تاريخ صفد

- محمد بن عبد الرحمان الحسيني العثماني المزيد...
280 /
1

[هوية الكتاب‏]

محمّد بن عبد الرحمن الحسينى العثماني (ت 780 ه/ 1378 م) تاريخ صفد مع ملاحق عربية و لاتينية مترجمة تنشر للمرة الأولى تحقيق و تقديم أ. د. سهيل زكّار

2

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

3

بسم الله الرحمن الرحيم‏

تقديم‏

بعد ما تحدث ابن شداد عن تحرير صفد من قبل السلطان الظاهر بيبرس قال:

«ثم رتب السلطان فيها واليا ... و جعل فيها أربعة و خمسين مملوكا من مماليكه، و أقطعهم في بلدها إقطاعا، و قدم عليهم الأمير علاء الدين كندغدي، و ولى في قلعتها مجد الدين الطوري، و صير نيابته في بلدها إلى الأمير عز الدين أيبك العلائي» 1.

إن رواية ابن شداد هذه رواية شاهد عيان، تفيد أن الظاهر بيبرس قرر إقامة نيابة (أو مملكة) فيها ذات كيان خاص حسب الأعراف التي سادت العصر الأيوبي، و عين لمدينة صفد، واليا و لقلعتها حاكما و ترك فيها شحنة عسكرية.

و النائب «هو لقب على القائم مقام السلطان في عامة أموره أو غالبها» 2، و جرت العادة أن يكون على النواب «مثل ما على السلطان و يزدادون أن من حقهم مراجعته إذا أمر بما يخالف المصلحة» 3.

و بالنظر لإحداث نيابة صفد وجدتها و لطبيعة العصر المملوكي يلاحظ وجود خلاف في المصادر حول حدودها و مدى اتساع رقعتها، و قد عدها محمد ابن أبي طالب الأنصاري المعروف بشيخ الربوة إحدى ممالك بلاد الشام الثماني في العصر المملوكي، و هي: دمشق و حمص و حلب و حماة و طرابلس و صفد و الكرك و غزة، و قد ذكر شيخ الربوة شيئا من تاريخ صفد و عدد بعض الأعمال المضافة إليها لكنه، لم يذكر لها حدودا واضحة 4.

و بعد شيخ الربوة تحدث ابن فضل الله العمري عن صفد و بيّن‏

4

حدودها في كتابة التعريف بالمصطلح الشريف و هو أقدم كتاب في بابه، و خصها بقوله:

«و أما بلاد صفد: فحدها من القبلة الغور حيث جسر من وراء طبرية و من الشرق الملاحة الفاصلة بين بلاد الشقيف و بين حولة بانياس، و من الشام نهر ليطاني و من الغرب البحر، و ولاياتها: الشقيف و هو الشقيف الكبير المسمى بأرنون و هو قلعة منيفة منيعة، و لها بر له وال، و ولاية جينين، و ولاية عكا، و ولاية الناصرة، و ولاية صور» 5.

و عدد صدر الدين محمد بن عبد الرحمن العثماني في كتابه تاريخ صفد الذي نقدم له أعمال نيابة صفد التي تكونت منها و أفاد أن حدودها «و قد امتدت من عثليت» 6. و نقل أحمد بن علي القلقشندي في كتابه صبح الأعشى ما ذكره ابن فضل الله العمري دونما إضافات‏ 7.

و وصف خليل بن شاهين الظاهري نيابة صفد في كتابه زبدة كشف الممالك لكنه لم يبين حدودها 8. هذا و يلاحظ أن ابن فضل الله العمري حين جعل من الليطاني حد المملكة الشمالي لم يعرف أن عمل الشقيف وقع إلى الشمال من هذا النهر، أضف إلى هذا أن طبرية كلها كانت تابعة لصفد مع معظم منطقة الناصرة و مرج ابن عامر و ثلاثة أرباع عمل عثليت، و على هذا فإن جسر الصنبرة لم يمثل حدها الجنوبي، و يبدو أن ابن فضل الله العمري كان ينقل ما جاء في مصادر مبكرة، أضف إلى هذا كله أن «حولة» بانياس مثلت الحد الجنوبي الشرقي لنيابة صفد و ليس الحد الشرقي.

و على هذا يبدو أن حدود نيابة صفد كانت في أقصى اتساعها في العصر المملوكي كما يلي: حدها من الغرب البحر المتوسط، و من الشمال حوض نهر الزهراني، و من الشرق طرف مرجعيون امتدادا حتى نهر الحاصباني، ثم مجرى نهر الأردن حتى جسر الصنبرة، و من الجنوب أطراف مرج ابن عامر حتى البحر المتوسط.

5

و من الواضح أن أراضي نيابة صفد هذه قد احتلت مكانا استرتيجيا في وسط بلاد الشام، و كانت تمتلك من الموارد و الإمكانات ما يقوم بأودها و يمكنها من شغل دورها الذي أقيمت بالأصل لأدائه في مواجهة مملكة عكا و بقية الممتلكات الصليبية في ساحل الشام لكي تتفرغ دمشق للقيام بأعباء التصدي للخطر المغولي.

و من الممكن تقسيم أراضي النيابة إلى الأقسام الجغرافية التالية:

(أ) السهل الساحلي.

(ب) الهضاب و المرتفعات الجبلية.

(ج) السهول الداخلية.

(د) منخفض الغور.

و من المقرر أن السهل الساحلي هو جزء من سهول الشام الساحلية، و هو يمتد باتجاه الشمال الشرقي من جانب و الجنوب الغربي من الجهة المقابلة، و تتخلله بعض الرؤوس و الخلجان البحرية مثل: رأس صور، و رأس الناقورة، و خليج عكا، و خليج عثليت.

و بشكل عام، كان السهل الساحلي خصبا، و فير المياه، كثير المزروعات، أضف إلى ذلك أن البحر و فر لسكانه موارد رزق من أسماكه، و مما حمل على ظهره من تجارات و بضائع.

و نظرا لقرب المنطقة الجبلية من البحر المتوسط فقد كانت هي أيضا تملك إمكانات زراعية جيدة، و يلاحظ أن إمكانات السهول الداخلية كانت هي أيضا جيدة تتدفق فيها المياه، و تتمتع بمناخ مناسب لإنتاج أنواع كثيرة من المزروعات‏ 9.

اكتملت رقعة نيابة صفد بعد عام 690 ه/ 1291 م إثر تحرير عكا و عثليت و تصفية الوجود الصليبي. و قد تألفت من الأقسام الإدارية

6

التالية: بر صفد (الزنار)، الناصرة، اللجون، جينين، عكا، صور، و الشقيف، و مرجعيون، و أرض الجرمق، و طبرية، و تبنين و هونين، و الشاغورين، و معليا، و عثليت، و مرج ابن عامر، و الإقليم‏ 10، و كان يتبع كل واحد من هذه الأقسام مجموعة من القرى‏ 11.

و شهدت نيابة صفد مثل غيرها من مناطق بلاد الشام نشاطا اقتصاديا زراعيا و تجاريا و حرفيا، ذلك أن تمركز الحاميات العسكرية داخل صفد و الحركات و التنقلات المستمرة للقوات و لا سيما قبل تحرير عكا شجعت على قيام تجارة نشطة و تأمين السلع و الأسواق للقوات.

و لا شك أن احتياجات القوات إلى الأسلحة الفردية و الجماعية و العتاد و اللباس و الخيول و مختلف أنواع الحيوانات قد قدمت حوافز على النشاط التجاري و الصناعي. أضف إلى هذا أن قرب صفد من دمشق و من بقية مدن فلسطين و الوحدة بين بلاد الشام و مصر، قد مكنا من نقل البضائع من الشام إلى مصر و بعض منتجات مصر إلى الشام.

و لا شك أن التوسع العمراني في صفد و تحويلها من قرية إلى بلدة كبيرة- مع أعمال ترميم القلعة و الأسوار و بناء بعض المعاهد الدينية و المساجد- أوجدا فرص للعمل و يسرا وجود طائفة من محترفي صناعة البناء 12.

و على العموم ارتبطت الحياة الاقتصادية في نيابة صفد، مثلها في بقية أجزاء الدولة المملوكية، بالأرض إلى أبعد الحدود. و في تاريخ الشرق في مختلف العصور كانت السلطة هي الملّاك الأكبر للأرض، و هي بالتالي المستغل الذي يتولى إنشاء القنوات و السدود و الترع و غير ذلك. و ما تمتلكه الدولة لم يشكل القطاع الأعظم من الأرض فحسب بل الأحسن. و كانت الدولة تحصل على منتجات الأرض عن طريق حصص رجالاتها و عن طريق الضرائب و غير ذلك، و من هذه المنتجات كان إنفاق الدولة. ففي أوائل التاريخ الإسلامي كانت المواد العينية

7

تشكل جزءا هاما من أعطيات الجند، و استمر هذا الحال طوال العصر الأموي و الجزء الأكبر من العصر العباسي. و في عصر التحكم البويهي عندما صار رجالات الجند هم الطبقة العليا المتصرفة بشؤون الدولة صار هؤلاء ملاكا للأرض و مستغلين لها، إنما مقابل خدمات عسكرية بحكم الاختصاص و الوظيفة، و يعدّ هذا بداية ما عرف باسم «الإقطاع العسكري».

و تطور نظام الإقطاع العسكري و أرسيت قواعده خلال العصر السلجوقي. و قد طبق السلاجقة هذا النظام في بلاد الشام إثر دخولها في حوزتهم في النصف الثاني من القرن الخامس الهجري/ الحادي عشر للميلاد، و عن السلاجقة ورث الأيوبيون و من بعدهم المماليك هذا النظام.

و كان للسلاجقة سياسة دينية خاصة، فاهتموا برجال الدين و بإقامة المؤسسات الدينية. و ترافق هذا مع نشاط التصوف و انتشاره فقاد هذا كله إلى قيام ما يمكن دعوته باسم «الإقطاع الديني»، حيث حصرت الوظائف الدينية بأسر محددة و باتت الوظائف و المناصب يتم توارثها بشكل منتظم. و كما سيطر الإقطاع العسكري على معظم الأراضي الصالحة للزراعة، شاركه الإقطاع الديني و جاء بعده بالمنزلة. على أن معظم ممتلكات هذا الإقطاع عرفت باسم الأوقاف محافظة بذلك على تسمية قديمة متوارثة 13.

إن استيلاء الإقطاع العسكري و الديني على الجزء الأعظم من الأراضي الزراعية لم يلغ الملكية الفردية الخاصة، أضف إلى هذا أن الإقطاع العسكري لم يكن في غالب الأحيان تملكا دائما للأرض بل استغلالا. فالقاعدة قضت بإعطاء الأرض بدلا من الأعطيات و نظيرا للخدمة العسكرية، و لهذا غالبا ما حملت في العصر المملوكي اسم «الخبز أو الأخباز».

8

و القاعدة في الإقطاع العسكري عدم التوريث، لكن حدث و خرقت هذه القاعدة، و لهذا كان بعض سلاطين المماليك يلجأون إلى إعادة مسح الأرض و حصرها في سجلات و من ثم إعادة توزيعها، و هذا ما كان يطلق عليه اسم «الروك» 14. و تشير الأخبار المرتبطة ببدايات ظهور نيابة صفد أنه في سنة 661 ه/ 1262 م أغارت قوات الظاهر بيبرس على الناصرة، و جبل طابور فحررت بعض الأراضي هناك، و طردت المتسلطين عليها من الفرنجة، و قام الظاهر بيبرس بمنح هذه الأراضي إقطاعا لأمراء قواته، و كتب لهم مناشير بذلك‏ 15.

و بعد تحرير صفد سنة 664 ه/ 1266 م أقطع السلطان الظاهر بيبرس صفد و الأراضي المحيطة بها لمن أبقاه فيها من الأمراء و الجند، و قدرت قيمة هذا الإقطاع آنذاك بمبلغ ثمانين ألف درهم‏ 16. و بعد تحرير عكا أعطى السلطان عددا من الأمراء المماليك إقطاعات من أراضيها 17.

و تفيد مختلف الأخبار أن المماليك طبقوا نظام الإقطاع العسكري في مختلف النيابات الشامية و منها صفد، و جاء التطبيق بإعطاء بعض الإقطاعات للجند و الأمراء مقابل خدماتهم العسكرية. كما أن السلطنة كانت تنتزع الإقطاع من بعض الأمراء و تمنع التوريث. ففي سنة 727 ه/ 1326 م كتب الأمير سيف الدين أرقطاي نائب صفد إلى السلطان الناصر محمد بن قلاوون يشكو من نجم الدين فيروز، و كان من أمراء صفد، و أمر السلطان باعتقال فيروز في قلعة صفد و بذلك قطع خبزه، أي انتزع منه ليعطى إلى غيره. و في السنة نفسها نقل إلى صفد الأمير أيبك البكتوتي من القاهرة، و منح إقطاع فيروز 18. هذا و يلاحظ أن الأمراء الذين كانوا يخدمون في نيابة صفد أو سواها لم تنحصر إقطاعاتهم حيث تمركزوا، بل غالبا ما كانت موزعة على أكثر من موقع، و جاء هذا الإجراء لمنع التوريث و الاستبداد في منطقة محددة

9

و لأن الأمراء كانوا يتدرجون في المناصب، و كانت خدماتهم غير مستقرة في مكان واحد 19.

هذا و اعتادت السلطنة المملوكية منح بعض مشايخ البدو (العشير) إقطاعات لقاء خدمات محددة أو لإسهامهم في بعض الحملات، إنما يبدو أن هذه الإقطاعات جاءت عن طريق التمليك الذي يمكن توريثه.

و لم يقتصر هذا الإجراء على مشايخ البدو، و إنما شمل أمراء المماليك، فبعدما حرر الظاهر بيبرس قيسارية و أرسوف سنة 663 ه/ 1265 م «أمر بكشف قيسارية و عمل متحصلها، فعملت بذلك أوراق، و طلب قاضي دمشق و عدوله و وكيل بيت المال بها، بأن يملك الأمراء المجاهدون من البلاد التي فتحها الله عليه و تبقى للولد منهم و ولد الولد، و ما يدوم إلى آخر الدهر، و يبقى إلى الأبد» 20.

و يبدو أن هذه الأراضي قد كانت ممتلكة من قبل بعض الإقطاعيين الفرنجة، و أن هؤلاء هربوا منها مع الذين كانوا يتولون حراستها إلى يافا و عكا، فأقدم السلطان على تمليكها حسب قاعدة الصوافي التي عرفها التاريخ الإسلامي منذ العصر الراشدي.

و على هذا يمكن القول: إن أراضي الامتلاك كانت إما مملّكة حديثا لأمراء المماليك و هي هنا من أحسن الأراضي أو مما توارثه أفراد من السكان تملكوه، و من المرجح أن الملاك و المقطعين- على حد سواء- كان يأتيهم نتاج الأراضي دونما عناء، و أن الفلاحين و إن لم يعدوا من أقنان الأرض عاشوا ظروفا كانت بعيدة عن الإنسانية و العدل. و يقول التاج السبكي:

«و من قبائح ديوان الجيش إلزامهم الفلاحين في الإقطاعات بالفلاحة، و الفلاح حر لا يد لآدمي عليه، و هو أمير نفسه، و قد جرت عادة الشام بأن من نزح دون ثلاث سنين يلزم و يعاد إلى القرية قهرا، و يلزم بشد الفلاحة، و الحال في غير الشام أشد منه فيها» 21.

10

و يقول الشاعر الصفدي عمر بن أحمد بن عبد الله بن حلاوات واصفا أحوال صفد بعد ما توجه إليها بكتمر الحاجب كاشفا سنة 702 ه/ 1302 م:

يا قاصدا صفدا فعد عن بلدة* * * من جور بكتمر الأمير خراب‏

لا شافع تغني شفاعته و لا* * * جان له مما جناه مناب‏

حشر و ميزان و شر و صحائف‏* * * و جرائد معروضة و حساب‏

و بها زبانية تبث على الورى‏* * * و سلاسل و مقارع و عقاب‏

ما فاتهم من كل ما وعدوا به‏* * * في الحشر إلا راحم وهاب (22)

أما بالنسبة لأملاك الأوقاف فإنها بخلاف غيرها من أوقاف نيابات الشام أحدثت كلها في العصر المملوكي، و ظهرت مع ظهور النيابة إثر تحرير أراضيها من الصليبيين، و لذلك فإن تاريخ جل هذه الأوقاف يعود إلى عهدي الظاهر بيبرس و الأشرف خليل بن قلاوون، و كانت الأوقاف إما بعض الأراضي الزراعية أو بعض الممتلكات في المدن و سواها، و قصد منها تأمين التمويل اللازم لسداد نفقات الموقف عليه بشكل دائم، و كانت الأوقاف إما خاصة تؤدي خدمات محصورة أو عامة تؤدي خدمات اجتماعية و خيرية عامة.

و قد أوقف الظاهر بيبرس عدة قرى على بعض مزارات الأنبياء و الأولياء و الصحابة، فقد أوقف قرية قديتا في بر صفد على مزار الشيخ خضر، و أوقف ثلاثة أرباع قرية الحقاب و هي إلى الجنوب من صفد، على مزار الشيخ علي المجنون و كان ممن حضر وقائعه، و الربع الباقي على شيخ آخر حضر أيضا وقائعه اسمه إلياس، و أوقف قرية حطين على مزار النبي شعيب، و قرية فرعيم و هي إلى الشمال الشرقي من صفد على قبر خالد بن الوليد.

و أوقف الأشرف خليل بن قلاوون عدة قرى على قبر أبيه قلاوون في القاهرة 23.

11

و أنتجت أراضي صفد أنواعا متعددة من المحاصيل الزراعية مما شهرت به بلاد الشام لا سيما السواحل المتوسطية من حبوب و خضار و زيتون و قطن و قصب سكر، و توزعت هذه المزروعات على المناطق متأثرة بالتربة و المناخ و التضاريس.

و يبدو أن الحبوب من قمح و شعير و قطاني (عدس و حمص و كرسنة) قد زرعت في جميع المناطق، و أن القمح و الشعير كانا أهم محاصيل نيابة صفد، فالقمح هو مادة التموين الرئيسة و الشعير أساسي في أعلاف الحيوانات‏ 24.

و قد زرعت بعض أراضي نيابة صفد بالرز خاصة في المناطق التي وقعت بين الحولة و طبرية مع سهل الحولة نفسه و قرب قناة صور، و كان رز صفد يصدر إلى دمشق. و زرع القطن في مرج بني عامر، و في ساحل عكا، و في بر صفد، و شهر قطن صفد بجودته‏ 25.

و وجدت مزارع لقصب السكر في ساحل عكا و ساحل صور، و شهرة عكا قديمة في إنتاج السكر مع جودة هذا السكر 26. و شهرت أراضي نيابة صفد بزراعة الزيتون بشكل مكثف في الجليل و الساحل‏ 27. و أنتجت نيابة صفد مختلف أنواع الفواكه و الخضراوات و الورد و الرياحين التي أنتجتها بلاد الشام، و كان من بين الفواكه: التين و العنب و الرمان و القراصيا و البطيخ و البرقوق و المشمش و الدراقن و التوت و التفاح و الكمثرى و السفرجل و الجوز و اللوز و البندق و الإجاص و العناب و الزعرور و الأترج و الليمون و الكباد و النارنج و الموز، و من الرياحين الآس و الورد و النرجس و البنفسج و الياسمين‏ 28.

و كانت بعض هذه المنتجات تصنّع، مثل استخراج الزيت من الزيتون و صنع الدبس و ماء الورد و الزهر مع تصنيع بعض الفواكه و الاستفادة

12

من القطن في صناعة النسيج. و لم تقتصر صناعة النسيج على القطن و قد كانت هنالك الأصواف، و كان الكتان يزرع أيضا في الجليل، و كما أن سهل الحولة كان ينتج الحلفاء بكثرة، و كانت تستخدم في صناعة الحصر.

و زرع بعض سكان المرتفعات الحشيشة و اعتصروا مادتها و خزنوها لتباع كمادة مخدرة، كما أن الثروة الحراجية كانت كبيرة في نيابة صفد في المناطق الساحلية 29.

و يحدثنا النويري أن القاعدة في الزراعة «بسائر بلاد الشام أن كل فلاح يقسم الأراضي التي بيده إلى شطرين، فيزرع شطرا و يريح شطرا و يتعاهده بالحرث لتقرع الشمس باطن الأرض، ثم يزرعه في القابل، و يريح الشطر الذي كان به الزرع، هذا دأبهم خلافا لأراضي الديار المصرية فإنها تزرع كل سنة» و كانت غالبية الزراعات بعلية و أقلها هو الذي اعتمد على السقي و كان الزرع في نيابات الشام إما «شتويا أو صيفيا، و يعنون بالشتوي القمح و الشعير و الشوفان و الفول و الحمص و العدس و الكرسنة و الجلبان و البستيلة و هي التي تسمى بمصر البسلي و بالساحل الطرابلسي الحلبة، و يعنون بالصيفي: الذرة و الدخن و السمسم و الأرز و الحبة السوداء، و الكسبرة و المقاثي (القثاء) و الوسمة (ورق النيل للصباغة) و القرطم (حب العصفر) و القطن و القنب» 30.

و كان وكلاء المقطعين يخرجون نحو الحقول و المزارع مع اقتراب نضوج المحصولات «فيحفظون الزراعة من التطرف إلى شي‏ء منها، و يلازمونها إلى أن تحصد و تنقل إلى البيادر، فعند ذلك يخرج الأمر بحفظ ما يصل إلى البيادر، و يأخذون في الدراس». و يتبع ذلك التذرية ثم قسمة الغلال، و تتم القسمة إما «مناصفة، و ذلك في أراضي السقي، و مثالثة و مرابعة، و هو في غالب البلاد، و مخامسة و مسادسة و ذلك في المزارع و النواحي الخالية من السكان التي يزرعها المستكرون، و مسابعة

13

و مثامنة، و ذلك في النواحي المجاورة لسواحل البحر».

و يعني هذا أن حصة الفلاح الرسمية تراوحت بين نصف المحصول إلى ثمنه و غالبا ما كانت ربعه، لكن هذا كان نظريا فقط. فقد جرت العادة على مشاطرة الفلاح بحصته بحجة تقصيره في زراعة بعض أجزاء الأراضي و تبويره لها، و إثر ذلك يؤخذ مما بقي له عشره كصدقة، و بعد هذا كله يستوفى منه ما تراكم عليه من ديون سالفة، مما يفيد بالمحصلة أن الفلاح كان يحصل على نسبة ضئيلة جدا من الغلال‏ 31. و يدل هذا على أن أحوال الفلاحين كانت في غاية السوء، و قد دفع سوء الحالة هذه الفلاحين إلى الهرب من القرى و المزارع، و الهجرة إلى المدن، مما نجم عنه نتائج اقتصادية و اجتماعية خطيرة جدا.

و أتى القلقشندي على ذكر المواشي في بلاد الشام، فعدد «الإبل و البقر و الغنم و الخيل و البغال و الحمير» كما أشار إلى الوحوش فسمى «الغزلان و الأرانب و الأسود و كثيرا من أنواع الوحوش المختلفة» و قال: «و أما طيوره [الشام‏] ففيه الإوز و الحمام و أنواع طيور الماء المختلفة الأنواع» 32.

و هنالك من الأخبار ما يشير إلى وجود الإبل في نيابة صفد عند بعض أمراء الدولة و عند القبائل البدوية (العشير)، كما أنه كثرت تربية البقر و الجواميس في المناطق الساحلية، أما تربية الأغنام فقد انتشرت في غالبية المناطق، و ملكت نيابة صفد ثروة سمكية جيدة من البحر المتوسط و البحيرات و المياه الداخلية 33.

و وجدت في بعض مدن نيابة صفد صناعات لنسج الحرير و الأصواف و الكتان، مع بعض الصناعات الأخرى، مثل اللباد و سروج الخيل، كما توفرت الطواحين التي أديرت بقوة الماء 34.

و كانت عكا مقر مملكة القدس اللاتينية الثانية و لذلك كانت نشطة تجاريا إلى أوسع الحدود، لكن السلطان الأشرف خليل أمر بهدمها إثر

14

تحريرها، و لا شك أن هذا أوقف نشاطها البحري و التجاري الخارجي، على أنه يبدو أن عكا استردت نشاطها و غدت ميناء نيابة صفد في القرن الثامن ه/ الرابع عشر م، «يقصدها تجار لفرنج بالبضائع، و يأخذون منها القطن، و تضمن بخمسين ألف درهم» 35.

و قد كان هنالك حركة تجارية بين نيابة صفد و دمشق، و لذلك توفرت بعض الخانات على الطرق الواصلة بينهما. و توفرت الأسواق داخل صفد و في بعض القرى و البقاع لتوفير الحاجيات و السلع لسكان النيابة، إنما من الصعب الحديث عن أنواع التجارات و حجمها و كميات الأموال‏ 36.

و كانت نيابة صفد أول نيابة أنشئت في فلسطين لتأدية أغراض عسكرية و أمنية و لذلك أقيمت فيها جميع الوظائف التي عرفتها الإدارات المملوكية في النيابات و كان هيكلها الاداري مثله من النواحي العسكرية و المدنية مثل هياكل إدارات نيابة دمشق و حلب و الكرك و طرابلس و حماة، و الخلاف فقط تعلق بالإدارات الدينية، و هذا ما يلاحظه الانسان لدى دراسته للأوضاع الادارية في نيابة القدس.

و سلف أن نقلنا في مطلع هذا الفصل عن ابن شداد أن الظاهر بيبرس أحدث مع انشاء نيابة صفد ثلاث وظائف هي: النائب، و الوالي، و والي القلعة، و كانت هذه الوظائف هي محور العمل الإداري في كل نيابة.

و النيابة هي الوظيفة الأولى، يمثل صاحبها السلطان، و يكون مسؤولا عن شؤون الدولة و تصريف أمورها، و يتم تعيين النائب من قبل السلطان بمرسوم (تقليد شريف) يصدر في القاهرة، و كانت صلاحيات النائب شبه مطلقة.

و كان أول من تولى نيابة صفد الأمير عز الدين أيبك العلائي بعد تحرير صفد في 18 شوال 664 ه/ 21 تموز/ يوليو 1266 م‏ 37، و قد

15

تقلب على النيابة منذ هذا التاريخ و حتى سنة 922 ه/ 1516 م، تاريخ سقوط بلاد الشام للحكم العثماني، أكثر من مئة و سبعة و عشرين نائبا، ثلاثة عشر منهم مرتين و واحد ثلاث مرات و اثنان أربع مرات. فخلال مدة قرنين و نصف القرن عاشتها نيابة صفد تم تغيير النواب فيها أكثر من مئة و ستا و أربعين مرة، و مرد هذا يعود إلى طبيعة السلطنة المملوكية بشكل عام، و إلى ما شهدته من اضطراب مستمر و عدم استقرار، و على هذا لم ترتبط أمور العزل و التعيين بالكفاءة و العجز بل ارتبطت بالتغيرات التي شهدها مركز الدولة، فبعض الأمراء جرى تعيينهم للتخلص من معارضتهم للسلطان كالأمير سيف الدين الأبو بكري الذي رفض قبول هذا التعيين سنة 732 ه/ 1322 م (38)، و الأمير أرغون شاه الذي بعث نائبا إلى صفد سنة 747 ه/ 1346 م لتعاليه على السلطان نفسه، و تكبره على الأمراء، و فحشه في مخاطبتهم، و خشية من فتنة قد يحدثها في القاهرة (39)، و الأمير أحمد الساقي الذي أبعد إلى نيابة صفد سنة 749 ه/ 1348 م لأنه كان صاحب فتن (40).

و كان بعض الأمراء يرسلون نوابا إلى صفد غضبا عليهم لا خشية منهم مثل الأمير سيف الدين طغاي الخاصكي، و كان ذا حظوة لدى السلطان الناصر محمد بن قلاوون فغضب عليه فنفاه نائبا إلى صفد سنة 718 ه/ 1318 م‏ 41، و الأمير الحاج آل ملك الذي كان نائبا للسلطنة في مصر، فعزل و أرسل نائبا إلى دمشق، و في الطريق إليها لحقه أمر آخر بتعيينه نائبا لصفد، و كان ذلك سنة 746 ه/ 1345 م‏ 42.

و جرى تعيين بعض النواب استرضاء لهم في بعض حالات العصيان، ففي سنة 865 ه/ 1461 م أقدم السلطان خشقدم على تعيين الأمير تمراز الأشرفي نائبا لصفد ذلك أنه اتفق مع الأمير جانم نائب دمشق على العصيان و حضر بالعساكر إلى مصر، لذلك أرضي بنيابة صفد، و بذلك أضعف السلطان حركة العصيان‏ 43.

16

و كان مما ابتليت به السلطنة المملوكية لا سيما في عقودها المتأخرة بيع المناصب و الرشوة، و شمل ذلك الوظائف العسكرية و الإدارية و الدينية.

فقد دفع مقبل الرومي سنة 836 ه/ 1433 م مبلغ 000، 12 دينار ثمن تولي نيابة صفد 44. و دفع سنة 892 ه/ 1487 م بلبان الإينالي مبلغ 000، 20 دينار مقابل تولي نيابة صفد 45. و بذل سنة 918 ه/ 1512 م الأمير طرباي مبالغ كبيرة للحصول على هذا المنصب‏ 46.

و مما يثير الدهشة أن شراء المناصب أخذ منذ أيام السلطان الصالح اسماعيل بن محمد قلاوون (753- 755 ه/ 1352- 1354 م) سمة قانونية في الدولة المملوكية حيث تأسس أيام هذا السلطان ديوان خاص عرف باسم ديوان البذل.

و ازدادت مكانة هذا الديوان مع ازدياد الضائقة المالية لدى السلطنة، و هو يدل على حالة التفكك و الضعف التي آلت إليها أحوال دولة المماليك قبل سقوطها. هذا و إن في ضخامة المبالغ التي بذلت في سبيل منصب نيابة صفد ما يشير إلى أهميته و حساسيته‏ 47.

و كان نائب صفد يعتمد في دخله على ما كان يصله من الإقطاعات المخصصة لمنصبه، و إذا لم يكفه ذلك و لم يف بحاجته كان يزاد من أموال الخاص السلطاني، فهذا ما حدث سنة 676 ه/ 1277 م عندما زيد الأمير علم الدين سنجر الحموي- و عرف بأبي خرص- من الخاص السلطاني، و تكرر في الأمر سنة 737 ه/ 1336 م عندما زيد الأمير طشتمر البدري الساقي- الملقب بحمص أخضر- من الخاص السلطاني‏ 48.

و عرف النظام المملوكي التدرج في الرتب العسكرية، و كان أعلى الرتب إمرة مئة و تقدمة ألف، و حامل هذه الرتب كان تحت إمرته مئة أمير و ألف مقاتل، و جرت العادة أن يتولى نيابة صفد من حمل هذه الرتبة العالية و كان آخر من وليها من مقدمي الألوف الأمير أزدمر المسرطن‏ 49.

17

و مر بنا أنه أحدث مع منصب النيابة منصب الولاية، و من المرجح أن النائب كان مسؤولا عن حكم النيابة جميعها، لكن مسؤولية الوالي لم تتعد مدينة صفد، و كان الذي يشغل هذا المنصب من العسكريين ذوي المراتب الدنيا و غالبا ما كان من أمراء العشرات. و عني الوالي بشؤون الأمن و الإدارة، و عندما غدت نيابة صفد تضم أكثر من مدينة، و تتألف من عدة إدارات صار لكل إدارة و اليها الخاص، و على هذا تعدد الولاة في النيابة الواحدة 50.

و الإشارات التاريخية إلى الذين تولوا منصب ولاية مدينة صفد و غيرها من الولايات قليلة جدا، و على العموم كان تعيين والي صفد يجري من قبل السلطان، ففي سنة 678 ه/ 1280 م نقل السلطان قلاوون الأمير سيف الدين بلبان الجوادي من ولاية مدينة صفد إلى «خزاندارية» قلعتها، و نقل سنة 679 ه/ 1281 م الأمير علم الدين سنجر الكرجي من نيابة القلعة إلى ولاية المدينة 51. و مثلما حصر السلطان بنفسه أمر تعيين ولاة مدينة صفد و نقلهم اندرج هذا على ولاة المناطق الإدارية التابعة للنيابة، ففي سنة 679 ه/ 1281 م ولى السلطان قلاوون الأمير بدر الدين بن درباس ولاية جينين و مرج ابن عامر، و بعد تحرير عكا سنة 690 ه/ 1291 م نقل السلطان الأشرف خليل الأمير سنجر الصوابي من ولاية صفد و عين بدلا عنه الأمير علم الدين أيدغدي الألدكزي‏ 52.

و كانت وظيفة نيابة قلعة صفد قد أحدثت مع تأسيس النيابة، و هي نيابة مستقلة لا تخضع لصلاحيات نائب صفد، بل تتبع السلطنة مباشرة.

و كانت الواجبات الملقاة على عاتق متوليها صيانة القلعة، و حفظ الذخائر و الأعتدة المخزونة فيها، و عدم التصرف بها إلا بأمر السلطان بالذات، و كان على نائب القلعة مراقبة نائب صفد و إخبار السلطان بحركاته و نواياه، و منعه من التمرد و الاستقلال. و تمركز في القلعة عدد من الجند

18

كانوا تحت إمرة نائبها يتولون حمايتها، كما حوت قلعة صفد جامعها الخاص، و حوت سجنا كان يودع به كبار معارضي السلطنة، و لم تكن قلعة صفد في القلعة الوحيدة في النيابة، بل وجد إلى جانبها عدد من القلاع كان أهمها في الأراضي الفلسطينية قلعة قاقون‏ 53، التي شكلت الخط الدفاعي الأول عن صفد، ضد مملكة عكا الصليبية.

و يلاحظ مستعرض تاريخ السلطنة المملوكية أن وظيفة أتابك قد شغلها الشخص التالي في المرتبة للسلطان، و كانت هذه الوظيفة قد نشأت في العصر السلجوقي‏ 54 و تطورت لتعني في الدولة المملوكية قيادة العساكر السلطانية، و قد عرفتها نيابة صفد، إنما ليس بشكل دائم كما يبدو.

و كان من بين الذين شغلوا منصب الأتابك و مقدمية العساكر في نيابة صفد جمال الدين أيدغدي سنة 688 ه/ 1289 م، و الأمير غرس الدين خليل بن شاهين الشيخي سنة 842 ه/ 1439 م، و الأمير يشبك الفقيه سنة 849 ه/ 1446 م، و الأمير خاير بك النوروزي سنة 858 ه/ 1454 م، و الأمير جمال الدين يوسف بن يغمور، و الأمير قاني باي طاز في ستينات القرن التاسع ه/ الخامس عشر م، و الأمير أزدمر الإبراهيمي الطويل سنة 874 ه/ 1470 م‏ 55.

و تمركز في نيابة صفد قوة عسكرية لم تكن بالكبيرة، مهامها الأساسية الحفاظ على الأمن و الدفاع قبل تحرير عكا، و توزعت هذه القوة بين القلاع و المدن، و تألفت من نوعين من الجند هما: مماليك النائب و الأمراء، و شكلوا الحرس الخاص لكل منهم، و كان عددهم ألفا.

و أجناد الحلقة، و هم فئة من الجند كانوا في البداية يشكلون جند السلطان المختارين، ثم تطور الأمر بعد الظاهر بيبرس فصار اللفظ يدل على الجيش المملوكي عامة بعناصره المملوكية الأصل و غيرها، و بلغ عدد هؤلاء في نيابة صفد ألفا أيضا 56، و كان يلحق بهذين النوعين‏

19

من الجند القوات المساعدة أو الرديفة و المتطوعة، و كانت هذه القوات تجند من قبل قبائل العرب و التركمان وقت الحاجة بشكل مؤقت لتأدية خدمات محددة 57.

و عرفت نيابة صفد وظيفة الحجابة، و كان صاحبها من حيث المبدأ من أمراء المئات و مقدمي الألوف و يساعده حاجبان كل واحد منهما برتبة «أمير عشرة» و هو ثاني نائب السلطنة في الرتبة و لا يدخل أحد دار النيابة راكبا غير النائب و غيره، و هو نائب الغيبة إذا خرج نائب السلطنة في مهم أو متصيد أو غير ذلك، و إليه ترد المراسيم السلطانية، بقبض نائب السلطنة إذا أراد السلطان القبض عليه، و يكون هو المتصدي لحال البلد إلى أن يقام لها نائب‏ 58.

و ممن تولى نائب الحجابة في صفد في النصف الأول من القرن الثامن ه/ الرابع عشر م الأمير صارم الدين الصفدي، و الأمير بيبرس الذي تولاها مرتين أيام الناصر محمد بن قلاوون. و كان حاجب صفد سنة 753 ه/ 1352 م اسمه ناصر الدين بن محمد البخاتي و في سنة 804 ه/ 1401 م علاء الدين علي بن بهادر بن عبد الله الدواداري، و من سنة 812 ه/ 1410 م و حتى سنة 821 ه/ 1418 م شاهين بن عبد العزيز، و في سنة 852 ه/ 1448 م خاير بك النوروزي و في سنة 882 ه/ 1477 م محمود بن الدواداري‏ 59.

و قد تدل المعلومات المتوفرة حول هؤلاء الحجاب و بعد المدد التاريخية بين واحد و آخر أن شغل هذه الوظيفة لم يكن دائما في نيابة صفد.

و عرفت نيابة صفد وظائف عسكرية أخرى كان منها منصب الدوادار و تعني «ممسك الدواة» و أطلق على حامل دواة السلطان أو الأمير، و يبدو أن هذه الوظيفة لم تملك سمة الديمومة في صفد، و جاء في الأخبار فقط أنه في سنة 753 ه/ 1352 م كان اسم الدوادار شهاب الدين أحمد، و في سنة 791 ه/ 1389 م كان يلبغا السالمي‏ 60.

20

و منها منصب الخزندار و هو المسؤول عن خزائن قلعة صفد و محتوياتها من أسلحة و أعتدة و غير ذلك، و مثل الوظيفة السالفة يبدو أنها شغلت أحيانا فقط، فالذي ذكرته المصادر هو أن السلطان قلاوون نقل سيف الدين بلبان الجوادي سنة 678 ه/ 1280 م من ولاية المدينة إلى خزندارية قلعة صفد.

و كان لنيابة صفد إدارتها المدنية أيضا، و قد شغلها «أرباب الأقلام».

و تصدر هؤلاء «ناظر النظار» أو «ناظر المملكة» و كانت وظيفته الإشراف على جميع الدواوين، و لذلك حمل لقب (وزير) أحيانا. و كان يعين من قبل السلطان، و كانت مهامها استشارية أكثر منها تنفيذية، تعتمد على قوة شخصية شاغل الوظيفة و حكمته و عمق تجربته، و تولى هذه الوظيفة عماد الدين محمد بن النويري مرتين خلال العقد الثاني من القرن الثامن ه/ الرابع عشر م و كريم الدين أكرم الصغير سنة 723 ه/ 1323 م‏ 61.

و كان ديوان الإنشاء أهم دواوين الإدارة المدنية، و قد تولاه موظف عرف باسم «كاتب السر». و كان يفترض فيه معرفة القرآن و الحديث و السيرة و التاريخ و الحكم و الأمثال، و أن يكون على درجة كبيرة من الفصاحة و البلاغة 62. و من الذين تولوا هذا الديوان في نيابة صفد:

شهاب الدين أحمد بن غانم سنة 700 ه/ 1300 م، و الشيخ الزين بن العسال سنة 825 ه/ 1421 م، و الشيخ جمال الدين الحسناوي سنة 829 ه/ 1425 م، و القاضي جمال الدين الباعوني سنة 838 ه/ 1434 م‏ 63.

و كان من بين أهم الموظفين في هذا الديوان كتّاب الدرج (دست) أو الموقعون، و لعل أشهر الذين تولوا هذا المنصب في أوائل القرن الثامن للهجرة/ الرابع عشر للميلاد المؤرخ صلاح الدين خليل بن أيبك الصفدي.

و ارتبط بديوان الإنشاء البريد، و هو مرفق هام من مرافق الدولة،

21

نظم بشكل دقيق جدا منذ أيام الظاهر بيبرس، إلى حد أن الخبر كان يرد من دمشق إلى القاهرة في أربعة أيام فقط، و اعتمد هنا على نقل الخبر بوساطة الفرسان، و أكثر المماليك أيضا من استخدم الحمام، كما استخدموا المنائر و الشارات الضوئية، و حوت نيابة صفد ثلاث منائر في جينين، و قاقون، و جبل فحمة، مع عدة أبراج للحمام في صفد و قاقون و جنين، كما كان فيها عدة محطات للبريد تصل صفد بغزة فالقاهرة من جهة، و بدمشق من جهة أخرى‏ 64.

و كان ديوان الجيش بين الإدارات المدنية في نيابة صفد، و قد اهتم بشؤون العساكر المحلية و إقطاعاتهم، و تولاه ناظر الجيش و غالبا ما كان واحدا من قضاة صفد، كالشيخ شمس الدين محمد الحافظ القاضي الحنفي في صفد و ذلك سنة 716 ه/ 1316 م، و القاضي ابن القف الذي صرف عنه سنة 852 ه/ 1448 م لصالح القاضي بدر الدين ابن قاضي بعلبك، و كان ناظر هذا الديوان يعين من قبل السلطان‏ 65.

و سلفت الإشارة إلى وجود وظيفة الكاشف أحيانا في نيابة صفد، و هي وظيفة ذات صبغة عسكرية مدنية 66.

هذا و يرجح أن نيابة صفد قد وجد فيها ديوان للمال تولاه ناظر خاص كان يعينه السلطان، و ذلك مع وظائف أخرى كان النائب يتولى تعيين أصحابها 67.

و فضلا عن الإدارتين العسكرية و المدنية كان في نيابة صفد إدارة دينية شملت القضاء و الفتوى و الحسبة و نظر الأوقاف و المساجد و المدارس الدينية.

و القضاء مؤسسة رائدة في التاريخ الإسلامي لها تاريخ عام ارتبط بتطورها العام، و خاص ارتبط بتطورها في كل واحد من الأقاليم و الأزمان، و يهمنا هنا أن نشير إلى أن السلطنة المملوكية اعترفت بأربعة

22

مذاهب إسلامية فقط هي: الشافعي، الحنفي، المالكي، الحنبلي، و كان جل سكان مصر و الشام شافعية، و تلاهم الأحناف، و كان الحنابلة و المالكية أقلية، و في أيام الظاهر بيبرس تأصل تعيين أربعة قضاة في القاهرة و النيابات، قاض لكل مذهب، و كان من اختصاص القضاة المسلمين الفصل في خصومات المسلمين و غير المسلمين و مشاكلهم إذا ما رغبوا، و يبدو أن قاضي الشافعية كان مقدما على سواه في نيابة صفد، و أن تعيين قاض للمالكية، و آخر للحنابلة كان يهمل في بعض الأحيان، و كان لكل قاض نوابه في مناطق النيابة، و يبدو أن بعض القضاة قد خضعوا لضغوط النواب، و مع انحطاط الدولة المملوكية و انتشار شراء المناصب، شمل ذلك القضاء، فقد كان جمال الدين يوسف بن الباعوني قاضيا للشافعية بصفد، فعزل فتوجه إلى القاهرة فبذل المال فأعيد إلى منصبه سنة 838 ه/ 1435 م، و تولى قاض آخر هو ابن الفرعمي قضاء الشافعية مرتين في صفد عن طريق البذل، و ذلك في النصف الثاني من القرن التاسع للهجرة/ الخامس عشر للميلاد 68.

و عرفت نيابة صفد مفتيين فقط، واحدا للشافعية و آخر للأحناف، لكن فضلا عنهما كان بعض العلماء يتصدون للإفتاء بدون تكليف رسمي، ذلك أن مهام المفتي تعلقت بتوضيح نصوص الشريعة و الإجابة عن بعض الأسئلة الطارئة (النوازل) 69.

و كان في نيابة صفد من تولى شؤون الأوقاف و الإشراف على بيت المال، و حفظ أموال الأيتام‏ 70، لكن أهم من هذه جميعا و أشهر كانت وظيفة الحسبة.

و الأصل في عمل الحسبة الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر، و قد تطورت هذه المؤسسة فبات القائم بها و هو المحتسب يتولى الإشراف على النظام العام، و يشرف على الأسواق، و على الآداب العامة، و يتحقق من مراعاة الشرع في جميع مجالات الحياة 71.

23

و كانت موارد الحكم في نيابة صفد تأتي من عدة موارد للضريبة و ذلك فضلا عما كانت تدره الإقطاعات و أملاك الأوقاف، فلقد توجب على الفلاحين المسلمين دفع عشر ما يتبقى لهم من حصص الغلال و المحاصيل و ذلك كصدقة أو زكاة 72.

و فرضت ضرائب غير المسلمين من مسيحيين و يهود و على الحجاج المسيحيين الذين كانوا يأتون بحرا أو برا إلى الأرض المقدسة، و كانت الضرائب التي تجبى في الماضي من أهل الذمة تعرف بالجزية، لكنها باتت تعرف في العصر المملوكي باسم الجوالي، و كانت تفرض على الرجال القادرين فقط من أهل الذمة، كما كانت تجبى عادة في المحرم من كل سنة، و تراوح المبلغ المفروض على الرجل ما بين بعض الدينار و أربعة دنانير 73.

و فرضت الضرائب على الحجاج الذين و صلوا إلى الأرض المقدسة عبر ميناء عكا، و هذه مسألة وقفت عندها بشي‏ء أكثر من التفصي، و وثقتها في عدد من مجلدات موسوعتي هذه عن الحروب الصليبية.

وجبت سلطات نيابة صفد ضرائب أخرى فرضتها على الممتلكات من دور و حوانيت و حمامات و أفران و طواحين، و كانت تجبى شهريا أو كل شهرين، كما جبت الضرائب من صناعات الحياكة و غيرها من الحرف، و كانت هنالك ضرائب مفروضة على المراعي، و الأغنام و الأبقار و الجواميس، و على البضائع المصدرة، و كل السلع التي كانت تباع يوميا في الأسواق إما من البائع أو من المشتري أو من الاثنين معا.

و عمدت السلطات المملوكية في أوقات الطوارى‏ء و الأزمات إلى فرض المزيد من الضرائب لتمويل الحملات العسكرية، و كان هذا كثير التكرار و الوقوع‏ 74.

و لم يكن لنيابة صفد دار سكة خاصة بها، و على هذا تعامل سكانها

24

بالنقود نفسها التي راجت في السلطنة المملوكية و اعتمدت، و ذلك من دنانير و دراهم و فلوس، و تأثروا بالتالي بأزمات النقد و مشاكل «زغل العملة» و غيرها مما عانى منه العصر المملوكي، و لا سيما في المدد المتأخرة 75.

و مثلما تعامل سكان نيابة صفد بنقود السلطنة المملوكية، اعتمدوا أيضا موازين الشام و مكاييلها و مقاييسها بشكل عام، و ارتبطت أوضاع النيابة الاقتصادية بأوضاع مدن الشام بشكل خاص و مدن السلطنة المملوكية بشكل عام‏ 76.

بعد هذا العرض العام لأوضاع نيابة صفد بقي علينا- قبل استعراض أهم ما شهدته من حوادث سياسية و ما شاركت به- أن نتعرض للأوضاع الثقافية و الحضارية فيها و الاجتماعية، لكن بما أن الأوضاع الثقافية و الاجتماعية لم تلتزم بالحدود و التقسيمات الإدارية، فإنني تناولتها بشكل إجمالي في فلسطين ضمن إطار بلاد الشام و السلطنة المملوكية مع عالمي العروبة و الإسلام و ذلك بشكل خاص في كتابي فلسطين في العصر المملوكي.

لقد أنشئت نيابة صفد لتقوم بدور التصدي للصليبيين في عكا و المناطق الأخرى، و لهذا وضعت فيها حامية عسكرية كبيرة، و كانت رتبة المتولي لها أعلى رتبة في الجيش المملوكي، و بالفعل شاركت عساكر صفد مع المتطوعة من سكانها في النشاطات العسكرية الدفاعية و الهجومية ضد الصليبيين حتى تمت تصفية وجودهم نهائيا، و في تلك الأثناء و بعدها شاركت قوات صفد في الأعمال العسكرية العامة للسلطنة المملوكية من تصد للمغول إلى الحملات الخارجية لا سيما ضد مملكة أرمينيا الصغرى و قوى آسيا الصغرى. أضف إلى هذا أن بلاد الشام شهدت خلال العصر المملوكي عددا من أعمال العصيان و الثورات و الصراعات على السلطنة، و كان لعساكر صفد دورها في هذا كله، و لقد كان من المهام الملقاة على‏

25

عساكر صفد ضبط الأمن في ديار النيابة و الحفاظ على الاستقرار، و بما أن نيابة صفد مثلها مثل غيرها من نيابات الشام قد حوت زعامات محلية طموحة و قوية و نشطة، فإن حامية صفد اصطدمت بهذه الزعامات أو تدخلت لفض الخصومات بين فئاتها.

حول هذه المحاور دار التاريخ السياسي لنيابة صفد، و هو بالواقع سجل أعمال عسكرية بالدرجة الأولى، و ليس هذا بالمستغرب فتلك هي الصورة التي يعكسها التاريخ المملوكي.

لقد شاركت عساكر صفد في الحملات المملوكية التي زحفت شمالا ضد سيس عاصمة مملكة أرمينيا الصغرى (كليكيا) في السنوات 691 ه/ 1292 م، 697 ه/ 1298 م، 703 ه/ 1303 م، و لم تنفرد خلال ذلك بدور متميز فيذكر 77.

و كان لعساكر صفد قوات رديفة جندت من البدو و سواهم و كان للمتطوعة من الشعب وجود و مشاركة في الجيوش المملوكية التي تولت الدفاع عن بلاد الشام ضد الخطر المغولي في مطلع القرن الثامن، عندما كانت السلطنة المملوكية تحكم من قبل المماليك الأتراك، و ليس في المصادر ما يوحي بحجم القوات الصفدية أو النفقات المالية التي تحملتها النيابة و آثار ذلك عليها 78.

و كان تاريخ المماليك الأتراك قد ارتبطت بدايته بموجة الحملات المغولية الأولى، و المدهش حقا أن انحسار سلطان هؤلاء المماليك و حلول المماليك الشركس محلهم قد ارتبطت بداياته بوصول الموجة المغولية الثانية بقيادة تيمورلنك، و قد أخفقت السلطنة المملوكية في التصدي له، و لم يكن هنالك أي نوع من الانتصارات يشبه ما حدث في عين جالوت، بل هزائم و تخاذل مخز.

ففي رجب سنة 796 ه/ أيار/ مايو 1393 م خرج نائب صفد الأمير

26

أرغون شاه الإبراهيمي مع عساكر مملكته و انضم إلى نواب الشام الذين توجهوا إلى حلب للمرابطة بها، و الدفاع عنها ضد تيمورلنك‏ 79، و لم يزحف تيمورلنك هذه السنة ضد بلاد الشام بل فعل ذلك بعد سبع سنوات في سنة 803 ه/ 1400 م، و في ربيع الأول 803 ه/ تشرين الثاني/ نوفمبر 1400 م خرج الطنبغا العثماني نائب صفد مع قواته و انضم إلى نواب الشام الذين زحفوا نحو حلب للتصدي لجيوش تيمورلنك، و كان تيمورلنك قد عقد العزم على الاستيلاء على بلاد الشام و مصر و الشمال الإفريقي أيضا و أعد العدة في سبيل ذلك، و أخفقت العساكر المملوكية في الدفاع عن حلب و انسحبت إلى دمشق، و دخل تيمورلنك حلب مدمرا و قاتلا بشكل وحشي لا نظير له، و بعد هذا زحف ضد بقية مدن الشام فاستولى عليها كما استولى على دمشق نفسها. إلا أنه تجددت أمامه ظروف حالت بينه و بين التوجه نحو مصر 80.

و بعد تيمور تعاظمت الضغوط على السلطنة المملوكية و لا سيما بحريا، و لهذا عزمت السلطات المملوكية على الاستيلاء على قبرص، و بالفعل أعدت الأساطيل لهذا الغرض، و نشطت لاحتلالها، و شاركت نيابة صفد في هذا المقصد، ففي سنة 827 ه/ 1424 م صدرت أوامر السلطنة إلى نائب صفد الأمير سيف الدين مقبل الرومي، بتجهيز سفينة حربية لتشترك مع العمارة البحرية المملوكية المرسلة لاحتلال قبرص، و قد تعين للاشتراك في هذه الحملة أتابك عساكر صفد مع مماليك النائب و مقدمهم‏ 81.

و لقد حركت حملات تيمورلنك المختلفة قبائل تركستان و سواها و سببت دفع قبائل تركية جديدة نحو المناطق الحدودية لبلاد الشام و لا سيما في الشمال، و كان من بين أهم القبائل مجموعة عرفت باسم الشاة البيضاء (الآق- قونيلو). و اضطرت السلطنة المملوكية إلى تجديد الحملات ضد الآق- قونيلو، و من بين الحملات واحدة قادها

27

السلطان الأشرف برسباي سنة 836 ه/ 1433 م، و قد شاركت عساكر نيابة صفد في هذه الحملة 82.

و كان المماليك الأوائل قد ركزوا نشاطاتهم في شمالي بلاد الشام ضد دولة أرمينيا الصغرى، و بعد زوال هذه الدولة ظهر في بعض مناطقها السالفة دويلة تركمانية جديدة اسمها «دلغادر» (ذولقادر) في «أبلستان».

و قد هددت هذه الدولة حلب و أراضي شمالي بلاد الشام، و جردت السلطنة المملوكية جيوشها ضدها، و شاركت عساكر صفد في الحملات المملوكية التي جردت في المدة المحصورة فيما بين 870- 875 ه/ 1465- 1470 م‏ 83.

و حاولت السلطنة المملوكية وضع دويلات التركمان في مناطق الحدود الشمالية تحت نفوذها مستهدفة من وراء ذلك استخدامها كحاجز بينها و بين الدولة العثمانية المتنامية القوى و المطامح في آسيا الصغرى و أوربا الشرقية، لكن السياسة المملوكية أخفقت، و حدثت صدامات مباشرة مع العثمانيين، كان الحاسم فيها معركة مرج دابق في 25 رجب سنة 922 ه/ 24 آب/ أغسطس 1516 م. و كانت عساكر صفد ضمن جيش السلطنة المملوكية، و قتل في هذه المعركة الأمير طراباي نائب صفد، و دخلت بلاد الشام، و من ثم مصر تحت السلطان العثماني، و انتهى بهذا العصر المملوكي‏ 84.

لقد عاشت نيابة صفد وسط دوامة أحداث بلاد الشام في العصر المملوكي و شاركت بشكل أو آخر في حركات التمرد التي قام بها نواب الشام، و لا سيما في دمشق، فعندما تمرد الأمير سنقر الأشقر على السلطان قلاوون سنة 678 ه/ 1280 م و أعلن نفسه سلطانا في بلاد الشام مال نحوه الأمير علاء الدين الكبكي نائب صفد، فأقره سنقر في منصبه، و شارك بعد ذلك في القتال الذي دار ضد قلاوون أولا قرب غزة ثم قرب الكسوة في أحواز دمشق و انتصر قلاوون و عادت بلاد الشام إلى‏

28

حوزته، و لهذا تناول العزل نائب صفد علاء الدين الكبكي، و حل محله الأمير علم الدين الألدكزي‏ 85.

و سعى في سنة 747 ه/ 1346 م الأمير يلبغا اليحياوي الناصري نائب دمشق إلى خلع الملك الكامل شعبان بن محمد بن قلاوون، و تعيين أخيه حاجي بن محمد مكانه، لأن شعبان كان يكثر من اعتقال الأمراء بدون مسوغ، و حاول يلبغا استمالة نواب الشام إلى جانبه، فانضم إليه نائب صفد الأمير سيف الدين آراق الفتاح، و نواب: حمص، و حماة، و طرابلس، و أخفقت هذه المحاولة، و عزل نائب صفد آراق الفتاح في 25 شعبان 747 ه/ 11 كانون الأول- ديسمبر 1346 م، و عين موضعه أرغون شاه‏ 86.

و بعد مضي خمسة أعوام عزم الأمير بيبغا روس نائب حلب على خلع السلطان الناصر حسن، فمال إليه عدد من نواب الشام كان من بينهم الأمير الطنبغا برناق نائب صفد، و قد دخلت القوات المتحالفة، و منها قوات صفد، دمشق في 24 رجب 753 ه/ 14 ايلول/ سبتمبر 1352 م.

و نشب بعد هذا خلاف بين زعماء الحركة قاد إلى القضاء عليها من قبل القوات الموالية للسلطان في دمشق. و ألقي القبض على عدد من هؤلاء الزعماء و جرى قتلهم في رمضان 754 ه/ تشرين أول- أكتوبر 1353 م و كان الطنبغا برناق نائب صفد بين القتلى‏ 87.

و في سنة 779 ه/ 1377 م قام نائبا السلطنة في دمشق و حلب بحركة عصيان احتجاجا على تحكم الأمير اينبك بشؤون السلطنة، و في تلك الأثناء صدر أمر بعزل تمرباي الدمرداشي نائب صفد، فرفض إطاعة الأمر، و انضم إلى نائبي دمشق و حلب، و انتهت هذه الحركة بنجاح، فتم طرد اينبك من منصبه، و حل محله طشتمر نائب دمشق، و زعيم التمرد، فصار أتابكا للعساكر في القاهرة 88.

29

و تورطت نيابة صفد في الصراعات التي قامت أثناء انتقال مقاليد السلطة من المماليك الأتراك إلى المماليك الشراكسة، و حدث صراع بين السلطان الظاهر برقوق، و بين الأميرين: تمربغا الأشرفي، الذي عرف باسم منطاش، و يلبغا الناصري‏ 89، و خلع برقوق و اعتقل بالكرك سنة 791 ه/ 1389 م، و استبد إثر هذا منطاش بالسلطة و اعتقل شريكه يلبغا الناصري، و تخلص برقوق من سجنه و توجه نحو دمشق فحاول نائبها منعه.

و عندما وصلت أخبار ذلك إلى صفد، خرج نائبها قطلوبغا على رأس قواتها، و توجه نحو دمشق لمساعدة نائبها ضد برقوق، و كانت فرصة اغتنمها واحد من مماليك برقوق و اسمه يلبغا السالمي، فاستمال طائفة من مماليك صفد، فتمكنت من الإفراج عن الأمراء الموالين لبرقوق، الذين كانوا مودعين في سجن قلعة صفد، و تمكن من صفد و بات يديرها باسم برقوق. و دخل برقوق إلى صفد في 7 محرم 792 ه/ 26 كانون الأول/ ديسمبر 1389 م، و استناب فيها واحدا من الأمراء الموالين له، و كان اسمه إياس الجرجاوي‏ 90.

و عاد برقوق إلى السلطنة، و هرب منطاش نحو دمشق، و منها أخذ يسعى لاسترداد السلطنة، فأرسل في عام 792 ه/ 1390 م جيشا بقيادة قطلوبغا إلى مصر، حيث وضع نفسه تحت تصرف السلطان برقوق.

و بعد مضي شهرين جدد منطاش محاولته ضد صفد، فأخفق، و استمرت حامية المدينة في موقفها الموالي لبرقوق و لم تتبدل حتى انتهى الصراع سنة 795 ه/ 1393 م و قضي على منطاش‏ 91.

إن ما قامت به صفد خلال هذه الأحداث يشير إلى مدى أهميتها، فقد غدت محطة للانطلاق إلى دمشق، و للتوجه نحو مصر، أو لمنع أية قوات تريد مصر من الشام من التقدم.

30

و توفي برقوق سنة 801 ه/ 1399 م، و ولي السلطنة بعده ابنه فرج بوصية منه، و سرعان ما اضطربت الأحوال و بات الصراع على السلطة في مصر و غيرها حادا و دمويا بين صفوف المماليك الشراكسة أنفسهم، و بينهم كجماعة، و بين المماليك الأتراك، و لهذا عانت بلاد الشام ككل، و نيابة صفد بمفردها من هذه الصراعات كثيرا.

و في هذه الأثناء كان الضعف قد ألم بالكيان المملوكي و بالبناء العسكري للسلطنة، و نشطت الميليشيات المحلية (زعر- حرافيش) في المدن الشامية الكبرى، و في الوقت نفسه تهيأت الفرصة مجددا أمام عشائر البدو لتسهم في الصراعات على السلطة و لتتصارع محليا 92.

و بعدما تولى فرج بن برقوق السلطة خرج عليه الأمير تنم الحسني نائب دمشق، و سعى إلى استمالة نواب الشام إلى جانبه، و بالفعل انضم إليه نائب صفد الأمير الطنبغا العثماني، لكنه تخلى عنه و عاد إلى طاعة السلطان بعدما هزمت عساكره أمام جيوش فرج بن برقوق قرب غزة سنة 802 ه/ 1400 م‏ 93.

و في سنة 807 ه/ 1404 م خرج الأمير جكم نائب حلب عن الطاعة للسلطان، و ما لبث أن أيده الأمير شيخ المحمودي نائب دمشق مع عدد آخر من أمراء الشام، و رفض نائب صفد الأمير بكتمر شلق الانضمام إلى حركة العصيان، فحاول شيخ المحمودي أخذ صفد على حين غرة فأخفق، و هنا قرر أخذها عنوة فجهز المعدات الثقيلة و الأسلحة الجماعية، و حشد قوات دمشق و عشائرها و زحف ضد صفد، و نزل عليها محاصرا في 20 شعبان 807 ه/ 22 شباط/ فبراير 1405 م، و طالب أن تسلم له المدينة، فرفض بكتمر شلق، و اتخذ موقف الدفاع فقصف شيخ قلعتها و أجزاء من المدينة مما عرضها للهدم كما قطع أشجار المدينة، و بعد مضي قرابة الشهر وصل جكم إلى دمشق فرفع شيخ الحصار عن صفد و توجه إلى دمشق حيث اجتمع بحليفه و قررا معا الزحف نحو

31

مصر لخلع فرج بن برقوق، و بينما هما في طريقهما إلى مصر بعثا بقوة ضد صفد فأخفقت من جديد، فعادت و انضمت إلى وحداتهما، هذا و أخفقت أيضا جهود جكم و شيخ في خلع فرج بن برقوق‏ 94.

و لم يطل الأمر حتى نشب خلاف بين شيخ المحمودي و جكم و بناء عليه مال شيخ إلى الطاعة، و ظل جكم على موقفه في العصيان، و قاد هذا إلى الحرب بينهما، و كانت أهم المعارك بينهما واحدة وقعت قرب الرستن على العاصي بين حمص و حماة في سنة 898 ه/ 1406 م، و انتصر جكم فسيطر على دمشق و صفد و الصبيبة (قلعة بانياس) و غزة و الكرك، و عين جكم لحكم هذه النيابات الأمير نوروز الحافظي‏ 95.

و اقتضت الأحوال الآن قدوم فرج بن برقوق إلى بلاد الشام حيث تمكن من استعادتها، فعين مجددا الأمير شيخ المحمودي نائبا لدمشق، و لم يمكث السلطان الناصر فرج بن برقوق طويلا في الشام بل عاد إلى القاهرة، فعادت الصراعات إلى أرض الشام، و خلال ذلك استولى الأمير سودون الحمزاوي على مدينة صفد لصالح جكم و نوروز الحافظي، ذلك أنهما عادا إلى دمشق و طردا شيخا المحمودي منها، و لجأ شيخ إلى نيابة صفد في جمادى الآخرة 809 ه/ تشرين الثاني/ نوفمبر 1406 م، و استقر في مدينة صفد بينما تحصن سودون الحمزاوي في القلعة، و هرب سودون إلى غزة، و انفرد شيخ المحمودي بحكم نيابة صفد 96.

و في رمضان من سنة 809 ه/ شباط فبراير 1407 م أعلن جكم في حلب نفسه سلطانا باسم «الملك العادل أبو الفتوح عبد الله جكم» و ضربت السكة باسمه «و تغلب نوروز على الشام من جهة جكم، و خطبوا باسمه من غزة إلى أقصى بلاد حلب، ما خلا صفد لوجود شيخ فيها» 97.

32

و لم يطل الوفاق بين فرج بن برقوق و شيخ المحمودي، و عزم شيخ على خلع السلطان الناصر فرج و تنصيب نفسه مكانه، و هكذا ما أن انتهى الصراع بين فرج بن برقوق و جكم حتى تفجر بشدة أعظم بين شيخ المحمودي و فرج بن برقوق، و كانت أرض الصراع بينهما جميع النيابات الشامية بما في ذلك صفد، فقد ظلت صفد في حوزة الناصر فرج بن برقوق، و في سنة 812 ه/ 1409 م حاول شيخ الاستيلاء على صفد بقوة السلاح فأخفق، فعمل على استمالة الأمير علان العثماني نائب قلعة صفد إلى جانبه، فاعتقل له الطنبغا العثماني نائب صفد، و تولى شؤون النيابة و حكمها باسم شيخ المحمودي.

و تحرك الناصر فرج من القاهرة يريد الشام، ولدى وصوله إلى غزة ثار أهل صفد بالأمير علان العثماني و طردوه منها، و ما لبث شيخ أن بعث إلى صفد سودون المحمدي نائبا لها، لكن سودون هذا ذهب إلى دمشق و آثر الانضمام إلى صفوف السلطان فرج بن برقوق، فبعث شيخ من جديد نائبا له إلى صفد اسمه الأمير سودون بقجة 98.

و توجه سودون بقجة نحو صفد ففوجى‏ء أن السلطان الناصر فرج بن برقوق قد بعث بالأمير شاهين الزردكاش نائبا عنه إلى صفد، و أن هذا النائب قد تسلم عمله فيها، و طبعا أقدم على منع سودون بقجة من الدخول إليها، و بناء عليه حشد شيخ المحمودي قواته الخاصة مع أنصاره من القبائل العربية (العشير) و بعث بالجميع ضد صفد في سنة 812 ه/ 1410 م، و بذلت قوات شيخ جهدا كبيرا للاستيلاء على صفد، لكنها أخفقت لما لقيته من مقاومة و لوصول نجدات إلى حاميتها من غزة، و أفاد من هذا الصراع و الفوضى الناجمة عنه قوات (العشير) فعاثت فسادا و نهبا في المناطق الشمالية من نيابة صفد 99.

و انتهى الصراع المدمر بين فرج بن برقوق و شيخ المحمودي بإقصاء فرج عن السلطنة في سنة 815 ه/ 1412 م، و حلول شيخ المحمودي‏

33

محله، لكن هذا الأمر لم ينه الصراع المدمر في بلاد الشام، ففي الوقت الذي اعترفت فيه نيابة صفد بسلطنة شيخ، و في أن يتولاها الأمير قرقماس ابن أخي دمرداش، رفض نوروز الحافظي نائب دمشق الاعتراف بشيخ، و سعى إلى الانفراد ببلاد الشام، و لذلك هاجمت قوات نوروز الحافظي صفد لكنها أخفقت في أخذها، ثم مالبث أن تبددت قوى نوروز و قدم السلطان المؤيد شيخ المحمودي إلى الشام حيث وضعها تحت سلطانه‏ 100.

لقد لحق نيابة صفد أضرارا جسيمة أثناء تولي فرج بن برقوق للسلطنة، فقد كانت أراضيها مسرحا للمعارك بين القوى المتصارعة مما أدى إلى تدهور الأمن فيها، و عم الفساد و عظمت المضار الاقتصادية، و خربت القرى، و تعاظمت نشاطات «العشير»، و هكذا كتب لنيابة صفد أن تتدهور الأوضاع فيها أسوة بما لحق ببلاد الشام أجمع‏ 101.

و سعى السلطان المؤيد شيخ المحمودي إلى إعادة تنظيم السلطنة المملوكية، و بعث الحياة فيها من جديد، و إعادة الاستقرار إلى بقاعها، و قد حقق بعض النجاحات، لكنه أخفق كما أخفق من سبقه في إيقاف الصراعات على السلطنة بين أمراء المماليك، و لم تتوقف أيضا أعمال العصيان في بلاد الشام مما كان له آثاره على نيابة صفد.

و في سنة 827 ه/ 1425 م خرج الأمير تنبك البجاسي نائب دمشق على طاعة الأشرف برسباي، و قد شارك نائب صفد مقبل الحسامي الرومي و عساكر مملكته في القضاء عليه‏ 102.

و في سنة 842 ه/ 1438 م خرج الأمير إينال الجمكي نائب دمشق على الطاعة، و قد حاول استمالة الأمير إينال الأجرود نائب صفد إلى جانبه فأخفق، و على العكس شاركت عساكر صفد في القضاء على هذا العصيان، ثم شاركت مجددا سنة 903 ه/ 1497 م في القضاء أيضا على عصيان نائب دمشق‏ 103.

34

و يلاحظ أن المشاركات المذكورة من قبل قد جاءت المبادرة فيها من خارج نيابة صفد، لكن الأمر لم يقتصر على هذا بل حدث و فجر بعض نواب صفد أعمال عصيان خاصة بمبادرة منهم، من ذلك أنه في سنة 742 ه/ 1342 م عين السلطان أحمد بن الناصر محمد بن قلاوون الأمير بيبرس الأحمدي نائبا للسلطنة في صفد، ثم قام في العام التالي- و كان قد جاء إلى قلعة الكرك- بمحاولة القبض على هذا النائب، فأصدر تعليماته إلى بعض أمراء صفد بإلقاء القبض عليه، فبلغ بيبرس الخبر ففر من صفد إلى دمشق، و هنا كتب السلطان أحمد إلى أمراء دمشق بالقبض عليه، فتمنع بيبرس و أعلن أن الطاعة للسلطان عندما يكون مقيما في مصر، لكنه هو مقيم الآن في الكرك لا طاعة له و بخاصة لأنه يسعى فقط في سبيل قتل أمراء الدولة أو طردهم من الخدمة.

و أصغى أمراء دمشق إلى ما قاله بيبرس، و انقلبوا على السلطان أحمد، و كتبوا إلى مصر بضرورة خلعه، و بالفعل جرى خلع هذا السلطان، و أرسلت القوات ضده إلى الكرك، و قد شاركت عساكر صفد بذلك حتى سقط نهائيا 104.

و حدث ثانية في سنة 751 ه/ 1351 م أن وثب نائب صفد الأمير أحمد الساقي على قلعة المدينة و اعتصم بها، و فعل ذلك بعدما بلغه أن النية معقودة على عزله و سجنه، و أرسلت قوات دمشق ضده و حاصرته حتى ألقي القبض عليه في محرم 752 ه/ آذار/ مارس 1351 م و أرسل ليسجن في الإسكندرية 105.

كما حدث في سنة 824 ه/ 1421 م أن أعلن الأمير ططر نفسه سلطانا، لكن ما لبث أن داهمه المرض فتنازل عن السلطنة لابنه و مات، فقام إثر ذلك الأمير برسباي بخلع ابن ططر، و أحل نفسه محله بالسلطنة، و كان ططر أثناء سلطنته قد عين الأمير إينال الظاهري نائبا للسلطنة بصفد و معه أخوه نائبا في القلعة.

35

ولدى سماع إينال بخلع ابن سيده ططر و سلطنة برسباي شق عليه ذلك، فرفض الاعتراف بما حدث، و اتفق مع أخيه فأخرجا الأمراء المساجين بالقلعة و اعتقلا من لم يوافقهما، و كان هذا في 825 ه/ 1422 م.

و حاول إينال استمالة «العشير» في منطقة صفد فأخفق فاصطدم به و هزم، فتخلى عنه الأمراء الذين أطلق سراحهم من سجن قلعة صفد و التحقوا بدمشق.

و بلغ السلطان الجديد «برسباي» ما حدث فبعث إلى نائب دمشق يأمره بتجريد قواته ضد إينال، و عين حاجب دمشق الأمير مقبل الحسامي نائبا جديدا لصفد، و سارت عساكر دمشق نحو صفد فحاصرتها مع القلعة حتى استسلم إينال، فألقي القبض عليه و على أعوانه، و أرسلوا إلى القاهرة، و تسلم مقبل الحسامي نيابة صفد 106.

لعل أهم ما تشير إليه هذه الحادثة هو دور القبائل البدوية «العشير» في تقرير مستقبل نيابة صفد، و مفيد أن نولي هذا الجانب الاهتمام اللائق به.

ظل البداة العرب يملكون القدرة على إحداث التغيير السياسي في بلاد الشام حتى أواخر القرن الخامس هجري/ الحادي عشر ميلادي، حيث أزاحهم عن مسرح الأحداث المهاجرون البداة من الغز و التركمان، و تواءم هذا مع قيام الحروب الصليبية و التحولات التي ألمت بالإدارة العسكرية المسلمة في بلاد الشام، حيث سارت نحو الاحتراف المطلق و الحصر الكامل بأيدي مجموعات من العسكريين التركمان، ثم الأكراد، و أخيرا المماليك، و احتكر المماليك العمل العسكري و حاولوا الاستبداد بكل شي‏ء، و منع غيرهم من النشاط الذي له صبغة عسكرية، لأنهم أدركوا أن في ذلك تهديدا لوجودهم، و منزعا نحو الاستقلال من قبل أهل الشام.

36

و على الرغم من جميع الجهود التي بذلها المماليك فإن الروح العسكرية لم تمت لا بين سكان المدن، و لا بين العشائر البدوية، فالنزعة القتالية متأصلة لدى البداة، و روح الجهاد متمكنة لدى المسلمين من سكان المدن، و كان لشعب المدن مشاركة فعالة في معارك التحرير و تصفية الوجود الصليبي، و عندما بدأ الضعف يدب في أوصال المؤسسة العسكرية المملوكية ازدادت بالمقابل قوة الطوائف المحلية و لا سيما البدوية منها.

قال شيخ الربوة أثناء حديثه عن أعمال صفد:

«و من أعمالها كفركنا، و هي قرية كبيرة بها مقدمو العشائر و رؤساء الفتن و الهوى، يسمون قيس الحمراء ... و من أعمال صفد مدينة اللجون و هي مضافة إلى العشير و الهوى. و اليمن أهل الناصرة، كما أن أهل كفركنا هي قيس» 107.

و مثل هذا ما نلحظه لدى القاضي العثماني، فقد قال أثناء حديثه عن الناصرة: «إن أهلها في هذا الزمن رأس عشير يمن، كما أن أهل كفر كنا رأس عشير قيس» ثم قال: «و بكفر كنا مقدمو العشران أمراء طبلخانات، و هم رأس قيس أهل فتن و أهواء» و وصف الوضع في اللجون بقوله:

«و هو من عشير يمن، و كذلك جميع مرج بني عامر» 108.

على هذا كان في نيابة صفد عدد من القبائل العربية انتسبت إما إلى قيس (عدنان) أو إلى يمن (قحطان) حسب القاعدة الموروثة في تاريخ العرب، لكن شيخ الربوة و العثماني لم يعطيانا شيئا من التفاصيل عن أسماء كل مجموعة قبلية، و إلى من انتسبت من قيس أو يمن عدا عن أماكن توطنها و أسلوب عيشها و إدارتها و مدى حجمها و قوتها، و لعل سبب ذلك هو طبيعة النظام المملوكي و كون نشاط القبائل العربية كان محدودا لم يصل إلى مسامع مؤرخي السلطنة في مصر بل عرف به الشاميون فقط.

37

لكن هذه الصورة تبدلت مع مطلع القرن التاسع ه/ الخامس عشر م، حيث أخذت تتوفر لدينا معلومات أكثر تفصيلا و لا سيما حول عشيرتين هما: حارثة و بشارة، و بتنا نقف على أخبار بعض مشاركاتهما لا سيما في عهد السلطان الناصر فرج بن برقوق، أثناء الصراع بينه و بين شيخ المحمودي، فلقد وجدت القوى المتصارعة أنها بحاجة إلى من يردفها و يقدم لها العون، فأقبلت على تجنيد القوى البدوية، و لنحاول إلقاء بعض الأضواء على هاتين المجموعتين الرئيسيتين:

(أ) حارثة: سلف و ذكرنا أن قبيلة طي‏ء كانت قد اتخذت من فلسطين ديارا لها، و يبدو أن حارثة التي قطنت نيابة صفد كانت من طي‏ء، فهذا ما توحي به المواد التي أثبتها القلقشندي في كتابه قلائد الجمان في التعريف بقبائل الزمان‏ 109. و يرجح أن حارثة قد كانت بين «عشير» جبال صفد و اللجون و قاقون، الذي تولى نهب القوات المملوكية المتراجعة أمام ضغط تيمورلنك سنة 803 ه/ 1401 م، و الذي أغار على الرملة و نهبها منتهزا فرصة الفوضى الناجمة عن حملة تيمورلنك‏ 110.

و وقع في هذا العام صدام بين حارثة و سلطات صفد المملوكية، فقد أغارت حارثة بقيادة أميرها متيريك بن قاسم بن متيريك على صفد، و نهبت أموالها و أموال الأمراء و الجند و المماليك الذين فروا من دمشق إليها، و في تلك الآونة قدم إلى صفد الأمير دقماق المحمدي نائبا لها، فهاجم متيريك فهزم من قبله مما دفعه إلى الاستنجاد بشيخ المحمودي، و كان نائبا لطرابلس، و هاجمت القوة المملوكية الموحدة متيريك، فهزمته و قتلت عددا من أتباعه و أسرت اثنين من أولاده فقتلتهما، و سلبت له ستة آلاف بعير، و سمع بهذا الأمير جكم، فكاتب النائبين يطلب منهما الصفح عن متيريك و إعادة ما نهب له، و معروف أن جكم كان آنذاك خارجا على السلطان، و لا شك أنه كان متحالفا مع متيريك أو يهدف إلى التحالف معه‏ 111.

38

و على الرغم مما حل بمتيريك، فإنه تابع نشاطه و غاراته حتى اعتقله سودون الحمزاوي نائب صفد في شوال سنة 804 ه/ أيار/ مايو 1402 م، ثم قام في صفر من العام التالي 805 ه/ ايلول/ سبتمبر 1402 م بقتله و التمثيل بجثته‏ 112.

و لا ندري من خلف متيريك في إمارة حارثة، و كل ما وصلنا هو أنه في سنة 809 ه/ 1407 م، جرى صلح بين فرج بن برقوق و شيخ المحمودي، و غلب على دمشق الأمير نوروز الحافظي، و بلغ نوروز تحرك برقوق نحو الشام فجهز الأمير سودون المحمدي في عسكر إلى الرملة، و أمره بشنق فواز أمير عرب حارثة فشنق‏ 113.

و لعل الأمير فواز هذا كان من أولاد متيريك، و يبدو أن إمارة حارثة صارت من بعده إلى الحسن بن قاسم بن متيريك، و ورد ذكر الحسن بن قاسم في أخبار الصراع الذي دار حول صفد بين السلطان فرج بن برقوق و شيخ المحمودي سنة 812 ه/ 1410 م، و قد وقف إلى جانب فرج بن برقوق، و لعله نتيجة لذلك منح لقب «مقدم» فهذا ما قرن به اسمه لدى الحديث عنه‏ 114.

ليس في المصادر بعد هذا إشارات لبني حارثة، و لا نعرف بالتأكيد ما آل إليه أمرها، فقد تكون قد جلت عن ديار صفد أو تغير اسمها.

(ب) بشارة: و أما بالنسبة لقبيلة بني بشارة فليس لدينا خبر موثق حول أصلها و إلى من انتمت، و أول ظهور مدون لها جاء في أحداث سنة 857 ه/ 1405 م لدى ذكر حملة شيخ المحمودي على صفد، فقد كان بصحبته «أحمد بن بشارة» و عشرانه‏ 115. و لعل في وقوف هذه القبيلة في الصف المعارض للذي وقفت حارثة إلى جانبه ما يوحي أنها كانت من أصل قيسي.

و بعد تصالح شيخ المحمودي و السلطان فرج بن برقوق، أيد بنو

39

بشارة ذلك و وقفوا موقف المعارض لنوروز الحافظي المتغلب على دمشق، فخرج «و معه العسكر إلى قصد قتال ابن بشارة» 116.

و ثابر بنو بشارة على موقفهم فقد كانوا سنة 810 ه/ 1408 م بقيادة ثلاثة إخوةهم: حسين و محمد و حسن بصحبة قوات نائب صفد الأمير بكتمر شلق التي تصدرت لنوروز الحافظي لدى محاولته الاستيلاء على صفد 117.

و استغل بنو بشارة حالة الفوضى و الاضطراب التي سادت الشام، و ديار صفد، فعاثوا سنة 811 ه/ 1409 م فسادا في الأجزاء الشمالية من نيابة صفد و أضروا بالسكان، و هزموا الجند الذين خرجوا ضدهم‏ 118.

و اشترك بنو بشارة سنة 812 ه/ 1410 م إلى جانب فرج بن برقوق في حربه ضد جماعة شيخ المحمودي بعدما تفجر الخلاف بينهما من جديد، و كان مع فرج في حربه من البداة بنو حارثة بقيادة الحسن بن القاسم و غيرهم من أبناء العشائر، و انتصر فرج هذا العام، الأمر الذي استغله بنو بشارة فنهبوا المنطقة و عاثوا فسادا في الأجزاء الشمالية الشرقية من النيابة 119.

و كانت قد تأصلت في بلاد الشام مناصب بين القبائل البدوية، كان منها إمرة عرب الشام، و مقدمية عرب منطقة من المناطق، و هذا ما عمل به في نيابة صفد، فقد وجد منصب سمي مقدميه عرب صفد أو «تقدمة العشير» و يرجح قيام تنافس بين حارثة و بشارة على هذا المنصب، فلقد رأينا الحسن بن قاسم بن متيريك يحمل هذا اللقب في حين حمل سلفه لقب أمير، و الإمارة كما هو معلوم أعلى مرتبة و أهم مكانة، و قد احتلت تقدمة العشير في النظام المملوكي المرتبة الرابعة و الأخيرة بين وظائف أصحاب السيوف، و يبدو أنه توجب على مقدم العربان في نيابة صفد أن‏

40

يقوم بعدد من المهام لصالح الدولة، مثل الحفاظ على طرق المواصلات و حفظ الأمن و المشاركة في حملات السلطنة، و المساهمة في القضاء على حركات التمرد و العصيان، و المساعدة على جمع الضرائب‏ 120.

و يروى أنه في سنة 811 ه/ 1409 م كتب ناصر الدين محمد، و بدر الدين حسن ابنا أحمد بن بشارة إلى السلطان يطلبان تقدمة العشير في نيابة صفد حسب عادتهما مقابل مبلغ ثمانية آلاف دينار يحملانها إليه، و وافق السلطان، و كتب مرسوما باستقرارهما «في تقدمة العشير بمعاملة صفد ... ففرضا على أهل النواحي مالا كبيرا جبوه لنفسيهما و لم يصل منه شي‏ء إلى السلطان» 121.

و لم تؤد تقدمة العشير هذه إلى جباية الأموال بغير حق فحسب، بل إلى الصدام بين زعماء آل بشارة أنفسهم، و في صفر 818 ه/ آذار/ مارس 1415 م طلب حسن بن أحمد ابن بشارة أن ينفرد بتقدمة العشير مقابل مبلغ ثلاثين ألف دينار، فأرسل إليه مرسوم سلطاني بذلك، و أمر أن يدفع إلى حامل مرسوم التشريف إليه مبلغ ثلاثة عشر ألف دينار، و إلى أستاذ دار دمشق عشرة آلاف، الأمر الذي أغضب أخاه محمد بن بشارة «و جمع على حسن و اقتتلا، فانكسر محمد وفر إلى البقاع، و نزل بالزبداني خارج دمشق، و مر على وجهه يريد العراق» 122.

و ظهر في هذه الآونة أمير جديد من آل بشارة اسمه محمد بن سيف بن عمر بن محمد بن بشارة، و شرع يقطع الطرق و عاث فسادا في عدد من المناطق مما دفع السلطات المملوكية في نيابة دمشق إلى ملاحقته حتى ألقي القبض عليه في ربيع الآخر 819 ه/ حزيران/ يونيو 1416 م فاعتقل في دمشق ثم بعث به إلى القاهرة حيث أعدم في ذي الحجة سنة 819 ه/ شباط/ فبراير 1417 م‏ 123.

و عاد محمد بن أحمد بن بشارة من العراق، و استمر في منافسته لحسن ابن أحمد المقدم المعترف به من قبل السلطنة، و هكذا انقسمت العشائر

41

إلى قسمين قسم والى محمد، و الآخر والى الحسن، و كان الحسن عام 820 ه/ 1417 م برفقة نائب صفد خليل الدشاري لدى استقبال السلطان شيخ المحمودي عند قدومه إلى الشام، و استمر في منصبه مقدما للعشير في نيابة صفد حتى وفاته في ذي الحجة 825 ه/ تشرين الثاني/ نوفمبر 1421 م، و ذلك بعدما بلغ درجة عالية من النفوذ و القوة مكنته من التقدم على عشائر الشام، و ذلك بالإضافة إلى كونه مقدم العشير في نيابة صفد 124.

و دأبت السلطنة في العمل على القضاء على محمد بن أحمد بن بشارة، و تمكنت من ذلك سنة 822 ه/ 1419 م، فبعد أن لاحقته و ضغطت عليه حتى اضطرته إلى الجلاء إلى نيابة دمشق أرسل السلطان الأمير:

«محمد بن منجك إلى دمشق، و أمره أن يحتال على ابن بشارة و أرسله إلى أن ضمن له من السلطان الرضى، فلما كان ذلك أرسل إليه أمان السلطان و حلفه له، و جهز له خلعة فلبسها، و أقبل إلى دمشق فتلقاه و بالغ في إكرامه فأمن له، فبينما هو في سوق الخيل تلقاه ابن منجك فدخلا جميعا إلى بيت الأمير نكباي نائب الغيبة، فلم يستقر به المجلس حتى قبض عليه، فدافع عن نفسه بسيفه، فتكاثرت على رأسه السيوف، و قبض على عشرين من أعوانه و أصحابه فوسط [قتل‏] أربعة عشر نفسا و اعتقل ابن بشارة بقلعة دمشق، ثم أمر السلطان بإحضاره، فأحضروه إلى القاهرة» 125.

بيد أن اعتقال محمد بن أحمد بن بشارة لم ينه المعارضة البدوية للسلطنة نظرا لطبيعة البداة و لأحوال السلطنة و الصراعات المستمرة، و هكذا ظهرت شخصية جديدة من آل بشارة هي علي بن بشارة، فقد حاول علي سنة 824 ه/ 1421 م الثأر لاعتقال محمد بن بشارة، فهاجم صفد و حاصر نائبها الأمير قطلوبغا التنمي حتى أرغمه على الفرار إلى دمشق، إنما يبدو أن مدينة صفد لم تسقط له‏ 126.

42

و بعد وفاة حسن بن أحمد بن بشارة لا ندري إلى من آلت المقدمية، حيث ليس في المصادر المتوفرة حديث حول ذلك، فقد وردت إشارة إلى وقوف آل بشارة إلى جانب تنبك البجاسي نائب دمشق في عصيانه على السلطان الأشرف برسباي سنة 827 ه/ 1425 م، و أن وقائع الصراع قامت في البداية حول صفد 127.

و استمر بنو بشارة يشغلون مكانة عالية بين قبائل نيابة صفد يهادنون السلطات المملوكية حينا و يهاجمونها حينا آخر، و يقومون بأعمال النهب و تعريض الأمن للاضطراب، ففي سنة 853 ه/ 1449 م صدرت أوامر السلطان بقتل نجم الدين حسن ابن بدر الدين محمد بن ناصر الدين بن بشارة و ذلك بعدما أمضى مقدما للعشير أربع سنوات، أثار خلالها غضب السلطان و نقمته لما قام به من سلب و نهب‏ 128.

و استمر التعامل بين آل بشارة و السلطنة بين مد و جزر، و امتد نفوذ آل بشارة حتى تجاوز نيابة صفد، و قد أوكلت السلطنة إليهم حماية السواحل و كشفها، و حدث في سنة 855 ه/ 1451 م أن قامت البحرية الإسبانية بمهاجمة صور فتولى ابن بشارة مقدم العشير في بلاد صفد صدها 129.

و تمركزت قوى بشارة في منطقة جبل عاملة، و مع نهاية العصر المملوكي اشتبكت بصراعات مع قبائل أخرى، و باتت هذه الصراعات تتعلق بتاريخ لبنان في بدايات العصر العثماني و ليس بتاريخ نيابة صفد 130.

لقد وجد إلى جانب حارثة و بشارة قبائل أقل شأنا أسهمت بدور في إحداث الصراعات و وردت إشارات عابرة إليها، لكن هذه الإشارات لا تمكن الباحث من معرفة أوضاعها و لا أماكن استقرارها و إلى من انتسبت، هذا و لا نعلم المذاهب التي انتمت إليها هذه العشائر خاصة

43

آل بشارة، و يرجح أنهم كانوا من السنة، لكنهم بعدما استقروا بجبل عاملة تأثروا بالتشيع ثم أخذوا به‏ 131.

و كان في نيابة صفد بعض المجموعات العشائرية من التركمان، و الأكراد، و بقايا المغول، و يمكن أن نضيف إليهم أفراد المماليك من ترك و شركس، و يبدو أن أعداد هؤلاء جميعا كانت قليلة، و أنهم ذابوا بشكل طبيعي بين صفوف سكان النيابة العرب‏ 132.

و لقد اتضح مما تقدم مدى أهمية نيابة صفد في العصر المملوكي، و قد دفع هذا إلى جعلها موضوعا لرسائل جامعية، و هذا ما تحقق في لبنان و الأردن، و في أثناء البحث في تاريخ هذه النيابة نجد أن بداية هذا التاريخ قد ارتبط بالسلطان بيبرس، و جاء اهتمام بيبرس بها لمكانتها قبيل أيامه، فهو كان البطل الشريك في معركة جالوت، و كان أثناء توجهه إلى عين جالوت وصل إلى مدينة عكا، و دخل إليها، و امتلك معرفة مباشرة بأحوال مملكة عكا الصليبية، و تعرف عن قرب إلى دفاعاتها الهائلة، و إلى مدى أهمية قلعة صفد العسكرية و منافعها للصليبيين، و مضارها على المسلمين و خاصة في دمشق.

و كان نصر عين جالوت، ثم وصول بيبرس إلى عرش السلطنة، الذي وضع استراتيجيات جديدة، استهدفت ان تتفرغ دمشق إلى أبعد الحدود لمواجهة مخاطر المغول، و لصعوبة فتح عكا و طرابلس، ركز بيبرس جهوده ضد قلعة صفد، و تمكن من فتحها، فبادر إلى جعلها مقر نيابة تقف من جانب في وجه عكا، و من جانب آخر ضد طرابلس إلى حد ما، و كان الصليبيون قد بنوا قلعة صفد منذ مدة قصيرة فقط، و لحسن الحظ أننا نمتلك نصا لاتينيا نادرا و فريدا تحدث عن أعمال انشاء قلعة صفد، و قبل ذلك عن أهداف الصليبيين من وراء ذلك، هذا و عاصر فتح صفد مؤرخ صليبي، يعرف باسم الداوي الصوري، و بما أن فتح صفد كان انجازا جهاديا للسلطان بيبرس، و بحكم أن هناك مواد

44

مخطوطة لم تنشر بعد حول هذا السلطان، عمدت إلى جمع ذلك كله، و كان محرضي حصولي بعد سعي دام أكثر من عشرين عاما على مخطوط حمل اسم «تاريخ صفد» هناك نسخة عنه في مكتبه ديار بكر، و قد حصلت على نسخة مصورة عن هذا المخطوط منذ وقت قصير، و ذلك بفضل الصديق جنكيز تومار، و صاحب هذا المخطوط هو محمد بن عبد الرحمن الحسيني العثماني» [ت 780 ه/ 1378 م‏]، و يقع المخطوط في/ 44/ ورقة، في كل صفحة ما يقارب الأربعمائة و خمسين كلمة، و يحتوي المخطوط على معلومات جيدة عن المؤلف و عن أسرته التي انتسبت إلى أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله عنه، و يمكننا الوقوف على عقلية المؤلف و نوعية تصوفه، و مكانه المنامات لديه، و كذلك على أوضاع عصره، و يبين كيف أن صفد الناشئة حديثا عرفت حركة علمية مزدهرة، و كتاب تاريخ صفد ليس كتاب حوليات، بل كتاب اداري و سياسي، و كتاب و تراجم مختصره كثيرا، فيه أفضل قائمة بأسماء نواب صفد و كبار العلماء الذين أنجبتهم، و قد قام واحد من أهل صفد بالحاق قائمة بأسماء النواب حتى سنة 855 ه/ 1441، و تكميلا للفائدة ألحقت الكتاب بقائمة بأسماء النواب حتى قيام الحكم العثماني، و كان المستشرق المعروف برنارد لويس قد نشر عام 1953 قطعه كان قد عثر عليها من تاريخ صفد في دورية معهد الدراسات الشرقية التابع لجامعة لندن، و تاريخ نسخ المخطوطة التي حصلت عليها هو سنة/ 1096/ ه، و النسخة جيدة الخط، و بحالة جيدة على العموم، لكن لحق النص تصفيحات كثيرة، تمكنت من تداركها، يضاف إلى هذا تصرف الناسخ- كما أعتقد- أو سواه بالنص فبات مليئا بالأخطاء النحوية، و قد آثرت بقاء النص كما هو، حتى لا يفقد و ثائقيته، أو لنقل وثائقية العصر الذي نسخ به أخيرا.

و اكمالا للفائدة ألحقت بالنص بعض الملاحق المفيدة، لا سيما حديث‏

45

خليل الظاهري عن نيابة صفد، حيث حصلت على صورة نسخة مخطوطة تقع في جزئين، لكتاب له سماه «كوكب الملك و موكب الترك»، و أنا الآن لا أعرف المصير الذي آلت إليه نسخة هذا المخطوط، لكنني أسعى لتحقيق الكتاب لأهميته القصوى.

كلي أمل بأن تحصل الفائدة من اخراج تاريخ صفد، و أن يكون ذلك مقدمه لاخراج كتاب عن تاريخ القدس عبر التاريخ يكون في عشرة مجلدات، و فيما لا يقل عن خمسة آلاف صفحة، لا سيما و أن القدس في العام المقبل هي عاصمة للثقافة العربية.

من الله جلت قدرته أستمد العون و التوفيق، و الصلاة و السلام على النبي المصطفى و على آله و أصحابه أجمعين.

دمشق 21/ 4/ 2008

سهيل زكار

46

حواشي القسم الأول‏

____________

(1) ابن شداد، الأعلاق الخطيرة، ص 150.

(2) أحمد بن علي القلقشندي، صبح الأعشى في صناعة الإنشا، ج 5، ص 453.

(3) تاج الدين عبد الوهاب السبكي، معيد النعم و مبيد النقم، ص 21- 22.

(4) شيخ الربوة، نخبة الدهر، ص 192- 214.

(5) شهاب الدين ابن فضل العمري، التعريف بالمصطلح الشريف، ص 182.

(6) انظر تاريخ صفد للعثماني الذي نقدم له.

(7) القلقشندي، صبح الأعشى، ج 4، ص 151.

(8) خليل بن شاهين الظاهري، زبدة كشف الممالك و بيان الطرق و المسالك، ص 44 هذا و عثر على كتاب كشف الممالك للظاهري لكنه لم ينشر بعد، و للظاهري كتاب مهم آخر هو كوكب الملك و موكب الترك، أخرجت منه ما ذكره عن صفد.

(9) الدباغ، بلادنا فلسطين، ج 1، ق 1، ص 28- 50.

(10) شيخ الربوة، نخبة الدهر، ص 210- 212، و العمري، التعريف ...، ص 182، و القلقشندي، صبح الأعشى، ج 4، ص 150.

(11) الطراونة، مملكة صفد، ص 84- 136.

(12) انظر: لابيدوس، مدن الشام، ص 41- 48.

(13) عالجت هذه القضايا في كتابي مدخل إلى تاريخ الحروب الصليبية، ص 65- 215.

(14) يروى أن أول روك تم في العصر المملوكي أيام السلطان لاجين سنة

47

696 ه/ 1297 م، و تم الروك الثاني- و هو الأشهر- أيام الناصر محمد بن قلاوون سنة 717 ه/ 1317 م، انظر المقريزوي، السلوك، ج 1، ص 841 ج 2، ص 127، و ابن تغري بردي، النجوم ...، ج 8، ص 90، الطراونة، مملكة صفد، ص 151- 152.

____________

(15) المقريزي، السلوك، ج 1، ص 415.

(16) ابن شداد، الأعلاق ...، ص 151، و ابن تغري بردي، النجوم ...، ج 7، ص 139، و ابن عبد الظاهر، تشريف الأيام ص 263.

(17) الطراونة، مملكة صفد، ص 153.

(18) المقريزي، السلوك، ج 2، ص 283- 284، و الطراونة، مملكة صفد، ص 153.

(19) المقريزي، الذهب المسبوك، ص 104- 105.

(20) المقريزي، السلوك، ج 1، ص 430- 534، و الطراونة، مملكة صفد، ص 159.

(21) ابن حجر، الدرر الكامنة، ج 3، ص 151- 152، و الطراونة، مملكة صفد، ص 161، و الكاشف أمير وظيفته الإشراف على الجسور الزراعية و له ضرائب مقررة على كل بلد من الجراريف و الأبقار، القلقشندي، صبح الأعشى، ج 3، ص 445.

(23) المقريزي، السلوك، ج 1، ص 548، 769، و ابن الفرات، تاريخ ابن الفرات، ج 8، ص 121- 122.

(24) شيخ الربوة، نخبة الدهر، ص 211، و صالح بن يحيى، تاريخ بيروت، ص 173

(25) الطراونة، مملكة صفد، ص 166

(26) ابن عبد الظاهر، الروض الزاهر، ص 267، و المقريزي، السلوك ج 1، ص 554، و رنسيمان، تاريخ الحروب ...، ج 3، ص 602، وزكار، مدخل إلى تاريخ الحروب الصليبية، ص 304، و النويري، نهاية الأرب، ج 8، ص 264- 272.

(27) شيخ الربوة، نخبة الدهر، ص 211، و النويري، نهاية الأرب، ج 18، ص 257- 258.

48

____________

(28) شيخ الربوة، نخبة الدهر، ص 211- 213، القلقشندي، صبح الأعشى، ج 4، ص 816- 817، و النويري، نهاية الأرب، ج 8، ص 257- 258.

(29) شيخ الربوة، نخبة الدهر، ص 211- 213، و محمد كرد علي، خطط الشام، ج 4، ص 171، و النويري، نهاية الأرب، ج 8 ص 257- 258

(30) النويري، نهاية الأرب، ج 8، ص 257- 258.

(31) المصدر نفسه، ص 258- 262.

(32) القلقشندي، صبح الأعشى، ج 4، ص 88.

(33) المقريزي، السلوك، ج 1، ص 554، و ج 3، ص 1066- 1067، و ابن حجر، إنباء الغمر، ج 2، ص 65، 147، و ابن عبد الظاهر، الروض الزاهر، ص 157، 253، 267، و الطراونة، مملكة صفد، ص 170.

(34) شيخ الربوة، نخبة الدهر، ص 211- 213، و الطراونة، مملكة صفد، ص 170- 174.

(35) ابن شاهين، زبدة كشف الممالك، ص 44، و الطراونة، مملكة صفد، ص 175- 177.

(36) القلقشندي، صبح الأعشى، ج 4، ص 150، و ابن شاهين، زبدة كشف ...، ص 44، 18

(37) ابن عبد الظاهر، الروض الزاهر، ص 261، و المقريزي، السلوك، ج 1، ص 547- 548، و ابن تغري بردي، النجوم ...، ج 3، ص 139، و أورد ابن فضل الله العمري صيغة مخاطبة كان يخاطب بها نائب صفد بشكل رسمي إثر تعيينه: العمري، التعريف بالمصطلح الشريف، ص 170- 173.

(41) ابن أيبك، الدر الفاخر، ص 293.

(42) المقريزي، السلوك، ج 2، ص 681- 682، 697- 699، و ابن تغري بردي، النجوم ...، ج 10، ص 118- 125، و العريني، المماليك، ص 154- 155.

49

____________

(43) ابن إياس، بدائع الزهور، ج 2، ص 390.

(44) المقريزي، السلوك، ج 4، ص 886- 887.

(45) ابن تغري بردي، النجوم، ج 11، ص 293.

(46) ابن الفرات، تاريخ ابن الفرات، ج 7، ص 90.

(47) ابن تغري بردي، النجوم، ج 11، ص 292. و تناول د. أحمد عبد الرزاق أحمد، موضوع الرشوة في العصر المملوكي ببحث مفيد في كتاب اسمه البذل و البرطلة زمن السلاطين المماليك.

(48) ابن الفرات، تاريخ ابن لفرات، ج 7، ص 90، المقريزي، السلوك، ج 2، ص 403، و ابن تغري بردي، النجوم، ج 9، ص 145- 147.

(49) انظر: القلقشندي، صبح الأعشى، ج 4، ص 14، و ابن إياس، بدائع الزهور، ج 4، ص 461- 462، و ج 5، ص 4، و العريني، المماليك، ص 147- 149.

(50) السبكي، معيد النعم، ص 43- 45، و القلقشندي، صبح الأعشى، ج 4، ص 187، و العريني، المماليك، ص 152.

(51) ابن الفرات، تاريخ ابن الفرات، ج 7، ص 158.

(52) المقريزي، السلوك، ج 2، ص 638، 732، و ابن تغري بردي، النجوم، ج 8، ص 9.

(53) ابن عبد الظاهر، الروض الزاهر، ص 260، و المقريزي، السلوك، ج 1، ص 547، و ج 2، ص 717، و ابن تغري بردي، النجوم، ج 7، ص 138، و ج 10، ص 135- 137، و ج 15، ص 445- 446، و العمري، التعريف، ص 149، و القلقشندي، صبح الأعشى، ج 4، ص 185، و الطراونة، مملكة صفد، ص 234- 236.

(54) عبارة أتابك كلمة تركية الأصل مركبة من كلمتين هما «أتا» و «بك» و معنى «أتا» عم أو أب و «بك» مقدم أو أمير، و نظرا لسيطرة القبائل على السلطنة السلجوقية

50

و لأسباب أخرى كان السلطان السلجوقي يجد نفسه مضطرا للزواج بأكثر من أربع حرائر، و نظرا لتحريم الإسلام الجمع بين أكثر من أربع زوجات حرائر كان السلطان يقدم على تطليق واحدة من زوجاته أو أكثر بعد إنجابها له ولدا ذكرا، و يزوجها بواحد من كبار أمراء جيشه و بلاطه، و يعهد للزوج الجديد بتربية ابنه و صيانة حقوقه، و بناء عليه حمل الأمير الجديد اسم «أتابك» أي الأمير العم أو الأب، و أسس بعض الأتابكة دولا خاصة بهم مثلما عمل عماد الدين زنكي في الموصل و حلب، و طغتكين في دمشق، في العصر نفسه.

____________

(55) ابن عبد الظاهر، تشريف الأيام، ص 374- 375، و ابن حجر، الضوء اللامع، ج 2، ص 273، و ج 3، ص 195، 197، 210، و ج 6، ص 194، و ج 10، ص 270- 272، 338، و ابن تغري بردي، النجوم، ج 16، ص 19- 20، و ابن إياس، بدائع الزهور، ج 3، ص 352.

(56) ابن شاهين، زبدة كشف الممالك، ص 104، 134، 135، و العريني، المماليك، ص 159- 165.

(57) الطراونة، مملكة صفد، ص 240.

(58) القلقشندي، صبح الأعشى، ج 4، ص 218.

(59) ابن حجر، الدرر الكامنة، ج 2، ص 42، و ج 4، ص 12، 243، و المقريزي، السلوك، ج 2، ص 866، و ج 4، ص 441، و ابن حجر، انباء الغمر، ج 2، ص 427، و السخاوي، التبر المسبوك، ص 221، و ابن إياس، بدائع، ج 2، ص 352- 393.

(60) القلقشندي، صبح الأعشى، ج 5، ص 462، و ابن الفرات، تاريخ ابن الفرات، ج 9، ق 1، ص 95، 158، و المقريزي، السلوك، ج 2، ص 866، و ابن تغري بردي، النجوم، ج 10، ص 276، و ج 11، ص 1- 35.

(61) القلقشندي، صبح الأعشى، ج 4، ص 188، 234، و الصقاعي، تالي وفيات الأعيان، ص 181، و المقريزي، السلوك، ج 2، ص 247.