الموسوعة التاريخية للخلفاء الفاطميين - ج2

- عارف تامر المزيد...
120 /
5

الجزء الثاني‏

عودة الى الكتاب الأول من الموسوعة

أفردنا في الكتاب الأول من الموسوعة التاريخية للخلفاء الفاطميين الخاص «بعبيد اللّه المهدي» ، عددا من الصفحات تحدثنا فيها عن سيرة القائد الفاطمي المعروف «أبو عبد اللّه الشيعي» الذي أشاد التاريخ بمواقفه البطولية، و بفتوحاته، و بجهوده المضنية التي بذلها في سبيل إقامة الدولة الفاطمية في ربوع أفريقيا الشمالية، و عند ما نعود في هذا الكتاب الثاني للتحدث عنه، و عن فتوحاته، و أعماله، و مزاياه، فلكي نقدم الدليل على الأمانة التاريخية، و نبرهن على شدة حرصنا على ربط الأحداث، و الوقائع ببعضها البعض، و جعل القارى‏ء الكريم على صلة بالأحداث كاملة، خاصة و لأن ما سنذكره الآن يشكل بمجموعه ارتباطا وثيقا بموضوع هذا الكتاب، كما أنه يأتي متمما لما ذكرناه في الكتاب الأول.

6

امتاز «أبو عبد اللّه الشيعي» ببراعته في التحدث، و النطق، و الخطابة، و كان كما ذكر عنه يمتلك البلاغة في إيراد الفكرة، و الإفصاح عنها، و تأديتها ببيان ساحر و أسلوب إقناع يؤثر في السامع، و يدخل في هذا النطاق طول باعه في علم المنطق، و الفلسفة و أصول التشريع، و الفقه الإسلامي، و الحديث، و كل هذا قرّبه من القلوب، و جعل السامعين إليه يتأثرون بأفكاره، و يستجيبون له، و يسيرون بركابه.

و امتاز أبو عبد اللّه بطيبة قلبه، و ورعه، و كرمه، و تربيته، و وفائه و حبه للطبقة الفقيرة من الشعب، و للمحاربين الذين يسيرون تحت إمرته، فكان حريصا أشد الحرص على رفع شأنهم، و إعطائهم حقوقهم، و إنصافهم، و توفير الحياة الفضلى لهم، أمّا جرأته، و استهانته بالخطوب، و لذته باقتحام الصعاب، و بعد نظره باختيار الأعوان و الرفقاء، فهذه صفات لازمته منذ الصغر، و كانت خير معين له على الوصول إلى الهدف.

ظهر أمره عند ما أطاعه «البربر» ، أو بلغة أصح عند ما دخلت قبيلة «كتامة» في طاعته، و استجابت لأوامره و دعوته، فاتخذ منها أداة لتحقيق ما يصبو إليه، و جنّد رجالها،

7

و جعلهم نواة لجيشه الكبير الذي اندفع يحطم الإمارات الصغيرة، و الزعامات القبيلية القديمة، و التيجان البرّاقة التي كانت تسطع في تلك الأيام على رؤوس رجال أعمتهم الجهالة و الغباء و الفوضى و التخلف، فلم يرعوا للشعب حرمة، و لا عرفوا للكرامة قيمة.

أجل... اندفع أبو عبد اللّه على رأس جيشه الكبير الذي سهر الليالي الطوال على إعداده، و تنظيمه، و تدريبه، من مناطق «كتامة» ، و شرع بالتقدم فاتحا عابرا من مدينة إلى أخرى، واضعا نصب عينيه مملكة «بني الأغلب» كعمل أول، و لم يتمكن «زيادة اللّه الأغلب» الثالث من إيقاف ذلك الزحف الهادر الذي هبط من جبال الأوراس فجأة... ذلك الزحف الذي تحدثت به الركبان، فذكرت بأن المغرب لما يشاهد في كل عصوره ما يماثله عنفا، و كثافة، و كانت معركة «كينونة» و هي أول معركة حربية يخوضها، و فيها تصدّى له «إبراهيم ابن حبشي» ، و يذكر التاريخ: أنها بدأت منذ طلوع الفجر، و لم تنتهي حتى أسدل الليل ستاره، و في ختامها فرّ إبراهيم و معه كل من كتب له النجاة من أصحابه، بينما اشتغل الجيش الكتامي عن اللحاق بهم بالاسلاب و السلاح و الأموال، و الغنائم، و ممّا تجدر الإشارة إليه، أن جيش أبو عبد اللّه‏

8

ارتدى في ثاني يوم الثياب الحريرية، و تقلّد السيوف المحلاّة، و ركب السروج الفضيّة، و اللجم المذهبّة، و ذلك لأول مرة.

في سنة 294 هـ عاد إبراهيم بن حبشي إلى الظهور ثانية على مسرح الأحداث بعد أن أتمّ تجهيز جيش كبير، فالتقى بأبي عبد اللّه على مقربة من مدينة «طبنة» و دارت رحى المعارك، و كانت في هذه المرة أكثر عنفا و ضراوة، و لكن إبراهيم و منذ الجولة الأولى أدرك بأن جيشه لا قدرة له على الثبات طويلا مما جعله في نهاية المطاف ينزع إلى الفرار، تاركا جيشه فلولا و شرازم شاردة في البراري و القفار، و هكذا وضع نهاية لحياته، و انطوت صفحته إلى الأبد.

في سنة 296 وصل أبو عبد اللّه إلى «قسطيلية» و تمكن من إلحاق الهزيمة «بأبي مسلم بن منصور» ، و «بشبيب بن أبي الصارم» و كلاهما وقف بوجهه، كما أنه في هذا العام زحف إلى الأربس و نازل «إبراهيم بن الأغلب» ، فانتصر عليه، و قد فرّ إبراهيم في نهاية المعركة إلى «القيروان» بعد أن أبيدت جيوشه إبادة تامة، و في «القيروان» دعا الناس إلى الأخذ بيده، و نصرته، و لكن الأهلين رفضوا الاستجابة إليه، ففرّ و لحق بزيادة اللّه، أما أبو عبد اللّه فسار إلى «باغاية» و احتلها، و منها توجه‏

9

إلى «القيروان» ، و دخلها دون قتال، و هكذا «رقّادة» و يذكر التاريخ أن جيشه في تلك المرحلة كان مؤلفا من سبعة عساكر، و يقدر بثلاثمائة ألف فارس و راجل.

في تلك الأيام التاريخية، و في غمرة الانتصارات المبكرة الحاسمة، وصلت إليه الأخبار عن وصول «عبيد اللّه المهدي» إلى «سجلماسة» ، و وقوعه في قبضة «اليسع بن مدرار» فلم يرهبه النبأ، أو يحرك ساكنه، بل أكمل زحفه، و فتوحاته ببرودة أعصاب و عدم اهتمام حتى وصل إلى ضواحي «سجلماسة» مساء السبت 7 رجب سنة 296 هـ، و في صباح الثامن من رجب سنة 296 هـ دخل المدينة دون قتال، بعد فرار صاحبها «اليسع ابن مدرار» فجاء إلى السجن الذي يقيم فيه «المهدي» و أخرجه.

ممّا تجدر الإشارة إليه في هذا الصدد إني عثرت على مصدر تاريخي ورد في كتاب «الناصر الأموي» لمؤلفه «سيمون حايك» و فيه يذكر أن «المهدي» كان في «سجلماسة» يقيم إقامة جبرية معزّزة بالحراسة الشديدة في منزل تملكه امرأة من آل مدرار تسمّى «مريم» ، و هذه الامرأة هي عمة «أليسع بن مدرار» و كانت تقية ورعة، و ذات تأثير على ابن أخيها، و إليها يعود الفضل بحقن دماء «المهدي» ، و عدم‏

10

الإساءة إليه من قبل أليسع، و ممّا تجدر الإشارة إليه أن المهدي قدر موقفها فأعطاها الكثير من الأموال، و الهدايا و بعد أن تمّ له الخروج من سجنه، أعطى أوامره بالمحافظة عليها، و عدم الإساءة إليها، كما أبقى على أملاكها، و أحاطها برعايته هي و أبنائها طيلة مدة حكمه.

بعد أن تمّ لأبي عبد اللّه هذه الانتصارات الحاسمة، توجه إلى «تاهرت» فدخلها سلما، و لكن «يقظان بن أبي يقظان» تصدى له، فقبض عليه، و أمر بقتله، و منها تابع السير إلى «سجلماسة» فولّى عليها «إبراهيم بن الأغلب» بعد أن جاءه طائعا، و نادما، و في هذا يتجلّى حسن تدبيره، و بعد نظره، و سياسته الحكيمة. أمّا «أليسع بن مدرار» فقد غدرت به قبيلة «بني خالد» و هي من البربر سنة 297 هـ و كانت هذه القبيلة قد استأمنت من أبي عبد اللّه فأمنها.

في الكتاب الأول من الموسوعة أعطينا التفاصيل الوافية عن مقتل «أبي عبد اللّه الشيعي» ، غير إنّا عثرنا فيما بعد على مصدر تاريخي فيه كل الغرابة، و لا ندري من أين استقاه «سيمون حايك» في كتابه عن الناصر الأموي و خلاصته:

إن «عبيد اللّه المهدي» حينما قرر قتل «أبو عبد اللّه الشيعي»

11

أرسل إليه من دسّ له السم في الطعام و كان في «طرابلس-الغرب» .

إن هذا المصدر لا يتفق مع المصادر التاريخية الأخرى... ففيه ما يدل على المبالغة، و عدم التروي بإيراد الوقائع، و لهذا فإننا نرفضه و نستبعد أن يقدم «المهدي» على استعمال السم في عملية مثل هذه لا سيما في وقت يمتلك فيه القدرات و الإمكانيات، لتنفيذ كل ما يريده دون اللجوء إلى هذا الأسلوب الدني‏ء الذي لا يقدم على ارتكابه إلاّ الضعفاء و مرضى النفوس، و الجبناء.

12

المزيد من أخبار عبيد اللّه المهدي:

لم يتم للمهدي السيطرة التامة على بلاد شمالي أفريقيا كاملة، فالثورات كانت تندلع من هنا، و من هنالك مهددة منذرة...

تنطلق كلما وجد أصحاب المطامع، و الناقمين و المعارضين فرصة سانحة، أو سبيلا إلى إضرام النار، و إعلان التمرد و العصيان.

و من الجدير بالذكر أن المهدي لاقى صعوبات جمة في إعادة الهدوء و الاستقرار إلى أرجاء دولته الحديثة خاصة بعد مقتل أبا عبد اللّه الشيعي، فكم من مرة اضطرّ إلى خوض المعارك بنفسه، أو بواسطة ولي عهده «القائم بأمر اللّه» فتأديب العصاة، و إخماد الثورات كانت عمليات شاقة بالنسبة إلى رجل أنيطت به مهمّات حكم دولة جديدة، و لعلّ أهم حدث واجهه في أول عهده، و إبّان حكمه، و استدعى‏

13

اهتمامه، و قلقه خروج قبيلة «زناتة» عليه و اتخاذها خطة العداء لدولته شعارا لها، أو بلغة أصح سلوكها سبيل التصدي و الهجوم على هذه الدولة في أية جهة كانت. يدلنا على ذلك مبادرتها الأولى، و هجومها على «تاهرت» عاصمة «بني رستم» و قد تمكنت من استردادها من الجيش الفاطمي، و لم تنفع مقاومة عاملها الفاطمي «دوّاس» الذي فرّ أخيرا و لجأ إلى «رقّادة» ، و هذا القائد اتهم بمؤامرة عصيان ضد الدولة الفاطمية، فألقي القبض عليه، و تمّت محاكمته و قتله.

بعد هذا الحدث عين المهدي «مصّالة بن حبوس بن بهلول الكتامي المكناسي» قائدا عاما لجيوشه، و فوّض إليه أمر إخضاع، و تأديب الزناتيين، و هذا القائد عرف بصلابته و قدرته على قيادة الجيوش، فجاء إلى موقع «فك مديك» و نازل الزناتيين، و تمكن بعد سلسلة من المعارك العنيفة من قتل أعداد كثيرة من أفراد جيشهم و قوادهم، و إلحاق الهزائم بهم.

في الجزء الأول من الموسوعة ذكرنا الكثير عن اهتمام «عبيد اللّه المهدي» بجزيرة «صقلية» و لمحنا إلى ما بذله من جهود في سبيل إيجاد أسطول بحري كبير للدولة يكون قادرا ليس على رد غزوات الروم، بل على شن الغزوات على مدنهم‏

14

و سواحلهم، و لكن عند ما أدرك الخليفة الأموي في «قرطبة» «الناصر لدين اللّه» أن الدولة الفاطمية أصبحت تملك أسطولا يفوق أسطولها عدة و عددا شرع بإقامة مراكز للمراقبة في المدن الأندلسية الساحلية، فقد أدخل في حسابه إمكان وصول إمدادات فاطمية «لابن حفصون» الذي كان يقوم بثورة كبرى في الأندلس، تدعو إلى خلع طاعة الأمويين، و من الجدير بالذكر أنه كان يعلن في كافة البلدان و المناطق التي يحتلها و يحررها اسم الخليفة الفاطمي المهدي.

من جهة ثانية فإن المهدي سنة 304 هـ أمر قائده «مصّالة بن حبوس» و كان مكلفا بحكم منطقة «تاهرت» بمهاجمة «سعيد بن صالح» في «ناكور» فهاجمها، و احتلها، و قتل سعيد و أصحابه، و أرسل رؤوسهم إلى «القيروان» ، و ولىّ على المدينة المذكورة واليا كتاميا يسمّى «ذلول» أما بقية أسرة «بني صالح» ففروا إلى الأندلس، و نزلوا «بمرسى مالقه» حيث أحاطهم الأمويون بكل عطف و رعاية، و لم يطل الأمر بهم فعادوا إلى «ناكور» بعد أن زودهم «الناصر» الأموي بكل ما يحتاجون إليه من مال، و عتاد، و سلاح، فاستولوا على المدينة، و قتلوا ذلول و من يحيط به، و لم يقم المهدي برد سريع على هذه الحركة، بل ترك كل ما يتعلق ببني صالح حتى سنة 308 هـ، ففي هذا العام‏

15

توجه مصّالة لمهاجمة «يحيى الإدريسي» الرابع، و في سنة 309 هـ عاد «مصّالة» إلى «سجلماسة» ، و كان «أحمد بن مدرار» قد استولى عليها فدخلها و قتله، و بعد هذه الانتصارات توجه إلى بلاد الأدارسة، و أخذ باحتلالها واحدة بعد الأخرى، و بعد أن تمّ له ذلك ولّى عليها «موسى بن أبي العافية» و هذا القائد لعب دورا بارزا في تاريخ الدولة الفاطمية. أصله من قبيلة «مكناسة» ، و كان في بدء عهده مخلصا للفاطميين، غير أنه انقلب عليهم فيما بعد.

و في تلك الفترة طلب المهدي إلى قائده «مصالة» مهاجمة «محمد بن خزر» زعيم قبيلة «مغراوة» و هي فرع من «زناتة» فتوجه «مصالة» ، و التقى به، و دارت بينهما معارك عرفت بعنفها، و بكثرة ضحاياها، و في نهايتها تمكن «محمد» من قتل «مصّالة» و إلحاق الهزيمة بجيشه، و على أثر ذلك وجّه المهدي أوامره إلى «موسى بن أبي العافية» باحتلال «ناكور» و كانت الخطبة فيها في تلك الفترة قد أعلنت باسم الأمويين، فجاء إليها «موسى» و قتل صاحبها «المؤيد بن عبد البديع بن إدريس بن صالح» كما تمّ له تهديم أسوارها، و العبث بكل ما فيها، و منها تابع سيره إلى «جراوة» فدخلها بعد أن فرّ صاحبها «ابن أبي العيش» ، و هكذا فإن منطقة نفوذ «موسى» قد امتدت من أهواز «تاهرت» حتى «السوس الأقصى» .

16

بعد أن تمّ «لموسى» كل هذا طمحت نفسه بالمزيد من الانتصارات، و كان في تلك الفترة قد أرسل و لأول مرة الخليفة الأموي «الناصر» أسطوله بقيادة «فرج بن عفير» إلى «سبتة» فأنزل فيها قوة، و رفع على أسوارها الأعلام الأموية الأندلسية، فاعتبر «موسى» ذلك بداية لتدخل سريع في البلاد الفاطمية، فما كان منه إلاّ أن أجرى مفاوضة مع الأمويين انتهت بإعلان الولاء و الطاعة لهم، و نجم عن ذلك إقدام بعض القبائل على احتلال «جراوة و أوزقور» ، و هكذا فإن انضمام «موسى بن أبي العافية» إلى الأمويين، و إعلان «محمد بن خزر» الزناتي الحرب في الداخل جعل الدولة الفاطمية في وضع مضطرب، كما جعل القسم الأكبر من أراضي المغرب الأقصى بالإضافة إلى مساحات شاسعة من المغرب الأوسط تحت حماية «سيد قرطبة الناصر الأموي» .

و لكن هل وقف «المهدي» مكتوف الأيدي أمام هذه الأحداث الخطيرة؟و هل استسلم للعواصف الهوجاء التي عصفت بدولته؟إن خيانة موسى تلك أقامته و أقعدته، و جعلته يطلب إلى حاكم «تاهرت» «حميد بن ياصل» الذي خلف «مصّالة بن حبوس» أن يتخذ التدابير السريعة للقضاء على حركة موسى مهما كلف الأمر، و هكذا حدث بالفعل، فإن «حميد»

17

خرج إليه، و التقى الفريقان في شرقي «تازة» ، و بعد سلسلة من المعارك الضارية فرّ «موسى» مع أصحابه تاركا مدينة «فاس» أيضا للفاطميين. أما «حميد» فبدلا من أن يعزز انتصاراته، و يتابع هجمانه، عجّل بالرجوع إلى «المهدية» ، و عند ما وصل قبض عليه المهدي و أودعه السجن، و لكنه تمكن من الفرار فيما بعد، و توجّه إلى «قرطبة» حيث عاش فيها بقية حياته. غ

18

الفتح العربي لشمالي افريقيا:

خرج «عبد اللّه بن سعد» إلى غزو أفريقيا الشمالية في عشرين ألف رجل و ذلك بعهد الخليفة الثالث «عثمان بن عفّان» و عند ما وصل إلى «طرابلس الغرب» وجد الروم قد تحصنوا فيها، فتركهم و سار باتجاه شاطى‏ء البحر حيث هاجم السفن الراسية في الشاطى‏ء، فتمكن من الاستيلاء عليها، و على ما فيها من المتاع، و السلاح، و المؤونة، ثم رحل إلى «قابس» و كان الروم قد تحصنوا فيها، فدخلها دون قتال، ثم أكمل طريقه حتى وصل إلى شمالي أفريقيا، و هنالك واجههم ملكها «جرجير» بمائة و عشرين ألف مقاتل، فعرض عليه «ابن سعد» الدخول في الإسلام فامتنع كما رأى أن الكثرة التي معه قادرة على سحق القلة المسلمة، و أقسم في ذلك الوقت أن يزوج ابنته لمن يأتيه برأس «عبد اللّه بن سعد» .

19

و ذهب «عبد اللّه بن الزبير» بثلاثين من أصحابه، فسلكوا طريقا تعود أن يسلكه الجند في الوصول إلى الملك، فلما رآهم ظنهم من جنوده، حتى أشهروا السلاح عليه و قتلوه، و بعد ذلك حمل المسلمون على عساكره فهزموهم، و اتبعوهم في السهل و الوعر حتى أبادوا أكثرهم، ثم ساروا إلى فتح المدن و الأمصار، و غنموا غنائم كثيرة من الأموال و الحلي و الذهب، و في تلك الفترة جاءوا بابنة جرجير إلى ابن سعد، فسألها عن قاتل أبيها، فأشارت إلى «عبد اللّه بن الزبير» ، فأعطاها له.

و في عهد «يزيد بن معاوية» ولّى عليها «عقبة بن نافع» فذهب إلى «القيروان» و خلّف فيها ولده مع البعض من جيشه، و رحل مع عسكر عظيم إلى «باغاية» فقاتل أهلها قتالا عظيما، و هزمهم، و منها يمّم شطر «حمس» فهزم أهلها، و دخل «الزاب» ، و ظلّ باندفاعه حتى وصل إلى «تاهرت» فوجد عليها جموع من البربر و النصارى، فأوقع بهم، و تمكن في النهاية من الانتصار عليهم، و على «لواتة، و هوارة، و زواغة، و مطماطة، و زناتة، و مكناسة» ، و بعد أن فرغ من احتلال المغرب الأوسط دخل إلى المغرب الأقصى و ذلك سنة 62 هـ، فوصل إلى «طنجة» و كان عليها «يليان» فاستأمنه، و منها ذهب إلى مدينة «و ليلى» بقرب «فاس» (قبل بناء فاس) فهزم جموع‏

20

البربر و اتبعهم حتى «درعة» ثم نزل إلى الصحراء، و من درعة إلى «تلمسان» حيث تم له دخول «صنهاجة» و هناك نزل على «اغمات» ثم على «نفيس» ثم «وادي سوس» و سلك «ماجة» ثم «رجراجة» ثم «صودة» ، «و ايصرول» ، و سرنو.

و في سنة 69 هـ أرسل «عبد الملك حسّان بن نعمان الغسّاني» في أربعين ألفا فسار حتى وصل إلى «القيروان» .

و في سنة 89 هـ أرسل الوليد بن عبد الملك «موسى بن نصير» إلى الأندلس فأرسل موسى ابنه مروان إلى «السوس الأقصى» ، و أرسل «زرعة بن أبي مدرك» إلى قبائل البربر فطوقهم و أخذ رهائن من «كتامة و زناتة و هوارة» ، ثم ولّى عليهم «طارق بن زياد» و عاد إلى أفريقيا.

إن المتتبع للتاريخ يرى:

إن هذه البلاد منذ فجر التاريخ حتى الأمس القريب، ظلّت تعيش حياة الفوضى و عدم الاستقرار، أو بلغة أصح الحياة القبيلية في كل ما في هذه الكلمة من معنى، فمنذ الفتح العربي حتى ما قبل عهود الاستقلال و هي عرضة للأحداث الفاجعة، و النكبات الصادعة... قبائل تتبارى، و تتحاسد،

21

و تتنازع النفوذ، و الجاه، و السيادة، و الغنائم، فإذا انحازت إحداها إلى الأمويين، فلا تلبث جارتها أو شقيقتها بدافع الحسد و الغيرة أن تنحاز إلى الفاطميين، أو إلى جهة تعاديها.

دويلات صغيرة، و إمارات متناثرة، و زعامات تقليدية معرضة للأخطار الماحقة تموت إحداها، فتنهض أخرى لتحيا على أنقاضها و هكذا دواليك... عشائر تعيش على الطراز القديم البالي الخارج على سنن التطور، و التقدم... هدفها إثبات شخصيتها، و فرض إرادتها، و تحقيق أطماعها، فلا عقيدة أو دين يردعها، أو يصدها أو يقف في وجهها كما لا مبدأ يمنعها من اقتراف الجرائم و المنكرات.

تنقض المواثيق المبرمة، و تنكث بالعهود المعطاة دونما مبرر، فكل أمير قبيلة، أو حاكم مقاطعة جعل من نفسه حاكما فردا، و ضرب بالقانون، و بالأخلاق عرض الحائط، و كل أمير يتربص بجيرانه من الأمراء الدوائر متحينا الفرص للانقضاض عليه، و إزالة ملكه، أو اقتطاع جانب من أملاكه، و كثيرا ما يلجأ إلى الدس و الخديعة و مصادقة العدو الرابض، و الاستعانة بالأجنبي الدخيل... أمراء يتلهون بتوافه الأمور و صغائرها عن الأمور الجسام، فكثيرا ما صرفتهم هذه الأعمال عن إسداء الخير، و خدمة الأمة و الوطن، و جعلتهم في مهب رياح الأهواء و النزوات.

22

أجل... في عهد الدولة الفاطمية التي نحن في صدد التحدث عنها، كانت بلاد شمالي أفريقيا مكونة من شعوب غريبة غير متجانسة، و من عناصر، و قبائل مختلفة لم يكن بالأمر السهل إدماجها في وحدة شاملة، أو إخضاعها لنظام عام، فطبيعة البلاد الجغرافية، و توزيع السكان في المناطق و انتشار القبائل بعضها في أمكنة صالحة، و بعضها في أمكنة لا قيمة لها، كل هذا وقف حائلا دون إيجاد العلاج الناجع، فالوحدة التامة كانت غير ممكنة التحقيق كما قلنا، كما أن إخضاع هذه القبائل و الشعوب إلى سلطة عليا، أو دمجها في دولة واحدة، ضرب من المستحيل، و من هنا انبثقت المتاعب، و أطلّت الصعوبات بوجه كل مصلح يدعو للإصلاح، أو أي إنسان يتصدّى لعمل الخير.

يذكر التاريخ:

إنه في عهد الخليفة الفاطمي الثاني «القائم بأمر اللّه» ، برزت إلى الواجهة السياسية المغربية قبيلة «صنهاجة» و هي فرع من قبيلة «زناتة» فانحازت إلى الفاطميين بعد أن رأت القبائل الأخرى-أي شقيقاتها-قد اتخذوا سياسة معادية للفاطميين، و انحازوا إلى جانب الأمويين، فزعيم صنهاجة نفسه «زيري‏

23

ابن مناد» هرع إلى مصالحة «كتامة» ، و الدخول معها في حلف تحت سلطة الفاطميين ردا على زعيم آخر كان ينازعه السيادة هو «محمد بن خزر» الزناتي زعيم قبيلة «مغراوة» في المغرب الأقصى الذي أعلن الولاء للأمويين، و من الجدير بالذكر أن هذه المناورات، و التقلبات دامت وقتا طويلا، فكانت شغل الخليفة الفاطمي «القائم بأمر اللّه» في بداية عهده، كما كانت شغل الخليفة الأموي الناصر في الأندلس.

هذا غيض من فيض، و لمحة عابرة كان لا بد من الإشارة إليها، فهي في الواقع تشكل أساسا للبحث، و نعتبرها المدخل إلى الموضوع الذي نحن بصدده.

24

قبائل شمالي افريقيا:

البربر قبائل عديدة، و شعوب مختلفة نزلت في أفريقيا الشمالية، و امتدت أوطانها من حدود «برقة» حتى المحيط الأطلسي، و كانوا يتكلمون لهجات أعجمية قبل استعرابهم و لا يزالون حتى الآن، و يرجع أصلهم إلى فئات عرقية مختلفة استقرت في تلك البلاد قبل الميلاد، و عرفت منها «مملكة نوميديا» أي موريتانيا اليوم.

اختلط بهم الفينيقيون و اليونان اختلاطا عابرا، و لم يرتاحوا في حياتهم إلى حكم روما، و لا تقبلوا الديانة المسيحية، فمالوا عن الأولى و الثانية. يذكر تاريخهم أنهم سهلوا غزو «الفاندال» لأفريقيا، و لم يسالموا البيزنطيين. دخل قسم كبير منهم في الإسلام مع «عقبة بن نافع» ، و رافقوا الجيش العربي في فتوحاته إلى أسبانيا بقيادة «طارق بن زياد» ، كما أنهم اتبعوا الخوارج،

25

و أعلنوا في أكثر الأحيان عصيانهم على العباسيين. ينقسمون إلى ممالك و سلالات منهم: «الأغالبة» ، و «الرستميون» ، و «المرابطون» ، و «الموحدون» ، و هذه الممالك زالت جميعها في أواخر القرن الثالث عشر ميلادي، فاختلط أهل المدن منهم بالعرب و اعتصم الآخرون في جبال الأوراس، و الأطلسي، و في الريف، و بلاد القبائل، و الصحراء حيث لا يزال القسم الأكبر منهم يحافظ على عاداته و لهجاته و تقاليده.

اشتهروا بحبهم للقتال، و تعودوا على شظف العيش، و الحياة القبيلية القاسية التي أكسبتهم التمرد، و عدم الإخلاد للنظام... نفوسهم متأهبة دائما و أبدا للمخاطر، و ركوب متن الأهوال، فأخلاقهم على العموم لا تعرف اللين، و من المؤكد أنهم دون العرب حضارة، و أن للعرب الفضل الأكبر عليهم، و لكن بالرغم من كل هذا فإنهم ينظرون إليهم نظرتهم إلى عدو مستعمر جاء إلى بلادهم فاتحا، أما تزودهم من الحضارة الإسلامية فلم يكن على المستوى المطلوب، و الحقيقة لم يستطع أحد من الفاتحين أن يغرس فيهم حب «الشيعة» إلاّ «أبو عبد اللّه الشيعي» ، و قد مرّ معنا ذكر نزوله في بلاد «كتامة» .

أعظم قبائلهم عددا و قوة هي «صنهاجة» ، و تعتبر من أهمّ قبائل «البرانس» و أوفرها شدة و بأسا، و استعدادا للقتال، و تتفرع‏

26

من «زناتة» التي هي مجموعة من القبائل، و من «صنهاجة» يتفرع:

«الطوارق» ، و «الهقار» ، و «الملثمون» ، و هؤلاء لعبوا دورا كبيرا في قيام دولة «المرابطين» و يأتي بعدهم «كتامة» و هي القبيلة التي اعتنقت المبادى‏ء الفاطمية على يد «أبي عبد اللّه الشيعي» ، و قاتلت مع الفاطميين عن عقيدة و إيمان، و إليها يعود الفضل في كل ما حققه الفاطميون من فتوحات و انتصارات سواء في شمالي أفريقيا، أو مصر، أو المشرق.

27

دول شمالي افريقيا:

عندما قامت الدولة الفاطمية في شمالي أفريقيا، كانت دول ثلاث تبسط نفوذها على تلك الأرض الواسعة: «بنو الأغلب» في المغرب الأدنى، و المغرب الشرقي، و «بنو رستم» في المغرب الأوسط، و «الأدارسة» في المغرب الأقصى.

و من مجريات الأحداث يظهر أن الأولى، و الثانية ما لبثتا أن انقرضتا بمجرد أن سطع نجم الدولة الفاطمية، أما الثالثة فقد حافظت فترة غير قصيرة على ممتلكاتها، و من الجلي الواضح أن «بني الأغلب» كانوا في حالة انحطاط عند بزوغ فجر الدولة الفاطمية فلم يتمكنوا من الصمود بوجه الفتح الفاطمي الذي استهدف بلادهم في و ثبته الأولى.

عاصمة بلادهم كانت «القيروان» ، و أحيانا «رقّاده» ، و سلطتهم كانت تمتد حتى «قسطنطينة» ، و من الثابت أن الثورات‏

28

الداخلية من قبل العشائر في مملكتهم لم تكن لتهدأ، و هكذا الاغتيالات، و الاضطرابات، و المؤامرات.

أما «بنو رستم» فكانت عاصمتهم «تاهرت» و كانوا يحكمون المناطق الصحراوية (من الجزائر اليوم) ، و كانت علاقاتهم و ديّة مع جيرانهم البربر، و خاصة «زناتة» ، و من الغريب أن هذه المملكة كانت سريعة الزوال، فلم تقو على الصمود و لو يوما واحدا بوجه الفاطميين، و هناك مناطق أخرى كانت تحكمها إمارات صغيرة مستقلة الواحدة عن الأخرى: «بنو مدرار» في سجلماسة و ما يتبعها، و هناك على ضفاف-المحيط الأطلسي-إمارة «برغواطة» و إمارة «ناكور» أما بقية البلدان الأخرى، فكانت خاضعة لسلطان «الأدارسة» الذين يرجع نسبهم إلى «إدريس بن عبد اللّه بن حسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب» .

دخل إدريس المغرب سنة 170 هـ في إمارة «يزيد بن حاتم» في أفريقيا، و إمارة «هشام بن عبد الرحمن الداخل» بقرطبة، و في فترة ظهور «بني مدرار» في «سجلماسة» .

كان نزوله «بوادي الزيتون» بمدينة «البلد» و قيل في ضواحي «طنجة» .

29

أما سبب هجرته إلى شمالي أفريقيا فتتلخص: بأن «الحسين ابن علي بن الحسن بن علي بن أبي طالب» أقام بالمدينة أيام «موسى الهادي العباسي» ، ثم خرج منها، و معه جماعة من أهله و بني عمه و منهم إدريس، فبعث الهادي إليهم «محمد بن سليمان ابن علي» فحاربهم «بفخ» و قتل الحسين، أما إدريس فقد تمكن من الفرار، و التوجه إلى مصر، و كان على بريدها رجل يسمّى «واضح» مولى «صالح بن منصور» ، فحمله على البريد إلى أرض المغرب، فوقع بمدينة «و ليلة» من أرض «طنجة» و هناك أعلن عن نفسه و نسبه، فاستجاب له بعض قبائل البربر، و يذكر التاريخ أنه توفي سنة 175 هـ، فخلفه مولاه «راشد» على البربر.

ترك إدريس جارية بربرية اسمها «كنزى» فولدت له غلاما سمي باسم أبيه، و عرف بإدريس الثاني سنة 187 هـ و كان له من العمر إحدى عشر عاما.

بعد أن استتب له الأمر أسس مدينة «فاس» و كانت عدوة القرويين غياضا في أطرافها بيوت من «زواغة» ، ثم أنه غزا «أنفزة» و وصل إلى «تلمسان» ، ثم رجع ليواصل الزحف حتى «وادي نفيس» ، و بلاد «المصامدة» و أخيرا مات مسموما سنة 213 هـ.

خلفه ابنه محمد، ففرّق البلدان على أخوته بناء على أوامر

30

جدته «كنزى» فأعطى «طنجة» ، و ما يليها «للقاسم» ، و أعطى «صنهاجة» «لعمر» ، «و هوارة و تامليت» «لداؤد» ، كما أعطى «عيسى و يحيى و عبد اللّه» بلادا أخرى.

و من الأمور البارزة في تلك الفترة أن عيسى نكث عن طاعته و ثار عليه، فكتب محمد إلى أخيه القاسم يأمره بمحاربته، فامتنع و عاد فكتب إلى عمر فأجابه، و سارع إلى نصرته.

توفي عمر بإحدى بلدان صنهاجة، و نقل إلى فاس، و هو جد «الحموديين» ، و بعد محمد تولّى يحيى، و هذا من جهته ولّى أعمامه، و أخواله إدارة بعض البلدان التابعة له، فأعطى حسين الجنوب من مدينة فاس إلى «أغمات» ، و ولىّ داؤد المشرق من مدينة «فاس و مكناسة و هوّارة» ، و ولىّ القاسم غربي فاس، و هي «و لهتلة و كتامة» ، و من المشهور عن يحيى أنه كان منهمكا بالشراب، و محبا للنساء.

بعد يحيى تولّى «علي بن عمر بن إدريس» و هو صهره، و ابن عمه، و في عهده قام «عبد الرزاق» الخارجي من مدينة مديونة، و أعلن الخروج عليه، ثم قاد جيشا، و استولى على فاس، و بعدها ملك عدوة الأندلسيين، و هنا اجتمع الأدارسة، و قدموا «يحيى بن القاسم بن إدريس» عليهم، و كان يلقب‏

31

«المقدام» فملك عدوة الأندلسيين، و أخرج منها عبد الرزاق، و لكنه قتل أخيرا سنة 292 هـ على يد «ربيع بن سليمان» .

بعد موته عاد الأمر إلى بني عمر بن إدريس، و ظلّ نفوذهم قائما، و سلطتهم موجودة إلى حين قدوم القائد الفاطمي «مصّالة بن حبّوس» سنة 307 هـ، و في تلك الرحلة و طدّ «مصالة» صداقته مع «موسى بن أبي العافية» و سلّمه جميع ما استولى عليه من بلاد المغرب الأقصى.

بعد هذا لم يتوقف يحيى بن إدريس صاحب فاس عن الإغارة، فلما عاد «مصّالة» احتل فاس و أقام بها مدة خمسة سنوات، فكان موسى بن أبي العافية يسعى في إلحاق الأذى بيحيى، و يتهمه أمام «مصّالة» بالخروج على الفاطميين و الاتصال سرّا بالأمويين، و هذا ما جعل «مصالة» يقبض عليه، و يبعده من فاس، و بعد ذهابه تولّى موسى شؤون البلدان التي كان يحكمها.

في سنة 310 هـ جاء حسن بن محمد «الحجّام» فأوقع بموسى في إحدى المعارك و قتل ولده «منهل» و ملك فاس، و ما يليها لمدة سنتين، و لكن «حامد بن حمدان الهمذاني اللوزي» ، عارض، و استولى على المدينة ثم قبض على حسن‏

32

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

33

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

34

تقاسمهم النفوذ، و تسد عليهم أبواب السيادة... لقد خافوا من خطرها، و امتداد رقعتها، و لهذا و ضعوا جيوشهم في كافة المراحل في حالة اليقظة و الحذر، و مراقبة كل شاردة و واردة، و لم يكتفوا بذلك بل خصصوا أجهزة عديدة من العيون و الأرصاد لمراقبة ما يصدر من حركات عدائية ضدهم من جانب الفاطميين، فضلا عن اتخاذهم زمام المبادرة لتمويل الحركات الثورية، و الانتفاضات التي تنبعث ضد الفاطميين بالأموال، و العتاد، و الذخيرة، و أحيانا بالرجال، و كان مبعث كل هذا الخوف و درء الأخطار المحيقة، و اتخاذ الحيطة من شر هجوم مباغت، و مما لا يخفى أن الدولة الأموية في عهد «عبد الرحمن الناصر» كانت غنية بمواردها و أموالها، و لكنها كانت تعبة من أوضاعها الداخلية، و تسلط الأعداء من كل جانب، و بزوغ المؤامرات، و انبثاق الثورات، و الانتفاضات، فالروم في الشمال يطمعون، و يعملون على توسيع أملاكهم، و النفاد إلى الجنوب، و خاصة بعد أن تمّ لهم السيطرة على «برشلونة» ، و كانت الإمارات المسيحية في الأقاليم الجبلية الشمالية تهدد، و تقض مضاجع أركان عرش الخليفة الأموي بتحركاتها المستمرة التي لم تكن تقف عند حد، و يدخل في نطاقها المطالبة بالاستقلال، و الحكم الذاتي، و لكن كل هذا كان يقابل من قبل الأمويين برباطة جأش و عناد،

35

و الحقيقة فإن كل هذا لم يكن بنظرهم يشكل خطرا على دولتهم إذا قيس بخطر و أطماع الفاطميين، و تطلعاتهم إلى الاستئثار وحدهم بالملك دون الأمويين خاصة، و في هذا كله الرجوع إلى العداوة القديمة الموروثة، و إلى الأحقاد الدفينة بين الأسرتين العربيتين. غ

36

هواجس قرطبة

المصادر التاريخية أجمعت: بأن الخليفة الأموي «عبد الرحمن الناصر» ، لم يحاول قط أو يفكر مرة بفرض سيادته على المغرب، أو جعله جزءا من مملكته الأندلسية، كل ما فعله أنه استولى على «سبتة و طنجة» ليس لمجرد الاستيلاء عليها، بل لاتخاذها نتمطة دفاعية أو درعا يحول دون الاعتداء، أو الإغارة على أراضي الأندلس، فإذا كان «عبيد اللّه المهدي» لم يقم بهذا الاعتداء، فإن «القائم بأمر اللّه» ما زال حيا، و من يكفل سكوته عن هذا الأمر؟

لقد كان خليفة قرطبة يتبع بالنسبة لأفريقيا الشمالية نفس السياسة التي تمشى عليها مع الماوك المسيحيين، فلا اعتداء، و لا ضم أراضي جديدة لدولته، بل وقوف موقف المدافع عن النفس، و الاكتفاء بالوضع الراهن، كما يستدل من المعارك التي كان يخوضها، فقد كانت سياسته تقوم على مبدأ

37

المحافظة على كيان دولته، و حدودها الطبيعية، و اجتذاب الناس إليه عن طريق الملاينة، و التعايش السلمي، و إشغال الفاطميين بقضايا داخلية تلهيهم عن الالتفات صوبه.

أجل... كان يخشى على دولته من الفاطميين، و قد ظهر هذا الخوف جليا في مناسبات عديدة، و لكن هل كان هذا الخوف في محله؟إن هواجس سيد قرطبة لم تكن لتخمد.

كان في خلوته يسائل نفسه... ماذا لو أن «عبيد اللّه المهدي» أول خليفة فاطمي بعد أن استتب له الأمر في المغرب بدلا من أن يرسل ولي عهده القائم بأمر اللّه لاحتلال مصر البعيدة، أرسله إلى الأندلس القريبة، و لديه الأسطول الكبير الذي ورث أكثره عن بني الأغلب، كما لديه الجيوش الجرّارة التي لا يمكن لأية قوة أن تقف بوجهها، مضافا إلى ذلك، فإن «عمر بن حفصون» الثائر الأندلسي الكبير في قلعة «ببشتر» اتصل أكثر من مرة به و عرض عليه خدماته، و التجند في صفوفه، و هل الأندلس أقوى على الثبات في المجال أطول مدة من دولة بني الأغلب، أو بني رستم، أو الأدراسة انفسهم، و هؤلاء جميعهم سقطوا صرعى أمام الضربات الفاطمية الأولى.

إذن فحظ الناصر كبير، و طالعه سعد... و نحن نتساءل‏

38

لماذا لم يندفع المهدي في اتجاه الأندلس بدلا من الانطلاق نحو الشرق؟الخبراء بالتاريخ الفاطمي-على قلتهم-يؤكدون بأن المهدي أراد أن يجعل دولته المغربية أمبراطورية كبرى تبتدى‏ء من المحيط الأطلسي، و تنتهي في أطراف الخليج العربي، و كان يخطط لجعل عاصمة دولته تنافس بغداد فتكون دمشق مثلا، أو مكة المكرمة و بهذا تكون الخلافة الإسلامية قد استعادت مكانها.

و هناك احتمال آخر هو أن الوصول إلى الشرق حيث الأوضاع العامة متزعزعة أسهل و أخف جهدا، فيكفي أن تهب ريح جديدة لتتناثر أمامها الأوراق الباقية على الأغصان، و المعروف عن «المهدي» أنه كان شديد الحنين إلى الشرق حيث ولد و شب و ترعرع، فالانتصار و احتلال الأندلس لا يشفي غليل نفسه المتعطشة إلى المجد و السيادة و بسط النفوذ على العالم الإسلامي بكامله، بالإضافة إلى البيت الحرام، و لا شك بأنه قابل بين المكاسب التي يجنيها من حملته في السيطرة على الأندلس و بين المغانم المعنوية و المادية التي تنتظره في المشرق و فضل الرأي الأخير، و هذا ما جعله يحول أنظاره إلى مصر، كما أن ذلك جعله يتخذ الخطوات السريعة لبناء عاصمة دولته «المهدية» و يجعلها على ساحل البحر الذي منه سينفذ يوما ما

39

باتجاه الشرق، و لا شك أيضا بأنه كان يحلم في الاستيلاء على «القسطنطينية» عن طريق «صقلية» ، و جزر اليونان، فالدخول إلى الشرق عن هذا الطريق ربما كان أسهل مما يتصور، كما أن احتلال القسطنطينية التي أعجزت الأمويين و العباسيين فيه ما فيه من البطولات و الخلود.

و مات «عبيد اللّه المهدي» قبل أن يحول هذه الأحلام إلى حقيقة، و شغلته الثورات الداخلية، و قلبت خططه رأسا على عقب، بل هدّت أماله، و خنقتها في مهدها.

و خلّف المهدي «القائم بأمر اللّه» و ها هو يتبع سياسة المهدي الذي أحبه و أسلم له القياد... و بدا أنه حريص على تنفيذ وصيته و تعاليمه حتى تستريح عظامه في قبرها، فها هو يعد جيوشه منذ اليوم الأول لاضطلاعه بالملك، و يهيى‏ء الغزوة للانطلاق إلى ضرب العباسيين، عن طريق تركيا، و عن طريق مصر، حيث تتقدم قواته في البلقان و بر الأناضول نحو الشرق بفكي كماشة ثم يلتقي الجيشان أخيرا في العراق، و كان يضع أمام أنظاره، وجود دول عديدة في المشرق تلبي نداءه، و تسير في ركابه لدى أول إشارة.

و الحقيقة... ليست خطة و همية هذه التي وضع بنودها

40

الخلفاء الفاطميون... انها فكرتهم القديمة أو بلغة أصح دستورهم الأساسي، فهم منذ أن حطوا الرحال في شمال أفريقيا كان هدفهم النفاذ إلى مصر، و اتخاذها قاعدة للانطلاق نحو بغداد، و كل هذا أدخله سيد «قرطبة» في حسابه، و جعله في أكثر الأحيان في مأمن، كما شجعه على إرسال الأموال و المساعدات لكل من يثور على الفاطميين، أو يعارض وجودهم، و لعل ذلك كما ذكرنا خطة وضعها الأمويون لإشغال الفاطميين و إعاقتهم عن التفكير بالآمال و الأحلام.

أجل... لم يكن هنالك أي دليل، أو ما يشير إلى أن «القائم بأمر اللّه» ينفذ أي مخطط لغزو الأندلس أو حتى إثارة الثورات فيها، و خاصة بعد ثورة الخوارج التي عصفت ببلاده و كادت تذهب بها... تلك الثورة التي لم يسبق للفاطميين أن شاهدوا مثلها عنفا و كثافة و تنظيما، و لا شك أنها حولتهم و شغلتهم عن التطلع إلى أية جهة من الجهات.

إن تلك الهواجس كانت تشغل أفكار و عقول أسياد قرطبة، و تمنع عن عيونهم لذة الرقاد، امّا أنها لم تتحقق، و امّا أنها لم تصدق، فهذا كله له علل و أسباب.

41

وفاة الخليفة الفاطمي الأول-المهدي-

مات الخليفة الفاطمي الأول «عبيد اللّه المهدي» في قصره بمدينة «المهدية» فجأة بعد عمر طويل قضاه في الجهاد، و النضال و مقارعة الأحداث، و عوادي الأيام... مات الرجل الذي استطاع أن يؤسس دولة كبرى من العدم في ديار بعيدة عن وطنه، و في أرض لم يسبق أن وطأتها قدماه، أو عرف شيئا عن طبيعتها و أحوال سكانها، فجعلها بين عيشة و ضحاها محط الأنظار، أو قل دولة ذات كيان، ينظر إليها الشرق و الغرب نظرة إعجاب، و تقدير... مات الرجل العظيم الذي نسج التاريخ عن حياته فصولا ردّدها الدهر، و تغنّى بها الرواة، و كم هو رائع أن تبرز في سطورها العبقرية بأجلى مظاهرها، تلك العبقرية التي رفعته إلى قمة المجد، و أجلسته على عرش الخالدين.

42

أجل... لم يكن موت المهدي حدثا عاديا بنظر الناس، أو عارضا بسيطا لا يثير الاهتمام، و التساؤلات، ليس في أرجاء الدولة الفاطمية، بل في عموم المغرب و المشرق.

و الحقيقة فإنه من الأحداث الخطيرة التي تعرضت لها الدولة الفاطمية و هي في مطلع شبابها، فغياب الرجل العظيم، و المؤسس، و القائد، و الموجه، ترك في نفوس العامة و الخاصة على السواء آثارا، و انعكاسات لم يكن سهلا تناسيها، أو غض النظر عنها و خاصة بالنسبة لولي العهد «القائم بأمر اللّه» الذي أمضه المصاب، و جعله فريسة الحزن و الارتباك، تنتابه الأحزان، و الآلام على الرجل الذي ربّاه و علّمه، و ترك له هذا الملك الواسع.

أجل... أدرك «القائم بأمر اللّه» في تلك الساعة الرهيبة -ساعة الموت-بأنه فقد أغلى إنسان عليه في الوجود...

أدرك أنه أصبح وحيدا في وطن ليس له فيه أهل و لا أقرباء...

لا أسرة و لا أبناء عمومة... إلاّ بعض الصغار الذين لا حول لهم و لا قوة، فالمهدي كان بالنسبة إليه النور الذي ينير جوانب نفسه، و الأمل الباسم الذي يطل عليه من بعيد حاملا الرجاء و البشرى... لقد حزن القائم، و من حقه أن يحزن على الأب الروحي الذي تعهده منذ الصغر، و علّمه، و ربّاه، و حافظ

43

عليه، و لم يفارقه طرفة عين... من حقه أن يحزن على الرجل المخلص الذي شاركه أحزانه، و أفراحه... سعادته، و شقاءه... و لكنها سنة الكون... بل هذه هي خاتمة المطاف في الحياة.

ذكر التاريخ:

إنه لبس عليه الحداد لمدة عامين، فكانت الابتسامة لا تعرف ثغره، و ذكر أنه صبغ حجرات القصر باللون الأسود، و لم يعرف عنه أنه تطيّب أو تخضّب بعد موته، كما أنه لم يخرج من قصره راكبا على فرسه، و كانت هذه عادة درج عليها المهدي عند ما يخرج من القصر إلى المدينة، أو إلى مكان آخر.

أجل... مات المهدي فجأة... و لكن هل كان موته كموت أي شخص آخر في الدولة الفاطمية؟و هل انتهت قصة الموت بسهولة كأي حادث وفاة عادي، و هل نجت البلاد بعد ذلك من الكوارث، و الثورات، و الاضطرابات، و صفا الجو للخليفة الجديد القائم بمعنى «مات الملك ليعش الملك» ؟كل هذا جعل القائم يحسب الحسابات الدقيقة، و يفكر طويلا، و طويلا، و يخرج بالنتيجة التي تقود إلى تطبيق وصايا المهدي التي تحث على الصبر على المكاره، و الأحداث، و مقارعة الخطوب بعزيمة، و طول أناة، و عدم‏

44

الاستسلام إلى اليأس و القلق، فكان عليه أن يطبق هذه الوصايا، و يجعلها نبراسا يهتدي به في حياته، و لكن بالإضافة إلى كل ذلك رأى أن لا بد من استعمال الحيلة، و الحكمة، فقد خشي من أن يؤدي إعلان نبأ الوفاة فجأة على الشعب إلى وقوع اضطرابات، و اندلاع ثورات، أو ربما انتفاضة سريعة تطيح بالأسرة الفاطمية الحاكمة.

و أدخل في حسابه أن القواد لم يبايعوه، و لا ولاة الأقاليم، و لا العلماء، و لا رؤساء القبائل، مضافا إلى كل هذا أن الأعداء المتربصين، و المعارضين ينتظرون مثل هذه الفرصة...

ينتظرون غياب العقل المدبر للدولة ليقوموا بأعمالهم المقررة، و كل هذا جعل القائم يكتم خبر الوفاة، و يعلن للناس بأن الخليفة يشكو من مرض بسيط، و أنه لا يلبث أن يتعافى، و يخرج للناس، و من جهة ثانية أرسل بطلب المخلصين و المقربين من رجال الدولة، و خاصة «الكتاميين» فطالبهم بمبايعته للخلافة تنفيذا لأوامر «المهدي» ، و رغبته قبل موته، و هكذا فعل بالنسبة لقواد الألوية، و الكتائب، و أمراء الجيش، و رؤساء القبائل، و الولاة، و العلماء، و أصحاب الرأي في الدولة، و بعد أن تمّ كل شي‏ء أعلن عن الوفاة رسميا.

التاريخ لم يغفل وصف وقع المصاب على الشعب المغربي،

45

فقد أثار حزنهم غياب المصلح الكبير، و الخليفة العظيم الذي بذل كل ما يستطيع في سبيل إسعادهم، و إيصالهم إلى كل ما يتمنوه من الراحة، و العيش الرغيد.

و أخيرا: ودع الشعب القائد الوداع الأخير، و دفنوه في المدينة التي تحمل اسمه بين الدموع و الحسرات، و هنا لا بد من التساؤل... هل كان تدبير القائم بتأجيل إعلان الوفاة كافيا لإخماد ثورة المعارضين، و الناقمين، و المتربصين، و الحد من مؤامراتهم، و هل قضى بتدبيره هذا على كل آمالهم، و هل الأقاليم البعيدة جمدت كل فكرة للانتفاض، و هل الهدوء، و الأمن، و الاستقرار سيعم كافة أرجاء الدولة بعد موت المهدي؟

إن الجواب على هذا السؤال، سيظهر جليا واضحا في الصفحات التالية التي سنتناول فيها حياة «القائم بأمر اللّه» ، فهي وحدها تحمل في سطورها الوقائع، و التفصيلات لتلك المدة التي قضاها الخليفة الفاطمي الثاني على مقعد الحكم... تلك المدة التي كانت مشحونة بالحروب، و الثورات العنيفة، و لعلها من أصعب الفترات التي يواجهها حاكم، و يكفي أن القائم في خلالها لم تغمض له عين، و لم يهدأ له بال، كما لم‏

46

تعرف الراحة إليه سبيلا، و حينما نعلم أن أبواب عاصمة ملكه المهدية قد دقّت من قبل الثائرين أكثر من مرة، و أن سكانها اضطروا للنزوح عنها، و لم يبق فيها إلاّ حامية للدفاع كان القائم نفسه على رأسها... أجل... عندما نعلم أن عائلة القائم نفسها نزحت عن المهدية إلى بلد آخر فرارا من الأخطار المحدقة بها، أدركنا أية صعوبات واجهت القائم و هو في مستهل حكمه.

قد تكون الأسباب كثيرة، و العلل وفيرة، فهذه الأقطار المغربية المؤلفة من شعوب غير متجانسة، و غير مرتبطة تعودت على حياة الثورات، و الحروب، و الفوضى، فكل استقرار، أو حكم عادل، أو أمن موطّد لا يتفق و طبيعتها، و حياتها القبيلية، التي تعشقوا مبادئها، و رضعوا لبانها، و أعتقد أن تعاليم المهدي، و إصلاحاته، و تدابيره، و ما حققه لهذه البلاد من ازدهار، و عمران، و أمن، لم يخفف من ثقل الحياة القبيلية أو يذهب آثارها إلاّ لدى قلة من الناس، و أنّى له أن ينتزع من النفوس، بل من الدماء، هذا الشعور الموروث من مئات السنين.

و مهما يكن من أمر، فالشعوب التي تنتقل من حالة

47

قديمة، إلى حالة جديدة بسرعة لا بد لها من المرور بمراحل صعبة، و المغرب ذلك البلد الذي تحوّل بسرعة إلى دولة ذات كيان، كان لا بد له و هو في مطلع عهده أن يتعرض طبيعيا للأحداث، و للمفاجآت، و للعواصف الهوجاء.

48

الخليفة الثاني القائم بأمر اللّه‏

ولد الخليفة الفاطمي الثاني «القائم بأمر اللّه» في مدينة «سلمية» ، سورية سنة 279 هـ و شبّ و ترعرع في ربوعها، و شاهد بل عاصر، و هو في مقتبل العمر الثورة القرمطية تنبعث عنيفة صاخبة ضد أسرته الفاطمية، و تهددها، و تقض مضاجعها، ثم تضطر من سلم منها في خاتمة المطاف إلى الفرار نحو المغرب، كما شاهد العباسيين و مظالمهم، و مطاردتهم، و قتلهم أبناء عمومته من «العلويين» في كل مكان، فحمل منذ صغره بغضهم و كرههم، كما أضمر لهم كل حقد، و انتقام.

شارك «عبيد اللّه المهدي» آلامه، و أفراحه، فكان، رفيقه، و أمين سره، و ابنه المطيع، و تلميذه الذي يتلقى منه التعاليم، و التوجيهات برحابة صدر، و يدخل في هذا النطاق دروس التمرس على الشؤون السياسية، و الإدارة، و القيادة،

49

و الاضطلاع بشؤون الحكم، و أخيرا كان رفيقه في رحلته الشاقة العجيبة من «سليمة-سورية» إلى «سجلماسة» في المغرب، عبر فلسطين، و مصر، و ليبيا، و تونس، تلك الرحلة التي تغنّى بها المؤرخون، و الأدباء، و أفردوا لها الصفحات الطوال مشيدين ببراعة المهدي، و حسن تصرفه، و رجولته، و متانة أعصابه، و قد ذكرنا لمحة عنها في الجزء الأول من الموسوعة الخاص «بعبيد اللّه المهدي» ، و لكنّا لم نشر إلى ما تحمله القائم بأمر اللّه الشاب الطري العود من آلام الغربة، و وقع المصاب الأليم الذي حلّ بأسرته في «سلمية» على أيدي القرامطة...

ناهيك عن مشقات السفر، و تعرضه للسلب، و القتل، و التهديد، و أخيرا عذاب و آلام السجن في «سجلماسة» .

و مما لا شك فيه ان المهدي كان معجبا بالقائم، و بمؤهلاته، و هذا الإعجاب جعله يختاره من بين كافة شباب الأسرة الفاطمية ليكون رفيقا له في رحلته، ثم يعهد إليه بولاية العهد بمجرد أن أقام دولته الفاطمية، فمحضه ثقته، و أناط به أعظم مسؤولية في الدولة، و أعني بها قيادة الجيوش، و فتح الأمصار، و تأديب الخارجين، و إخماد الفتن و الثورات التي تهدد أمن الدولة، و وجودها، و استقرارها، و بالفعل بعد وفاة المهدي تسلّم شؤون الملك سنة 322 هـ، و نودي به خليفة للمسلمين.

لقّب «بأبي القاسم» ، و توفي في «المهدية» ، و دفن فيها

50

سنة 334 هـ، إذن فتكون المدة التي عاشها في «سليمة-سورية» سبعة عشر عاما، و المدة التي قضاها في المغرب في ولاية العهد خمسة و عشرين عاما، أما مدة بقاءه في سدة الخلافة فاثني عشر عاما، و هكذا يكون مجموع عمره خمسة و خمسين عاما.

مصادر التاريخ قليلة و نادرة جدا عن حياة القائم، و طفولته، و نشأته في «سليمة» ، فهذه المصادر أغفلت ذكر المربين، و المدرسين، الذين تولوا أمر تربيته و تعليمه كعادتها إغفال كل شي‏ء عن هذه الأسرة التي كانت تعيش كما ذكرنا في سرية تامة، و في تقيّة عجيبة، تنتحل الأسماء و الصفات، و تختفي عن عيون الناس تهربا من عيون العباسيين، و ملاحقاتهم، غير أن هذا كله لا يمنعنا من القول بأن «القائم بأمر اللّه» عاش منذ أن رأى النور في كنف «عبيد اللّه المهدي» ، و في رعايته، و تحت إشرافه فهو الذي احتضنه، و ربّاه، و ثقفه، و دربه، و هيأه لولاية العهد، ثم للملك فيما بعد، و لعمري أن هذا يبدو كافيا لإصدار الحكم على شخصيته، و وصفها بأنها كانت أنموذجا بارزا، و نوعية فريدة في ذلك العصر، فمن المؤكد بأنه لو لا ثقة المهدي بقدرته و تفوقه، و مؤهلاته، لما عهد إليه بولاية العهد، و بمسؤولية القائد الأعلى للجيش الفاطمي، و لما كان وجهه في المهمات الصعبة الشاقة التي‏

51

يفترض بصاحبها أن يكون على مستوى عال من المعرفة و الرجولة و بعد النظر، و الخبرة بشؤون الأقاليم، و ما يتفرع عنها من أمر مداراة الناس، و تحقيق رغبات الأهلين، و القبائل، و الشعوب و إنصاف الضعفاء، و المظلومين، و إيصالهم إلى حقوقهم، و كل هذا ليس بالأمر السهل في بلاد كشمالي أفريقيا، و لا شك بأن المهدي لم يقدم على هذا الاختيار إلاّ بعد وثوقه من قدرة القائم، و أهليته للاضطلاع بهذه المهمات الكبرى.

ذكرت بعض المصادر التاريخية:

بأن «القائم بأمر اللّه» تزوج بعد عشرة سنوات من وصوله إلى أفريقيا الشمالية بفتاة تنحدر من أسرة أمراء كتامة «العمّاريين» و هذه الأسرة لعبت دورا بارزا على مسرح الأحداث في تاريخ المغرب، فكانت درع الفاطميين، بل كانت الركن الأساسي لدولتهم، و عند ما نعلم أن من أفرادها، بل من قوادها «جعفر بن فلاح» القائد الفاطمي الذي فتح الشام بعهد الخليفة الفاطمي الرابع «المعز لدين اللّه» و أبناء عمّار الذين استوطنوا «طرابلس-لبنان» ، و أقاموا فيها باسم الفاطميين كقضاة يعملون للعلم و الأدب، فإلى هذه الأسرة الكبيرة يعود الفضل بتأسيس المكتبة الفاطمية الكبرى في طرابلس التي لم يكن يعادلها مكتبة

52

أخرى لا في المشرق، و لا في المغرب، و هي التي أحرقها الصليبيون عند ما استولوا على هذه المدينة.

أجل... عندما نعلم ذلك ندرك أن «القائم بأمر اللّه» أراد من هذا الزواج السياسي أن يقيم قاعدة شعبية له، يعتمد عليها، و يستند إليها عند حدوث المفاجئات أو بلغة أصح أقرباء يحملون السلاح زودا عنه، و عن ملكه.

بعضهم ذكر أن زوجته كانت من «الأدارسة» ، و هذه الأسرة كما مرّ معنا تمتّ للفاطميين بصلة القرابة، فهي مشرقية مثلهم، و تنتمي «للحسن بن علي بن أبي طالب» و كانت قد لجأت إلى شمالي أفريقيا، و أقامت دولتها سنة 169 كما ذكرنا.

قال عنه المستشرق «برنس مامور» :

كان رجلا غامضا عميقا، لا يسبر غوره، و لا يحاط بمداه... يأخذ بالقوة و الحزم في الحوادث الطارئة، و استطلاع الأمور، و كان داهية له نظرة فاحصة تصل إلى أعماق السرائر، و خفايا النفوس، و شجاعا لا يلين، و كان عارفا، و ذو خبرة باختيار الرجال، و اصطفاء الأصدقاء، و بالإضافة إلى كل ذلك كان صبورا، و طيب القلب، يحب عمل الخير، و الإحسان، وفيا للشعب، و يحب إنصافه، و إسعاده، و خاصة الطبقة الفقيرة العاملة، و كان محبا للحروب و للمغامرات يباشرها

53

بنفسه، و ينازل الأبطال في الميادين، و عرف عنه سعة حيلته في أساليب القتال، و استعمال الخديعة في بعض الأحيان.

و بالنسبة للعلم، و للأدب، فقد عرف عنه تقديره، و رعايته، و عطفه على طبقة المتأدبين، و المؤلفين، و الشعراء، يدلنا على ذلك اتصاله بكافة العلماء في عصره سواء بالمغرب أو بالمشرق، و قد ذكر التاريخ أن الفيلسوف الكبير «أبو حاتم الرازي» الذي كان مولجا بشؤون الدعاية في أقاليم «الديلم، و طبرستان، و أصبهان، و الري» ، قد أهدى كتابه القيم «الزينة» إلى الخليفة «القائم بأمر اللّه» ، و هذا الكتاب هو معجم في الاصطلاحات الفلسفية، و اشتقاق الكلمات، أو بلغة أصح دائرة معارف قائمة بذاتها، و من المشهور عن «أبي حاتم الرازي» أنه ناظر «أبو بكر الرازي» و دحض آراءه في الكثير من النظريات الفلسفية و الطبيّة، مضافا إلى ذلك يعزى إليه دخول «الأصغر بن شيرويه» أمير قزوين و قائده «مرداويج ابن زيار الديلمي» في الدعوة الفاطمية، و كل هذا يعطينا الدليل الدامغ على رعايته للعلم، و العلماء، بالرغم من أن أحداث بلاده الداخلية لم تكن لتساعده، أو لتعطيه الفرصة السانحة للسهر على هذه الأمور الحيوية، و توليتها ما تستحقه من عناية و اهتمام.

54

العودة الى الاحلام الفاطمية:

في الكتاب الأول من الموسوعة، و في الصفحات الأولى من هذا الكتاب ذكرنا الكثير عن تطلعات الفاطميين إلى الديار المصرية، و أحلامهم في امتلاكها، و ضمها إلى دولتهم المغربية، فمصر منذ البدء كانت هدفهم الأول، و مهوى افئدتهم، بل و منذ أن أسسوا دعوتهم السرية في المشرق، و مما يذكر عنهم أنهم لم يتوقفوا يوما عن توجيه الدعاة إلى هذا القطر، و تزويدهم بالتعاليم، و الأفكار، فأهدافهم كانت ترمي إلى جعله ملكا لهم في يوم ما يتخذونه قاعدة لدولتهم، و نقطة للعبور إلى المشرق حيث «القدس، و دمشق، و المدينة المنورة» ، مضافا إلى ذلك ما يتمتع به هذا القطر من ثروات، و موقع جغرافي هام، و متوسط بين الشرق و الغرب، و هذا يمكنهم من بسط سيادتهم على البحر الأبيض المتوسط، و النفاذ منه إلى بحار أخرى، و ممالك أكثر غنى و ثروة.