تغيير في ألفاظه لأمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه الصلاة و السلام، و قد أوردناه في كتابنا المسوم بنهج البلاغة، و هو المشتمل على مختار كلامه عليه السّلام في جميع المعاني و الأغراض و الأجناس و الأعراض» (1) .

و منها:

«و من ذلك قوله عليه الصلاة و السلام: «ما نزل من القرآن آية إلاّ و لها ظهر و بطن، و لكلّ حرف حدّ، و لكلّ حدّ مقطع»

، و في هذا الكلام استعارتان: أحدهما:

قوله عليه الصلاة و السلام : «ما نزل من القرآن آية إلاّ و لها ظهر و بطن»

. و قد قيل في ذلك أقوال: منها أنّ يكون المراد أنّ القرآن يتقلّب وجوها، و يحتمل من التأويلات ضروبا

كما وصفه أمير المؤمنين عليّ عليه السّلام في كلام له، فقال : «القرآن حمّال ذو وجوه»

، أي يحتمل التصريف على التأويلات، و الحمل على الوجوه المختلفات. و قد ذكرنا هذا الكلام في كتابنا الموسوم بنهج البلاغة، و من ذلك قول القائل: قلّبت أمري ظهرا لبطن» (2) .

و منها:

«و من ذلك قوله عليه الصلاة و السلام: «القلوب أوعية بعضها أوعى من بعض» ،

و هذه استعارة. و المراد تشبيه من حيث حفظ و وعى، كالوعاء من حيث جمع و أوعى، و ربما نسب هذا الكلام إلى أمير المؤمنين عليه السّلام على خلاف في لفظ، و قد ذكرناه في جملة كلامه لكميل بن زياد النّخعيّ في كتاب نهج البلاغة» (3) .

و قال الشريف الرضي في حقائق التأويل ما لفظه: «إنه لو كان كلام يلحق بغباره، أو يجري في مضماره-بعد كلام الرسول صلّى اللّه عليه و آله-لكان ذلك كلام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السّلام، إذ كان منفردا بطريق الفصاحة، لا تزاحمة عليها المناكب، و لا يلحق بعقوه فيها الكادح الجاهد، و من أراد أن يعلم برهان ما أشرنا اليه من ذلك، فلينعم النظر في كتابنا الذي ألّفناه و وسمناه بنهج البلاغة، و جعلناه يشتمل على مختار جميع الواقع إلينا من كلام أمير المؤمنين عليه السّلام في جميع الأنحاء و الأغراض و الأجناس و الأنواع من خطب و كتب

____________

(1) المجازات النبوية: 199. نهج البلاغة 1-89566.

(2) المجازات النبوية: 251، و راجع نهج البلاغة 3: 150.

(3) المجازات النبوية: 291، و راجع نهج البلاغة 3: 186.

50

و مواعظ و حكم، و بوّبناه أبوابا ثلاثة، ليشتمل على هذه الأقسام مميّزة مفصّلة، و قد عظم الانتفاع به، و كثر الطالبون له، لعظيم قدر ما ضمنه من عجائب الفصاحة و بدائعها، و شرائف الكلم و نفائسها، و جواهر الفقر و فرائدها» (1) .

و أظن في ذلك كفاية لمن انصف بأنّ الشريف الرضي جمع في كتاب نهج البلاغة ما وجد من الروايات عن جده علي بن أبي طالب عليه السّلام، و لا يدله فيها سوى الجمع و الانتفاء بالاسلوب الذي اختاره و شرحه في خطبة الكتاب.

في تراث أهل البيت عليهم السّلام‏

:

و قد صرّحت مصادر أهل البيت في كتبهم و إجازاتهم و تراثهم بأنّ جامع نهج البلاغة هو الشريف الرضي دون غيره-كما سيأتي-و نكتفي هنا بذكر عشرة منهم:

1-أبو العباس النجاشي (ت/450) في رجال النجاشي.

2-أبو الحسن الفنجكردي (ت/513) في أشعاره.

3-فضل اللّه الراوندي (ت/546) في منهاج البراعة.

4-قطب الدين الكيدري (ت/657) في حدائق الحقائق.

5-أبو الحسن ابن فندق البيهقي (ت/565) في معارج نهج البلاغة.

6-ابن شهراشوب محمد بن علي السروي (ت/588) في معالم العلماء.

7-الحسن بن داود الحلي (ت/647 ح) في رجاله.

8-ابن ميثم البحراني (ت/697) في مصباح السالكين.

9-الحسن بن يوسف العلامة الحلي (ت/726) في خلاصة الأقوال.

10-احمد بن عنبة (ت/728) في عمدة الطالب.

و للتفصيل يراجع فصل «الاهتمام بنهج البلاغة عبر القرون» .

و قد صدق الأميني (ت/1390) حيث قال: «فما تورّط به بعض الكتبة من نسبة الكتاب إلى أخيه علم الهدى، و إتّهامه بوضعه أو وضع بعض ما فيه على لسان أمير المؤمنين عليه السّلام، و الدّعوى المجرّدة ببطلان أكثر ما فيه، و عزو ذلك إلى سيدنا الشريف الرضي

____________

(1) حقائق التأويل: 287 ط/النجف، سنة 1355.

51

الذي عرفت موقفه العظيم من الثقة و العلم و الجلالة، أو الترديد فيمن وضعه و جمعه بينهما، ممّا لا يقام له في سوق الحقائق وزن، و ليس له مناخ إلاّ حيث تربض فيه العصبيّة العمياء، و يكشف عن جهل أولئك المؤلّفين برجال الشيعة و تآليفهم، و أعجب ما رأيت: كلمة الذهبي في طبقاته ج 3 ص 289 حيث قال: «و فيها[يعني سنة 436]توفي شيخ الحنفيّة العلاّمة المحدّث أبو عبد اللّه الحسين بن موسى الحسيني الشريف الرضي واضع كتاب نهج البلاغة» (1) .

قال الجلالي: ما تعجّب منه الشيخ الأميني قدّس سرّه امور كلها مخالفة للواقع التاريخي:

1-أنّ الرضي ليس حنفيا و لا شيخا للحنفية.

2-أنّ اسم الرضي ليس (الحسين) ، بل (محمد) ، و الحسين والده.

3-أنّ الرضي ليس واضعا، بل جامعا.

4-أنّ الرضي لم يتوفّ سنة 436، بل توفي في سنة 406، و اللّه أعلم بما اعتراه حين كتابة هذين السطرين، و إن كانت العصبية دعته إلى الاتهام الأخير، فما هو المخرج من الثلاثة الأول؟و العصمة لأهلها.

و الأقرب إلى الانصاف ما قال الدكتور زكي مبارك في مواجهة الذهبي و من سار على طريقته، و هو: «إنّ هذا الحكم القاسي لا يطوّق به عنق الشريف إلاّ إن ثبت ان مجموعة «نهج البلاغة» تعرض بعد وفاته للزيادات و الاضافات التي توجبها النزعة المذهبية في عصور وصل فيها الكفاح السياسي إلى أبعد حدود القسوة و العنف، فإن ثبت بعد البحث انها سلمت من الزيادات فهي شاهد على أن الشريف كان يعوزه التدقيق في بعض الأحايين، أمّا اتهامه بالكذب على أمير المؤمنين في سبيل النزعة المذهبية، فهو اتهام مردود و لا يقبله إلاّ من يجهل أخلاق الشريف» (2) .

____________

(1) الغدير: 4-195، ميزان الاعتدال 2: 223، و دائرة المعارف، للبستاني 10: 459، و تاريخ آداب اللغة 2: 288، و لسان الميزان 4: 223، و تاريخ ابن خلكان 1: 365، مرآة الجنان، لليافعي 3: 55.

(2) عبقرية الشريف الرضي 1: 222.

52

شبهات و حلول‏

تنص المصادر التاريخية على شهرة المأثور عن الإمام عليّ، قال اليعقوبي (ت/284)

عن الإمام عليّ عليه السّلام : «و الذي حفظ الناس عنه من خطبه في سائر مقاماته أربعمائة و نيف و ثمانون خطبة، يوردها على البديهة، تداول الناس ذلك عنه قولا و عملا»

(1) .

و قال إبن عبدالبر: «و خطبه و مواعظه و وصاياه لعمّاله، إذ كان يخرجهم إلى أعمال كثيرة مشهورة، لم أر التعرض لذكرها، لئلاّ يطول الكتاب، و هي حسان كلّها» (2) .

و قال أيضا: «الذي يرجع إلى أقضية علي و خطبه و وصاياه يرى أنه قد وهب عقلا ناضجا و بصيرة نافذة و حظا وافرا من العلم و قوة البيان» (3) .

و لا غرابة في ذلك فإنّ لمحة عن تواريخ حياة الإمام علي عليه السّلام تكشف سرّ المؤهلات التي تجعله في المستوى المطلوب، فإن كل حادثة مرّت بحياته تقتضي قولا فصلا من رجل مثله كان في قمّة المسؤولية الملقاة على عاتقه.

ففي سنة 23 قبل الهجرة ولد الإمام علي عليه السّلام في 13 رجب.

و في سنة 10 قبل الهجرة كان أول من اعتنق الإسلام و آمن بنبوّة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله.

و في سنة 1 هـ-بات في فراش النبي صلّى اللّه عليه و آله حفاظا على حياة الرسول صلّى اللّه عليه و آله ليلة الهجرة.

و في سنة 2 هـ-تزوّج بسيدة النساء فاطمة بنت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله، و ساهم في وقعة بدر الكبرى.

و في سنة 3 هـ-ساهم في معركة أحد.

و في سنة 4 هـ-ساهم في معركة الخندق و خيبر و الحديبية.

و في سنة 10 هـ-ساهم في فتح مكة، و أوفده النبي صلّى اللّه عليه و آله إلى اليمن.

و في سنة 11 هـ-كانت وفاة النبي صلّى اللّه عليه و آله، و واجه احداث السقيفة، و لم يشارك فيها لأنّه

____________

(1) مروج الذهب 2: 36، و 2: 431.

(2) الاستيعاب 3: 1111، تحقيق علي محمد البجاوي.

(3) اسد الغابة 4: 16.

53

كان مشتغلا بتجهيز النبي صلّى اللّه عليه و آله و دفنه، و في نفس السنة توفيت السيدة فاطمة الزهراء عليها السّلام.

و في سنة 23 هـ-كان مستشارا لعمر بن الخطاب بعد خلافته.

و عاش في سنة 35 هـ-ثورة المصريين على عثمان و بعد مقتله بويع الامام علي عليه السّلام بالخلافة.

و واجه في سنة 36 هـ-وقعة الجمل بالبصرة.

و في سنة 37 هـ- وقعة صفّين.

و في سنة 38 هـ-حادثة التحكيم و وقعة النهروان.

و أخيرا في سنة 40 هـ- اغتيل الإمام في مسجد الكوفة في 19 رمضان و هو يؤدّى صلاة الفجر، و توفي 21 رمضان و دفن في النجف.

و قد حكم الإمام عليّ في خلافته أربع سنين و ستة أشهر، فإذا جمعنا خطبه عليه السّلام في كل جمعة و عيدي الأضحى و الفطر. لبلغ (224) خطبة، هذا عدا ما باشرها الإمام عليه السّلام من حروب الجمل و صفّين و الخوارج، و ما يستلزم ذلك من خطب حماسية في الاستنهاض و الدفاع و الحرب، فلا غرابة في المأثور عن شخصية قيادية كعلي بن أبي طالب الذي قضى 63 عاما مرافقا قضايا الإسلام الكبرى و مساهما فيها مساهمة فعّالة في ما تقتضيه المصلحة الإسلامية العليا، لما فيه من مؤهلات العلم و التجربة، فلا يستنكر منه شي‏ء من خطب و رسائل و حكم رويت في نهج البلاغة، كما لا يستبعد في من جرّد السيف في حكمه العادل و حركاته التصحيحية، ان يكون هدفا للنقد و ان يستخدم مختلف الوسائل في التشكيك في نهجه قولا و عملا، و كما لا نشك في انّ هذه التعرّضات سوف تستمر ما كان هناك غشاء على الأبصار و رين على القلوب، فإننا واثقون بأنّها سوف تنقشع بأنوار ساطعة من حقائق التاريخ و تظهر بالاغتراف من زلال ينابيع المعرفة.

هذا، إلى جانب أنّ الاعتماد على الذاكرة و الحفظ كانت و لا تزال عادة سائدة في المجتمع، و خصوصا في المجتمعات الابتدائية حيث لا يكون الاتّكال على الكتابة و القراءة، على العكس من المجتمع الحضاري، و بما ان المجتمع العربي في العصور

54

المتقدمة كانت امية على الغالب فقد استخدمت وسيلة الحفظ حتى القرن الثاني و الثالث، بل حفظ تراث اي انسان يستمر بين عارفي فضله، و قد حصل هذا بالنسبة إلى نهج البلاغة حتى العصر الحاضر.

و الحفظ بالنسبة إلى نهج البلاغة شائع في عصرنا، بل حفظه كله جماعة، منهم:

1-السيد محمد اليماني المكي الحائري (ت/1280) .

2-الشاعر محمد حسين مروّة الحافظ العاملي‏ (1) .

3-السيد علم الهدى النقوي الكابلي البصير نزيل ملاير (2) .

و مع هذا فلا يبقى مجال لاستبعاد ذلك، و لا زال خطباء المنبر الحسيني في عصرنا يلقون من خطبه و رسائله و حكمه حفظا عن ظهر القلب من على رؤوس المنابر، و طبيعي أنّ من يؤمن بإمامة علي عليه السّلام يحافظ على تراثه بكل وسيلة تيسرت له.

أمّا الشبهات: فقد ذكر أحمد زكي صفوت باشا في كتابه علي بن أبي طالب ص 122. وجوها ستة للشك في نهج البلاغة و تكلّم عنها بتفصيل، قال: «و مبعث هذه الشكوك:

1-خلوّ الكتب الأدبية و التاريخية التي ظهرت قبل الشريف الرضي من كثير مما في نهج البلاغة.

2-ما ورد فيه من الأفكار السامية و الحكم الدقيقة مما لا يصح نسبته إلى عصر الإمام.

3-إطالة الكلام و إشباع القول في بعض الخطب و الكتب كما في عهد الأشتر النخعي المسهب المطنب المشتمل على كثير من الحيطة و الحذر و التوكيدات و المواثيق، فضلا عن أنّ فيه من النظرات السياسية و القواعد العمرانية ما لم يكن معروفا في عصر الإمام.

4-ما ورد في بعض خطبة من التعريض ببعض الصحابة و ذمّهم كما في الخطبة

____________

(1) الغدير 4: 186.

(2) اجازة المرعشي: 162.

55

الشقشقية مما لا ينتظر أن يقع من مثل عليّ في عقله و دينه و علمه.

5-ظهور الروح الصوفي الفلسفي في كثير من خطبه مما لم يفش في المسلمين إلاّ في القرن الرابع الهجري (اي في عصر الرضي) .

6-الوصف الدقيق و السجع و تنميق الكلام مما لم يعهد في صدر الإسلام» (1) .

و قد حاول الاستاذ أحمد زكي تحليل هذه النقاط الست بتفصيل استغرق الصفحات (122-161) من كتابه، ناقلا نصوص الخطب و الرسائل و معلقا عليها مدافعا عنها أحيانا و مؤاخذا عليها اخرى، و هنا اكتفي بخلاصة منها:

الشبهة الأولى-خلوّ الكتب الأدبية

:

و لقد انصف في الشبهة الاولى بقوله: «و ها نحن-أوّلا-ندلي إليك برأينا في هذه الشكوك: أما ما ورد في الكتب الأدبية و التاريخية المؤلفة قبل ظهور نهج البلاغة من كلام الإمام، فلعله لم يرد إلاّ على سبيل التمثيل و الاستشهاد، لا على سبيل الاستقراء و الاستقصاء، إذ لم تؤلف من أجل ذلك الغرض خاصة. و لعلّ تلك المثل كانت هي المتداول المشهور من كلامه، فلا ينافي أن يكون له غيرها. و في مروج الذهب للمسعودي المتوفى سنة 346 هـ-أي قبل مولد الشريف الرضي بثلاث عشرة سنة، ما نصه: و الذي حفظ الناس عنه من خطبه في سائر مقاماته أربعماءة خطبة و نيف و ثمانون خطبة، يوردها على البديهة، تداول الناس ذلك عنه قولا و عملا» (2) .

الشبهة الثانية-ما ورد فيه من الأفكار السامية

:

قال أحمد زكي في الجواب هذه الشبهة ما يلي: «أما الشبهة الثانية فباطلة داحضة، و اننا قبل ان نتعرض لادحاضها نتساءل: هل في فكر الإمام و حكمه نظريات فلسفية

____________

(1) راجع: علي بن أبي طالب: 122-161، طبعة مطبعة العلوم، سنة 1232 هـ-.

(2) ترجمة علي بن أبي طالب: 123. و انظر مروج الذهب 2: 33.

56

يعتاص على الباحث فهمها و يفتقر في درسها إلى كدّ ذهن و كدح خاطر. اللهم لا، إنّها حكم سائغة مرسلة تمتزج بالروح من أقرب طريق و تدبّ الى القلب دون تعمّل أو عناء، و ليس أحد يماري في أنّ إيراد العرب للحكمة البالغة و ضربهم الأمثال الرائعة فطري فيهم، معروف عنهم منذ جاهليتهم، لما أوتوه من صفاء الذهن و اتّقاد القريحة و سرعة الخاطر، و قد اشتهر كثير منهم بذلك قبل الإسلام، ا فتستكثر الحكمة السامية على عليّ و هو-من علمت-سليل قريش الذين كانوا أفصح العرب لسانا و أعذبها بيانا و أرقّها لفظا و أصفاها مزاجا و ألطفها ذوقا، و قد قدّمنا لك أنه ربّي في بيت النبي صلّى اللّه عليه و آله منذ حداثته فنشأ و شب في بيت النبوّة و مهد الحكمة و ينبوعها، و لازم الرسول حتى مماته،

و قد قال عليّ في بعض خطبه: «كنت اتبعه اتباع الفصيل اثر امّه، يرفع لي في كل يوم من أخلاقه علما و يأمرني بالاقتداء به»

، و كان من كبار كتاب وحيه، و حفظ القرآن كله حفظا جيّدا، و سمع الحديث الشريف و وعاه، و تفقّه في الدين حتى كان اماما هاديا و عالما عيلما، و فوق ذلك فأنت تعلم ان الشدائد ثقاف الاذهان و صقال العقول تفتق عن مكنون الحكمة و تستخرج عصيها و قد مرّ بالإمام حين من عمره حافل بالشدائد، ملى‏ء بالعظائم و الأهوال، و حسبه ان يحمل مع ابن عمه صلّى اللّه عليه و آله أعباء أمره، و يبيت في فراشه ليلة هجرته متعرّضا لأذى المشركين الراصدين للرسول، و أن يخوض غمار الحرب في كلّ غزواته-إلاّ واحدة-ثم هو يقضي طوال خلافته مذ بويع إلى ان قتل (أربع سنين و تسعة أشهر) في شجار و نضال و جلاد و كفاح، تارة مع عائشة و مناصريها، و اخرى مع معاوية و أشياعه ثم يبتلي بخلاف أصحابه عليه، و يعاني من اختلاف مشاربهم و تباين أهوائهم و غريب شذوذهم و تحكّمهم، و اعتسافهم ما يضيق عنه صدر الحليم، و يندّ معه صبر الصبور. كل أولئك التجارب و الظروف قد حنّكته، و صفت من جوهر عقله، و ثقّفت من حديد ذهنه، و أمدّته بفيض زاخر من الحكم الثاقبة و الآراء الناضجة، و ما العقل إلاّ التجربة و الاختبار» .

و أضاف: «و أخالك تذكر ما قدمناه لك آنفا من أنه كان معروفا بين الصحابة بأصالة الرأي و سداد الفكر، فكان بعض الخلفاء يفزع إلى مشورته إذا حزبه أمر فيجيد الحز