المهدي في احاديث المسلمين حقيقة ثابتة

- السيد محمد رضا الجلالي المزيد...
155 /
9

المقدّمة

إن ما يصدّره المشتغلون بعلوم الحديث الشريف، في عصرنا الحاضر، من دراسات وبحوث وتحقيقات، وما يقومون به من أعمال وجهود وخدمات، في سبيله، لأمر معجبٌ ويدعو إلى الفخر والزَهْو، حيث إنّ هذا الكنز الغنيّ من «تراثنا» يُنْشَر، وتُعرف من خلاله مصادر فكرنا الخالد، وروافده الموثوقة، المتّصلة بمعين الوحي الإلهي.

لكن قد يُكَدِّرُ صَفْوَ هذا الزهو والإعجاب ما ينشره بعض المتطفّلين على‏ََ علوم الحديث، من أعمال لا تتّسم بالمسؤوليّة العلميّة، ولا تعتمد موازين الفنّ، فتصبح

10

أعمالهم كعمل « التي نقضتْ غزلها من بعد قوّةٍ أنكاثاً » (1) أو « كَسَرابٍ بِقِيعةٍ يحسبُهُ الظمآنُ ماءً » (2) ، من قبيل لجوء بعضهم إلى‏ََ ما يسمّيه «نقد متن الحديث» على‏ََ حساب «سند الحديث» .

إنّ «نقد الحديث» عموماً: يُعتبر من أهمّ ما اضطلع به علماء الإسلام، لتصفية هذا المصدر الثرّ من كلّ الشوائب والأكدار.

وهو - بشروطه ومقرّراته - من بدائع فكر المسلمين، ومميّزات تراثهم وحضارتهم، وممّا يفتخرون به من مناهج البحث والتنقيب العلميّ، على‏ََ جميع الأُمم والحضارات القديمة والحديثة، سواء الإلهيّة المرتبطة بالأديان السماويّة، أم البشريّة الوضعيّة المستندة إلى‏ََ قوانين الأرض.

فقرّروا قواعد، وأُسساً، وموازين، مضبوطة محكمة صحيحة، لنقد الحديث - سنداً ومتناً - لمعرفة صحيحه من زيفه، وحقّه من باطله، حتى أصبح «نصّ» الحديث، من‏

____________

(1) النحل 16 : 92

(2) النور 24 : 39

11

أوثق ما يُعتمد عليه من النصوص القديمة وحتى الحديثة، اعتماداً على‏ََ سُبُل الإثبات المعقولة والمتعارفة.

وقد بذل الأسلاف الكرام جهوداً مضنية في سبيل تنقية الحديث، وتنقيحه، حتى أنّ الواحد منهم كان ينتخب ما يُثبته في كتابه، بعد التثبُّت، من بين عشرات الآلاف من الأحاديث المتوفّرة، وبعد سنوات عديدة من الفحص والتأكّد، والترحال، فيجمع كلٌّ منهم في كتابه «الجامع» ما يراه حجّةً بينه وبين اللََّه.

فخلّفوا كنوزاً وذخائر عظيمةً من التراث الحديثي المنقَّح، والمنقود، والمنظَّم، والمدوَّن، وألّفوا الأُصول، والمصنّفات، والمسانيد، والجوامع.

وجاء الجيل الثاني، وبذل جهوداً مُضْنية كذلك معتمداً «الطرق» المأمونة والموثوقة، متكبّداً الصعوبات وراكباً الرحلات، فاستدرك على الأوائل ما فاتهم، سواء في الجمع، أم في النظم، فألّفوا المعاجم، والمستدركات، والجوامع المتأخّرة.

ووقف الناس في عصر متأخّر على‏ََ كلّ تلك الثروة

12

الغالية، للاستفادة والتزوّد في مجالات العلم والعمل.

وانقسم المتأخّرون في التعامل مع الحديث المجموع:

فمنهم‏ من استند إلى‏ََ ما قام به الأقدمون من النقد والاختيار، واقتنعوا بما توثّق منه أُولئك من كتب الحديث ومصادره، ولم يحاولوا إجراء قواعد النقد عليها من جديد، فأصبحوا ملتزمين بالتقليد لأُولئك القدماء في هذا الأمر، كما التزموا بتقليد الفقهاء الأربعة، في آرائهم الفقهيّة، والأحكام الشرعيّة، وحصروا طرق معارفهم الدينيّة بما توصّل إليه الأقدمون، من دون تجاوز، أو نقد!

ومنهم‏ من عارض منهج التقليد في المصادر، وهم طائفة ممّن يلتزم بإطلاق سراح الفكر والنظر ليجول ويُبدع، ويقول بفتح باب الجدّ والاجتهاد في علوم الإسلام كافّة.

وهؤلاء لا يلتزمون بالتقليد، حتى في الفقه ومعرفة الأحكام، ومصادر المعرفة كافّة، ومنها الحديث.

فليست لهم مذاهب فقهيّة معيّنة ومحدّدة يلتزمون بها، بل يعملون بما يُوصل إليه الاجتهاد.

وكذلك لا يلتزمون بما يُسمّى من الكتب «صحيحاً» بل

13

ينقدون أسانيد كلّ حديث يصل إلى‏ََ مسامعهم، معتمدين طرق النقد المعروفة عند علماء الحديث.

ولكلّ من الفريقين - أهل التقليد، وأهل الاجتهاد - أدلّته وحججه، ومن اعتمد على‏ََ دليل معتبر، فهو معذور ومأجور على‏ََ قدر جهده.

لكنّ الغريب والمؤسِفَ: أنّا نجد في عصرنا هذا شرذمة ممّن تصدّى‏ََ للحديث الشريف بالنقد، ولم يسلك مسلكاً واضحاً محدّداً في تعامله مع هذا المصدر، الثرّ، الغنيّ، من مصادر الفكر الإسلامي، بل هو يتأرجح «بين التقليد والاجتهاد» في نقد الحديث:

فتارةً يحاول أن يعرض أسانيد ما وصله من الأحاديث على‏ََ طاولة النقد، فيشرح عللها، ويراجع كلمات علماء الرجال في شأن رواتها، ويحاول المقارنة بين مدلولاتها، ويوافق على‏ََ ما يعقله، ويسمّيه صحيحاً، ويحكم بالضعف بل الوضع على‏ََ ما لا يدركه بعقله، ويميّز بين الحديث الصحيح وبين غيره حسب رأيه.

وبهذا يريد أن يُساير أهل الاجتهاد!

14

وتارةً أُخرى‏ََ: يلجأ إلى‏ََ كتب القدماء ممّا أسموها «الصحاح» ليستشهد بعملهم، وإيرادهم للحديث على‏ََ صحّة حديث مّا، وبعدم وجود الحديث فيها على‏ََ تضعيفه، بل الحكم بوضعه.

وبهذا يكون من أهل التقليد!

ومن هؤلاء كتّاب جدد، دخلوا غمار هذا العلم الشريف، بلا عدّة، ولا تجربة.

فحاولوا من خلال هذا إثبات ضرورة النقد العقلي للحديث، إضافة إلى النقد السَنَدي، ضمن مسائل فيها من الدعاوي العريضة ما لا يخلو من مناقشات ومناقضات واضحة.

ومنهم‏ من مثّل لنتيجة رأيه بأحاديث «المهديّ المنتظر» الذي قال عنه: إنّه «كُتبت من أجله آلاف الصحائف، ورُويت مئات الأسانيد، وأثّر في تاريخ أُمّتنا أبلغ الأثر» على حدّ تعبيره هو (1) .

____________

(1) تراثنا وموازين النقد (ص‏181) مقال بقلم الأستاذ السائح علي حسين، نشر بمجلة «كلية الدعوة الإسلامية» ليبيا، العدد العاشر، لسنة 1993م

15

وحاولوا الإيحاء لنفي الصحّة عن تلك الأحاديث بتكرار ما قاله أحمد أمين المصري من اتّهام الشيعة بخلق فكرة المهديّ.

ثمّ تقليد ابن خلدون في إنكار أحاديثه وصحّتها، وتزييف دعوى‏ََ تواترها.

وأهمّ ما اعتمدوه في بحثهم محاولة النقد العقلي لما نُقل من أحاديث في أُمور ترتبط بالمهديّ من النسب والسيرة في الحكم.

باعتبار عدم موافقتها لعقولهم!، ووضوح فساد ما نقل عندهم!

وبالتالي التركيز على السلبيّات تصوّروها فيما يرتبط بقضيّة المهديّ من أحاديث وتاريخ ودعاوى بالمهدوية.

كلّ ذلك بدعوى‏ََ كونهم من أنصار البحث العلمي الرصين! وجعلوا كلّ ذلك دليلاً على‏ََ إنكار «المهدي المنتظر» ونسبة أحاديثه إلى الوضع، وتسخيف عقول من يخالف آراءهم باعتبارها «العقول المتحجّرة» !

وقد حاولتُ الردّ على‏ََ أمثال هذه المزاعم والاتّهامات

16

والمخالفات للمناهج المتّبعة في البحث العلميّ تحت عناوين الفصول التالية:

17

الفصل الأوّل: التأرجُح بين الاجتهاد والتقليد في نقد الحديث‏

مع أنّ بعض الكتّاب يحاول أن يَظْهَر كمجتهد في نقد الحديث، ويسعى‏ََ للتخلّص من هيمنة ما يُسمّى‏ََ بـ «المصادر المشهورة» ويحاول أن يجعل من البخاري ومسلم وابن حنبل‏ - من أئمّة المحدّثين - «بشراً غير معصومين من الخطأ» [كما يقول‏] (1) .

فمع ذلك كلّه يلاحظ «أمراً مهمّاً» :

هو «أنّ البخاري ومسلماً رحمهما اللََّه لم يُثبتا حديثاً

____________

(1) تراثنا وموازين النقد (ص‏179)

18

واحداً من الأحاديث التي تبشّر بظهور المهديّ» (1) .

فمنْ ينعى‏ََ على الآخرين «الإصرار على‏ََ أيّ عملٍ بشريّ - مهما كان مؤلّفه - بأنّه خالٍ عن أيّ خطأ أو سهو» فهو ينفي عصمة البخاري ومسلم عن الخطأ.

فكيف يحقّ له أن يستند إلى‏ََ مجرّد عدم إثباتهما لحديث معيّن في كتابيهما، ليجعل ذلك دليلاً على‏ََ بطلان ذلك الحديث حتى إذا رواه غيرهما؟ وصحّحه!

مع أنّ البخاريّ ومسلماً - خاصّة - لم يلتزما باستيعاب كلّ الأحاديث الصحيحة في كتابيهما.

بل، إنّما انتخبا ما رأياه لازماً وضروريّاً، واستوعبه جهدهما وتعلّق به غرضهما من الأحاديث.

وقد صرّحا بأنّ ما تركاه من الأحاديث الصحيحة أكثر ممّا أورداه! (2) .

____________

(1) تراثنا وموازين النقد (ص‏185)

(2) اُنظر: علوم الحديث، لابن الصلاح، ص‏19 فإنّه قال: لم يستوعبا [أي: البخاري ومسلم‏] الصحيح في صحيحيهما، ولا التزما ذلك.

طبعة دار الفكر، تحقيق نور الدين عتر، ط. الثالثة 1404 هـ .

وانظر المستدرك على الصحيحين للحاكم النيسابوري 1/2 فقد قال: لم يحكما [أي: البخاري ومسلم‏] ولا واحد منهما: أنّه لم يصحّ من الحديث غير ما أخرجاه.

طبعة دار الفكر، بيروت 1398 هـ

19

فكيف يكون عدم وجود حديث في كتابيهما دليلاً على‏ََ عدم صحّته؟!

مع أنّ الحديث الصحيح كما أنّه موجود في البخاريّ ومسلم، فهو كذلك موجود خارجهما، وفي الكتب المؤلّفة بعدهما، وخاصّة فيما استُدرك عليهما، ممّا فاتهما وهو على‏ََ شرطهما، ولم يورداه.

ذكر هذا الشيخ عبد المحسن العبّاد، وذكر من الكتب الجامعة للصحيح: الموطّأ، وصحيح ابن خزيمة، وابن حبّان، وجامع الترمذي، وسنن أبي داود، والنسائي، وابن ماجة، ومستدرك الحاكم، والدارقطني، والبيهقي، وغيرهم‏ (1) .

____________

(1) الشيخ عبد المحسن العبّاد، المدرّس بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنوّرة، كتب في مجلّة الجامعة، مقالين حول أحاديث المهديّ، وسيأتي ذكر كلامه فيهما.

اُنظر: الرقم 5، في العدد 45 من المجلّة، والرقم 38 في العدد 46

20

إنّ عملية «نقد الحديث» ليست سهلة ومتاحة لكلّ من يراجع كتب الرجال ويقلّبها فقط، وإنّما هي بحاجة إلى‏ََ مَلَكة الاجتهاد في الفنّ، وانتخاب منهجٍ رجالي ثابت، واستيعاب قواعد النقد المتينة.

وإذا كان الناقد من أهل الاجتهاد في علم الرجال، وصحّ له أن يُبديَ رأيه في «نقد الحديث» فلا يجوز له أن يعود إلى‏ََ حضيض التقليد في التزام حديث أو ردّه.

على‏ََ أنّ دعواه أنّ البخاريّ ومسلماً «لم يُثبتا حديثاً يُبشّر بالمهديّ» .

دعوى باطلة.

فإنّ البخاري ومسلماً أوردا أحاديث ترتبط بخروج المهديّ:

قال الشيخ عبد المحسن العبّاد في الفصل الخامس من

21

مقاله: ذكر بعض ما ورد في الصحيحين [البخاري ومسلم‏] من الأحاديث التي لها تعلّق بشأن المهديّ:

فروى البخاري، في باب نزول عيسى‏ََ، عن أبي هريرة:

كيف أنتم إذا نزل ابن مريم فيكم، وإمامكم منكم‏ (1) .

وعن مسلم، في كتاب الإيمان، عن أبي هريرة، مثله‏ (2) .

وعن مسلم، عن جابر، لا تزال طائفة من أُمّتي يقاتلون على الحقّ ظاهرين‏ (3) .

وقال العبّاد: وقد جاءت الأحاديث في السنن والمسانيد وغيرها مفسِّرةً لهذه الأحاديث، ودالّة على‏ََ أنّ ذلك الرجل الصالح يقال له: «المهديّ» .

والسُنّة يفسّر بعضها بعضاً.

وروى‏ََ مسلم عن جابر وأبي سعيد: يكون في آخر الزمان خليفة يحثو المال حثياً لا يعدّه عدّاً (4) .

____________

(1) صحيح البخاري 6/358

(2) صحيح مسلم - بشرح النووي - 2/193، ورواه أحمد في المسند 1/336

(3) صحيح مسلم 2/193، وأورده أحمد في المسند 3/384

(4) صحيح مسلم برقمي 2913 و 2914 في كتاب الفتن، باب لا تقوم الساعة ...

وانظر مسند أحمد 3/38 و313 و 317.

ونقل الحديث عن مسلم في التاج الجامع للأُصول 5/342.

وانظر مقال «نظرة في أحاديث المهديّ» في مجلّة التمدّن الإسلامي، الصادرة في دمشق

ـ

22

وبهذا يُعلم مدى‏ََ بُعد مثل ذلك القائل عن المصادر الأصيلة التي اهتمّ بأمرها، والتي اعتمد عمل مؤلّفيها حجّة، إلى‏ََ حدّ الاستدلال بمجرّد عدم ذكرهم لروايةٍ دليلاً على‏ََ ضعفها، بل وضعها!!

فقد وقع في أشدّ ممّا نعاه على الآخرين من دعوى‏ََ خلوّ الكتابين من الخطأ، حيث إنّه اعتمد على‏ََ حجّيّة ما لم يفعلاه! ونفى‏ََ صحّة حديث بمجرّد دعوى‏ََ أنّهما لم يورداه!

وتبيّن عدم اطّلاعه على نفس هذين المصدرين الأساسيّين، وهو يُظهر أنّه مطّلع عليهما، بدعواه عدم إثباتهما شيئاً ممّا يرتبط بالمهديّ، مع أنّهما أثبتاه وأورداه!

إنّ كلّ هذا، قد حصل على‏ََ أثر التأرجُح بين الاجتهاد والتقليد في أمر «نقد الحديث» .

23

الفصل الثاني: هل أحاديث المهديّ مختصّة بالشيعة؟

إنّ أحاديث المهديّ لم تختصّ بروايتها طائفة من المسلمين، بل هي من أكثر الأحاديث اشتراكاً بين المسلمين، كافّة.

ومن المؤكَّد أنّ الأحاديث في المهديّ المنتظر المرويّة بطرق أهل السُنّة، والمبشِّرة بالمهديّ لا تقلّ عن التي رواها الشيعة.

ولكن بعضهم يُحاول - بشتّى الطرق والأساليب - أن ينسبها إلى الشيعة، ويحسبهم - فقط - المسؤولين عنها، فهو يقول:

24

«وقد تقبّل الفكر الشيعيّ سيلاً من الأساطير والأحاديث «الموضوعة» عن طريق الموالي، وتسرّب «بعض» منه إلى‏ََ بعض محدّثي أهل السُنّة الّذين تساهلوا في الرواية عن أصحاب الفرق المخالفة» (1) .

إنّ في هذا الكلام:

1 - الحكم على الفكر الشيعي - فقط - بتقبّل هذه الأحاديث.

2 - الحكم على‏ََ من نقلها من محدّثي أهل السُنّة بالتساهل، وتسرّب بعض الأحاديث إليهم.

3 - الحكم على الأحاديث كلّها بالوضع.

إنّها أحكام قاسية، لا يحقّ لأحد - له أدنى‏ََ معرفة بعلوم الحديث - أن يُطلقها بكلّ رخاء!

وسنجيب عن كلّ واحد من هذه الأحكام بتفصيل، إلّا أنّا نحاول أن نظهر هنا ما في هذا الكلام القصير من التهافت‏

____________

(1) تراثنا وموازين النقد (ص‏185)

25

الواضح:

فإذا كان الشيعة هم المتقبّلين لأحاديث المهديّ، وإنّما «البعض» منها «تسرّب» إلى «البعض» من محدّثي أهل السُنّة!

فلماذا يقول - بعد ثمانية أسطر فقط - :

تُمكن الإشارة إلى‏ََ «ضخامة» هذا «الركام» الذي رواه أهل السُنّة «وحدهم» (1) .

فكيف انقلب «البعضُ المتسرّبُ» إلى‏ََ «ركامٍ ضخمٍ» بعد ثمانية أسطر فقط من الكلام الأوّل؟!

وإذا كانت الأحاديثُ موضوعةً!

فلماذا يقول - بعد صفحة واحدة فقط - :

أُشير إلى‏ََ أنّ «الكثير» من هذه الأحاديث مخرّج في «الصحاح» - باستثناء البخاري ومسلم! - كما خرّج بعضها الحاكم في المستدرك،

____________

(1) تراثنا وموازين النقد (ص‏186)

26

وابن حنبل في مسنده، بالإضافة إلى‏ََ سنن الداني، ونعيم بن حمّاد، وغيرها كثير (1) .

ولا حاجة إلى التعليق على‏ََ هذا، بعد وضوح التهافت:

بين كون الأحاديث «موضوعة» ، وتسرّب «البعض» منها إلى «المتساهلين» من أهل السُنّة. وبين كون «الكثير» من هذه الأحاديث، مخرّجاً في «الصحاح» .

لِما بين «الموضوعة» وبين «الصحاح» ، وبين «البعض» المتسرّب، وبين «الكثير» المخرّج، من التهافت والتنافي.

إنّ مثل هذه التصرّفات، لا يصدر عن عارف بمصطلح الحديث، كما إنّ مثل تلك الأحكام القاسية لا يصدر ممّن يعرف ما يخرج من رأسه! ويجري به قلمه.

على‏ََ أنّ الحكم «بالتساهل» على‏ََ أصحاب «الصحاح» ليس إلّاجهلاً بتاريخ الحديث وتاريخ المحدِّثين، وعدمَ وقوفٍ على‏ََ ما عاناه أهل الحديث في سبيل جمعه وضبطه وتدوينه وتحريره.

____________

(1) تراثنا وموازين النقد (ص‏186)

27

إنّ من ينزل إلى‏ََ هذه التخوم الدانية في المعرفة بالمصطلحات الحديثية وبتاريخ الحديث وأهله وقواعده، لا يحقّ له أن يقتحم بحر «النقد» الواسع.

وسنبيّن في الفصول التالية وجوه البطلان في أحكامه القاسية تلك.

28

الفصل الثالث: أحاديث المهديّ بين الصحّة والضَعْف‏

إنّ بعضهم يصف أحاديث المهديّ بأنّها «موضوعة» ويكرّر نسبة «الوضع» لها إلى الشيعة!

ولكن من المسلَّم به عند دارسي علوم الحديث - كافّة - أنّ مثل أحاديث المهديّ، المثبتة في الكتب المعتمدة ومنها الصحاح والمسانيد والسنن، ممّا له طرق عديدة وأسانيد متعدّدة، إن لم تكن صحيحة، فهي لا توصف كلّها بالوضع، وإنّما أسوأ ما يجرؤ أحدٌ هو أن يعبّر عنها بالضعف.

والواقع الملموس: أنّ أسانيد أحاديث المهديّ فيها الصحيح المتّفق عليه، وفيها الحسن، وفيها الضعيف، وقد يكون فيها الموضوع!

29

ولم يعبِّر أحدٌ عنها كلّها بالوضع، ولم يصفها بأنّها كلّها موضوعة إلّاثلّة من المتأخّرين، ممّن لا خبرة لهم بالحديث ومصطلحاته، وتبعهم الكاتب في التعبير (1) .

فالحاكم بوضع أحاديث المهدي قد جانب الإنصاف في أمرين:

الأوّل: أنّه وَصَفَ الأحاديث بأنّها موضوعة، من دون أن يعرف معنى «الوضع» ولا أن يفرّق بينه وبين «الضعف» .

وهذا ممّن يدّعي الاجتهاد في نقد الحديث أمر بعيد! إلّا أن نحمله على‏ََ اعتماد التقليد في هذه التسمية لمن لا خبرة له في المصطلح كأحمد أمين، وابن محمود القطريّ، وأضرابهما.

الثاني: أنّه نقل - عن بعض من سبقه - الحكم بضعف أحاديث المهديّ، كابن خلدون، وابن حجر، وغيرهما.

ولم يُشر - لا من قريب ولا بعيد - إلى‏ََ أنّ هناك جمعاً غفيراً من المحدّثين قد صحّحوا أحاديث المهديّ.

____________

(1) وقد عدّدهم الشيخ العبّاد، وفنّد مزاعمهم في الرقم 40 من ردّه على‏ََ ابن محمود القطري: أوّلهم رشيد رضا، وأحمد أمين، وتبعهم ابن محمود، والكاتب

30

أهذا التصرّف يصدر ممّن يحاول «نقد الحديث» بالطرق العلميّة الرصينة؟!

ومهما يكن، فلماذا يُحاول عبثاً أن يهوّن أمر تصحيح أسانيده، بينما هو يصرّ على‏ََ تضعيفها، وينقل تضعيف ابن خلدون لها، وبعد أن ينقل مقطعاً من كلامه حول أحاديث المهديّ، يقول: «وقد تتّبع ابن خلدون هذه الأحاديث بالنقد وضعّفها حديثاً حديثاً» (1) .

ثمّ ينسب إلى‏ََ ابن حجر أنّه أحصى الأحاديث المرويّة في المهديّ فوجدها نحو «الخمسين» وقال: إنّها لم تثبت صحّتها عنده‏ (2) .

أما كان من حقّ البحث العلميّ الرصين! أن ينقل عن بعض الأعلام الّذين صحّحوا بعض أحاديث المهديّ ممّن سبق ابن خلدون، أو عاصره، أو لحقه؟!

والأفضل أن نذكر هنا أسماء المحدّثين والعلماء الّذين أثبتوا أحاديث المهديّ في كتبهم، وننقل ما ذكروه حولها

____________

(1) تراثنا وموازين النقد (ص‏187)

(2) نقل عن: المهديّ والمهدويّة لأحمد أمين، ص‏108، دار المعارف - مصر، سلسلة إقرأ

31

من النقد (1) تكميلاً لأطراف البحث‏ (2) .

1 - أخرجها عبد الرزّاق (ت‏211) في المصنّف، الجزء 11، الأحاديث 20769-20779.

طبعة حبيب الرحمن الأعظميّ، منشورات المجلس العلمي الهند.

وقال الهيثمي في مجمع الزوائد 7/315 في بعض أحاديثه: إنّ رجاله رجال الصحيح.

2 - أخرجها ابن ماجة (ت‏273) في السنن 2/22-24، الأحاديث 4082-4088.

طبعة محمّد فؤاد عبد الباقي، دار إحياء الكتب، عيسى البابي، مصر.

والحديث 4084 إسناده صحيح، رجاله ثقات، وقال‏

____________

(1) اعتمدنا في هذا المجال على‏ََ كتاب «الإمام المهديّ عند أهل السُنّة» تأليف الشيخ مهدي الفقيه، المطبوع في دار التعارف - بيروت، طبعة ثانية سنة 1402 هـ

(2) وأمّا القادحون في الأحاديث فأوّلهم ابن خلدون، وقد نقلنا بعض كلامه، وسيجي‏ء ذكر من قلّده في ذلك من المتأخّرين من أمثال محمّد رشيد رضا المصري الشامي، وأحمد أمين المصري، وابن محمود القطري، وآخرين

32

الحاكم فيه: صحيح على‏ََ شرط الشيخين - البخاري ومسلم - .

3 - وأخرجها أبو داود (ت‏275) في السنن 4/106-109، كتاب المهديّ، الأرقام 4279-4290.

طبعة محمّد محيي الدين عبد الحميد - دار إحياء السُنّة النبوية - مصر.

4 - وأخرجها الترمذي (ت‏297) في الجامع الصحيح المسمّى‏ََ بالسنن، ج‏4، الأحاديث 2230-2232.

طبعة إبراهيم عطوة عوض - شركة مصطفى‏ََ البابي، مصر.

قال في اثنين من أحاديثه: حسن صحيح.

5 - وأخرجها الطبراني (ت‏360) في المعجم الكبير، الجزء 10، الأحاديث 1213-1231 في مسند عبد اللََّه ابن مسعود.

طبعة حمدي السلفي - مطبعة الوطن العربي - بغداد.

6 - وأخرجها الحاكم (ت‏405) في المستدرك على الصحيحين 4/464 و 4/557. ومنها حديث: «... إذا

33

رأيتموه فبايعوه، ولو حَبْواً على الثلج، فإنّه خليفة اللََّه المهديّ» .

قال الحاكم: هذا حديث صحيح على‏ََ شرط الشيخين.

ووافقه الذهبي على‏ََ ذلك في ذيله.

7 - أخرجها البغويّ (ت‏510) في مصابيح السُنّة 1/192.

(مطبعة محمّد علي صبيح - القاهرة) وعدّ بعضها «من الصحاح» وبعضها «من الحسان» .

8 - ابن تيميّة (ت‏728) .

قال في منهاج السُنّة 4/211 (دار إحياء السُنّة النبوية) : إنّ الأحاديث التي يحتجّ بها على‏ََ خروج المهديّ أحاديث صحيحة، رواها أبو داود والترمذي وأحمد وغيرهم [وأورد بعضها] وهذه الأحاديث غلطَ فيها طوائف أنكروها!

9 - الذهبي (ت‏748) في تلخيص المستدرك للحاكم صحّح بعض الأحاديث، في ذيل ذكر الحاكم لها.

وقال العبّاد: أمّا الذهبي فقد صحّح أحاديث كثيرة من

34

أحاديث المهديّ في تلخيص المستدرك.

ذكر ذلك في الفقرة 19 من مقاله المنشور في مجلّة الجامعة الإسلامية - المدينة المنوّرة - عدد 45، في الردّ على‏ََ ابن محمود القطري المنكِر للمهديّ.

10 - ابن قيّم الجوزيّة (ت‏751) في المنار المنيف في الصحيح والضعيف، فصل 45، ص‏129-143، ح‏325 فما بعد، تحقيق أحمد عبد الشافي، ط. دار الكتب العلمية - بيروت/لبنان 1408 هـ .

أورد فيه الأحاديث 326-339 وقال: وهذه الأحاديث أربعة أقسام: صحاح، وحسان، وغرائب، وموضوعة.

11 - ابن كثير الشامي (ت‏774) في كتابه النهاية 1/24-32، تحقيق طه محمّد الزيني - دار الكتب الحديثة - مصر.

أورد قسماً من أحاديث المهديّ وصحّحها.

12 - الهيثمي (ت‏807) في مجمع الزوائد 7/313-318 باب ما جاء في المهديّ، نشر مكتبة

35

القدسي - 1353 هـ ، وصحّح بعض أحاديثه.

13 - البرزنجي المدني (ت‏1103) في كتاب «الإشاعة لأشراط الساعة» ص‏87-121، فصل الحديث عن المهديّ، وصحّح كثيراً من الروايات الواردة فيه.

14 - محمّد صدّيق حسن خان القنوجي (ت‏1307) في كتاب «الإذاعة لِما كان وما يكون بين يدي الساعة» طبع مطبعة المدني - القاهرة.

قال في ص‏112-113: الأحاديث الواردة فيه - على‏ََ اختلاف رواياتها - كثيرة جدّاً، وتبلغ حدّ التواتر.

وأحاديث المهديّ عند الترمذي، وأبي داود، وابن ماجة، والحاكم، والطبراني، وأبي يعلى الموصلي، وأسندوها إلى‏ََ جماعة من الصحابة.

فتعرُّضُ المنكِرين لها ليس كما ينبغي.

والحديث يشدّ بعضُه بعضاً، ويتقوّى‏ََ أمره بالشواهد والمتابعات، وأحاديث المهديّ بعضُها صحيح، وبعضها حسن، وبعضها ضعيف، وأمره مشهور بين الكافّة من أهل الإسلام، على‏ََ ممرّ الأعصار.

36

ونقل عن الشوكاني في «التوضيح في تواتر ما جاء في المهديّ والمسيح» قوله: الأحاديث الواردة في المهديّ التي أمكن الوقوف عليها منها «خمسون» حديثاً، فيها الصحيح، والحسن، والضعيف المنجبر، وهي «متواترة» بلا شكٍّ ولا شبهةٍ.

بل يصدق وصف «التواتر» على‏ََ ما هو دونها، على‏ََ جميع الاصطلاحات المحرّرة في الأُصول.

وأمّا الآثار عن الصحابة المصرِّحة بالمهديّ، فهي كثيرة - أيضاً - لها حكم الرفع، إذ لا مجال للاجتهاد في مثل ذلك.

انتهى المنقول عن الشوكاني.

وقال صدّيق حسن خان في «الإذاعة» : ص‏145، في ردّه على‏ََ ابن خلدون: لا شكّ أنّ المهديّ يخرج في آخر الزمان من غير تعيين لشهر وعام، لما «تواتر» في الأخبار في الباب، واتّفق عليه جمهور الأُمّة سلفاً عن خلف، إلّامن لا يعتدّ بخلافه.

وإنّماقال به أهل العلم، لورود الأحاديث الجمّة في ذلك.

فلا معنى‏ََ للريب في أمر ذلك «الفاطمي الموعود

37

المنتظر» المدلول عليه بالأدلّة.

بل إنكار ذلك جرأة عظيمة في مقابلة النصوص المستفيضة المشهورة، البالغة حدّ التواتر.

ونقل صدّيق حسن خان في الإذاعة، ص‏146، عن السفاريني الحنبلي في «لوامع الأنوار» قوله: قد روي عمّن ذكر من الصحابة، وغير من ذكر منهم، بروايات متعدّدة، وعن التابعين ومَن بعدهم، ما يفيد مجموعه العلم القطعي.

فالإيمان بخروج المهديّ واجب، كما هو مقرّر عند أهل العلم، ومدوّن في عقائد أهل السُنّة والجماعة.

انتهى‏ََ كلام السفاريني.

15 - العظيم آبادي الهندي (ولد 1273) في عون المعبود شرح سنن أبي داود 11/361، تحقيق عبد الرحمن محمّد عثمان، نشر محمّد عبد المحسن، المدينة المنوّرة.

قال في ص‏361، في شرح الحديث 4259، في بداية كتاب المهديّ: اعلم أنّ المشهور بين الكافّة من أهل الإسلام على‏ََ ممرّ الأعصار أنّه لا بُدّ في آخر الزمان من ظهور رجل من أهل البيت يؤيّد الدين ...

ـ

38

وخرّج أحاديث المهديّ جماعة من الأئمّة ... وإسناد حديث هؤلاء بين صحيح، وحسن، وضعيف.

وقد بالغ الإمام المؤرّخ عبد الرحمن ابن خلدون المغربي في تاريخه في تضعيف أحاديث المهديّ كلّها، فلم يُصِبْ، بل أخطأ.

16 - محمّد بن جعفر الكتّاني (ت‏1345) في نظم المتناثر من الحديث المتواتر، الطبعة الأُولى‏ََ: المطبعة المولوية بفاس المغرب، سنة 1328، والطبعة الثانية، دار الكتب السلفية - مصر.

في الحديث رقم 298، أحاديث خروج المهديّ الموعود المنتظر الفاطمي.

فذكر رواية 20 من الصحابة ومخرّجيها، ثمّ قال: وقد نقل غير واحد عن الحافظ السخاوي: أنّها «متواترة» والسخاوي ذكر ذلك في «فتح المغيث» ونقله عن أبي الحسين الآبري.

وفي تأليفٍ لأبي العلاء إدريس بن محمّد بن إدريس الحسيني العراقي في المهديّ هذا: إنّ أحاديثه متواترة ، أو

39

كادت، وجزم بالأوّل [أي التواتر] غير واحد من الحفّاظ.

وفي شرح الرسالة للشيخ جسوس ما نصّه: ورد خبر المهديّ في أحاديث، ذكر السخاوي: إنّها وصلت إلى‏ََ حدّ التواتر.

وفي «شرح المواهب» نقلاً عن أبي الحسن الآبري في «مناقب الشافعي» قال: تواترت‏ الأخبار أنّ المهديّ من هذه الأُمّة.

وفي «مغاني الوفا بمعاني الاكتفا» نقل كلام الآبري ونصّه: قد تواترت الأخبار واستفاضت بكثرة رواتها عن المصطفى‏ََ صلى الله عليه و آله و سلم بمجي‏ء المهديّ، وأنّه سيملك سبع سنين، وأنّه يملأ الأرض عدلاً.

وفي شرح عقيدة السفاريني محمّد بن أحمد الحنبلي ما نصّه: قد كثرت بخروجه الروايات حتى بلغت حدّ التواتر المعنويّ، وشاع ذلك بين علماء السُنّة، حتى عدّ من معتقداتهم.

ثمّ نقل عبارة السفاريني كما أوردها صدّيق حسن خان في «الإذاعة» وعقّبها بذكر كلام حسن خان في ردّ ابن خلدون كما نقلناه.

40

17 - المباركفوري (ت‏1353) في تحفة الأحوذي 6/484، رقم 2331، تحقيق عبد الرحمن محمّد عثمان، مطبعة الفجالة، مصر، نشر المكتبة السلفية الحديثة.

18 - الشيخ محمّد الخضر حسين المصري (ت‏1377) في مقال «نظرة في أحاديث المهديّ» المنشورة في مجلّة «التمدّن الإسلامي» التي تصدرها جمعيّة التمدّن الإسلامي - بدمشق - سوريا، في المجلّد 16، العددين 35 و 36، الصادرين سنة 1370.

فقد ردّ فيه ردّاً حاسماً على‏ََ منكري أحاديث المهديّ، وممّا قال: اعترف ابن خلدون «بأنّ بعض الأحاديث خلص من النقد، إذ قال: فهذه جملة الأحاديث التي خرّجها الأئمّة في شأن المهديّ وخروجه آخر الزمان، وكما رأيت: لم يخلص منها من النقد إلّاالقليل والأقلّ» .

قال الخضر حسين: ونحن نقول: متى‏ََ ثبت حديث واحد من هذه الأحاديث وسلم من النقد كفى‏ََ في العلم بما تضمّنه من ظهور رجلٍ في آخر الزمان.

إذ أنّ مسألة المهديّ لم تكن من قبيل العقائد التي لا تثبت إلّابالأدلّة القاطعة.

41

والصحابة الّذين رويت من طرقهم أحاديث المهديّ نحو 27 صحابياً.

والواقع أنّ أحاديث المهديّ، بعد تنقيتها من الموضوع والضعيف القريب منه، فإنّ الباقي منها لا يستطيع العالِمُ الباحثُ على‏ََ بصيرة أن يصرف عنها نظره.

وقال في خلاصة كلامه: إنّ في أحاديث المهديّ ما يُعدّ في الحديث الصحيح، وبما أنّي درستُ علم الحديث، ووقفت على‏ََ ما يُميَّز به الطيّب من الخبيث، أراني مُلجَأً إلى‏ََ أن أقول - كما قال رجال الحديث من قبلي - : إنّ قضيّة المهديّ ليست قضيّة متصنّعة.

19 - الشيخ منصور علي ناصف، في التاج الجامع للأُصول 5/341-344، وقال في شرح غاية المأمول في ذيله: الباب السابع في الخليفة المهديّ رضي اللََّه عنه: اشتهر بين العلماء - سلفاً وخلفاً - أنّه في آخر الزمان لا بُدّ من ظهور رجل من أهل البيت يُسمّى «المهديّ» وقد روى‏ََ أحاديث المهديّ جماعة من خيار الصحابة، وخرّجها أكابر المحدّثين.

ولقد أخطأ من ضعّف أحاديث المهديّ كلّها كابن

42

خلدون وغيره.

20 - الشريف أحمد بن محمّد بن الصدّيق أبو الفيض الغماري الحسيني المغربي (ت‏1380) في كتابه القيّم: إبراز الوهم المكنون في كلام ابن خلدون‏ ، الذي وضعه للردّ على‏ََ شبهات ابن خلدون وترّهاته التي لفّقها حول أحاديث المهديّ المنتظر.

طبع الكتاب في مطبعة الترقّي في دمشق الشام عام 1347 هـ .

قال الصدّيق في مقدّمته: ظهور الخليفة الأكبر ... محمّد ابن عبد اللََّه المنتظر، قد تواترت‏ بكونه من أعلام الساعة وأشراطها الأخبارُ، وصحّت عن رسول اللََّه صلى الله عليه و آله و سلم في ذلك الآثار، وشاع ذكره وانتشر خبره بين الكافّة من أهل الإسلام على‏ََ ممرّ الدهور والأعصار.

فالإيمان بخروجه واجب، واعتقاد ظهوره - تصديقاً لخبر الرسول - محتّم لازب.

ثمّ نقل الصدّيقُ الأقوال بتواتر حديث المهديّ، عن علماء الأُمّة ومؤلّفاتهم، منهم: الآبري صاحب مناقب

43

الشافعي، والسخاوي صاحب فتح المغيث، والسيوطي في الفوائد المتكاثرة في الأحاديث المتواترة، وفي اختصاره:

الأزهار المتناثرة وغيرهما من كتبه، وابن حجر الهيتمي في الصواعق المحرقة، وغيره من مصنّفاته، والزرقاني في المواهب اللدنيّة، وجمّ غفير من الحفّاظ النقّاد للحديث، والمحدّثين المتقنين لفنون الأثر.

ثمّ نقل كلمات القنوجي في الإذاعة، والسفاريني في الدرّة المضيّة في عقيدة الفرقة المرضيّة، وشرحه المسمّى‏ََ:

لوامع الأنوار، حيث قال: وقد كثرت بخروجه الروايات حتى بلغت حدّ التواتر المعنوي، وشاع ذلك بين علماء السُنّة حتى عُدَّ ذلك من معتقداتهم.

وقد روى‏ََ عمّن ذُكر من الصحابة وغير من ذُكر منهم، روايات متعدّدة، وعن التابعين من بعدهم، ممّا يُفيد مجموعهُ «العلم القطعيّ» .

ثمّ عقد الصدّيق فصلاً في البحث عن «التواتر» وتعريفه، واختلاف الناس فيه، وهو الفصل الأوّل.

ثمّ ذكر رواة أحاديث المهديّ على‏ََ كثرتهم، وقال في

44

نهاية الفصل: المراد بالتواتر المعنويّ: أنّ القدر المشترك هو المتواتر.

فقال: فكلّ قضيّة منها باعتبار إسناده لم يتواتر، ولكن «القدر المشترك» فيها، وهو «وجود الخليفة المهديّ آخر الزمان» تواتر باعتبار المجموع.

ثمّ تصدّى‏ََ لابن خلدون - الذي أصبح مرجعاً للمنكرين - فنقل كلامه المذكور في فصل من مقدّمته بعنوان: «أمر الفاطميّ، وما يذهب إليه الناس من شأنه، وكشف الغطاء عن ذلك» (1) .

حيث قال: إعلم أنّ المشهور بين الكافّة من أهل الإسلام على‏ََ ممرّ الأعصار: أنّه لا بُدّ في آخر الزمان من ظهور رجلٍ من أهل البيت، يؤيّد الدين، ويُظهر العدل، ويتّبعه المسلمون، ويستولي على الممالك الإسلامية، ويُسمّى‏ََ بالمهديّ، ويحتجّون في الباب بأحاديث خرّجها الأئمّة ...

إلى‏ََ آخر كلامه .. حيث ذكر الأحاديث ونقدها حديثاً

____________

(1) مقدّمة ابن خلدون، ص‏311، طبع المكتبة التجارية - مصر

45

حديثاً، وضعّف أكثرها.

فبدأ الصدّيق الغماري بنقض كلامه حرفاً حرفاً، وكشف الغطاء عن أهدافه كشفاً، وأبرز أوهامه إبرازاً، وناقش تضعيفاته للأحاديث، وأثبت خطأه في نقده.

إلى‏ََ أن نقل قول ابن خلدون: فهذه جملة الأحاديث التي خرّجها الأئمّة في شأن المهديّ وخروجه آخر الزمان.

فقال الصدّيق رادّاً عليه: إنّ جميع ما ذكره من الأحاديث «ثمانية وعشرون» حديثاً، لكنّ الوارد في الباب أضعاف أضعاف ذلك.

وها أنا مورد من أخبار ما أُكمل به المائة من المرفوعات والموقوفات، دون المقطوعات، إذ لو تتّبعتها، خصوصاً الوارد عن أهل البيت، لأتيتُ منها بعدد كبير، وقدر غير يسير.

ثمّ أورد الحديث «التاسع والعشرين» إلى‏ََ «المائة» ، ثمّ قال في آخر الفصل: ولنقتصر على‏ََ هذا القدر من الوارد في المهديّ، فإنّه لا محالةَ مُبطلٌ لدعوى الطاعن [ابن خلدون‏].

وإلّا، فالأخبار في الباب كثيرةٌ جدّاً، ولو جمع منها

46

الوارد عن خصوص أئمّة أهل البيت لكان مجلّداً حافلاً.

انتهى‏ََ كلام الصدّيق الغماري رحمه الله .

يقول الجلالي: ومن هنا فإنّ الاعتماد على‏ََ (28) حديثاً فقط، ونقدها، يُعتبر عملاً ناقصاً، حتى لو توصّل إلى‏ََ ضعفها جميعاً، لفرض وجود أحاديث كثيرة أُخرى‏ََ لم ينقدها ولم يفحص أسانيدها.

فكيف يدّعي عدم صحّة الأحاديث كلّها، وكيف يطمئنّ إلى النتيجة المعتمدة على الاستقراء الناقص؟!

مع أنّ ابن خلدون نفسه لم يدّع ضعف الأحاديث كلّها، بل اعترف بوجود الصحيح - ولو قليلاً - فيها، حيث قال عن أحاديث المهديّ التي نقدها ما نصّه: وهي كما رأيت لم يخلص منها من النقد إلّاالقليل أو الأقلّ.

ولَنِعم ما قال الصدّيق في ردّه:

وقد عرفت استنقاذنا - بالحقّ - لها عن نقده - بالباطل - ، وأنّ نقده لم يبق موجّهاً إلّافي القليل أو الأقلّ، عكس ما قال.

47

وعلى‏ََ فرض تسليم دعواه، وأنّه لم يسلم منها إلّاالقليل أو الأقلّ منه: فما الشبهة - عنده - في دفع ذلك القليل السالم من النقد؟!

وما الاعتذار عن عدم قبول ذلك الأقلّ الذي اعترف بصحّته؟! وأقرّ بخلاصه من النقد وسلامته؟!

إنّما هو عنادٌ ظاهر، واختفاء عن الحقّ واضح، وتكبّر عن الإذعان لِما لم يوافق الهوى‏ََ والمزاج.

فكم رأيناه يحتجّ بأحاديث أفراد، ليس لها إلّامخرج واحد، وفي ذلك المخرج - أيضاً - مقالٌ!

نعم، تلك لا ضررَ فيها على الناصبة.

وهذه الأحاديث المتواترة ، غير موافقة لأُصول مذهب‏

48

النواصب والخوارج.

فلذلك انتقد منها ما وجد له سبيلاً ولو في غير محلّه ...

يقول الجلالي: والحقّ أنّ الشريف أحمد الصدّيق الغماريّ قد أحفى القول في إثبات الحقّ في المسألة والردّ على‏ََ باطل المنكرين للمهديّ، بما لا مزيد عليه، وأبدى‏ََ بطولة في العلم والمعرفة بعلوم الحديث، مع أدب جمّ وباع طويل وصدر رحب، بما يجب أن يشكر عليه، جزاه اللََّه عن الإسلام والمسلمين خيراً.

ويا حسرةً على الذي يقول لمثل هذا العالم المخلص: إنّه «من أنصار القديم لِقدمه» !

21 - ناصر الدين الألباني الشامي (معاصر) نشر بعنوان «حول المهديّ» بحثاً في حقل «من القرّاء وإليهم» من مجلّة «التمدّن الإسلامي» الدمشقيّة، في الجزءين 27 و 28، الصفحة 642، للسنة 22.

قال فيه: فليعلم أنّ في خروج المهديّ أحاديث كثيرة صحيحة، قسم كبير منها له أسانيد صحيحة.

49

ثمّ أورد قسماً منها، ونقل كلام صدّيق حسن خان في «الإذاعة» وقال بعنوان: «شُبهات حول أحاديث المهديّ» : إنّ السيّد رشيد رضا وغيره لم يتتّبعوا ما ورد في المهديّ من الأحاديث حديثاً حديثاً، ولا توسّعوا في طلب ما لكلّ حديثٍ منها من الأسانيد.

ولو فعلوا، لوجدوا فيها ما تقوم به «الحجّة» حتى في الأُمور الغيبيّة التي يزعم البعضُ أنّها لا تثبتُ إلّابحديث متواتر.

وممّا يدلّك على‏ََ ذلك: أنّ السيّد رشيد رحمه الله ادّعى‏ََ أنّ أسانيدها لا تخلو من شيعيّ!

مع أنّ الأمر ليس كذلك على‏ََ إطلاقه، فالأحاديث الأربعة التي أوردها ليس فيها رجل معروف بالتشيّع.

إلى‏ََ أن يقول الألبانيّ:

وخلاصة القول: إنّ عقيدة خروج المهديّ‏عقيدة ثابتة متواترة عنه صلى الله عليه و آله و سلم ، يجب الإيمان بها، لأنّها من أُمور الغيب، والإيمان بها من صفات‏

50

المتّقين، كما قال تعالى: « الم * ذلك الكتاب لا ريب فيه هُدىً للمتّقين * الّذين يؤمنون بالغيب » .

وإنّ إنكاره لا يصدر إلّامن جاهلٍ أو مُكابرٍ.

22 - الشيخ عبد المحسن بن حمد العبّاد المدني، عضو هيئة التدريس في الجامعة الإسلاميّة، بالمدينة المنوّرة (المعاصر) في محاضرة «عقيدة أهل السُنّة والأثر في المهديّ المنتظر» ألقاها في الجامعة المذكورة، ونشرت في مجلّة الجامعة الإسلاميّة، العدد الثالث، من السنة الأُولى‏ََ، لشهر ذي القعدة سنة 1388 هـ .

وقد احتوت على‏ََ عناصر عشرة، هي:

الأوّل: ذكر أسماء الصحابة الّذين رووا أحاديث المهديّ، عن رسول اللََّه صلى الله عليه و آله و سلم ، وعددهم - عنده - ستّة وعشرون.

الثاني: ذكر أسماء الأئمّة الّذين خرّجوا الأحاديث في كتبهم، وعددهم ثمانية وثلاثون، منهم: أبو داود، والترمذي، وابن ماجة، والنسائي، وأحمد، وابن حبّان،

51

والحاكم، وابن أبي شيبة، وأبو نعيم الأصفهاني، والطبراني، والدارقطني، وأبو يعلى الموصلي، والبزّار، والخطيب، وابن عساكر، والديلمي، والبيهقي، وغيرهم من الأئمّة والمحدّثين والعلماء.

الثالث: ذكر الّذين أفردوا مسألة المهديّ بالتأليف، وهم: أبو خيثمة، وأبو نعيم، والسيوطي، وابن كثير، وابن حجر المكّي الهيتمي، والمتّقي الهندي، والملّا علي القاري، والشوكاني، والأمير الصنعاني، وغيرهم.

الرابع: ذكر الّذين حكوا تواتر أحاديث المهديّ.

الخامس: ذكر بعض ما ورد في الصحيحين [البخاري ومسلم‏]من‏الأحاديث‏التي تبشّربالمهديّ، ولهاتعلّق بشأنه.

السادس: ذكر بعض الأحاديث بشأن المهديّ.

السابع: ذكر بعض العلماء الّذين احتجّوا بأحاديث المهديّ.

الثامن: ذكر من حكي عنه إنكار أحاديث المهديّ.

مع مناقشة كلامه.

ـ

52

التاسع: ذكر ما يُظنّ تعارضه مع الأحاديث الواردة في المهديّ.

العاشر: كلمة ختاميّة.

وقال في آخر الفصل السابع: وليعلم أنّ الأحاديث في المهديّ قد تلقّتها الأُمّة من أهل السُنّة والأشاعرة بالقبول.

وردّ على‏ََ كلام ابن خلدون مفصّلاً.

وقال في الكلمة الختاميّة:

إنّ أحاديث المهديّ الكثيرة - التي ألّف فيها المؤلّفون وحكى‏ََ تواترها جماعةٌ، واعتقد موجبها أهل السُنّة والجماعة وغيرهم - تدلّ على‏ََ حقيقة ثابتة بلا شكّ من حصول مقتضاها في آخر الزمان ...

وقال: فلاعبرة بقول من قفا ماليس له به‏علمٌ فقال: إنّ‏الأحاديث في المهديّ لا تصحّ نسبتُها إلى‏ََ رسول اللََّه صلى الله عليه و آله و سلم ، لأنها من وضع الشيعة!

53

وإذن، فإنّ أحاديث المهديّ على‏ََ كثرتها وتعدّد طرقها وإثباتها في دواوين أهل السُنّة، يصعب كثيراً القول بأنّه لا حقيقة لمقتضاها، إلّاعلى‏ََ جاهل، أو مكابر، أو مَنْ لم يُمعن النظرَ في طرقها وأسانيدها، ولم يقف على‏ََ كلام أهل العلم المعتدَّ بهم فيها.

والتصديق بها داخل في الإيمان بأنّ محمّداً رسولُ اللََّه صلى الله عليه و آله و سلم ، لأنّ من الإيمان به صلى الله عليه و آله و سلم تصديقه فيما أخبر به، وداخل في الإيمان بالغيب الذي امتدح اللََّه المؤمنين به، بقوله: « الم * ذلك الكتاب لا ريب فيه هُدىً للمتّقين * الّذين يؤمنون بالغيب » .

23 - عبد العزيز بن باز السعوديّ الوهابيّ (معاصر) رئيس الجامعة الإسلامية بالمدينة المنوّرة، في تعليق له على‏ََ محاضرة الشيخ عبد المحسن العبّاد، التي ذكرناها آنفاً، نشر في مجلّة الجامعة نفسها، العدد 3، السنة الأُولى‏ََ 1388، في

54

ذيل المحاضرة ذاتها.

قال فيه:

أمر المهديّ معلوم، والأحاديث فيه مستفيضة، بل «متواترة» وقد حكى‏ََ غيرُ واحد من أهل العلم تواترها.

وهي متواترة تواتراً معنوياً، لكثرة طرقها، واختلاف مخارجها، وصحابتها، ورواتها، وألفاظها، فهي - بحقٍّ - تدلّ على‏ََ أنّ هذا الشخص الموعود به أمره ثابت، وخروجه حقّ.

وقال: وقد رأينا أهل العلم أثبتوا أشياء كثيرة بأقلّ من ذلك.

والحقّ أنّ جمهور أهل العلم، بل هو الاتّفاق: على‏ََ ثبوت أمر المهديّ، وأنّه حقّ، وأنّه سيخرج في آخر الزمان.

وأمّا من شذّ من أهل العلم - في هذا الباب - فلا يُلتفتُ إلى‏ََ كلامه في ذلك.

55

24 - وللشيخ عبد المحسن بن حمد العبّاد - أيضاً - مقال بعنوان «الردّ على‏ََ من كذّب بالأحاديث الصحيحة الواردة في المهديّ» نشر في مجلّة الجامعة الإسلاميّة، العددين 45 و 46، الأوّل والثاني من السنة 12.

ردّ فيه بحزم وتفصيل على القاضي ابن محمود القطريّ رئيس المحاكم في دولة قطر، فيما كتبه في رسالة سمّاها «لا مهديّ يُنتظر بعد الرسول خير البشر» .

وهو ردّ قويّ، ومتين، ومستوعبٌ لجميع ما عرضه ذلك الكاتب وغيره من البحوث، وأجاب عن اعتراضاته وسلبيّات ما نسبه إلى‏ََ قضيّة المهديّ.

والنتيجة: أنّنا - وإن أطلنا الموقف مع هذه القائمة لأسماء من صحّح أحاديث المهديّ - فإنّ الذي قصدناه من هذه الإطالة:

1 - أن يطّلع القرّاء الكرام على‏ََ وجهات نظر المصحّحين للحديث، من دون الاقتصار على‏ََ ذكر المضعِّفين له.

2 - أن ندلّ على‏ََ عدم موضوعيّة من تعمّد إخفاء هذه التصحيحات، وعدم ذكر شي‏ء منها، مع أنّه يدعو إلى

56

البحث العلميّ الرصين!

مع أنّ إكمال البحث غير ممكن إذا أغفلنا هذه المجموعة من الآراء وخاصّة ما في كتب المتأخّرين من المعلومات القيّمة.

«فإنْ كانَ» المتعمّد للإخفاء «لا يَدْري» عن هذه المعلومات شيئاً «فتلك مصيبةٌ» على‏ََ علمية البحث الذي يُقدم عليه ورصانته.

«وإنْ كان يَدْري» بها، ولكنّه تغافل ولم يذكرها في بحثه «فالمصيبةُ أعظمُ» على‏ََ صدق نيّته وإخلاصه وأمانته.

57

الفصل الرابع: أحاديث المهديّ بين الأصل والتفاصيل‏

إنّ من الواضح لدى‏ََ أهل العلم: أنّ أصلَ أمرٍ ما قد يكون ثابتاً ومتيقّناً، لكن تكون خصوصيّاته مشكوكةً ومختلَفاً فيها.

ولا يختلف الأمر في ذلك بين أن يكون من المنقولات أو المعقولات.

فقد يتّفق الناقلون على‏ََ مجي‏ء زيد - مثلاً - لكن يختلفون في مجيئه راكباً، أو ماشياً.

فيتركّب كلّ خبر من عنصرين: «أصل الشي‏ء» و «حالة الشي‏ء» ، والأوّل ربّما يكون متّفَقاً عليه، والثاني

58

يكون مشكوكاً فيه.

وإذا ترتّب حكمٌ من تكليف أو اعتقاد، أو أثر، على الأصل، التزم به، لعدم الخلاف فيه، وأمّا الحالة فلا دليل على‏ََ ثبوتها، ولا يترتّب عليها أحكام الأصل، كما أنّ اختلافها لا يؤثّر في ثبوت الأصل.

ومثل هذا واقع في كثير من الملتزَمات الدينيّة، سواء العمليّة، أم الاعتقادية.

فالحجّ مثلاً، واجب شرعيّ، ولا خلاف في أصل وجوبه ومهمّات أعماله كالإحرام والطواف والسعي، بين الأُمّة الإسلاميّة، لكنّ الخلاف في جزئيات كلّ ذلك واقع لا محالة، من دون أن يؤثّر في أصل الوجوب.

وفي مقام العمل يلتزم العامل بما يترجّح عنده من أوجه العمل، أو يتخيّر بين الأفعال والوجوه المتعدّدة.

ومن المعلوم أنّ الخلاف الواسع بين الفقهاء في المذاهب المختلفة، وحتى فقهاء المذهب الواحد، غير مؤثّر في أحكام أُصول الواجبات والمحرّمات، المسلَّمة، ولا يسري التشكيك من الجزئيّات والتفاصيل، إلى الكلّيّات والمسلَّمات.