رايات الهدي و الضلال في عصر الظهور

- مهدي حمد الفتلاوي المزيد...
179 /
5

المدخل‏

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم‏

اللّهمّ عرّفني نفسك، فإنّك إن لم تعرّفني نفسك، لم أعرف رسولك، أللّهمّ عرّفني رسولك، فإنّك إن لم تعرّفني رسولك، لم أعرف حجتك، أللّهمّ عرّفني حجّتك، فإنّك إن لم تعرّفني حجّتك، ضللت عن ديني، أللّهمّ لا تمتني ميتة جاهلية، و لا تزغ قلبي بعد إذ هديتني... أللّهمّ فثبّتني على دينك، و استعملني بطاعتك، و لّين قلبي لوليّ أمرك، و عافني ممّا امتحنت به خلقك...

و ثبّتني على طاعة وليّ أمرك، الّذي سترته عن خلقك، فبإذنك غاب عن بريّتك، و أمرك ينتظر، فصبّرني على ذلك، حتىّ لا أحبّ تعجيل ما أخّرت... و لا أقول لم؟، و كيف؟، و ما بال وليّ الامر لا يظهر، و قد امتلأت الارض من الجور؟... اللّهمّ عجّل فرجه، و أيّده بالنّصر، و انصر ناصريه، و اخذل خاذليه‏ (1) .

____________

(1) من دعاء الغيبة المروي بسند صحيح عن الإمام المنتظر (ع) /مفاتيح الجنان ص 587

6

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

7

الإهداء

إلى ثائر أهل البيت الامام الخمينيّ، محطّم اصنام العصر، و منقذ المسلمين و المستضعفين من الاسر، الّذي اسقط عرش الطّاووس و الطّاغوت في ايران، إلى القائد و القدوة، الّذي ارتعدت من صولته فرائص الكفر، و اهتزّت هلعا من صرخته، طواغيت الشّرك، و أئمّة الضّلال، و رؤوس النّفاق، حينما أطلقها صرخة مدّوية"إنّ الخمينيّ حتّى و لو بقي وحيدا فريدا، فإنّه سيواصل طريقه، و هو طريق مقارعة الكفر و الظّلم و الشرك و الوثنيّة... و سوف يعمل على سلب النّوم و الرّاحة، من عيون جبابرة الأرض، و المأجورين الّذين يصرّون على ظلمهم" (1) .

إلى فقيه آل محمّد، و قائد شيعتهم، و حامل لواء رسالتهم، و المحامي عن ولايتهم، أقدّم هذه الاوراق هدّية متواضعة إليه.

اللهم أكتبنا من الشاهدين و المستشهدين على نهجه.

المؤلف‏

____________

(1) من بيان البراءة الذي وجهه الإمام الخميني للحجاج عام 1407 هـ.

8

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

9

المقدمة

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم‏

و الحمد للّه رب العالمين و الصلاة و السلام على خاتم النبيين و على آله الطاهرين و صحبه المخلصين.

يتميز عصر الظهور بكثرة الفتن و شدتها، و بتلاحق الأحداث الجسام و خطورتها، مما لم تشهده الأمة من قبل، لأنه عصر الخلاص على يد المنقذ المنتظر، من كل ما تعانيه البشرية من آلام و مآس و خطوب، و لهذا استأثر بعدد كبير من الاحاديث الشريفة، التي غطت جميع أحداثه.

و تمثل ثقافة علامات عصر الظهور، أحد أهم مقومات التربية الإيمانية و الجهادية، في مراحل الغيبة و الأنتظار، بما لها من دور فاعل، في حث المنتظرين المخلصين و تحريكهم نحو المزيد من التعبئة الجهادية المسلحة، و التربية الإيمانية الأصيلة، استعدادا لاستقبال ولي الله الاعظم أرواحنا فداه، و الإلتحاق بجيشه الإلهي المقدس، فمن لم يكن مهيأ روحيا و جهاديا و عقائديا لاستقباله، فإنه لا يملك المقومات الذاتية التي تؤهله للإلتحاق برايته و العيش في ظل دولته و رعايته، كما جاء ذلك صريحا في رسالته التي بعثها للشيخ المفيد قدس الله روحه الطاهرة، حيث قال:

"فليعمل كلّ امرى‏ء منكم، بما يقرّبه من محبّتنا، و يتجنب ما يدنيه من كراهتنا و سخطنا، فإنّ امرنا بغتة فجاءة، حين لا تنفعه توبة، و لا ينجّيه من عقابه ندم على حوبة".

لقد حاول هذا الكتاب، التركيز على المفاهيم الرسالية و الحركية

10

الواعية، التي تثيرها ثقافة العلامات، فقدم تصورات عامة حول رايات الكفر و الضلال، مسلطا الأضواء على دورها الخطير في مواجهة الصحوة الإسلامية الأصيلة في عصر الظهور، ليكون المسلمون على بينة من أمرها، و حذر مسبق من فتنها و شراك مؤامراتها. كما تعرض للحديث مفصلا، حول رايات الهدى، و دورها في مواجهة مخططات الكفر، و إحباط مؤامرات أئمة الضلال، بزعامة قياداتها الإلهية، التي جعلها الله حجة على الأمة في عصر الظهور.

اللّهم نسألك و ندعوك، أن تظهر كلمتك التامة، و مغيّبك الذي في أرضك، الخائف المرتقب، و المنتظر لأمرك، اللهم انصره نصرا عزيزا، و افتح له فتحا يسيرا، و اجعلنا من انصاره و المقاتلين بين يديه، و المستشهدين تحت عينيه، صلواتك عليه و على آبائه الطيبين الطاهرين.

لبنان-بيروت‏

يوم الجمعة 11 ربيع الأول 1420 ه

11

وقفات تمهيدية

12

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

13

وقفات تمهيدية

أهداف ثقافة العلامات‏

إذا كانت الدراسات الاسلامية، تنطلق دائما من منطلقات رسالية، لتربية الفرد و المجتمع، بمفاهيم الاسلام و قيمه، بهدف تحصين الامة بالوعي الديني، لابعادها عن مخاطر الانحراف، في مختلف ميادين الحياة، فإن ثقافة علامات الظهور تكون في طليعة الفكر الاسلامي التربوي الهادف، باعتبارها تمثل في نصوصها الغيبية لافتات تحذير إلهية، تشير الى مناهج الضلال و رموزه و راياته، كما انها في الوقت ذاته ترسم في كل عصر، معالم الطريق الالهية المؤدية الى خط الهدى، و هذا الدور الإيجابي للعلامات، يؤكده المعنى اللغوي و الإصطلاحي لها، فهي في اللغة: الأثر الذي يعلم به الشي‏ء، أو ما ينصب على الطريق من إشارات ليهتدي بها السائرون، و منه قوله تعالى: "وَ عَلاََمََاتٍ وَ بِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ" (1) ، و في الاصطلاح، كل حدث دل الخبر الغيبي على وقوعه في المستقبل، باعتباره من دلائل قرب ظهور الإمام المنتظر (ع) .

و في هذا الاطار، حدد الامام الصادق (ع) ، مكانة علامات الظهور في الثقافة الاسلامية، حيث قال: "ان قدام المهدي علامات، تكون من الله عز و جل للمؤمنين" (2) ، فالعلامات دلائل غيبية كلها من الله تعالى، و لم يكن لرسول الله صلّى اللّه عليه و سلّم دور فيها، الا بمقدار تبليغها للامة، و هي دلائل

____________

(1) النحل/16.

(2) كمال الدين/649.

14

وضعها الله تعالى لهداية المؤمنين، الى طريق الحق، عبر عصور الانحراف، التي يقصى فيها الدين عن ميادين الحياة، و نلاحظ من خلال التأمل بمضامينها انها تستهدف أمرين:

الاول: تحذير الأمة و تنبيهها، إلى كل ما يواجهها في المستقبل، من رايات ضلال، و انحرافات، عقائدية و سياسية و اجتماعية و اخلاقية قبل الظهور.

الثاني: البشارة بخروج رايات تدعو الى الحق، و تجاهد في سبيله قبل الظهور، مع التأكيد على وجوب الالتفاف حولها و نصرتها.

و هذا ما يؤكد ان ثقافة العلامات ببعديها التربويين، لا تختلف في اهدافها الالهية، عن أي نوع من انواع الثقافات الاسلامية الاخرى الا في منهجها و ميدان عملها.

خطورة تجاهل العلامات‏

ذكرنا آنفا ان لثقافة العلامات بعدين تربويين، بعد تحذيري يستهدف تسليط الاضواء على رايات الضلال، و جميع الانحرافات و المؤمرات التي تواجه الامة قبل الظهور، و من امثلة روايات هذا النوع من اخبار العلامات، حديث الامام الباقر (ع) مع بريد قال: "يا بريد اتق جمع الاصهب، قلت: و ما الأصهب؟قال: الأبقع، قلت: و ما الأبقع؟قال: الأبرص، و اتق السفياني، و اتق الشريدين من ولد فلان، يأتيان مكة يقسمان بها الاموال، يتشبهان بالقائم، و اتق الشذاذ من آل محمد" (1) .

و لثقافة العلامات بعد آخر يبشّر الامة بظهور رايات هدى، تدعو الى الحق و الى صراط مستقيم قبل الظهور، و من امثلة هذا النوع رواية عن الامام الكاظم (ع) : "[يخرج‏]رجل من قم، يدعو الناس الى الحق، يجتمع معه قوم قلوبهم كزبر الحديد، لا تزلّهم الرياح العواصف، لا يملون من الحرب و لا يجبنون، و على الله يتوكلون، و العاقبة للمتقين" (2) . و رواية

____________

(1) البحار 52/269.

(2) البحار 60/216.

15

عن الامام الصادق (ع) حول اليماني قال: "و اذا خرج اليماني فانهض اليه، فإن رايته راية هدى، و لا يحل لمسلم ان يلتوي عليه، فمن فعل ذلك فهو من اهل النار، لأنه يدعو الى الحق، و الى طريق مستقيم" (1) .

و في اطار هذين البعدين، تمتد الآثار التربوية لثقافة العلامات، في تاريخ الامة منذ وفاة رسول الله صلّى اللّه عليه و سلّم حتى ظهور ولده الامام المهدي (ع) ، و هو ما يفسر لنا اهتمام اهل البيت بها، و كثرة صدورها و استفاضتها عنهم، باعتبارها معلما فكريا مهما في منهج الاسلام التربوي، لتحصين الامة من عوامل الضلال و الانحراف، و توجيهها الى طريق الحق و الهدى، في عصور غياب الاسلام الاصيل عن قيادة الحياة، و لهذا دعى الاسلام الى ضرورة معرفة علامات الظهور، المعنية بوصف احداث المستقبل، قبل أن يتورط المسلم بحوادثها و عواملها الانحرافية على أرض الواقع.

ففي الحديث النبوي: "هذه فتن قد اطلّت كجباه البقر، يهلك فيها اكثر الناس، الا من كان يعرفها قبل ذلك" (2) .

و في حديث الامام الصادق (ع) ، لهشام بن سالم، حول الصيحة من السماء قال: "هما صيحتان‏[صيحة]في اوّل الليل، و صيحة في آخر الليلة الثانية فقلت: كيف ذلك؟فقال: واحدة من السماء، و واحدة من ابليس فقلت: كيف نعرف هذه من هذه؟فقال: يعرفها من كان سمع بها قبل ان تكون" (3) .

و سأل زرارة الامام الصادق (ع) عن الصيحة و من يعرف الصادق من الكاذب؟فقال: "يعرفه الذين كانوا يروون حديثنا، و يقولون انه يكون قبل ان يكون، و يعلمون انهم هم المحقّون الصادقون" (4) .

فهذه الاحاديث لا تقتصر على توجيه المسلم، الى ضرورة معرفة ثقافة العلامات قبل زمان وقوعها، بل تؤكد ايضا على العلماء و الفقهاء وجوب دراستها دراسة علمية، من خلال التحقيق في أسانيدها و مضامينها،

____________

(1) البحار 52/230.

(2) عقد الدرر/333.

(3) الغيبة للنعماني/265.

(4) الغيبة للنعماني/264.

16

ليكونوا على وضوح و يقين من امرها و حقيقتها، لتحديد الموقف الصحيح للناس منها قبل وقوعها، باعتبارها من الحوادث الطارئة و المستجدة في حياتهم، و التي توجب تكليفا شرعيا مستجدا عليهم، فهي مشمولة بكلام المعصوم"و اما الحوادث الواقعة-أي المستجدة عليكم-فارجعوا فيها الى رواة حديثنا فانهم حجّتي عليكم و انا حجّة الله عليهم" (1) .

لقد استفاضت الاخبار و بطرق عديدة، حول خروج رايات ضلال كثيرة قبل الظهور، و من هذه الاخبار، ما جاء عن الامام الصادق (ع) انه قال:

"لترفعن اثنتا عشرة راية مشتبهة، لا يعرف أي من أي" (2) و في رواية عن الإمام الباقر (ع) قال: "لا يخرج القائم، حتى يخرج قبله إثنا عشر من بني هاشم، كلهم يدعو الى نفسه" (3) و منها رواية الباقر (ع) لتلميذه بريد"يا بريد اتق جمع الاصهب، قلت: و ما الاصهب؟، قال الابقع، قلت: و ما الابقع؟، قال: الابرص، و اتق السفياني، و اتق الشريدين من ولد فلان، يأتيان مكة يقسمان بها الاموال، يتشبهان بالقائم، و اتق الشذاذ من آل محمد" (4) .

و هنا نسأل القائلين بعدم جدوى دراسة و معرفة العلامات قبل وقوعها كيف لنا ان نتجنب السقوط أو الانخراط، في تيارات اصحاب هذه الرايات الضالة و المنحرفة، التي ذكرها الأئمة عليهم السلام في هذه الاحاديث و كيف نميّز بينها و بين رايات الهدى المعاصرة لها؟و من ثمّ كيف نفرّق بينها و بين راية الامام المنتظر (ع) ، اذا لم نستوعب اوصافها و دلائلها و اسماء قادتها، و الظروف التاريخية لظهورها و اهدافها و مبادئها، و غير ذلك من الامور التي تكشف حقيقتها، مما هو من اختصاص ثقافة العلامات.

إنّ تجاهل دور العلامات في تحصين الامة من مخططات الكفر و الضلال، يشارك في تمرير ما يواجهها من مؤامرات خطيرة داخلية و خارجية، طالما حذّر اهل البيت من خطورة التورط بها في اخبار

____________

(1) البحار 53/180.

(2) الغيبة للنعماني/151.

(3) الغيبة للطوس 267.

(4) البحار 52/269.

17

العلامات، و الواقع أنه لو لا الجهل بهذه العلامات، لم ينجح دعاة المهدويّة المزيفين، و طلاب الرئاسة المتسترين بالدين، في كسب الدعاة و الأنصار على إمتداد التاريخ.

إن محاولة تجهيل الامة بأهمية ثقافة العلامات، و أثرها في بثّ روح الامل في نفوس المنتظرين، و عدم الالتفات الى دورها في تحصين حركة الانتظار من الانحرافات، ، محاولة خطيرة تستهدف نسف مفهوم الانتظار، من خلال الإطاحة بأهم ركائزه و مقوماته الموضوعية المتجسدة بمعرفة العلامات، كما أوضحنا ذلك في ضوء معناها اللغوي و الإصطلاحي، فاذا تجاهلنا دور معرفة العلامات في حركة الانتظار التغييرية في الامة، نكون أفرغنا مفهوم الإنتظار من معطياته التربوية، و اذا لم يكن للعلامات أي دور ايجابي في حياتنا الايمانية و السياسية و الجهادية في عصور الانتظار الغيبية، فإن اهداف القرآن و أهداف الرسول صلّى اللّه عليه و سلّم و اهل بيته من طرحها، في الآف النصوص الغيبية التي تكشف حوادث المستقبل تبقى سؤالا بحاجة إلى جواب.

و بهذا البيان و التساؤلات نختم الكلام عن خطورة تجاهل ثقافة العلامات، و في ضوئه يسقط من ميزان العلم و الاعتبار، الادعاء الذي وصف هذا اللون من الفكر و الثقافة الاسلامية، بالعلم الذي لا ينفع من علمه و لا يضر من جهله.

الانتظار على خطى العلامات‏

الانتظار لغة يعني: الترقب و التوقع، و هذا ما تعنيه-ايضا-الروايات الداعية الى انتظار الامام المهدي (ع) ، أي انها تدعو الى ترقب ظهوره في كل وقت، و توقع حضوره في كل يوم.

و الانتظار لأي امر كان، يتطلب استعدادا و تهيؤا عمليا للامر المنتظر، فقد ينتظر الانسان قدوم اوّل مولود له، بعد عشرين سنة زاوجا، قضاها مع زوجته بين الاطباء و المختبرات و المستشفيات، ساعيا لعلاج الاسباب المانعة من حصول الحمل... و قد تنتظر الزوجة المنكوبة قدوم زوجها الحبيب من السجن، بعد ما عاش-مثلا-ثلاثين سنة، بعيدا عنها

18

بتهمة ملفقة عليه، و هو بري‏ء منها... و قد ينتظر الابن الاكبر قدوم والده من السفر، بعد ما تركه طفلا صغيرا، و هاجر للعمل خارج البلاد، منذ اكثر من عشرين سنة.

و كل نوع من انواع الانتظار، يتطلب استعدادا نفسيا و فكريا و روحيا معينا، و تحضيرا اجتماعيا و عمليا من المنتظرين، بحسب اهمية و خطورة الامر الذي ينتظرون وقوعه و قدومه.

فالانتظار بالرغم من اعتباره حالة نفسية، فإنه بطبيعته لا يمكن أن ينفصل عن الحركة و العمل، و السعي الدائم الدّؤوب لاستقبال الامل المنتظر، و من هذا المنطلق عبرت بعض الروايات عن انتظار الإمام المهدي (ع) بالعمل، كما في الحديث النبوي: "افضل اعمال امتي انتظار الفرج" (1) و في حديث آخر اعتبر النبي صلّى اللّه عليه و سلّم العمل في خط الانتظار من افضل انواع العبادات الاسلامية على الاطلاق فقال: "افضل العبادة انتظار الفرج" (2) .

و لا شك إن الانتظار يتطلب مزيدا من تربية الملكات الاخلاقية و الايمانية، و الجهادية، التي تؤهل المنتظرين لاستقبال قائدهم المنتظر (ع) مما يجعله أفضل العبادات على الإطلاق، لأنه يدعو إلى الإلتزام بجميع التكاليف.

و لقد حاول أهل البيت دائما، التركيز في رواياتهم على المفهوم العملي و الحركي و التغييري للانتظار، لتوجيه المؤمنين المنتظرين، نحو ابعاده الايمانية و السياسية و الجهادية، في حركة الدعوة الى الله و هداية الناس من الظلمات الى النور، و مواجهة الظالمين و المستكبرين، في خط الانتظار الايجابي المثمر، تمهيدا و استعدادا و تحضيرا لظهور القائد المنتظر (ع) .

و لنستضى‏ء بقبسات من انوار اهل البيت في هذا الاتجاه: يقول الامام الصادق (ع) : "من سره ان يكون من اصحاب القائم، فلينتظر

____________

(1) كمال الدين/644.

(2) كمال الدين/287.

غ

19

و ليعمل بالورع و محاسن الاخلاق، و هو منتظر، فان مات و قام القائم بعده، كان له من الاجر مثل اجر من ادركه" (1) .

و عن الجعفي انه قال: قال لي ابو جعفر محمد بن علي (ع) "كم الرباط عندكم؟قلت: اربعون، قال (ع) : لكن رباطنا رباط الدهر، و من ارتبط فينا دابّة كان له وزنها، و وزن وزنها ما كانت عنده، و من ارتبط فينا سلاحا، كان له وزنه ما كان عنده، لا تجزعوا من مرّة و لا من مرتين، و لا من ثلاث و لا من اربع... " (2) .

و معنى الحديث: انه اذا كان المقاتل من جنود السلطان الظالم، يرابط في مواجهة الاعداء على الثغور في حدود الدولة، اربعين يوما، فرباطنا-و الكلام للامام-نحن و شيعتنا في مواجهة اعدائنا دائم، لا يتوقف على امتداد حكومات الظلم و دول الجور في التاريخ، حتى يظهر الله ولينا الاعظم الامام المنتظر (ع) . فالانتظار حركة تغييرية داخل النفس، نحو العمل بالورع و التقوى و محاسن الاخلاق، و هو ايضا حركة جهادية في الحياة الاجتماعية و السياسية، على خط المرابطة على ثغور الاعداء، لنيل الشهادة او الانتصار على الظالمين من طواغيت الارض، تمهيدا لظهور المصلح المنتظر.

و بهذه الابعاد التربوية و الجهادية في النفس و الامة، يرتقي مفهوم الانتظار الى افضل العبادات في الاسلام. كما يشير إلى ذلك حديث الامام زين العابدين (ع) ، لابي خالد الكابلي حيث قال له: "يا ابا خالد ان اهل زمان غيبته، القائلين بامامته، و المنتظرين لظهوره، افضل من اهل كل زمان، لان الله اعطاهم من العقول و الافهام و المعرفة، ما صارت به الغيبة عندهم بمنزلة المشاهدة، و جعلهم في ذلك الزمان بمنزلة المجاهدين بين يدي رسول الله بالسيف، اولئك المخلصون حقا، و شيعتنا صدقا، و الدعاة الى دين الله عز و جل سرا و جهرا" (3) .

____________

(1) البحار 52/140.

(2) روضة الكافي/381.

(3) كمال الدين/320.

20

إن المنتظرين جماعة من المجاهدين، المميزين المقربين عند الله، على امتداد التاريخ فهم"افضل من اهل كل زمان"لأنهم احسنوا قيادة حركة الانتظار التغييرية، بكل ابعادها الايمانية و الجهادية، في هداية الناس من الظلمات الى النور، و مواجهة الظالمين و احباط مؤامراتهم على الدين و الامة، و بذلك نالوا أعلى درجات العبادة في الاسلام على الاطلاق، و هؤلاء هم المعنيون في الحديث النبوي"انه سيكون في آخر هذه الامة، قوم لهم مثل اجر اولهم، يأمرون بالمعروف، و ينهون عن المنكر، و يقاتلون اهل الفتن" (1) .

إن من اهم المعطيات الايجابية للانتظار، ذلك الامل الكبير بقرب ظهور الامام المنتظر (ع) ، الذي تفجره في النفس و المجتمع، مفاهيم ثقافة علامات الظهور، و تحوله الى طاقات تغييرية ايمانية و جهادية في حياة الامة، و هي تسعى لتحقيق طموحاتها و تطلعاتها السامية، استعداد لليوم الموعود، و هو ما يؤكد مرة ثانية أهمية ثقافة العلامات، و ضرورة الإطلاع عليها قبل وقوعها.

العلامات تهدي إلى الحق‏

غطى الاسلام في اخباره الغيبية، جميع الاحداث و الفتن التي ستواجه الامة، منذ وفاة رسول الله صلّى اللّه عليه و سلّم حتى قيام الساعة، و بهذا الصدد كان الامام علي (ع) يقول"إسألوني قبل أن تفقدوني، فو الّذي نفسي بيده، لا تسألوني عن شي‏ء فيما بينكم و بين الساعة، و لا عن فئة تهدي مئة و تضلّ مئة، إلاّ أنباتكم بناعقها و قائدها و سائقها و مناخ ركابها و محطّ رحالها، و من يقتل من أهلها، و من يموت منهم موتا" (2) ثم قال: "إنّ الّذي أنبئكم به عن النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم الأميّ، ما كذب المبلّغ و لا جهل السّامع" (3) .

و روي عن حذيفة بن اليمان انه قال: "و الله ما ادري انسي أصحابي أم تناسوا؟و الله ما ترك رسول الله صلّى اللّه عليه و سلّم من قائد فتنة، إلى أن تنقضي

____________

(1) دلائل النبوة 6/513.

(2) نهج البلاغة (صبحي الصالح) 137 خطبة 93.

(3) نهج البلاغة (صبحي الصالح) 137 خطبة 101.

21

الدّنيا، يبلغ من معه ثلثماءة فصاعدا، الا قد سماه لنا باسم ابيه و أسم قبيلته" (1) .

و من مجموع هذه النصوص، نكتشف ان الاسلام يستهدف من الثقافة الغيبية، محاولة محاصرة رايات الضلال، و تطويق حركة الشيطان و جنوده داخل المجتمع الاسلامي، و توجيه الامة دائما الى رايات الحق و الهدى، في عصور الفتنة و مراحل الانتظار، و هو ما يؤكد ضرورة الانفتاح على ثقافة هذه الاخبار الغيبية، و يكشف عن أهمية دورها التربوي، في تحصين الامة من عوامل الانحراف، و اهميتها في القاء الحجة على الناس، ليميزوا الحق من الباطل، و الهدى من الضلال، في عصور الغيبية و الانتظار"لئلا يكون للناس على الله حجّة بعد الرسل" (2) و حتى لا يترك لهم مجال للقول، إن الله لم يحذرنا من هذه الفتن الخطيرة، و لم يرسم لنا طريق النجاة منها، و لذلك فإن الله تعالى اكمل حجّته على الناس جميعا، و لم يترك مجالا لهم "ليهلك من هلك عن بيّنة و يحي من حيّ عن بيّنة" (3) .

و يلاحظ من خلال الاخبار الغيبية، انها دائما تسلّط الاضواء على راية الحقّ، و تجعلها منطلقا للحكم بالهدى و الضلال، على الرايات المعاصرة لها، في كل ما اخبرت به، من فتن و احداث و صراعات سوف تواجه الامة منذ وفاة رسول الله صلّى اللّه عليه و سلّم حتى قيام الساعة، و لنضرب مثالا على ذلك بثلاث فتن: فتنة الخلافة، و فتنة الفرقة و الاختلاف في الامة، و فتنة عصر الظهور.

فتنة الخلافة

في قضية الخلافة، حذّر النبي صلّى اللّه عليه و سلّم اصحابه من التآمر عليها، و الغدر بصاحبها الشرعي من بعده فقال: "كيف أنتم و أئمّة من بعدي يستأثرون بهذا الفي‏ء" (4) و قال"إنّكم ستحرصون على الإمارة، و ستكون ندامة يوم

____________

(1) سنن أبي داود 2/411.

(2) النساء/165.

(3) الأنفال/42.

(4) سنن أبي داود 2/542/كتاب السنة.

22

القيامة" (1) و قال"إنّي و الله ما أخاف عليكم أن تشركوا بعدي، و لكن أخاف أن تنافسوا فيها" (2) و قال: "يرد عليّ يوم القيامة رهط من أصحابي فيحلّون عن الحوض، فأقول يا ربّ أصحابي فيقال: إنّك لا علم لك بما أحدثوا بعدك، أنّهم ارتدّوا على أدبارهم القهقرى" (3) ، و في رواية انه صلّى اللّه عليه و آله، زار شهداء أحد هو و ابو بكر ثم قال: "هؤلاء أشهد عليهم"فقال ابو بكر: ألسنا يا رسول الله اخوانهم، اسلمنا كما أسلموا، و جاهدنا كما جاهدوا؟فقال رسول الله صلّى اللّه عليه و سلّم"بلى و لكن لا أدري ما تحدثون بعدي" (4) .

و في رواية قال: "بينا أنا قائم إذا زمرة، حتّى إذا عرفتهم، خرج رجل من بيني و بينهم فقال: هلمّ فقلت أين؟قال: إلى النّار و الله!قلت و ما شأنهم، قال: إنّهم ارتدّوا بعدك على أدبارهم القهقرى، ثم إذا زمرة حتّى إذا عرفتهم، خرج رجل من بيني و بينهم فقال: هلمّ قلت أين؟قال:

الى النّار و الله، قلت و ما شأنهم، قال إنّهم ارتدّوا بعدك على ادبارهم القهقرى، فلا أراه يخلص منهم الا مثل همل النعم" (5) .

و هذا الرجل المذكور في حديث البخاري، الذي يقف على الحوض، و يحول بين النبي صلّى اللّه عليه و سلّم و اصحابه يوم القيامة، و يطردهم عن الحوض و يقودهم بنفسه الى النار، فلا يبقي منهم الا مثل همل النعم هو-كما سيرد في الروايات التالية-علي بن ابي طالب (ع) صاحب الحق المغتصب، المغدور به من قبل مجتمع الصحابة، و قد اخبره النبي صلّى اللّه عليه و سلّم مسبقا بغدرهم له و اغتصابهم لمنصبه، يوم قال له"إنّ الامّة ستغدر بك بعدي" (6) و همل النعم هنا، هو العدد القليل من الابل، كناية عن العدد القليل من الصحابة، الذين ثبتوا على القول بامامته و اعتصموا في بيته للمطالبة بخلافته.

____________

(1) مصابيح السنة 2/5/كتاب الإمارة.

(2) صحيح البخاري 4/240/علامات النبوة.

(3) صحيح البخاري 8/150/باب الحوض.

(4) موطأ مالك 1/307.

(5) صحيح البخاري 8/151 باب الحوض.

(6) كنز العمال 11/297 طبع حيدر آباد.

23

و الاخبار متواترة في ان عليا اوّل من يرد على الحوض يوم القيامة، و يكون بين يدي رسول الله صلّى اللّه عليه و سلّم يسقي المؤمنين منه و يحرسه و يمنع المنافقين و المرتدين من الوصول اليه، و هذه بعضها عن رسول الله صلّى اللّه عليه و سلّم حيث قال:

"أوّلكم ورودا على الحوض، أوّلكم إسلاما عليّ بن أبي طالب" (1) و قال ايضا"إنّ أوّل هذه الأمّة ورودا على نبيّها أوّلها اسلاما عليّ بن أبي طالب " (2) و قال ايضا"يا عليّ معك يوم القيامة عصا من عصيّ الجنّة، تذود بها المنافقين عن حوضي" (3) و قال له النبي صلّى اللّه عليه و سلّم"و كأنّي بك و أنت على حوضي تذود عنه النّاس، و انّ عليه الأباريق مثل عدد نجوم السّماء" (4) و قال له ايضا"انت أمامي يوم القيامة، فيدفع إليّ لواء الحمد، فادفعه إليك، و انت تذود النّاس عن حوضي" (5) و قال ايضا"عليّ بن أبي طالب (ع) صاحب حوضي يوم القيامة" (6) و روي عن علي (ع) انه قال: "أنا أذود عن حوض رسول الله صلّى اللّه عليه و سلّم بيديّ هاتين القصيرتين الكفار و المنافقين، كما تذود السّقاة غريبة الإبل عن حياضهم" (7) .

ان اخبار الحوض الخاصة بعلي (ع) ، كلها في مقام الايضاح و البيان، لما جاء مجملا عن رسول الله صلّى اللّه عليه و سلّم في حديث البخاري، حول الرجل الذي يخرج يوم القيامة فيدفع اكثر الصحابة عن الحوض، و لا يسمح الا للقليل منهم في الوصول اليه، و حينما يسأله رسول الله صلّى اللّه عليه و سلّم مستغربا فعله يجيبه:

"إنّك لا علم لك بما أحدثوا بعدك، إنّهم ارتدّوا على أدبارهم القهقرى" (8) .

و هل يشك احد في ان هذا الرجل هو صاحب الخلافة المغتصبة،

____________

(1) مجمع الزوائد 9/32 و قال رجاله ثقات.

(2) المصدر السابق.

(3) مجمع الزوائد 9/173.

(4) المصدر السابق.

(5) كنز العمال 6/400 طبع حيدر آباد.

(6) مجمع الزوائد 10/367.

(7) مجمع الزوائد 9/135.

(8) صحيح البخاري 8/150 باب الحوض.

24

المغدور به من الامة، و هو نفسه حامل لواء الحمد بين يدي رسول الله صلّى اللّه عليه و سلّم، و حارس حوضه و حاميه من المنافقين و المرتدين يوم القيامة.

فتنة الفرقة و الاختلاف في الامة

لا شك ان فتنة الصراع على الخلافة، هي التي هيأت الارضية الملائمة لتورط الامة، بفتنة الاختلاف السياسي و الفرقة المذهبية، و مما لا شك فيه ان رجالا من قريش، و في طليعتهم بني امية و من بعدهم بني العباس، هم ابرز أئمة الضلال في الفتنتين، و هؤلاء و من كان على نهجهم، هم. المعنيون في هذه الاحاديث النبوية"فساد أمتّي على يد غلمة سفهاء من قريش" (1) و في حديث قال: "يهلك أمّتي هذا الحيّ من قريش" (2) و يروى ان رسول الله صلّى اللّه عليه و سلّم وقف ذات مرة خطيبا فأشار نحو مسكن عائشة و هو يقول: "ها هنا الفتنة ها هنا الفتنة، من حيث يطلع قرن الشّيطان" (3) و قال ايضا: "اوّل من يبدّل سنّتي رجل من بني أميّة" (4) و قال ايضا"أخوف الفتن عندي عليكم فتنة بني أميّة، ألا إنّها فتنة عمياء مظلمة" (5) و قال في بني العباس"مالي و لبني العبّاس، شيّعوا أمتّي و سفكوا دماءها، و ألبسوها ثياب السّواد، ألبسهم الله ثياب النّار" (6) و قال "ويل لأمتّي من الشّيعتين، شيعة بني أميّة، و شيعة بني العبّاس، راية الضلالة" (7) .

و لو لا هؤلاء الرهط من ائمة الضلال في قريش، لم تعرف الامة للفرقة و الاختلاف من وجود في حياتها و دينها و تاريخها، لكنها مع الاسف منيت بهذه الشرذمة من طلاب الرئاسة و عبيد الدنيا، فمزقوها شر ممزق

____________

(1) مستدر الصحيحين 4/470 قال صحيح و وافقه الذهبي.

(2) صحيح البخاري 5/242 و كذلك صحيح مسلم 4/2236.

(3) فتح الباري في شرح صحيح البخاري 6 حديث 3104.

(4) كنز العمال 11 حديث 310629.

(5) كنز العمال 11/365 طبع حيدر آباد.

(6) مجمع الزوائد 5/344.

(7) الفتن لنعيم بن حماد/118.

25

و تركوها لقمة سائغة للغزاة الطامعين، الذين قطعوا اوصالها و زادوا من تفرقها و اختلافاتها، حتى ضاهت اليهود و النصارى في الفرقة و الاختلاف، و هذا هو الذي تنبأ به رسول الله صلّى اللّه عليه و سلّم سلفا يوم قال لصحابته"تفترق أمتّي على ثلاث و سبعين فرقة، كلّهنّ في النّار، إلا واحدة قالوا: و ما تلك الفرقة ؟قال: ما أنا عليه اليوم و أصحابي" (1) .

و اذا شئت التعرف إلى الفرقة الناجية و امام الحق فيها، عليك ان تتعرف إلى ما كان عليه رسول الله صلّى اللّه عليه و سلّم و صحابته، من دين اصيل يميزون به الخبيث من الطيب، و المؤمن من المنافق في الامة، حينئذ تعلم ان عليا (ع) كان وحده من بين الصحابة في عصر النبوة، نبراسا يهتدي به المسلمون، لمعرفة المؤمن الاصيل من المنافق الدخيل في المجتمع الاسلامي، و قد شهد بهذه الحقيقة التاريخية القرآن الكريم، و استفاضت الروايات بكثرة طرقها عن الصحابة في التأكيد على حقيقتها و واقعيتها:

ففي تفسير الاية الخاصة بالمنافقين في قوله تعالى: "و لتعرفنّهم في لحن القول و الله يعلم اعمالكم" (2) قال ابو سعيد الخدري: و لتعرفنّهم في لحن القول، ببغضهم عليّ بن أبي طالب‏ (3) . و قال ابن مسعود: ما كنّا نعرف المنافقين على عهد رسول الله صلّى اللّه عليه و سلّم، إلاّ ببغضهم عليّ بن أبي طالب " (4) و قال ابن عباس: كنّا نعرف المنافقين، على عهد رسول الله صلّى اللّه عليه و سلّم، ببغضهم لعليّ بن أبي طالب‏ (5) ، و قال جابر الانصاري: ما كنّا نعرف المنافقين، إلاّ ببغض عليّ بن أبي طالب‏ (6) ، و قال ابو ذر: "ما كنّا نعرف المنافقين، إلاّ بتكذيبهم الله و رسوله، و التّخلّف عن الصّلوات، و البغض لعليّ بن أبي طالب‏ (6) .

و جاء عمران بن حصين يعود فاطمة، و كانت مريضة، فسمع رسول

____________

(1) كنز العمال 11 حديث 31190.

(2) محمد/30.

(3) تفسير الدر المنثور 7/504.

(4) المصدر السابق.

(5) المصدر السابق.

(6) المصدر السابق.

26

الله صلّى اللّه عليه و سلّم يقول لها"لقد زوّجتك سيّدا في الدّنيا، و سيّدا في الآخرة، لا يبغضه إلاّ منافق" (1) و اخرج مسلم في صحيحه عن علي (ع) أنه قال:

"و الّذي فلق الحبّة و برأ النّسمة، إنّه لعهد النّبيّ ألامّيّ إليّ، أن لا يحبّني إلاّ مؤمن، و لا يبغضني إلاّ منافق" (2) و عن ام سلمة قالت: كان رسول الله صلّى اللّه عليه و سلّم يقول: "لا يحبّ عليا منافق و لا يبغضه مؤمن" (3) .

و كان حساد علي (ع) و مناوئوه، يحتاطون في اظهار بغضهم و حسدهم له في عصر النبوة، و كان المؤمنون يعرفونهم بلحن القول، و هو صرف معنى الخطاب عن ظاهره الى تعريض و فحوى، و لكنهم بعد وفاة النبي صلّى اللّه عليه و سلّم اعلنوا عداءهم له بشكل مفضوح سافر، من دون خوف او خجل، و من دون ان يصدهم احد عن ذلك، حتى اغاظت هذه الوقاحة خواص الصحابة، الذين لم يغيروا و لم يبدلوا امثال حذيفة بن اليمان و هو القائل:

"إنّما كان النّفاق على عهد النّبيّ، فأمّا اليوم فإنّما هو الكفر بعد الإيمان" (4) و قال ايضا"إنّ المنافقين اليوم شرّ منهم على عهد النّبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم، كانوا يومئذ يسرّون و اليوم يجهرون" (5) .

ان مجتمعا لا يحتل علي (ع) صدارته، و ليس له فيه مقام القداسة و العظمة، التي يهابها المنافقون و مرضى القلوب في الامة، لا يمكن ان يكون الا لقمة للمنافقين و مرتعا للمتآمرين على الرسالة و الامة، و هذا هو الفرق الكبير بين دين محمد صلّى اللّه عليه و سلّم و صحابته، و بين الدين الذي آلت اليه الامة من بعده، حينما تخلت عن سنته و تجاهلت مقام وصيّه و خليفته، الذي كان نبراسا لمعرفة الهدى من الضلال و الحق من الباطل و الإيمان من النفاق.

كان النبي صلّى اللّه عليه و سلّم يدرك كل هذه الاحداث المريرة التي ستواجه الامة من بعده، و لكن ليس عليه الا البلاغ المبين، و ان يلقي الحجة على الجميع،

____________

(1) مستدر الصحيحين 3/129.

(2) صحيح مسلم/كتاب الإمارة.

(3) مسند الامام احمد 6/292.

(4) صحيح البخاري/كتاب الفتن.

(5) المصدر السابق.

غ

27

أليس هو القائل: "تفترق هذه الامّة على ثلاث و سبعين فرقة، شرّها من ينتحل حبّنا و يفارق أمرنا" (1) .

ألم يكن هذا الحديث كافيا لوصف الفرق التي تدين بالحب لأهل البيت، و لا ترى لهم حقا في قيادة الامة و امامتها و خلافتها، أو ليس رسول الله صلّى اللّه عليه و سلّم هو القائل لعمار بن ياسر"يا عمّار بن ياسر إن رأيت عليّا قد سلك واديا، و سلك النّاس واديا غيره، فاسلك مع عليّ فإنّه لن يدليك في سدى، و لن يخرجك من هدى" (2) ثم توجه الى صحابته كلهم، حتى لا يظنوا ان هذا الخطاب تكليف خاص لعمار، و ليس لهم جميعا فقال لهم: "سيكون بعدي فتنة، فإذا كان ذلك فالزموا عليّ بن أبي طالب، فإنّه أوّل من يراني، و أوّل من يصافحني يوم القيامة، و هو الصّديق الاكبر، و هو فاروق هذه الامّة، يفرّق بين الحقّ و الباطل، و هو يعسوب الدّين" (3) و قال لهم ايضا: "تكون بين النّاس فرقة و اختلاف، يكون هذا و أصحابه على الحقّ" (4) و اشار الى علي (ع) .

ناهيك عن حديث الثقلين الذي قال لهم فيه"إنّي تارك فيكم الثّقلين- أو خليفتين-كتاب الله و عترتي أهل بيتي، ما إن تمسّكتم بهما لن تضلّوا بعدي أبدا" (5) .

و لم يقف رسول الله صلّى اللّه عليه و سلّم عند هذا الحد، في تحديد هوية راية الحق و الهدى، و التعريف بإمامها و قائدها، و الثناء على اتباعها، في فتنة الفرقة و الاختلاف، بل اعطى اوصافا تفصيلية عن فرق الضلال، تحدد منهجها الفكري في التعامل مع الدين، و طريقة تعاطيها مع فقه الشريعة و امور الحياة، و كل ذلك روي عنه بروايات صحيحة، لم يختلف اثنان في صدورها عنه، منها قوله صلّى اللّه عليه و سلّم: "ستفترق أمّتي على بضع و سبعين فرقة، أعظمها فرقة، قوم يقيسون الأمور برأيهم، فيحرّمون الحلال و يحلّلون

____________

(1) كنز العمال 1 حديث 1638.

(2) تاريخ بغداد 13/186.

(3) أسد الغابة 5/287/الإصابة في معرفة الصحابة 7/167/الإستيعاب 2/657.

(4) كنز العمال 6/157 طبع حيدرآباد.

(5) روى حديث الثقلين أكثر من عشرين صحابيا.

28

الحرام" (1) ، و في لفظ قال"ليس فيها فرقة أضرّ على امّتي، من قوم يقيسون الدّين برأيهم" (2) و في رواية قال"أعظمها فتنة على أمّتي، قوم يقيسون الأمور برأيهم" (3) .

فتنة عصر الظهور

عصر الظهور هو بداية عصر تحقق العلامات الحتمية الكبرى، و يبدأ بقيام دولة الموطئين للمهدي (ع) في بلاد ايران، و هي المحور الاساس لملاحم و صراعات و فتن عصر الظهور كلها، و عند قيامها سينقسم العالم الاسلامي، بدوله و احزابه و تياراته الدينية و السياسية، و بعلمائه و مفكريه الى اربع جماعات، تجاه هذه الظاهرة السياسية الجديدة في تاريخ الامة:

"الاولى"تعاديها و تحاربها جهرة و علانية و هم الاكثرية"الثانية" جماعات منافقة تظهر الولاء لها، لكنها في السر حرب لمن والاها، و ولاء صادق مخلص لمن عاداها"الثالثة"جماعة مرضى القلوب في الامة، و هم الذين يبحثون عن مواقع لهم هنا و هناك، فتارة يعادونها و اخرى يوالونها، انطلاقا من مصالحهم و حساباتهم الشخصية"الرابعة"جماعات مؤمنة مخلصة لها، تواليها و تناصرها سرا و علانية، بدون حسابات و هم قلة قليلة متفرقة في الامة، و منهم نجباء مصر، و ابدال الشام، و عصائب العراق، و قوم من كنوز اليمن، و قوم من كنوز ايران، ليسوا من ذهب و لا فضة، بل هم رجال و نساء مؤمنون، و دعاة حق يقومون بأمر الله فينصرون دين الله.

و هذه الحقيقة سيكتشفها القراء بأنفسهم في هذا الكتاب، و سيجدون من خلال مطالعته انه ما من راية من رايات الضلال في عصر الظهور، الا و تقف في الخط المعادي لراية الموطئين، على عكس رايات الهدى الممدوحة في عصر الظهور، فانها كلها تلتقي معها في خط واحد، في مواجهة الطواغيت و الانظمة، المتآمرة على الامة و الرسالة.

____________

(1 و 2 و 3) مستدر الصحيحين 6/430 و كذلك 547/مجمع الزوائد 1/179 و قال رجاله رجال الصحيح/كنز العمال 1 حديث 1052 و حديث 1506 و 1058.

29

و لا يفوتني ان انبه القراء-قبل مطالعة هذا الكتاب-الى ضرورة مطالعة كتاب ثورة الموطئين للمهدي في طبعته الثانية (1) ، لأن اكثر بحوث كتاب"رايات الهدى و الضلال"تتطلب احاطة مسبقة بالمفاهيم و الافكار، و الادلة العلمية التي تناولها كتاب الموطئين.

كلمة جامعة

و هكذا تتجلى لنا مرة اخرى ضرورة الانفتاح على ثقافة المغيبات الاسلامية، بعد التأكد من دورها التربوي و الشرعي، في محاولة تحصين الامة من عوامل الضلال في فتنة الخلافة، و في فتنة الفرقة و الاختلاف، و في فتن عصر الظهور، فهي دائما في كل الفتن، تحاول ان تأخذ بالايدي المؤمنة لتضعها على نهج الحق بيد امام الهدى، لتركب معه في سفينة النجاة، مع الفرقة الناجية من النار، في جميع مراحل الانحراف و الغيبة و الانتظار.

عصر الظهور

هو عصر تحقق و وقوع العلامات الحتمية الكبرى الدالة على قرب الظهور، لكن اكثر هذه العلامات لا تتحقق كلها دفعة واحدة على الارض، بل تحدث على مراحل زمنية متقاربة مترابطة، لأن لكل علامة منها دور مميّز في التخطيط الالهي للظهور. و ان من اهم صفات علامات هذا العصر هو وقوع احداثه متتابعة متلاحقة متعاصرة، بحيث تكون العلامة المتقدمة عاملا مباشر في تحقق ما بعدها من علامات، و لهذا شبهها اهل البيت بالعقد المنفرط بعد انقطاع سلكه، او بنظام الخرز عند انقطاع خيطه، كناية عن ترابطها و اتصالها ببعضها، كما نص على ذلك الامام الباقر (ع) بقوله:

"خروج السّفياني و اليمانيّ و الخراسانيّ في سنة واحدة في شهر واحد، في يوم واحد، و نظام كنظام الخرز، يتبع بعضه بعضا.. " (2) و في سؤال محمد بن الصلت للامام الصادق (ع) قال: ما من علامات بين يدي هذا الامر؟فقال له"بلى هلاك العّباسيّ، و خروج السفياني، و الخسف

____________

(1) طبع دار الوسيلة/بيروت-لبنان/1418 هـ/1997 م

(2) البحار 52/230.

30

بالبيداء"قلت: جعلت فداك اخاف ان يطول هذا الامر؟قال: "إنّما هو كنظام الخرز يتبع بعضه بعضا" (1) .

علامات عصر الظهور

و هناك سؤال يطرح نفسه: كيف نعرف علامات عصر الظهور، و كيف نفرق بينها و بين العلامات الاخرى؟

و الجواب: ان العلماء قسّموا علامات الظهور الى قسمين: بعيدة و قريبة، و هذا التقسيم يلحظ الفاصل الزمني بين وقوع العلامة و تحقق اليوم الموعود، فالعلامات البعيدة تقع قبل الظهور بفاصل زمني طويل جدا، قد يبلغ مئات السنين، و هذا النوع من العلامات كثير، و قد وقع اكثرها ان لم نقل كلها، اما العلامات القريبة، فهي كل علامة متصلة باحداث الظهور دالة على قرب الظهور، و هي المعروفة بعلامات عصر الظهور، و يستدل عليها باحد دليلين:

اما بصدور نص قطعي من المعصوم، يثبت انها من العلامات الحتمية، حينئذ نعلم انها من علامات عصر الظهور، لأن العلامات الحتمية تقع اما قبل الظهور بسنوات قليلة، كخروج الخراساني، او خروج العباسي، و المرواني، و الاصهب و السفياني... او تقع في سنة الظهور كالخسف بالبيداء، و الصيحة من السماء، و قتل النفس الزكية، أو يستدل عليها أيضا من خلال وجود نص قطعي و صريح من المعصوم، على ان هذه العلامة او تلك من العلامات القريبة، كالخبر حول انتقال العلم من الكوفة الى قم، و ان تكون قم حجة في العلم و الدين على العالمين، كما في الرواية عن الصادق (ع) : "فيجعل الله قم و أهله قائمين مقام الحجّة"، و قد صرح الإمام بوقوع هذه العلامة في عصر الظهور بقوله"و ذلك عند قرب ظهور قائمنا" (2) . (3)

____________

(1) الغيبة للنعماني 262.

(2) البحار 60/213.

(3) المصدر السابق.

31

بداية عصر الظهور

يبدأ عصر الظهور بولادة قاعدة ايمانية مجاهدة، تتصدى لحمل الرسالة و قيادة الامة في صراعها الجهادي ضد اعدائها المتآمرين عليها محليا و عالميا، و تكون ولادتها نتيجة طبيعية لحركة الانتظار الجهادية التغييرية، التي وصفها الإمام زين العابدين (ع) لابي خالد الكابلي بقوله:

".. يا أبا خالد.. إنّ أهل زمان غيبته، القائلين بإمامته، و المنتظرين لظهوره، أفضل من أهل كلّ زمان.. لأنّ الله تبارك و تعالى.. جعلهم.. بمنزلة المجاهدين بين يديّ رسول الله صلّى اللّه عليه و سلّم بالسّيف، اولئك المخلصون حقّا، و شيعتنا صدقا، و الدّعاة إلى دين الله عزّ و جلّ سرّا و جهرا" (1) .

إن وجود هذه القاعدة من أهم العوامل الموضوعية و المقدمات السياسية التي تشارك في تعجيل حركة الظهور، فاذا تحققت فعلا على الارض، و شاهدناها بأم اعيننا في ساحة الصراع الحضاري، ضد اعداء الله من الطواغيت و الظالمين، حينئذ نقطع بدخولنا في عصر الظهور، لأنها تشكل منعطفا سياسيا و عقائديا و جهاديا و حضاريا كبيرا في تاريخ الاسلام.

و قد بشرت الروايات بولادة هذه القاعدة الجماهيرية الجهادية، و وصفت جيلها بأنه جيل صلب لا يلين، و لا يقبل الذل و الهوان و المساومة على الحق، تتوزع اقوى واعتى فصائله الثورية المقاتلة، بين ايران و العراق و اليمن و الشام و مصر، ... و هو جيل منفتح لا يعرف العصبية و الانغلاق على الذات، و لا يتعامل مع احداث الواقع و صراعاته من خلال نزعات مذهبية او طائفية او حزبية، او اقليمية ضيقة، بل ينظر اليها بحجم طموحات رسالة محمد صلّى اللّه عليه و سلّم الذي أرسله الله رحمة للعالمين، و على سعة العالم الاسلامي و على امتداد صرخات المستضعفين في الارض.. و هو الجيل المنقذ للامة، من كل ما تعانيه من خطوب و مأس، لأنه مصدر عطاء و كرامات و فيوضات للانسانية كلها. و هذا الجيل هو القاعدة الموعودة المعنية في الحديث النبوي"سيكون في آخر هذه الامّة قوم لهم أجر مثل اجر أوّلهم، يأمرون بالمعروف، و ينهون عن المنكر،

____________

(1) البحار 52/122.

32

و يقاتلون أهل الفتن" (1) .

و تذكر الأخبار الغيبية أن الطليعة الأولى لهذه القاعدة الإجتماعية المجاهدة، ستطل على العالم الإسلامي من بلاد إيران، و هي المبشر بها في الحديث النبوي القائل: "يخرج قوم من المشرق، يوطّئون للمهديّ سلطانه" (2) و في قوله صلّى اللّه عليه و سلّم: "و إنّ لآل محمّد بالطالقان لكنزا، سيظهره الله إذا شاء، دعاة حقّ يقومون بإذن الله فيدعون إلى دين الله" (3) و هؤلاء هم طليعة حركة الانتظار التغييرية التي بشر بها الامام زين العابدين (ع)

و هذه القاعدة هي المعنية في حديث الإمام علي (ع) : "المهديّ...

يكون مبدأه من قبل المشرق، و اذا كان ذلك خرج السفياني" (4) لأن الإمام القائم لا يخرج من المشرق بل من مكة، و لا يظهر قبل السفياني، بل بعده بسنة و نصف، مما يؤكد ان هذا الحديث من البشائر الالهية، بولادة القاعدة الجهادية الموطئة للمهدي (ع) من المشرق.

ان ولادة الجيل الممهد لدولة بقية الله الاعظم، بحد ذاتها حدث عالمي كبير، يعبر عن يقظة الامة الأسلامية و وثبتها من جديد، من أجل استعادة حريتها و كرامتها و مجدها و مكانتها و دورها الطليعي بين امم العالم.

و لأهمية هذا الحدث السياسي العالمي في تاريخ الامة، لم يتجاهله الوحي بل سجّله بكل وضوح في العديد من آياته المباركة، منها قوله تعالى: " وَ إِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لاََ يَكُونُوا أَمْثََالَكُمْ" (5) و قوله تعالى: "يََا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا مََا لَكُمْ إِذََا قِيلَ لَكُمُ اِنْفِرُوا فِي سَبِيلِ اَللََّهِ اِثََّاقَلْتُمْ إِلَى اَلْأَرْضِ أَ رَضِيتُمْ بِالْحَيََاةِ اَلدُّنْيََا مِنَ اَلْآخِرَةِ، فَمََا مَتََاعُ اَلْحَيََاةِ اَلدُّنْيََا فِي اَلْآخِرَةِ إِلاََّ قَلِيلٌ، `إِلاََّ تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذََاباً أَلِيماً، وَ يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ، وَ لاََ تَضُرُّوهُ شَيْئاً، وَ اَللََّهُ عَلى‏ََ كُلِّ شَيْ‏ءٍ قَدِيرٌ" (6) و قوله تعالى

____________

(1) دلائل النبوة 6/513.

(2) سنن ابن ماجة 2/حديث 4088 مجمع الزوائد 7/318.

(3) شرح نهج البلاغة 7/48.

(4) الغيبة للنعماني 304/13.

(5) سورة محمد/38.

(6) التوبة/38-39.

33

"يََا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا، مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ، فَسَوْفَ يَأْتِي اَللََّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَ يُحِبُّونَهُ، أَذِلَّةٍ عَلَى اَلْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى اَلْكََافِرِينَ، يُجََاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اَللََّهِ وَ لاََ يَخََافُونَ لَوْمَةَ لاََئِمٍ، ذََلِكَ فَضْلُ اَللََّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشََاءُ وَ اَللََّهُ وََاسِعٌ عَلِيمٌ" (1) .

انها بشائر الهية مشرقة بالامل الوضّاح الكبير، بولادة الجيل المجاهد الطليعيّ، لقيادة حركة الانتظار التغييرية الممهدة للامام المنتظر، انه الجيل البديل عن الاجيال السابقة التي تعودت حياة الذل و الاستسلام لطواغيت الكفر و حكام الامة الخونة، انه الجيل الاسلامي الذي لا تأخذه في قتال اليهود و الكافرين لومة لائم و هو الموعود لتغيير العالم كله.

و حينما كانت تنزل الايات السابقة على رسول الله صلّى اللّه عليه و سلّم، كان الصحابة ينظرون الى بعضهم متعجبين، و انطلق بعضهم يسألونه عن تفسيرها: "يا رسول الله!من هؤلاء الّذين ذكر الله أن تولّينا استبدلوا بنا، ثم لم يكونوا أمثالنا؟ فاجابهم-و كان سلمان بجنبه فضرب على فخذه-قائلا"هذا و أصحابه و الّذي نفسي بيده، لو كان الايمان منوطا بالثّريّا لتناوله رجال من فارس" (2) .

و هكذا تلتقي السنة النبوية مع النصوص القرآنية، في البشارة بولادة قاعدة الموطئين لدولة الاسلام العالمية، بدلا من القاعدة المستبدلة المتخاذلة عن نصرة الاسلام و حماية الامة من اعدائها.

و هكذا نتأكد ان بداية تاريخ عصر الظهور، يرتبط ارتباطا وثيقا باليوم الاول من تاريخ ولادة الجيل البديل، من قوم سلمان الموطئين للمهدي (ع) في آخر الزمان، و نزوله في ميدان الصراع السياسي و الجهادي مع اعداء الامة لنصرة الدين كما قال خاتم المرسلين صلّى اللّه عليه و سلّم: "إذا وقعت الملاحم بعث الله بعثا من الموالي هم أكرم‏[من‏]العرب فرسا و أجود سلاحا يؤيّد الله بهم الدّين" (3) .

____________

(1) المائدة/54.

(2) صحيح الترمذي 5/ح 3261/مشكل الآثار 3/حديث 95031/مستدرك الصحيحين 2/458 و قال صحيح على شرط مسلم و وافقه الذهبي/الدر المنثور في تفسير سورة القتال.

(3) سنن ابن ماجة 2/حديث 409/مستدرك الصحيحين 4/548/كنز العمال 11 حديث 31766

34

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

35

دول الكفر في عصر الظهور

36

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

37

دول الكفر في عصر الظهور

الدول الكبرى البارزة المعروفة في عدائها و حقدها على الاسلام، و مناهضتها لحركة الانتظار الجهادية في عصر الظهور، ثلاثة و هي:

اسرائيل، و أوروبا الغربية، و دولة الاتراك، و قد ذكرت الروايات هذه الدول الكافرة بأسمائها الخاصة، فعبرت عن دولة اسرائيل"باليهود"و عن دول الكفر الشرقية"بالترك"و عن دول الكفر الغربية"بالروم"او"بني الاصفر" الذين يأتون بقيادة اثنتي عشرة راية إلى سواحل بلاد الشام، لمحاربة المسلمين في عصر الظهور.

دولة اسرائيل في عصر الظهور

منذ فترة طويلة، انجزت دراسة شاملة حول مستقبل دولة اليهود في فلسطين المحتلة، في ضوء المغيبات القرآنية و النبوية، و كان المانع من نشرها حتى الآن، عدم الوصول الى قناعات علمية حاسمة، في بعض موضوعات البحث الساخنة، و هنا نقدم ملخصا مقتطفا من تلك الدراسة، مع الامل الكبير في التوفيق لأكمالها، و نشرها في وقت قريب ان شاء الله تعالى.

اليهود في القرآن‏

تناول القرآن الكريم-في العديد من آياته و سوره-مستقبل الحركة اليهودية، و دورها الاجرامي في اشعال الفتن بين شعوب العالم، و سلّط الاضواء على حقدها التاريخي و العقائدي، و خلافاتها الدينية و مؤامراتها السياسية على اتباع الديانة المسيحية في العالم، و اهتم بكشف خططها العدوانية و مؤامراتها الدولية، و جرائمها الافسادية على الامة الاسلامية.

و تعتبر الايات الكريمة في مطلع سورة الاسراء، نموذجا متكاملا عن اهتمام

38

القرآن بكشف جرائم اليهود المستقبلية بحق الامة الاسلامية، في عصر الظهور بشكل خاص.

افساد اليهود

تبدأ قصة الافساد اليهودي في الارض، في غيبيات الاسلام من قوله تعالى: "وَ إِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلى‏ََ يَوْمِ اَلْقِيََامَةِ، مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ اَلْعَذََابِ، إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ اَلْعِقََابِ، وَ إِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ، `وَ قَطَّعْنََاهُمْ فِي اَلْأَرْضِ أُمَماً" (1) ففي الحكم الالهي المبرم القديم الصادر بحق اليهود، انه لا بد ان يسلّط الله عليهم من ينكّل بهم، و يذيقهم سوء العذاب، و ينغّص عيشهم، و يشتتهم في الأرض، إلى جماعات متفرقة موزعة هنا و هناك.. منذ يوم انحرافهم عن شريعة موسى (ع) و خيانتهم لها الى يوم القيامة. و ترافق عقوبة تسليط الاعداء عليهم ليسوموهم سوء العذاب، أن يسلط الله تعالى عليهم-ايضا-عقوبة من انفسهم فيلقي بينهم العداوة و البغضاء من سوء اخلاقهم، فيحسبهم الناس جمعا و قلوبهم شتى، غارقة في الحقد و البغضاء و الكراهية تجاه بعضهم بعضا.

و هاتان العقوبتان الالهيتان (الخارجية) من قبل اعدائهم (و الداخلية) من قبل انفسهم مستمرتان بحق المجتمع اليهودي الى يوم القيامة "وَ أَلْقَيْنََا بَيْنَهُمُ اَلْعَدََاوَةَ وَ اَلْبَغْضََاءَ إِلى‏ََ يَوْمِ اَلْقِيََامَةِ، كُلَّمََا أَوْقَدُوا نََاراً لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اَللََّهُ وَ يَسْعَوْنَ فِي اَلْأَرْضِ فَسََاداً، وَ اَللََّهُ لاََ يُحِبُّ اَلْمُفْسِدِينَ" (2) .

ان القاء العداوة و البغضاء، داخل المجتمع اليهودي و بين افراده، لا يعبر عن غضب الله تعالى عليهم فقط، و انما يعكس ايضا مخططا ربانيا لحفظ المجتمع البشري من شرهم، و من مساعيهم العدوانية المتكررة و مؤامراتهم الافسادية المستمرة، من خلال إشغالهم بأنفسهم عن باقي الامم.. إنها محاصرة ربانية لمجتمع المفسدين في الارض، تجسّد رحمة الله و لطفه بالمجتمع البشري، البري‏ء من جرائم اليهود و عدوانيتهم... ،

____________

(1) الأعراف 167-168.

(2) المائدة 64.

39

تستهدف تحصين الامم الاخرى من مخاطر فتنهم، و نزعاتهم الشيطانية و افسادهم و حروبهم و مؤامراتهم، فكلما اوقدوا نارا للحرب او للفتنة او للفساد او للتآمر على المجتمع البشري، اطفأها الله تعالى بلطفه و عنايته و رحمته، و الله لا يحب المفسدين.

ان هذه الآيات وحدها كافية لتصور مدى خطورة المفسدين من اليهود على المجتمع البشري كله، فلا العقوبات المفروضة عليهم من غضب الله، بتسليط المجتمعات المعادية عليهم طول التاريخ لقهرهم و اذلالهم، و لا تقطيع اوصالهم الاجتماعية و تشتيتهم في الارض امما صغيرة، مغلوبا على امرها، موزعة هنا و هناك، و لا القاء العداوة و البغضاء و الحقد و الكراهية فيما بينهم، و لا المحاصرة الالهية لمؤامراتهم و مخططاتهم الافسادية على المجتمع البشري، و لا كل ذلك بكاف للجم نزعة حب الجريمة في نفوسهم، و قتل غريزة الافساد في الارض في طبيعتهم العدوانية الشريرة.

نهاية اليهود

و تنتهي قصة فساد اليهود في الارض، بعد انهيار و سقوط دولتهم اسرائيل، و بعد اطفاء آخر نار حروبهم في فلسطين المحتلة، كما وعدنا الله في قوله تعالى: وَ قَضَيْنََا إِلى‏ََ بَنِي إِسْرََائِيلَ فِي اَلْكِتََابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي اَلْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَ لَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيراً `فَإِذََا جََاءَ وَعْدُ أُولاََهُمََا بَعَثْنََا عَلَيْكُمْ عِبََاداً لَنََا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجََاسُوا خِلاََلَ اَلدِّيََارِ، وَ كََانَ وَعْداً مَفْعُولاً، `ثُمَّ رَدَدْنََا لَكُمُ اَلْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ، وَ أَمْدَدْنََاكُمْ بِأَمْوََالٍ وَ بَنِينَ وَ جَعَلْنََاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيراً `إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ، وَ إِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهََا، فَإِذََا جََاءَ وَعْدُ اَلْآخِرَةِ لِيَسُوؤُا وُجُوهَكُمْ وَ لِيَدْخُلُوا اَلْمَسْجِدَ كَمََا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ، وَ لِيُتَبِّرُوا مََا عَلَوْا تَتْبِيراً، `عَسى‏ََ رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ، وَ إِنْ عُدْتُمْ عُدْنََا وَ جَعَلْنََا جَهَنَّمَ لِلْكََافِرِينَ حَصِيراً" (1) .

و هذان الافسادان مقرونان بعلو واحد، فهما متصلان غير منفصلين، و لا واقعين في حقبتين تاريخيتين متباعدتين، لأنهما كبيران و خطيران جدا،

____________

(1) الأسرار 4-8.

40

فهما اكبر إفسادين في التاريخ اليهودي على الاطلاق، و لو لا ذلك لما نص القرآن عليهما، مع ان تاريخهم مليى‏ء بالفساد، و يضج بالجرائم و الافساد، و اذا كان هذان الافسادان كبيرين و خطيرين الى هذه الدرجة، فمن غير المتصور تحققهما على الارض من دون هيمنة و استكبار و تسلط سياسي عليها، و علو مادي و حضاري و عسكري على شعوبها، فمن المستبعد أن يتمكن اليهود من ممارسة هذين الافسادين الخطرين، الا في ظل دولة قوية تمتلك جميع مقومات الحضارة المادية المتطورة، التي تدعوها الى العلو في الارض و الاستكبار على شعوبها.

ان الثابت في المأثور المعتبر، من احاديث النبي صلّى اللّه عليه و سلّم في علامات الامام المنتظر (ع) ، ان القوم المبعوثين لمعاقبة اليهود، في هذين الافسادين الكبيرين و انزال العقوبة الساحقة بهم و القضاء عليهم، هم الايرانيون.

و هذا ما دلت عليه روايات كثيرة من طرق اهل السنة ذكرناها في كتاب ثورة الموطئين و هي تتفق مضمونا مع ما جاء عن أهل البيت، و لما سئل الامام الصادق (ع) عن تفسير قوله: "فإذا جاء وعد أولاهما بعثنا عليكم عبادا لنا أولي بأس شديد"فقالوا له: جعلنا فداك من هؤلاء؟ فقال ثلاث مرات: "هم و الله أهل قم، هم و الله أهل قم، هم و الله أهل قم" (1) و ظاهر سياق الايات ان المبعوثين لمعاقبة بني اسرائيل على الافساد الثاني، هم من القوم المبعوثين لمعاقبتهم على الافساد الأول، كما يفهم من قوله تعالى‏ "وَ لِيَدْخُلُوا اَلْمَسْجِدَ كَمََا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ".

و قد اخطأ التفسير صاحب كتاب عصر الظهور، حينما ذهب الى القول بوقوع العقوبة الاولى على بني اسرائيل على يد المسلمين في صدر الاسلام، في خلافة عمر بن الخطاب، لأن فلسطين لم تكن تحت سلطة اليهود، و إنما كانت خاضعة للحكم الامبراطوري الروماني المسيحي، بالاضافة الى ذلك، فان المسلمين لم يحرروا فلسطين في خلافة عمر بقوة السلاح، بل دخلوها بالصلح بعد المفاوضات مع السلطات الرومية، و لم يستلموها من اليهود، بل من رجال الحكم الروماني، فاين وقع تفسير قوله

____________

(1) البحار 60/216.

41

تعالى‏ "فَإِذََا جََاءَ وَعْدُ أُولاََهُمََا بَعَثْنََا عَلَيْكُمْ عِبََاداً لَنََا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجََاسُوا خِلاََلَ اَلدِّيََارِ" مع العلم ان المسلمين في خلافة عمر، لم يجوسوا خلال الديار فحسب، بل دخلوا كل الديار و استلموا بلاد فلسطين قاطبة.

العقوبة الاخيرة

على اثر المعركة الاولى، التي تحل باسرائيل و ترعبها و تنال من علوها، و تمرغ ببحر من الدماء كبرياءها، حينئذ يشعر اليهود في جميع انحاء العالم بالخطر الحقيقي المحدق بدولتهم، مما يحفزّهم لتجميع قواهم المشتتة في الأرض، و ترحيلها الى فلسطين، لدعم دولتهم و تمكينها، بأكبر عدد من الطاقات البشرية و الامكانات المادية و العسكرية، و هو معنى قوله تعالى: "ثُمَّ رَدَدْنََا لَكُمُ اَلْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَ أَمْدَدْنََاكُمْ بِأَمْوََالٍ وَ بَنِينَ وَ جَعَلْنََاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيراً"، كما توحي هذه الآية بوقوف دول الكفر العالمية مع إسرائيل و دعمهم لها كما تبيّن ان الافسادين يقعان تحت سقف حضارة واحدة على مرحلتين.

و تحدث القرآن عن تحشيد الطاقات البشرية و المادية لليهود، و تجميعها من كافة اقطار العالم و ترحيلها الى فلسطين، تمهيدا للمعركة الاخيرة القاضية عليهم في قوله تعالى: "وَ قُلْنََا مِنْ بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرََائِيلَ اُسْكُنُوا اَلْأَرْضَ، فَإِذََا جََاءَ وَعْدُ اَلْآخِرَةِ جِئْنََا بِكُمْ لَفِيفاً" (1) و معنى "وعد الآخرة"اشارة الى عقوبة اليهود الأخيرة على افسادهم الثاني المذكور في الآيات التي تتحدث عن الافسادين في قوله"فإذا جاء وعد الآخرة ليسوءوا وجوهكم"و مصطلح"الآخرة"لم يستعمله القرآن الا في موردين فقط و هما: في يوم القيامة، و في العقوبة الاخيرة القاضية على دولة اسرائيل، و هو تعبير قرآني في منتهى الدقة و البلاغة، للدلالة على نهايتهم في العقوبة الثانية، التي تحل بهم على شكل ضربة عسكرية ساحقة، تقضي على دولتهم و كيانهم السياسي في فلسطين، تماما كما يتم انهاء الوجود البشري المفسد من وجه الأرض، بعد

____________

(1) الإسراء 104.

42

خلّوها من المؤمنين بحلول عقوبة يوم الآخرة بقيام الساعة و أهوالها.

اليهود في السنة النبوية

تطرقت السنة النبوية بصورة مفصلة، لدور الحركة اليهودية في محاربة الاسلام و التآمر عليه، من خلال اغتصاب ارضه، و اشعال فتنة الصراع المذهبي و الشقاق السياسي داخله، و اعلان الحرب عليه، و اهلاك الحرث و النسل في بلاده، و اشاعة الفساد في مجتمعاته، و يمكن تصنيف الأحاديث الغيبية الخاصة بالحركة اليهودية، و دورها التآمري على الأمة في أربعة محاور:

المحور الاول: الاحاديث الخاصة بوصية رسول الله صلّى اللّه عليه و سلّم، التي أمر فيها بإخراج اليهود من بلاد العرب، محذرا من عواقب تعطيل تنفيذ بنود هذه الوصية، و استبدالها بفكرة التعايش السلمي مع اليهود. و قد روي في الاخبار الصحيحة، ان النبي صلّى اللّه عليه و سلّم كان دائما يكرر لاصحابه: "أخرجوا اليهود من جزيرة العرب" (1) و كانت من جملة وصاياه قبل وفاته.

المحور الثاني: الاحاديث النبوية التي وصفت ثورة الموطئين، و جيشها المجاهد حامل الرايات السود، في زحفه الجهادي الحاشد من بلاد ايران نحو بيت القدس، لمواجهة دولة اسرائيل و معاقبتها على علوها و افسادها في بلاد المسلمين، في اعنف المعارك التاريخية، التي سنتطرق اليها في موضوع الراية الموطئة.

المحور الثالث: الاحاديث التي قدمت وصفا رائعا، لدور الأبدال المقاومين لليهود في بلاد الشام، و قد تعرضنا لدراسة هذه الاحاديث في موضوع"مقاومة الابدال لليهود".

المحور الرابع: الاحاديث التي تناولت آخر معركة يائسة لليهود مع المسلمين، بهدف عودتهم مرة ثانية الى فلسطين، في اطار مشروع تآمري دولي على الامة بالتحالف مع قوى الكفر العالمية الموالية لهم، بقيادة زعيمهم الموعود الاعور الدجال، و لكن تحبط هذه المحاولة بقيادة الامام

____________

(1) مجمع الزوائد 5/325 و رجاله ثقات.

43

المهدي (ع) ، في معركة تسحق فيها جميع قوى الكفر العالمية المتحالفة مع الاعور الدجال، و هي المعنية في قوله تعالى: "وَ إِنْ عُدْتُمْ عُدْنََا وَ جَعَلْنََا جَهَنَّمَ لِلْكََافِرِينَ حَصِيراً" (1) .

____________

(1) الإسراء 8.

44

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

45

دولة الترك في عصر الظهور

تطرقت الروايات للترك، بوصفهم قوة منافسة للروم-أي الدول الاوروبية الغربية-في معارك صراع النفوذ، على العالم الاسلامي في عصر الظهور، و هذا يعني انهم ليسوا من الشعوب المسلمة، و ليس ببعيد انهم من شعوب دولة روسيا المعاصرة، و لكن حسب اوصافهم المذكورة في الروايات، يرجح انطباقها على الشعب الصيني.

و قد جاء وصفهم في حوار بين الامام الصادق (ع) مع جماعة من أهل العراق قال لهم"حجّوا قبل أن لا تحجّوا.. فويل لكم يا أهل العراق إذا جاءتكم الرايات من خراسان، و ويل لأهل الرّي من الترك، و ويل لأهل العراق من أهل الرّي، ثم ويل لهم من الشّطّ"قال سدير الصيرفي-راوي هذا الحديث-فقلت: يا مولاي من الشط؟قال"قوم آذانهم كآذان الفأر صغر، لباسهم الحديد، كلامهم ككلام الشّياطين، صغار الحدق، مرد جرد، أستعيذوا بالله من شرّهم، أولئك يفتح الله على أيديهم الدّين و يكونون سببا لأمرنا" (1) .

و اكثر هذه الاوصاف، ظاهرة في ابناء الشعب الصيني، المعروفين بصغر العيون، و بالوجه الامرد الاجرد من الشعر، و لعل هناك شعوبا اخرى، تتصف بهذه الصفات غير الشعب الصيني.

دورهم في عصر الظهور

يشترك الاتراك في ثلاث معارك بارزة في عصر الظهور.

____________

(1) امالي الطوسي/63.

46

"الاولى"يجتاحون فيها الاراضي الايرانية، للضغط على دولة الموطئين لكي تسحب قواتها من فلسطين.

"الثانية"ضد الدولة العباسية التي تحكم العراق في عصر الظهور، و يكون تدخل الأتراك في العراق، في اطار معارك صراع النفوذ بينهم و بين الدول الاوربية الغربية.

"الثالثة"في معركة قرقيسيا للسيطرة على منجم الذهب، المكتشف في مثلث الحدود التركية العراقية السورية، حول نهر الفرات، استكمالا لأهداف معاركهم مع العباسيين و صراعهم مع الدول الغربية.

معاركهم مع الموطئين‏

تتلخص التصورات العامة، التي تضمنتها الروايات حول معارك الاتراك مع الموطئين، في التأكيد على تزامن هذه المعارك، مع زحف الايرانيين نحو فلسطين عبر الاراضي العراقية، لخوض معركة تحرير القدس مع اليهود.

و على اثر زحف الجيوش الايرانية المجاهدة نحو بيت المقدس، ترتعب طواغيت الكفر العالمية، و يفقدون صوابهم و يجمعون امرهم و يعلنون اتحادهم سياسيا و عسكريا لمناصرة اليهود، كما نصت على ذلك رواية عمار بن ياسر التي تقول"و يتخالف التّرك و الرّوم، و يكثر الحرب في الارض.. و ينزل الترك الحيرة، و ينزل الروم فلسطين" (1) .

و يظهر من الرواية ان الكفر العالمي، سيشعل الارض حربا اعلامية و سياسية و دموية بوجه المجاهدين الزاحفين لتحرير القدس، و لكن من دون جدوى، لأنها حرب جهادية عقائدية، يقودها رجال إليهون لا يخافون و لا يجبنون و على الله يتوكلون، كما وصفهم النبي صلّى اللّه عليه و سلّم بقوله: "تخرج من خراسان رايات سود، فلا يردّها شي‏ء، حتّى تنصب بإيلياء" (2) "و في رواية قال: فلا يلقاهم أحد إلاّ هزموه، و غلبوا على ما في ايديهم، حتّى تقرب

____________

(1) البحار 5/207.

(2) صحيح الترمذي 4/حديث 2269.

47

راياتهم بيت المقدس" (1) و في رواية تصف قائدهم و جيشهم المجاهد فتقول "لو قاتل الجبال لهدّها حتى ينزل بإيلياء" (2) و ايلياء هي بيت المقدس.

ان تحرير القدس، من العلامات الثابتة في هذه المعركة التاريخية العظيمة، المشار اليها في حديث الامام الباقر (ع) "يجيئكم الصّوت من ناحية دمشق بالفتح" (3) حينئذ لا يبقى امام دول الاستكبار العالمية الا خيار واحد، و هو اسقاط دولة الموطئين، و تغيير النظام السياسي الحاكم في سوريا، و الاتيان بحاكم بديل و عميل لها، يقوم بدور الشرطي و الحليف و المحامي لدولة اسرائيل.

اما محاولة اسقاط دولة الموطئين، فتنفذ على يد القائد الشروسي حاكم دولة الاتراك المعادية للاسلام في شرق ايران، وفق خطة عسكرية يتم خلالها اجتياح الجزء الشمالي من بلاد ايران و احتلاله و تدمير العاصمة "طهران"من اعالي الجبال الشرقية و الغربية المحيطة بها، و هو ما اشير اليه في الروايات التي تقول"و ويل لأهل الرّيّ من الترك"و روايات الاجتياح التركي في عصر الظهور صريحة و قوية الاسانيد، نذكر منها هذه الرواية "خروج الشّروسي من بلاد أرمينية إلى أذربيجان، تسمّى تبريز الرّيّ، الجبل الاحمر المتلاحم بالجبل ألأسود، لزيق جبال الطّالقان، فتكون بين الشّروسي، و بين المروزي، وقعة صيلمّانية، يشيب فيها الصّغير، و يهرم فيها الكبير.. " (4)

و يتزامن هذا الاجتياح المعادي لدولة الموطئين من جهة المشرق، مع انتصاراتهم الظافرة في معارك تحرير القدس، مما يضطرهم لسحب القسم الاكبر منها من فلسطين الى ايران، كما جاء في الرواية"ثم ينفتق عليهم فتق من خلفهم، فتقبل طائفة منهم حتّى يدخلوا أرض خراسان" (5) .

____________

(1) ابراز الوهم المكنون/101.

(2) الحاوي للفتاوي 2/68.

(3) الغيبة للنعماني/279.

(4) مجمع النورين/99.

(5) الحاوي للفتاوي 2/67.

48

و تذكر الروايات ان المجاهدين الايرانيين، يخوضون في مواجهة احتلال الجيش الشروسي لبلادهم، اشد المعارك القتالية ضراوة و شراسة في تاريخهم الجهادي، بحيث تفوق قصص بطولاتهم الاسطورية، مستوى ملاحمهم الجهادية التي يسطرونها على حدودهم العراقية، ضد احتلال الجيوش العربية لبلادهم في منطقة عبادان، كما تنص الروايات التالية: " بابان مفتوحان في الدنيا للجنّة: عبادان و قزوين" (1) . و هذه هي في الواقع ابواب الشهادة، التي تفتحها الحروب الظالمة المفروضة على المجاهدين الايرانيين فتكون سببا لاستقبال شهدائهم، في ارض البطولات عبادان و قزوين، و الاحاديث النبوية حول معاركهم على ثغور قزوين بالخصوص كثيرة، و مما جاء فيها انه"سيكون رباط بقزوين، يشفع احدهم من مثل ربيعة و مضر" (2) و في حديث آخر"اني لأعرف أقواما يكونون في آخر الزمان، قد اختلط الايمان بلحومهم و بدمائهم، يقاتلون في بلدة يقال لها قزوين، تشتاق إليهم الجنّة و تحنّ، كما تحنّ النّاقة الى ولدها" (3) .

ان الآثار السلبية لفتنة الشروسي و ملاحمه، على الدولة و المجتمع الايراني في عصر الظهور، لها ابعاد سياسية واسعة، لأنها تأخذ اكثر من اتجاه، و لهذا لم اتناولها بالتفصيل في هذا الكتاب المختصر، و لكني اشير هنا الى المقطوع به منها، و اهمها انها من اقرب علامات الظهور، و من اكبر اسبابه الموضوعية، كما يستفاد من ظاهر رواية الامام الصادق (ع) التي جاء فيها"و ويل لأهل الرّيّ من التّرك.. استعيذوا بالله من شرّهم..

أولئك يفتح الله على أيديهم الدّين و يكونون سببا لأمرنا" (4) و منها الرواية التي تقول"و مارقة تمرق من ناحية الترك و يعقبها فرج" (5) .

و منها رواية ابي بصير عن الامام الصادق (ع) قال: "لا بدّ لنا من أذربيجان، لا يقوم لها شي‏ء.. فإذا تحرّك متحرّكنا، فأسعوا إليه و لو حبوا،

____________

(1) كنز العمال 12/حديث 35114.

(2) كنز العمال 12/حديث 35100.

(3) كنز العمال 12/حديث 35092.

(4) بشارة الإسلام 173 عن أمالي الطوسي.

(5) الغيبة للنعماني/279.

غ

49

و الله لكأنّي أنظر إليه بين الرّكن... (1) .

اما مخطط الدول الغربية، لاسقاط النظام الحاكم في سوريا، و الاتيان بنظام عميل لها حليف لليهود، فيقوم بتنفيذه السفياني كما تشير الرواية التي تقول"يقبل السفياني من بلاد الروم متنصرا، في عنقه صليب، و هو صاحب القوم" (2) .

و هناك رواية مفصلة تناولت احداث فتح فلسطين، متزامنة مع اجتياح الاتراك لايران، في زمن نزول القوات الغربية في فلسطين، و على اعقاب ذلك يحدث صراع سياسي على السلطة في بلاد الشام، و يتغلب السفياني على الجميع و يستلم قيادة النظام في دمشق، ثم يبسط سلطته على بلاد الشام كلها بما فيها فلسطين‏

و الرواية طويلة جدا، نختصرها من خلال التركيز على موضع الحاجة منها"و يجيئكم الصّوت من ناحية دمشق بالفتح.. و مارقة تمرق من ناحية التّرك و يعقبها فرج، .. و ستقبل مارقة الروم حتّى ينزلوا الرّملة.. فأوّل أرض تخرب أرض الشّام يختلفون عند ذلك على ثلاث رايات، راية الأصهب، و راية الأبقع، و راية السّفيانيّ، فيلتقي السّفيانيّ، بالأبقع فيقتتلون فيقتله السّفيانيّ و من تبعه، و يقتل الأصهب، ثمّ لا يكون له همّة إلاّ الإقبال نحو العراق.. " (3)

و سنقرأ تفاصيل هذه الملاحم و الاحداث في موضوع السفياني.

معارك الترك في العراق‏

ظاهر الروايات ان الترك يدخلون ايران، و يحتلون المناطق الشمالية منها، بالتحالف مع الدول الغربية الكبرى، بهدف الضغط على القوات الايرانية، لكي تسحب جيوشها من فلسطين، و لكن حينما يجدون المناخ السياسي و الدولي ملائما، لتحقيق مطامعهم السياسية و الاقتصادية في

____________

(1) الغيبة للنعماني/194.

(2) البحار 52/216.

(3) الغيبة للنعماني 194.

50

المنطقة، و خاصة في ايران و العراق، بعد اكتشاف اكبر منجم للذهب في قرقيسيا، المنطقة السورية الحدودية التي تقع على مقربة من نهر الفرات، في المثلث الواقع بين تركيا و العراق و سوريا، حينئذ يقررون البقاء في الاراضي الايرانية، و يواصلون زحفهم نحو العراق للتمركز في القسم الشمالي منه، على مشارف من منطقة قرقيسيا، و لنبدأ بعرض الروايات التي تسلط الاضواء على الاجتياح التركي للاراضي العراقية في عصر الظهور.

"خروج الشّروسيّ من بلاد أرمينية إلى أذربيجان، تسمّى تبريز الرّيّ، الجبل الأحمر المتلاحم مع الجبل الأسود، لزيق جبال الطّالقان، فتكون بين الشّروسّي و بين المروزي وقعة صيلمانيّة يشيب فيها الصّغير و يهرم فيها الكبير، فتوقّعوا خروجه إلى الزّوراء و هي بغداد، و هي أرض مشؤومة، و هي أرض ملعونة، و يبعث جيشه الى الزّوراء مائة و ثلاثين ألفا، يقتل على جسرها إلى مدّة ثلاثة أيّام، سبعون ألف نفس، و يفتضّ أثني عشر ألف بكر، و ترى ماء دجلة محمّرا من الدّم و من نتن الأجساد" (1) .

و في رواية سدير الصيرفي عن الامام الصادق (ع) : "ويل لأهل الرّيّ من التّرك، و ويل لأهل العراق من أهل الرّيّ، ثم ويل لهم من الشّطّ"قال سدير فقلت يا مولاي من الشط؟قال"قوم آذانهم كآذان الفأر صغر ، لباسهم الحديد، كلامهم ككلام الشّياطين، صغار الحدق، مرد جرد، استعيذوا بالله من شرّهم، أولئك يفتح الله على أيديهم الدّين، و يكونون سببا لامرنا" (2)

و قوله"ويل لأهل الرّيّ من التّرك"اشارة الى الاجتياح التركي للاراضي الايرانية، و قوله"و ويل لأهل العراق من اهل الري"اشارة الى الحرب الواقعة بين الايرانيين و دولة بني العباس المتجددة في عصر الظهور، و سيأتي الكلام بشأنها في الحديث عن الدولة العباسية و دورها في عصر الظهور، و قوله"ثمّ ويل لهم من الشّطّ"أي ويل لأهل العراق من الترك في معارك عصر الظهور و مجازرهم الفتاكة بقيادة الشروسي.

____________

(1) مجمع النورين 297.

(2) بشارة الإسلام 173 عن أمالي الطوسي.

51

و في رواية عن الامام زين العابدين (ع) : "إذا علا نجفكم السّيل و المطر، و ظهرت النّار في الحجاز و المدن و ملكت بغداد التّرك، فتوقعوا ظهور القائم المنتظر" (1)

و تكاد تتفق روايات الفريقين، ان معارك الترك في ايران و مجازرهم في العراق، من ابرز علامات الظهور القريبة، و في اعقابها مباشرة يخرج السفياني، و تظهر بوادر إنهيار الحكم في بلاد الحجاز، بفعل إرهاصات نار الثورة المهدوية.

معركة قرقيسيا

تذكر كتب معاجم البلدان، ان قرقيسيا منطقة سورية تقع على مشارف نهر الفرات بالقرب من الحدود العراقية و التركية (2) ، و لا نعرف هدفا واضحا من وراء معركة قرقيسيا، في الروايات التي وصفتها بالملحمة العظمى، و اعتبرتها من اهم علامات الظهور القريبة، نعم هناك مجموعة كبيرة من الروايات لم تذكر قرقيسيا، و لكنها تحدثت عن ظهور كنز من ذهب في آخر الزمان في نهر الفرات، تقتتل عليه الامم و يقتل من كل تسعة سبعة، و قد نهت بعض الروايات المؤمنين من التورط بفتنة هذا الكنز.

و الجمع بين روايات اقتتال الملوك للسيطرة على كنز الفرات، و بين روايات ملحمة الجبارين في قرقيسيا الواقعة ايضا على نهر الفرات، و بالنظر الى كثرة قتلى الفريقين في المعركتين، يجعلنا نقطع بوحدة زمان و مكان المعركتين، و انهما معركة واحدة.

و في الاصحاح التاسع من سفر الرؤيا ما يؤيد ذلك ايضا حيث جاء فيه"صدر الامر للملائكة الكبار عند نهر الفرات العظيم لكي يقتلوا ثلثّي النّاس"و اكثر من يتورط و يهلك في معركة قرقيسيا هم حكام العرب من قريش، و هم المعنيون في صحيحة ميسرة عن الامام الباقر (ع) في قوله "و يهلك فيها من قيس و لا يدعى لها داعية" (3) و في طليعة قريش حكام

____________

(1) بشارة الإسلام 102 عن مجمع النورين.

(2) معجم البلدان 4/328.

(3) روضة الكافي 8/295/الغيبة للنعماني/278.

52

الدولة العباسية في العراق و الدولة المروانية في سوريا، كما صرحت رواية ابن ابي يعفور عن الامام الباقر (ع) انه قال"ان لولد العباس و المرواني، لوقعة بقرقيسيا، يشيب فيها الغلام الحزور" (1) و يبقى حكام العرب من اهل اليمن في منأى عنها.

و يظهر من موثقة جابر ان السفياني هو الطرف الاقوى في هذه المعركة و قد جاء فيها"و يمرّ جيشه بقرقيسيا فيقتتلون بها فيقتل بها من الجبّارين مائة الف" (2) . و في رواية ثوبان عن النبي صلّى اللّه عليه و سلّم انه قال"يقتتل عند كنزكم ثلاثة كلّهم أبن خليفة ثمّ لا يصير إلى واحد منهم، ثمّ تطلع الرّايات السّود من قبل المشرق، فيقتلونكم قتلا لم يقتله قوم.. " (3) ثم ذكرت خروج الامام المهدي (ع) على اثر ذلك. و ظاهرها ان المشتركين في المعركة على الكنز ثلاثة و جميعهم من ابناء الحكام، و هو ما يتطابق مع ما جاء في رواية ابن ابي يعفور السابقة، التي تقول: "إنّ لولد العباس و المروانيّ لوقعة في قرقيسيا يشيب فيها الغلام الحزور"، و يكون الخليفة الثالث هو السفياني، و لكنهم كلهم لا يصلون الى الكنز، حيث تخرج جيوش الخراساني فتحصدهم جميعا، و مما يؤيد رواية ثوبان الروايات التي ذكرت تحالف اليماني مع الخراساني، في معركة فتح دمشق و تحريرها من حكم السفياني، بعد ان يقضي على جميع خصومه في معركة قرقيسيا.

اما دور الدول الغربية و الشرقية الكبرى المعبر عنهم"بالروم"و "التّرك"في معركة قرقيسيا فليس واضحا، و لم اقف على رواية صريحة تدل على دخولها كطرف مباشر في هذه المعركة التاريخية. و لكننا نقطع باشتراكهما فيها، في ضوء الروايات التي اخبرت عن اختلافهما في عصر الظهور، و تدخلهما المباشر في المنطقة، كما في الروايات التي ذكرت من علامات عصر الظهور"غلبة التّرك على خراسان، و الرّوم على الشّام" (4) و في رواية"نزول التّرك الجزيرة، و نزول الرّوم الرمّلة و اختلاف كثير عند

____________

(1) الغيبة للنعماني/303.

(2) البحار 52/237.

(3) سنن ابن ماجة 2/حديث 4084 و اسناده صحيح مستدرك الصحيحين 4/463.

(4) الإرشاد 2/348.

53

ذلك في كلّ الأرض.. " (1) و في رواية"اذا خالف التّرك الرّوم و كثر الحرب في الأرض.. " (2) و في رواية ثالثة"إذا ظهر التّرك بالجزيرة و أذربيجان و الرّوم بالعمق و أطرافها.. " (3) و في رواية رابعة"إذا رأيت الفتنة في بلاد الشام فالموت الموت، حتى يتحرّك بنو الأصفر فيسيرون الى بلاد العرب، فتكون بينهم الوقائع" (4) و في رواية خامسة"ستقبل إخوان التّرك حتّى ينزلوا الجزيرة، و ستقبل مارقة الرّوم حتى ينزلوا الرّملة، فتلك السنّة..

فيها اختلاف كثير في كلّ الأرض" (5) .

و هذه الروايات صريحة في دخول القوات الرومية إلى بلاد الشام، و دخول القوات التركية إلى منطقة الجزيرة السورية، و هو الموقع الجغرافي المحدد في الروايات لمعركة قرقيسيا، فاذا جمعنا بين هذه الطائفة من الروايات و بين الروايات الاخرى، التي اخبرت عن اصطدام قوات السفياني مع القوات الرومية و التركية و انتصاره عليهما، نقطع حينئذ باشتراكهما في هذه المعركة، لأن السفياني هو الحاكم الفعلي في سوريا، و هو المعني بالسيطرة على مناجم الذهب المكتشفة في بلاده، كما تعزز ذلك الرواية التالية"إذا ظهر السّفياني على الأبقع و المنصور اليمانيّ، خرج الرّوم و التّرك فيظهر عليهم السّفياني.. " (6) .

ان المصالح الاقتصادية دائما عند الأوروبيين تقلب معادلات الصراع، فهم في طول التاريخ محكومون لمصالحهم الاقتصادية، في سياساتهم الخارجية و في تعاملهم مع شعوب ما يسمونه بالعالم الثالث، و هكذا نجدهم يختلفون مع السفياني، حليفهم بالامس متجاهلين دوره الاساسي في حماية اليهود من القوات الايرانية المجاهدة، في معركة تحرير المسجد الاقصى.

____________

(1) المصدر السابق.

(2) الغيبة للطوسي 268.

(3) الفتن لابن حماد/129 دار الفكر.

(4) الملاحم و الفتن لابن طاووس/107.

(5) الغيبة للنعماني 279/الغيبة للطوسي 269.

(6) كنز العمال 6/68 طبع حيدر آباد.

54

نهاية الترك‏

يظهر الامام المهدي (ع) في مكة، و الجيوش التركية لا تزال تحتل القسم الاكبر من شمال ايران، و تحتل أيضا بغداد و شمال العراق، كما تقول الرواية"و ملكت بغداد التّرك فتوقعّوا ظهور القائم المنتظر" (1)

و لهذا يقول الامام الصادق (ع) "أوّل لواء يعقده المهديّ، يبعثه إلى التّرك، فيهزمهم و يأخذ ما معهم من السبي و الاموال، ثم يسير الى الشام فيفتحها" (2) . و في حديث نبوي قال: "لا تقوم الساعة حتى يملك رجل من اهل بيتي، يفتح القسطنطينية و جبل الديلم" (3) .

و قوله"يفتح"يؤكد السيطرة الكاملة للحكم التركي في هذه المناطق قبل الظهور، لذلك يتطلب خوض معارك طاحنة ضدهم لتحريرها من ايديهم، مما يجعل احتمال ان يكون المراد بالترك هم بقايا حلف و ارسو، و على أيّة حال فالموضوع بمصطلحاته الغامضة قابل لاجتهادات متعددة، و خاصة بعد دخول كلمة"الشروسي"و اوصاف الترك المطابقة للشعب الصيني، و دخول جبل الديلم و القسطنطينية في معارك الامام المهدي (ع) مع الترك لتحريرها من سلطتهم.

و ليس ببعيد ان يكون المراد بالترك شعوب الإتحاد الروسي من طاجيك و ازبك و ازريين و ارمنيين و كازاخيين و قرغيزيين، و هؤلاء كلهم من الجنس التركي، و إن الأتراك إنحدروا منهم، و لذلك فهم إخوان الترك.

____________

(1) مجمع النورين/305.

(2) الحاوي للفتاوى 2/72.

(3) الفردوس 3/372/سنن ابن ماجة 2/928.