مختصر عجائب الدنيا

- شاه إبراهيم ابن وصيف المزيد...
416 /
3

إهداء

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم‏

إلى: المحبين للسياحة مع قلة ذات اليد ...

إلى: السائلين عن الطرائف و الغرائب.

إلى: السائلين عن علوم الأقوام الغابرين.

إلى: الساعين لنهضة البشرية روحيا و علميا.

إلى: الناظرين المتأملين في بديع صنع اللّه.

أقدم هذا الكتاب سيد كسروي‏

4

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

5

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم‏

مقدمة المحقق‏

الحمد للّه ... ثم الحمد للّه ... ثم الحمد للّه‏ عالِمُ الْغَيْبِ وَ الشَّهادَةِ* [التوبة:

94] خلق ما تعلمون و ما لا تعلمون‏ وَ لا يُحِيطُونَ بِشَيْ‏ءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِما شاءَ [البقرة:

255]، وَ ما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ [المدثر: 31]، سبحانه أراد أن يعلمنا أن‏ وَ فَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ‏ (76) [يوسف: 76] سبحانه لا يعلم قدره غيره، و أخشانا له أعلمنا به و أتقانا إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ [فاطر: 28] حيث علموا بما أعلمهم ما لم نعلم فخشوه بما علموا من بعض عظيم قدرته و قدره، و مع هذا قال: وَ ما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ‏ [الزمر: 67، الأنعام: 91، الحج: 74].

و أشهد أن لا إله إلا اللّه سبحانه و تعالى لا شريك له، علم ما كان و ما قبل ما كان، و ما وراء الأكوان جلّ شأنه مكون الأكوان بما لا تدركه الأذهان. و أشهد أن سيدنا و نبينا محمد (صلى اللّه عليه و سلّم) القائل: «لو تعلمون ما أعلم لبكيتم كثيرا و ضحتكم قليلا». فقام إعظاما لما علم من قدر ربه عز و جل حتى تورمت قدماه، و قال: أفلا أكون عبدا شكورا، فعبد على قدر طاقته و استطاعته ليوفي شيئا من قدره فقضى نهاره صائما و وصله بالليل قائما.

و قالت ملائكة الرحمن: «سبحانك ما عبدناك حق عبادتك» بعد أن قضوا أعمارهم في طاعته دون أدنى معصية لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أَمَرَهُمْ وَ يَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ (6) [التحريم:

6]، فإنه من البديهي أن تظهر عظمة المخلوق بعضا من عظيم قدرة الخالق، ففي ملموساتنا و محسوساتنا مثلا، انظر إلى الدنيا و اتساعها تشعر بأنه الواسع، و بقدر رهبة النهار يتجلى لك أنه المبين، و بقدر هبة الليل و ظلمته و إخفاءه تشعر بأنه الباطن، و كيف يلبس الليل بالنهار و النهار بالليل، و لو تدبرنا أمرا واحدا مما علمناه أو بالأحرى عرفنا شيئا عنه لفني عمرنا و حارت عقولنا و ما علمنا عنه غير أقل من القليل و عرفنا شيئا من عظيم قدرته و جليل علمه سبحانه و تعالى العليم الحكيم لا يعلم قدره غيره.

أما بعد:

فعن هذا الكتاب، فقد خاض بنا مؤلفه رحمنا اللّه و إياه عباب بحور الدنيا و محيطاتها، و هام بنا في براريها، و صعد بنا جبالها و مشى بنا في سهولها، و ولج بنا

6

غاباتها، و طوّف بنا في أقطار الأرض شرقها و غربها، جنوبها و شمالها، صعد بنا في سمواتها و تجول بين كواكبها، ثم عاد بنا إلى أرضها و بشرها. و ذكر لنا طرفا من غرائب طبائع أهلها و عجائب ما عملوا و مبهر ما صنعوا، و اختلاف أخلاقهم شرها و خيرها، و أنبيائهم و فجارهم، و ملوكهم و صعاليكهم، و سادتهم و عبيدهم، فكان يفيد أحيانا كثيرة و يجانبه الصواب أحيانا أخرى.

و وعظ فأثر، و نصح فأرشد، و حذّر فأرهب.

و تكلم عن البحار و عجائبها، و المياه و غرائبها، و الآبار و خصائصها، و الأشجار و صفات ثمارها، و الوحوش و أطباعها، و البشر و أخلاقهم حميدها و ذميمها.

و تكلم عما منح اللّه لهم من العلوم العجيبة و الغريبة غير العلوم المعلومة أو المعروفة الملموسة و المحسوسة و المشاهدة.

فتكلم عمن تعلم علوم السحر، و أحكم علوم الطلاسم، و من أبدع في الكيمياء، و من برع في الطب، و من تمكن في الهندسة المعمارية، أو الميكانيكية و ما كان يسمى بعلم الاحتيال. و تكلم عن مكر الماكرين و خداعهم و تغريرهم بضحاياهم، و كيف أن حيلهم قد انطلت على هؤلاء الضحايا و ليسوا من عوام الناس و لا من بسطائهم بل هم ملوك في بلادهم أو قادة لجيوش جرارة فوقعوا بسهولة في شراك مكرهم.

و تكلم عن عجائب التماثيل أو الأصنام، و التي منها عجل السامري، و كيف أمكن لمن سبق أن يصنع و يحكم مثل تلك التماثيل العجيبة المحيرة مثل التماثيل التي تتحرك بحركة الشمس، و الأخرى التي تتحول من جهة إلى أخرى بتحول فصول السنة الأربعة، و تلك التي تميز بين الصادق و الكاذب، و ما يقوم منها بعمل الحراسة الدقيقة كغلق الأبواب و فتحها، أو تثبيت الغريب حتى لا يدخل بغير إذن أصحاب الحصون أو حراسها، أو مثل الموائد التي لا يشبع الجالس إليها من الأكل و إن واصل الأكل ليل نهار، أو ما ألفوه من الأدوية النافعة من أول مرة أو الضارة القاتلة الفتاكة.

و ما عرفوا من خصائص الطير، و الحيوانات، و السباع، و الأسماك، و غرائب الأشجار و النباتات، و عجائب المخلوقات التي لم نقف عليها أو لم نر لها مثيلا في حياتنا من طير و حيوان و نبات حتى أن كلامه أحيانا يكون حقيقيا و لا يكاد يصدقه العقل و هو فيه صادق كل الصدق و ما ذلك إلا لشدة غرابته، و القاعدة تقول: المرء عدو ما جهل.

ثم يأخذ في آخر الكتاب في غرائب الإنسان من حيث الأخلاق و الطباع و العادات و التقاليد، فذكر بعبر، و نصح بنصائح و ذكر في ذلك أشعارا كثيرة غير أنه عند كلامه عن العشق و العاشقين و غرائب ما صنعوا أو قالوا، فبلا تردد أقول: إنه قد أسرف في سرد

7

كثير من الأشعار الماجنة غير أني حذفت كثيرا منها خصوصا ما كان مجونه و خلاعته لا يصلح لمسلم أن يتحدث به بين الناس أو أن يقرأه والد أمام ولده أو ولد على مسمع من والده. و تكلم عن البلدان و عادات أهلها و طبائعهم و طول ليلهم و نهارهم، و فصول السنة و أسماء الشهور القبطية و أحوال الفصول.

و تكلم عن الوفاء و الأوفياء، و الكرم و الكرماء، و البخل و البخلاء.

ثم ختم الكتاب بشعر له طيب رقيق أسأل اللّه أن يتقبله منه و أن يجعله في صحيفة حسناته يوم القيامة، و أن يختم لنا بالإيمان الكامل. و قبل أن أختم أنا التعريف بهذا الكتاب أذكرك أخي القارى‏ء، بهذا الشعر عساه ينفعني و إياك و قد سمعته من أخ فاضل و رجل أزهري جليل هو الأستاذ الشيخ شحات محمود الصاوي و قد حدثني به في زيارة له مني و في أثناء تناولنا لخير الكلام و هو الدعوة إلى اللّه تعالى أن يصلح أمور دنيانا و حالها و ما وصل إليه حال القائمين بها و أمراضهم و علاجهم، فقال رحمه اللّه شعرا أخبر أنه سمعه أثناء تواجده باليمن للتدريس:

إذا كثر الكلام فأسكتوني‏* * * فإن الدين يهدمه الكلام‏

و إن طال المنام فأيقظوني‏* * * فإن العمر ينقصه المنام‏

و إن كثر الطعام فنبهوني‏* * * فإن القلب يفسده الطعام‏

و إن ظهر المشيب فحذروني‏* * * فإن الشيب يتبعه الحمام‏

أما و قد وهن العظم منا و اشتعل الرأس شيبا، فاللّه أسأل لي و له و لوالدي و والديه و لزوجتي و لسائر المسلمين حسن الختام بالموت على دين الإسلام و أن يأخذ بأيدي القائمين على الدعوة إلى طريقه المستقيم، و أن يفتح لهم آذان و قلوب سامعيهم، و أن يوقر الإيمان في جذور قلوب الدعاة و المدعوين برحمته و كرمه، و أن يفك أسر جميع المأسورين، و أن يحرر بكرمه المسجد الأقصى من أيدي الكافرين و المارقين برحمته و كرمه، و أصلي و أسلم على سيد المرسلين، و آمين آمين آمين، و آخر دعوانا:

(أن الحمد للّه رب العالمين)

أبو إسلام سيد كسروي حسن القاهرة، الزاوية الحمراء في يوم الجمعة 15 رجب سنة 1421 هجرية الموافق 13/ 10/ 2000 ميلادية

8

رأيي في الكتاب و ما استخلصته من قراءته‏

أما عن رأيي في الكتاب فقد أجملته فيما تقدم من الكلام في خطبة الكتاب.

و أما ما استخلصته منه بعد قراءتي له فهو: أن العلماء القدامى أو من كانوا يسمون بالكهان فقد كانوا من الخبث و النذالة و خسة الطبع بمكان و يظهر ذلك جليا في احتكارهم لما حازوا من علوم و حرصهم الشديد على أن لا يطلع على علومهم إنسان إلا عددا محدودا و في حدود الاضطرار مؤكدين عليهم على عدم اطلاع غيرهم على تلك المعارف للاستئثار عند الملوك و الحكام لتظل حاجتهم إليهم هامة و ملحة.

و قد كانوا بحق على علم وفير و تمكن تام من العلوم التي اكتسبوها فقد تمكنوا من عدة علوم خصوصا منها علوم الكيمياء، و الطب، و الفلك، و خصائص المعادن، و فنون النحت إلى غير ذلك من العلوم الأخرى الكثيرة.

و قد فاقوا كل من جاء بعدهم حتى في عصرنا هذا الذي نرى أننا قد تقدمنا في العلوم جميعا تقدما مذهلا.

و بإحكام هؤلاء العلماء لتلك العلوم استطاعوا أن يوظفوها في عمل التماثيل الناطقة، و المتحركة، و الحارسة أو المحافظة على الكنوز و الحصون.

و استطاعوا المحافظة على جثث الموتى حتى وصلت إلى عصورنا هذه.

كما برعوا أيضا في عمل الأشياء التي تعمل ذاتيا، أو بنظام التايمر أو التوقيت، أو التيرموستات، كاختراعهم للحمامات الذاتية أو التي تعمل أوتوماتيكيا فتفصل و تعمل من ذاتها، و الساعات أو التماثيل التي تصدر أصواتا كل ساعة من ساعات الليل و النهار يتميز بها الوقت ليلا و نهارا.

و تمكنوا كذلك من عمل القناديل التي تعمل بنفس النظام، فتضي‏ء إذا دخل الليل و تطفى‏ء عندما يواجهها نور النهار، و هو ما يشبه في عصرنا هذا باللمبات التي تعمل بالليزر أو الإشعاع أو الأشعة.

و تمكنوا من عمل المرايا التي ينظرون فيها فيعرفون الوقت كالساعة في عصرنا هذا.

و بإحكامهم لعلوم الفلك علموا حركة الكواكب و مداراتها، و رصدوا سير الرياح‏

9

و استطاعوا أن يعرفوا مواقيت المطر و الغيوم و بخر البحور و المحيطات، و ما يكون إذا كانت الشمس في مدار معين من مداراتها و ما هو تأثير ذلك على النجوم و الهواء و السحاب و كيف تكون حالة الجو في مثل تلك الأحوال. و استغلوا ذلك في أمور كثيرة، كالاتصال و الرؤيا مستغلين ذلك الفراغ الكوني الشاسع، و الذي بدأنا نحن في معرفته بعد استخدامهما في علوم الاتصال و الرؤيا من خلال التلفاز (المرناة) و الهاتف النقال (المسراة) و هو ما يسمى بالموبايل. و كذلك برعوا في علوم الجغرافيا، فعلموا طبائع الأرض و خصائصها و خصائص الأحجار، و جيولوجية كل أرض، فاختاروا من أحجارها ما أقاموا به القصور التي واجهت العوامل الجوية فعاشت أبنيتهم الهندسية و المعمارية إلى أن وصلت إلى عصورنا و إلى متى ستصمد، فاللّه وحده هو الذي يعلم. و وصلت إلينا جثث موتاهم التي حنطوها منذ آلاف السنين.

و استطاعوا أن يبنوا المنارات الشهيرة كمنارة الإسكندرية التي كانون يرون فيها ما يدور في أوربا و كأنهم يشاهدون مباراة بين فريقين نشاهدها نحن اليوم ظانين أننا قد سبقنا من سبقنا سبقا كبيرا و في الحقيقة أننا قد تخلفنا عنهم كثيرا و كثيرا.

أمكنهم عمل المرايا التي ينظرون فيها فيرون أقطار ممالكهم فيعرفوا مناطق الجدب و الإخصاب فيستطيعون أن يقدروا من خلالها مقدار ما عليها من خراجات و فروض.

و كذلك تمكنوا من معرفة نوع الجنين ما إذا كان ذكرا أو أنثى من خلال حبات القمح و التبول عليها، و كذلك من خلال حشرة القمل، و ذلك بوضعها في لبن ثدي المرأة الحامل.

و خلاصة ما أريد أن أقوله هو: أننا في الواقع برغم هذا التقدم العلمي المبهر في مجلات العلوم إلا أننا من وجهة نظري نعتبر قد تخلفنا عن ركب ما يجب أن نكون عليه من العلم الآن بما لا يقل عن ألف سنة بل يزيد فكان يجب أن تكون تلك الاكتشافات قد مضى عليها هذا القدر من الزمان و كان يجب أن نكون قد تقدمنا كثيرا جدا عنهم.

و لئن سألتني عن السبب أجبتك: أن السبب في ذلك ليس إلّا في خبث هؤلاء الكهنة الذين أبوا أن ينشروا علومهم حفاظا على مكانتهم لدى أصحاب السلطان، و ليظل الناس يرهبونهم و يقدسونهم.

فقد كان الناس يقدرونهم قدر الأنبياء عندنا، و الحكام يرهبونهم لما تمكنوا فيه من العلوم، فالأنبياء يوحى إليهم و علومهم روحية علمها لهم شديد القوى، و ليست علوم مكتسبة، أما هؤلاء فعلومهم مكتسبة و لو علموها لمن بعدهم لصار حالنا غير ما هو عليه الآن من تقدم ورقي.

فعلينا أن نبذل جهدا جهيدا كي ندرك شيئا من مكنونات هذا الكون الغريب‏

10

العجيب الذي أتقن اللّه صنعه و وعدنا بأنه سيكشف لنا عن كثير من أسراره فقال:

سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَ فِي أَنْفُسِهِمْ‏ [فصلت: 53].

فما علينا إلّا أن نمكّن الإيمان في قلوبنا، و نمسك بكتاب ربنا في يد ليضي‏ء لنا صفحات الكون فنقلبها بيدنا الأخرى ليفتح اللّه لنا كنوز و أسرار المعرفة وَ لَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ‏ [الحج: 47]، وَ مَنْ أَوْفى‏ بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ‏ [التوبة: 111]، وَ الَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا [العنكبوت: 69].

عفوا أخي القارى‏ء على هذه الإطالة، فقد اختصرت ما أريد أن أقول اختصارا.

11

ترجمة المؤلف‏

لم يتيسر لي ترجمة المؤلف ترجمة ترضي طموحي أو توضح لي بعضا من جوانب حياته أو تبين موطنه بالتحديد و إن كان يبدو من أول وهلة أنه فارسي الأصل، و لم يترجم له من ذكره و إنما ذكره لذكره لمؤلفاته و لم يذكروا له صفة سوى قول الأستاذ عمر رضا كحّالة: مؤرخ.

و أما ما تيسر لي من ترجمته:

فهو: إبراهيم بن وصيف شاه.

وفاته: توفي سنة تسع و تسعين و خمسمائة.

مؤلفاته: أما عن مؤلفاته فإني أذكرها و ربما ذكرت منها مؤلف أو أكثر بأكثر من اسم، و اللّه أعلم، لعدم يقيني من ذلك. و أنقل ما ذكره له حاجي خليفة في «كشف الظنون» و عمر كحالة في «معجم المؤلفين».

1- جواهر البحور و وقائع الدهور في أخبار الديار المصرية. و يقال له أيضا:

جواهر البحور و عجائب الدهور.

2- أخبار مدينة السوس.

3- مختصر عجائب الدنيا. و هو كتابنا هذا و قد اختصره من كتاب المسعودي.

4- كتاب العجائب و الغرائب. و ربما كان هذا هو الذي قبله و ربما كان هذا كتاب له هو قائم بذاته من تأليفه.

هذا ما يسّر اللّه تعالى من ترجمته و مصادرها:

- كشف الظنون لحاجي خليفة (1/ 30، 613، 1126، 1437).

- معجم المصنفين للتونكي (4/ 463، 464).

- معجم المؤلفين لعمر رضا كحالة (1/ 125).

12

منهج التحقيق‏

أما عن منهجي في تحقيق هذا الكتاب فإنه لم يكن على ما جرت عليه عادتي في تحقيق الكتب السابقة من ضبط المخطوط، أو تخريج أحاديثه أو إرجاع نصوصه إلى مصادرها، أو شرح بعض عباراته أو غرائب ألفاظه، أو التعريف بالأماكن و البلدان، أو الحكم على الأحاديث بالصحة أو الضعف أو ما إلى ذلك من أحوال الأحاديث، أو مناقشة بعض فقرات الكتاب تأييدا أو تعقيبا بالضد من ذلك. و إنما اقتصرت في تحقيق هذا الكتاب على ضبط النص و تصويب بعض ما ورد فيه من أخطاء إملائية و قد كانت كثيرة، و استدراك بعض ما سقط منه. و حذفت منه بعض الكلمات أو الأبيات أو القصائد و الأشعار الماجنة لعدم لياقتها، و أشرت إلى كل ذلك في حينه.

و قد كانت لي بعض التعليقات الطفيفة جدا، و أود أن أنبه أو أشير إلى أن سكوتي على بعض ما ورد في الكتاب من الأمور التي لا توافق العقل أو الشرع لا يعد إقرارا أو اعترافا مني بصحة ذلك، و إنما قد أسلفت في خطبة الكتاب أنني لا أعلق على ما يسوقه المؤلف من حكايات أو أخبار.

و قد قدمت للكتاب بمقدمة أو خطبة عرفت فيها بإجمالي ما أورده الكاتب في كتابه و ختمتها بإرفاق صور المخطوط.

و اللّه أسأل أن يرحم مؤلفه و مختصره و أن يرزقني و إياكم حسن الختام اللهم آمين.

آمين. آمين.

13

وصف المخطوط

ذكر المخطوط في فهرس معهد المخطوطات العربية تحت رقم (37) جغرافيا، باسم «عجائب الدنيا» لمؤلفه إبراهيم بن وصيف شاه.

و ذكر ببطاقة التعريف بالمخطوط: باسم «مختصر عجائب الدنيا للمسعودي».

و بإعمال الفكر و التدبر البسيط يظهر أن كلاهما واحد و هو «مختصر عجائب الدنيا» تأليف المسعودي، و اختصار إبراهيم بن وصيف شاه.

و بيانات المخطوط كما يلي:

اسم الكتاب: مختصر عجائب الدنيا، للمسعودي.

اسم المؤلف: إبراهيم بن وصيف شاه.

تاريخ النسخ: 1090 هجرية.

عدد الأوراق: 210 ورقة.

الفن: جغرافيا.

مكان المخطوط الأصلي: أسعد أفندي بتركيا.

رقم المخطوط الأصلي: 2240.

مكان مصورة المخطوط: معهد المخطوطات العربية بالقاهرة.

رقم مصورة المخطوط: 37.

رقم التصوير و رموزه: ف 934 ش 858.

عدد أسطر المخطوط: 20 سطر في الصفحة.

عدد الكلمات: من 12 إلى 13 كلمة في السطر.

نوع الخط: نسخ جميل و منقوط.

ملاحظات أخرى: جاء بصفحة الغلاف و التي بها اسم الكتاب و الذي خلا من اسم المؤلف عدة تملكات للكتاب كان آخرها سنة 1335، و رقم تصوير المخطوط، و أربعة أختام للمكتبات التي اقتنته أو تنقل بينها، و اللّه أعلم.

بهامش المخطوط بعض التصويبات بخط الناسخ. أوراق المخطوط تامة. و الحمد للّه من قبل و من بعد و نسأل اللّه تعالى حسن الختام.

14

مصورة الورقة الأولى من المخطوط و هي غلافه يظهر بها اسم الكتاب و التملكات.

15

مصورة الصفحة (1/ أ) و يظهر بها مقدمة المخطوط و إسناد مؤلفه أو مصدر معلوماته‏

16

مصورة الصفحة (2/ ب) و يظهر بها بداية الكتاب و شروع المؤلف في سرد موضوعه‏

17

مصورة الصفحة (210/ أ) و هي نهاية موضوع الكتاب‏

18

مصورة الصفحة (210/ ب) و يظهر بها خاتمة الكتاب و تاريخ نسخه‏

19

الجزء الاول‏

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم‏

الحمد للّه بارى‏ء المسموكات و رازق المخلوقات، و أشهد أن لا إله إلا اللّه وحده لا شريك له ربّ الأرض و السموات، و أشهد أن سيدنا محمدا (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) عبده و رسوله خير خلقه و على آله و صحبه ما دامت الأرض و السموات.

و بعد؛ فنبتدى‏ء بذكر اللّه تعالى و حمده و الثناء عليه و الشكر له و الصلاة و السلام على سائر أنبيائه و تخصيص محمد (صلى اللّه عليه و على آله) و صحبه بأفضل صلواته و أكمل زكواته.

ثم نذكر ما وقع إلينا من أسرار الطبائع و أصناف الخلق مما يكون مشاكلا لقصدنا، و نصل ذلك بذكر من ذكره من ملوك الأرض و ما عملوه من غرائب الأعمال، و شيدوه من عجائب البنيان و وضعوه، و من الآلات المستظرفة و الطلسمات المستعملة و زينوا به هياكلهم و أودعوه نواويسهم‏ (1) و زبّروه‏ (2) على أحجارهم على حسب ما نقل إلينا من ذلك كله و باللّه العظيم نستعين و هو حسبنا و نعم الوكيل.

روي عن ابن الحكم رحمه اللّه قال:/ خلقت الأرض في صفة طائر رأسه و صدوره و جناحه و ذنبه.

فالرأس: مكة و المدينة و اليمن.

و الصدر: الشام و مصر.

و الجناح الأيمن: الواق و الوقواق، و السند و الهند و البند.

و الجناح الأيسر: ما منك و يأجوج و مأجوج.

و الذنب: من ذات الحمام إلى مغرب الشمس إلى البحر الأسود.

و قال: إن اللّه تعالى خلق مدينتين، واحدة بالمشرق و اسمها: جابلق، و الأخرى بالمغرب و اسمها: جابرص، طول كل مدينة اثنا عشر ألف فرسخ، و لكل مدينة عشرة آلاف باب، بين كل فرسخ باب، يحرس كل باب في كل ليلة عشرة آلاف رجل، ثم‏

____________

(1) أي: مقابرهم، كما هو الحال عند فراعنة مصر و ما يستخرجه علماء الآثار من تلك المقابر حتى الآن.

(2) أي ما نقشوه عليها من الكتابة.

20

يذهبون فلا تأتيهم النوبة إلى يوم القيامة، و إنهم يعمرون سبعة آلاف سنة ما دونها، و يأكلون و يشربون و ينكحون، و فيهم حكم كثيرة، و لهم خلق عظيم تامة، و أن هاتين المدينتين خارجتين عن هذا العالم، لا يرون شمسا و لا قمرا، و لا يعرفون إبليس اللعين و لا آدم (عليه السلام)، يعبدون اللّه تعالى و يوحدونه، و لهم نور من نور العرش يهتدون به من غير شمس و لا قمر. و يروى أن رسول اللّه قال: «مرّ بي جبريل عليهم ليلة أسري بي فدعوتهم إلى اللّه تعالى فأجابوا فمحسنهم مع محسنكم، و مسيئهم مع مسيئكم» (1).

و روى وهب بن منبه رضي اللّه عنه عن النبي (صلى اللّه عليه و سلّم) أنه قال: «إن للّه تعالى ثمانية عشر ألف عالم الدنيا منها عالم واحد، و ما العمران و الخراب إلا كخردلة في كف أحدكم» (1).

و قال بعض أهل الأثر فيما رووه: إن للّه عز و جل دابة في مرج من مروجه، و المرج في غامض علمه، رزقها في كل يوم مثل العالم بأسره، جلت عظمته و قدرته لا إله إلا هو (1).

ذكر بحر المحيط و ما فيه من العجائب‏

يقال: إن فيه عرش إبليس يحمله نفر من الأبالسة و العفاريت العظام و تحيط به طائفة ممن هم في طاعته، فمنهم من يحجبه فلا يفارقه، و منهم من يتصرف عن أمره و لا يزول/ عن مرتبته، إلّا لمن يطمع في فتنته، و منهم من يسعى إلى غوغاء الناس فيضلونهم.

و للشياطين سجن في جزيرة منه يحبس فيها من خالفه من مردته.

و في جزيرة من جزائر هذا البحر قصر عجيب فيه هيكل سليمان (عليه السلام)، و فيه جسده، و فيه في البحر أماكن لا تزال ترمي نارا على طول الزمان يرتفع مائة ذراع.

و فيه أسماك طول الحوت منها أيام، و فيه صور عجيبة مختلفة الأشكال، مشوهات الخلقة، على كل لون من الألوان.

و فيه مدائن يطوفون على الماء، و أهل هذه المدن غير الآدميين.

و فيه الثلاثة أصنام التي صنعها أبرهة ذو المنار قائمة على الماء، أحدها: أصفر يومي بيده، كأنه يخاطب من ركب البحر و يأمره بالرجوع من ذلك البحر.

و الصنم الثاني: أخضر رافع يديه باسطهما كأنه يقول: إلى أين تذهبون؟

و الصنم الثالث: أصفر مفلفل الشعر يومي بإصبعه إلى البحر [و كأنه يقول‏]: من جاز من هنا غرق. مكتوب على صدره بالمسند هذا ما صنع أبرهة ذو المنار الحميري.

____________

(1) هذه أخبار لم تثبت صحتها في كتب السنة المعتبرة.

21

و حكي أن في هذا البحر كالحصون ترفع على وجه الماء، و يظهر منها صور كثيرة، ثم تذهب في الماء.

و اختلف في عمق هذا البحر فمنه ما لا يدرك، و منه ما يكون سبعة آلاف باع، و فوقها و دونها، و منه ما يكون فيه شجر كالمرجان.

و يتصل بهذا البحر المحيط بحر يقال له البحر الأسود الزفتي شديد النتن فيه قلعة الفضة، قيل أنها مصنوعة، و قيل أنها خلقة.

و يخرج من هذا البحر إلى بحر الصين أوله من بلاد الغرب إلى بحر فارس إلى بلد الصين، و هو بحر ضيق فيه مغائص اللؤلؤ.

و قيل إن فيه اثنا عشر ألف جزيرة، و ثمانمائة جزيرة.

و فيه الدردور، و هو موضع يدور فيه الماء، فإذا دخله مركب لم يزل يدور فيه حتى يتلف.

و فيه كسير، و عوير، و هما جبلان عظيمان.

و في هذا البحر عجائب كثيرة، و صور مختلفة،/ و حيتان ملونة منها ما يكون طوله مائة باع و مائتي باع، و أكثر و أقل، يأكل بعضها بعضا.

و فيه جزائر معدن الذهب، و فيها معادن الجوهر.

و فيه ثلاثمائة جزيرة كلها عامرة مسكونة فيها ملوك عدة.

و يقال: إن في هذا البحر قصر من البلور على قائمه و هو يضي‏ء على طول الدهر بقناديل فيه لا تنطفى‏ء.

و يعد هذا البحر بحر لا يدرك عمقه و لا يضبط عرضه تقطعه المراكب بالرياح الطيبة في شهرين، و ليس في البحار الخارجة من البحر المحيط أكبر منه و لا أشد هولا.

و في عرضه بلاد الواق و الوقواق، و منابت القنا و الخيزران. و من العجائب أن طول السمكة فيه أربعمائة ذراع، و فوق ذلك و دونه، و يسمى هذا السمك: الوال. و فيه سمك صغير بقدر الذراع، فإذا أرادت السمكة الطويلة أن تؤذي سمك البحر أو مراكبه سلّط عليها سمكة صغيرة فتدخل في أذنها و لا تفارقها حتى تقتلها.

و فيه سمك وجهه كوجه الإنسان.

و فيه سمك يطير في الليل و يرعى الندى و يرجع إلى البحر قبل الشمس.

و فيه سمكة إذا كتبت بمرارتها قرى‏ء في الليل.

و فيه سمكة خضراء دسمة من أكل منها اعتصم من أكل الطعام أياما كثيرة.

22

و فيه سمكة لها قرنان كقرن السرطان يرميان بالليل نارا.

و فيه سمكة مدورة يقال لها: المضح فوق ظهرها كالعمود محدد الرأس لا يقابلها سمك البحر لأنها تقاتلهن فتقتلهن، و برعا تقلب به المراكب، و قرنها كالذهب أصفر مجنح.

و فيه سمكة يقال لها: هنس من صدرها إلى رأسها مثل الترس فيه عيون تنظر بها، و باقيها طويل كالحية في طول عشرين ذراعا بأرجل كثيرة كالمنشار من صدرها إلى آخرها الذنب و لا يتصل بشي‏ء إلا أتلفته، و لا ينطوي ذنبها على أحد إلا أهلكته، يقال إن لحمها شفاء للأوصاب، و هو عزيز الوجود، و فيه العنبر.

و بحر آخر يقال له الهركند:

/ كثير الجزائر فيه سمك ربما نبت على ظهره الحشيش و الصدف، و ربما اعتقده المسافرون جزيرة فيفرشون عليها، فإذا قطنوا بها رحلوا، و هذه السمكة إذا رفعت جناحها يصير كالشراع، و إذا رفعت رأسها من الماء كالجبل العظيم إذا بخت الماء من فيها كالمنارة العظيمة، و عند سكون البحر يجر إليه السمك بذنبه و يفتح فيه فيلقيه فينزل في جوفه و له هدير، و يغيض كأنه بئر و اسمها: العند، طولها ثلاثمائة ذراع يخافها البحريون، فإذا دخل الليل ضربوا بالنواقيس خوفا منها.

و فيه حيات عظام تصعد إلى البر فتبتلع الفيلة، ثم تلتفت‏ (1) على صخور هناك فتتكسر في جوفها و يسمع لذلك صوت مزعج.

و فيه حية تسمى الملكة تظهر مرة واحدة في كل حين، و ربما احتالوا في مسكها فيأخذها ملوك الزنج فيطبخونها، و يذهبون بودكها، و يستعملون الفرش من جلدها و هي منمّرة، و دكها يزيد في القوة و النشاط، و جلد إذا جلس عليه صاحب السّل برى‏ء منه فلا يعود إليه أبدا.

و ريح هذا البحر من قعره اضطرابه يلقي نارا لها ضوء شديد.

و بحر آخر يقال له دابونجد:

بينه و بين بحر هركند على ما قيل ألف و تسعمائة جزيرة و يقع بين هذه الجزائر عنبر، تكون القطعة منه كالبيت و نحوه، ينبت في قعره، فإذا اشتد هيجانه قذفه فيرتفع مثل الكمأة، و له دسومة.

و قرأت في كتاب الطب الذي ألفه إبراهيم بن المهدي: أن أحمد بن حفص العطار

____________

(1) لعلها: تلتف، فتحرفت إلى هذا الرسم.

23

قال: كنت في مجلس أبي إسحاق و هو يصفي عنبرا قد أذابه، و أخرج منه ما فيه من الحشيش، فسألني، فقلت له: إن الدواب ثروته- يعني دواب البحر- فتأكل الطير منه، فضحك أبو إسحاق و قال: هذا كلام تقوله العامة، ما خلق اللّه تعالى دابة تروث العنبر إنما شي‏ء يكون في قاع البحر.

و في بحر سرانديب:

طرق/ كثيرة بين جبال و هي مسالك لمن أراد بلاد الصين، و في جبال هذا البحر معادن الذهب و مغائص اللؤلؤ، و أبقر وحشية، و يسلك من هذا البحر إلى بلد المهراج و ربما أطلت السحاب بهذا البحر شهرا لا ينقطع منه المطر، و يخرج منه إلى بحر الصنف.

و فيه شجر العود، و ليس لهذا البحر حد يعرف و رأسه يخرج من قرب الظلمة الشمالية و يمر أيضا على بلد الواق.

و فيه ملك الجزائر و يدعى بالمهراج، و له من الجزائر و الأعمال ما لا تحصى عجائبه، و لهذا الملك من جميع الآفاق الطيبة كالكافور، و القرنفل، و الصندل، و الجوزة، و البساسة، و القاقل، و العود، على شي‏ء كثير ليس لملك مثله من الطيب.

و يقال إن فيه قصرا أبيض يمشي على الماء، و يتراءى لأصحاب المراكب فيتباشرون به، و هو دليل السلامة و الفائدة.

و فيه جزيرة فيها جبال مسكونة يسمع منها الطبول و الفرقع و الأصوات المنكرة لأهلها وجوه كالمجان المطرقة، مخرمو الآذان، يقال إن أعور الدجال فيها. و فيها يباع القرنفل، يشتريه التجار من قوم لا يرونهم.

و فيه المدينة البراقة:

مدينة عظيمة لطيفة من حجر أبيض برّاق يسمع منها صياح و لا يرى بها ساكن، و ربما نزل البحريون و أخذوا من مائها فيوجد حلوا زلالا أبيض فيه روائح الكافور.

و فيه جزيرة بها مساكن و قباب بيض تلوح للناس فيطمعون فيها فيأخذون في التوجه إليها، و كلما قربوا منها تباعدت عنهم فيرجعون عنها.

و يتصل بهذا البحر الواق الداخل، و قال البحريون أنهم لا يعرفون منتهاه غير أن أقصاه جبال تتوقد نارا ليلا و نهارا و يسمع منها مثل قواصف الرعود و من شدة وهجها يصير لها ذلك الصوت.

و هذا البحر لا يدرك عمقه، و ربما يسمع لتلك النار صوتا يدل على ملك من ملوكهم. و من وراء هذا البحر:

24

بحر الصين:

بحر خبيث بارد يخرج ريحه من قعره، و هو مسكون له أهل في بطن الماء/ إذا هاج البحر رآهم الناس في الليل كهيئة الزنج و يصعدون إلى المراكب.

و ذكر البحريون أنهم لا يعرفون بعد بحر الصين بحر يسلك، و هو بحر عجيب يغلي مثل القماقم، و في بحر الصين سمكة يرميها الماء بالساحل فتضطرب نصف يوم ثم تنسلخ فيخرج لها (1) جناح فتطير.

و زعموا أن عرض بحر الصين الذي تمر عليه المراكب ألف و خمسمائة فرسخ، و في هذا سمك يقال له: اللحم يبتلع الناس، و إن مات أحد المسافرين و ألقوه في الماء يلتقمه.

و يرى في هذا البحر وجه عظيم مستدير يشبه القمر كأنه وجه إنسان يغطي‏ (2) ما بين الجبلين.

أبواب الصين:

جبال في البحر بين كل جبلين فرجة.

و في مدينة تقمولية:

القسطنطينية الأولى كنيسة في قعر البحر ينكشف عنها (3) الماء يوما في السنة فيحج لها أهل تلك النواحي و يقربون لها، فإذا كان وقت العصر من ذلك اليوم أخذ البحر في الزيادة و يواريها الماء.

و يقال: إن بحر الهند فيه حيوان يشبه السرطان، فإذا خرج إلى البر يصير حجرا يعملون منه كحلا لوجع العين.

و في بحر الأندلس:

المرجان خاصة ينبت في قعره مثل الشجر، و قيل أن بحيرة تنين تغدوا وقت مجي‏ء النيل يكون ستة أشهر حلوة، ثم تملح.

و بالمغرب:

عين لا يخرج ماؤها إلا في أوقات الصلوات ثم تغيض، و تسمى: عين الأوقات.

____________

(1) في الأصل: له، و هو تحريف.

(2) في متن المخطوط: «تغطيه» و التصويب من هامشه.

(3) في الأصل: عنه، و هو تحريف.

25

و لأهل الهند:

نهر فيه شجرة عظيمة قيل إنها من حديد ثابت في الماء و يعلو فوق الماء نحو من عشرة أذرع غلظه ذراع و كسر، و في رأسه ثلاث شعب غلاظ طوال مستوية محددة كالنار، و عندها رجل جالس يقرأ كتابا، يقول: اللهم يا عظيم البركة، و سبيل الجنة، أنت الذي خرجتني من عين الجنة، و دللت الناس عليها، فطوبى لمن صعد هذه‏ (1) الشجرة و ألقى نفسه عن العمود، فمن سمعه بادر إلى الصعود إليها، و يلقون أنفسهم على ذلك العمود فيتقطعون/ و يغيبون في الماء، فعند ذلك يدعون لهم أصحابهم بالطوبى و المصير إلى الجنة.

و لهم نهر فيه رجال بأيديهم سيوف ماضية، إذا أراد العابد منهم أن يتطهر و يتقرب، جاء في جماعة فيخلع ما عليه من اللباس كالحلي و الأساور و أطواق الذهب، و هذا لباس أبناء ملوكهم، فإذا صار مجردا طرحوه على الألواح، و أخذوا أطرافه و قطعوه نصفين، و يلقون النصف في النهر، و النصف الآخر في الكنك، و في زعمهم أن هذين البحرين يخرجان من الجنة، و أن صاحبهم صار إليها.

و في جبال سرانديب وادي الماس:

بعيد القعر فيه حيات عظام، فإذا أرادوا إخراج الماس منه طرحوا فيه لحما فتقع عليه النسور، فترفعه إلى حافة الوادي خوفا من الحيات فيتعلق باللحم من الماس ما يكون قدر العدسة و الحمصة، و أكبر ما يكون بقدر نصف الفولة فيجعلونه فصوصا للخواتم.

و ذكر صاحب المنطق:

أن ثمّ حجارة كبار لا يوصل إليها من الحيات التي في ذلك الوادي.

و بالهند وادي القرنفل:

لم يدخل إليه أحد من التجار و لا ممن سلك البحر و لا بشجره، و إنما يتبعه الجن على ما قيل، و ذلك أن المسافرين يرسون على جزيرتهم فيجعلون بضاعتهم على الساحل ثم يرجعون إلى مراكبهم فإذا كان الصباح جاءوا إلى الجزيرة فيجدوا إلى جانب [كل‏] (2) بضاعة كوما من القرنفل، فمن رضي منهم بذلك أخذه و ترك بضاعته و من لم يرض استقلالا لها، أخذ بضاعته و ترك القرنفل، و من التمس لهم شيئا حبست مركبه أو يرد ما

____________

(1) في الأصل: هذا، و هو تحريف.

(2) سقط من الأصل، و السياق يقتضيه.

26

أخذه، و من أراد زيادة على ما رآه ترك بضاعته و يأتي مرة أخرى فيجد زيادة على القرنفل فيأخذه‏ (1).

و ذكر بعض الناس أنه طلع إلى هذه الجزيرة فرأى قوما بغير لحىّ في زي النساء، و لهم شعور، فلما رأوه غابوا عنه، و امتنعوا من خروج القرنفل، و أن التجار بعد ذلك أقاموا مدة يترددون/ إليهم فلم يروا شيئا، ثم عادوا بعد مدة طويلة إلى ما كانوا عليه.

و قيل: إن القرنفل في حال رطوبته حلو من أكل منه لا يتبرص و لا يمرض، و أن لباسهم من ورق شجر عندهم يلتحفون به لا يعرفه أحد من الناس.

ذكر البحر الأخضر و ما فيه من العجائب و الجزائر

ذكر بطليموس أن في البحر الأخضر سبعة و عشرون ألف مدينة و جزائر عامرة، منها جزيرة فيها أمة من بقايا النسناس، لهم شجر يقال له: اللوفيه يأكلون ثمره و يلتحفون بورقه و يأكلون لحوم دواب البحر.

و جزيرة في وسطها كالهرم العظيم من حجر أسود براق لا يعلم أحد ما بداخله، و يحيط به عظام كثيرة و موتى، و قد كان بعض الملوك سار إليها فلما دخل فيها وقع عليه و على أصحابه النّعاس، و خدرت أجسادهم و ضعفت أنفاسهم فلم يقدر بعضهم أن يتحرك، فمنهم من أسرع إلى الخروج منها، و منهم من لم يستطع فمات هناك. و قيل: إن ذا القرنين لما سار إلى الظلمات مرّ على جزيرة فيها أمّة رؤوسهم كرؤوس الكلاب، و لهم أنياب بادية تخرج من أفواههم مثل لهب النار، فحين رأوه خرجوا إليه، فتخلص منهم و خرجوا خائبين، و سار سالما، ثم لاح له‏ (2) نور ساطع، فتوجه إليه فإذا هو قد بلغ جزيرة القصر، و هذه جزيرة فيها قصر مبني بالبلور الصافي، عالي الطول، يشفي حتى من يرى نوره من بعد، فأراد النزول بها، فمنعه بهرام فيلسوف الهند، و عرف أن من نزل إليها وقع عليه النوم و اختل عقله و هلك، و قيل: أنه ظهر منها قوم زعر قصار، لباسهم ورق الشجر، فقال الإسكندر: ما شأن هؤلاء؟ قال: بها ثمر إذا أكلوا منه سلموا.

و بين شرافات القصر كالمصابيح تسرج ليلا، و تخمد نهارا.

و في ذلك البحر جزيرة بيضاء واسعة كثيرة الأشجار، و الأنهار، و الثمار، أهلها شقر

____________

(1) جاء بهامش المخطوط تعليق، و أنا أوافق عليه تماما و أكتفي به ردا و هذا نصه: كل ما ذكر في القرنفل كذب و زور و من الخرافات، بل للقرنفل شجر عرفها قوم في ... و التجار هناك اشتروها و جلبوها إلى سائر الأمصار، بل أكثر ما ذكر في عجائب البحار ليس له حجة.

قلت: موضع النقط ثلاث كلمات لم أتبين قراءتها.

(2) في المخطوط: لهم. و هو تحريف.

27

عراة/ وجوههم في صدورهم، لكل واحد منهم فرج رجل و فرج امرأة، كلامهم يشبه لغة الطير، و طعامهم نبت يشبه الكمأة.

و جزيرة التنين‏ (1):

ذات أشجار، و أنهار، و زروع، و فيها جبال عوال، و عليها حصن عال، و هي عامرة و فيها تنين عظيم، قد شوش عليهم و أبادهم، فلما دخل إليهم الإسكندر شكوا إليه حالهم معه من أكله المواشي و إتلاف الزرع، فأمرهم أن يجعلوا قريبا من وقره في كل يوم ثورين سمان، فكان يلتقمهما حبة الطير، ثم أمرهم بسلخ ثورين كبيرين، و أن يجعلوا حشو جلودهما كلسا و زفتا و كبريتا و زرنيخا، و أن يجعلوا مع تلك الأخلاط كلاليب من حديد، و يجعلونهما الثورين، ففعلوا، فخرج التنين على عادته كالسحابة السوداء و عيناه كالمشعل ينفخ من فيه نارا، فحين عاينهما التقمهما كقمحة و ولّى، فما بلغ و كره حتى اضطرب و استلقى ليقذفهما فتشبكت الكلاليب في جوفه، ففتح فمه ليستروح فأمرهم الإسكندر أن يحملوا حديدا و يلقوه في فمه ففعلوا فمات لوقته، فعند ذلك فرحوا فرحا شديدا، و أتحفوا الإسكندر من ظرائف ما معهم و ما عندهم، و من جملة التحف دويبة على قدر الأرنب شعرها أصفر له بريق، و في رأسها قرن أسود إذا عاينته الوحوش و الطيور هربت منه.

و جزيرة:

فيها دابة عظيمة قدر الجبل لها رؤوس كثيرة و وجوه مختلفة، و أنياب معنقفة، و لها جناحان إذا رفعتهما صارا كالرفرف المنكس يظل من الشمس.

و جزيرة صيدون:

و كان ملكا، و هذه الجزيرة مسيرتها شهر في مثله، ذات عجائب و غرائب، مخضرة الأشجار، يانعة الثمار، جارية الأنهار، عيشها أطيب، و حالها أعجب، في وسطها مجلس من ذهب يشرف على تلك الجزيرة، و هو على عمد من مرمر ملون مفصل بأنواع الجوهر. و كان صيدون ساحرا يطوف به الجن و يعملون له العجائب، و كان في زمن سليمان (عليه السلام)، ثم أن الجن أخبرته بحال صيدون، و الجزيرة و عجائبها، فسار إليها سليمان (عليه السلام)، فوجد أهلها يتعبدون لملكهم، فغزاهم و سبى من بقي منهم، فآمن به أكثرهم و كان لصيدون ابنة لم يكن على الأرض أحسن منها و كانت‏ (2) بجملة من‏

____________

(1) في متن المخطوط: جزيرة التين، و التصويب من الهامش.

(2) في المخطوط: و كان، و هو تحريف.

28

سبي فتزوج بها سليمان (عليه السلام)، و كانت شديدة الحزن على أبيها كثيرة البكاء عليه، فقال لها: اتركي ما أنت عليه من البكاء و الحزن، و أنا خير لك من أبيك، و ملكي أجل من ملكه، قالت: صدقت يا نبي اللّه، لكن كلما ذكرت الأبوة و الشفقة غيرني ذلك، و جدد عليّ ما ترى، فتركها على حالها، و دخل عليها بعض الشياطين، فصور لها صورة أبيها في مجلسها و قد كان هذا صاحبا لأبيها، و كان سليمان (عليه السلام) قد أسكنها في مكان خصها به بعد أن غرس فيه بدائع الأشجار و الأثمار و الرياحين، و أجرى فيه الأنهار (1)، كل ذلك في قنوات من ذهب، رأيتها، و جعل لها حافاتها- يعني الأنهار- أشجار باسقات، تغرد على أغصانها الأطيار، بتغريد اللغات، مطوقة بالجوهر، محلاة بالحرير الأبيض و الأخضر و الأحمر، على حالة أبيها، فعمدت إلى صورة أبيها فألبستها الحرير الملون و جعلت على رأسه إكليلا من الجوهر، و بخرت حوله بدخن العنبر و نثرت عليه من المسك الأزفر، و فرشت حوله أصناف الطيب و الزعفران و الرياحين، و كانت تدخل عليه بكرة و عشية، و معها خدمها، و وصائفها فتسجد له، فكانت على ذلك أربعين يوما، ثم اتصل خبرها بآصف بن برخيا و كان قرابة لسليمان [(عليه السلام)‏] (2) و كاتبه، و من عنده علم الكتاب. فعند ذلك، أمر بنصب منبر فرقاه في جمع من بني إسرائيل فحمد اللّه و أثنى عليه، و صلى على جميع أنبياء اللّه تعالى، ثم شرع في مدحهم واحدا واحدا/ و لم يذكر سليمان (عليه السلام) فسئل عن ذلك، فقال: في بيتك من يسجد لغير اللّه، و لم يكن سليمان (عليه السلام) يعلم بذلك، فلما سمع كلام آصف دخل على بنت الملك فرأى صورة أبيها فاقشعر لذلك و زجرها و عمد إلى الصنم فكسره و هرب شيطانه، ثم أمر بحضوره، فلما شخص إليه حبسه.

قصة الخاتم:

ثم إن الجن أخذت خاتم سليمان فلما فقده خرج عن حالته، و ذهب عن ملكه، و تغيرت سمته و حيلته حتى أن بني إسرائيل أنكروا معرفته، و إذا جلس بينهم لا يعرفونه، فعند ذلك ضاق رحبه و تحير في أمره فسلم الأمر إلى عالم سره، فالتجأ إلى اللّه في زوال ما شانه، و أن يصلح شأنه، فكان كذلك أربعين يوما بقدر أيام سجودها لأبيها، ثم بعد ذلك وجد خاتمه، ورد اللّه عليه جماله و مملكته، و تابت بنت الملك و كان ولده منها و القصة مذكورة.

____________

(1) في المخطوط: و الرياحين و الأنهار و أجرى فيه الأنهار، و كلمة الأنهار الأولى زائدة على السياق فحذفتها.

(2) ما بين المعقوفين زيادة تسليم يقتضيها السياق.

29

و جزيرة:

لأهلها أجنحة و شعور و خراطيم ضيقة، يمشون على رجلين و أربع، و يطيرون، ثم يرجعون، قيل أنهم من قبائل الشياطين الأولى.

و جزيرة:

مرّ بها قوم و قد هاج البحر، فنظروا إلى الجزيرة، فرأوا شيخا كبيرا أبيض الرأس و اللحية و عليه ثياب خضر، و هو جالس على وجه الماء مستقبل القبلة و هو يقول: سبحان من دبر الأمور، و علم ما في الصدور، و ألجم البحر بقدرته، ثم قال: سيروا بين المشرق و المغرب حتى تنتهوا إلى جبال بين الطرق فاسلكوا وسطها، ففعلوا، فأشرفوا على مدينة أهلها طوال الوجوه بأيديهم قضبان الذهب يتوكأون عليها، و يحاربون بها، طعامهم الموز و القطر، قال: فأقمنا عندهم شهرا، فلما أردنا الرحيل أخذنا شيئا من قضبان الذهب، فلم يمنعونا، ثم سرنا كما سمعنا، فخلصنا. و قيل: إن الذي أرشدهم إلى الطريق هو الخضر (عليه السلام) و تلك هي وسط البحر الأعظم.

و ذكر بطليموس:

أن في الشرق و الصين ثلاثة/ عشر ألف و سبعمائة جزيرة ذكر بعضها فمنها:

جزيرة سرانديب:

و قيل إنها ثمانون فرسخا طولا في ثمانين عرضا.

و قال علماء الهند: أن فيها الجبل الذي أهبط فيه آدم (عليه السلام)، يراه المسافرون في البحر على أيام.

و قالت البراهمة: إن عليه قدمه مغموسة في الجبل نحو سبعين ذراعا، و يعلو هذا الجبل ضوء البرق ليلا و نهارا فلا يستطاع النظر إليه، و أن آدم (عليه السلام) خطا من هذا الجبل إلى البحر خطوة واحدة، و هي على مسيرة يومين، و حوله ألوان الياقوت و أصناف العطر و الأفاويه و دواب المسك، و أرضه سنبادج، و في أوديته الماس، و في أنهاره البلور، و حوله في البحر مغائص اللؤلؤ و يتصل به:

جزيرة الرامي:

بهدينة الهند و بها الكركند، و فيها البقم عروقه شفاء من سم الساعة، و قد جربه البحريون يبرى‏ء من سم الأفاعي و الحيات.

و فيه جواميس لا أذناب لها أهلها ناس عراة في لغات لا يفهم كلامهم و يستوحشون من الناس إذا رأوهم، طول الواحد منهم أربعة أشبار لهم شعور زغب حمر يتسلقون على‏

30

الأشجار بأيديهم دون أرجلهم، و منهم قوم في سبحهم كالريح، يبيعون العنبر بالحديد يحملونه بأفواههم.

و بقربهم ناس سود شعورهم مفلفلة يأكلون الناس أحياء، يشرحونهم تشريحا، و لهم جبل طينه من فضة إذا اتصل بالنار ذاب، و يتصل به:

أرض الكافور:

فيه الشجر المعروف بشجر الكافور و الشجرة منه يستظل تحتها مائة إنسان و أكثر، إذا بقر رأسها سال منها ماء الكافور في عدة جرار، و الكافور صمغ على خشبها، و خشبها أبيض خفيف، دوابها و أطيارها عجيبة.

و مدينة في جزيرة:

لها ملك لباسه من حلل الذهب و كذا قلنسوته مكللة بالجوهر، طعامهم النارجيل و الموز و فيها قصب السكر، و من الأفاويه/ الصندل و السنبل، و القرنفل، بجانبها جبل فيه نار تتوقد سمكه مائة ذراع. فإذا طلع النهار صارت النار دخانا.

و جزيرة الصّنف:

كثيرة الذهب حتى أن مقاود دوابهم و سلاسل كلابهم من ذهب و قمصهم منسوجة بالذهب، و من هذه النواحي يجي‏ء المسك و العود، و الأنبوس و دار صيني و الزنجبيل و أصناف التجارات.

جزيرة المهراج:

ملك له جزائر كثيرة في غاية الخصب و العمارة، حكى بعض التجار: أن ديكه إذا صاحت سحرا تجاوب إلى مائة فرسخ لاتصال عمارتها و انتظام قراها لا مفاوز فيها و لا خراب يسافر المسافر فيها، و تغرس حيث شاء و أراد.

و جزيرة عجيبة اسمها سلطا:

فيها قوم يسمع كلامهم و ضجيجهم و تصرفهم في معايشهم و يخاطبون و يجاوبون و لا يراهم أحد، و ربما سألوهم عن شأنهم فقالوا: نحن من الإنس و بعث إلينا نبي و نحن على دينه، إذا نزل بهم الغريب جعلوا عنده من الطعام و الشراب ما يكفيه إياما، فإذا أراد الخروج من عندهم سيق له مركب لأجله فلا تسير حتى ينزلها و توصله إلى مكانه، و قد عرف البحريون ذلك و لهؤلاء ثمار نهاية الحلاوة و النارجيل و الطيب أخضر لا قشر له و أطيار مشوية على قدر اليمام لذاذة ليس لغيره من اللحوم، و اسم نبيهم الذي آمنوا به ساوند بن جزويل.

31

و جزيرة الدّامات:

و هي جزيرة فيها صورة لإنسان‏ (1) راكب على طائر بقدر النعامة، إذا طرح البحر إليه شيئا أو رجلا أكله، و إن أرست مركب في مكانه فلا خلاص لهم منه، يأكلهم واحدا بعد واحد، و إن ماتوا أكلهم فشاع أمره بين المسافرين.

و يحكى أن مركبا رماه البحر على تلك الجزيرة، فنزل إليهم فحاربوه، فصاح عليهم صيحة سقطوا منها على وجوههم، فجرهم إليه، و كان فيهم عبد صالح، فدعى عليه فهلك من ساعته و صار ذلك/ الموضع مطلبا لكثرة ما فيه من أموال المسافرين و أمتعتهم.

جزيرة القندح:

فيها صنم مصنوع من زجاج أخضر يجري من عينه مثل الدموع على ممر الأيام كأنه يبكي على قومه، و ذلك أن بعض الملوك بلغه أن قومه كانوا يتعبدون له، فغزاهم و استباحهم و قتلهم، و أراد أن يكسر الصنم، فعجز عن ذلك، و ما عمل فيه الضرب بالحديد شيئا، و ربما رجع الضرب عليهم، و كان إذا دخل الريح فيه صفّر صفيرا عجيبا.

جزيرة الطاورت:

لها ملك عظيم له أربعة آلاف امرأة، و من لم يكن مثلها فليس بملك، و لا يتفاخرون إلا بكثرة الأولاد و الأموال، و عندهم أشجار إذا أكلوا من ثمرها حصل لهم في ألثهم قوة عظيمة.

جزيرة السيارة:

عامرة فيها جبال و أشجار، و هي جزيرة عجيبة يعرفها البحريون، لا يشكون فيها، و يقولون: إنهم عاينوها كثيرا، و من عجائب هذه أن الرياح إذا هبت من الغرب سارت إلى الشرق و إذا هبت من الشرق سارت إلى المغرب، حجارتها خفيفة، الصخرة العظيمة التي زنتها عشرة أرطال أو دونها، حتى أن الرجل يحمل القطعة العظيمة التي قدر الجبل العظيم، و ذكر بعض التجار: [أن‏] (2) البحر طرحهم في جزيرة عجيبة، حجارتها و حصباءها و ترابها و كل ما فيها ذهب، فأقاموا بها أياما لا يجدون شيئا يأكلونه غير السمك، و هو مع ذلك قليل، فخافوا على أنفسهم التلف فعمدوا إلى مركب صغير معهم، فأوثقوه منها ذهبا فوق طاقته، فانكسر المركب، لكن سلموا، و جعلوا يحكون ما جرى لهم، فتجهز الناس للمسير إليها زمانا طويلا فلم يعرفوا مكانها.

____________

(1) في الأصل: الإنسان، و الألف في أوله زائدة فحذفتها ليستقيم السياق.

(2) ما بين المعقوفين يقتضيه السياق.

32

و ذكروا أن في جزائر الكافور يأكلون الناس و يحشون رؤوسهم طيبا و كافورا و يعلقونها في بيوتهم، فإذا طرأ لهم أمر و عزموا على فعله أخذوا منها رأسا و كفروا لها سجدا، ثم يسائلوا حاجتهم فتخبرهم/ بأمرهم خيرا كان أو شرا، و حكوا عن:

جزيرة النساء:

و هي ببحر الصين لا يسكنها غير النساء يلقحن من شجر عندهم‏ (1) مثل عروق الخيزران، و تربتهم ذهبا، و وقع إليهم رجل، فلما رأينه هممن بقتله، فرأته امرأة منهن‏ (2) فرحمته، فأخذته، و جاءت به إلى البحر، فوضعته على لوح، و أرسلته على وجه الماء فحملته الأمواج حتى ألقته في بعض بلاد (3) الصين، فصعد إليها و طلب الدخول على ملكها، فلما اجتمع به أخبره بأمره، و ما جرى له في سفره، فوجه إليها مراكب فطافوا بها ثلاث سنين، ثم رجعوا، و لم يقفوا لها على أثر.

و في خبر ذي القرنين:

أن مراكبه وقعت على جزيرة من جزائر البحر بيضاء صافية ذات أشجار و أنهار، فيها قوم خلوق الناس في الانتصاب لهم رؤوس كرؤوس الكلاب و السباع، فلما دنوا منهم غابوا عنهم، و في وسط هذه الجزيرة نهر شديد التيار شديد بياض الماء على شاطئه شجرة عظيمة طيبة الطعم، عظيمة المنظر، مشرفة بألوان‏ (4) ورقها كالحلل لينا و قدرا و حسنا، و هي تسير بمسير الشمس، من غدوة إلى الزوال، إذا زالت الشمس تقلصت و انحطت بانحطاط الشمس، و غابت بغيبتها، أحلى من العسل و اللبن المزيد، و ورقها أطيب ريحا من المسك، فأحب قومه أن يحملوا معهم شيئا من ثمرها و ورقها، فلما جمعوا ذلك و أرادوا حمله وقع عليهم ضرب بالسياط و لا يرون من يضربهم، ثم يسمعون قائلا: ردوا ما أخذتم منها، و لا تتعرضوا لها فتهلكوا، فردوه و ساروا في عافية و سلامة.

و دخل الإسكندر جزيرة العبّاد:

فوجدها قفراء (5) مجدبة، ما فيها غير الحشيش، و غدران الماء، و قوم قد أنحلتهم العبادة، و صاروا كالفحم في سواد الألوان، فسلم عليهم و سألهم عن عيشهم و معايشهم، قالوا: عيشنا ما يسوقه اللّه تعالى إلينا من أسماك البحر و أصول الحشيش و شرب ماء

____________

(1) كذا، و الصواب عندهن.

(2) في الأصل: منهم.

(3) في الأصل: البلاد، و الألف و اللام زائدة في أول الكلمة فحذفتها.

(4) تحتها في المخطوط كلمة: أنواع.

(5) في المخطوط: فقراء، و هو تحريف.

33

الغدران، [فقال‏] (1): فتروا أن أنقلكم/ إلى مكان أخصب من هذا و أطيب عيشا منه؟

فقالوا: أما عيشنا فهو أطيب عيش، و أما من أمر المال، فإن جزيرتنا مملوءة ذهبا، قال لهم: أريد أن تطلعوني على ما ذكرتم، فذهبوا به إلى واد في ناحية الجزيرة، و فيه من ألوان الجوهر كالدّر، و الياقوت، شي‏ء كثير فوق ما تتوهمه النفوس، فتعجب الإسكندر من ذلك، ثم أنهم عطفوا به إلى ما وراء ذلك الوادي، فرأى أرضا واسعة كبيرة، واسعة القضاء، يمتد في حسنها الناظر، و ينبسط إليها الخاطر، و فيها أصناف الفواكه و الثمار و الأشجار، و ما لا يوجد في غيرها من المدن العامرة، فجعل الإسكندر يتأمل في سعتها، و محاسن غروسها، و كثرة أشجارها، و طيب رائحتها، و أنهارها، و مع ذلك لم يلتفتوا إليها.

ثم قالوا له: ألك قدرة على مثل هذا، و نحن نؤثر الحشيش عليه، إذا احتجنا أخذنا منه الكفاء و شربنا من أنهارها الرواء، و على الدنيا العفاء.

ثم أنه ودعهم، و لم يلتمس منهم شيئا من ذلك هو و لا قومه.

و وصف الإسكندر جزيرة في البحر الأخضر:

فيها قوم حكماء، فسار إليهم، فرأى قوما سرابيلهم ورق الأشجار، و مساكنهم كهوف الجبال، و عليهم السكينة و الوقار، فاجتمع بهم و سألهم عن شي‏ء من الحكمة فأجابوا عليها، ثم قال لهم: ألكم حاجة؟ قالوا: نريد الخلود، قال: لست ممن يقدر على زيادة نفس لنفس.

قالوا: تعرفنا ما بقي من آجالنا؟

قال: ما أعرف هذا لنفسي، فكيف لغيري؟

حكي أن بعض المتقدمين من حضرموت دخل على معاوية، و كان قد بلغ من العمر ثلاثمائة سنة و سبع سنين، فقال له معاوية: يا شيخ ما كانت صناعتك؟

قال: التجارة (2)، و كنت لا أخفي عيبا (3) و لا أرد ربحا.

فأعجب معاوية كلامه، و عرف أنه حكيم، فقال له: اسألني حاجتك!

قال: رد عليّ شبابي!

قال: ليس هذا في قدرتي.

____________

(1) ما بين المعقوفين يقتضيه السياق.

(2) في المخطوط: تجارة، بدون الألف و اللام، و السياق يتطلب الزيادة.

(3) في المخطوط: عينا. بالنون و هو تحريف.

34

قال: تزيد في أجلي؟

قال: و لا هذا بيدي.

قال: تدخلني الجنة؟

قال: لا أستطيع ذلك لي/ فكيف لغيري. فولى عنه، و هو يقول: لست أرى في يدك دنيا و لا آخرة.

و كان في طرف جزيرتهم شيخا خرازا مشتغل بصناعته لا يلتفت إلى شي‏ء من ذلك، فجاء إليه و قال: ما منعك من السلام عليّ؟ و لا فعلت مثل ما فعل غيرك من النظر مثل ما فعل غيرك‏ (1) إلى ما أنا فيه من كثرة العسكر و اتساع الملك؟

قال: ما أعجبني ملكك.

قال: و لم؟

قال: لأني عاينت ملكا أعظم من ملكك، و كنت في جوار ذلك الملك، و كان في جواري رجل مسكين، فماتا في يوم واحد (2)، و جعلا في موضع واحد، فكنت أتعاهدهما حتى بليت أكفانهما فرأيتهما، فلم أميز بينهما.

فعلم أنه حكيم بين الناس- أي أناس- الحكماء ثم ودعهم و سار عنهم.

ذكر الأهرام و ما فيها من العجائب‏

قال صاحب التاريخ: إن سورند بن سهلوق كان ملكا على مصر بعد أبيه قبل الطوفان بثلاثمائة عام، فرأى في منامه رؤيا فزع منها قيل: أنه رأى الأرض قد انقلبت بأهلها، و كأن الناس يهوون على رؤوسهم، و الكواكب تتساقط بعضها بعضا، و لها أصوات مفزعة، فاستيقظ من منامه خائفا، و لم يذكر ذلك لأحد، و قال: سيحدث أمر مهول.

و رأى ثانيا كأن الكواكب البايانية في صور طيور بيض و هي تخطف الناس، و تلقيهم بين جبلين عظيمين، و قد انطبق عليهم، و كأن الكواكب النيرة مظلمة، فانتبه مذعورا مرعوبا، فدخل إلى هيكل الشمس، فمرغ خديه و بكى، فلما أصبح أمر برؤساء الكهنة من جميع أعمال مصر، و كانوا مائة و ثلاثون رجلا، فخلا بهم و أخبرهم بما رأى، فقالوا:

ستحدث فتنة عظيمة، و أمر مهول يعم العالم، و كان رأس الكهنة كاهن اسمه: فليمون، و كان محاضرا للملك، فقال: إن في رؤيا الملك تعجبا، و أمرا كبيرا، و إن رؤيا الملك لا

____________

(1) في المخطوط: غيرنا، و هو تحريف.

(2) في المخطوط: واحدة، و هو تحريف.

35

تجري على فساده، و أنا أخبر الملك عن رؤيا/ منذ سنة لم أذكرها لأحد، فقال: قل يا فليمون، قال: رأيت كأني مع الملك على رأس المنار الذي في أمسوس و كأن الفلك قد انحط من موضعه حتى قارب سمت رؤوسنا، و كأن علينا كالمكبة محيطة بنا، و كأن كواكبه قد خالطتنا في صور مختلفة، و كأن الناس يستغيثون بالملك و قد انخلفوا إلى قصره، و كأن الملك رافع يديه يدفع بهما الفلك أن لا يصيب رأسه، و كأنه يشير إليّ أن أفعل مثل فعله، و نحن على وجل شديد، رأينا أن الشمس قد طلعت علينا و كأنها تخبرنا أن الفلك سيعود إلى مكانه، ثم انتبهت فزعا.

فعند ذلك أمرهم أن يأخذوا ارتفاع الكواكب و ينظروا هل من حادثة تحدث، ففعلوا، فظهر لهم أمر الطوفان و بعده النار، فعند ذلك أمر ببناء الأهرام و البرابي و الأعلام العظام حفظا لأجسادهم و حصنا لأموالهم، فلما فرغوا من بنائها زبروا (1) فيها و في سقوفها و أسطواناتها (2) علومهم الغامضة التي لا يعرفها إلا كهنة مصر بين سائر الأمم، ثم بعد ذلك صور الكواكب بدرجها و أعمالها و دلائلها و أسرار طبائعها و عمل الصنعة، و طريقتها و تركيبها، و النواميس العظام، و العقاقير، و الطلسمات، و الطب، و الهندسة و غير ذلك مما يضر و ينفع مخلصا مفسرا يعرف ذلك من يعرف كتابتهم و لغتهم و رقموا (3) أيضا الآفات النازلة من أمر الطوفان و ما بعده و صورة ما كتبوه، و أن ذلك كائن إذا نزل الأسد بأول برج في السرطان، و تكون الكواكب عند نزولها في هذه المواضع من الفلك، و تكون الشمس و القمر في أول دقيقة من الحمل، و قرويس- و هو زحل- في درجة ثمانية و عشرين ثانية من الحمل، و راوش- و هو المشتري- في الحوض في تسع و عشرين درجة و سبع و عشرين دقيقة، و المريخ في الحوض، في ثمان و عشرين درجة و خمس دقائق و قروذي طي-/ و هو الزهرة- في الحوض في‏تسع و عشرين درجة و خمس دقائق، و الجوزهر في الميزان، و أوج القمر في الأسد خمس درج و دقائق.

فلما فرغوا من ذلك كله، قال لهم: انظر بعد هذه الآفة كون مصر، ففعلوا، و أخبروه بما ظهر، و صورة ذلك: نظرنا فأصبنا الكواكب تدل في وقت نظرنا على أن الآفة نازلة من السماء إلى الأرض، و هي ضد الأولى نار تحرق أقطار العالم عند نزول قلب الأسد آخر دقيقة من الدرجة الخامسة عشرة من الأسد آخر دقيقة، و يكون أقليدس- و هو الشمس- معه في دقيقة متصلة بقرويس من تثليث الرامي، فيكون راوش في الأسد مستقيم السير معه رس في دقيقة، و يكون سلبيتي- و هو القمر- في الدلو مقارنا لإبليس‏

____________

(1) أي: زينوا، و حسنوا، و نمقوا، و جملوا كتابيا.

(2) أي: أعمدتها.

(3) أي: كتبوا.

36

و معه الذّنب في الاثني عشر جروا، و يكون الكسوف أطباق الأعظم في هذا الوقت، و يكون اقروذي طي في بعدها الأبعد من إبليس، و يكون هرمس في بعده الأبعد أمامها، أما أقروذي طى فبالاستقامة و اللّه أعلم.

قال: فهل خبر غير هذا؟

قالوا: إن الأسد إذا قطع ثلثي أدواره لم يبق من حيوان الأرض متحرك إلا تلف، و إذا استتم أدواره تحللت عقدة الفلك.

قال: في أي يوم؟

قالوا: في اليوم الثاني من بدء حركة الفلك. فوقف الملك و جعل يتفكر في هذا الأمر العظيم، و في عمل الحيلة المنجية له و لقومه من الطوفان و النار، ففكر في بناء الأهرام و جمع أتابكة ملكه، و وجوه مملكته و رؤساء الكهنة و عرض عليهم ذلك فاستحسنوه، فأمر بجمع الصنّاع و الفعلة، و المهندسين و سائر أرباب العمارات فقطعوا الصخور و الأحجار و الأساطيم العظام و نشروا البلاط المصفح الكبار و أجدروا الصخور الكبار السود من ناحية أسوان لأجل الأساسات و كان لهم فراقل منقوسة- يعني منقوش عليها/ بالحكمة و الكهانة بواسطة الرصد إذا ضربوا بها الصخرة العظيمة غدت وحدها رمية سهم.

ثم أمرهم باستخراج الرصاص من أرض الغرب، و أمرهم أن يزبروا (1) على البلاط المنشور ما لهم من العلوم.

فوضعوا أسسها، و أقاموا جدرانها، و أقاموا عمارتها و كانوا يجعلون في وسط البلاطة قلب حديد قائم و يركبوا عليه بلاطة أخرى مثقوبة الوسط فيدخل ذلك القلب فيه و يطبقا، و يذاب الرصاص و يصب حول البلاطة بعد انطباقهما و إيلاف الكتابة عليهما.

أبواب الهرم و إحكامها:

جعلوا أبوابها من تحت الأرض بأربعين ذراعا في أزاج مبنية بالحجارة في الأرض طول كل أزج منها مائة و خمسون ذراعا.

أما باب الهرم الشرقي: فإنه من الناحية الجنوبية على مائة ذراع من وسط حائط الهرم إلى الناحية الشمالية يحفرونه حتى ينزلوا إلى باب الأزج فيدخل منه إليه.

أما باب الهرم الغربي: فمن الناحية الغربية يقاس من وسط الحائط الغربي إلى ناحية الغرب مائة ذراع، و يحفر حتى ينزل إلى الأزج المبني فيدخل منه إليه.

____________

(1) أي: يكتبوا بخط جميل.

37

و أما باب الهرم الملون: فمن الناحية البحرية يقاس مائة ذراع من وسط الحائط البحري و يحفر حتى ينزل إلى باب الأزج فيدخل منه إليه.

الارتفاع و التربيع و الإحكام على الاستواء:

جعلوا طول كل هرم منها أربعمائة ذراع بالمكي و هي بذراعنا هذا خمسمائة ذراع، و جعل كل واحد منهما أربعمائة ذراع و أحكموا بناءها إلى أربعين ذراعا في الاستواء، ثم هرّمها. و كان بناؤهم لها في أوقات السعادة، فلما فرغوا من بنائها، أمر الملك بأن تكسى ديباجا ملونا من أعلاها إلى أسفلها، و جعل لها عيدا جامعا لم يتأخر أحد عن حضوره، ثم أمر بأن يعمل داخلها ثلاثون جرنا من حجر الصوان الملون.

الدخائل النفيسة/ المودعة في الهرم الغربي:

أودع فيه‏ (1) هذه الأجران و نقل إليه من الكنوز، و الأموال، و الجواهر المسبوكة الملونة، و الآلات الزبرجد، و التماثيل المعمولة، و الطلسمات، و الحديد الفاخر، و السلاح الذي لا يصدأ، و الزجاج الذي يطوى، و النواميس، و المولدات، و الدخن، و أصناف العقاقير المفردات، و المسمومات و مما شاكل ذلك شيئا كثيرا لا يوصف.

الصنايع المودعة في الهرم الشرقي:

أودع فيه أصناف الكواكب و القباب الفلكية و ما صنع- يعني و ما صنعه الملوك السالفة من أجداده- فيه من التماثيل و الدخن الذي يقرب به إليها، و مصاحفهم و ما عمل فيها من التواريخ و الحوادث الماضية و الحادثة، و ذكروا أوقاتها التي تحدث فيها، و العلة الكوكبية التي حدثت من أجلها، و ذكر من يلي مصر من الملوك إلى آخر الزمان، و كون الكواكب الثابتة، و ما يحدث بكونها وقتا وقتا، و أودع فيها أيضا المظاهر التي فيها المياه الدّبرات، و البررقات الذهبية، و العجائب الرصدية، و ما يشابه ذلك شي‏ء كثير.

و جعل في الهرم الملون أجساد الكهنة من جرونات الصوّان الأسود، و أودع كل جرن منها ما أودعه ذلك الكاهن من عجيب صناعته و مصاحف حكمته، و كانوا سبع مراتب، و جعل لكل هرم منهم خازنا، فخازن الهرم الشرقي صنم من جذع أسود و أبيض له عينان مفتوحتان جالس على كرسي و بيده حربة إذا نظر إليه أحد يسمع له صوتا يكاد يزهق نفسه، فينام على وجهه و يختلس عقله فلا يكاد يفارق الهرم حتى يموت فيه.

و خازن الهرم من صوان مجزع بيده حربة، و على رأسه حيّة مطوقة على عنقه من قرب منه و ثبت عليه و تطوقت في عنقه فقتلته.

____________

(1) في المخطوط: في، و هو تحريف.

38

و خازن الهرم الملون صنما/ صغيرا صنعوه من حجر البهتة على قاعدة منه من نظر إليه اجتره إليه حتى يلتصق به فلا يفارقه حتى يموت.

فلما فرغ من ذلك حمدها بروحانيتها.

و ذكر القبط أن عليها مكتوبا اسم الملك و الوقت الذي بناها فيه و قالوا: إنها في ستة أقفل فمن يأتي بعدنا فيهدمها في ستمائة سنة، و كسوناها الديباج المرقوم، فاكسوها أنتم القش المنسوج و هذا شي‏ء لا يقدر عليه أبدا.

و من غرائب و عجائب الأهرام:

أن المأمون لما دخل مصر أراد أن يهدمها ليعلم ما فيها من الكنوز و الأموال و بدائع الأعمال، فقيل له: إنك لا تستطيع، فقال: لا بد من فتح شي‏ء منها، و كان في أحدها ثلمة مفتوحة فاستهون فتحها فعالجوا رفعها فلم يقدروا فأنفق عليها مالا كثيرا مع نار توقد عليها، و خلّ يرش، و منجنيقات تزمى حتى فتحت فدخلوا إليه فوجدوا عرض جداره عشرون ذراعا، و وجدوا خلف الحائط عند النقب مطهرة خضراء فيها ذهب مضروب دنانير زنة كل دينار أوقية من أواقنا، و كان عددها ألف مثقال فتعجب المأمون من حسن الذهب و قوة بهجته، ثم أنه أمر في معنى العد، و الحد فيه فأحضر العمال و الدواوين الذين ضبطوا ما صرف على فتح الهرم، فوجدوا ما أنفقوا قدر الذي وجدوا لا يزيد و لا ينقص، و وجدوا إلى جانب المطهرة أو على فوهتها كتابة مرقومة فإذا فيها: سيفتح هذا الهرم على يد خليفة من خلفاء مصر، و يكون سبب فتحها كذا، و يصرف عليها من المال كذا، فإذا دخلتم تجدون مقدار ما صرفتم فخذوه و ارجعوا أو تهلكوا، فرجعوا من ثمّ.

ثم قال المأمون: لقد أعطي هؤلاء من العلوم و الحكم ما لا يدركه غيرهم من الأمم.

و من عجائب الغرائب‏

أن جماعة من الأحداث أجمعوا رأيهم أن يدخلوه/ فلا يبرحوا حتى ينتهوا إلى منتهى أمره فأخذوا معهم من الطعام و الشراب ما يكفيهم شهرين و أكثر، و أخذوا من السكك و الحبال‏ (1) و الشمع، و الفؤوس، و القفاف، الشي‏ء الكثير، و الزناد و دخلوا، فلما انتهوا إلى أرضه أتاهم لطش في وجوههم و أقفيتهم من خشاسيف‏ (2) كالعقبان فانتقلوا من ذلك المكان إلى مكان آخر فانتهوا إلى الصب في حائط يخرج منه ريح بارد متصل فأرادوا أن يدخلوا منه، فانطفت شموعهم، فجعلوها (3) في زجاج و هموا بالدخول، فكاد

____________

(1) في المخطوط: الجبال، و هو تصحيف.

(2) أحسب أن أصل هذه الكلمة: خفافيش، و تحرفت إلى هذا الرسم، فاللّه أعلم.

(3) في المخطوط: فجعلهم، و هو تحريف.

39

أن ينطبق عليهم، فقال واحد منهم: اجعلوا في وسطي حبلا و اقبضوا على طرفه الآخر، و أنا أتقحمه، فإن خفتم عليّ فجروني إليكم، ففعلوا، فانطبق عليه و سمعوا عظامه تتكسر، و جاءتهم صيحة شديدة، فسقطوا جميعا، ثم فاقوا، و قد ضاق بهم الأمر، فجهدوا في الخروج منه، فلما صعدوا من الزلاقة، فمنهم من نجا و منهم من تردى، فقعد الباقون في سفحة الهرم حزنا على أصحابهم متعجبين من أمرهم، نادمين على فعلهم فبينما هم كذلك، و إذا بصاحبهم قد أخرجته الأرض لهم، فقام و حدثهم بكلام كاهن لم يفهموه‏ (1)، فوقف عليه رجل من بلاد الصعيد كان معهم، قال: يقول: هذا جزاء من طمع فيما ليس له، ثم خرّ ميتا، فدفنوه.

و دخل جماعة إليه: و طافوا به فلما انتهوا إلى أسفله رأوا أرضا فساروا فيها فرأوا عجائبا كثيرة فمن ذلك: قبة تحتها كالمطهرة يقطر فيها الماء ثم يغيض.

و وجدوا مجلسا مربعا حيطانه و حجارته ملونة عجيبة، فعمد أحدهم إلى حجر فحمله في كمه، فخرج من موضع ذلك الحجر ريحا شديدا شد أذنيه فجاهد نفسه و تصبر و لم يفلته، ثم مشوا قليلا فرأوا مكانا فيه ذهب مضروب [دنانير] (2) زنة كل دينار مائة مثقال، فأخذوا منه و أرادوا المشي، فلم يستطيعوا أن يتحركوا، فردوه مكانه، و تخلصوا، و مشوا قليلا، فرأوا صفّة عليها صورة شيخ مصنوع/ من حنتم أخضر كأنه مشتمل بشملة، و بين يديه تماثيل صغار في زي الصبيان، و كأنه يعلمهم، فأخذوا شيئا فرسخوا مكانهم، فوضعوه، و مشوا قليلا فرأوا بيتا مسدودا و داخله دوّي عظيم و حسّ و زمزمة، فلم يقفوا عنده، فرأوا مجلسا مربعا عليه صورة ديك معمول من جوهر أحمر قائم على أسطوانة خضراء، و له عينان مفتوحتان يضي‏ء منها ذلك المكان، فدنوا منه فصاح صياحا مزعجا و صفق بجناحيه، فوجدوا لذلك هيبة عظيمة، فذهبوا عنه سائرين في أرض الهرم متفرجين في عجائبه، حتى انتهوا إلى مكان فيه صنم من حجر أبيض في صورة امرأة منكسة على رأسها، و على جانبها أسدان من حجارة، يريدان أن ينهشانها. ثم ساروا قليلا فلاح لهم نور فاتبعوه فوجدوه فوهة عليها تمثالان من حجر أسود معهما كالمزراقين و بجانب الفوهة نقرة زي‏ (3) الوعاء، و فيها خصبا فأخذوا منه، و خرجوا من تلك الفوهة إلى الصحراء (4)، فساروا نحو الشرق يوما حتى وصلوا إلى الهرم، و كان ذلك في زمن عبد اللّه والي مصر، فاجتمعوا به، و قصوا عليه ما جرى لهم، فأرسل معهم جماعة

____________

(1) في المخطوط: لم يفهموا.

(2) ما بين المعقوفين يقتضيه السياق.

(3) أي: مثل.

(4) في المخطوط: الصحرة، كذا رسمت و هو تحريف.

40

ليدخلوا من تلك الفوهة، و أشكل عليهم أمرها، و لم يعرفوا مكانها، فرجعوا.

و أما الذي حمل‏ (1) معه الحجارة منها فوجدها جوهرا نفيسا فباعها بمال جزيل.

و من غرائب العجائب:

أن قوما دخلوا إليه في زمن أحمد بن طولان‏ (2) فرأوا داخله أشنانة ثخينة من زجاج فأخذوها و خرجوا، ففقدوا (3) رجلا منهم فدخلوا في طلبه فخرج إليهم عريانا يضحك، و هو يقول: لا تطمعوا (4) فيّ و رجع هاربا منهم، و شاع بين الناس أمرهم فمنعوا الناس من الدخول إلى الهرم، و بلغهم أمر الأشنانة، فأخذت منهم فوزنوها أربعة أرطال زجاج أبيض صافي، فرآها رجل عارف فقال: املؤوها ماء، ففعلوا/ فقال: زنوها، ففعلوا، فلم تزد شيئا.

و دخل إليه جماعة و صحبهم شاب يريدون أن يعبثوا به فخرج غلام أسود و بيده عصا فجعل يضربهم، فخرجوا هاربين، و تركوا طعامهم و ثيابهم (...) (5) و دخل زانيا بزانية فلما همّ بالفجور بها صرعا معا و صارا مجنونين مشهورين حتى ماتا.

ذكر الروحانيين (...) (6)

حكى بعض القبط أن سورند الملك لما رأى ما رأى من الرؤيا المتقدمة، و رؤيا فليمون الكاهن قال لهم لما أخبروه بآفة الطوفان، و النار: هل بعد هذا من حادثة؟

فقالوا: يعقبها خراب يقيم فيه عدة سنين.

قال: فكيف يكون خرابها؟

قالوا: يقصدها ملك فيقتل أهلها، و يغنم مالها.

قال: ثم ماذا؟

قالوا: ثم تكون عمارتها على يديه.

قال: ثم ماذا؟

____________

(1) في المخطوط: حملوا، و هو تحريف.

(2) كذا في المخطوط. و المعروف: أحمد بن طولون.

(3) في المخطوط: فقدوا، و هو تحريف.

(4) في المخطوط: لا تطعموا، و هو تحريف.

(5) موضع النقط: ثلاث كلمات تقريبا لم أتبين قراءتها.

(6) موضع النقط قرابة سطر كتب بالمداد الأحمر فلم أتبين قراءته في صورة المخطوط و لا في الميكروفيلم.

41

قالوا: ينقطع نيلها، و يجلو عنها أهلها.

فعند ذلك أمر أن يزبر (1) جميع ذلك على الأهرام و الأفرويات، و أن يكون لكل هرم روحانيا.

أما روحاني الهرم الغربي: فهو في صورة امرأة عريانة حسنا مكشوفة الفرج، لها ذؤابتان، فإذا رآها إنسان ضحكت له و اجتلبته بإيمائها، و دعته إلى نفسها، فإذا دنا منها استهوته فيختل عقله و يهيم على وجهه.

و قد أخبر جماعة أنهم رؤوا هذه الروحانية تدور حول الهرم وقت القائلة، و عند غروب الشمس.

و روحاني الهرم الملون: شيخ نوبي عليه برطلة و بيده مجمرة من مجامر الكنائس، و كأنه يبخر، و كذا في جميع الأفروثنات.

و أما بربا أخميم: فمعروف عندها أن روحانيتهم غلام أسود عريان.

و بربا سمنون: روحانيها في صورة شيخ طويل أشيب صغير اللحية.

و بربا قفط: روحانيها جارية سوداء حاملة صبيا صغيرا أسود.

و بربا درندرة: روحانيها في صورة إنسان رأسه رأس أسد و له/ قرنان.

و بوصير: روحانيها في صورة شيخ أبيض في زي راهب حامل مصحفا.

و عدي: روحانيها في صورة داع مخلل بكساء و بيده عصا.

____________

(1) فوقها في المخطوط علامة التصحيح و بالهامش صححت الكلمة بكلمة (يزيل) بغير خط الناسخ و ما في المتن هو الصواب، و معناه: يكتب على الحجر.

42

و أما

أهرام دهشور (1): فلها روحانيون يراهم الناس من قرب على طول الأيام، و لهذا قرابين و أبخورات تظهر و تؤلف بين الناس و بين روحانيتها.

ثم أن سورند الملك تملك على قومه مائة و سبع سنين و دفن في الهرم الذي أعده لنفسه بعد أن طلي بالكافور، و جعلوا عنده ما أعده من المال، و فاخر الثياب، و السلاح، و غير ذلك، فلما تولى ابنه هرجيب بعده بنى الهرم الأول من أهرام دهشور، و أودع فيه من الكنوز، و الجواهر، و اللباس الفاخر الشي‏ء الكثير.

تمّ الجزء الأول‏

____________

(1) في المخطوط: هشور، بدون الدال في أوله، و يأتي على صواب بعد قليل.

43

الجزء الثاني من عجائب الدنيا

نذكر فيه خلق آدم (عليه السلام)، و حواء، و ذريتهما، ثم نبي اللّه تعالى نوح (عليه السلام) و ذريته، و قسمة الأراضي، و حديث السفينة، و الطوفان، و البلبلة و اليمامة، و كهنة مصر، شق، و سطيح، و غيرهما، و ذكر يأجوج و مأجوج و غير ذلك إن شاء اللّه تعالى.

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم‏

ذكر خلق آدم (عليه السلام) و حواء و ذريتهما

قال صاحب التاريخ:

أجمع أهل الأثر أن آدم (عليه السلام) خلق يوم الجمعة لست خلون من نيسان، و كساه اللّه تعالى لباسا من ظفره و أسجد له الملائكة، فلما تأخر إبليس لعنه اللّه و طرده و أخرجه من الجنة، و سمي إبليس، لأن اللّه تعالى أبلسه.

و خلق اللّه تعالى من آدم حواء، و ألبسها لباسه، و أسكنها جنته لثلاث ساعات مضت من ذلك اليوم، و أباح اللّه لهما جميع ما في الجنة إلا الشجرة.

قال أكثر أهل الأثر:

إنها البرّ، و كانت الحبّة منه قدر الأترجة.

و ألفت الحية آدم و حواء (عليهما السلام)، و كانت من أحسن دواب الجنة، كاسية ذات قوائم، و كان إبليس خارج الجنة، فلحقه من ذلك- أي بذلك الحسد- فأراد أن يحسن لهما/ أكل الشجرة، فاحتال على دخول الجنة بالحية فأدخلته، فوسوس لهما، فأكلت و أطعمت آدم فانكشط لباسهما إلى أطراف أصابعهما، و هرب آدم في الجنة، و تعلقت شجرة الأترج برأسه فقال اللّه تعالى: هذه الشجرة غذاء لكما و لذريتكما إلى يوم القيامة، فاهبطا منها جميعا: آدم، و حواء، و الحية، و إبليس‏ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ [البقرة: 36].

و كانت إقامتهما في الجنة ثلاث ساعات، و هو ربع يوم مائتان و خمسون سنة من سنين الدنيا، فأهبط آدم (عليه السلام) على جبل سرانديب بالهند، و كان عليه الورق المخصوف من الجنة فتحاتّ بالرياح فنبت منه بالهند أنواع الطيب و الأفاويه التي لا توجد

44

إلا هناك، و فيه العود، و دواب المسك و حوله أصناف الياقوت، و الماس، و في بحره مغائص اللؤلؤ. و سمى اللّه تعالى آدم: (عليه السلام): عبد اللّه، و كناه بأبي محمد، و كان طويلا جعد الشعر أحسن من خلق، فلما خرج من حسنه و لونه و طوله، و كان يتكلم بالعربية، فتحولت لغته إلى السريانية، فلما تاب اللّه تعالى عليه رجع ذلك كله إليه.

و أهطبت حواء (عليها السلام) بجدّة، و بيدها من جوهر الجنة، فتناثرت من يدها، فجميع الجواهر منها و نقص من لونها و حسنها.

و أهبط إبليس بنيسان، و الحية بأصبهان، و قد جدّت قوائمها، و ذهب حسنها و نطقها. و كان مع آدم (عليه السلام) حين أهبط كفّا من البر، و عصا من العوسج، و قيل من آس الجنة، و هي التي صارت إلى موسى (عليه السلام)، و أنزل معه ثلاثين قضيبا من ثمر الجنة، جعلها إكليلا على رأسه، و أول شي‏ء أكله في الأرض الكمثرى و بعد مائة سنة من هبوطه أتاه جبريل (عليه السلام) ليقنت بكلمات التوبة، و هي:

«سبحانك لا إله إلا أنت، عملت سوء و ظلمت نفسي، فاغفر لي و أنت خير الغافرين». و علّم آدم (عليه السلام) استخراج الحديد و سبكه و عمل ... (1) و المطرقة و المسدبة، و آلة الحرب، و الزراعة، و ألهم ما أحل له و لذريته من دواب/ البحر، و ما حرم عليهم.

و أمره تعالى بالمسير إلى مكة فمشى إليها، و كان موضع قدميه عمرانا و ما بينهما، مفاوز، و لما دخل آدم (عليه السلام) جدّة، وجد حواء تبكي، فقال لها: هذا عملك.

و أمر بطواف الكعبة فتلقته الملائكة بالأبطح، و قالوا: حيّاك اللّه يا آدم، لقد طفنا هذا البيت قبلك بألفي عام، و لسنا بأول من حجه، و علمه جبريل (عليه السلام) المناسك.

و نزلت عليه إحدى و عشرين صحيفة، و فرض عليه الصلاة و الزكاة و الغسل من الجنابة و الوضوء للصلاة، و فرض عليه الصوم.

و أمره اللّه تعالى بالزرع فزرع و حصد و طحن و خبز و أكل، و قيل: هذا دأبك أنت و ذريتك.

قال: رب ما بلغت هذا إلا بمشقة.

قال: هذا بخطيئتك.

و عقوبة الحيّة بقص جناحيها و حسم يديها و رجليها حتى مشت على بطنها و شق لسانها، و خوّفها من الناس، و عداوتهم لها، و التراب طعامها، و خروج لسانها عند قتلها.

____________

(1) موضع النقط كلمة لم أتبين قراءتها هذا رسمها: (الغ اوة).

45

و جمع اللّه تعالى بين آدم و حواء (عليهما السلام) بجمع، و تعارفا بعرفات.

أول أولاد آدم (عليه السلام) و نسلهم هكذا إلى حين وفاته:

أول ما حملت حواء (عليها السلام) بقابيل، و توأمته أقليما، و كانت تلد كل بطن توأما، ثم ولدت هابيل و توأمته ليودا، فكان يشغل قابيل الحرث، و هابيل رعي‏ (1) الغنم، فأراد هابيل أن يتزوج بأخت قابيل، و قابيل بأخت هابيل، و كانت أخت قابيل أجمل و أحسن من أخت‏ (2) قابيل، و قال: أنا أحق منه بها، فأمرهما (3) آدم (عليه السلام) أن يقربا قربانا فمن قبل منه قربانه فهو أحق، فعمد هابيل إلى أحسن غنمه و أسمنها فقربها، و عمد قابيل إلى أخبث ما في زرعه ليقربه و كان ذلك يوم الجمعة بمنى، فأقبلت النار و حملت قربان هابيل، و لم تلتفت لقربان قابيل، فغضب قابيل، و همّ بقتل أخيه، فلما انصرفا من منى تحير في قتله، فرأى إبليس، و معه طائر قد وضعه و شدخ رأسه بحجر، فصبر إلى أن أخذ هابيل مضجعه عند غنمه/ فأخذ حجرا و طرحه على رأسه فقتله، و قد أصبح قابيل من النادمين، و تحير كيف يواري أخيه، فرأى غرابا يبحث في الأرض فواراه التراب، و أنزل اللّه تعالى لآدم (عليه السلام) خيمة من خيام الجنة من ياقوتة حمراء نصبت له موضع الكعبة، و بعد مائتين و ثلاثين سنة من هبوطه ولد له شيث و توأمته.

و قال أهل التاريخ: إن حواء ولدت مائة و عشرين بطنا.

و أمر آدم بكتب الصحف، و علّم دبغ الجلود و عمل المداد، و الكتابة، و كتب ما أنزل اللّه تعالى من الصحف، و علم جميع الأسماء و اللغات و حساب الأزمنة، و مسير الكواكب، و سأل اللّه أن يريه مثال الدنيا و ما فيها من خير و شر، فرأى برّا و بحرا، فنظر و تأمل، فعلم من يسكنها و يملكها من ولده و ولد ولده مثل ذلك له كله حتى أنه أري صور الأنبياء (عليهم السلام). و لما كثر ولده و ولد ولده أمره اللّه تعالى أن يأمرهم و ينهاهم، و حين أرسله اللّه إلى ذريته كان عمره سبعمائة و سبعين سنة، و أمره اللّه تعالى أن يسند وصيته عند وفاته لولده شيث (عليه السلام)، و أن يعلمه جميع العلوم التي علمها.

و كان سبب وفاته (عليه السلام) لما انصرف هو و بنوه من الزراعة، و كان قد توعك في بدنه حمّ و مرض إحدى و عشرين يوما، و جعلت الملائكة (عليهم السلام) تخلف إليه، فتزوره، و قد اشتهى قطفا من عنب الجنة، فوجه بعض بنيه لمن لقيه من الملائكة أن يأتيه بقطف من الجنة، فهو في الطريق إذ لقيه جبريل (عليه السلام)، فعزاه و قال: ارجع فإن‏

____________

(1) في المخطوط: الرعي، و الألف و اللام زائدة على الكلمة فحذفتهما ليستقيم السياق.

(2) في المخطوط: فضربها، و هو تحريف.

(3) في المخطوط: فأمرها، و هو تحريف أيضا.

46

أباك قد مات، و كان عمره في ذلك الوقت تسعمائة و خمسين سنة، و أتاه جبريل (عليه السلام) بكفن و حنوط من الجنة، و علّم ولده شيث كيف يغسله و كيف يحنطه، و كيف يكفنه، و قال له: هذه سنّة في موتاكم بعده، ثم صلت عليه الملائكة في أبي قبيس، و دفن بغار الكنز، و كانت وفاته يوم/ الجمعة، و مات و قد بلغ ولده، و ولد ولده أربعون ألفا أهل بيته، و رفعت خيمته و حزنت عليه حواء حزنا شديدا، و عاشت بعده سنة، و دفنت إلى جانبه، بعد أن صلى عليها شيث (عليه السلام).

ذكر من استخلف من بنيه بعده:

لما توفي آدم (عليه السلام) أسند وصيته إلى ولده شيث فكان فيه و في بيته النبوة و الدين و العبادة و القيام بحقوق اللّه تعالى و شرائعه و أنزل اللّه عليه تسعا و عشرين صحيفة، و كان مسكنه فوق الجبل و مسكن بني قبيل أسفل الوادي، و كان عمره تسعمائة و عشر سنين. و دفع وصيته إلى ولده مهليل و في وقت مهليل بنيت الكعبة، و كان عمره ثمانمائة و خمسا و تسعين سنة.

و أوصى لولده بردا بن مهليل و علمه جميع العلوم، و أخبره بما يحدث في العالم من كتاب يسرّ الملكوت الذي أنزل على آدم (عليه السلام)، و ولد لبردا خنوخ، و هو إدريس (عليه السلام) يكون عدو للآله و يكون له شأن عظيم، و كان المتولي ذلك الوقت مخويل بن غزداء بن قابيل، ثم أن إبليس جاء إلى مخويل في مملكته و قال له: قد ولد لبرد ولد- يعني إدريس- (عليه السلام) يكون عدوا للآله، و يكون لهذا الولد شأن عظيم، فقال: ألك قدرة على منعه عن آلهتنا؟

قال: سأحرص على ذلك.

و أن إدريس (عليه السلام) قد وكّل اللّه به ملائكة يحفظونه من كيد الشيطان و جنوده، فلما ترعرع إدريس (عليه السلام) جعله أبوه خازن الهيكل و علمه الصحف التي أنزلت على آدم و شيث، فكان يكثر من درسها و لهذا (1) سمي إدريس، و كان حريصا على فرائض اللّه تعالى و نبأه اللّه تعالى على رأس الأربعين، ثم أن مخويل أرسل إلى برد ليرسل له ولده، فامتنع، فأرسل جيشا في طلبه، فمنعه منه أعمامه‏ (2)، و لم يكن بعد شيث وحي حتى نبأ اللّه تعالى إدريس (عليه السلام) و كان عمر برد سبعمائة و خمسين سنة، و أنزل اللّه عليه ثلاثين صحيفة و دفع إليه أبوه وصية (3) جده/ و علومه.

____________

(1) في المخطوط: و هذا، و الزيادة لضبط السياق.

(2) في المخطوط: عمامه، و الزيادة لضبط السياق.

(3) في المخطوط: وصيته، و هو تحريف.

47

و أما غرائيل فعلمه الحروف السريانية و النظر في علم الفلك، فهو أول من كتب بعد شيث و قوّم الكواكب.

و إدريس (عليه السلام) أول من استعبد و سبى بني قابيل، و وضع المكيال، و الميزان، و أثار علم النجوم و الطب، و عمل الزيجات- و هو حساب غير حساب الهند (1)- و سأل اللّه تعالى فأراه الصور العالية، و كانت الأرواح تخاطبه، و علم أسماء الصعود و الهبوط، و دوار الفلك و وقف على سعود الكواكب و نحوسها، و عرف ما يأتي من الوقائع فزبر (2) ذلك على الحجارة.

و له قصص مع ملك الموت (عليه السلام)، و مات و عاش و رأى الجنة و النار، و دخل الجنة، و ما خرج منها، و لما رفع كان عمره ثلاثمائة سنة، و كان يدعى هرمس باسم عطارد، و كان له ولد اسمه ضاي علمه كتابه، و هو الذي أخبر بأمر الطوفان و ما يحدث بعده، و دفع إدريس وصيته لابنه.

متوشلخ:

و أمر أخاه ضاي معاونته، و كان ضاي قد بلغ مبلغا جليلا من العلم، و كان إدريس (عليه السلام) أول من أمر بالجهاد في بني قابيل، فجاهدهم، و كان عمر متوشلخ تسعمائة و اثنين و ثلاثين سنة، و أسند وصيته إلى ابنه.

لمك‏ (3) بن متوشلخ:

فأخذ الصحف، و أقبل بني أبيه فوعظهم و منعهم من التشبه لولد قابيل، و هو الذي رأى كأن النار خرجت من فيه و أحرقت العالم، و لما ولد للمك نوح كان لمك في ذلك الوقت درمسيل ابن مخويل، و كان درمسيل يتجبر و طغى و قهر الملوك و ناوأهم و دعاهم الشيطان إلى عبادة الكواكب و دين الصابئة، فأجابه إلى ذلك، و بنى الهياكل، و جعل فيها أصناما و عبدها، و قد استخرج المعادن و الجواهر و اللؤلؤ و المرجان ما لا جمعه غيره، و كان شديدا على طلب نوح (عليه السلام)، و اللّه تعالى يحفظه منه و للمك- هوا نوح‏ (4)- والد نوح عاش ثلاثمائة سنة و كان قد رأى بعد رؤية النار كأنه فوق شجرة في وسط بحر لا عبر له، فلما ولد له نوح سعت الكهنة/ إلى ملكهم مخويل و عرفوه أن العالم يهلك‏

____________

(1) ربما كانت: الهندسة، فتحرفت.

(2) أي: كتب.

(3) في المخطوط: لملك، و التصويب من سبائك الذهب.

(4) قوله: هوا نوح- كذا وردت هذه الجملة و أحسبها زائدة على السياق فجعلتها بين علامتي الجملة الاعتراضية.

48

في زمان هذا المولود، و أنه سيكون له شأن عظيم و يعمر طويلا، و قد كانوا رأوا في كتابهم: أنه سيأتي طوفان يغرق الأرض و من عليها، فأمر الملك مخويل ببناء المعاقل على رؤوس الجبال لكي يتحصنوا بها، فعملوا سبع معاقل بعدد الأصنام التي كانت لهم و على أسمائها، و زبروا فيها شيئا من علومهم، و قيل أن الملك بناها لنفسه خاصة و نبأ اللّه نوحا (عليه السلام) على رأس الخمسين سنة بعد المائة، و أرسله إلى قومه و كان نوح (عليه السلام)، آدمي اللون في رأسه طول، عظيم العينين، دقيق الساقين و الساعدين كثير لحم‏ (1) الفخذين طويل اللحية، طويلا، واسع الصدر جسيما، و هو أول نبي بعد إدريس، و هو من أولي العزم من الرسل، عاش ألف و أربعمائة و ثلاثين سنة، و لبث في قومه تسعمائة و خمسين سنة.

قصة نوح (عليه السلام) مع الملك و بناء السفينة

لما بلغ من العمر مائة و خمسين سنة نبي و أرسل إلى قومه، و عاش بعد الطوفان مائتي سنة، و كانت شريعته التوحيد و الصلاة و الزكاة و الحج، و مجاهدة بني قابيل، و كان يدعو قومه إلى اللّه تعالى، و يذكرهم نعمته، و يحذرهم نقمته، و كانوا يخفون عن الملك أمره، فإذا حضروا إلى هياكل أصنامهم و اجتمعوا حضروا قام بينهم و نادى بأعلى صوته:

قولوا: لا إله إلا اللّه، و أني عبد اللّه و رسوله، فيجعلون أصابعهم في آذانهم، و يدخلون رؤوسهم في ثيابهم تبرما بقوله، و كان إذا ناداهم بلا إله إلا اللّه خرت الأصنام على وجوهها و يؤلمومه بالضرب، فربما سقط من شدة الإيلام، فلما طال عليهم الأمر، و هم تارة يهددوه و تارة يضربونه، و لم ينته عنهم رفعوا أمره إلى الملك مخويل، فحبسه على أن يذبحه و يقربه لآلهتهم يوم عيدهم، و همّ أن يفعل بعد أن نادى في الناس أن يجتمعوا/ لينظروا، فدعا عليه فطاش عقله، و حصل له ضربان و صداع في رأسه و اشتغل عنه بنفسه فلازمه ذلك الحال، ثم هلك في اليوم الثامن، و كفاه اللّه مؤنته، فتولى بعده، ابنه درمسيل، فأطلق نوح (عليه السلام)، و قال: شأنك و نفسك، و دع آلهتنا، و زعم أنه مجنون، فلما كان يوم عيدهم حضر نبي اللّه على عادته، و نادى بأعلى صوته: قولوا: لا إله إلا اللّه، و أني عبد اللّه، فسبها، فتساقطت الأصنام، فقاموا إليه فشجوا رأسه، و سحبوه، فاستغاث أهل السماء و أهل الأرض إلى اللّه تعالى، فقال اللّه: كل ذلك بعيني، و سآخذ له منهم، فجاء إليه الملك و قال له: ألم أصفح عنك على أن لا تعاود؟ قال: بل أعاود، فإني عبد مأمور، فلا يسعني المخالفة.

قال: من أمرك؟ قال: إلهي، قال: و من إلهك؟ قال: رب السماوات و الأرض و ما

____________

(1) في المخطوط: اللحم، و الألف و اللام زيادة على السياق فحذفتهما.

49

بينهما، قال: و ما الذي أمرك؟ قال: أدعوكم إلى عبادته. قال: إن لم نفعل؟ قال: الأمر إليه إن شاء أمهلكم، و إن شاء أهلككم. قال: فاترك ما أنت فيه، و اعتزل عنا بنفسك، قال: لا أستطيع ذلك و لا سبيل إليه، فقام‏ (1) بحبسه، فسلط اللّه عليه بعض الجبابرة، فنازعه و حاربه محاربة كثيرة فشغله ذلك عن أمر نوح (عليه السلام)، و عرف أن الذي حصل بخطيئته، فأمر بإطلاقه، فعند ذلك صالح الذي كان يحاربه، فزحف عنه، و عاد درمسيل إلى ملكه. فلما استقر به الحال، فكر في أمره مع نوح (عليه السلام)، فأرسل وجوه مملكته إلى ملوك الأرض لجمع الكهان و مناظرته فشخصوا إليه من الآفاق فخرج إليهم، و ناظرهم، فأظهره اللّه عليهم، فآمن به فليمون، و كان رأس كهان مصر و رائسهم، و آمن به أهله و أتباعه، و ركب معه السفينة، و تزوج من أهله و أوحى اللّه تعالى إليه: أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ‏ [هود: 36] فعند ذلك يئس منهم، و دعا عليهم، فانقطع نسلهم، و قحطوا و جدبوا/ و بطلت عمائرهم، و خربت ديارهم و بلادهم.

بناء السفينة:

ثم أن اللّه تعالى أوحى إليه: أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنا وَ وَحْيِنا [هود: 37]، و أخبره جبريل (عليه السلام) أن يبنيه على مثال صدر الدجاج، فجمع احتياجاتها و أقام في عمارتها عشر سنين، و جعلها من ساج، و عمل طولها ثلاث مائة ذراع و ارتفاعها من الأرض خمسين ذراعا، و جعلها ثلاث طبقات، و جعل في جانبها بابا، و أقامت‏ (2) على الأرض بعد فراغها تسعة أشهر فكان قومه يمرون به و يرون السفينة فيضحكون منها و أخذوا ممن آمن به ثلاث نفر، و قربوهم لآلهتهم فعند ذلك حقت عليهم كلمة العذاب و جاءهم من كل مكان، و أمر اللّه تعالى نوحا أن يحمل معه في السفينة من كل زوجين اثنين، قال: يا رب، و كيف لي بجمع ذلك؟ فأمر (3) اللّه تعالى الرياح فجمعت له ذلك كله. فجعل في الطبق الأول: الدواب، و سائر الوحوش و الهوام و الطيور.

و جعل في الطبق الثاني: طعامهم و شرابهم. و حمل معه جسد آدم (عليه السلام) في تابوت. و جعل في الطبقة العليا أهله و ولده و من آمن معه، قيل أنهم كانوا أربعون رجلا، و أربعون امرأة، فصار الجميع في السفينة، فاتصل الخبر للملك فضحك منه، و قال: أين الماء الذي تسير فيه السفينة، ثم ركب في نفر من أرباب دولته و دخلوا بيت أصنامهم فقعدوا ساعة، ثم خرج و قد عزم على إحراق السفينة و من فيها، فجاء إليها فوجد رعبا

____________

(1) في المخطوط: قام، و الزيادة لتوضيح السياق.

(2) في المخطوط: أقامه، و هو تحريف.

(3) في المخطوط: فأمره، و الهاء زائدة، فحذفتها.

50

شديدا لما شاهد نوح (عليه السلام) فلما سكن ما عنده قال له: أين الماء الذي تسير فيه يا نوح؟

قال: الآن تراه يأتيك من مكانك هذا. و في الخبر: أن ماء الطوفان كان حارا محرقا، فقال الملك لنوح (عليه السلام): انزل من هذه السفينة أنت و من معك و إلا أحرقتكم. فغضب نبي اللّه و قال له: ويلك ما أشد اغترارك باللّه تعالى، ارجع إلى اللّه و إلّا العذاب بين/ يديك. فغاظه و أمر من معه أن يرموا السفينة بالنار ففعلوا فرجعت النار عليهم.

خبر الطوفان:

فلما وصلتهم النار أحرقت منهم جمعا كثيرا، فاشتد خوف ملكهم، و زاد رعبه، و ضاق به الرحب، و علم أنه هالك فيمن هلك، و أتاه آت، و قال له: بينما يشحر في تنور لها (1) نبع الماء من تحته، فاطلب النجاة لنفسك، فقال: و ما مقدار ما نبع من تحت تنورها؟.

فقال له نوح (عليه السلام): ويلك، هذه علامة السخط، و بهذا أخبرني ربي، و آية ذلك: أن الأرض تتخلخل جميعها و يأتي الماء منها و ستراه الآن ينبع من تحت قوائم فرسك. فحول فرسه من مكانها، فرأى الماء، فعدل بها إلى مكان آخر فرآه قد زاد و تكاثر، فنكص على عقبه لينجو بنفسه و أهله و ينتقل إلى الحصون التي عملها على رؤوس الجبال، و هو في الطريق إذ الأرض قد تخلخلت و نبع الماء فساخت أرجل الدواب فترجلوا عنها. و قد تفتحت أبواب السماء بالماء وَ حِيلَ بَيْنَهُمْ وَ بَيْنَ ما يَشْتَهُونَ‏ [سبأ: 54] و صار بعضهم يصادم بعضا فيقع على وجهه و هم لا يدرون أين يتوجهون، و صارت المرأة تحمل ولدها على كتفها فإذا ألجأها الماء طرحته عنها، و كان ابن نوح من درمسيل فناداه: يا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنا وَ لا تَكُنْ مَعَ الْكافِرِينَ‏ [هود: 42] فأبى كما أخبر اللّه عنه، و قد بلغ الماء رؤوس الجبال و علي عليها أربعون ذراعا، فأهلك اللّه الملك و أهله و عسكره، و هلك بأمر رب نوح جميع من في الأرض و لم يسلم سوى السفينة و ما فيها.

و قيل: إنها بقيت على الماء ستة أشهر و سارت شرقا و غربا و طافت مكان الكعبة و كان معهم خرزة يعرفون بها الليل و النهار، إذا كان وقت الليل أضاءت، فإذا جاء وقت النهار (2) خمدت، و يعرفون بها مواقيت الصلاة، و في التوراة: أن اللّه تعالى آلى على‏

____________

(1) في المخطوط: تنورهما، و هو تحريف.

(2) إذا كان وقت الليل: هذه العبارة جاءت في المخطوط بعد الإشارة و وضع الناسخ عليها ما يفيد أنها تكررت منه سهوا.

51

نفسه أن لا يعذب أمة بعدها بغرق، و قال: إذا رأيتم/ قوسي في السماء فاعلموا أنه أمان من الغرق.

و كان بين مهبط آدم (عليه السلام) و مجي‏ء الطوفان ألفان و مئتان و ستة و خمسون سنة، فاستقرت السفينة على جبل الجودي شهرا، و هو جبل بالجزيرة معروف، ثم أن اللّه تعالى أرسل ريحا على وجه الأرض فسكن الماء، و أقلعت السماء و لما مضى بعد هدوء المطر أربعون يوما فتح باب السفينة، و أرسل من الطير غرابا ليأتيه بالخبر فلم يرجع، فدعا عليه بالبعد و أن يكون طعامه الجيفة، فأرسل الحمامة فرجعت إليه بالخبر، و رأى رجليها قد انصبغتا من الطين، فدعا لها بالألفة و الصباغ فيها من يومئذ، ثم أرسلها بعد سبعة أيام، فرجعت و في منقارها ورقة خضراء من عشب الأرض، و أمر اللّه تعالى نوحا أن يخرج من السفينة هو و من معه.

و في التوراة: أنهم لما استقروا على الأرض قال اللّه تعالى: أكثروا و انموا و املؤوا الأرض، و لتكن هيبتكم على دوابها و على كل طير في السماء، و نون في البحر، قال اللّه تعالى: قِيلَ يا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلامٍ مِنَّا وَ بَرَكاتٍ عَلَيْكَ وَ عَلى‏ أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ‏ [هود: 48].

و قيل لنوح (عليه السلام): كلوا مما رزقتكم حلالا طيبا و اجتنبوا الرجس من الأوثان و الميتة و الدم و لحم الخنزير و ما ذبح لغيري و لا تقتلوا النفس التي حرم اللّه إلا بالحق.

و كان مهبط نوح (عليه السلام) بعد أحد عشر شهرا، و لما نزلوا من السفينة أمرهم نوح (عليه السلام) أن يتخذوا لهم مساكن‏ (1)، فبنوا ثمانين بيتا، فصارت قرية تسمى قرية الثمانين إلى اليوم، ثم أمرهم بالزرع و غرس الأشجار، و لما عرضت عليهم الحبوب و الثمار التي حملها معه لم ير الكرمة، فعرفه جبريل (عليه السلام) أن إبليس أخذها، فأحضره، فقال جبريل (عليه السلام): ما حملك على ما صنعت؟ قال: لي فيها شرب.

فقال له جبريل: اقتسماها، فقال: أجعل له الربع، قال: لا يكفيه، قال: له/ الثلثان ولي الثلث، فما طبخ بالنار و ذهب ثلثاه كان حلالا لك و لأولادك، و ما زاد على الثلث كان له و لأتباعه.

ذكر أولاد نوح (عليه السلام):

جعل اللّه الرسالة و الكتب المنزلة و النبوة، و وصية نوح (عليه السلام) في ولده سام خاصة دون إخوته.

و أما أسماء أولاد سام و أولاد أولاده فأولهم:

____________

(1) في المخطوط: مساكين، و هو تحريف.

52

أرفخشد: و كان عمره أربعمائة و خمس و ستين سنة، و ولد أرفخشد:

شالخ و غابر: و عاش شالخ أربعمائة و ثلاثين سنة، و ولد غابر:

فالغ، و قحطان بن فالغ: و ولد فالغ:

يعرب: و قيل: هو أول من تكلم بالعربية و كان لسانهم السريانية، و ولد يعرب:

سبأ: و هو أول من سبى العرب، و كان هو الملك على بني قحطان، ثم ابنه يعرب، و بعده سبأ:

و حمير بن سبأ: و سمي حمير لأنه كان له تاج مكلل بجوهر أحمر، و كان يضي‏ء على بعد منه.

و كهلان به سبأ: فمن كهلان و حمير كانت ملوك اليمن من التتابعة و الأدواء، و منهم كان:

أبرهة ذو المنار، و ابن أبرهة ذو الأودغار: و الأدواء جماعة غزوا الأمم و حولوا البلاد، و منهم:

اقريقيس الملك: الذي بلغ أقصى بلاد المغرب.

خبر إبراهيم (عليه السلام) مع النمرود

أبو إبراهيم آذر، و ولد إبراهيم إسماعيل، و أم إسماعيل هاجر القبطية، و ولد له إسحاق من سارة بنت حران.

و كانت حياة إبراهيم (عليه السلام) مائة و خمسين أو سبعين سنة، و كان النمروذ ملكا على بابل، و هو من ولد كوش بن حام بن نوح، فاجتمع إبراهيم (عليه السلام) بالنمروذ، و لما رأى من كفره و تجبره فحاجه إبراهيم (عليه السلام)، فقال له النمروذ: من ربك؟

قال: ربي الذي يحيي و يميت.

قال: أنا أحيي و أميت، و دعى برجلين قتل أحدهما و أطلق الآخر.

فقال إبراهيم (عليه السلام): إن اللّه يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب، فبهت الذي كفر، و لم يحجه بعد ذلك، فعمد إبراهيم (عليه السلام) إلى بيوت الأصنام فكسرها/ فبلغ ذلك النمروذ فغضب، و أمر أن تضرم له نار فيلقيه فيها، فلما نصب المنجنيق، قال له جبريل (عليه السلام): ألك حاجة؟ قال: لا، قال: سل ربّك، قال:

حسبي من سؤالي علمه بحالي. فجعلها اللّه بردا و سلاما، و جاء ريح عظيم فنسف رمادها في أعين الكفار، فاشتغلوا بأنفسهم، و خرج منها إبراهيم (عليه السلام) سالما منعما، و توجه إلى حرّان، فاجتمع بلوط (عليه السلام) و آمن به لوط ابن أخيه، و سارة ابنة عمه.