تاريخ اليمن الإسلامي

- أحمد بن أحمد بن محمد المطاع المزيد...
368 /
5

تمهيد في التاريخ اليمني‏

(اليمن في مدارج التاريخ) (التاريخ و فوائده) (1) بسم اللّه الرّحمن الرّحيم من القضايا المسلمة تقدم العلوم و المعارف في هذا العصر، و ارتقاء العقل البشري إلى غاية قصر عن التحليق فيها الآباء منذ أحيال قديمة، و من الفنون التي بلغت أقصى ما يتصوره العقل من العناية و الاتقان فن التاريخ‏ (2) و معرفة أحوال الأمم، إذ من بين صحائفه تشرق أنوار الهداية، و من أسفاره تشع شموس الدراية، و في حوادثه و ما يلابسها من نعم و بؤس و إقبال و إدبار و ما يتخلل ذلك: من قيام ممالك، و هلاك أمم، و سقوط عروش، و زوال تيجان، عبرة و أية عبرة، و نذير مبين، يحذر بلسان الأبدية غب المآثم و عاقبة الإعراض و الإيغال في الجرائم.

و من قمته الشامخة تستعرض مواكب العالم في مشارق الأرض و مغاربها، و تلتمس معارف الشعوب و رقيها و ادابها و حضارتها و أخلاقها و علومها و عمرانها و معتقداتها و كل ما له صلة ما و علاقة بحياتها.

فإذا ما أراد الإنسان مرافقة الأمم، و مسايرة الشعوب ساميّها و آريّها،

____________

(1) الحكمة 1 العدد 6، السنة الثانية، المجلد الثاني، ربيع الثاني 1359 ه (مايو/ يونيه 1940 م) ص 125- 129.

(2) التاريخ و متعلقاته كعلم الاجتماع و الاقتصاد و الجغرافية و علم الكتابات القديمة و العاديات و النقوش و الآثار و علم السجلات و الاحصاء و النقد و المسكوكات و غير ذلك من العلوم التي كانت مجهولة أو بعضها عند العرب. اه

6

و الاطلاع على تكون نهضاتها من أقدم عصورها و مشاهدة أجيالها و هي تخرج من الكهوف إلى الصروح، و من الأكواخ إلى القصور، و من الأودية و الغابات إلى المحاكم و الكليات، و من نقش الآثار على الأحجار إلى استنطاق الجماد و استخدام البخار، فعليه بما خلدته الأيام على صحائف التاريخ‏

و إن شاء الرجوع إلى العصور العافية، و التغلغل في مهاوي القرون السحيقة، كي يرى الإنسان الأول يزاول أعماله بسائق الفطرة، و يترصد فريسته في ألفاف الشجر، و أجواف الحفر، و يتعقب الطرائد في مخارم الجبال و بطون الأودية، أيام كان يستوطن الكهوف و الغيران، و يتسلح الحجر، فليرجع إلى آثار تلك العصور، (لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ).

و لا نبالغ إذا قلنا ان التاريخ ما عرف في جميع أدواره عصرا هبت فيه الشعوب عن بكرة أبيها لدراسة الماضي و الارتواء من مناهل ثقافته، و التنقيب عن آثار البشرية من أقدم أزمنتها، و البحث عن الحضارة الإنسانية كهذا العصر.

هبت أمم العالم اليوم تنقب عن مفاخر الماضي و اثاره، لتضع على كواهل أبنائها من قدسية ماضيهم و أمانة تاريخهم ما تنوء بحمله الجبال، و تجعل من آثار ذلك الماضي أدوات تستخدم لإيقاد جذوة الوطنية في الصدور و إلهاب نار الحماسة في الرؤوس مستلهمة وحي النبوغ و التقدم من أرواح الآباء و الأجداد.

و لذا كان لزاما على كل أمة تحاول النهوض الالتفات أولا إلى الماضي بدراسة تاريخها، و معرفة ما فيه من الحوادث و الكوارث، و الوقائع و الكوائن و أسباب الصعود و الهبوط، فإن حياة الأمم موصولة، و حاضرها القريب وليد ماضيها البعيد، و لذا قيل: «إن الأمة التي تهمل ماضيها و لا تعرفه مثل الرجل الذي يفقد ذاكرته»، و يقول علماء الاجتماع و تباريس علم الأخلاق: (إن‏

7

ماضي الأمة لا يموت أبدا، و لكنه يكون حيا) تاريخه إلى آلاف السنين يستوحى منه.

فدراسة التاريخ إذا من ضروريات البقاء، و معرفة الأمة نفسها من أكبر عوامل الارتقاء، و لا سيما إذا كان في تاريخ الأمة من أعمال المجد و العظمة ما يثير الفتوة، و يبعث النشاط و القوة في شرايين الأجسام المنحلة، و يدفع بالأبناء إلى ترسم آثار الآباء، فإنه يستحيل أن يرضى لنفسه بالذل و المهانة من كان أبوه يعزم العزمة الفاصلة فيملي إرادته على الملوك و الجبابرة، و يقول الكلمة فتطفى‏ء الحرب العوان و تشعل، و إذا ريع كان له السيف و الرديني أمنع معقل.

و كيف يجمل بأبناء الأرواع اللهاميم فراجو الغمم من دانت لسطوتهم الملوك، و ذلت لهيبتهم الأقاليم، أن يكونوا نقدا تنتاشهم سباع الأطماع و هم في غفلتهم ساهون، أو تنزل بهم عون الخطوب فيذلون و يسمدون، و (يفتتون في كل عام مرة أو مرتين ثم لا يتوبون و لا هم يذكرون).

أجل، إن من يدرس أصول النهضات العالمية يجد في قرارتها أثرا للتاريخ و ضاح الجبين و عوالم و أرواح الآباء مصدر تلك القوة و أساسها المتين، فلا غرابة إذا رأينا جبابرة العقول، و فطاحلة الفكر الإنساني، تعد التاريخ من أكبر الوسائل لتنمية العقل و تهذيب الشعور، و بسط النفوذ، و سعة الملك، و تضخيم الثروة، و عظمة الشأن، و نرى علماء الغرب على اختلاف مشاربهم، و تنوع معارفهم، و تباين مباحثهم، و مناحيهم، عاكفين في جامعاتهم السنين الطوال: هذا يدرس أجناس البشر و أصول الشعوب، و متى وجد الإنسان على الأرض، و مدنيته الأولى، و صفاته و قسمات وجهه إلى آخر ما هنالك.

و ذلك مكب على تمثال قديم يرجع فنه و جماله و دقته مبلغ حضارة الأمة التي وجد فيها، كما أن زميله و ضريبه قد شغلته لفظة لغوية في أدب أمة لا

8

يمت إليها بصلة عن كل ما في الوجود، كل ذلك رغبة في العلم، و وصلة إلى فهم الشعوب و عاداتها و أخلاقها، لوسائل كثيرة، منها: علمية محضة، و منها سياسية و اقتصادية و نحو ذلك. و من التواريخ التي أصبحت اليوم تدرس في جامعات الغرب كفن مستقل: تأريخ اليمن القديم و ما به من النقوش و الآثار و العاديات و ما خلفه آباء اليمنيين من آداب و ثقافة صقلت العقل الإنساني و ازدانت بها حضارة البشر في أيامهم، و هي اليوم كعبة تحج إليها أفئدة النوابغ افتنانا بروعتها و جلالها، و ترتشف من معينها العقول و يتخذ منها الأقوام درعا لتوطيد أركانها و تخليد كيانها.

ذلك ما حدا بي إلى تقليب صفحة من صفحات تاريخ هذه الأمة الضخم، و التنقيب عن بعض فرائد عقدها الثمين، و إن كان ماضيها كثير الظنون قل أن يفوز الخرّيت منه بما يشفى الأوام، و يطفي لاعج الغرام، لما على لياليه الماضية، و أيامه الخالية، من غبار الدهور، و كلاكل العصور.

و هيهات أن يجد المشتاق بالرسوم العافية، و الأطلال البالية، ما يجده بمطرحات تفيض النعمة من ثناياها، و تتسابق الشموس متطاولة من أبراجها و حناياها.

اللهم إلا أن تكون مرابع أنس، و مراتع سرور، أقوت عن القطان و فارقها السكان، و نزع عنها الأخلاء، و لم يبق من أثا فيها إلا: (نقط يشك الشاك فيها)، فإن لها ذكريات لا تقوى يد الحدثان على الدنو من قدس تذكرها.

و هذه الذكريات إحدى عناصر التاريخ و مميزات هذا الإنسان، فهو لا يقنع بما هو آت، و لا يسأم الوقوف أمام المخبآت: غاص أعماق البحار، و ركب متون الأخطار، و استنطق الجماد، و غزا اللانهاية بقوة فكره، و حاول أن يفجع الغد في مخبآت سره رغبة في الاطلاع، و هياما بالرواية و السماع ثم هو مع هذا: (دائم الحنين إلى سالف خال و البكاء على دارس بال)، لا

9

يقف عند غاية الأوهام بما خلفها، و ساقته الفطرة إلى استكشاف ما وراءها، فلا غرو أن اصبح علم التاريخ من مشتهيات النفوس و أغراضها، و شؤون الحياة و لوازمها.

و إذا كان من طبع الإنسان و غريزته الحنين إلى الفائت المندثر، و الالتفات إلى أطلال الأحبة، و الوقوف بآثارهم الدوارس، و الاعتزاز بتقاليده و ماضيه و مجده و تاريخه، و ما كان لأجداده من سجايا و مفاخر، و عادات و مآثر.

فأخلق بأبناء من ملكوا الخافقين، و بسطوا سلطانهم على العالمين، أن يعتزوا بتاريخهم، و يفاخروا بماضيهم، و يكاثروا بنوابغهم و أبطالهم الذين تساقطت تحت أقدامهم عروش الفاتحين، و ملكوا الأمور على من كان يملكها في أطراف الأرضين.

و أن يقفوا وقفات كبرى لا كلوث أزار أو كحل عقال، بل وقوف جميل في عراص بثنية، أو وقوف شحيح ضاع في الترب خاتمه، بآثار أسلافهم الغر حيث كانوا يتناغمون و يتسامرون و ينثرون طرائف الحكمة و روائع الكلم، بان يعرجوا بأطلال ماضيهم المجيد لينظروا أبدع ثمرة تركها الإنسان، و أجمل نتاج للعبقرية و النبوغ، و أسمى حضارة عرفها التاريخ.

و بهذا الالتفات و ذلك الوقوف ما يوقظ الهمم، و يهيب بالأبناء إلى متابعة الآباء، و بشوارد الأنفس إلى سواء السبيل، ليقرنوا شرفهم التليد بمجدهم الطريف كما قيل: (1)

إنا و إن كرمت أوائلنا* * * لسنا على الأحساب نتكل‏

نبني كما كانت أوائلنا* * * تبني و نفعل فوق ما فعلوا

____________

(1) الحكمة: العدد 2، المجلد الثاني، السنة الثانية، جمادى الأولى 1359 ه (يونية/ يولية، 1940 م)، ص 204- 210.

10

و لا يدع فحفظ مناقب الآباء و الاعتداد بآثارهم الصالحة من أكبر العوامل المثيرة لعزة النفس و يقظة الوجدان و سمو الغاية، و قديما كانت العرب تفاخر بأمجادها و آبائها في انديتها و اسواقها و مجتمعاتها و مواسم حجها، قال تعالى:

فَإِذا قَضَيْتُمْ مَناسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آباءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً.

و كل شعب يحمل أمانة التاريخ، و تجري في عروقه مناعة دم شريف، و تدور في رأسه ذكريات الماضي، لا يطمئن إلى حياة لا تصله بماضيه:

«فإن من فاته حسب نفسه لا ينفعه حسب أبيه».

و التاريخ كما قلنا هو سجل الحياة، و الصورة الفنية للعصور الغوابر، و محقق آمال المنبت الحائر، و قد طمحت به النفس إلى ذرى المجد و سنام المفاخر، و حفزته غريزته البشرية إلى معرفة تراثه من الأكابر، و مشاهدة معرض الوجود الحاشر.

منه يستلهم وحي النبوغ، و من أرواح أبنائه و آثارهم يستملي روحا تسمو به إلى أبعد شأو كتب له في الحياة، بعزيمة أمضى من القضاء، و صدر أوسع من الفضاء، و شجاعة في الله يكلؤها الحجى.

و أحر، بمن عرف الماضي، و أفنى القرون، و ساير ركب الزمان، ان تسمو نفسه و تتهذب مداركه، و تلطف شمائله، و تتحرك مشاعره، و تحفزه المؤثرات الحرة إلى مطمح الإنسانية و مثلها العالية: (و ان لا يكون كمستمع اللدم يسمع الناعي و يحضر الباكي ثم لا يعتبر، و إنما البصير من سمع فتفكر، و نظر بأبصر، و انتفع بالعبر، ثم سلك جددا واضحا يتجنب فيه الصرعة في المهاوي، و الضلال في المغاوي).

فإن التاريخ هو الشاهد العدل، و الرقيب العتيد، و المراقب المشرف على أعمال الأمم و مجرياتها لا تفوته صغيرة و لا كبيرة، و لا يترك حسنة و لا سيئة إلا أتى عليها و نقلها، يرمي فيقرطس، و يضرب المحز و يقطع المفصل.

11

من عادة التاريخ مل‏ء قضائه‏* * * عدل و مل‏ء كنانتيه سهام‏

هذا و للتاريخ من الفوائد غير ما مر من تهذيب الأخلاق، و إيجاد الشعور القومي، و إذكاء نيران العواطف الكامنة في القلوب، و توحيد كلمة الأمة و صهرها في بوتقة واحدة، و جعلها كتلة لا تتجزأ و لا تتفرق، يقودها المجد إلى ميادين العظمة، و سعة السلطان، و بسطة النفوذ و يزجيها الاخلاص و الحرص على كنوز تراثها و تقاليدها إلى المحل اللائق بها تحت الشمس، و تؤازرها في سيرها نحو الغاية حرارة عقيدة شب عليها الصغير، و ورثها مجموع الأمة عن أسلافه، و غير ذلك من خلال الكمال.

مقام لا ينكر في خدمة الكتاب العزيز و السنة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة و التحية، فهو عمدة المفسر لمعرفة الناسخ و المنسوخ و غيره من الأسباب المتوقفة على نتائجها، و هو دليل المحدث، و معلم الفقيه، به تعرف الآجال و حلولها، و الأخبار و ناقلوها، قال سفيان الثوري (رحمه اللّه):

«لما استعمل الرواة الكذب استعملنا لهم التاريخ»، و قال حماد بن زيد: «لم يستعن على الكذابين بمثل التاريخ».

و بمقدار ما يستفيد منه الملك لإصلاح رعيته، و السياسي لمهمته، و الفاتح لغايته، و الاجتماعي لعمله، و المزارع لحاجته، يستفيد منه القاضي و المرشد و المعلم و المحدث و غيرهم من جميع الأصناف في جميع الشؤون، فله بكل مقام مقال:

لا تقل دارها بشرقي نجد* * * كل نجد للعامرية دار

و لها دمنة على كل رسم‏* * * و على كل دمنة آثار

التاريخ لغة و اصطلاحا و كيف يجب أن يكتب‏

قال المقريزي (رحمه اللّه) في خططه: «التأريخ كلمة فارسية أصلها (ماروز) ثم عربت، قال محمد بن يوسف البلخي في كتابه مفاتيح العلوم:

12

«و هذا اشتقاق بعيد لو لا أن الرواية جاءت به»، و قال قدامة بن جعفر في كتاب الخراج: «تأريخ كل شي‏ء آخره، و هو في الوقت غايته، يقال فلان تاريخ قومه أي إليه ينتهي شرفهم، و يقال و رخت الكتاب توريخا، و أرخته تأريخا، الأولى لغة تميم و الثانية لغة قيس.»

و قال الأستاذ العلامة محمد كرد علي في كتابه خطط الشام، قال العلامة البروتي «التأريخ هي مدة معلومة من لدن أول سنة ماضية كان فيها مبعث نبي بآيات و برهان، أو قيام ملك مسلط عظيم الشأن، أو هلاك أمة بطوفان عام مخرب، أو زلزلة خسف مبيد، أو وباء مهلك، أو قحط مستأصل، او انتقال دولة، أو تبديل ملة، أو حادثة عظيمة من الآيات السماوية أو العلامات المشهورة الأرضية التي لا تحدث إلا في دهور متطاولة، أو أزمنة متراخية تعرف به الأوقات المحددة، فلا غنى عنه في جميع الأحوال الدينية و الدنيوية»، انتهى‏

و كانت العرب تؤرخ بالنجوم، و منه قول الكاتب: تجمعت على فلان كذا ليؤديه، و بكل عام حدث فيه أمر مشهور، فقد أرخوا بالختان لأنهم كانوا قد تهاونوا فيه و عظم عندهم أمره، قال النابغة الجعدي:

فمن يك سائلا عني فإني‏* * * من الشبان أيام الختان‏

و قد أرخوا ببناء الكعبة، و بموت كعب بن لؤي، و بعام الفيل، و استمر ذلك حتى جاء الإسلام و كانت الهجرة، فكان ذلك العام الأول تاريخ هذه الأمة زادها الله شرفا و علوا و أعاد عليها سالف مجدها و هداها إلى منهج الحق و صراطه المستقيم آمين‏

يلوح مما تقدم من مدلول كلمة تاريخ أن معناها التوقيت، و هذا ما يظهر جليا في كتب المتقدمين، فإنه قل ان يجد القارى‏ء فيما دوّنه القدماء في فن التاريخ شيئا في تعليل الحوادث و تحليلها و النظر في اسبابها و عواقبها، أو استخلاص النتائج منها، كما انهم لم يحوموا حول بيان الحالة الاجتماعية

13

و الاقتصادية و كيفية سير العلوم و المعارف و سير الأدب و عوامل العمران و كل ما له علاقة بالأمة، و غاية ما صرفوا فيه عنايتهم أخبار الحروب، و وصف المجازر الدموية، و الملاحم البشرية، و حياة الملوك، و ذكر العزل و التولية، و ما إلى ذلك من الحوادث الطبيعية كهطول الأمطار، و فيضان الأنهار، و أخبار الزلزال و البراكين و نحو ذلك.

و لعل ذلك الداء سرى إلى المؤرخين من مدلول كلمة تأريخ الفارسية التي معناها التوقيت، و لو أنهم عدلوا عنها إلى الكلمة اليونانية (هستوريا) و معناها الرواية و التحقيق لكانت طريقتهم فيما أخال غير ما كان.

و لم تزل هوة البعد عن الحقائق و الغرض الأصلي من كتابة التاريخ تتسع حتى أصبح سلطانه منهار الجرف، منقض الدعائم لطول ما عبثت به أحداث الزمان و أحداث الانسان في عصور الوهم و أزمنة الانحطاط، و صار أسوأ من الأدب حظا، و أنحس منه طالعا، تتلاعب به أدمغة العجائز و ألسنة القصاصين و الممخرقين و المخرفين، محشوة أسفاره بالخرافات و الأكاذيب إلا النادر القليل.

و سواء في ذلك من عني بتاريخ قرن أو حكومة أو قطر، أو من اشتغل بالتاريخ العام، و إنك لتجد كثيرا من المؤرخين و غيرهم يعتبرون المؤرخ «كحاطب ليل»، و منهم من جعل هذه الكلمة تكأة له في سيره المغلوط، فاشتبهت عليه المخارج و الموالج، و اختلط لديه الحابل بالنابل، فجمع الغث و السمين، و مزج الممكن بالمستحيل، وليت الخطب وقف عند هذا المرض القتال، و الداء العضال، و هو مزج الصحيح بالسقيم، و خلط الجائز بالمستحيل، و مجانبة النقد و عدم التمحيص، و لكنه تعداه إلى ما هو أدهى و أمر، و أسوأ حالا مما مر، و ذلك ما أشار إليه الأستاذ المعاصر محمد كردعلي بقوله: «كان المؤرخون بعد القرون الوسطى بين عاملين قويين إما أن يكذبوا فيغضبوا الحق أو يصدقوا فيغضبوا الخلق». و قال العلامة الفيلسوف‏

14

إمام المؤرخين، واضع علم الاجتماع عبد الرحمن بن خلدون‏ (1) (رحمه اللّه) أثناء خطبة كتابه المسمى بالعبر و ديوان المبتدأ و الخبر: «و إن فحول المؤرخين في الإسلام قد استوعبوا اخبار الأيام و جمعوها و سطروها، و في صفحات الدفاتر أودعوها، و خلطها المتطفلون بدسائس من الباطل و هموا فيها و ابتدعوها، و زخارف من الروايات المضعفة لفقوها و وضعوها، و اقتفى تلك الآثار الكثير من بعدهم و أدوها إلينا كما سمعوها، و لم يلاحظوا أسباب الوقائع و الأحوال و لم يراعوها، و لا رفضوا ترهات الأحاديث و لا رفعوها، فالتحقيق قليل و طرف التنقيح في الغالب كليل، و الغلط و الوهم نسيب للأخبار و خليل الخ».

و قال السيد العلامة محمد رشيد رضا (رحمه اللّه): «إن معرفة تاريخ الأمة هو الوسيلة الأولى للنهوض بها و الصعود في مراقي الحياة بين الأمم، و ضرر الجهل و الكذب فيه كضرر الجهل و الكذب في بيان أحوال المريض و أعراض أمراضه للطبيب الذي يعالجه».

فلا بد لكاتب التاريخ إذا من تجري الحقائق، و تمحيص الأخبار، و الابتعاد عن كل ما يشوب وجه الحقيقة من زيادة أو نقصان و مجانبة الهوى و نزعات النفوس، و أن يحكم العقل لا العاطفة عملا بقوله تعالى: وَ إِذا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا مع ملاحظة الحالة الاجتماعية و الاخلاقية و السياسية و كل ماله صلة بحياة الأمة، و في ذلك من المشاق و المتاعب ما لا يفي الكلام بوصفه و لا يدرك كنهه إلا من خاض لجج هذه الأبحاث: «وَ فَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ»، قال بعض مؤرخي الأفرنج: «ليس التاريخ من العلوم السهلة فلأجل يوم واحد يصرف في التركيب ينبغي قضاء أعوام طويلة في التحليل».

(2) و إذا تأملنا فيما دونه كبار المؤرخين القدماء كالطبري و ابن الأثير

____________

(1) هو المفكر الإسلامي العظيم له طريقة لم يسبق إليها في فلسفة الاجتماع و التاريخ.

(2) السنة الثانية المجلد الثاني.

15

و المسعودي و ابن خلدون في تأريخه دون المقدمة و اضرابهم، وجدنا بتلك المؤلفات روعة العلم و جلاله، و لمسنا روح البحث و التحقيق و الاستقصاء و الانقطاع للعمل و الشهوة العلمية لذاتها بارزة و ماثلة.

و لكنها لم تتعد دائرة البحث عن الحالة السياسية، و وصف حركات التجاذب و التغالب بين المتوافدين من الأمراء و الملوك، و ما يتبع ذلك من نزوات و نزعات، و لذا جاءت تلك المؤلفات غير كاملة بالمعنى المراد من التأريخ لأنهم لم يفوا المشكلة التاريخية حقها.

و يمتاز قدماء المؤرخين بسعة الإطلاع و الإحاطة بالجزئيات و الفهم للحقائق و القدرة على التعبير: «و لكنهم لم يقدروا على ربط الحوادث برباط جامع لها». و قد طوع لهم إدراك الجزئيات الإحاطة بشتى الحوادث و ما جرى في السنين من الأحداث، فجمعوا في مؤلفاتهم الكثير الطيب ممزوجا بغيره من دون نقد و تمحيص أو تعليل و استنتاج، فكان من جراء ذلك أن برزت الحقائق محاطة بإطار من الخفاء يعوزها النضوج و الاكتمال، كأنها منجم الذهب يتوقف الحصول عليه على إزالة ما يخالطه من العناصر المتنوعة.

و استمر الحال على ذلك آمادا متطاولة، و طرق التأليف في هذا الفن مشابهة حتى ظهر إمام المؤرخين عبد الرحمن بن خلدون (رحمه اللّه) في القرن الثامن الهجري فعني بالتأريخ عناية خاصة و اعتبره جزءا من الفلسفة و لكن هذا الجزء ينبغي ألا يعنى بشي‏ء سوى تقرير الحوادث و العمل على كشف ما بينها من اقتران الشي‏ء بسببه على أساس النقد البري‏ء من التشيع و الهوى.

و أكبر قواعد البحث التاريخي هي أن الحوادث يرتبط بعضها ببعض ارتباط العلة بالمعلول‏ (1).

و قد أطال في مقدمته الكلام على هذه المباحث، و أثبت فيها القوانين‏

____________

(1) راجع تاريخ الفلسفة في الإسلام و مقدمة ابن خلدون.

16

العامة و الأسس الأولية للمقايسة و التمييز و ذلك بالإمكان، و المقايسة و الاستحالة، فمقارنة الماضي بالحاضر تعطينا قانون التشابه، و قياس الأخبار على أصول العادة، و طبيعة العمران يعلمنا قانون الإمكان و الاستحالة.

و من المؤسف ان هذا الفيلسوف الاجتماعي العظيم لم ينتفع المسلمون بمبتكراته في علم الاجتماع و فلسفة التاريخ لتأخر زمانه عن زمن النهضة العربية الإسلامية، و ظلت آثاره آنفا لم يمط عنها اللثام إلى أن شرع الغرب في النهوض.

أما من تقدمه من مؤرخي المسلمين فإنه بالرغم عن مقدرتهم العالية، و ملكتهم الكتابية، و نزاهة مقاصدهم، و اتساع الفكر الإسلامي العربي و حريته في أيامهم، نجدهم فيما نقلوه عن غيرهم قد تجنبوا النقد أو تهيبوه تقديسا للرواية أو لعلة أخرى، و قليل منهم من أتى بشي‏ء جديد، أما ما يتعلق بأزمنتهم فلم يبعدوا عن الأسلوب المذكور أولا.

على أن بعضهم قد تأثر بالنزعات الدينية و العصبية القومية و المذاهب السياسية إلى أمد بعيد فظهرت مؤلفاتهم في ثوب شفاف ينم عما تحته من سلطان الهوى و حكم العاطفة.

كما أن بعضهم لم يتورع عن خدمة الأغراض السياسية و المقاصد الشخصية، و جعل البحث التاريخي شبكة لصيده، و مطية لنزوات روحه، و لا سيما أيام كانت السياسة تركض وراء الألسنة القوية، و الأقلام السليطة لتستفيد من نصرتها، و تعتز بشهرتها، ليتم لها احتكار السلطة في اشخاص القائمين بها، و صرف البلاد و العباد عن التفكير المثمر و العمل النافع، إلى ما يعود بالمجد الأجوف و الخير المزعوم، و قد سجل التاريخ من أعمال الفريقين ما يندى منه الجبين.

و صفوة القول أن هذا الفن لم يوله أربابه الأكفاء حقه من العناية كسائر الفنون: «و لم يمحصوا أخبارهم الموروثة تمحيصا دقيقا، و مع هذا فقد كان‏

17

الكثيرون يعولون عليها تعويلهم على المشاهدة، و كانوا يرجحونها على حكم العقل لأنه قد يسهل أن يسلم بنتائج غير صحيحة».

و كان بين المؤرخين دائما قوم يذكرون مختلف الروايات من غير تشيع، و كان آخرون مع ما أظهروا من مراعاة لمطالب الحاضر لا يترددون في الحكم على الماضي أحكاما يتفاوت حظها من الصحة، و كثيرا ما يسهل على الإنسان أن يصيب في حكمه على الحوادث الماضية أكثر مما يسهل عليه الحكم على شؤون العصر الذي يعيش فيه» (1).

و قد أنتج الفكر العربي عند ما استبحر في العمران، و اتسع نفوذه، و ازدادت معارفه قسما من أقسام التاريخ تفنن فيه تفننا يفوق الوصف، و بلغ فيه مبلغا من الاتقان لا يدرك شأوه، و استعمل فيه النقد و التمحيص إلى أبعد حدوده و ذلك فن التراجم.

فإنه اتسع نطاق التأليف و المؤلفين فيه و ذهبوا في الجودة و الافتنان كل مذهب، فقسموا كتبه إلى خاصة و عامة، و بذلوا عناية كبرى في تتبع أحوال عظماء الرجال، و آثارهم و كل ما يحيط بحياتهم و يلابسها من خير و شر، و فضل و نقص، و تعمقوا في مسايرة حياة من ترجموا لهم و تأثروهم خطوة خطوة. و لشدة عنايتهم بفن التراجم جعلوا المؤلفات العامة للنابهين في أي فن كان، و الخاصة لمن نبغ في فن مخصوص كالنحاة و الأطباء و الكتاب و الشعراء و الفقهاء و المتكلمين و الحجاب و الوزراء و الزهاد و المتصوفة و الأدباء و المغنّين و نحوهم.

فكانت هذه الكتب القيمة من أغزر الموارد في الأدب العربي، و أروع الآثار في التاريخ، لأنها تدلنا على كثير من الفوائد التي لا وجود لها إلا في التراجم، و لولاها لا فتقدنا حلقات من تاريخنا لا يكمل وجوده بدونها، و كان‏

____________

(1) راجع تاريخ الفلسفة في الإسلام.

18

لها الفضل أيضا في تبيان ما طواه التاريخ السياسي و أهمله من شؤون الحياة العلمية و الأدبية و الدينية و الأخلاقية، و ما يتصل بذلك من آراء و أفكار و معارف و فنون.

و لما تدهور الأدب العربي قلت براعة الكتاب في ذلك، و أصاب تلك الناحية ما أصاب غيرها من فنون الآداب، و كأن بعض المؤرخين استشعر نقص الناحية الأولى من التأريخ فعمد الى الجمع بين الحوادث و التراجم فجاءت مؤلفاتهم: «كجونية العطار».

و مما هو جدير بالذكر هنا لعلاقته بالموضوع الإشارة إلى عناية العرب العظيمة بعلم الجغرافية، و البحث عن شكل الأرض و ظواهر الطبيعة و معرفة الأقاليم و خطوط الطول و العرض و تقسيم المناخ إلى مناطق، و الفحص عن أحوال الأمم و طبائع الشعوب، و إجالة الفكر في كل ما يصلح أن يجول فيه عملا بهداية القرآن: وَ مِنْ آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ اخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَ أَلْوانِكُمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْعالِمِينَ‏.

و اهتمامهم الكبير بالبلدان و ضبط أسماء المدن و القرى و الجبال و الأنهار و الأودية و الطرق و المسافات و محطات البريد، و تكبدهم الرحلات الشاقة و الأسفار الطويلة في سبيل البحث و التنقيب عن كل ما يتعلق بهذا العلم من حقائق تستأهل التخليد و التسجيل، و تأليفهم في ذلك المؤلفات النفيسة الممتعة ككتاب الجاحظ عن البلدان، و معجم ياقوت الرومي الحموي، و صفة الجزيرة العربية للهمداني اليمني، و رسالة فيلسوف العرب أبو يوسف يعقوب بن اسحاق الكندي، و جغرافية عبد الله بن خرداذبة، و المقدسي، و محمد بن رسته، و أمثالهم.

كما أن إليهم يرجع الفضل أيضا في تخطيط الخرائط. و وضع التقارير الضافية عن رحلاتهم البعيدة كما يفعل الغربيون اليوم.

و أقدم أثر عربي عثر عليه في تخطيط الخرائط كتاب أبي زيد البلخي،

19

أحد تلامذة الفيلسوف الكندي، عنى فيه بوجه خاص بالخرائط، فصور العراق في زمانه سنة 309 ه بخريطة جعلها ياقوت الحموي دليله في رحلته كما نوه به في كتابه: إرشاد الأريب.

و كذلك فعل الشريف محمد الادريسي في كتابه: نزهة المشتاق في اختراق الآفاق، و هو من أجل الكتب الجغرافية و أنفسها، و به خريطة للبلاد المصرية و كان تأليف الكتاب المذكور بعناية (روجر الثاني) ملك صقلية و تايلي منتصف القرن السادس.

و المستبصر في تاريخه لجزيرة العرب صور فيه أهم مدن الحجاز و اليمن في أيامه، و ذكر طرقها و تاريخ اختطاطها، و مقدار المسافات إليها.

و من أمثلة تقارير سواح المسلمين تقرير احمد بن فضلان سفير المقتدر العباسي في بلاط ملك البلغار سنة 309 ه ذكر فيه أحوال البلاد الطبيعية و عادات السكان و أخلاقهم و تقاليدهم باسلوب ممتع أورده ياقوت في معجمه.

و تقرير إبراهيم بن يعقوب احد تجار المغرب عن رحلته إلى أوربا و المانيا، و أبو دلف مسعر بن مهلهل عن الهند و تركستان و أبو الريحان محمد بن أحمد البيروني عن الهند أيضا.

و القاضي الحسن بن أحمد الحيمي الصنعاني، سفير الإمام المتوكل على الله إسماعيل بن الإمام المنصور بالله القاسم بن محمد، إلى ملك الحبشة وصف فيه حالة البلاد الطبيعية و السياسية و بلاط ملك الحبشة، و ما كان يحتوي عليه من دسائس الرؤساء و القواد و نحو ذلك.

(1) تلك نظرة إجمالية و كلمة عامة عن المصادر التاريخية العربية كان إيرادها لبيان ما يعترض الباحث أو المؤرخ من عقبات في تاريخنا القديم على جهة

____________

(1) الحكمة: العدد 10، السنة الثانية، المجلد الثاني، شعبان 1359 ه (سبتمبر/ اكتوبر 1940 م) ص 295- 301.

20

الإجمال، و في المثال ما يغني اللبيب، و ذلك كله و المصادر التاريخية للأمة أو البلدة التي يريد البحث عن أحوالها متوفرة، و المراجع التي يستنبط من منابعها بحوثه، و يستقي من مناهلها نصوصه غنية، و الطرق الموصلة الى الغاية معبدة أو قريبة (1).

و لكن قل لي بربك أيها القارى‏ء ما ذا يقول الباحث المفكر المنصف الخبير بمشاق البحث و متاعب الطلب، إذا وقف أمام التاريخ اليمني و أبحاثه الغامضة و فصوله المبعثرة بين مئات المجلدات و آلاف الصفحات؟ و بما ذا يحكم إذا عرف أن طريق البحث متعرجة ملتوية ذات أدغال و سلسلة جبال و عرة المسالك، و أن السالك فيها لعلى قلت إلا ما وقى الله؟

لا شك أنه يعذر الكاتب في تقصيره، و يرضى منه بميسوره، و يوسعه العذر، و يقابله بمزيد الشكر، و أيم الله إنه لشي‏ء عسير «يضل فيه الخريت» و يحار فيه الحكيم». و قديما اضطربت أفكار المؤرخين في أمره، كما احتار من بعدهم في قصصه و أخباره، ففي سبيل الله ما يلاقي الباحث في تاريخ اليمن.

غير أنه لما كان من الواجب المحتم على كل فرد وهبه الله حظا من العلم، و نصيبا من الادراك، و قسطا من المعرفة (297) القيام بواجب الشكر، و شكر كل نعمة بحسبها، و كنت ممن أفنى السنين الطوال، و شغل فراغ أيامه منذ الحداثة إلى زمن الكهولة، في البحث و التنقيب و الدرس‏

____________

(1) و ما أصدق ما قال الكاتب الكبير الأمير شكيب ارسلان في مقدمة كتابه تاريخ غزوات العرب في هذا الشأن، و لا ينبئك مثل خبير، قال: «و لعمري ان هذا التاريخ المجيد و إن سقته سيول المحابر، و اخضرت له أعواد المنابر، و سبقت فيه تآليف استولى اصحابها على الأمد اخراجا، و لمعت فيه كتب لو لاحت لكانت بروجا، و لو نضدت لكانت ابراجا، لا تزال فيه نواقص بادية العوار، و معالم طامة الآثار، و مظان متوارية غامضة، و معلومات قاعدة غير ناهضة تحتاج إلى همم بعيدة من الأفواج الآتية ليثيروا من دفائنها و معارف واسعة عند السلائل للقبلة ليتقلوا من كنائنها).

21

و التنقير عن علم التاريخ، و ما بصحائفه من عبر و عظات، و من بين تلك الأسفار ما يخص اليمن المبارك، «مجر عوالينا و مجرى السوابق»، أحببت أن أقوم بذلك الواجب بعد أن بذلت الوسع، و استفرغت الجهد في جمع الشوارد، و قيد الأوابد، و استقراء النصوص، و تتبع الأدلة حسب الإمكان.

و قد راعيت أمانة النقل، و واجب العلم فيما احتجيت به من كلام الغير، و أبحت القراء من عقلي و نفسي ما أبحتهم من عقول و نفوس من نقلت عنهم، فلم أكتف بنقل ما قالوه و جادت به عقولهم من دون أن أبدي رأيي، و لا سيما فيما تضاربت عنده الأفكار، و اختلفت فيه الروايات، فإني لم أقف هنالك وقوف المشدود الحيران، بل تقدمت و محصت بقدر ما أستطيع، (مَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتاهُ اللَّهُ)، و من الله استمد التوفيق، و هو حسبي و نعم الوكيل.

و سأبتدي بذكر حضارة اليمن و أقوال المؤرخين في ذلك.

اليمن مهد الحضارة البشرية

اليمن الخضراء أو اليمن السعيد (1) ذات المروج الخضراء، و السهول الممرعة، و الهضبات الخصبة، و الجبال الشاهقة، و الينابيع الفياضة، و الأنهار المتدفقة، و الأسداد المحكمة، و الآثار الخالدة، مشرق شمس الحضارة، و مطلع أفلاك المدنية، مركز النبوغ و معهد الثقافة، مهد الإنسان الأول‏ (2) و أقدم بلدان المعمورة رقيا، و أروعها مدنية، و أعظمها عمرانا،

____________

(1) قال المؤرخ المعاصر الدكتور اسرائيل و لفنسون: «يعتقد جلاوز أن كلمة العرب السعيدة عن اليمن إنما هي ترجمة حرفية لكلمة اليمن باليونانية لأنها مأخوذة من اليمن و البركة، لا كما يعتقد المستشرقون أن هذا اللفظ من اختراعات اليونان، هذه ملاحظة دقيقة و تعارض النظرية التي تقول بأن كلمة اليمن تعني ناحية اليمين، كما أن بلاد الشام من ناحية الشمال.

(2) عن ابن قتيبة في كتاب المعارف.

22

تحت سمائها الصافية و على أديمها المنبت، و في مروجها النضرة مرحت أبطال الحروب، و عباقرة الفنون، و مهرة الرسامين، و نوابغ الصناع، و تركوا من نتاج عبقريتهم و آثار نبوغهم معاول الدهر، و فل شباء القرون.

و لم تزل بعض تلك الآثار جاثمة كالخلود، تمثل لرأيها أجيالا من ملوك حمير و سبأ و معين و الأذواء، و ينشد لسان حالها قبل سؤالها:

تلك آثارنا تدل علينا* * * فانظروا بعدنا إلى الآثار

و ما عليك أيها الباحث إلا أن تقف قليلا بطلولهم الدوارس، و رسومهم الطوامس، بمعين، و براقش، و الحمراء، و صرواح، و سبأ، و ناعط، و ظفار، و بينون و غمدان كي تناجيك آثارهم، و تخبرك مآثرهم من نقوشهم المطلوسة على الأحجار، و بقية أطلالهم الثابتة على كر الأعصار، أنهم أساتذة العالم في تلك العصور، فان بقية ما أسارته الأيام من القصور و الهياكل و المدن و المعابد لا يزال قريبا، مما كان، و الكثير منها سطا عليه الزمان، فلم يبق منه غير العنوان.

طلل عند دمنة عند رسم‏* * * ككتاب محا البلا عنوانه‏

من رآها هذي ملوك ال* * * دهر هذا و قارهم و الرزانة

و بقيا هياكل و قصور* * * بين أخذ البلى و دفع المتانة

ثم تندس ذلك القلم المسماري و الخط الهيروغلوفي وردد الطرف في آثار الأمم التي نالت حظها الكامل من الحضارة في تلك القرون، تجد المشابهة الكاملة، و المشاكلة التامة، شبه الماء بالماء و الغراب بالغراب، و حينئذ لا يسعك إلا الجزم بوحدة الأصل و التسليم بما قضت به أساطين البحث و رجال التاريخ و علماء الاجتماع و غواة الآثار من أن تلك الأنوار التي أنارت الشرق و الغرب قبس من هذه النار، فإذا عرفت ذلك فما عليك إلّا أن تنشد بمل‏ء فيك.

23

الملك فيك و في بنيك و أنه‏* * * حق من الآباء للأحفاد

و أمانة التاريخ في أعناقهم‏* * * من عهد بابل يوم نهضة عاد

و ذوي حمورابي و آل سميذع‏* * * و بني معين و حمير و أياد

و فيما تكاثفت عليه ظلمات الأعصار، و طمرته أتربة النسيان، و غمرته سواقي الزمان، و زوابع الطغيان، و لم يبق منه غير (نوء مثل خط بالقلم). من ذلك الماضي المشرق، و الشرف المؤنق، و الفخر التالد، و ما يشبع رغبات الباحثين، و سد فراغ الخزائن، و يسدي إلى التاريخ و الإنسانية أعظم منه.

فمما لا شك فيه أن اليمن كانت لها حضارة موغلة في إثباج الماضي، و أنها سبقت مدنية الإ غريق و الرومان في تشييد الصروح و القصور و المعابد و تجميلها بالزخارف و النقوش و التهاويل، و أن سبأ و مأرب كانتا محط رحال النوابغ، و مثابة لرجال الفنون كالبنائين و الحفارين و المصورين، و ان فن العمران بها كان قد سبق زمن (اقليدس) أستاذ الهندسة الأكبر كما يستفاد ذلك من أطلالها التي تدل بنقوشها أنها كانت قبل أن يعرف العالم أقليدس‏ (1).

كانت اليمن و عرف وجودها قبل أن تشاد بيوت النيران، و معاقل الأوثان، و بيع الصلبان، و أديار الكهان، قبل أن يبني خوفو (2) هرمه العظيم، و يؤسس سرجون‏ (3) الأول دعائم ملكه بالبحر المتوسط و جزر اليونان، و يخرج موسى ببني إسرائيل من أرض الفراعنة: كانت شريعة

____________

(1) اقليدس ابو الهندسة و مؤسس مذهب البحث العلمي و إليه يرجع الفضل في جعل عصر سيدة بطليموس سوتر، عصر نفوذ رياضي عظيم، و بطليموس هو مؤسس دولة البطالسة في مصر بعد الاسكندر سنة 323 قبل الميلاد.

(2) خوفو من الملوك الفراعنة الذين بلغت مصر في عهدهم شوطا بعيدا في المدنية.

(3) سرجون الأول الآشوري أول من أسس ملكا ساميا كبيرا في أرض باجل سنة 2800 ق. م.

و امتد نفوذه إلى البحر الأبيض المتوسط و انتقل إلى الجزر اليونانية، و سيأتي الكلام على الآشوريين عند ذكر الهجرات القديمة.

24

«حمورابي» (1) أول شريعة عرفها البشر و نظام سنة الإنسان، و اليمن تنظر إليه بعين الإعجاب لأنه فرع من دوحتها العظيمة، و غصن من شجرتها الباسقة، و ذلك قبل أن ينشر بوذا (2) تعاليمه على ضفاف الكانج بقرون.

نقل المؤرخ الشهير استرابون اليوناني أن الإسكندر الكبير كان قد اختط خطة قبل موته، قصاراها أنه يريد نقل عاصمة ملكه من الهند إلى اليمن، و ذلك يدل على ما كان لهذه القطعة المباركة من مكانة في نفس ذلك الفاتح العظيم، و قديما اطلق عليها الرومان و الفرس و اليونان اليمن السعيدة، و الجزيرة الخضراء، و وصفها مؤرخوهم بما يعجز القلم عن وصفه.

عرفت اليمن و عرفت حضارتها الرائعة و عمرانها الزاخر، و علومها المنتجة، و فنونها الجميلة، قبل أن تعرف أي مدنية على وجه الكرة الأرضية، ثم كانت مدنيات موغلة في القدم كالمدنية الكلدانية و الآشورية و الكنعانية و الفرعونية، و الفينيقية، و في بعض بقاع المعمورة كالهند، و الصين، و ما تلك إلا قبسات نور إنبثق من هذه البلاد كما سيمر بك قريبا:

مشت بمنارهم في الأرض روما* * * و من أنوارهم قبست أثينا

قال الكاتب العلامة الأمير شكيب أرسلان في تعليقاته على ابن خلدون ما لفظه: (كانت للعرب مدنية لا سيما في اليمن في غاية الإرتقاء و الإزدهار في نحو الألف السنة قبل المسيح)، و يذهب الأستاذ المستشرق «موريتز» الألماني إلى أن أصل إيجاد الكتابة بالحروف بعد الكتابة الهيروغلوفية كان في اليمن، و هو يعتقد أن اليمانيين هم الذين اخترعوا الكتابة و ليس الفينيقيون هم الذين اخترعوها كما هو الرأي المشهور، و قد أفضى موريتز إليّ بأدلة على هذا الرأي و قال إن الفينقيين إنما بنوا كتاباتهم على الكتابة العربية اليمنية، ثم‏

____________

(1) من الاسرة الكنعانية التي ملكت بابل بعد الآشوريين حوالي سنة 2300 ق. م.

(2) ظهر بوذا في القرن الحادي عشر قبل الميلاد، و قيل إنه كان عايشا في القرن السادس أو السابع قبل المسيح.

25

أن اليونانيين أخذوا الكتابة عن الفينيقيين و أخذ عنهم الرومانيون، فيكون العرب هم الذين أوجدوا الكتابة في العالم، و بهذا الاعتبار هم الذين أوجدوا المدنية.

و نقل عن المستشرق «هرمل» نقلا عن الانسيكلوبيدية «دائرة المعارف الاسلامية أن اليونان أخذوا عبادة «أبولون» و أمه «ليوتو» عن العرب، و قال «روبيرتسون سميث» أن «ليوتو» هذه هي اللات، و أن اليونانيين بحسب رأي بريتوريوس أخذوا بعض أحرفهم عن كتابة عرب اليمن و البعض الآخر عن الكنعانيين.

و قال هومل أن جنوبي بلاد العرب كانت فيه مدينة في أوائل الألف قبل المسيح بالغة الحد الأقصى من الازدهار بما تركته من معابد و حصون و محافد و قصور و مكتبات.

(1) فاليمن إذن مهد الديانات و وطن الأساطير، عانقت الصابئية الأولى، و احتضنت المجوسية، كما حمت الوثنية و تغلغلت في جنباتها اليهودية، و ربت فيها المسيحية: دحرت الرومان، و قهرت الغزاة، و لفظت الأحباش، و هضمت الفرس، و خرجت من معارك الدهر و صراع القرون عربية إسلامية «وَ الْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَباتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ».

فانها لم تلبث الوثنية أن خنست، كما تخاذلت المسيحية، و انكمشت اليهودية، كما تراجعت المجوسية، و أصبحت هذه القطعة المباركة وزر الأمن، و معتصم السعادة، منبع الحكمة، و مقر الإيمان، و المحل الذي منه يأتى نفس الرحمن، كما أخبر بذلك من لا ينطق عن الهوى (صلى الله عليه و سلم) القائل: (الإيمان يمان و الحكمة يمنية)، هكذا صح عن سيد ولد آدم‏

____________

(1) الحكمة: العدد 11، السنة الثانية، المجلد الثاني، رمضان 1359 ه (اكتوبر/ نوفمبر 1940 م) ص 328- 333.

26

رجل العالم (صلى الله عليه و سلم) قبل أربعة عشر قرنا، قبل عصر البخار و الكهرباء و استنطاق الجماد، و حل الرموز و قراءة النقوش، و معرفة الآثار، قبل أن يعثر كريستوف كلمب على أمريكا بألف سنة قال سيد قريش «الحكمة يمانية».

و هناك طوت سجل الماضي، و قامت بحمل راية الفتح لإسلامي، فأنجبت من أبطال الحروب، و كبار القواد، و أفذاذ الحكماء، و نوابغ الشعراء، و مشاهير العلماء، عداد نجوم السماء.

شهد الخلائق أنها لنجيبة* * * بدليل من ولدت من النجباء

هب رجال اليمن لنشر راية التوحيد خفافا و ثقالا، و احتملوا أبناءهم و أزواجهم و نزحوا إلى الطرف الأقصى من ديار الإسلام، و هنالك في أرض الهجرة دافعوا دفاع الأبطال، و اقتحموا الأهوال، و صابروا و صبروا و قاتلوا حتى ظفروا باحدى الحسنيين‏ (1)

بعد أن ملؤا العالم قديما، و أخذوا إمرة الأرض اغتصابا، و استولوا على الممالك أحقابا، و تسلموا زمام الحياة المادية و المعنوية دفعا و انتزاعا، بمالهم من صفاء العقول، و مضاء العزيمة، و شدة البأس، و عظمة المجد، و كرم الأعراق، فقد كانوا أعجوبة الحياة بكل مظاهرها، و للّه علامة اليمن نشوان بن سعيد حيث يقول:

قومي الذين تملكوا و تمكنوا* * * في الأرض قبل تمكن الاسكندر

الخاتمون لسد يأجوج الذي‏* * * لا يستطاع لردمه من مظهر

و الضاربون الهام في يوم الوغى‏* * * بين الصوارم و القنا المتكسر

____________

(1) خرجت الموجة الأخيرة اليمنية لفتح مملكتي فارس و الروم في أيام أبي بكر الصديق رضي الله عنه، قال الواقدي أن أبا بكر قال لعلي بن أبي طالب (كرم الله وجهه) يا أبا الحسين أما سمعت رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) يقول إذا أقبلت حمير و معها نساؤها و أولادها فابشروا بنصر الله على أهل الشرك، قال نعم‏

27

و لكم لحميركم و كم من مفخر* * * باق إلى ميعاد يوم المحشر

لا شك أن أهل اليمن بلغوا مبلغا (230) عظيما في الملك، و اتسع نفوذهم، فشملت معارفهم و حضارتهم كل ما استولوا عليه من الأقاليم و البلدان، لأنهم وصلوا إلى ما لم تصل إليه مدارك الأمم في تلك العصور كما تدل عليه آثارهم.

و لا سيما بمدينة سبأ الشهيرة، و مأرب حيث كانت أعظم مدينة في ذلك الزمن، فيها من المعابد و القصور و الحدائق و أنواع طرف المدنية ما يشهد لها بالسبق، و لأطلالها اليوم من العظمة و الجلال ما تتضاءل أمامه عظمة المدائن، و يصغر بجانبه ملك كسرى و قيصر، و حسبك ما وصفها به القرآن الكريم قال تعالى: لَقَدْ كانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتانِ عَنْ يَمِينٍ وَ شِمالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَ اشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَ رَبٌّ غَفُورٌ.

و قوله تعالى حاكيا عن هدهد سليمان (عليه السلام) في وصفه عرش بلقيس و ملكها: إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَ أُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْ‏ءٍ وَ لَها عَرْشٌ عَظِيمٌ‏.

قال العلامة شكيب أرسلان: «على أن مؤرخي الأفرنج يعترفون بأن في كتب مؤرخي الإسلام عن مدينة سبأ القديمة و الأدوار التي تلتها تنطبق أشد الانطباق على الكتابات المنقوشة في الحجر و على المنابع اليونانية و الرومانية، و كلها تفيد أن مدينة سبأ كانت راقية جدا، و أرقى من المدنيات العربية الأخرى، فالمباني القديمة الدائرة من آثار سبأ، و النقوش و التماثيل و بقايا الأعمدة و الهياكل و القصور و الأسوار و الأبراج و سدود المياه، مما شاهده سياح الأفرنج بأعينهم، يطابق أشد المطابقة الأوصاف التي وصف بها اليونان و الرومان تلك الآثار المدهشة و لا يجدون فيها مبالغة، كما أنه عند ما ينظر السائح إلى تلك الآثار لا يعود متعجبا مما جاء عنها في كتب الإسلام، مما كان يظنه من أساطير الأولين، و حسبك بما ذكره الهمداني من قصر غمدان‏

28

و غيره من قصور سبأ مثل قصر سلحين و بينون، و ما ذكره من عظمة سد مأرب، و ما كتبه مؤرخو اليونان و الرومان عن فخامة تلك القصور و هاتيك الأسداد و القلاع، فهو مطابق للمحسوس المشهود بالعيان» اه.

و قد جاء وصف مدينة سبأ عن كثير من قدماء المؤرخين غير العرب قال «أغاثر سيدس»: أنه كان يوجد في سبأ كل شي‏ء يجلب السعادة لبني آدم، و غير المحصولات المشهورة يوجد فيها اللبان و المر و القرفة، و كانوا يطبخون مأكولاتهم بالأخشاب ذات الروائح الذكية، إلى أن قال: دعائم بيوتهم تلمع بالذهب و الفضة، و أبوابهم من العاج مزينة بالجواهر و باطنها يشبه خارجها، إلى آخر كلامه الذي يدل على أنهم وصلوا إلى ما لم تصل إليه حضارة نيويرك و باريس و لندن اليوم و لا روما و أثينا و بيزنطة و الاسكندرية في العصور الغابرة».

و نقل جرجي زيدان عن استرابون الرحالة اليوناني، أن مأرب كانت في زمانه مدينة عجيبة، سقوف أبنيتها مصفحة بالذهب و العاج و الحجارة الكريمة، و فيها من الآنية الثمينة المزخرفة ما يبهر العقول. و قال المستشرق (نيولد نيكلسون) الانقليزي في كتابه تاريخ العرب الأدبي: سبأ تستعمل غلطا إذا قصد بها كل بلاد اليمن على حين لم تكن سوى أقليم منها، و ان كانت بلا جدال أقوى شكيمة و أعظم أهمية من كل الممالك و الاقاليم التي ورد ذكرها في كتابات الأغريق و الرومان القدامى، و مهما بولغ في عظمتها و ثراها فمن المحقق أن سبأ هذه كانت ذات مركز تجاري ممتاز قبل ظهور المسيح بعدة قرون.

و جاء في الأنسيكلوبيدية الاسلامية (دائرة المعارف) أنه لا مبالغة فيما نقلوه من أن أبواب منازل سبأ و جدرانها و سقوفها و أعمدتها كان منها الكثير مموها بالذهب و الفضة، مرصعا بالحجارة الكريمة، و أن آنيتهم كانت مصوغة من أنفس المعادن، و هذا ما ذكره الهمداني و المسعودي و غيرهما من مؤرخي‏

29

العرب، و ما أيدته الكتابات الصخرية نفسها فيما ترويه عن التقادم العظيمة من الذهب و الفضة و نفائس الأحجار، و قد وجد كثير من المسكوكات السبئية و من الحلى تؤيد أيضا روايات الرواة من كل قبيل اه (1).

و قد علل بعض الباحثين وجود المدنيات بعلل شتى، منها طيب المناخ، و كثرة المياه أو المعادن، و منهم من يعزوها إلى غرائز اختصت بها بعض الأجناس البشرية، و صفات جادت بها الطبيعة على بعض الشعوب دون بعض، و كل ذلك متوفر في هذه البلاد و أهليها.

فمن الذي يجهل ذكاء أهل اليمن الفطري، و نبوغهم العجيب و نشاطهم، و ما في طباعهم من الوجدان، و نفوسهم من الحماسة، و تلك بلا شك من أكبر عوامل النبوغ و التقدم. و في تاريخهم الغابر كنوز لا تقدر بثمن محفوفة بسياج جلالة العلم، و طرازه القوة، و أسراره الذكاء و الفطنة، فكل حجر أقيم، و كل تمثال نحت، و كل نقش خلد، هو صفحة الخلود، أما من غمرت عبقريتهم أتربة النسيان، و طمست معالم خلودهم حوادث الأيام، فلم تتصل بسمع التاريخ فهم أكثر.

و أما خصب التربة، و بركة الأرض، و كثرة الإنبات، وجودة الهواء، و إعتدال الطقس فأشهر من نار على علم، قال بعض المؤرخين‏ (2): إن مأرب كانت في بهاء، مشاهدها الطبيعية على شاكلة مدينة دمشق، يجري في وسطها نهر عظيم تجتمع إليه المياه المنحدرة من أعالي الجبال، فيتألف من هذه السيول الجائشة بحر شديد الاغتلام، يفيض مرة في العام على المراعي و الحقول فلا يذر فيها حسنا، و لا يستبقي من روائعها روعة، و بذلك أصبحت مرتادا للملوك و الأمراء، يرتادونه في فصل الصيف القائظ للترفيه عن أنفسهم، و في قوله تعالى: (بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَ رَبٌّ غَفُورٌ) ما لا يحتاج إلى مزيد.

____________

(1) تعليقات الأمير شكيب على ابن خلدون.

(2) هو الاستاذ المعاصر معروف الارناؤود في كتابه سيد قريش.

30

(1) ألمعنا فيما سبق من أعداد (الحكمة) إلى عظمة اليمن التاريخية، قيل في حضارتها القديمة، و نقلنا ما جاء في وصف تلك المدنية عن قدماء المؤرخين من غير العرب كاليونان و الرومان و الفرس و نحوهم و كلهم أدلة متظافرة على تقدم المخترعين لتلك المدنية في الآداب و المعارف و تعمقهم في أسرار الطبيعة و ما خفى من أمرها، و بذلك يسهل الحكم بأن اليمن مهد الحضارة، و أن مدنيتها من أقدم ما عرفه التاريخ.

قال العلامة ابن خلدون (رحمه اللّه) في مقدمته عند الكلام على العرب و بعدهم عن الصنائع لتوغلهم في البداوة ما لفظه، و أما اليمن و البحرين و عمان و الجزيرة و إن ملكه العرب إلى أنهم تداولوا ملكه آلافا من السنين في أمم كثيرة منهم، و اختطوا أمصاره و مدنه و بلغوا الغاية من الحضارة و الترف مثل عاد و ثمود (38) و العمالقة و حمير و من بعدهم من التبابعة و الأذواء إلخ ...

و قد لحظ هذه الحقائق كتاب التاريخ الإسلامي كالمسعودي في كتابه مروج الذهب، و ابن هشام في كتابه المسمى بالتيجان، و الهمداني في الإكليل، و غيرهم ممن كتبوا عن التأريخ القديم، كل أولئك قص علينا من أخبار حمير، و عظمة ملكهم، و سعة ما استولو عليه من الأقاليم و الأمم كالصين و الهند و الترك و البربر و نحوهم إلى ما يدعو إلى الدهشة و الارتباك.

و إليك ما رواه نشوان بن سعيد الحميري للربيع بن ضبع الفزاري في كتابه شمس العلوم، عند الكلام على ظفار، قال: و للربيع بن ضبع:

و قل في ظفار يوم كانت و أهلها* * * يدينون قهرا شرقها و المغاربا

لهم دانت الدنيا جميعا بأسرها* * * يؤدي إليهم خرجها الروم دائبا

و غمدان إذ غمدان لا قصر مثله‏* * * زهاء و تشييدا يحاذى الكواكبا

____________

(1) الحكمة: العدد 2، السنة الثالثة المجلد الثالث، ذي الحجة 1359 ه (ديسمبر 1940/ يناير 1941 م) ص 37- 43.

31

و أرباب بينون و أرباب ناعط* * * خلا ملكهم منهم فأصبح عازبا

و مأرب إذ كانت و أرباب مأرب‏* * * توافي جباء الصين بالخرج مأربا

فمن ذا يرجى الملك من عبد حمير* * * و يأمن تكرار الردى و النوائبا

أولئك مأوى للنعيم كفاهم‏* * * و لكن وجدنا الخير للشر صاحبا

و قد أبطل هذه الروايات ابن خلدون في مقدمته، وعدها من أغلاط المؤرخين، و أطال في نقد كل رواية جاءت بغزو حمير لأمم الشرق أو الغرب، و علل امتناع ذلك بعلل جغرافية و أخرى إدارية و سياسية، و لكنه وقع فيما أنكره على غيره، و لا أقول كما قال فيه بعض المستشرقين من أنه قليل الثبات على و تيرة واحدة، و إليك ما قاله في نقد أقوال المؤرخين أولا، قال:

(و من الأخبار الواهية للمؤرخين ما ينقلونه كافة في أخبار التبابعة و ملوك اليمن و جزيرة العرب من أنهم كانوا يغزون من قراهم باليمن إلى أفريقيا و البربر من بلاد المغرب و أن افريقش بن قيس بن صيفي من أعاظم ملوكهم الأول، و كان بعهد موسى (عليه السلام) أو قبله بقليل، غزا أفريقيا و أثخن في البربر، و أنه الذي سماهم بهذا الإسم حين سمع رطانتهم، و ما قال: ما هذه البربرة الخ.

ثم ذكر رواية المسعودي أيضا من أن ذا الأذعار من ملوكهم غزا المغرب و دوخه، إلى أن قال: «و كذلك يقولون في تبع الآخر من أنه ملك الموصل و أذربيجان، و لقي الترك و هزمهم، و أثخن، ثم غزاهم ثانية و ثالثة، و أنه بعد ذلك أغزى ثلاثة من بنيه بلاد فارس و الصغد و الصين، إلى أن قال: و هذه الأخبار كلها بعيدة عن الصحة، عريقة في الوهم و الغلط و أشبه بأحاديث القصص الموضوعة و ذلك أن ملك التبابعة إنما كان بجزيرة العرب و كرسيهم صنعاء، و جزيرة العرب، يحيط بها البحر من ثلاث جهاتها، فبحر الهند من الجنوب، و بحر فارس الهابط منه إلى البصرة من المشرق، و بحر السويس الهابط منه إلى السويس كما تراه في مصور الجغرافيا، فلا يجد السالكون من‏

32

اليمن الى المغرب طريقا من غير السويس، و المسلك هنالك ما بين بحر السويس و البحر الشامي قدر مرحلتين فما دونهما، و يبعد أن يمر بهذا المسلك ملك عظيم في عساكر موفورة من غير أن تصير من أعماله، هذا ممتنع في العادة، و قد كان بتلك الأعمال العمالقة و كنعان بالشام، و القبط بمصر، ثم ملك العمالقه مصر، و ملك بنو إسرائيل الشام، و لم ينقل قط أن التبابعة حاربوا أحدا من هؤلاء الأمم، و لا ملكوا شيئا من تلك الأعمال الخ.

و هو كلام ظاهر البطلان منقوض، و لا حاجة إلى بيان غلطاته و التنبيه عليها، و سرد الروايات التاريخية المناهضة لها، و لا سيما و قد نقضها هو، و أورد هذه الأخبار مستدلا بها في عدة مباحث، منها عند الكلام على الأمم المتوحشة، وسعة ما تملك مستشهدا بحمير، و كيف كانوا يخطون من اليمن إلى المغرب مرة، و إلى العراق و الهند أخرى، و أن ذلك لم يكن لغير العرب من الأمم. و قال في صفحة 155 عند الكلام على طبائع الدولة في أدوارها الخمسة: و أعتبر ذلك بجوائز ابن ذي يزن لوفد قريش، كيف أعطاهم من أرطال، الذهب و الفضة و الأعبد و الوصائف عشرا عشرا، و من كرش العنبر واحدة، و أضعف ذلك بعشرة أمثاله لعبد المطلب، و إنما ملكه يومئذ فرارة اليمن خاصة تحت استبداد فارس، و إنما حمله على ذلك نفسه بما كان لقومه من التبابعة من الملك في الأرض و الغلب على الأمم في العراقين و الهند و المغرب، و قال في موضع آخر: «و قد كان الخط العربي بالغا مبالغة من الإحكام و الإتقان و الجودة في دولة التبابعة لما بلغت من الحضارة و الترف، و هو المسمى بالخط الحميري، و انتقل منها إلى الحيرة لما كان بها دولة آل المنذر، نسبا التبابعة في العصبية، المجددين لملك العرب و أرض العراق، انتهى».

و على كل تقدير فإن أجل ما كتب في هذا الباب و أقربه إلى الحقيقة، ما كتبه نشوان بن سعيد الحميري، و الحسن بن أحمد يعقوب الهمداني، و هما من فحول رجال اليمن و أعيانها، غير أنه من المؤسف بل‏

33

الموجع أن معظم ما كتبوه سطت عليه أيدي الزمان، و نوائب الأيام، و كثير من ذلك خرج من اليمن و لاذ بخزائن الغرب، لاذ ببرلين و لندن و روما و الاسكريال، و ما بقي منه بالمين انكمش بخزائن العظماء، و انحجر في ظلمات البيوت ينادم الفيران و الأرضة، مع أن مؤلفاتهما لا تخلو من المبالغة و المجازفة في كثير من الأخبار، و ذلك لبعد ما بينهم و بين من كتبوا عنهم من القرون الطوال، فقد نقلوا ما سمعوه و فيما كتبوه طرفا من الخبر لأنباء عن الحقيقة. و زيادة على تقادم العهد، ميلهم العظيم إلى المجد السالف و التغني بمفاخر الآباء و الأجداد إلى درجة التعصب، و هو ما حال بينهم و بين نقد بعض (41) الأخبار المبالغ فيها، مع أن تلك الأخبار ليست كذبا، و لا يصح إهمال ما جاء فيه، نوع من الغلو، قال الامير شكيب أرسلان: «جاء في الانسيكلوبيدية الإسلامية «دائرة المعارف: «أنه لم يوجد بين كتاب العرب من جاء بتاريخ حقيقي عن اليمن، و بمعلومات مؤسسة على قواعد متينة، مثل الهمداني، فقد كان هذا الرجل يمانيا مولودا في صنعاء، فحمله حب وطنه، و الإعجاب بقومه، على تأليف كتاب الأكليل الذي ذكر فيه تاريخ اليمن، و وصف العاديات التي هي في الجزء الثامن من الأكليل، كان نشره مع ترجمة ألمانية الدكتور «مولر»، و قد أخذ من الجزء العاشر معلومات تكمل ما ورد في كتاب الهمداني الآخر المسمى بصفة جزيرة العرب، و قد كان في كتاب الهمداني قصص أشبه بالأساطير نقلها الهمداني على علاتها إلا انا برغم ذلك هو الكتاب العربي الوحيد الذي يفهم منه القارى‏ء ما اليمن و من أهل اليمن و فيه تفاصيل عن أنساب اليمن و طبائع أهلها، و عن مواقع مدنها، و عن قصورها و حصونها، لا توجد في كتب الإفرنج برغم تدقيقاتهم، و كذلك في إكليل الهمداني عن سبأ و عن سيل العرم ما لا يتم تأريخ اليمن إلا به، و قد ذهب مولر أن الكتابات الحجرية لا تكفي لجلاء و تأريخ سبأ و معين و بلاد اليمن».

و بالرغم على ما دونه الهمداني و غيره، و ما عثر عليه المستشرقون من‏

34

النقوش و كشفوه من الآثار و وجدوه من المسكوكات، فان تاريخ أولئك الأقوام لا يزال في مرحلته الأولى، و طريق الدراسة مهما أمعن فيها المتوغل، و تقليب الصفحات و ان استغرقت أيام الحياة، لا تسد الحاجة و لا تروي الغلة لما هنالك من مجاهل لا تهتدي الأفكار إلى مهيعها، و الحل الوحيد لهذه المشكلة إنما هو درس الآثار و التفهم لأسرارها، و أظن الوقت قد حان للفوز بهذا الفخر العظيم، فمن الخليق بتاج ذلك المجد الباهر يا ترى؟ الأمل وطيد في همم رجال الجد، ذوي الغايات البعيدة، و المراتب الكبيرة، و النفوس العالية، و الضمائر الحية، و ما ذلك عليهم بعزيز.

إذن فما الحيلة؟ و كيف السبيل الآن إلى معرفة ما لا بد منه للمؤرخ ليعرف الحاضر حق العرفان، لأنه لا يعرف بغير الماضي لما يستنتجه من المباحث التي تدرجت فيها الأمة و أدوار الانتقالات التي مرت عليها حتى يتسنى له وصف الروابط المعنوية و العادات الموروثة و الأخلاق المتنقلة، ليربط بين ماضيها و حاضرها برباط الوحدة التاريخية.

و هنا يقول القلم و هو يكاد يتعثر خجلا، ليس أمامك أيها الباحث غير ما كتبه المستشرقون عن هذه البلاد، و ذلك المجد الضارب أطنابه بالنجوم و بقية ما دونه أولئك الآباء الأمجاد، و لا أقول أنه من العار نقل ما كتبه المستشرقون (فالحكمة ضالة المؤمن) و لكن من العار الجمود عليه و الوقوف عند ما رسموه، و أن نبقى عالة عليهم حتى في معرفة بلادنا، و مهد آبائنا، و مدافن أجدادنا.

و على كل تقدير فإن للمستشرقين فضلا لا ينكر على التاريخ لإكتشافهم الآثار، و حلهم النقوش، و مواصلتهم البحث عن حقائق لها قيمة عالية في عالم التأريخ، فقد أوضحوا كثيرا من خفاياه، و عرفوا من الدول الغابرة و الأمم القديمة ما لم يعرفه مؤرخو اليونان و لا الرومان و لا العرب أنفسهم كما سيأتي إن شاء الله قريبا.

35

و من أهم هذه المعلومات ما عثر عليه المستشرق هاليفي و قلازر و أرنو و غيرهم من آثار دول اليمن القديمة، فانهم جزموا بوجود حكومات متعددة في جهة حضرموت و سبأ و ما اتصل بها، من أهمها: دولة معين و هي أقدم دول اليمن، ثم دولة سبأ و حمير و حضرموت و قتبان، بينما كان قدماء المؤرخين من العرب لا يزيدون (43) على ذكر الدولة الحميربة، و إليها ينسبون كل عظمة، و بعض مؤرخي اليونان أشار إلى دولة معين بعدة كلمات‏

أحمد بن أحمد المطاع‏

36

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

37

مقدمة المحقق‏

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله و صلى الله على سيدنا محمد و آله و صحبه و سلم‏ لا بدّ لنا و نحن نستطلع خلاصة التاريخ فيما أنتجه أهل اليمن من آثار فكرية رائدة، أن نقف عند شخصيات هضم التاريخ حقها و تجاهلها في نفسها و آثارها الفكرية، و إذا ذكر هؤلاء يكون رأسهم الأديب الحر الشهيد احمد بن احمد المطاع فهذا الرجل ثمرة صالحة لتربة الأرض اليمنية برجالها المفكرين و أحرارها الأذكياء.

و كأني به و قد عاش في بيئة لا تشجع كثيرا المسلك الذي نحاه لنفسه، قد سبر الأغوار، و عرف ما يدور حوله من عوالم متقدمة، و ومضات رائعة تمنّى أن يكون لشعبه مثلها، فطالع و كتب و اجتهد حتى ظفر بما رامه فانتج و أبرز على الرّغم من قصر عاشها و قطف الثمرة و لمّا تأت بعد بكل ما فيها من أكل و فاكهة.

نعم نجد في النشر القصير الذي حملته صفحات مجلة الحكمة ما يعطينا صورة كاملة للعقلية المنفتحة التي عرف بها أديبنا الشهيد احمد بن احمد المطاع، و كان ما كتبه منعطفا تاريخيا في فكرنا الثقافي الحديث قاطبة، بل هو مرحلة مبكّرة من الإبداع لا نغالي إذا قلنا إنها الأولى من نوعها في الجزيرة العربية.

لكن الإنتاج الفكري الذي رأيناه في مجلة الحكمة ليس هو كل ما في جعبة شهيدنا من إبداع خلّاق، و إنما سوّد مئات الصفحات في دراسة التاريخ‏

38

اليمني و قد أراد بها أن تكون درسا عمليّا و تشريحا دقيقا لجسم الأمة عبر أطوارها التاريخية المتعدّدة، و ما اعتراه من أدواء متعمقة، و أمراض نخرت في كيانه على إثر تفشّي الحكام المسيطرين الذين نهشوا جسمه و تركوه جثة هامدة لا تقوى على حراك.

و قد كان للشهيد أحمد المطاع رسالة و طنية عظيمة، و فكر إصلاحي ثائر، يأخذ عليه كل كيانه لم يستطع المجاهرة به في ظل الحاكم المسيطر، فما كان منه إلّا أن جعل من دراسة التاريخ ستارا يندرج تحته و يبني في أجوائه علمه و ما أراده من قول.

فكان هذا الإنتاج الكبير الذي بين يديك، و هو ثمرة لجهد كبير، تكاتف على القيام به نخبة من مثقفي اليمن، و مفكريها في ذلك الوقت، و هو ثمرة حيّة لمدرسة الحكمة التي تصدّرها الاستاذ احمد عبد الوهاب الوريث و رفقاؤه، و كانت تنتج و تؤلف تحت رعاية الأستاذ عبد الله بن يحي بن محمد الذي شارك شهيدنا المطاع السيف و الموت، و كان الرجل قد رحل إلى مصر و شجّع نشر بعض الكتب اليمنية و تحقيقها فحقق اديبنا المطاع تحت نظره عطر نسيم و هو أول كتاب تراثي يقوم بتحقيقه باحث يمني في العصر الحديث، و في مصر كلّف الأستاذ محب الدين الخطيب بتحقيق الجزء العاشر من الإكليل و طبعه على نفقته، ثم ترجمة كتاب رحلة ابونتى إلى اليمن و نشرها في مصر. و غيرها ثم تكونت لجنة التاريخ سنة 1356 ه لجمع شتات التاريخ اليمني و لمّ مصادره في تدوين شامل أضطلع به أعلام من اليمن في ذلك الوقت، كان على رأسهم المؤرخ اليمني المعروف محمد بن محمد زبارة و الأستاذ احمد بن عبد الوهاب الوريث و الشهيد احمد المطاع و الاستاذ عبد الله بن محسن العزب و الاستاذ عبد الله بن عبد الكريم الجرافي، و قد تقسموا أدوار التاريخ و عصوره.

فأخذ الأستاد احمد بن عبد الوهاب الوريث تاريخ اليمن قبل الإسلام.

39

و أخذ المؤرخ محمد زبارة جانب التاريخ الإسلامي من صدره حتى القرن الثالث.

و تناول الأستاذ الشهيد احمد المطاع تاريخ اليمن من عصر الدول المستقلة حتى سنة 1006 بداية الدولة القاسمية.

و الأستاذ عبد الله بن عبد الكريم الجرافي تناول تاريخ اليمن من سنة 1006 حتى سنة 1307 ه سنة قيام المنصور محمد بن يحيى.

أما الأستاذ عبد الله بن محسن العزب فإنه تناول تاريخ اليمن من سنة 1307 حتى سنة 1334 و قد وقفنا على قطعة من عمله و قمنا بنشرها.

قلت: لعلّ الأستاذ عبد الله العزب شاركه فيه آخر في فترات التاريخ المكلف بها لم نعثر على اسمه لأن الذي بين أيدينا ليس كل الفترة التي أخذ على نفسه تاريخها.

و مضى هذا الجمع من كتابنا في المهمة التي كلّفوا بها، و كأنهم في مسابقة أدبية يظهر كل واحد منهم براعته و تفوقه. على أن بعضهم- يخيل إلي- لم يستطع انجاز عمله لأسباب قاهرة، و الذين انهوا عملهم هم ثلاثة المطاع في العمل الذي بين يديك، و الجرافي في كتاب يحمل اسم انباء اليمن و نبلائه بعد الألف، و هو موجود بمكتبة الجامع الكبير برقم (18 تاريخ و 19 تاريخ) و العزب في قطعة تم لنا العثور عليها و نشرها.

و قد عبر كل قسم من الأقسام التي كتبت عن الشخصيات التي تناولتها، فمؤرخنا المفكر احمد المطاع حينما كتب تاريخه أتى بما لم نعرفه قبله عند مؤرخ يمني آخر من منهجية و سير للمجريات التاريخية و طبيعة الأحداث و ملابساتها مع نقد للروايات و المصادر ليس لنا عهد به قبله فصحّ له بهذا ريادة و تفوق و حتى قال الدكتور الشاعر عبد العزيز المقالح: «لا أتردّد عن القول بأنه عند ما يصبح لنا مؤرخون و تكون لنا دراسات تاريخية، فلا بد أن يكون اسم أحمد المطاع على رأس أسماء أصحاب هذه الدراسات التاريخية

40

لأنه الأب الشرعي للكتابة التاريخية بمعناها الحديث الذي نطلع عليه».

و قد أوفاه حقه من الدّرس الدكتور السيد مصطفى سالم في كتابه عن مجلة الحكمة فانظره هناك.

الشهيد المطاع‏

هو الأديب العلامة الشهيد احمد بن احمد بن محمد المطاع قال عنه زميله المؤرخ محمد زبارة في ترجمته له في نزهة النظرج 1 ص 55:

السيّد الأديب النجيب أحمد بن أحمد بن محمد المطاع العباسي مولده سنة 1325 ه بصنعاء و نشأ بها و أقبل على العلم و الأدب بفهم صادق و ذكاء و ألمعية و نجابة و همّة علية؛ له يد في حسن الإنشاء و إقبال على الكتابة تولّى الكتابة بجريدة الإيمان مع القاضي العلامة عبد الكريم بن أحمد مطهر و كتب رسائل «مقالات» في مجلة (الحكمة) التي أنشئت بصنعاء و راسل الأدباء و العلماء و له شعر حسن.

كتب صاحب الترجمة و هو في بند رميدي من تهامة سنة 1344 ه إلى صديق له بصنعاء هذه الأبيات:

أزكى التحيات تغشى ثاقب النظر* * * سلام أنهى من الأزهار و الزهر

ما غنّت الأيك في دوح الغصون و ما* * * ترنم الورق في داج من السحر

فنسمة الصبح لما بالصّبا خطرت‏* * * أهدت لنا نفحة من طيبها العطر

و بارق الجزع قد أبدى لنا خبرا* * * عن الهمام خدين المجد من صغر

عن الذي بسويدا مهجتي سكنوا* * * بيتا من القلب لا بيتا من الشعر

و قد كتب صاحب الترجمة نبذة من التاريخ اليمني بعبارات شيّقة، و ذلك من حدود المائتين إلى رأس الألف أيام أسست لجنة لتأليف التاريخ اليمني، و كان صاحب الترجمة و القاضي عبد الكريم الجرافي من أعضائها برئاسة المؤلف و المؤرخ محمد بن محمد زبارة.

41

و قد توفى صاحب الترجمة شهيدا بحجة بعد ثورة سنة 1367 بتهمة اشتراكه في إغتيال الإمام «يحيى».

هذا ملخص ترجمة حياة الشهيد المطاع من كتاب نزهة النظر يضاف إليها أنه سجن مع أخيه محمد المطاع، و علي الشماحي، و صديقه عبد الله العزب، و محمد المحلوي، و صالح السنيدار، يقول شاهد الحادثة العلامة احمد بن محمد زبارة: «لما حبسوا اختلق الغوغا أسبابا لحبسهم بأنهم اختصروا القرآن، و سموهم درارعة يهود منحرفين، و لعلّة أول حبس للأحرار، و كان كاتب الأحرف أحمد بن محمد زبارة يزورهم إلى القلعة بسهولة «و أعطيتهم الصّحف، و فيها مقالات لمحمد علي الطاهر و لمحي الدين العنسي، و لوالدي المؤرخ زبارة، من بغداد (سنة 1354)، و أرسل إليهم هدايا كعنب و غيره، ثم كتبوا إلى الإمام يحيى إستعطافا و تنويها يرجون إطلاقهم فأجاب بخطه: أصلح الله شأنكم، صدرت «التصفية» للإمام يحيى بن حمزة في علم الباطن انسخوها و طالعوها، لتصلح الباطن و الظاهر، ثم راجع لهم السيد قاسم العزي و القاضي راغب و غيرهما فأطلقوا».

المطاع مؤرخا

في فترة مبكرة من حياته كتب الشهيد المطاع العديد من البحوث التاريخية، استطاع بهمته أن يوحّدها في قالب عصري متماسك شهد له فيه معاصروه فقال المؤرّخ زبارة:

«كتب نبذة تاريخية بعبارات شيقة».

و قد طالع كل ما وقعت عليه يده من كتابات تاريخية قديمة و حديثة، و استفاد من كتابات المتأخرين على وجه الخصوص في معرفة المنهج التاريخي، فكان مؤرخنا صاحب هذا الشأن في كتابة التاريخ اليمني، إذ لم يعرف قبله سوى كتابات متأثرة بطرق القدامى من حيث سرد الحوادث و نقلها دون تمحيص أو تعليل، و قد شكا مؤرّخنا من هذه الظاهرة في كتابات‏

42

الإسلاميين القدماء عموما، فقال في سلسلة مقالاته في مجلة الحكمة:

«و إنك لتجد كثيرا من المؤرخين و غيرهم يعتبرون المؤرخ كحاطب ليل، و منهم من جعل هذه الكلمة تكأة له في سيره المغلوط، فاشبّهت عليه المخارج و الموالج، و اختلط لديه الحابل بالنابل، فجمع الغث و السّمين، و مزج الممكن بالمستحيل».

و ليس لنا من قول بعد ما كتبه مؤرخنا من شرح واضح لمنهجه العصري في كتابة التاريخ، و لعله من تحصيل الحاصل أن نقول أن مؤرخنا أسّس قواعد المنهج الحديث في كتابة التاريخ عبر شتّى عصوره، لم يكتف في ذلك بالنّظرية المجرّدة وحدها، و قد نشرها في فصوله الممتعة على صفحات مجلة الحكمة. و أوردناها كمقدمة لتاريخه هذا، بل طبّق منهجه عمليّا بالتجرّد لكتابة التاريخ و الخوض في غماره ناقلا و ناقدا أو محلّلا و مختبرا.

و على كثرة مطالعتي في التراث اليمني، لم أجد من المؤرخين اليمنيين من سبقه في عمله هذا، سوى ما نجده عند المؤرخ الحسين بن عبد الرحمن الأهدل المتوفى سنة 855 ه، الذي نقد بعض روايات الجندي و مجازفاته في تلخيصه لكتاب السلوك، و لكن هذا النّقد لا يعدو أن يكون ملاحظات عابرة حول التراجم التي ضمّنها الجندي تاريخه.

و كان مؤرّخنا الشهيد المطاع قد استعمل مشرط النقد و التمحيص، في كل مجالات التاريخ اليمني، و لعله أول من تنبّه لهفوات المؤرخ عمارة و مبالغاته التاريخية التي كان لها الأثر السيى‏ء على من جاء بعده، و نسمعه يقول- حينما يذكر عمارة في تاريخه «المفيد» أن حسين بن سلامة بنى من صعدة إلى صنعاء في كل مرحلة جامعا، إلى غير ذلك يقول «فيما ذكره عمارة مجازفة ظاهرة، فإن البلاد في عصر الحسين بن سلامة كانت في أعاصير هو جاء و زوابع غير مريحة، و على الخصوص بلاد الزيدية، و لم يكن له نفوذ ظاهر عليها، و هذه المباني تتطلب الهدو طبعا، أضف إلى ذلك انا لم نجد في‏

43

كتب التاريخ التي بأيدينا ما يدل على حدوث ما ذكره عمارة فيما بين صنعاء و صعدة، و بين زبيد و صنعاء، و من البعيد أن تزول آثار هذه المباني و تندرس من عرض البلاد و طولها، و لا يذكرها أحد بحرف، أو لا يعلمها إلّا عمارة، و عنه، نقل أكثر المؤرخين، و لكن على اسلوبهم المعهود من مجانبة النّقد و التمحيص، و تحكيم العقل».

بهذا المنهج الدّقيق سبر أغوار التاريخ و دسائس المؤرخين و مبالغاتهم، و ما أكثرها في التاريخ اليمني، و لنا فيما أورده من الإنتقادات الكثير من النّصوص و قد توزّعت عبر تاريخه الكبير هذا في أكثر من موضع و حادثة، و هو يرى أسباب تضارب الأقوال في الرّواية الواحدة إلى «اختلاف النقل ثم اختلاف كتب التاريخ، و قد يكون المصنّف واحدا و التصنيف واحدا و يختلف ما يوجد بإحدى النسخ عن الأخرى».

و لعل من أسباب المبالغة و الكذب في تتبع الأخبار ان بعض المؤرخين لم ينظروا إلى التاريخ النّظرة التي يستحقها من اهتمام و عناية، و قد «دوّن القدماء كتب التاريخ للتّسلية و قتل الوقت، و قد شبّهوا المؤرخ بحاطب ليل، فجاءت غالب مدوّناتهم في هذا الفن كثيرة الأغلاط، ركيكة الأسلوب، طافحة بالمبالغة مملوءة بالمزاعم و الخرافات لا تسقط منها على حقيقة إلّا بعد إدماء الجفون، و تقريح المحاجر، و تقليب مئات الصّفحات و عشرات المجلّدات، و قد تخرج بعد العنا الشديد مضطرب الفكر حيرانا».

هذا ما أدركه مؤلفنا بعد معايشته التّامة لمصادر التاريخ و صعوباتها، و من ثم لم يكتب تاريخه لسرد الأحداث وحدها، و إنما جعله نقدا عاما لرواية التاريخ اليمني التي وصلتنا من خلال مصادره، يقول بعد نقل عبارة للخزرجي في العسجد المسبوك و أخرى ليحيى بن الحسين في أنباء الزمن:

«و فيهما من الإضطراب ما لا يخفى و سيمر بك التفصيل لبقية الحوادث و منها تعلم انهما أرادا أن يختصرا فخلّط عليهما».

44

فمن أسباب رداءة الرواية عند مؤرخنا التّسرع في النقل و اختصار العبائر دون فهم فحواها حقيقة.

و ربما استعمل مؤلفنا لمحاولة فهم الحقيقة كما وردت شتّى معارفه المتنوعة من تحليل منطقي، إلى معرفة جغرافية، إلى غير ذلك أنظر إليه ينتقد قول صاحب أنباء الزمن حول توارد الجيوش على الحبوض في ظفار، و تجنيد الدّولة الرسولية طاقاتها لمحاربته «فاين نجد من تهامة، و العجب من صاحب أنباء الزمن كيف يقبل مثل هذه الرواية، و هو لم يحدثنا قط فيما كتبه، من أن نفوذ أمراء ظفار و قلاعهم كانت شحنت بها بلاد الجوف»

و يستعمل الأقيسة و البراهين التاريخية لنقد الحدث الواحد الذي لا يقبله الواقع، يقول في إنتقاد قول صاحب انباء الزمن ان الطريق بين اليمن و البصرة انقطعت عن مرور التجار «و قد نقلنا عنه هذه الجملة التاريخية الجغرافية بالحرف الواحد و العهدة عليه، و سيأتي ما يدل على ان المواصلة بين اليمن و بغداد عن طريق البصرة و الجوف و أرض الحشرات و العقارب الناهشات، كانت مستمرّة يقطعها الواحد و الجماعة فمن ذلك إرسال الملك المظفر سفيره إلى بغداد عن طريق براقش سنة 650 و المرة الثانية عند ما قتل الإمام أحمد بن الحسين سنة 656 أزعج المظفر رسوله إلى بغداد بذلك النبا» الخ.

فهو هنا يستعمل في نقده الوقائع التاريخية التي حدثت بالفعل معتمدا على تواريخ، و أقوال مضبوطة لمؤرّخين معروفين.

و ربما لا تسعفه المادة في بعض الأحيان لنقد خبر واه، أو جملة جزافية، فنجده يوردها بصيغة تضعيف تجعله في حلّ من تبعتها، كأن يقول: كذا قول فلان، أو: «و قد نقلنا هذه الجمل التاريخية بالحرف الواحد و العهدة عليه».

و قد ينبّه صراحة على الخطأ بعد إعمال الجهد في تصحيحه، و التنقيب‏

45

عن مصادره فيقول: «اعتمدنا في هذه الأنباء على رواية الخزرجي و فيها من الإضطراب ما لا يخفى، و قد راجعنا أنباء الزمن، و قرة العيون، و بغية المستفيد، و غيرها فوجدنا من الاختلاف ما تعذّر معه الوفاق و الملاءمة»

و من ثم يجد مؤرخنا نفسه أمام مسؤولية كبيرة في تدوين التاريخ فلا ينساق إلى أقوال المؤرخين في كتبهم كما ترد، و إنما يحلّل و يقيس، و قد وقف كثيرا عند قول صاحب البسامة في غزو الإمام الناصر عدن في القرن الثالث الهجري يقول مؤلفنا: «و قد أطلنا البحث في جميع المصادر الموجودة بأيدينا عما أشار إليه السيد صارم الدين بقوله عند ذكر الإمام الناصر في البسامة:

و دوّخ اليمن الأقصى الى عدن‏* * * مع الجبال كبغداد و كالشعر

فلم نجد تفاصيل هاتيك الملاحم ما يستحق التصدير

و يرى قصور المؤرخين القدماء عن سبر الأمور و كنه أغوارها من جميع الوجوه سببا في البعد عن الحقيقة ففي الحديث عن ثورة أهل بحران يرى تأثير النّصارى الموجودين فيها خلال ذلك الوقت على تلك الحوادث أمرا لم يفطن إليه أحد يقول: «و لو أن قدماء المؤرّخين نظروا إلى الحوادث، نظر إستنتاج، و لا حظوا أحوال البيئة، و الوسط الذي عاشت فيه هذه الطائفة و الظروف الداخلية و الخارجية، التي كان لها أثرها في تكوين طباعهم و تلوين مشاربهم لظهرت النتيجة معلنة بما كان لدعاة النصرانية من يد في «تأريث تلك النّار، و لكنهم اكتفوا بالنظر السّطحي في تدوين الملاحم البشرية، و المعارك الدموية، فجاءت الثمرة ناقصة يعوزها النضوج».

و يتشعب البحث أمامه في تتبع هفوات المؤرخين، و يعلل أسبابها إلى أمرين أدركهما من تتبعه الشّديد لطبيعة تلك الأخبار و الروايات و هما: «قوة الإيحاء و فعل المحاكاة» يقول عن بعضهم: «فقد تأثر بغلط غيره، و اندفع إلى متابعته بقوة الإيحاء، و فعل المحاكاة».

46

على أن من أهم أسلحة مؤرخنا في تتبع تلك الأوهام و تصحيحها التّنبيه على حيدها عن الواقع و تتبع المصادر و نقل أقوالها المختلفة في الحادثة الواحدة، ففي تعليل أسباب خروج الأيوبيين إلى اليمن و إرجاعه عند بعض المؤرخين إلى رسالة ابن النساخ إلى خليفة بغداد يقول شهيدنا المطاع‏

«و عندي انه من البعيد و عند كل من له أدنى معرفة بنزعات النفوس و اتجاهات من يحكم، و لا سيما تلك القرون و صدور مثل هذه التهديدات القاسية من رجل يطلب النّصرة و يرجو النّصفة، مع ما فيها من المدح و الإشادة و التنويه و التعظيم للإمام المنصور و عماله».

«و إنما نستبعد صدورها على ذلك الأسلوب من رجل لا يملك إلّا ثورة نفسه، و قوة روحه و ما يضطرم بين جوانحه من براكين الحقد و الضغينة، على من جرّعه كأس التّنكيل المريرة، و هل من المعقول أن يحوّل جمر غضبه الماحق نحو خليفة بغداد الضعيف العاجز، هذا ما يلوح للناقد من جهة الأسلوب، و أما من الوجهة التاريخية فإنه لم ينقل أن الحكومة العباسية نهضت إلى اليمن في ذلك التاريخ، و أنّى لها ذلك و الخليفة لا يملك أمر نفسه فضلا عن قصره و مدينته‏

و قد لا يكتفي بمجرد التّنبيه اللفظي على شطط الخبر الموهوم، و إنما يقتله بحثا من خلال تتبع المصادر التي أوردت ذلك الخبر، و يبحث عنه في مظانه الأصيلة، غير معتمد على قول واحد، أنظر إليه مثلا في تتبع خبر وفاة منصور ابن حسن حيث تجده ينقل عن أنباء الزمن و سيرة الناصر، و قرة العيون، و اللآلى‏ء المضيئة، و يقول في نصّ قرة العيون حول هذه المسألة:

«و هو يخالف ما سبق في ترجمة الناصر في وقعة نغاش التي أباد بها القرامطة من ناحية مسور» فهو لم يكتف بتلك النصوص المستفيضة حول تلك المسألة، و إنما استعان فيها بقرائن تاريخية أخرى يعزّز بها قوله.

و يبلغ التحليل ذروته عند شهيدنا المطاع عند ما يستعين بالجانب النفسي‏

47

لسبر غور الحادثة التاريخية أو النّص الأدبي كإيراده لشعر جياش في نبذ الحلم بقوله:

إذا كان حلم المرء عون عدوه‏* * * عليه فإن الجهل أنقى و أروح‏

و في العفو ضعف و العقوبة قوة* * * إذا كنت تعفو عن كفور و تصفح‏

نجده يربط هذا بعمل جياش المشين بقتل وزيره ابن خلف الذي شاركه محنته و هربه إلى الهند يقول:

«و كأنه و خزه الضمير و أنّبه الوجدان و أهاب به العدل و سمع صوت الحق يلومه، و يقبح فعله، لاذ بنزعات الطغاة، و شذوذ العتاة، فاستروح لكلمة الطاغية ابن الزّيات المأثورة، إذا قال له المعذّب: ارحمني قال: الرّحمة خور في الطبيعة، فرقص على ذلك الإيقاع و نظم الأبيات المتقدمة».

على أن أهم ما يشدّك في الكتاب و يجذبك اليه هو حسن التناسق، و روعة التبويب، مع أنه ربط كتابه بطريقة الحوليات و ذلك لمنهج ارتضاه، حيث تتعدد الحوادث و تتشتّت اتجاهاتها، بحيث يتعذّر حصرها، و قد ألمّ بذلك في اسلوب عصري حديث يقرّب إليك النافر و يسهّل عليك الفهم، إسمعه و هو يحدّثنا عن انقراض الدولة الصليحية و موت ملكتها: «و بموتها انقرضت الحكومة الصليحية بعد أن حكمت قرابة قرن سخّرت البلاد لمصالحها، و تركت الأمة اليمنية تعيش في جو مختنق و ميدان ضيق، رهن القواعد المرسومة و النّظريات المعلومة، من دعاة الإسماعيلية، و كانت الطبقة المسيطرة تتلعب بعقول العامة، و تستأثر بكل موارد العيش، و مرافق الحياة .. و لذلك تفككت عرى القومية، و تلاشت العقلية و المنتجات الفنية.

و فقدت ملكة الإبداع و الابتكار».

و يتجلى في أسلوب أديبنا في أحيان كثيرة إشراقات أدبية رائعة، تحول النص التاريخي من سرد إجمالي مجرّد إلى قطعة أدبية فخمة، تجذبك إليها و تضطرّك إلى متابعة الحدث بتشوق و لهفة، اسمعه و هو يصف حالة ذي‏

48

الشّرفين و هو محاصر، و قد عزم على المغامرة و المخاطرة لسحق الجند المحاصر له يقول: «و استمر الحال على ذلك خمسة أشهر بعد عزم المكرم، و بعدها رأى الأمير ذو الشرفين أن المآل سيى‏ء و أن العاقبة و بيلة، لما رأى من نفاذ ما عنده من المأكول و المشروب، فعمد إلى محبرته، و كتب وصيته الأخيرة، و آل على نفسه أن يبذلها في سبيل قتال الظالمين، ثم شحذ عزم أصحابه و حمّسهم و انحدر و قد وزّع أصحابه طوائف، و صبّح الجند المحاصر، و النوم ملابس جفونهم، فأوقع بهم و أثخن فيهم قتلا و غنيمة، و انقلب إلى المعقل بالغنائم الوفيرة، و نفائس الأسلاب الطريفة، و تناول قلمه و كتب هذه القصيدة:

ألا قل لربات الخدور الكواعب‏* * * يقبلن أيدينا وحد القواضب‏

الخ».

و هكذا يستمر في السرد، فلا تحسّ بنفسك إلّا و أنت تتابع أحداث قصة مشوقة زيّنها أسلوب كاتبنا الرّصين و طريقته البلاغية المتماسكة تجذبك إليها و تضطرك إلى متابعة الحدث.

و خذ أيضا هذه القطعة الأدبية من تعبير أديبنا:

«و التقى الجمعان فاقتتلا أياما و ثبت الفريقان يخطّان بدم القتلى صحيفة سوداء من أعجب ما سجّله طغيان القوة في صحائف التاريخ».

و يقول في موضع آخر بعد إقدام جياش على قتل الغز الواصلين إلى اليمن باستدعاء منه «فهلك أكثرهم و لم يخلص إلى زبيد منهم إلّا دون الألف فلم يطمئن فؤاد ذلك الأمير و ظلّ شبح الخوف منهم سمير أحلامه و هو اجس أمانيه رغما عن قلّتهم و أبت نوازع نفسه إلّا جعل تلك الأرواح ضحايا طغيانه فجهز» الخ.

و إليك نصّا آخر تستبين منه مقدرة الرجل على التعبير و ملكته في الإنشاء

49

«لما قتل القائد سرور على الصفة المذكورة عظم الخطب و استيقظ الهول و نشبت الفتنة و اشتعل ولاة زبيد و أمراؤها بتنازع زهرة الحياة عن تدبير الملك و حياطته، فكانت الأحداث تتوالى و المصائب تتعاقب على ما حول زبيد، و من بها لاهون بشهوة الحكم و فتنة المال، و ذلك البلاء المبرم و الويل الرامل، و العدو اللّدود يحصي عليهم أنفاسهم، و يراقب حركاتهم و يستطلع أنباءهم حتى إذا غمرتهم الحيرة و أعماهم الهوى و حق عليهم القول، و آن أن يبتلعهم الفناء في ظلمات مهاويه و ينظمهم التاريخ في فجائعه و مآسيه، و ثب عليهم بجنود متعطشة» الخ.

إلى آخر تعابير المؤلف الفنية و قد طرّز بها كتابه و وشى بها عمله هذا، مما أضفى على التاريخ حلّة جديدة من التعبير الأدبي الذي أحيا به ما أندرس من رفات القوم و شخوصهم.

و لما كان مؤلفنا أدبيّ النزعة شاعري الهوى، كان له عناية أخرى من البحث، يفرد له زيادة ثانية في الثقافة و هي عنايته بتاريخ الأدب و الحركة العلمية، أثناء سرده لحوادث التاريخ و مجرياته فهو ما يكاد يفرغ من الحديث عن الوقائع حتى يلم إلمامة سريعة بحياة الأدب و الشعر، و كأنه متأثر بمعاصريه من أعلام الأدب العربي في مصر كطه حسين و أحمد أمين و غيرهما، مثال ذلك قوله بعد الفراغ من الحديث عن الدولة الرسولية و وقائعها: «يجب أن نشير إلى نبذة قصيرة من الشعر، لتكون مثالا للباحث في الأدب اليمني في جميع أدواره، و قد أوردنا في كل دور من الأدوار التي كتبنا عنها، أمثلة صالحة، لمناسبات مختلفة» الخ.

و كان معاصره الأستاذ عبد الله بن محسن العزب قد ألمّ بالتاريخ الأدبي في الفصول المسلسلة على صفحات «الحكمة» فجاء مؤلفنا ليؤيد الخطوة و يعمّق البحث، و إن كان حديثه هنا إستطرادا عاجلا.

و لم يكتف بالجانب الأدبي وحده و النّظرة الثقافية العامة للتاريخ‏

50

اليمني، و إنما ألحقه ببحث آخر أبدع فيه مؤلفنا أيما إبداع حيث تتجلى فيه شخصيته البارزة و ميوله المتحررة ذلك هو حديثه، عن جانب العمران و التطور الحضاري و قد أدرج خلال صفحات كتابه ملاحظات عابرة عن حياة الناس و العمران يقول في أول الكتاب أثناء الحديث عن الدّولة الزيادية «دفنت القرون أخبار هذه الإمارة و لم يصل الينا من أخبارهم إلّا نتفا يسيرة و ذلك ما سطرناه و لعل القارى‏ء يستنتج من أخبار الخراج و جمل الضّرائب بعض ما يريد عن الحركة العمرانية و سير التجارة، و سعة النّفوذ و لكن بصورة إجمالية، و بقدر ما فات المؤرخ من استيعاب المادة اللّازمة يضعف الإستنتاج و يتعذّر الحكم، و الذي يلوح لنا أنه كان بكل جهة من جهات القطر دار ضرب للنقود و شبه استقلال للولاة».

و يجعل للإستغلال و إيثار المصالح الخاصة دور هما البيّن في سقوط العمران و تدهور البلاد. فهذه دولة آل الحجورى و قد انشغل الإخوة بينهم البين بالتقاتل على الملك كان «لروح الإستغلال و الإستيثار و ما كان لتعارض المصالح و المنافع من أثر في العمران و السكان».

و هكذا يكون تدهور العمران عاملا لمؤثرات سياسية تنخر في جسم التّقدم و الانفتاح و تحوزه عن الرخاء و الازدهار الحضاري، فهذه دولة بني أيوب في اليمن و قد أشادت الحضارات و الرقي في مصر و الشام، تفشل في إيجاد هذا الأمر في اليمن، لأسباب يرجعها المؤلف إلى القسوة و الطيش في سياسة النّاس، و عدم استعمال الرفق في الرعية: «و ما رحبته اليمن ممن وصل إليها سوى العيث و الدمار، فأين الملك المعظم و مبّراته العلمية و مجمعه الذي أسسه لتأليف معجم اللغة العربية، من طيش الملك المسعود و بطشه، و غروره و فتكه بهذه البلاد، و أين الإحسان الصلاحي و مكارمه و رفقه، و حسن سيرته، من شدة طغتكين و ظلم عماله و تكالب الجميع على جمع الأموال و إرهاق الأمة».

51

و هكذا ينقد المؤلف و يقارن ببصيرة و ذكاء بين الحضارات المتفاوتة، و قد نعمت بعضها بأمن و سلام و ازدهار و أخرى بحروب و قلاقل و شقاء و ما ذاك إلّا ان اليمن مني بولاة جور طغاة.

و يدفعه استطراده هذا إلى أن يربط أسباب قيام الدّول و سقوطها بخصيّصة الرفق و اللّين، أو عكسهما من قبل بعض الحكام، فعند ما يأذن الله بزوال دولة يجعلها تجور على رعاياها، فيكون هذا الأمر عاملا في سقوط تلك الدولة، فهذه دولة بني رسول التي عرفت في اليمن في أول دورها باللّين و الرفق و التقدم العلمي و العمراني تنقض غزلها في آخر حياتها، و يميل ولاتها إلى البطش و العدوان يقول: «كيف لا و الحوادث تنطق بلسان فصيح، و تعلن لمن كان له قلب أو ألقى السمع و هو شهيد، إنما الأمم الأخلاق ما بقيت فيها سمق دوح هذه الحكومة، ورقّ ظلّها و امتدت أشعة شمسها على روابي اليمن و بطاحه و سهوله، إبان مجدها و ميعة عظمتها و استقامة أخلاقها، و لكنها لم تثبت طويلا تلك الأوصاف الجميلة بل أصيبت بالداء العضال و السّم الناقع فنخر سوس الفساد في جرثومتها فشاخت و هرمت، و تداعى بنيان فخارها و انهار ركن مجدها، فكوّرت شمسها بمقدار ما لا بسها من المرض و الضعف، و ما زالت تكور حتى انزوت أشعتها الذابلة في تعز و زبيد و ما جاورهما .. و ما ذاك إلا عقوبة البغي و تفرق الكلمة، و انقسام الوحدة و اتباع الهوى و الاسترسال في القسوة و الإيغال في الجور».

المؤرخ الثائر

و هذا يجرنا إلى الحديث عن المطاع المصلح الثائر، الذي ضحّى بحياته و باع روحه رخيصة في سبيل مبادئه الوطنية و تقدم شعبه و بلاده، و هو و إن عاش في أبّان قوة الإمام وصولته، إلا أن هذا لا يمنعه من أن يوجّه الانتقادات و يجعل من درس التاريخ دروسا في أخلاق السياسة و سلوك الحكام. للعظة و الإعتبار، فالتاريخ عنده ليس إلّا أخلاقا سياسية يجب أن‏

52

يحتذى بالصالح منها و يبتعد عن الطالح منها «فجلال التاريخ و علوّه إنما هما لما يستفيده الناظر فيه من آداب و أخلاق، و تعاليم سياسية، و عرفان بمبادى‏ء الأمور و مصائرها و تطورها».

و في غمار بحثه في التاريخ يبحث عن موقع الأمّة و الشعب في خضم الأحداث العاتية، و سيطرة القوي على الضعيف، فالتاريخ اليمني في عمومه عبر متكررة من تلك المآسي الدامية، و ها هو الشّعب الذي لا يملك من أمره شيئا و قد «تسلطن الأتابك و تحكمت المرأة، و لكل واحد من هؤلاء المتسلطنين وجهة هو موليها، فبعضهم كان يرهق الأمة باسمه و بعضهم باسم الخليفة و آخر باسم صاحب مصر الأيوبي، و هكذا دوائر الفوضى و أزمنة الإنحلال».

و بقدر ما نعم الملوك برغد العيش و سلطان الجاه ازداد الشعب بؤسا:

«و لا شك أن إفتتانهم في بناء القصور و مظاهر النعيم و وسائل الترف حمّل البلاد و الرعية أوزارا باهظة، و أحمالا لا تطاق، و كلما انغمس الولاة في البذخ و الترف انحسر ظلّ الحياة عن التاجر و الفلّاح و اقترب منهم شبح البؤس و الفاقة».

و هو لا يستغرب من شي‏ء كاستغرابه من استكانة الأمة و سكوتها عن الظلم فيقول ثائرا و محرّضا:

«و من المؤسف و المخجل أن تعيش هذه الجريمة و يستمر ذلك العسف من ذلك التاريخ إلى أيام الأشرف و اغرب من كل هذا رضوخ الأمة و استسلامها و احتمالها لهذه الأوزار الباهضة»

و بعد تلك لمحة عابرة عن ثورة مؤلفنا في كتابه هذا، و سنجده موضوعيّا في كل ما خطّته يداه، و قد تحرّى الصّدق و الصّحة في كل عصور التاريخ و أدواره، لا يمنعه هوى و لا يستشط به ميل عن قول الحق مهما كان‏

53

فهو دوما يتحرّى الحقيقة من مصادرها المتعدّدة و لعلنا سنكبر المؤلف و نقدر عمله إذا علمنا أن كل مصادره التي رجع إليها في التاريخ كانت في ذلك الوقت لا تزال مخطوطة، و قد لقي مشقة في حل طلاسمها، و فك خطوطها حتى اننا نجده يقول: «ما أكثر التصحيف و التحريف بل المسخ في المصادر التي استقينا منها أخبار هذا القسم و لعمري ان تفهّم القلم المسماري و حل رموز المسند أقرب إلى الفهم من تحريف النّاسخ و سوء فهم الماسخ لتلك الأسفار»

و بقدر ما عانى المؤلف الشهيد (رحمه اللّه) من مشقة و جهد في إخراج الكتاب فإن المحقق الخفير قد بذل طاقته و مستطاعه من نسخ دؤوب و تعليق و تحقيق آملا أن يكون خدمة متواضعة لتراث هذا الرجل الوطني العظيم و إفادة لأبناء الجيل الجديد، الذين وجدوا الأمور ممهّدة متيسرة.

و بالله التوفيق و عليه التكلان عبد الله محمد الحبشي.

54

(تنبيه)

ما كان من هوامش بخط مؤلف الكتاب العلامة الشهيد أحمد بن أحمد المطاع رمز إليه ب «ص» أي في أصل المؤلف أو رمز للمصنف نفسه و ما كان للمحقق ترك بدون اشارة.