الموسوعة التاريخية للخلفاء الفاطميين - ج9

- عارف تامر المزيد...
92 /
5

الجزء التاسع‏

الخليفة الفاطمي التاسع‏

اسمه: المستعلي باللّه... لقبه: أحمد... كنيته:

أبو القاسم... ولد في القاهرة «المعزيّة» سنة 467 هـ...

تسلّم الخلافة سنة 487 هـ. بعد وفاة والده الخليفة «المستنصر باللّه» و كان ابن عشرين عاما... مدة خلافته سبع سنوات و شهران...

توفي سنة 495 هـ. و كان عمره سبع و عشرون سنة و سبعة و عشرون يوما... والدته هي شقيقة «الأفضل بن بدر الجمالي» و كان والده قد تزوجها سنة 466 هـ. أخوته من أبيه هم: نزار، محمد، عبد اللّه، جعفر، داؤد.

6

بداية النهاية

ذكرنا في الأجزاء السابقة من هذه الموسوعة التاريخية بأن للدول و للمالك أعمارا محدودة كما للإنسان، و انّ ما يزيد أو ينقص فيكون لعلل و أسباب، فالدول عادة تبد صغيرة، ثم تشب و تترعرع و تدخل مرحلة الشباب و ما بعده حتى تصل أخيرا إلى حافة الشيخوخة حيث الوهن و الانهيار ثم الموت، و الدولة الفاطمية التي نحن بصدد التحدث عنها وصلت في عهد الخليفة الثامن «المستنصر باللّه» إلى ذروة المجد و الرفعة بحيث امتدت رقعتها إلى مناطق بعيدة، و إننا لا نغالي بأن نفوذها لم يكن يغيب عنه الشمس... هذا في أوائل عهد «المستنصر باللّه» أمّا في آخر عهده فقد ظهر على الأمبراطورية «الفاطمية» الكلال و الوهن و الشيخوخة ممّا أعطى الإنذار الأخير بأنها كانت في طريق النهاية تجتاز المرحلة الأخيرة من حياتها و هذا ما قصدناه بكلمتنا «بداية النهاية» .

7

إن زواج الخليفة «المستنصر باللّه» في آخر أيامه من ابنة وزيره الأول و قائد جيوشه «بدر الجمالي» عجّل بالقضاء على الدولة بحيث افسح المجال لبروز الخلاف بين الأخوة على مركز الخلافة، ثم حدوث الانقسام الرهيب، و هكذا تغيرت النظم و القوانين و ذهبت الشرعية عن قاعدة الدولة التي هي «الخلافة» حينما تسلّمها بالقوة شاب في مقتبل العمر اشتهر بضعفه و انهياره بفضل تأييد الجيش، فدبّ الفساد، و استعمل السلاح، و هدرت الدماء و انقسمت الدولة إلى فريقين متحاربين ممّا شجع الأقاليم و البلدان التي كانت خاضعة لها على الانفصال و الاستقلال، و ظلّت مصر و حدها عرضة لشتى الاحتمالات و التقولات.

أجل... مرّ معنا ان الخليفة «المستنصر باللّه» جاء «ببدر الجمالي» الأرمني الجنسيّة، فسلّمه الوزارة الأولى، و القيادة العليا، ثم عهد إليه بوظيفة «داعي الدعاة» و لم يسبق لأحد من الرجالات الذين خدموا الدولة الفاطمية أن وصلوا أو حازوا على مثل هذه الثقة، فتسلّم «بدر» المناصب المذكورة و عظم نفوذه لدرجة أنه استولى على صلاحيات الخليفة من طرف خفي، و يعلل المطلعون ذلك إلى زواج «المستنصر باللّه» من ابنته... فهذا الزواج منحه الثقة و التأييد

8

و بارك له كل عمل كما أطلق يده بالتصرف المطلق بشؤون الدولة سواء الداخلية أو الخارجية، و قد كنّا فصلنا في الجزء الثامن ما قام به من أعمال، و ما قدمه من خدمات، و بعد موته عيّن الخليفة «المستنصر باللّه» ولده «الأفضل» مكانه، و كان «الأفضل» قد تمرّن على شؤون الحكم و الإدارة و رافق والده في فتوحاته و حروبه، فتسلّم ما عهد إليه به، و لم يمض على ذلك سوى بضعة شهور حتى مات بعدها «المستنصر باللّه» و بموته حدثت الفتنة الكبرى و وقعت الدولة في هوة سحيقة ظلّت تتخبط فيها حتى أدركها الفناء.

9

ولاية العهد

التقليد الفاطمي الذي كان سائدا لدى هذه الأسرة الحاكمة يقضي على الخليفة أن ينص بولاية العهد على ابنه الأكبر إلاّ في الحالات الاستثنائية و الظروف الخارجة على المألوف، و قد تأكّد لدينا بأن الخلفاء الفاطميين أنفسهم و دعاتهم كانوا يعتبرون تسمية «ولي العهد» واجب ديني مقدس أناطه اللّه بالخليفة، و هذا نص ورد في كتاب «المجالس و المسايرات» للقاضي النعمان بن حيّون التميمي ورد على لسان الخليفة الفاطمي «الثالث «المنصور باللّه» حين خاطب ولده «المعز لدين اللّه» :

«و اللّه ما أنا أثرتك بما أثرتك به، بل اللّه أثرك و اختصك و أعطاك و اجتباك... و اللّه لو ملكت الدنيا درهما فما فوقه من غير هذا الوجه لما استجزت أن أخصّ به أحدا من ولدي دون أحد، فأمّا ما خولني اللّه من الكرامة و اصطفاني به من‏

10

الإمامة فإنما هو متاع عندي، و عارية في يدي إلى انقضاء المدة و تمام العدة، ثم هو لك بحكم اللّه و أمره، و إعطائه ليس من أمري و حكمي و اختياري و اختصاصي إيّاك به» .

أجل... كان الخلفاء الفاطميون يعدون أولياء العهود إعدادا دينيا و سياسيا فيحتمون عليهم الاطلاع على أسرار الدين و التمعن فيه حتى يصبح صالحا للزعامتين الدينية و الدنيوية، و من جهة أخرى كان مفروضا على الخليفة أن يعين من يخلفه قبل أن يموت و أن يشهد على هذا التعيين أخلص الناس إليه، و قد ثبت أن «المستنصر باللّه» أوصى بالخلافة لابنه الأكبر «نزار» و هذا موضوع لا يحتاج إلى نقاش لأن كبار الدعاة الفاطميين و رجالات الدولة كانوا ينادونه بهذا الاسم في حياة أبيه، و بعد وفاته رأى «الأفضل الجمالي» قائد القوات و الوزير الأول أن يولي الخلافة ابن شقيقته «المستعلي باللّه» و ذلك حتى يبقى في مناصبه، و يقال انه آثر الانتقام من «نزار» الذي كان يقول و يردّد: «لا بد من إبعاد هذا الأرمني القذر» .

11

وقوع الفتنة

و هكذا لم يكن بالأمر السهل تلافي وقوع الفتنة الهوجاء، و على الأخص بعد ما أصدر «الأفضل» بيانا و زّعه على الأقسام الخاضعة للدولة الفاطمية و فيه يقول:

إن الخليفة «المستنصر باللّه» أوصى بالخلافة «للمستعلي باللّه» قبل وفاته، و ان وثيقة رسمية موقعة و مدعومة بالشهود موجودة في القصر تثبت ذلك.

أمّا «نزار» فإنه بالمقابل أذاع بيانا و زعه في جميع أنحاء البلاد اتهم فيه «الأفضل» بالاعتداء على أقدس المقدسات الفاطمية، و ذكّر الناس بالوصية العلنية التي كان يذيعها الخليفة «المستنصر باللّه» على الشعب، و التي سمّى فيها «نزارا» وليّا للعهد و ذلك منذ أربعين عاما، و قد رافق كل هذا استنفار قوى كل من الفريقين و الاستعداد للقتال.

ذكر التاريخ:

12

إن «نزار» و أخوته الأربعة و باقي أفراد عائلاتهم التحقوا بالاسكندرية و اعتبروها عاصمة لدولتهم «النزارية» ، و كان قد أيّدهم القائد «أفتكين» ناصر الدولة و فريق من الجيش كما انضمّ إليهم حاكم الاسكندرية الذي دعا الناس فورا إلى مبايعة «نزار» بالخلافة، و كل هذا حرّك عليهم «الأفضل» فجرّد حملة كبرى و توجه إلى الاسكندرية فتمكن منذ الجولة الأولى من قتل «أفتكين» و حاكم الاسكندرية، و القبض على «نزار» و أخوته و باقي أفراد العائلة من الذكور و قادهم إلى القاهرة حيث سجنهم مدة ثم قضى عليهم فيما بعد أي سنة 490 هـ.

و هكذا انطوت صفحة «نزار» قبل ولادتها، فهذا الإمام السي‏ء الحظ الذي لم يكتب له الظهور على مسرح الخلافة ولد سنة 437 هـ. و عاش في كنف والده «المستنصر باللّه» إحدى و خمسين عاما، و كان معروفا بأنحاء الدولة بأنه ولي العهد و الخليفة المرتقب، أما أخيه الأصغر «المستعلي باللّه» فقد تسلّم الخلافة الفاطمية و لكن على بحر من دماء أخوته لهذا فإنه كان زاهدا بالحكم، و قد أمضى مدته دون أن تصدر عنه بادرة ما تاركا كل الأمور لخاله مستسلما للأقدار، متبرما بالناس مؤثرا العزلة حتى وفاته في سن مبكرة.

13

الدولة النزارية في فارس‏

مصادر التاريخ للفرقة «المستعلية-البهرة» بفرعيها «الداؤدية» و «السليمانية» تذكر:

بان «الأفضل الجمالي» قام بعملية إبادة بالنسبة «لنزار» و أخوته و أولادهم جميعا فلم يترك منهم ذكرا حيا، بينما مصادر التاريخ «النزاري» تؤكد بأن «حسن الهادي» و هو الابن الأكبر «لنزار» تمكن من النجاة، و ذهب إلى إيران بصحبة موفد «حسن الصبّاح» و هو رجل فارسي اسمه «شاه زاده أسد» كان قد هبط القاهرة، و اتصل بالداعي الفاطمي «حسن بن سعيد» الذي ساعده على تخليص «حسن الهادي» من قبضة «الأفضل» و التوجه به إلى إيران حيث أعدّ له «الحسن بن الصبّاح» «دولة ألموت النزارية» التي كانت تبسط نفوذها على الإسماعيليين في سورية و العراق‏

14

و فارس و السند، و كان يعاون «الصبّاح» القائد الفارسي «كيا بزرك آميد» أمّا اليمن فظلّت مع مصر على ولائها لدولة «المستعلي» الجديدة.

و هنا نقف وجها لوجه أمام المصادر التاريخية العديدة التي يخرج بعضها عن حدود المألوف، فقد ذكر بعضهم أقوالا غير واقعية عن الدولة النزارية كالطعن في شخص «حسن بن الهادي» و اعتباره من ولد «حسن الصبّاح» و يدعمون أقوالهم ببيانات تؤكد مقتل نزار و جميع أولاده... الخ.

إن هذه المزاعم «لفّقها» و فصّلها دعاة «المستعليين» و غايتهم هي الانتقاص من قدر «النزارية» و طعنها في الصميم و الحقيقة فإن مثل هذه المزاعم ألفها الناس و أصبحت قاعدة عامة ينطلق منها كل الذين يهمهم طعن الحقيقة و القضاء على الواقع و التاريخ.

أمّا «المستعلية» التي أكملت المسيرة الفاطمية بقوة الحراب و بالقضاء على الشرعية، فهذا الاستمرار لم يدم طويلا، لأن بعد «المستعلي باللّه» جاء «الآمر بأحكام اللّه» و بعد «الآمر» انتهت الدعوة «المستعلية» فتسلّمها أشخاص من الأسرة الفاطمية و لكنهم لا ينحدرون من الخلفاء مباشرة.

ذكر التاريخ:

15

بأن «الآمر بأحكام اللّه» الذي تسلّم الخلافة بعد «المستعلي باللّه» لم ينجب أولادا، و انه قتل و امرأته حامل «بالطيّب» و هو الوريث الذي يدعي «المستعليون» أنه ولد و دخل في الستر و السرية، و أنه سيعود ليملأ الأرض عدلا كما ملئت جورا و ظلما... و يقول «النزاريون» :

إن هذه القصة تدخل في عالم الأساطير، و لا يمكن للعقل أن يتصورها، أو يصدقها... و مهما يكن من أمر فإن الدولة الفاطمية بعد مقتل «الآمر بأحكام اللّه» تسلّمها أربعة هم:

«الحافظ» و قد حكم ثمانية سنوات و أربعة أشهر...

و «الظافر» الذي حكم أربعة سنين و ثمانية أشهر، و «الفائز» الذي حكم ستة سنوات و خمسة أشهر و «العاضد» و قد حكم أيضا إحدى عشر سنة و ستة أشهر، و في آخر أيامه تسلّم «الأيوبيون» الملك و عادت مصر إلى ارتباطها السابق بالخلافة العباسية.

16

الأفضل الجمالي في عهد أبيه‏

من الثابت أن «الأفضل» اشترك في الوزارة مع أبيه و قد ذكر «ابن الصيرفي» المؤرخ ما يلي:

انتقل النظر إليه حين اشتد مرض والده في شهر ربيع الأول سنة 487 هـ. و يستطرد في أن سبب تولية الأفضل في حياة أبيه هو طمع أحد رجال «بدر» و يدعى «لاوون» في الوزارة عند ما رأى مرض سيده، و لكنه لم ينجح في مسعاه و أسندت الوزارة للأفضل، و يذكر المقريزي و ابن ميسر:

بأن «بدر الجمالي» استناب ولده «الأفضل» و جعله «ولي عهد» السلطنة، و مهما يكن من أمر فقد جاء في السجلات المستنصرية أن «الأفضل» اشترك مع أبيه في تدبير الأمور منذ عام سنة 479 هـ. و أمر أن يدعى له على المنابر بعد الدعاء للخليفة و لأمير الجيوش «بدر» و في ليلة عيد الفطر سنة 515 هـ.

17

قتل «الأفضل» و له من العمر سبع و خمسون سنة إذ كان مولده «بعكا» سنة 458 هـ. قتله أشخاص خرجوا عليه من دكان دقاق بالملاحين. و تختلف المراجع في سبب قتله، فالبعض يذكر أن قاتليه هم من «النزارية» في حين يرى آخرون أن «الآمر بأحكام اللّه» ضاق بتحكم «الأفضل» و استبداده بالأمور فوقعت بينهما المباينة و أخذ كل منهما يعمل على التخلص من الآخر... و أن «الآمر» عزم على قتله داخل القصر، و لكن ابن عم «الآمر» «الأمير عبد المجيد» حذره من ذلك و كان يرى أن يستميل «المأمون بن البطائحي» و هو ثقة «الأفضل» و يمنّيه بالوزارة على أن يدبر قتله... فتمّ الأمر على ما دبره «الأمير عبد الحميد» و ذكر أن قتلته قتلوا في الحال حتى يضيع سرهم معهم.

هذا و في الصفحات التالية سنتحدث عن «الأفضل» و أعماله و ما حققه في حياته، كما سنتحدث بإيجاز عن ولده «أحمد» الذي لعب دورا مهما في آخر عهد الدولة الفاطمية.

18

أخبار «الافضل»

«لمّا مرض «بدر الجمالي» مرضه الأخير رؤى أن يقلّد ابنه «الأفضل» وظيفته، فأمر الخليفة «المستنصر باللّه» بإنشاء سجل قرى‏ء في الإيوان بمرأى و مسمع من أمير المؤمنين و من سائر أعيان الدولة و أشرافها و أمرائها و أوليائها و جنودها و خاصها و عامها، و أظهره على أعين الناس مجلببا من التقليد و التفخيم و التعظيم مفاخر هي المفاخر و المعالي، و عقد له من ذلك ما خفض به سكب المعادي و أبهج قلب المعالي» .

و كان الأفضل قبل توليته الوزارة يحمل لقب: «عز الدولة غياث المسلمين، صفوة أمير المؤمنين» ... و لمّا اشترك مع أبيه في الحكم أصبح لقبه: «الأجل الأفضل، سيف الإمام، جلال الإسلام، شرف الأنام، ناصر الدين، خليل أمير المؤمنين، أبو القاسم شاهنشاه» ... و بعد وفاة

19

أبيه اتخذ ألقابه مع زيادة كلمة «الأفضل» التي صارت فيما بعد نعتا خاصا.

في سنة 490 هـ. وقع بمصر غلاء شديد، فوقعت المجاعة و فقدت المواد الغذائية و انتشرت الأوبئة، و قطعت الخطبة من دمشق للمستعلي و استعيض عنها بذكر اسم العباسيين، و في هذا العام أيضا خرج «الفرنجة» من القسطنطينية و غايتهم استملاك سواحل الشام و غيرها، فملكوا انطاكية بادى‏ء ذي بدء ثم بدأوا بالزحف، و يبدو أن الدول العربية لم يتفهموا الحركة الصليبية في بادى‏ء الأمر، و لم يتبينوا غرضها فظنوها مثل الحملات التي كان يشنها البيزنطيون بين الحين و الحين، لذلك لم يهتموا باتخاذ أي إجراء لدرء هذا الخطر الفادح، و لعلّ الخلافات الداخلية و الخصومات المتأججة بين الفاطميين و العباسيين وقفت حائلا دون اتخاذ أي موقف مشترك، و هكذا وجد الصليبيون الطريق مفتوحا أمامهم لامتلاك معظم بلاد الشام، و لم يفق المسلمون من سباتهم حتى كان الجيش الصليبي يوطّد أقدامه في الشام.

و قد اتهم المؤرخون «الأفضل الجمالي» بمحاولة الانضمام للصليبيين، و الاستعانة بهم في القضاء على أعدائه «السلاجقة» و اعتبروا ذلك تنكرا من الأفضل لإسلامه و عروبته. و لكن‏

20

عند ما نحاول دراسة موقفه من خلال ما ذكرناه آنفا و الدوافع التي ألجأته إلى ذلك نصل إلى نتيجة تتلخص:

بأن مصر قبل وصول بدر الجمالي كانت قد وصلت إلى حالة من الفوضى و البؤس صوّرها لنا المؤرخون بصورة مؤلمة، و انقسم الجيش على نفسه و أخذت فرقه المتنازعة تعيث في البلاد فسادا، و برغم نجاح «بدر و ابنه» من بعده في القضاء على عوامل الفساد، و الخروج بالبلاد من أزمتها الاقتصادية إلاّ أن ذلك كله ترك أثره في إضعاف قوتها الحربية، مما جعل «بدرا» يعجز عن استرداد ما ضاع من أملاك الفاطميين في الشام، زد على ذلك ما حدث في أول وزارة «الأفضل» من انقسام بين صفوف الفاطميين و ظهور فرقتين متعاديتين هما: «النزارية» و «المستعلية» و ما تلا ذلك من جهود قام بها «الأفضل» للقضاء على ثورة «نزار» ...

هذا من الناحية الداخلية، أمّا من الناحية الخارجية فإن مصر أصبحت في تلك الفترة أمام خطر يسعى للقضاء عليها...

ذلك هو خطر السلاجقة السنيين الذين استولوا على معظم أجزاء الشام، و أصبحوا يهددون مصر نفسها محاولين القضاء على الدولة الفاطمية و مذهبها الديني.

و لقد كان العداء بين هاتين القوتين عداء عنيفا عميقا

21

جعل اية مهادنة بينهما غير ممكنة، و قد رأينا كيف كان كل من الفاطميين و العباسيين يحاول الاستعانة بالبيزنطيين ضد عدوه الآخر. زد على ذلك ما لمسناه من تسامح ديني نعم به المسيحيون في بلاد الإسلام، و المسلمون في بيزنطة بوجه عام إلاّ في فترات، فكان للمسلمين مساجدهم في القسطنطينية و غيرها من بلاد الروم كما كانت كنيسة القيامة في القدس في حماية المسلمين، و يفد إليها المسيحيون من كل البلاد دون عائق، كما أن الفاطميين استعانوا بوزارة من المسيحيين و اليهود، و كان من المألوف أن يستعين الحكام المسلمون في بعض الأحيان بالبيزنطيين ضد بعضهم البعض، أو يستنجد البيزنطيون بالأساطيل المصرية ضد منافسيهم المسيحيين بصقلية، فالأفضل على ما يبدو لم ير مانعا من الاتصال بالصليبيين خصوصا و أنه كان ينظر إليهم كمجرد مرتزقة تابعين للأمبراطور البيزنطي.

لذلك عند ما علم «الأفضل» بوصول الفرنجة إلى أنطاكية أرسل إليهم مندوبا يدعوهم إلى المفاوضة مقترحا تقسيم الشام، فيكون شمال سورية من نصيب الفرنجة و يستولي الفاطميون على فلسطين، و لكي يجعل لاقتراحه قوة خرج إلى فلسطين و استولى على بيت المقدس في رمضان سنة 491 هـ.

22

و قد استقبل الصليبيون هذا المندوب بالتكريم بالرغم من أنهم لم يدخلوا معه في أية مفاوضات، و عاد المندوب محملا بالهدايا... ثم أن الصليبيين أكملوا زحفهم و كانت وجهتهم بيت المقدس، و قد استغلوا التفكك الحاصل بين الحكام المسلمين، فأرسلوا إلى «دقّاق» صاحب دمشق يطلبون منه عدم التدخل و أنه لا مطامع لهم في ممتلكاته... و هكذا سار الصليبيون عن طريق الساحل، و قد أمنوا تدخل أمراء المسلمين، فوصلوا إلى بيت المقدس التي كان «الأفضل» قد سبقهم إلى احتلالها، و دارت المعركة الكبرى فيها و أخيرا سقطت بيد الصليبيين.

و مهما يكن من أمر فقد كان لسقوط بيت المقدس و قتل سبعين ألفا من المسلمين صداه القوي في العالم الإسلامي، إلاّ أن العباسيين لم يتمكنوا من مد يد المعونة نتيجة للفتنة الكبرى بين أمراء السلاجقة بعد مقتل «ألب ارسلان» و الخلاف بين السلطان «بركيا روق» و أخيه «محمد» .

أمّا في مصر فقد عرف «الأفضل» -و إن كان ذلك متأخرا-طبيعة الحركة الصليبية و مدى الخطر الذي يهدد مصر و الإسلام، و منذ ذلك الوقت حمل لواء الجهاد ضد الصليبيين مادا يده إلى أمراء السلاجقة في الشام متناسيا ما بينهم من أحقاد

23

و خلاف. فخرج إلى «عسقلان» في شهر رمضان سنة 492 هـ.

و أرسل إلى «الفرنجة» مظهرا لهم سخطه على ما فعلوه بالمسلمين، و يبدو أنه كان يعتقد في إمكان استئناف المفاوضات معهم، إلاّ أنهم بادروه بقواتهم و دارت معركة عنيفة كاد أن يقتل فيها «الأفضل» و لم ينج إلاّ بأعجوبة و قتل الكثيرون من جنوده، و عاد هو بحرا إلى مصر و ترك «عسقلان» لمصيرها، و لو لا وقوع الخلاف بين الصليبيين لأمكنهم فتحها... و بعد هذا لم يخرج الأفضل بنفسه لقتال الصليبيين و لكنه لم يأل جهدا في إرسال الحملة تلو الحملة، و لم يبخل حتى بأولاده في جهاد الصليبيين، كما حاول «الأفضل» عمل جبهة موحدة من مصر و دمشق و وجد استجابة من أميرها «طغتكين» و لكن كل هذا لم يقدر له البروز إلى عالم النور و الفعل... فقد مات «الأفضل» و لم يبق بيد الفاطميين من بلاد الشام إلاّ «صور و عسقلان» .

و كان «الأفضل» قد خرج من القاهرة سنة 491 هـ. على رأس حملة قوية للاستيلاء على بيت المقدس و كان عليها «سلمان و إيلغازي ابني أرتق» و لمّا رفضا تسليم المدينة دون حرب، حاصرها مدة أربعين يوما و أخيرا سلّم أهلها فدخلها و استقر بها و أكرم «سلمان و إيلغازي» و خلع عليهما كما

24

أخلى سبيلهما... و لكن «الأفضل» لم يهنأ طويلا بانتصاره إذ سرعان ما استطاع الصليبيون فتح العديد من مدن الشام ثم الاستيلاء على بيت المقدس كما ذكرنا، و كان لانقسام القوى الإسلامية، و العداء القديم العنيف بين الخلافتين في بغداد و القاهرة أثره في الانتصارات السريعة السهلة التي أحرزها الصليبيون... و لو ان الجبهة الإسلامية كانت متحدة لاستطاعت بسهولة القضاء على هؤلاء الغزاة الذين قطعوا المسافات الطويلة من غرب أوروبا إلى الشرق العربي، و وصلوا إليه و قد أنهكهم التعب و دبّ بين زعمائهم الخلاف.

و مهما يكن من أمر فإن الفاطميين بعد مقتل «الأفضل» فقدوا كل ما كان لهم في الشام من ممتلكات، أي أن الدولة الفاطمية خرجت نهائيا من الشام و ظلّ هذا الخروج حتى نهاية الدولة الفاطمية، و هكذا بالنسبة لشمالي أفريقيا فإنه سنة 509 هـ. انقطعت كل صلة للدولة الفاطمية بالمغرب.

أما في النوبة فقد ساءت العلاقة في عهد «الأفضل» و قد ذكر التاريخ:

إنه سنة 501 هـ. وردت الأخبار إلى «الأفضل» بأن ملك النوبة قد تجهّز برا و بحرا و عوّل على قصد البلاد القبلية،

25

فسيّر «الأفضل» جيشا إلى «قوص» و تقدم إلى والي «قوص» بأن يسير بنفسه إلى أطراف بلاد النوبة، فورد الخبر بوثوب أخي الملك عليه و قتله و اشتدت الفتنة بينهم حتى باء أهل المملكة، و أجلس صبي في الملك فأرسلت أمه تستجير بعفو «الأفضل» و تسأله أن يسيّر إليهم من يغزوهم، فكتب لوالي الصعيد الأعلى بأن يسيّر عسكرا إلى أطراف بلاد النوبة و يبعث إليهم رسولا يحدد عليهم القطيعة الجاري بها العادة و هي ثلاثمائة و ستون «رامسا دقيقا» كل سنة، بعد أن يستنفذ منهم ما يجب عليهم في السنين المتقدمة فلمّا دخلت العساكر نحوهم دخلوا تحت الطاعة و كتبوا المواصفات في الإعفاء عمّا يمضي من السنين و حملوا ما تيسر لهم و عادت العساكر كاسبة.

و يبدو أن العلاقات عادت مرة أخرى إلى الصفاء فلم نعد نسمع عن أي احتكاك بين البلدين على أن بلاد النوبة خرجت أيضا عن دولة الفاطميين بمجرد أن أصبحت هذه الدولة في دور النزاع، أي بعد مقتل «الأفضل» .

و بين هذا و ذاك نستطيع القول بأن مصر الفاطمية بعد وفاة الخليفة الثامن «المستنصر باللّه» لم يعد لها من الممتلكات لا في الشرق و لا في الغرب، و ظلّت الديار المصرية و حدها تتنازعها الأيدي التي تسربت للحكم في الظلام بصورة غير شرعية،

26

و يجب أن لا ننسى بأن «الإمارة النزارية» التي قامت في «ألموت-فارس» كانت تعمل بجد و نشاط لتقويض أركان دولة «المستعلي» . و قد ذكر التاريخ:

إن النظام و الأمن كاد يضطرب في أرجاء الدولة الفاطمية بعد مقتل «الأفضل» لولا يقظة «المأمون البطائحي» الذي تولّى الوزارة بعده، إذ استطاع أن يعيد الأمور إلى نصابها و يحفظ في البلاد الأمن و يحميها من خطر «النزارية» و كان هدفهم إشاعة القتل و إحداث الفوضى في البلاد، و من المعلوم أن «الحسن بن الصبّاح» فرح لموت عدوه الأول «الأفضل» و بعض المصادر تؤكد أنه هو الذي دبّر مؤامرة اغتياله، كما أنه هو الذي دبّر مقتل «الآمر بأحكام اللّه» ابن «المستعلي باللّه» و ذكر أنه أرسل رسله و أصحابه إلى مصر و معهم الأموال الكثيرة بقصد القيام باحداث الاضطرابات و الاغتيال، و كان بعضهم قد اتخذ من «عسقلان» مقرا له، و هكذا أقدم «الوزير البطائحي» على صرف والي «عسقلان» و عين غيره بعد أن أوصاه بعرض أرباب الخدم بها و أن لا يبقى فيها إلاّ من هو معروف من أهل البلاد، و أوصاه بالاجتهاد و الكشف عن أشخاص القادمين من التجار و غيرهم، و أن لا يثق بما يذكرونه من أسمائهم و بلادهم بل عليه أن يكشف عن‏

27

بعضهم من بعض و يفرق بينهم و يبالغ في ذلك، و يحقق بمن وصل ممن لم تجر له عادة بالوصول إلى بلاده فليعقه بالثغر و يطالع مجاله و بما يحمله من البضائع، و كذلك الجمّالون عليه أن لا يمكن أحدا من الوصول إلى البلاد إلاّ من كان معروفا مترددا، و لا يسير قافلة إلاّ بعد أن يتقدمها كتابة إلى الديوان بعدة التجار و أسمائهم و أسماء الجمّالين و ذكر أصناف البضائع ليقابل بها في مدينة بلبيس عند وصولهم إليها، و تقدم الوزير البطائحي إلى والي مصر و القاهرة و أمرهما أن يقوما بإحصاء شوارع القاهرة و مصر شارعا شارعا و حارة حارة بأسماء من فيها من السكان، و أن لا يمكنا أحدا من الانتقال من منزل إلى منزل إلى أن يخرج أمره بما يعهداه فيه، فلمّا وقف على أوراق الإحصاء و فهم أسماء أهل مصر و القاهرة و كناهم و أحوالهم و معايشهم، و من يصل إلى كل ساكن من سكان الحارات من الغرباء سيّر من قبله نساء يدخلن هذه المساكن و يتعرفن إلى أحوال «النزارية» في مصر فأصبحوا لا يخفى من أمرهم شيئا، أمّا الخوف فقد كان من «النزاريين» الذين يأتون من بلاد العجم لتنفيذ مؤامرات الاغتيالات و القتل.

و في إحدى حملاته على «النزارية» ألقى القبض على رجل منهم كان يقرى‏ء أولاد الخليفة «الآمر بأحكام اللّه» و قد

28

مسك معه المال الذي أرسله إليه «الحسن بن الصبّاح» كنفقة لبقية الرجالات الذين أرسلوا من قبله بمهمات.

و الخلاصة فإن «الحسن بن الصبّاح» كان اسمه يبعث الذعر و يقض مضاجع الدولة «المستعلية» الفاطمية...

و عند ما نعلم أنه صاحب مدرسة «الفدائية» الأولى في العالم و أول من اتخذ من الاغتيالات مبدأ عاما لتصفية أعداءه، و قد يكون من المفيد أن نذكر بأنه هو صاحب فكرة اغتيال الوزير «الأفضل» كما أنه صاحب فكرة مقتل ولده «أحمد» و هذا بالإضافة إلى اغتيال الخليفة «الآمر بأحكام اللّه» ابن «المستعلي باللّه» . و غيره من الشخصيات البارزة المعروفة بعدائها «للنزاريين» أو التي سبق لها أن اشتركت أو قامت بأعمال ضد «النزاريين» .

و مهما يكن من أمر فكل هذا عجّل بذهاب هذه الدولة الكبرى و مهّد لظهور الأعداء على الساحة و قيامهم بتنفيذ الأدوار للقضاء النهائي على الدولة الفاطمية التي أفسحت المجال في أيامها الأخيرة أي بعهد «المستنصر باللّه» لادخال العناصر الغريبة إلى حرم الدولة و إعطائها المناصب العليا و إطلاق يدها تتصرف كما تشاء، و يجب أن لا نستثني «بدر الجمالي» الأرمني و ولده «الأفضل» اللذان اغتصبا الشرعية و أقاما

29

مكانها خلافة واهية ليظلا في الحكم و لإرضاء نهمهما و إشباع رغباتهما و تنفيذ مأربهما بالقضاء على تلك الدولة الحضارية التي سبقت عصرها بمراحل بما أقامته من منشئات علمية، و بما حققته من منجزات في شتى الحقول العمرانية و الثقافية و الاقتصادية.

30

بين المستعلي «و الافضل»

وقف التاريخ صامتا أمام الخليفة الفاطمي الجديد «المستعلي باللّه» و لم يتناوله بالحديث إلاّ لماما، و كأنّ الفترة التي قضاها في الخلافة و هي سبعة سنوات لم تكن محسوبة من عمره...

أجل... كانت شخصية «الأفضل» هي التي تتصدر واجهة الأحداث، و يبدو ان «المستعلي باللّه» لم يكن له من الخلافة الا الاسم، و أنه كان محظورا عليه ممارسة أي نشاط، و هناك مصادر تاريخية تثبت أنه كان يشكو من مرض عضال اختطفه و هو في ريعان العمر، بينما مصادر أخرى تقول انه مات مسموما.

و مهما يكن من أمر فإن أوضاع الدولة الفاطمية بعد الخليفة «المستنصر باللّه» أصبحت غير طبيعية، فالشرعية لم يعد لها وجود، و الدعوة الدينية التي كانت تساند الدولة و تدعم وجودها انقسمت على نفسها و أخذت تمارس الحرب الفعليّة

31

بين فريقين و لم ينتهي النزاع إلاّ بعد زوال الدولة، و تحويل المجموعة التي كانت تعتبر دعائم لها إلى مؤسسات دينية انتشرت في جميع الأقطار الإسلامية، فكانت تعلو و تهبط دون أن يكون لها أي نشاط سياسي، أو تفكير بالتخطيط إلى بناء دولة أو إرجاع ما كان إلى سابق عهده.

32

دار الافضل‏

عندما وزر «بدر الجمالي» للخليفة «المستنصر باللّه» بنى دارا في حارة «برجوان» و قد عرفت فيما بعد بدار «المظفّر» و يذكر بعض المؤرخين أنها هي التي عرفت بدار الوزارة، و لكن من المرجح أنها الدار التي صارت فيما بعد مقرا للوزراء، و هي بالتأكيد التي بناها «الأفضل» شمالي القصر الكبير الشرقي، و يفصل بينهما رحبة باب «العيد» التي عرفت بدار «القباب» و في الغالب فإن «الأفضل» اتخذها دار سكن فقط، و لم يحول اليها الدواوين من القصر إلى أن بنى دار الملك على ساحل مصر فنقل إليها الدواوين من القصر، يؤيد ذلك ما ذكره التاريخ عنها:

«و هي من إنشاء «الأفضل» بن أمير الجيوش ابتدأ في بنائها و إنشائها سنة 501 هـ. ، فلمّا كملت تحوّل إليها من دار «القباب» بالقاهرة و سكنها و حول إليها الدواوين من القصر فصارت بها و جعل فيها الأسمطة و اتخذ بها مجلسا سمّاه‏

33

«مجلس العطايا» كان يجلس فيه» . أما دار «القباب» فقد أصبحت سكنا لأولاده، و يزيد التاريخ على قوله:

«بأن الأفضل» سنة 501 هـ. ازدادت كراهيته لأولاده فاحتجب عنهم في أكثر الأوقات، و لهذا انقطعوا عنه، و استقروا بالقاهرة في دار «القباب» التي كانت سكن أبيهم «الأفضل» و هي التي عرفت بدار الوزارة» .

إذن «فالأفضل» اتخذ من دار الملك مقرا للحكم و ترك دار «القباب» لسكنى أولاده، و ظلّ الحال على ذلك حتى قتل «الأفضل» فنقلت الدواوين مرة أخرى من دار الملك إلى القصر، و ظلّت الى حين صادر الخليفة العاشر «الآمر بأحكام اللّه» بيوت «الأفضل» .

أمّا متى صارت دار «القباب» دارا للوزراء؟فنرجح أن ذلك حدث في وزارة «أحمد بن الأفضل» الملقب «بكتيفات» فإنه عند ما أصبح وزيرا «للحافظ» سنة 525 هـ. استبد بالحكم، و سجن الخليفة، و استعاد أملاك أبيه التي صادرها «الآمر بأحكام اللّه» و من بينها دار «القباب» و من المرجح أنه انتقل للسكن بها و نقل إليها الدواوين، و من ثم ظلّت دار «القباب» مركزا للحكم و مقرا للوزراء. ثم سكنها «صلاح الدين» إلى‏

34

أن انتقل منها الملك «الكامل محمد» و استقر بالقلعة، فتحولت إلى دار ضيافة لمن يرد من الملوك و رسل الخليفة. و يصف التاريخ دار الوزارة:

بأنها كانت محاطة بسور مبني بالحجارة و قد بقي جزء منه مدة طويلة، و كانت الدار تشتمل على عدة قاعات و مساكن و بستان و كان فيها مائة و عشرون مقسما للماء الذي يجري في بركها و مطابخها، كما كانت تنقسم إلى قسمين رئيسيين احدهما: دار الحرم و الآخر دار السّلام الذي كان مخصصا لشؤون الحكم، و كان في إحدى قاعات هذه الدار المقعد الكبير الذي أرسله «البساسيري» من بغداد و هو كرسي الخلافة العباسية، و كان «الأفضل» يجلس عليه، و ظلّ المقعد بالدار حتى عمّر «الأمير ركن الدين بيبرس» الخانقاه الركنية، و أخذ من دار الوزارة أنقاضا منها و من جملتها «المقعد العباسي» الذي جعله في القبة التي دفن تحتها. غ

35

المصير المحتوم‏

ذكرنا في الصفحات الأولى من هذا الجزء بأن «الأفضل» مات مقتولا بأيدي «النزارية» و ذكرنا بأن «المستعلي باللّه» الخليفة الفاطمي الذي أقامه «الأفضل» عنوة بفعل قرابته منه قد مات في سن مبكر، فكان على «الأفضل» أن يقيم ولده «الآمر بأحكام اللّه» مكانه و كان له من العمر خمسة أعوام و نيف، و لكن بعد أن كبر «الآمر» قتل «الأفضل» كما ذكرنا ثم قتل «الخليفة الآمر» أيضا و هنا تصدّى للحكم «الحافظ» و هو من أعمام «الآمر» متخذا لنفسه صفة النيابة أو ما يسمّى الكفالة لطفل «منتظر» أطلقوا عليه اسم «الطيّب» فهذا الطفل سيكون الخليفة... و في هذه الفترة استولى «أحمد بن الأفضل الجمالي» على الوزارة بقوة السلاح و بمؤازرة الجيش فقبض على «الحافظ» و سجنه، ثم أخذ يفتش على «الحمل» المنتظر من نسل «الآمر» ليقتله و لكنه‏

36

لم يعثر له على أثر، و من المشهور عنه أنه ألغى الشعائر الدينية الفاطمية، و أسقط اسم الخليفة الفاطمي من الخطبة و دعا لإمام منتظر. و قد اشتد ضرره على أهل القصر و أزعجهم و فتش طويلا على ابن «الآمر» المزعوم و لكنه لم يجده، و أخيرا قتل سنة 526 هـ. أي بعد حكم استمر سنة و نيف، و عاد «الحافظ» بعد أن خرج من سجنه ليقوم بدور الكفيل «للخليفة المنتظر» و لكنه لم يرض بهذه المهمة فاستطاع أخيرا أن يكسب مبايعة رجال الدولة له بأنه الخليفة الأصيل، و هنا يحدث انشقاق آخر في الفرقة «المستعلية» فكانت فرقة ترى صحة خلافة «الحافظ» و تعرف «بالحافظية» و فرقة ترى أن «الحافظ» لا ينحدر من أسرة الخلفاء الفاطميين، و أنه اغتصب الخلافة اغتصابا و هذه الفرقة تسمّى «بالطيّبية» و كان من نتيجة ذلك أن خرجت بلاد اليمن عن طاعة مصر و ذلك في عهد الملكة الحرة الصليحية «أروى» و لم يبق إلاّ بعض الرجال الذين كانوا يعيشون في دنيا الأساطير و عالم الأحلام ينتظرون عودة «الطيّب» الذي لم يولد.

37

«مآثر الأفضل»

مات «بدر الجمالي» تاركا لولده «الأفضل» دولة مستقرة هادئة ناعمة البال، فسار على نهج أبيه و سيطر على الدولة سيطرة تامة، و استطاع في فترة حكمه الطويل أن ينشر الأمن و الرخاء في طول البلاد المصرية و عرضها دون الأقطار الأخرى التي خرجت و انفصلت عن الدولة الفاطمية، و ممّا سجله التاريخ «للأفضل» على صفحاته بأحرف بارزة اهتمامه بعمارة الأرض و تحسينها... فقد ذكر:

إنه أمر سنة 501 هـ. بحل جميع الاقطاعات عند ما شكا اصحاب الاقطاعات الصغيرة من الأجناد من قلة دخل اقطاعاتهم بالنسبة لاقطاعات الامراء، ثم أنه أجرى مساحة عامة في البلاد و أعاد توزيع الاقطاعات على المتزايدين من الأجناد و الأمراء، و في ذلك يقول المؤرخ المقريزي:

38

«إن المأمون و هو رئيس ديوان الخراج عند ما رأى من اختلال أحوال الرجال العسكرية و المقطعين و تضررهم من كون اقطاعاتهم قد خسّ ارتفاعها و ساءت أحوالهم لقلة المتحصل، و إن اقطاعات الأمراء قد تضاعف ارتفاعها و ازدادت عن غيرها، و إن في كل ناحية الفواضل للديوان جملة تجي‏ء بالعسف، و يتردد الرسل من الديوان الشريف بسببها...

فخاطب «الأفضل» في أن يحل الاقطاعات جميعها و يردها كلها و عرفه أن المصلحة في ذلك تعود على المقطعين و الديوان، لأن الديوان يتحصل له من هذه الفواضل جملة يحصل بها بلاد مقررة... فأجاب إلى ذلك و حلّ جميع الاقطاعات و مسحها و اختبر دخلها، و أخذ كل من الأقوياء و المتميزين يتضررون و يذكرون لهم بساتين و أملاكا و معاصر في نواحيهم...

فقال له كل من كان له ملك فهو باق عليه لا يدخل في الاقطاع و هو محيّر إن شاء باعه أو شاء أجّره، فلمّا حلّت الاقطاعات أمر الضعفاء من الأجناد أن يتزايدوا فيها فوقعت الزيادة في اقطاعيات الأقوياء إلى أن انتهت إلى مبلغ معلوم، و كتبت السجلات بأنها باقية في أيديهم إلى مدة ثلاثين سنة لا يقبل عليهم فيها زائد، و أحضر الأقوياء و قال لهم: ما تكرهون من الاقطاعات التي كانت بيد الأجناد؟قالوا:

39

كثرة غيرها و قلة متحصلها و خرابها و قلة الساكن بها فقال لهم ابذلوا في كل ناحية ما تحمله و تقوي رغبتكم فيه، و لا تنظروا في العبرة الأولى، فعند ذلك طابت نفوسهم و تزايدوا فيها إلى أن بلغت إلى الحد الذي رغب كل منهم فيه فأقطعوا به، و كتب لهم السجلات على الحكم المتقدم، فشملت المصلحة الفريقين و طابت نفوسهم، و حصل للديوان بلاد مقررة بما كان مفرقا في الاقطاعات بما مبلغه خمسون ألف دينار...

و بذلك طابت نفوس الجميع و أقبلوا على زراعة الأرض، و نلاحظ في هذه التدابير تطورات اقتصادية هامة أولها زيادة مدة الضمان من أربع سنوات إلى ثلاثين سنة و قد يكون الغرض من ذلك أن يكون للاستقرار الذي يشعر به المقطع و لديه هذه المدة الطويلة حافز على أن يولي كل عناية لاقطاعه. و ثانيها أن أغلب المقطعين أصبحوا من الأمراء و الأجناد و الموظفين ذوي المرتبات الثابتة نظرا لقدرتهم على التزايد في حين أن أفراد الشعب و الفلاحين لم يعودوا على ما يبدو قادرين على الدخول في هذه المزايدات، و ذلك لما تعرضوا له من هزّات اقتصادية أثناء الشدة العظمى في أواخر أيام «المستنصر باللّه» و ثالث هذه التطورات أن إعطاء الاقطاعات الفقيرة التي كانت في يد الأجناد للأمراء القادرين من عوامل إصلاحها لما لدى‏

40

أصحابها الجدد من القدرة المادية على الإصلاح، كما نلاحظ أيضا أن الأملاك الخاصة للمقطعين في اقطاعاتهم القديمة لم تمس بل ترك لكل واحد منهم الحرية في التصرف كما يشاء.

و لمّا بلغ «الأفضل» أن بعض أصحاب الأملاك بالصعيد الأعلى قد استضافوا إلى أماكنهم من أملاك الدواوين أراض اغتصبوها و مواضع مجاورة لأملاكهم تعدوا عليها و خلطوها بها أمر بإصدار منشور بإقرار جميع الأملاك و الأراضي و السواقي بأيدي أربابها الآن من غير انتزاع شي‏ء منها و لا ارتجاعه و أن يقرر عليها من الخراج ما يجب تقريره و يشهد على أمثالهم بمثله إحسانا إليهم... و قد انعمنا و تجاوزنا عمّا سلف و نهينا من يستأنف و سامحنا من خرج عن التعدي إلى المألوف و جرينا على سننا في العفو و المعروف و جعلناها توبة مقبولة من الجماعة الجانين و من عاد من الكافة أجمعين فلينتقم اللّه منه و طولب بمستأنفه و أمسه و برئت الذمة من ماله و نفسه و تضاعفت عليه الغرامة و العقوبة، و قد فسحنا مع ذلك لكل من يرغب في عمارة أرض حلفاء دائرة و إدارة مهجورة معطلة في أن يسلم إليه ذلك و يقاس عليه و لا يؤخذ منه خراج إلاّ في السنة الرابعة من تسليمه إياه، و أن يكون المقرر على كل فدان ما توجبه زراعته لمثله خراجا مؤبدا و أمرا مؤكدا.

41

فالأفضل عند ما علم بأن بعض الملاّك قد اغتصبوا أملاكا من أملاك الدولة و ضموها إلى أملاكهم أمر بإقرار هذه الأراضي بأيدي واضعي اليد عليها مع تقرير الخراج الواجب عليها كما أمر بمعاقبة من يلجأ بعد ذلك إلى مثل هذا العمل، إلاّ أنه تشجيعا لاستصلاح الأراضي البور و زراعة الأراضي المهملة أمر بأن يعفى كل مستصلح لأرض من الخراج الواجب عليها و لمدة ثلاث سنوات، و يؤخذ في السنة الرابعة...

و يقول التاريخ:

إنه لمّا سرت هذه المصالح إلى جميع أهل هذه الأعمال حصل الاجتهاد في تحصيل مال الديوان و عمارة البلاد.

إلى جانب ذلك وجّه «الأفضل» عنايته للري... ففي عهده جدّد حفر خليج أمير المؤمنين سنة 502 هـ. و جعل حفره بأبقار البساتين التي عليه و أقام عليه واليا بمفرده و منع الناس من أن يطرحوا فيه شيئا، كما أمر بحفر الخليج الذي عرف بخليج «أبي المنجا» و كان «الأفضل» قد حفره بناء على نصيحة «أبي المنجا بن شعيا» اليهودي الذي كان مشرفا على البلاد الشرقية التابعة لديوان الخلافة، و ذلك لأن الماء لم يكن يصل لهذه الجهات إلاّ من خليج «السردوس» و غيره من الأماكن البعيدة، و ابتدأ الحفر سنة 506 هـ. و تمّ في عامين،

42

و يقال أن «الأفضل» ركب في النيل مع حاشيته بعد أن رمى فيه حزمة من «البوص» و أخذ يتتبعها حتى رماها الماء في المكان الذي ابتدأ الحفر منه، و كان هذا الخليج سببا في ازدهار هذه البلاد التي يرويها، و قد غلب على الخليج اسم «أبي المنجا» برغم محاولة «الأفضل» تسميته باسمه.

و بلغ التقدم الزراعي في عهده أن عمّرت الأرض كلها حتى أن «الأفضل» استجلب «اردبين» من نوع جديد من القمح و أراد تجربتها في الزراعة، فأرسل أحدهما إلى والي «الصعيد» و الآخر إلى والي «الدلتا» ، فجاءه جواب أحدهما أن الأرض كلها مزروعة و ليس هناك مكان لبذر هذا القمح، في حين ذكر الثاني أنه بذر الأردب، فعرف اهتمام الأول بالزراعة حيث لم يجد مكانا غير مزروع يمكن زراعة هذا القمح فيه، في حين أهمل الثاني حتى بقيت هناك أرض معطلة زرع فيه هذا الأردب، و كان أن كافأ الأول و عاقب الثاني.

و اهتمّ «الأفضل» اهتماما بالغا بالحالة الاقتصادية و خاصة الزراعة، فما أن علم إن ضامن أي أرض لا يأمن أن يزيد عليه آخر فتنزع منه قبل انقضاء مدة ضمانه، حتى أبطل ذلك و أقرّ كل ضامن على أرضه إلى أن تنتهي مدة ضمانه ما دام منفدا لتعهداته.

43

و أصدر لذلك منشورا جاء فيه ما نصه:

«بأنه أي واحد من الناس ضمن ضمانا من باب أو ربع أو بستان أو ناحية، أو كفر و كان لأقساط ضمانه مؤديا و لما يلزمه من ذلك مبديا و للحق متبعا فإن ضمانه باق في يده لا تقبل زيادة عليه مدة ضمانه على العقد المعقود عملا بالواجب و النظام المحمود. فأمّا من ضمن ضمانا و لم يقم بما يجب عليه فيه و أصرّ على المدافعة و المغالطة التي لا يعتمدها إلاّ كل سفيه سي‏ء الطباع، فذلك الذي فسخ حكم ضمانه بنقضه الشروط المشروطة عليه... »

و لقد كان الضمّان يعجزون عن دفع مبلغ ضمانهم جميعه، فيبقى عليهم مبالغ عرفت بالبواقي، و كانت الحكومة تشتد أحيانا في تحصيل هذه البواقي، و قد تتسامح في أحيان أخرى تحفيفا عنهم، و ذلك ما اتخذه المأمون إذ أصدر أمره بإعفاء الضمّان من دفع ما عليهم من متأخرات... و لا شك أن المسامحة بهذه المبالغ الطائلة دليل على أن خزانة الدولة أصبحت عامرة حتى أمكن التخفيف عن أصحاب الضمانات.

و لمّا وجد المسؤولون إن بعض الناس قد اجتازوا أرضا بالإصلاح أو غيره دون أن يدفعوا عنها خراجا لمدد طويلة، فلمّا قدر عليهم الخراج عن هذه السنين وجد أنه يستنفذ ثروتهم‏

44

فأعفاهم من خراج السنين السابقة و تشجيعا منه لإصلاح الأراضي البور أعفى كل مستصلح لأرض منها من دفع خراجها لمدة أربع سنوات.

كما أعفى سكان مصر و القاهرة ممن يستأجرون مساكن أو حوانيت أو حمامات و غيرها من أملاك الحكومة بأجرة شهر رمضان من كل سنة تخفيفا عنهم و إكراما للشهر المبارك.

و يصف المؤرخون «الأفضل» بالعدل و حسن السيرة في الرعية و التجار، فلم يعرف أن أحدا صودر في زمانه أو قسط عليه... و لما حضر الاسكندرية كان بها يهودي يبالغ في سب «الأفضل» و شتمه و لعنه، فقبض عليه و أراد قتله، و عند ما عدّد عليه ذنوبه... قال له: أنّ معي خمسة آلاف دينار خذها مني و اعتقني و أعف عني فقال: و اللّه لو لا خشية أن يقال قتله حتى يأخذ ماله لقتلتك، و هكذا عفا عنه و لم يأخذ منه شيئا.

45

مخلفات آل الجمالي‏

ذكر التاريخ:

إن «بدر الجمالي» جمع ثروة طائلة في ظروف لم تكن قد برئت تماما مما أصابها من محن، و قد خمّن هؤلاء ثروة «بدر الجمالي» بالملايين و للدلالة على ذلك ذكروا أنّ أحد كتّابه اشترى «سمكة» من عنبر بألف دينار حرقها في النار في جلسة واحدة... كما أن الشاعر «علقمة بن عبد الرزاق العليمي» مدح بدرا فخلع عليه من كانوا عنده من أصحاب «بدر» ما بلغ مقداره سبعين حملا، و أجازه «بدر» من ماله بعشرة آلاف. و ذكر: أن احتياج «بدر» من السكر كان مائة قنطار بالرطل الشامي، و قد كان مشغوفا باقتناء الجواهر الثمينة، و خلّف من المال بعد عمارة سور القاهرة ستة آلاف ألف دينار و أربعمائة الف ألف درهم في دار الوزارة، و من الجواهر و الياقوت أربعة صناديف، و من القصب و الفضة

46

و الذهب و المراكب يعني السروج المحلاّة ما يعجز عن وصفه، و خلّف ألف قصبة زمرد لأنه كان له به غرام عظيم جمعت من مختلف الأقطار.

و أطنبت المراجع التاريخية في ذكر الثروة التي خلّفها «الأفضل بن بدر الجمالي» حتى أن الخليفة الفاطمي العاشر «الآمر بأحكام اللّه» ظل أربعين يوما في دور «الأفضل» و بين يديه الكتاب يكتبون ما ينقل إلى القصر منها... و من الغريب أن يستطيع «الأفضل» جمع هذه الثروة الضخمة في وقت كانت فيه البلاد تعاني و يلات الحروب الصليبية و ضياع معظم ممتلكاتها.

فقد وجد له ستة ملايين و مائتان و خمسون ألف دينار و خمسون أردبا دراهم ورق... و وجد في حجرة نومه قمطران عليهما حلية الذهب و مملوآن جواهر ما بين عقود مفصّلة بياقوت و زمرد و سبح، و قطمر فيه إحدى عشرة شرابة طول كل واحدة منها شبران بجواهر ما يقع عليها قيمة، و صناديق فضة مملوءة مصاغات ما بين عصائب و تيجان ذهب مرصعة بجواهر نفيسة، و ثلاثون راحلة احقاق من الذهب العراقي و دواة ذهب قوم ما فيها من جوهر باثني عشر ألف دينار و مائة مسمار من ذهب وزن كل مسمار منها مائة دينار

47

في عشرة مجالس، في كل مجلس عشرة مسامير على كل مسمار منديل مذهّب لون من الألوان أيّما أحب منها لبس، و خمسمائة صندوق كسوة لخاصته من دبق تينسي، و صندوقان كبيران فيهما ابر ذهب مصاغة برسم الجواري و النساء، و خلّف من الرقيق و الخيل و البغال و المراكب من الطيب و التجمل و الحلي الشي‏ء الكثير، و خلّف من البقر و الجواميس و الغنم ما بلغ ألبانها في سنة وفاته بثلاثين ألف دينار.

و ترك تسعمائة ثوب من الديباج الملوّن، و تسعين ألف ثوب عتّابي، و ثلاث خزائن كبيرة ممتلئة بالثياب الدبيقيّة من صنع تنيس و دمياط، كما ترك أربع حجرات ملأى بالمقاطع و الستور و الفرش و الوسائد و المساند و الديباج، و خزائن أخرى مملوءة بالثياب المصنوعة من الديباج و المحلاّة بالذهب إلى غير ذلك من الستور و الطنافس و الأبسطة التي وجد منها أربعة آلاف، كما خلّف خمسمائة قطعة بلور و ألف عدل من متاع اليمن و الاسكندرية و الغرب و سبعة آلاف مركب أي «سرج» .

أمّا ما وجد له من الذهب و الأحجار الكريمة فشي‏ء لا يوصف، و قد ذكر التاريخ:

إنه ترك سبعمائة طبق ما بين فضة و ذهب، و ما لا يحصى‏

48

من الصحاف و أكواب الشراب و الأباريق و القدور و أواني اللبن و غيرها، و كلها من الذهب و الفضة كما كان هناك كثير من الأواني الصيني مملوءة بالجواهر الذي كان بعضه على هيئة عقود و البعض الآخر منثورا، و كان «الأفضل» حين يجلس للشراب يجعل في مجلسه صواني الذهب و عليها الأواني المملوءة بالجواهر... فعند الشراب تفرغ الأواني في الصينيّة فتملأها و يجعل بدله الشراب.

و كان «الأفضل» مغرما بأنواع الطيوب من المسك و العنبر، و كانت له خزانة للطيب مملوءة بأسفاط العود و غيره مكتوب على كل منها وزنه و نوعه، و وجد من أواني المسك و الكافور و العنبر ما لا يمكن عده. و كان من ذخائره دكة عاج و أبنوس محلاّة بالفضة عليها قطعة من العنبر مثمنة الشكل تزن ألف رطل في أعلاها تمثال طائر من ذهب أرجله من المرجان و منقاره من الزمرد و عيناه ياقوتتان، كان ينصبها في بيته فيضوع عرفها و يعم القصر، و صارت إلى صلاح الدين، و كان يضع ملابسه على تمثال من العنبر حتى تكتسب رائحة.

و في مجلس شرابه وضعت ثمانية تماثيل لثمان جوار متقابلات، أربع منهنّ بيض من كافور، و أربع سود من عنبر عليهنّ أفخر الثياب و أثمن الحلي و بأيديهن أحسن الجواهر،

49

و كان «الأفضل» إذا دخل المجلس و وطى‏ء العتبة نكّسسن رؤوسهنّ إجلالا له، فإذا أخذ مكانه استوين قائمات.

و كان في بيت «الأفضل» ثمانمائة جارية... منهن خمسون حظية، لكل واحدة منهن حجرة تخصها و خزائن مملوءة بالكسوة و آلات الديباج و الذهب. كما كان بدار الملك مجلس يعرف بمجلس العطاء يجلس فيه «الأفضل» لتصريف الأمور و كان به ستة ظروف من الديباج الأطلس من كل لون اثنان في كل منهما خمسة آلاف دينار، و وضع في قاعة «اللؤلؤ» و في دار الحرم ظرفان آخران في أحدهما خمسة آلاف دينار و في الثاني دراهم... و كان «الأفضل» يتصدق منها.

50

الحياة الفكرية

أخذت الحركة الفكرية-شأنها شأن أي شي‏ء آخر في الدولة في الضعف و الانهيار نتيجة للحالة الغير طبيعية التي تعرضت لها الدولة الفاطمية بعد وفاة الخليفة «المستنصر باللّه» فكانت الأحداث و الفتن و الاضطرابات التي تعرضت لها البلد في الداخل و الخارج، و انسلاخ الأقطار عن جسم الدولة عاملا في إهمال الحركة الفكرية التي كثيرا ما تصاب بالشلل عندما لا تجد الأمن و الاستقرار و السّلام فقد ذكر أن مكتبة القصر التي كانت أعظم مكتبة في ذلك الوقت قد تعرضت للسرقة و التخريب و العبث، و ذكر التاريخ:

إن الوزير «محمد بن جعفر المغربي» أخذ من مكتبة القصر حمولة خمسة و عشرين جملا موقرة وفاء لما يستحقه.

و لمّا أعاد «بدر الجمالي» الاستقرار للبلاد... عاد للحياة العلمية و الفكرية بعض ازدهارها و قوتها... و استمرت‏

51

على هذه الحال حتى نهاية الدولة. ففي تلك الفترة بدأت مصر تجذب إليها من جديد العلماء و المفكرين و الأدباء، و أخذ العلماء يتجهون بمؤلفاتهم، و الشعراء بأشعارهم إلى الوزراء الذين أصبحوا أصحاب السلطة الحقيقية و القوة المسيطرة.

فقد بدأت الأنظار تتجه إلى رؤية بعض الأعلام أمثال:

«محمد بن بركات النحوي المصري» ... تلميذ «القضاعي» و قد تناول موضوع الخطط من بعده في كتابه «خطط مصر» ، كما ألّف في علوم اللغة كتابا وضعه «للأفضل» هو:

«كتاب الإيجاز في معرفة ما في القرآن من ناسخ و منسوخ» و له تصانيف في النحو حتى و صفوه بأنه بحر العلوم.

و عناك «علي بن جعفر بن علي السعدي» المعروف «بابن القطاع» الذي رحل عن صقلية سنة 500 هـ. عندما أوشكت على الوقوع في أيدي الفرنجة، و عند ما جاء إلى مصر وجد الرعاية من «الأفضل» و جعله مؤدبا لولده، و قد ألّف العديد من الكتب.

و في تلك الفترة انتقل الشعراء من مدح الخلفاء إلى مدح الوزراء، حتى أن من يتعرض منهم لمدح كان عليه أن يقرن معه اسم الوزير و إلاّ حلّت عليه نقمة الوزير و سخطه،

52

و الويل للشاعر الذي يتجه بمدائحه إلى غير الوزراء إذ أنه بذلك يتعرض للإهمال مهما بلغ شعره من الجودة. و على سبيل المثال نذكر الشاعر «إسماعيل بن محمد» المعروف «بابن مكنسة» الذي وصفه «أمية بن أبي الصلت» بأنه «شاعر كثير التصوف، قليل التكلف مفتن في و شي جد القريض و هزله، و ضارب بسهم في رفيعه و جزله» .

هذا الشاعر برغم تفوقه لم ينل الحظوة لدى «الأفضل» و حكم عليه بالموت الأدبي، لأنه كان منقطعا قبل ذلك إلى مدح «عامل من النصارى» يعرف «بأبي مليح» فنقم عليه «الأفضل» و أعرض عنه حتى ساءت حاله.

و مهما يكن من أمر فهؤلاء الوزراء كانوا يتذوقون الشعر و يحبون الأدب، بل كان منهم من يقرض الشعر، و كانوا يكرمون رجال الأدب لا حبّا في التظاهر بل حبّا في الأدب نفسه، و لذلك و فد على مصر كثير من أعلام الأدب و قد وجدوا من وزرائها الرعاية و التقدير، فكان لذلك أثره في ازدهار الحركة الأدبية من جديد، فامتازت هذه الفترة بروعة الشعر و براعة النثر و حفلت دواوينهم بأئمة البيان الذين بلغوا الدرجة العالية من الثقافة و عرفوا بالمهارة في فنون الأدب حتى أصبحت رسائلهم و كتبهم مثالا يحتذى أمثال «أبي الفتح‏

53

الدمياطي» و «ابن الخلال» و «ابن الصيرفي» و «القاضي الفاضل» فظلّت النهضة الأدبية في ازدهارها، و أصبح لمصر في عهد هؤلاء الوزراء الزعامة الأدبية في العالم العربي، فالدولة الفاطمية و إن ضعف خلفاؤها ظلّت إلى حد ما متماسكة بفضل بعض الوزراء الأقوياء الذين استطاعوا أن يحافظوا على البلاد و أن ينمّوا ثروتها التي جذبت العلماء و الشعراء و الكتّاب و الفنانين من البلاد الأخرى في حين انتاب الضعف الخلافة العباسية و انقسمت إلى دويلات صغيرة فقيرة فأصبحت مصر قبلة كل من يسعى إلى الثروة و بحبوحة العيش، بل لقد شجع جود الوزراء و عطاياهم كثيرا من الشعراء إلى إرسال مدائحهم و هم في بلادهم... و كانت هبات الوزراء بالتالي ترسل لهم في أماكنهم دون تحمل مشقة الحضور إلى مصر، و كأن الوزراء بذلك قد شجعوا الحركة الأدبية في مختلف البلاد العربية لا في مصر فحسب.

و كان «بدر الجمالي» برغم انشغاله بالقضاء على أسباب الفتنة و ترسيخ أقدام الدولة، و إشاعة الأمن و الاستقرار و الازدهار لا يرد الشعراء من على بابه، كما كان جوادا يسمع المديح، و يثيب عليه... و قصة الشاعر الشامي «علقمة ابن عبد الرزاق العليمي» مع «بدر» معروفة و قد ذكرناها...

54

و لكن ذلك لم يمنع بدرا من قتل بعض الشعراء المجيدين أمثال:

«ابن أبي الشخباء» و «علي بن إسماعيل» الذي وصفه عماد الدين بقوله:

«لم يكن له نظير في الأدب سوى: «ابن أبي الشخباء» .

و كان «الأفضل» الجمالي معروفا بحبه للشعر و للشعراء و كان له مجلس في دار الملك كما ذكرنا مخصصا للشعراء حيث ينشدونه قصائدهم و ينعمون بما يغدقه عليهم من صلات...

و يشبه الشاعر «ابن العلافي» هؤلاء الوفود بالحجيج:

فمكة مصر و الحجيج وفوده # و يمناه ركن البيت و النيل زمزم

و شاكر ما تولى مقرّ بعجزه # و لو انه في كلّ عضو له فم‏

و لقد ظهر منذ عهد «الأفضل» غرض جديد من أغراض الشعر علاوة على ما كان معروفا من قبل كالمدح و الرثاء و الوصف... و ذلك هو الشعر الذي يتعلق بالحروب الصليبية، فقد أخذ شعراء تلك الفترة يذكرون جهاد الوزراء و حروبهم مع هؤلاء الدخلاء، و انتصارهم عليهم و محاولة تبرير مواقفهم... و من ذلك قول أمية ابن أبي الصلت في قصيدة يذكر فيها خروج الأفضل لحرب الصليبيين.