كتاب الأزمنة والأمكنة

- أحمد بن محمد المرزوقي الأصفهاني المزيد...
566 /
3

الجزء الأول‏

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏

مقدمة

نضع بين يدي قرائنا الكرام كتاب الأزمنة و الأمكنة فهو كتاب جامع شامل الموضوعات لها من الأهمية شأن كبير في معرفة علوم زاد الاهتمام بها في الماضي كثيرا و ما يزال الاهتمام بها في العصر الحاضر يأخذ مجالا واسعا لكونها تبحث في الطبيعة و في حركة الكواكب و تسمياتها و قوانينها و هي قاعدة انطلاق أساسية في العصر الحاضر للتعرف على الفضاء و على معرفة جوانب منه ما زالت غامضة و تشغل الكثير من العلماء في العصر الحاضر و يعتبر الكشف عنها أو البحث فيها يخدم الإنسانية فهي مترابطة إلى حد بعيد مع بعضها فالعلوم جميعا تكمل بعضها البعض فإثبات صحة تجربة علمية أحيانا و للتأكد من نجاحها يتطلب إجراء اختبارات لها في الفضاء لهذا فإن أجدادنا العرب في الماضي اهتموا كثيرا بالعلوم التي كان لها علاقة مباشرة بحياتهم في حلّهم و ترحالهم و من أهم هذه العلوم علم الفلك الذي كان له دور كبير و مرتبطا ارتباطا وثيقا بهم لمعرفة أحوال الجو و للاهتداء بالنجوم و الكواكب في السير و لمعرفة الزمن و أقسامه، و أدركوا مدى الارتباط بين الزمان و المكان و أهمية هذا الترابط الوثيق بينهما لدرجة أنه لا يمكن لأحدهما أن يكون بدون الآخر.

و قد قسّم الكتاب إلى أبواب و فصول اشتملت على مضمون الكتاب حسب تسلسل الحروف الأبجدية و قد بدأها في ذكر الآي المنهية من القرآن على نعم اللّه تعالى على خلقه في آناء الليل و النهار و في ذكر أسماء الزمان و المكان و متى تسمى ظروفا و معنى قول النحويين الزمان ظرف الأفعال. المهم أن العناوين تجسدت فيها روح النصوص و لم تنفصل عن بعضها البعض فكلها أعطت للكتاب أهمية خاصة في جعله وحدة متكاملة مثل أسماء الشمس و أسماء القمر و ختمها في ذكر مشاهير الكواكب التي تسمى الثابتة و غيرها المتحركة.

أما المؤلف فقد كان له باع طويل في رفد العلم بمؤلفاته الفريدة في فنون العلوم فقد

4

ذكره الذهبي في سير أعلام النبلاء ج 17/ 475 فقال إمام النحو أبو علي أحمد بن محمد بن الحسن المرزوقي و ذكره ياقوت الحموي في معجم الأدباء 5/ 34، 35 كما ذكره صاحب كتاب انباه الرواة و غيره و قد عاش أبو علي و عمر طويلا فقد قارب التسعين عاما و توفي في ذي الحجة سنة إحدى و عشرين و أربع مائة و كان له أكبر الأثر في إتحاف المكتبة العربية بمؤلفاته العلمية و الأدبية.

5

[مقدمة المصنف‏]

(الجزء الأول)

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏

الحمد للّه الذي لا تحصى آلاؤه بتحديد، و لا تعد نعماؤه بتعديد، خالق الظّلم و الأنوار بعجائب صنعته، و مالك المدد و الأقدار بغرائب حكمته، فله في كلّ ما أنشأ و ابتدع، و في جميع ما أوجب و اخترع، عند تناسخ الأزمنة في أهاليها و تعاقب الملل و الدّول بين مترفيها، آماد و رتب و آيات و عبر لا يجمع جملها إلّا إدراكه و علمه، و لا ينوّع تفاصيلها إلّا إحصاؤه و حفظه، و إن كان كثير منها يحصله العيان و يصوّره الأذهان من الأفلاك و بروجها، و منازل النّيرين فيها و استمرار مسيرها في حدي الاستقامة و الرّجعة و البطر، و السّرعة، و تكوير اللّيل على النّهار، و تكوير النّهار على اللّيل و تبدّل رطوبتها و بردها و حرها و يبسها و لينها، و تغيّر أدوار النّجوم في طلوعها و أفولها، قال اللّه تعالى: فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ الْجَوارِ الْكُنَّسِ وَ اللَّيْلِ إِذا عَسْعَسَ وَ الصُّبْحِ إِذا تَنَفَّسَ‏ [سورة التكوير: الآيات 15- 18] و في الاختفاء عن بعض الأمصار و ظهورها و تساوي الجميع في الدّلالة على حكم الآثار، و له الخلق و الأمر، و إليه المرجع و المستقر، تبارك اللّه أحسن الخالقين و صلاته على من اختاره للنّذارة، و تبليغ الرّسالة، فصدع بأمره و أدّى حقّ نعمته في خلقه محمد و آله و أصحابه أجمعين.

أما بعد: فإنّ الإنسان و إن كان ذا لدد و خصام، و جدال فيما يهوى و جذاب بتيقن الحوادث بوجه الثّبت، و يتسبّب إلى الازدياد، بحب التّوسع فيرى جلائل الأقدار كأنّها تواريه أو تلاعبه، و يحسب غوائل الأخطار كأنّها تساوفه أو تسابقه، ترشح بما رشح له عناصره عند الاختبار، و تجليه لما هيئ له مكاسره لدى الاعتبار، فهم فيما يتردّدون فيه طلعة خباءة، و عن صفايا غنائمهم غفلة نومه لا يردون مستنكرا، و لا يجدون عند الزّلة مستمسكا، نجدهم على تفاوت من أجسامهم، و أقدارهم، و مناشئهم، و مدارجهم، و أسماحهم، و إيابهم، و مآخذهم في استقراء مآربهم، و في أداتهم، و لغاتهم، و صورهم و هيآتهم و اقتراحاتهم و شهواتهم و أقواتهم، و مطاعمهم و حرفهم و مكاسبهم، و تباين ألسنتهم و ألوانهم، و على تنافس بينهم شديد، و تحاسد في خلال أحوالهم عجيب، و تضاغن يلوح من مستكن سرائرهم، و تباغض يبوح به تداني جوارهم.

6

قد جبلوا على ما إليه سيقوا، و خلقوا لما عليه أدبروا، متوافقين في الانجذاب إلى مدى من حب الوطن و السّكن، و الصّبر على مراري الزّمن، و الاستظهار في تخليد الذّكر باتّخاذ المصانع المؤبّدة، و المباني المشيّدة، كالخورنق، و الحضر، و الأبق الفرد، و غمدان، و المشقر، و الهرمين، و منف، و هو مسكن فرعون و تدمر و الشّعراء ذكروها في ذلك قوله:

اشرب هنيئا عليك التّاج مرتفعا* * * في رأس غمدان دار أمنك محلالا

تلك المكارم لا قعبان من لبن‏* * * شيبا بماء فما ذا بعد أبوالا

و قول الآخر: شعرا:

ما ذا أؤمّل بعد آل محرّق‏* * * تركوا منازلهم و بعد إياد

أهل الخورنق و السّدير و بارق‏* * * و القصر ذي الشّرفات من سنداد

أرض تخيّرها الطّيب مقيلها* * * كعب بن مامة و ابن أمّ داود

و قول الآخر شعرا:

و أخو الحضر إذ بناه و إذ* * * دجلة نحيى إليه و الخابور

شاده مرمرا و جلّله كلسا* * * فللطّير في ذراه و كور

و قول النابغة:

و خيّس الجنّ إنّي قد أذنت لهم‏* * * يبنون تدمر بالصّفائح و العمد

و كإيوان كسرى أنوشيروان، و هي من الأبنية القديمة و التّهالك في مناصب القرون الخالية، و الأرزاء بمناصبهم و طلب التقدّم عليهم فيما حمدوا فيه و إن كان كلّ منهم يذمّ زمانه و يحمد زمان غيره حتى روي قول لبيد شعرا:

ذهب الذين يعاش في أكنافهم‏* * * و بقيت في خلف كجلد الأجرب‏

و من قول عائشة رضي اللّه عنها فيه ما روي:

و سار متى قصروا عنه ذمّوا* * * و إن ما هم استأنسوا فيه ملّوا

لا جرم أنهم ابترموا مما اختبر لهم فيجمعوا أيديهم عليه مؤثرين لقبوله، و مقتنعين بحصوله كمن اطّلع على ما أبدله في القسم فاغتنمه، و أوذن بما أعدله عند السّوم فاختصبه، فترى ذكر الزّمان في المكان في جميع ما يندرجون فيه شقيق أرواحهم و مشرع الرّوح لأفئدتهم و مستمد لذّاتهم، و مشتكى أحزانهم، به يكشف البلوى و يستنزل المطر، فليسوا

7

بشي‏ء من حظوظهم أقنع منهم باجتماع الوطن و المطر، و استطلاع المستنجد من العين و الأثر، لذلك قال شاعرهم:

و كنت فيه كممطور ببلدته‏* * * فسر إن جمع الأوطان و المطرا

و قد قيل: ليس الناس بشي‏ء من أقسامهم أقنع منهم بأوطانهم، فلولا ما منّ اللّه تعالى به على طوائف الأمم و عصائب الزّمر من الألطاف في تحبيب ما حب و تأنيس من أنس، و المنع من الاستيثار و الاقتدار، و الاجتهاد بنهمة الاقتار، لما رضيت المهج الكريمة بمجاورة البلاد و الدّيار، و لا سكنت القلاع، في قلل الجبال و التّلاع، و لا عمرت المهاري و الأرانب في مساكن الأسود و الضّباع، و لا نبت حبال الألفة.

و نقطع نظام ما له فسبحان من جعل الاختلاف سببا للائتلاف، و بدل التنافر فصيّره داعيا إلى التّوافق، و للّه الحمد على ما أمضى و قدر، و نسأله التّوفيق فيما أتى و غبر، و قل عن اشتمام الأبنية الرّفعة إلى غاية ما في نفوسهم، بل يدّعون منه شياحين يلزمهم اسم التمام و الفراغ ليس للكلام نهاية، و لا لاختلافهم غاية، لأنّ عددهم كثير، و النّظر فيهم قديم و طبائعهم مختلفة، و قواهم متفاوتة و ألسنتهم مرسلة، و خواطرهم مطلقة، و لو كان الفاسد يشعر فساده، و المنقوص يجد مسّ نقصه لكان الفاسد صالحا و النّاقص وافرا.

و روي عن النّبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «من باع دارا أو عقارا، فلم يجعل ثمنها في مثلها كان كرماد اشتدّت به الريح في يوم عاصف».

و ذكر أحمد بن أبي طاهر أنه سمع آذرباد المؤبد يقول: إنّه وجد في حكم الفرس تربة الصّبي تغرس في القلب حرمة كما تغرس الولادة في الكبد رقة، و مما قيل في الوطن:

عجبت لعطار أتانا يسومنا* * * بدسكرة القيوم دهن البنفسج‏

فويحك يا عطار هلّا أتيتنا* * * بضغث حزار أو بخوصة عرفج‏

و قالوا: خلق اللّه آدم من تراب فهمته في التّراب، و خلق حواء من ضلع من أضلاع آدم فهمتها في الرّجال، و مما يعرف به موقع الوطن و الزّمن من ذوي البصائر السليمة و العقائد الصّحيحة قول جرير:

سقى اللّه البشام و كلّ أرض‏* * * من الغورين أنبتت البشاما

فيا نعمى الزّمان به علينا* * * و يا نعمى المقام به المقاما

فجمعهما في قول، و أنشدني أبو أحمد العسكري، قال أنشد الصّولي:

سقى اللّه دار الغاضريّة منزلا* * * ترفّ عليه الرّوض خضر الرّفارف‏

8

و أيامنا و الغاضريّون خضر* * * و عيشي بهم يهتز لدن المعاطف‏

و رأينا اللّه تعالى قسم مصالح خلقه و لذائذهم بين المقام و الطّعن فجعل أكثر مجاري الأرزاق مع الحركة و الاضطراب، و اغتنام الأرباب بعد التقادي في البلاد لذلك قال الشاعر:

فألقت عصاها و استقرّت بها النّوى‏* * * كما قرّ عينا بالإياب المسافر

و قال آخر:

سررت بجعفر و القرب منه‏* * * كما سرّ المسافر بالإياب‏

و قد شهد أصحاب المعاني لابن الرومي، فقالوا: لم يبن أحد العلة في الحنين إلى الوطن إبانته حين قال:

و حبّب أوطان الرّجال إليهم‏* * * مآرب قضّاها الشّباب هنالكا

و قد قال الأسدي أيضا شعرا:

أحبّ بلاد اللّه ما بين منعج‏* * * إليّ و رضوى أن نصوب سحابها

بلاد بها نيطت عليّ تمائمي‏* * * و أوّل أرض مسّ جلدي ترابها

و أخذه ابن ميّادة فقال:

بلاد بها نيطت عليّ تمائمي‏* * * و قطّعن عنّي حين أدركني عقلي‏

و قال بعض أصحاب المعاني: العلّة التي من أجلها تساوت الطّباع المختلفة في الحنين إلى الألّاف، و حب ما مضى من الزّمان هي أنّ الذّوات فينا و منا لما كانت لا تحصل إلّا في مكان و زمان صارت لتضمّنها لهما و لكونهما ناشئة حياتها و فاتحة شبيهتها، و طالعة نمائها، تشوقهما و تستنشئ على البعد أرواحهما حتى كأنّهما منها.

و فسّر بعضهم قول ابن الرومي، فقال: يريد بالمآرب المقضيّة للشبّاب ما أقامه الصبيّ من روادف الهوى، و قد ظفر بالمرتاد، أو كان على استقبال من العمر و قوة من الركن، و استعلام من الأمل، و استخبار من الأجل، و تماسك من الجوارح و تساعد من الأعضاء الحوامل، و رخاء من البال و أمن من عوارض الآفات.

و الذي شرحه هذا المفسر الزائد فيه على مذهبهم كالواصل إليه لاجتماعهما في غواشي العشق و الصّبر تحت بيان الحب رجاء الفوز بالمراد، و أظنّ جميعه في قول امرئ القيس:

و هل ينعمن إلا خليّ مخلّد* * * قليل الهموم ما يبيت بأوجال‏

9

و هذا في قضايا الأوقات كما اقتصّ الجاحظ من تعصّبه لمصره، فقال: من فضلة البصرة ما خصّت به من أرض الصّدقة إنه لا يسوغ تغيّرها و لا يتهيّأ تبديلها، و من المد و الجزر المبخر خصوصا لأهلها المجمول نوما بين قاطنها و مسافرها، و مصعدها، و منحدرها على مقابلات من الأوقات و مقادير من السّاعات، و على منازل القمر في زيادة النّور و امتلائه، و نقصان ضوئه و استسراره، فلا يعرف مصر جاهلي، و لا إسلامي أفضل من البصرة، و لا أرض جرى عليها الآثار أشرف من أرض الصّدقة، و لا شجرة أفضل من النّخلة و لا بلد أقرب برا من البصرة، فهي واسطة أبجر، و خضراء من بداو، و ريعاء من فلاة، و قانص وحش من صائد سمك، و ملاحا من جمال من البصرة.

فهي وسطة الأرض و فرضة البحر و مضبض الأقطار، و قلب الدّنيا فساحله بعض المتقضية للغيث، و بلاده بأن قال: الكرمة أفضل الأشجار، و العنب سيّد الثمار، ناعمة الورق كأنّها سرقة ناضرة الخضرة بديعة الشكل، سلسة الأفنان، رقيقة الجلد عند المذاق يسرح في البدن نورها، و في القلب سرورها، مع ذكاء العرق و صحّة الجوهر إن عرشت على عمد الخشب، و طبقات القصب تضاعف علتها، و تكامل حسنها و دخلها و رأفة جهارتها و أنق ينعها، و إن بسطت أغصانها على الدّار التي هي فيها أظلّت و إن مدّت على الجدران و قيدت إلى حدود الجيران سامحت قائدها و قلّ اعتياضها تغني عن الشارات و الفساطيط، و تكفّ صيد الحر في حمارة القيظ، و احتدام الشمس أوان الحاجة إلى الرّوح و تردّ عواصف الرّياح و قواصفها، بكثافة ورقها، و ضفاقة ظلّها في كلام يتّصل بين الفريقين و لا ينقضي.

و ليس من همتي و لا سدمي إنما أردت التّنبيه على أنّ كلّ ذي أرب همّته في نظرية بلدته طبعا لا تكلفا و كل ذي سبب نهمته في تزكية ممكنة عمدا لا سهوا، ثم حسن الشّي‏ء و قبحه و فضله و نقصه لما عليه في نفسه لا لجوى راصد أو ألف جاذب. و الحديث شجون، و الفخر بالشي‏ء فنون، لكنّ اللّه تعالى لمّا ذكر الدّيار فخبر عن موقعها من عباده حتّى سوّى بين قتل نفسهم و الخروج من ديارهم في قوله تعالى: وَ لَوْ أَنَّا كَتَبْنا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ‏ [سورة النساء: 66] و في موضع آخر: وَ ما لَنا أَلَّا نُقاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَ قَدْ أُخْرِجْنا مِنْ دِيارِنا وَ أَبْنائِنا [سورة البقرة: 24] جعل لهم في الأرض بيتا نسبه إلى نفسه بإزاء البيت المعمور لملائكته، و صيّره حرما و أمنا، و مثابة للناس، و مطافا يلوذ به الخائف و لو كان من الوحش.

كما يأوي إليه الهارب من الأنس عظيما شأنه منيعا جاره لا يغشى أهله غضاضة الامتهان، و لا سأمة الابتذال، فهم على مر الأيام و كلة و حمس في أديانهم متمنعة، و قد كان من الفيل و الحبشة ما أرّخ به الزّمن كما أرّخت الحوادث و النّحل، و كما قيدت أيام النّبوات‏

10

بما يكشفها من أنباء الفترات و أحوال الأنبياء و المعجزات، و ذكر اللّه تعالى النعمة على قريش، فانبأ عن رحلة الشّتاء و الصّيف بعد أن دعا إبراهيم (عليه السلام) لسكان مكّة فقال:

رَبِّ اجْعَلْ هذا بَلَداً آمِناً وَ ارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَراتِ‏ [سورة البقرة: 126]، و قد كان قال:

رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ‏ [سورة إبراهيم: 37] فاستجاب اللّه دعوته فهم يصيفون (الطائف)، و يشتون (جدّة) و أنواع الخير منهم بمرصد و فعل مثل ذلك في الزّمان فعظّم ليلة القدر و جعلها خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ بما ضمّنها من تنزّل الملائكة بقضاياه إلى رأس الحول، و لأنّها ليلة السّلامة و الأمن من كل داء و بلاء إلى مطلع الفجر.

فالحمد للّه الذي بنوره اهتدينا و بفضله غنينا، حين أدب الأخلاف بما درج عليه الأسلاف، و قرن العبادة باعتبار ما أمضى عليه القرون الماضية في الدّهور الخالية فإنهم و إن مضوا سلفا فقد السّبيل عليهم، و النّاس بزمانهم أشبه منهم بآبائهم، و قد أكثرت، و ظهر الفرض فيما أبدأت، و أعدت، و التّرفية عن المطبة أعون في إملاء قطع الدود أنّ من نكص عن المنهاج تاه في الفجاج، فإنّما هذا الكلام وصلة إلى كتاب في الأزمنة و الأمكنة، و ما يتعلّق بهما من أسماء اللّيل و النّهار و البوارح‏ (1)، و الأمطار، و المزالف، و المآلف، و ما أخذ أخذها مما تعداده يطول و ينطق به الحدود بعد هذا.

و الفصول فقد قدّمت ذكرها، و قد غبرت مدة من الزّمان، و هذا الكتاب منّي ببال أ تصفّح ورقه بأيدي فكري، و أتصوّر مضمونه في مطارح فهمي، فينيلني إذا صادفته جموحا، و يوليني إذا صافحته ازورارا، و شسوعا، كأنه يطلب لنفسه حظا زائدا على ما أوتيه، و سهما عاليا لما أجيله فأعطيه إلى أن تبوأ من علو الوكد، و الاهتمام في أعلى الرّبى، و من مرتقى التّوفر في الاعتناء في أسنى الذرى.

فحينئذ أطلع اللّه على ضميري نور الأستاذ النفيس أبي علي إسماعيل بن أحمد أدام اللّه رفعته، و برهان سلفه قرنا بعد قرن، و كابرا عن كابر من كمال النبل، و جماع الفضل و الجمال الظّاهر، و الكرم الغامر، و النّهوض بأعباء الرّئاسة، و الاستظهار في أنحاء السّياسة، و تدبير المسالك و المهالك، و المدائن و الممالك، و الميل إلى ذوي الأخطار، و أعلام الآداب.

فهم يكرعون من جداهم في أعذب المشارع، و أكرم الموارد.

هذا إلى ما حباه اللّه في خاص و عام قصده من محييات القلوب، و مزيات القبول. فإنّ العزيز الشريف و النّبت الرّفيع إذا أشر بالدّونة المعطف، و سهولة الملتقى، و المختبر ترجما عن الكمال، و وفرا ابهة الجلال. و هذا الثناء منّي ليس على طريقة المادحين فأتجوّز، و لا

____________

(1) البارح: الريح الحارة في الصيف- قاموس.

11

قصدي فيه قصد المجتدير فأتسّمح، بل إملاء طول الصّحبة بلسان الخبرة، فعليه فيه حكم الحق و المعلوم مع تواطؤ الأخبار عنه و شهادة الإثار له، و توارد الوسائل فأقبل بتغاير أبوابه، و انثال عليّ و تسابق أجزائه، و فصوله تنساق إليّ كأنه كان من رباط الشّد في عقال فأنشط، و من حفاظ المنع في وثاق فأهمل، و بيد اللّه تعالى أمره تسهيل المراد و تعجيل الفراغ بحوله و منه.

و اعلم أنّ رؤساء الأمم أربعة بالاتفاق: العرب، و فارس، و الهند، و الروم و هم على طبقاتهم في الذكاء و الكيس، و الدّهاء، و الكيد، و الجمال، و العناد و تملك الممالك و البلاد، و السّياسة و الإيالة، و استنباط العلوم و إثارة الحكم في جوامع الأمور و معلوم شأنهم معروف أمرهم، و ما في على طبقاتهم في الغباوة و العظاظة و سوء الفهم و الدّراية و القسوة، و الغذامة، و النّوك، و الجهالة مراعون لما رهنوا به و قيضوا له، و قد صاروا إلى وجوه المعاش، و فنون الممارسات، و الإغراب في أسرار الصناعات، و الإبداع في أنواع التّركيبات، انفتح لهم من أبواب المعرفة، و حسن التّوفيق في الإصابة، ما لم ينفتح لهم في سواه و ذلك ما لا يدرك غوره من غرائب حكمة اللّه تعالى فيما دبر، و امضى و إن كان للعرب خاصة طبع عجيب في الأخبار، و الاستخبار، و المباحثة، و الاستكشاف، و سرعة إدراك ما يسفر عن الأواخر عند النّظر في الأوائل، فحصل لهم بذلك أخلاق عادت مفاخر، و أفعال صارت مناقب، مع ثبات فيما يعز، و جلد، و بيان و لدد، و افتنان في الخطب و الشّعر و الرّجز على اختلاف أنواعها و تصاريف أساليبها، و على كثرة الأمثال الحكيمة، و طرائف الآداب الكريمة.

ثم لهم الفراسة الصّحيحة، و الكهانة العجيبة، و صدق الفأل الحسن، و الحسّ المصيب مع العلم بأثر القدم في الصّخر الأصم، و القاع العفراء، و قيافة الأثر مع قيافة البشر، ليست لغير العرب لأنّهم يرون المتفاوتين في الطّول و القصر، و المختلفين في الألوان و النّعم فيعلمون أنّ هذا الأسود ابن هذا الأبيض، و هذا القصير ابن أخ هذا الطّويل، مع الرّعاية لأنسابهم و أيّامهم، و محاسن أسلافهم و مساوئ أكفائهم، للتّعاير بالقبيح و التّفاخر بالجميل، و ليجعلوه مبعثة على اصطناع الخير، و مزجرة عن ادخار الشّر، و لهم تبين أحوال النّجوم سعدها و نحسها، و الأنواء و مقتضياتها و الأمطار و مواقيتها، و بوارح الرّياح في إبّانها و حينها، و الزّجر المغني عن التّنجيم و حسن الاهتداء في المسالك المهلكة، و المرامي غير المسلوكة.

و هم على كلّ حال من عيشهم يخافون مأثور الحديث و يتجرّعون من غوارب البحار، و يحبّون المادحين و تقريظهم، و يؤثرون على أنفسهم الخيل، و على عيالهم الضّيفان أصحاب حياء و أنفة، وجود، و فروسية، و فخر، و همة لا تطل دماؤهم و لا يعجز طوائلهم، و لا

12

ينسيهم طول الأيام دفائن أحقادهم، يراعون الذّمم، و يوفون بالمواثيق، و يوجبون الجوار باعلاق الدّلو بالدلو و شد الطّنب بالطّنب حتى قال زهير:

و جار سار معتمدا علينا* * * أجابته المخافة و الرّجاء

فجاور مكرما حتّى إذا ما* * * دعاه الصّيف و انصرم الشّتاء

ضممنا ما له فغدا علينا* * * جميعا نقصه و له النّماء

ثم لم يرضوا لأنفسهم بالاسم الواحد، و الكنية الواحدة، و النّعت الشّريف و الذّكر الرّفيع و المنصب المفخم، و الفخر المقدّم حتى تنقلوا في أسامي و كنى كما اكتنى حمزة بن عبد المطّلب بأبي يعلى- و أبي عمارة، و عبد العزى بن عبد المطلب بأبي لهب- و أبي عتبة، و صخر بن حرب بأبي سفيان- و أبي حنظلة، و حسان بن ثابت بأبي الوليد و أبي الحسام، و عثمان بن عفان بأبي عبد اللّه و أبي عمرو، أو أبي ليلى و عبد اللّه بن الزّبير بأبي بكر، و أبي خبيب و أبي عبد الرّحمن.

و الذين أسماؤهم كنى كثير في العرب يسمّي بعضهم بعضا بسمات تفيد التّفخيم و التّعظيم كقولهم: ملاعب الأسنة، و سم الفرسان و زيد الخيل، و محكم الأقران و أشباه ذلك. فهذه الخصال تختصّ بهم إلى كثير ممّا إن شغلنا الكلام به خرجنا عن الغرض المنصوب و للّه تعالى في خلقه أن يفعل ما شاء، و يصطفي بفضله من شاء، و هو الحكيم العليم، و لو لا اهتزازي لتقديم ما يتعلق به همّة برّ أشاد النّفيس، و سرعة إجابتي إذا أهاب لما رهبته، و ليحصل لي به الفأل الحسن و الذّكر المؤبّد، و الالتذاذ بالدّخول في جملة أهل الفضل و الاستنان بسننهم في إذاعة ما تكسيهم الأيام و يفيدهم الاجتهاد لبقيت في حجر الفن بما أورده لما أرى في أهل الزّمان من اطراح العلم، و احتقار أهل الفضل، و لا أزيد على هذا مخافة الخروج إلى ما يعد سرفا، بل أنشد قول الأول شعرا:

إذا مجلس الأنصار حفّ من أهله‏* * * و حلّت مغانيه غفار و أسلم‏

فما النّاس بالناس الذين عهدتهم‏* * * و لا الدّهر بالدّهر الذي كنت أعلم‏

و اعلم أنّ قرب الشي‏ء في الوهم ليس بموجب حصوله، و لا بعده فيه يقتضي بطوله، و هذا الكتاب ليس اختياري لعلمه لغلبته، و لا اشتغالي به عن شبهه لكنّي حصنته تحصين الحزم، و صنته صون العرض المكرم، فهو مذخورة المتلهف، و عقد المعتال المحتكم، ثمره عند الينع لا يخلف، و ماؤه على الميح لا يكدر.

و قد قيل لحاضنك عليك حق اللّبن، و لتربتك حبّ الوطن، و لنسلك حرمة السّكن، و لطربك خلع الرّسن، كما أنّ لما تخلد به ذكرك من نثر أو نظم عليك شرف التّحلية، و حسن‏

13

النّعت و التّسمية، و جمع الفوائد الزّكية، و هجر الهوى و العصبيّة، و بيد اللّه تبليغ المراد و توطير المرتاد.

و اعلم أنّ مدار الأدب على الطّلب، و عمدته البحث، و مصرفه الرّغبة، و الحث و أزمة الجميع بيد القريحة فإذا سلمت القريحة من عوارض الآفات و تملست من شوائب الأقذار، و العاهات، و ترقّت في مدارجها من دلائل الرّسوم إلى حقائق الحدود أقبلت تصنع في نيل المطلوب صنعة من طبّ لمن حبّ، و إني و إن أنشأت هذا الكتاب فما في نفسي ادعاء الفضل على الأسلاف؛ و كيف أستجيز ذلك و من ذكرتهم ننفق، و بشهاداتهم نتوثّق، و بين المسلم و المنازع ما بينهما من برزخ التّضاد، و لكن لمن ضمّ النّشر، و سوّى في البناء النّضد و تأنق في الإثارة، ثم بلغ و تناهى إلى الغاية، فسدّد حقه من العمل. نسأل اللّه تعالى حسن التّوفيق فيما نأتي و نذر، و عليه المعوّل في إيزاعنا شكر نعمته، و إعانتنا على ما تعرب من رحمته، و نعم المولى و نعم النصير.

هذا كتاب الأزمنة و الأمكنة، و بيان ما يختلف من أحوالها و يتّفق من أسمائها، و صفاتها، و أطرافها، و إقطاعها، و متعلقات الكواكب منها في صعودها و هبوطها و طلوعها و غروبها، و جميع ما يأخذ أخذها، أو يعدّ معها، أو لا ينفكّ في الوقوع و الاستمرار منها، أو متسبّب بضرب من ضروب التّشابه، أو قسم من أقسام التّشارك إلى الدّخول في أثنائها موشّحة بما يصححها من أشعارهم و أمثالهم، و أسجاعهم و مقامات وقوفهم و منافراتهم جادّين و هازلين، و من كلام روّادهم و ورّادهم و كتّابهم في ظعنهم و إقامتهم و تتبّعهم مساقط الغيث و بوارح الرّيح، و عند ما يقيمون من الجدب، و الخصب و السلم و الحرب، و قري الضّيف في الشّتاء و الصّيف، و أعيادهم، و حجهم، و نسكهم، و وجوه معايشهم و مكاسبهم، و آدابهم.

و قد صدرته بجميع آي من كتاب اللّه تعالى بعض حقائقه لتردد المعاني إذا شافهت الالتباس، بين الوجوب و الجواز و الامتناع فيتّسع أمد القول و يمتد نفسه بحسب الحاجة و على قدر العناية، و من أنكر في طلب الحق واجبا، أو رد جائرا، أو جحد ممتنعا فقد صافح الخذلان. كما أنّ من قصر و كده على ما لا يرد من دينه فائتا و لا يعمر ثابتا، فقد جانب حسن التّوفيق. و على اللّه في الأحوال كلها المعوّل و التّكلان.

و بعد الفراغ من ذلك أتبعته بالكلام في حقيقة الزّمان و المكان، و الرّد على من تكلّم بغير الحق فهما بعد تتبّع لما أصله شديد، و بحث عنه بليغ، و ردّ للسّابق من دعاويهم على اللّاحق‏ (1) على الوارد إذ كانا عندي كالأصل في إلحاد أكثر الملحدين من الأوائل‏

____________

(1) خرم في الأصل 12.

14

و المتأخّرين، و إذ كنت قد شيّدت من قبل فصول ما ذكرت، و وصوله بلمع من الكلام في المحكم و المتشابه و الاستدلال بالشّاهد على الغائب، و بيان أسماء اللّه تعالى و صفاته، و ما يجوز إطلاقه عليه أو يمتنع لأنّ أطراف هذه الأبواب متعلقة بموارد الآي التي تكلّفت الكلام فيها و مصادرها، و مستقية من العيون التي تحوم أطيارها حوله، و في جوانبها و لأنّ الاشتغال به هو الغرض المرمي في تأليف حل هذا الكتاب و ترتيبه، و تنسيقه هذا إلى غير ذلك مما خلا منه مؤلفات اللّغويين و النّحويين و الباحثين عن طرائق العرب، و ما يراعونه من معتقداتهم في الأنواء و غيرها، و إيمان من آمن منهم بالكواكب حتى عبدوها لما ألفوه من استمرار العادات بهم و اطرادها على حد سالم من التبدّل و التحوّل.

ثم شرعت في الكتاب و تبويب معاطفه و تنويع أساليبه و مدارجه، و أستعين اللّه تعالى على بلوغ ما يزلف عنده، و يستحقّ به مزيد الإحسان و أصحاب التوفيق الكامل منه، و هو حسبنا و نعم الوكيل.

15

ذكر أبواب الأزمنة و الأمكنة، و فصولها

هي ثلاثة و ستّون بابا، و نيّف و تسعون فصلا:

أ: في ذكر الآي المنهية من القرآن على نعم اللّه تعالى على خلقه في آناء اللّيل و النّهار، و بيان النّسي‏ء، و في ذكر أخبار مروية، و في ذكر الأنواء، و ذكر معتقدات العرب فيها و فيما يجري مجراه، و ذكر فصل في جواب مسائل للمشهد من الكتاب و السّنة، و في بيان المحكم و المتشابه و غيرهما، و بيان أسماء اللّه تعالى و صفاته، و هو يحوي تسعة و عشرين فصلا.

ب: في ذكر أسماء الزّمان و المكان، و متى تسمى ظروفا، و معنى قول النّحويين الزّمان ظرف الأفعال، و الرّد على من قال فهما بغير الحق من الأوائل و الأواخر، و يحتوي على فصول أربعة.

ج: هو يشتمل على بيان اللّيل و النّهار، و على فصول من الإعراب تتعلق بظروف الأزمنة و الأمكنة، و فصوله ثلاثة.

د: ذكر ابتداء الزّمان، و أقسامه، و التّنبيه على مبادئ السّنة في جميع المذاهب، و ما يشاكل من تقسيمها على البروج.

ه: في قسمة الأزمنة و دورانها و اختلاف الأمم فيها.

و: في ذكر الأنواء و اختلاف العرب فيها، و منازل القمر مقسّمة الفصول على السّنة، و أعداد كواكبها، و تصوير مأخذها ضارة، و نافعة، و فصوله أربعة.

ز: في تحديد سنيّ العرب، و الفرس، و الرّوم، و أوقات فصول السّنة.

ح: في تقدير أوقات التّهجد التي ذكرها اللّه تعالى في كتابه عن نبيّه و الصّحابة، و تبيين ما يتصل بها من ذكر حلول الشّمس في البروج الاثني عشر.

ط: في ذكر البوارح، و الأمطار مقسمة على الفصول، و البروج، و في ذكر المراقبة، و هو فصلان.

16

ي: في ذكر الأعياد و الأشهر الحرم و الأيّام المعلومات و الأيام المعدودات، و الصلوات الوسطى، و هو فصلان.

يا: في ذكر سحر، و غدوة، و بكرة، و ما أشبهها و الحين و القرن و الآن و أيان، و أوان، و الحقبة، و الكلام في إذ، و إذا، و هما للزّمان و إبان، و أفان، و هو فصلان.

يب: في لفظة أمس، و غد، و الحول، و السّنة، و العام، و ما يتلو تلوه، و لفظة حيث، و ما يتّصل به، و الغايات كقبل و بعد، و ذكر أول و حينئذ، و قط، و إذ، و إذا المكانية، و منذ، و مذ، و من، و على و هو فصلان.

يج: فيما جاء مثنّى من أسماء الزّمان، و اللّيل، و النهار، و من أسماء الكواكب و ترتيب الأوقات و تنزيلها، و هو أربعة فصول.

يد: في أسماء الأيام على اختلاف اللّغات و قياسات اشتقاقها و تثنيتها و جمعها.

يه: في أسماء الشّهور على اختلاف اللغات، و ذكر اشتقاقاتها، و ما يتّصل بذلك من تثنيتها و جمعها، و هو فصلان.

يو: في أسماء الدّهر و اقطاعه، و ما يتّصل بذلك، و هو فصلان.

يز: في اقطاع الدّهر، و أطراف اللّيل و النّهار، و طوائفهما و ما يتّصل بذلك من ذكر الحوادث فيها، و هو ثلاثة فصول.

يج: في اشتقاق أسماء المنازل، و البروج، و صورها، و ما يأخذ مأخذها، و هو فصلان.

يط: في اقطاع اللّيل، و طوائفه، و ما يتّصل بذلك و يجري مجراه.

ك: في اقطاع النّهار، و طوائفه، و ما يتّصل بذلك و يجري مجراه.

كا: في أسماء السّماء و الكواكب، و الفلك و البروج، و هو ثلاثة فصول.

كب: في برد الأزمنة، و وصف الأيّام و اللّيالي به.

كج: في حرّ الأزمنة، و وصف الأيّام، و اللّيالي به.

كد: في شدّة الأيّام و رخائها و خصبها و جدبها، و ما يتّصل بذلك.

كه: في أسماء الشّمس و صفاتها، و ما يتعلّق بها.

كو: في أسماء القمر و صفاته، و ما يتصل بها من أحواله، و هو فصلان.

كز: في ذكر أسماء الهلال من أول الشهر إلى آخره، و ما ورد عنهم فيها من الأسجاع، و غيرها.

17

كح: في أسماء الأوقات، و الأفعال الواقعة في اللّيل و النّهار، و أسماء الأفعال المختصة بأوقات في الفصول و الأزمان.

كط: في ذكر الرّياح الأربع، و تحديدها بها، و ما عدل عنها، و هو فصلان.

ل: في أسماء المطر و صفاته و أجناسه، و هو فصلان.

لا: في السّحاب، و أسمائه و تحليه بالمطر، و هو فصلان.

لب: في الرّعد و البرق، و الصّواعق و أسمائها و أحوالها، و هو فصلان.

لج: في قوس قزح و في الدائرة حول القمر، و في البرد من قوله تعالى: أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحاباً [سورة النور، الآية: 43]، و هو ثلاثة فصول.

لد: في ذكر المياه و النبات ممّا يحسن وقوعه في هذا الباب، و هو ثلاثة فصول.

له: في ذكر المراتع الخصبة و المجدبة، و المحاضر، و المبادي، و هو فصلان.

لو: في ذكر أحوال البادين و الحاضرين، و بيان تنقّلهم و تصرّف الزّمان بهم.

لز: في ذكر الرّواد و حكاياتهم، و هو فصلان.

لح: في ذكر الورّاد و من جرى مجراهم من الوفود.

لط: في السّبر و النّعاس، و الميح، و الاستقاء، و ورود المياه.

م: في ذكر أسواق العرب.

ما: في ذكر مواقيت الضّراب و التّاج.

مب: فيما روي من أسجاع العرب عند تجدّد الأنواء و الفصول، و تفسيرها، و هو فصلان.

مج: في ذكر الصّيام، و القيافة، و الكهانة، و هو ثلاثة فصول.

مد: في ذكر ما لهم من الأوقات حتى لا يبين للسّامع و ما شرح منه.

مه: في الاهتداء بالنّجوم و جودة استدلال العرب بها و إصابتهم في أمهم.

مو: في صفة ظلام اللّيل و استحكامه، و امتزاجه.

مز: في صفة طول اللّيل و النّهار و قصرهما، و تشبيه النّجوم فيهما.

مح: في ذكر السراب، و لوامع البروق، و متخيّلات المناظر، و وصف السّحاب.

مط: في تذكر طيب الزّمان، و التّلهف عليه و الحنين إلى الألّاف، و الأوطان.

18

ن: في ذكر أنواع الظلّ و أسمائه و نعوته.

نا: في ذكر التّاريخ و ابتدائه، و السّبب الموجب له و ما كانت العرب عليه لدى الحاجة إليه في ضبط آماد الحوادث و المواليد، و هو فصلان.

نب: فيما هو متمم لما عند العرب و من داناهم و أدركوه بالتفقد و طول الدّربة، و لم يدخل في أسجاعهم.

نج: في انقلاب طبائع الأزمنة، و ثباتها، و امتزاجها، و الاستكمال و الامتحاق، و أزمان مقاطع النّجوم في الفلك، و معرفة ساعات اللّيل من رؤية الهلال، و مواقيت الزّوال على طريق الإجمال.

ند: في اشتداد الزّمان بعوارض الجدب، و امتداده بلواحق الخصب.

نه: و يشتمل من حدّها على ذكر ما في إعرابه نظر من حديث الزّمان.

نو: في ذكر الكواكب اليمانية، و الشّمامية، و تمييز بعضها عن بعض، و ذكر ما يجري مجراها من تفسير الألقاب.

نز: في ذكر الفجر، و الشّفق، و الزّوال، و معرفة الاستدلال بالكواكب و تبين القبلة.

نح: في معرفة أيّام العرب في الجاهلية، و ما كانوا يحرفونه و يتعايشون منه، و ذكر ما انتقلوا إليه في الإسلام على اختلاف طبقاتهم.

نط: في ذكر أفعال الرّياح لواقحها، و حوائلها، و ما جاء من خواصها في هبوبها و صنوفها.

س: في ذكر الأيام المحمودة للنّوء و المطر و سائر الأفعال، و ذكر ما يتطيّر منه، أو يستدفع الشّربة.

سا: في ذكر الاستدلال بالبرق، و الحمرة في الأفق و غيرهما على الغيث.

سب: في الكواكب الخنّس، و في هلال شهر رمضان.

سج: في ذكر مشاهير الكواكب التي تسمّى الثابتة، و هذه التّسمية على الأغلب من أمرها إذ كانت حركة مسيرها خافية غير محسوسة.

19

الباب الأول [في تعظيم شأن القرآن و فصل بيانه بالنّظم العجيب و التّأليف الرّصيف‏]

اعلم أنّ اللّه تعالى عظّم شأن القرآن، و فصل بيانه بالنّظم العجيب و التّأليف الرّصيف على سائر الكلام، و إن وافقه في مبانيه، و معانيه ثم أودعه من صنوف الحكم، و فنون الآداب و العذر، و جوامع الأحكام و السير، و طرائف الأمثال و العبر، ما لا يقف على كنهه ذوو القرائح الصّافية، و لا في بعد فوائده أو لو المعارف الوافية، و إن تلاحقت آلاتهم، و توافقت أسباب التّفهم و الافهام فيهم، فترى المشتغل به المتأمّل له، و قد صرف فكره إليه، و قصر ذكره عليه، قد يجد نفسه أحيانا فيه بصورة من لم يكن سمعه، أو كان بعد السّماع نسيه استغرابا لمراسمه، و استجلاء لمعالمه، و ذلك أنه تعالى لما أنزله ليفتتح بتنزيله التّحدي به إلى الأبد، و يختتم بترتيله و آدابه البذارة إلى انقضاء السّند، على ألسن الرّسل، جعله من التّنبيهات الجليّة و الخفيّة، و الدّلالات الظّاهرة و الباطنة ما قد استوى في إدراك الكثير منها العالم بالمقلد، و المتدبّر، و المهمل.

و إن كان في أثنائه أغلاق لا تنفتح الأشياء بعد شي‏ء بأفهام ثاقبة، و في أزمان متباينة، ليتّصل أمد الإعجاز به إلى الأجل المضروب لسقوط التّكليف، و لتجدّد في كل أوان بعوائده و فوائده ما يهيج له بواعث الأفكار، و نتائج الاعتبار، فيتبيّن ثناؤه الرّاسخ المتثبّت، و النّاظر المتدبّر عن قصور الزّائغ المتطرّف و تقصير الملول الطّرف. لذلك اختلفت الفرق، و استحدثت المذاهب و الطّرق، فكلّ يطلب برهانه على صحة ما يراه منه، و إن ضلّ عن سواء السّبيل من ضلّ لسوء نظره و فساد تأنّيه، و عدو له عن منهاج الصّحابة و التّابعين و صالحي الأسلاف، فلما كان أمر القرآن الحكيم على ما وصفت، و كان اللّه تعالى فيما شرع من دينه و حدّ عليه من عبادته، و دعا إليه من تبيّن صنعه و تنبّه ما أقامه من أدلّته. قال: خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ بِالْحَقِّ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ‏ [سورة العنكبوت، الآية: 44] مبيّنا أنه اخترعها بما يشتمل عليه حقا لا باطلا و حتما لا عبثا لتوفّر على طوائف خلقه منافعها، و مثبتها من يصدق بالرّسل، و يميز جوامع الكلم على بعد غورها في قضايا التّحصيل و تراجع الأفهام، و الأوهام عن تقصي مأخذها بأوائل التّكليف.

20

ثم كرّر ذكرها في مواضع كثيرة في جملتها ما يقتضي الكشف عن نظومها و تصاريفها لما يكشفها من الغموض، و كان مبنى التأليف الذي هو مبني على كتب لا يتم من دون الكلام عليها بترتيبه، بأن جعلتها مقدّمة ثم تجاوزت إلى ما سواها و اللّه المعين على تسهيل المراد منه بمنه.

فمن ذلك قوله تعالى: وَ هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَ يَوْمَ يَقُولُ‏ [سورة الأنعام، الآية: 73] الآية، وصف اللّه تعالى نفسه فيما بسط من كلامه هنا بفصول أربعة، كلّ فصل منها عند التأمّل جملة مكتفية بنفسها عن غيرها، و دالة على كثير من صفاته التي استبدّ بها.

فالفصل الأول قوله تعالى: وَ هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ بِالْحَقِ‏، و المعنى في قوله: بالحق، أنّ الحكمة البالغة أوجبت ذلك، ففطرها ليدلّ على نفسه بها و يظهر من آثاره العجيبة فيها ما تحقّق إلهيته و تثبت قدمه، و ربوبيته و يظهر أنّ ما سواه مدبر مخلوق و مسخّر مقهور، و أنه الحق تمّ له ما أحدثه، و أنشأه لا بباطل، و وجبت له العبادة من خليقته بقول فصل لا بهزل، فحجّته بيّنة و آياته محكمة، لا تخفى على النّاظر، و لا تلتبس على المتأمّل المباحث إذ كانت الأبصار لا تدركه، و الحواس لا تلحقه، فعرّف عباده قدرته، و ألزمهم بما غمرهم من منافعه و نعمة عبادته، فلا مانع لما منح، و لا واهب لما ارتجع، أو حرم تسليما لأمره و رضى بحكمه.

و الفصل الثاني قوله: وَ يَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقُ‏ [سورة الأنعام، الآية: 73] قوله: و يوم نصب على الظّرف، و العامل فيه ما يدل عليه قوله الحق، و لا يجوز أن يكون العامل قوله: يقول لأنه قد أضيف اليوم إليه، و المضاف إليه لا يعمل في المضاف. و قوله:

فيكون معطوف على يقول، و ما بعد القول، و هو جملة تكون حكاية في كلامهم، و كن في موضع المفعول ليقول، و قد أبان اللّه هذا المعنى في قوله: إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْ‏ءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ‏ [سورة النّحل، الآية: 4] لأنّ معنى الحكاية ظاهر فيه و مفهوم منه، و إذا كان الأمر على هذا فقوله: كن، حكاية، و المعنى فيه إيجاب خروج الشّي‏ء المراد من العدم إلى الوجود. و قوله: فيكون بيان حسن المطاوعة من المراد و تكوّنه، و ليس ذلك على أنّه مخاطبة المعدوم، و لكنّ اللّه تعالى أراد أن يبين على عادة الآمرين إذا أمروا كيف يقرّب مراده إذا أراد أمرا، فأخرج اللّفظ على وجه يفهم منه ذلك، إذ كان لا لفظ في تصوير الاستعجال، و تقريب المراد أحضر من لفظة كن فاعلمه. و تلخيص الآية و إذا كان يوم البعث و النّشر و السّوق إلى الحشر يوجب وقوع المكون بقولنا: كن، فيقع بحسب الإرادة لا تأخير فيه و لا تدافع، لأن حكمنا فيه المحقوق الذي لا يبدّل، و لأنّ الملك فيه للملك الذي لا يغالب و لا

21

يمانع، فقوله في الفصل الأول: بالحق- أي بما وجب في الحكمة و حسن فيها. و قوله في الفصل الثّاني قوله الحق- أي المحقوق الذي لا يحول و لا يغيّر إذ كان البدء لا يجوز عليه، و أوائل الأمور في علمه كأواخرها.

و الفصل الثالث قوله: وَ لَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ [سورة الأنعام، الآية: 73] يريد به أنه في ذلك الوقت متفرّد بتدبير الفرق و الأمم و تنزيلهم منازلهم من الطّاعة و المعصية، كما أبدأهم فكما كان تعالى الأوّل لقدمه يكون الآخر لبقائه، لا مشارك له، و لا مؤازر، و أبين منه قوله في موضع آخر: لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ [سورة غافر، الآية: 16] و هذا حال المعاد، و المعنى إذا أردنا سوقهم بعد الإماتة للنّشر لم يخف علينا شي‏ء من أحوالهم لأنّا نملكهم، فأمرنا حتم لا تخيّر وفور لا تأخير، و الإحصاء يجمعهم، و الإدراك يعمهم. و قوله: وَ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ [سورة الأنعام، الآية: 73] لم يشر به إلى وقت محدود الطّرفين و لكن على عادة العرب في ذكر الزّمان الممتد الطويل باليوم، فهو كما يقال: فعل كذا في يوم فلان، و على عهد فلان.

الفصل الرابع: قوله: عالِمُ الْغَيْبِ وَ الشَّهادَةِ وَ هُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ [سورة الأنعام، الآية: 73] يريد أنّه لا يخفى عليه ما فيه لأنّه العالم لنفسه فلا يغرب عنه أمر، و الغائب عنده كالحاضر و البعيد كالقريب و هو حكيم فيما يقضيه عليم فيما يقضيه. لا يذهب عليه شي‏ء من أحوال عباده، و من مواعيده فيحشرهم جميعا، و يوفّيهم مستحقّهم موفورا.

و منه قوله تعالى: وَ آيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهارَ [سورة يس، الآية: 37] إلى يسبحون، قوله: نسلخ منه النّهار أي نخرجه منه إخراجا لا يبقى معه شي‏ء من ضوء النّهار، أ لا ترى قوله في موضع آخر: آتَيْناهُ آياتِنا فَانْسَلَخَ مِنْها [سورة الأعراف، الآية: 175]، و في هذا دلالة بيّنة على ما تذهب إليه العرب من أنّ اللّيل قبل النّهار لأنّ السّلخ و الكشف بمعنى واحد يبين ذلك أنّه يقال: كشطت الإهاب، و الجلد عن الشّي‏ء، و سلخته أي كشفته، و السّلاخ الإهاب نفسه، و سلخت المرأة درعها نزعته، و سلخت الشّهر: صرت في آخر يوم منه، و سلاخ الحيّة جلدها، و إذا كان ذلك، و كان اللّه تعالى قال: اللّيل نسلخ منه النهار، و المسلوخ منه يكون قبل المسلوخ فيجب أن يكون اللّيل قبل النّهار، كما أنّ المغطّى قبل الغطاء قوله: فإذا هم مظلمون- أي داخلون في الظّلام يقال: أظلم اللّيل إذا تغطى بسواده، و أظلمنا دخلنا في ظلمات، و هذا كما يقول: أجنبنا و اشملنا- أي دخلنا في الجنوب و الشّمال، و أنجدنا، و أتهمنا أي أتيناهم، ثم قال: وَ الشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها [سورة- يس، الآية: 38] و هذا يحتمل وجوها من التّأويل.

أ- أن يكون المراد جريها لاستقرار يحصل له إذا أراد اللّه وقوفها للأجل المضروب‏

22

لانقضاء وقت عادتها في الطلوع و الأفول.

ب- أن يكون المراد بالمستقر وقوفها عنده تعالى يوم القيامة، و الشّاهد لهذا قوله في آية أخرى: كَلَّا لا وَزَرَ، إِلى‏ رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ [سورة القيامة، الآية: 10، 11] فهو كقوله في غير موضع: ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ‏، وَ إِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ* [سورة الحديد، الآية: 5]، وَ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ* [سورة البقرة، الآية: 245].

ج- أن يكون المعنى أنها لا تزال جارية أبدا ما دامت الدّنيا تظهر و تغيب بحساب مقدر كأنها تطلب المستقر الذي علمها صانعها فلا قرار لها؛ و يشهد لهذا الوجه قراءة من قرأ و الشّمس تجري لا مستقر لها، و ذلك ظاهر بيّن يوضحه قوله تعالى بعقبه: ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ* [سورة يس، الآية: 38]، أي تقدير من لا يغالب في سلطانه و لا يجاذب على حكمته، قوله: وَ الْقَمَرَ قَدَّرْناهُ‏ [سورة يس، الآية: 39]، الآية. برفع القمر على، و آية لهم اللّيل و إن شئت على الابتداء، و ينصب على، و قدّرناه و العرجون) عود لعذق الذي تسمّى الكباسة تركبه الشّماريخ مثله الأثكول و العثكول من العذق، فإذا جفّ و قدم دقّ و صغر و حينئذ يشبهه الهلال في أول الشهر و آخره.

و قال أبو إسحاق الزّجاج: وزنه فعلول لأنّه من الانعراج، و قال غيره: هو فعلول لأنه كالفثلول، و معنى الآية و قدّرنا القمر في منازله الثمانية و العشرين، و في مأخذه من ضوء الشّمس، فكان في أوّل مطلعه دقيقا ضئيلا، فلا يزال نوره يزيد حتى تكامل عند انتصاف الشّهر بدرا، و امتلائه من المقابلة نورا، ثم أخذ في النقصان بمخالفته لمحاذاة، و تجاوزه لها حتى عاد إلى مثل حاله الأولى من الدّقة و الضؤلة و ذلك كلّه في منازله الثمانية و العشرين لأنه ربّما استتر ليلة، و ربما استتر ليلتين فمشابهة الهلال للعرجون في المستهل و المنسلخ صحيحة.

فأما قوله: حتى عاد فكأنه جعل تصوّره في الآخر بصورته الأولى في الدّقة مراجعة، و معاودة. و القديم يراد به المتقادم كما قال في قصة يعقوب (عليه السلام): إِنَّكَ لَفِي ضَلالِكَ الْقَدِيمِ‏ [سورة يوسف، الآية: 95]. و قال الفرّاء القديم يقال لما أتى عليه حول. و قيل أيضا:

معنى عاد صار، و يشهد لذلك قول الشّاعر:

أطعت العرس في الشّهوات حتّى‏* * * تعود لها عسيفا عبد عبد

و لم يكن عسيفا قط، و قال امرؤ القيس:

و ماء كلون البول قد عاد آجنا* * * قليل به الأقوات ذي كلأ مخل‏

أي صار، و قال الغنوي:

23

فإن تكن الأيام أحسن مرة* * * إليّ فقد عادت لهنّ ذنوب‏

قوله: لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ [سورة يس، الآية: 40]، يعني ينبغي لها.

أي: لو كانت تطلب إدراك القمر لما حصلت لها بغيتها، و لا ساعدتها طلبتها يقال: بغيت الشي‏ء، فانبغى لي. أي طلبته، فأطلبني، و إذا لم ينبغ لها لو طلبت، فيجب أن لا يحصل الفعل منها البتّة، لأنّ الإدراك معناه اللّحوق و سببه الذي هو البغاء ممنوع منه، فكيف يحصل للسّبب؟ و أيضا فإنّ سرعة سير القمر و زيادته على سير الشّمس ظاهر فهو أبدا سابق لها بسرعته، و تلك متأخرة لبطئها، و قوله: وَ لَا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ [سورة يس، الآية: 40] محمول على وجهين.

الأول: أن يكون المعنى بالسّبق أوّل إقباله و آخر إدبار النّهار.

و الثاني: أن يكون المعنى آخر إدبار النّهار و أول إقبال الصّبح، و سبق اللّيل النّهار بإقباله أن يقبل أول اللّيل قبل آخر إدبار النّهار و هذا ما لا يكون.

و أما سبقه إيّاه بإدباره، فإن سبق آخر إدبار اللّيل أوّل إقبال الصّبح قبل كونه، و هذا أيضا لا يكون، و لا يجوز كونه لأنهما ضدّان يتنافيان و يتعاقبان فلذلك لم يجر سبق اللّيل النّهار في شي‏ء من أحواله.

و قيل معنى: لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ أي ليس لها أن تطلع ليلا، و لا القمر له أن يطلع نهارا لأنّ لكلّ منهما شأنا قدّر له و وقتا أفرد به، فلا يقع بينهما زاجر فيدخل أحدهما في حد الآخر قوله: وَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ‏ [سورة يس، الآية: 40] أي كلّ واحد منهما له فلك يدور فيه فلا يملك انصرافا عنه؛ و لا تأخّرا إلى غيره، و لفظ الفلك يقتضي الاستدارة أي و كلّ له مكان من مسبحه مستدير يسبح فيه أي يسير بانبساط، و منه السّباحة، و قال تعالى لنبيّه: إِنَّ لَكَ فِي النَّهارِ سَبْحاً طَوِيلًا [سورة المزمل، الآية: 7] و لا يمنع أن يكون يشير بقوله: في فلك إلى الذي هو فلك الأفلاك، و إذا جعل على هذا فهو أبهر في الآيات، و أدلّ على اقتدار صانعه و إنمّا قال: يسبحون لأنّه لمّا نسب إليها على المجاز و السعة أفعال العقلاء المميّزين جعل الاخبار عنها على ذلك الحد، و مثله: رَأَيْتُهُمْ لِي ساجِدِينَ‏ [سورة يوسف، الآية: 4] و هذا كثير.

و منه قوله تعالى: وَ جَعَلْنَا اللَّيْلَ وَ النَّهارَ آيَتَيْنِ‏ [سورة الإسراء، الآية: 12] الآية نبه بهذه الآية، و بقوله إنّ عدّة الشهور الآية على نعمه على خلقه فيما إن شاء حالا بعد حال لهم، و ابتدعه و ما عرف مصالحه وقتا بعد وقت، فيما قدّر لهم فكر و ذكر و نصب للحاضرة و البادية من الأعلام و الأدلة بالمنازل و الأهلّة، و مطالع النّجوم السّيارة و غير السّيارة حتى جعلت‏

24

مواقيت و آجالا، و مواعيد، و آمادا، فعرفوا حلالها و حرامها و مسالمها و معاديها و ذا العاهة منها مما لا عاهة معها؛ و تبيّنوا بطول التّجارب أضرّها أنواء، و أعودها أمطارا، و أعزّها فقدانا، و أهونها أخلاقا، فأخذوا لكلّ أمر أهبته، و لكلّ وقت عدّته، إلى كثير من المنافع و المضار التي تتعلق باختلاف الأهواء و تفاوت الفصول و الأوقات؛ و من تدبّر قوله: وَ جَعَلْنَا اللَّيْلَ وَ النَّهارَ آيَتَيْنِ‏ [سورة الإسراء، الآية: 12]. ثم فكّر في تميز أحدهما عن الآخر باختلاف حالهما في النّور، و الظّلمة، و الظّهور و الغيبة، و لما ذا صارا يتناوبان في أخذ كلّ واحد منهما من صاحبه، و يتعاقبان في إصلاح ما به مصالح عباده و بلاده؟ و كيف يكون نموّ القمر من استهلاله إلى استكماله و نقصه، و انمحاقه من ليالي شهره و أيامه؟ و أنّى يكون اجتماع الشّمس و للقمر، و افتراقهما، و تساويهما، و تباينهما، ظهر من حكمة اللّه تعالى له إذا تدبّره، و ردّ آخره على أوّله، و ولي كلّ فصل منه ما هو أولى به.

ثم سلك مدارجها، و تتبع بالنّظر معالمها و مناهجها أدّاه الحال إلى أن يصير من الرّاسخين في العلم به تعالى و بمواقع نعمه، و آثار ربوبيته، أ لا ترى أنّه لو جعل اللّيل سرمدا، أو جعل النّهار أبدا لانقطع نظام التّعايش، و انسدت أبواب النّمو و التزايد، و تأدّى انقلاب التّدبر إلى ما شرحه بتعذر فسبحانه من حكيم رءوف بعباده رحيم.

و قد سئل النّبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) عن نقصان القمر و زيادته، فأنزل اللّه تعالى أنّ ذلك لمواقيت حجكم، و عمرتكم، و حل ديونكم و انقضاء عدة نسائكم، و قوله تعالى:

آيَةَ اللَّيْلِ‏، و آيَةَ النَّهارِ إضافتهما على وجه التّبيين و الشّي‏ء، قد يضاف إلى الشي‏ء لأدنى علاقة بينهما، قال تعالى: فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ‏ [سورة العنكبوت، الآية: 5]. و لما كان هو المؤجل، و قال في موضع آخر: فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ* [سورة الأعراف، الآية: 34] لما كان الأجل لهم، فكذلك قوله: آيَةَ اللَّيْلِ‏، و آيَةَ النَّهارِ، يعني الآية التي يختصّ بهما هذا في إضافة الغير إلى الغير.

فأما إضافة البعض إلى الكل فقولك: خاتم حديد، و ثوب خز، فلا يمنع دخوله فيما نحن فيه، و يكون المعنى أنّ الآية الممحوة كانت بعض اللّيل، كما أنّ الخاتم، يكون بعض الحديد، كأنّ اللّيل ازداد بالمحو آيتها سوادا، و يقال؛ دمنة ممحوة إذا درست آثارها و آياتها، و يقال: محوت الشي‏ء، أمحوه، و أمحاه و في لغة علي محيته، و حكى بعضهم: محا الشي‏ء و محاه غيره، و كتاب ماح، و ممحو و محوة، اسم لريح الشّمال لأنها تمحو السّحاب، و المحوة المطرة التي تمحو الجدب و من كلامهم تركت الأرض محوة إذا جيدت كلها.

و قال بعضهم: يجوز أن يكون عنى بآية النّهار الشّمس، و بآية اللّيل القمر، و عنى بالمحو ما في ضوء القمر من النّقصان، و حكي عن السّلف أنّ المراد بالمحو الطّخاء الذي‏

25

في القمر قوله: وَ جَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً [سورة الإسراء، الآية: 12] هو على طريق النّسبة أي ذات إبصار، و في موضع آخر: وَ النَّهارَ مُبْصِراً* [سورة يونس، الآية: 67] أي مضيئا و كما يقال هو ناصب أي ذو نصب، و يجوز أن يكون لما كان الإبصار فيها جعله لها، كما يقال رجل مخبت إذا صار أصحابه خبتا، و نهاره صائم، و ليله قائم.

و قال أبو عبيد يريد قد أضاء للنّاس أبصارهم، و يجوز أن يكون كقولهم: أصرم النّخل أي أذن بالصّرام، و أحمق الرّجل إذا أتى بأولاد حمق و قوله: لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ وَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَ الْحِسابَ [سورة الإسراء، الآية: 12] مثل قوله في موضع آخر: جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَ النَّهارَ مُبْصِراً* [سورة يونس، الآية: 67] و مثل قوله: جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِباساً وَ النَّوْمَ سُباتاً وَ جَعَلَ النَّهارَ نُشُوراً [سورة الفرقان، الآية: 47] و في آخر: وَ جَعَلْنَا النَّهارَ مَعاشاً [سورة النبأ، الآية: 11] و مثل قوله: جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَ النَّهارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ [سورة القصص، الآية: 73] و هذه الآي، و إن تشابهت في معانيها، فقد اختلفت تفاصيل نظومها، فقوله: جَعَلْنَا اللَّيْلَ لِباساً أي يغشى كلّ شي‏ء من الحيوان و غيره فيصير ذا دعة و سكون و انقطاع عما يعالجه في النّهار لابتغاء الفضل فيه، وَ جَعَلْنَا النَّهارَ مَعاشاً أي وقت معاش، و المعاش، و المعيش ما أعان على الحياة به ممّا الحياة به، و ليس الحياة، قال أمية:

ما أرى من معيشي في حياتي غير نفسي‏

و قد قال أبو العباس محمد بن يزيد: ثم يرى تفسيرهما جملة ثقة بأنّ السّامع يرد كلّا إلى ماله يريد مثل قوله: جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَ النَّهارَ، ثم قال: لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَ لِتَبْتَغُوا و السّكون في اللّيل، و الابتغاء في النّهار، و مثله: يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَ الْمَرْجانُ‏ [سورة الرحمن، الآية: 22] و إنّما هو من أحدهما، فإن قال قائل: ما تصنع على هذا بقول سيبويه:

لا يقول لقيته في شهري ربيع إذا كان اللقاء في آخره قال: و كذلك لا يجوز أن يقول لقيته في يومين، و اللقاء في أحدهما. قلت: هذا الذي قال صحيح لأنّ ذكرك الشّهر الذي لم يكن فيه اللّقاء، فصل و لكن لو و صفت الشّهرين بما يكون في واحد منهما فجمعت الصّفة فيهما كان جيدا، و ذلك قولك في الشتاء يكون المطر و يقعد في الشّمس أي هذا و هذا، و كذلك في شهري ربيع تأكل الرّطب و التمر أي هذا في أحدهما، و هذا في أحدهما كما يقول: لو لقيت زيدا و عمرا لوجدت عندهما نحوا أو خطّا، إن كان النّحو عند أحدهما، و الخط عند الآخر فليس هذا بمنزلة الأوّل لأنّ اللقاء في أحد الشّهرين و الآخر لا معنى لذكره البتّة.

قال أبو العبّاس: و من ذلك قوله تعالى: مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيانِ‏ [سورة الرحمن، الآية: 19] بَيْنَهُما بَرْزَخٌ لا يَبْغِيانِ‏ [سورة الرحمن، الآية: 20] ثم خبر بفضائلهما فقال:

26

يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَ الْمَرْجانُ‏ [سورة الرحمن، الآية: 22] و إنما خرج من الملح لا من العذب و لكنه ذكرهما ذكرا واحدا فخبر بما يتضمّنانه. و كذلك قوله: وَ مِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَ النَّهارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ‏ [سورة القصص، الآية: 73]، فالسّكون في اللّيل و الاكتساب في النّهار، و لكن كما جمعهما في الذّكر ابتداء جمعهما في الخبر انتهاء، افتنانا في النظم و تبحرا في السّبك و ثقة بأنّ اللّبس عنه بعيد كيف رتب و في قوله تعالى:

لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَ الْحِسابَ* [سورة الإسراء، الآية: 12] إشارة إلى التّواريخ و ضبط مبالغ الدّيون و المعاملات و آمادها و مواقيتها، و ما فيه معاشهم و رياشهم و عليه تبتنى منافعهم و مصالحهم، و قد دخل تحت ما ذكرنا ما أشار تعالى إليه بقوله: وَ كُلَّ شَيْ‏ءٍ فَصَّلْناهُ تَفْصِيلًا [سورة الإسراء، الآية: 12] و إن كانت هدايته أبلغ، و مجامع بيانه من اللّبس أبعد، فأما قوله تعالى من الآية الأخرى التي أوردتها مستشهدا بها جعل اللّيل لباسا أي للتّودع و السّكون يقال في فلان ملبس أي مستمتع.

قال امرؤ القيس شعرا:

ألا إنّ بعد العدم للمرء فنية* * * و بعد المشيب طول عمر و ملبسا

و قال ابن أحمر:

لبست أبي حتّى تملّيت عمره‏* * * و ملّيت أعمامي و ملّيت خاليا

و يجوز أن يريد باللّباس السّتر لأنّ الليل عطاء كل شي‏ء و ستره كما قدّمنا، و الأحسن الأول يدل على ذلك قوله تعالى: أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إِلى‏ نِسائِكُمْ، هُنَّ لِباسٌ لَكُمْ وَ أَنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَ [سورة البقرة، الآية: 187] و جعل العلة فيما أحل منهنّ لهم من الرّفث إليهنّ كون الجميع لباسا أي مستمتعا و قوله: وَ النَّوْمَ سُباتاً أي راحة و أمنا و يقال: رجل مسبوت إذا استرخى و نام و سبت فلان العمل بالفتح إذا ترك العمل و استراح و انسبتت البسرة، إذا لانت و قوله: وَ جَعَلَ النَّهارَ نُشُوراً [سورة الفرقان، الآية: 47] مثل قوله: إِنَّ لَكَ فِي النَّهارِ سَبْحاً طَوِيلًا [سورة المزمّل، الآية: 7] أي ذهابا و تصرّفا في طلب الرّزق، و لمّا كان النّشور في النّهار جعله على المجاز نفسه، كقولك: فلان أكل و شرب على تقدير هو ذو أكل فحذف المضاف، أو لغلبة الفعل عليه، جعله كأنه الفعل على هذين الوجهين يحمل قوله شعرا:

ترتع ما رتعت حتّى إذا ادّكرت‏* * * فإنّما هي إقبال و إدبار

و هو يصف وحشية. قال بعض أصحاب المعاني النّشور في الحقيقة الحياة بعد الموت بدلالة قوله شعرا:

حتى يقول النّاس مما رأوا* * * يا عجبا للميت النّاشر

27

و هو في هذا الموضع الانتباه من النوم و الاضطراب من الدّعة، و كما سمّى اللّه تعالى نوم الإنسان وفاة بقوله تعالى: اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها وَ الَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنامِها [سورة الزمر، الآية: 42] كذلك وفّق بين إبقاء من الموت في التّسمية بالنّشور.

و منه قوله تعالى: أَ لَمْ تَرَ إِلى‏ رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَ‏ [سورة الفرقان، الآية: 45] الآية قوله أ لم تر لفظ استفهام و حقيقة البعث على النّظر و المعنى انظر حتى تتعجب إلى ما مدّه اللّه من الظّل و إنّما قلنا هذا لأنّ المد مدرك متبيّن و تبيّن كيفيته يبعد في الوهم فكيف في الإدراك فلا يعلمه إلا اللّه و هذا على عادتهم في التّفاهم بينهم يقولون: أ رأيت كذا، و المراد أخبرني و أ رأيتك و أ لم ترك كذا و هل رأيت كذا، و لم تر إلى كذا، و أ لم تر كيف كذا؟ و الفصل في أكثره أن تعق المخاطب على ما تجب منه من المدعو إليه، و قد استعمل هل رأيت معدولا به من حيث المعنى على ظاهره أيضا؟ و ذلك كقول القائل: متى إذا جنّ الظلام، و اختلط جاءوا بمذق؟ هل رأيت الذئب قط؟ و يسمّى مثل هذا التّصوير لأنّ المعنى جاءوا بمذق أورق فصوّروا الورقة بلون الذئب، فأما قوله تعالى: أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْراهِيمَ فِي رَبِّهِ‏ [سورة البقرة، الآية: 258] فمعناه أ رأيت كالذي حاجّه بين ذلك ما عطف عليه من بعد لأنه تعالى قال: أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلى‏ قَرْيَةٍ [سورة البقرة، الآية: 259] لأنّ المعنى على ذلك، و الكلام جار على التعجب، و لفظة إلى تأتي إذا حملت أ رأيت على النظر.

فأما قوله تعالى: أَ لَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحابِ الْفِيلِ‏ [سورة الفيل، الآية: 1] فالمعنى أ لم تعلم و لا يحتاج إلى ذكر إلى.

و المراد بالظّل عند بعضهم الذي يكون بعد طلوع الفجر في انبساط و قبل طلوع الشّمس و ظهورها على الأرض، و قد قال أهل اللغة في الفرق بين الظّل و الفي‏ء إنّ الظّل يكون بالغداة و العشيّ، و الفي‏ء، لا يكون إلا بالعشي لأنه اسم للذي فاء من جانب إلى جانب. و منه قولهم في‏ء المسلمين للغنائم و الخراج الرّاجعة إليهم. و قد جاء ما يفيد فائدته في صفة الظّل في مواضع، منها أكلها دائم و ظلّها. و منها قوله: و ظلّ ممدود، فجعل ما في الجنة ظلالا فيئا، و كان رؤبة يقول: الظل ما لم تنسخه الشّمس، و هو أول و الفي‏ء ما نسخته الشّمس، و هو آخر، و قالوا: الظل بالغداة و العشي، و الفي‏ء بالعشي، و قيل أيضا: الظل يكون ليلا و نهارا، و الفي‏ء لا يكون إلّا بالنّهار، و ما نسخته الشمس ففي‏ء و كان في أول النهار فلم تنسخه الشّمس، و قيل الظّل للّيل في كلام العرب قال:

و كم هجرت و ما أطلقت عنها* * * و كم ربحت و ظلّ اللّيل دان‏

فجعل للّيل ظلا و قول الآخر و تفيئوا الفردوس ذات الظّلال، اتّساع أيضا لأنه جعل للأفياء ظلالا فأما قوله شعرا:

28

فلا الظّل من برد الضّحى نستطيعه‏* * * و لا الفي‏ء من برد العشي نذوق‏

فقد فصل بينهما قوله: وَ لَوْ شاءَ لَجَعَلَهُ ساكِناً [سورة الفرقان، الآية: 45] سئل عنه متى كان متحركا فقيل: معنى السكون هاهنا الدوام و الثبات، أ لا ترى أنك تقول للماء الساكن الواقف ماء دائم و راكد و يمكن أن يقال: إنّ السّاكن هاهنا من السّكنى لا من السكون أي لو شاء لجعله ثابتا لا يزول كما أنّ سكنى الرجل الدّار يكون إذا قام و ثبت.

و قوله: ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا [سورة الفرقان، الآية: 45] يراد به أنّه لو لا الشّمس لما عرف الظل، فاللّه تعالى يقبضه و يبسطه في اللّيل و النّهار، و على هذا يكون الدّليل بمعنى.

الدّال.

و قال بعضهم المعنى دللنا الشّمس على الظّل حتى ذهبت به و نسخته أي أتبعناها إياه قال: و يدلّك على ذلك قوله: ثُمَّ قَبَضْناهُ إِلَيْنا قَبْضاً يَسِيراً [سورة الفرقان، الآية: 46] أي شيئا بعد شي‏ء فعلى طريقته يكون دليلا فعيلا في معنى مفعول لا في معنى الدّال، و روي عن الحسن أنه كان يقول: يا بن آدم أما ظلّك فسجد للّه، و أما أنت فتكفر بالله.

و قال بعضهم: و قد أحسن ما قال: الظلّ من آيات اللّه العظام الدّالة بإلزامه الإنسان منه ما لا يستطيع انفكاكا عنه، فدلّ بذلك على لزوم القمر له و لسائر الخلق قال اللّه تعالى:

أَ وَ لَمْ يَرَوْا إِلى‏ ما خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْ‏ءٍ يَتَفَيَّؤُا ظِلالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَ الشَّمائِلِ سُجَّداً لِلَّهِ وَ هُمْ داخِرُونَ [سورة النحل، الآية: 48] فظلال الأشياء تمتد عند طلوع الشّمس من المشرق طولا ثم على حسب ارتفاع الشّمس في كبد السّماء تقصر حتى ترجع إلى القليل الذي لا تكاد تحس، و حتى يصير عند انتصاف النّهار في بعض الزّمان بمنزلة النّعل للابسها، ثم يزيد في المغرب شيئا شيئا حتى تطول طولا مفرطا، قبيل غروب الشّمس و إلى غروبها. ثم يدوم اللّيل كلّه، ثم يعود في النّهار إلى حاله الأولى، فالشّمس دليل عليه لو لا الشّمس ما عرف الظّل، فاللّه بقدرته القاهرة يقبضه و يبسطه في اللّيل و النّهار. و إنّما قال: قَبْضاً يَسِيراً لأنّ الظّل بعد غروب الشّمس لا يذهب كلّه دفعة واحدة، و لا يقبل الظلام كلّه جملة واحدة، و إنّما يقبض اللّه تعالى ذلك الظّل قبضا خفيا و شيئا بعد شي‏ء، و يعقب كل جزء منه بقبضه بجزء من سواد اللّيل حتى يذهب كلّه، فدلّ اللّه على لطفه في معاقبته بين الظّل و الشّمس و اللّيل، و من كلامهم وردته و الظّل عقال و طباق و حذاء. و قال:

و لو احقت أخفافها طبقا* * * و الظّلّ لم يفضل و لم يكر

أي لم ينقص، و يقولون: لم يزل الظّل طاردا أو مطرودا، و محولا، و ناسخا، و منسوخا، و سارقا، و مسروقا، و كلّ الذي ذكرت عند التّحصيل بيان و تفصيل لما أجمل فيما قدّمته، و سيجي‏ء من صفات الظّل و أسمائه في بابه ما تزداد به أنسا بما ذكرناه.

29

و أما قوله تعالى: أَ وَ لَمْ يَرَوْا إِلى‏ ما خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْ‏ءٍ [سورة النحل، الآية: 48] الآية فقوله: من شي‏ء من دخلت للتّبيين كدخولها مع المعرفة في قوله: فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِ‏ [سورة الحج، الآية: 30] و المعنى من شي‏ء له ظلّ كالشّخوص، و من هذه قد تجي‏ء مع النّكرة فتلزم و لا تحذف تقول: من ضربك من رجل و امرأة فاضربه. هذا في الجزاء كقوله تعالى: أَ وَ لَمْ يَرَوْا إِلى‏ ما خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْ‏ءٍ و إنّما كرهوا حذف من لأنهم خافوا أن يلتبس الكلام بالحال إذا قلت إلى ما خلق اللّه شيئا، و معنى الحال هاهنا بعيد فألزموه من ليعلم به أنه تفسير و تبيين لما قد وقع غير مؤقت يكشف هذا أنّك لو قلت: للّه درّه من رجل، جاز أن يقول: للّه دره رجلا، و من رجال فإنك قد أمنت الالتباس بالحال إذا لم يكن ذلك موضعه.

فأما قولك: للّه درك قائما، فإنّما جاز سقوط (من) لأنّ الذي قبله مؤقت فلم يبال التباسه بالحال، قوله تعالى: يَتَفَيَّؤُا ظِلالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَ الشَّمائِلِ [سورة النحل، الآية: 48] معناه ما قدّمته في بيان قوله تعالى: كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَ لَوْ شاءَ لَجَعَلَهُ ساكِناً [سورة الفرقان، الآية: 45] و كشفه أن جميع ما خلقه عزّ و جلّ ظلّه يدور معه و يمتدّ لا ينفك منه حتى لو رام انسلاله من دونه لما قدر عليه يصحبه مقبلا و مدبرا، و كيف مال زائدا عليه و ناقصا منه ليذكره عجزه، و يصوّر له أنه على تصرفه المتين في لزام أضعف قرين و ذلك تفيؤه أي ترجعه يمنة و يسرة و متنعلا من تحت، و معتليا من فوق على حسب اختلاف الأحوال، فيكون للأشخاص في‏ء عن اليمين و الشمائل إذا كانت الشّمس على يمين الشخص، كان الفي‏ء عن شماله، و إذا كانت على شماله كان الفي‏ء عن يمينه، و قيل: أول النّهار عن يمين القبلة، و في آخره عن شمال القبلة، و معنى قوله: سُجَّداً لِلَّهِ وَ هُمْ داخِرُونَ [سورة النحل، الآية: 48] انها بآثار الصّنعة فيها خاضعة للّه تعالى، و ذكر السّجود قد جاء في هذا المعنى في غير هذا الموضع قال: (غلب سواجد لم يدخل بها الحصر)، و قال آخر:

بجمع تضلّ البلق في حجراته‏* * * ترى الأكم فيها سجّدا للحوافر

و المراد الاستسلام بالتسخير و الانقياد.

فأما قوله تعالى: وَ تَرَى الشَّمْسَ إِذا طَلَعَتْ تَزاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذاتَ الْيَمِينِ‏ [سورة الكهف، الآية: 17] بعد أن قال: فَضَرَبْنا عَلَى آذانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَداً [سورة الكهف، الآية: 11] فمعنى ضربنا على آذانهم أي أمتناهم، و منعناهم الإدراك، و يقال في الجارحة: إذا أبطلتها ضربت عليها، و في الممنوع عن التصرف في شي‏ء ضربت على يده، و معنى تزاور، و تزور تنحرف عنهم، أي تطلع على كهفهم ذات اليمين و لا تصيبهم، و العرب تقول: قرضته ذات اليمين، و قرضته ذات الشمال، و قرضته قبلا و قرضته دبرا، و حذوته ذات اليمين و ذات الشمال، أي كنت بحذائه من كلّ ناحية، و أصل القرض القطع- أي تعدل عنهم و تتركهم.

30

و قيل: إنّ باب الكهف كان بإزاء بنات نعش فلذلك لم يكن الشّمس تطلع عليه و إنما جعل اللّه تعالى ذلك آية فيهم، و هو أنّ الشّمس لا تقربهم في مطلعها و لا عند غروبها. و قال اللّه تعالى: وَ النَّجْمُ وَ الشَّجَرُ يَسْجُدانِ [سورة الرحمن، الآية: 6] و قد بيّن اللّه المراد بما ذكرنا في آية أخرى فقال تعالى: وَ لِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ طَوْعاً وَ كَرْهاً وَ ظِلالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَ الْآصالِ [سورة الرعد، الآية: 15] يريد الانقياد في الطاعة من الملائكة و المؤمنين في السّماوات و الأرضين، و أنه يستسلم من في الأرض من الكافرين كرها و خوفا من القتل، و ظلالهم بالغدوّ، و الآصال يؤدّي ما أودع من آيات الحكم و غرائب الأثر فسبحانه من معبود حقّت له العبادة من كلّ وجه، و على كل حال فلا يتوجه إلا إليه و إن قصد بها غيره، و لا تليق إلا به دون من سواه و الدّاخر: الصّاغر، و يقال: تفيّأت الشّجرة بظلها إذا تميلت. فأما قوله شعرا:

تتبّع أفياء الظّلال عشيّة* * * على طرق كأنّهن سبوب‏

فإنما أضاف الأفياء إلى الظّلال لأنه ليس كلّ ظل فيئا، و كل في‏ء ظل، و تحقيق الكلام تتبع ما كان فيئا من الظلال، و مثله في الاتساع قول الآخر:

لمّا نزلنا نصبنا ظلّ أخبية* * * و فاز باللّحم للقوم المراجيل‏

لأن المنصوبة هي الأخبية، و يقال: أظلّ القوم عليهم أي أوقعوا عليهم ظلالهم، و إنما قال: و هم داخرون، لأن المنسوب إليها من أفعال العقلاء، فأعيرت عبارتهم، و قد مضى مثل هذا.

و منه قوله تعالى: فَسُبْحانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ‏ [سورة الروم، الآية: 17] إلى تظهرون.

اعلم أنّ قولك: سبحان مصدر كقولك: كفران، و غفران إلا أنّ فعله لم يستعمل، و لو استعمل لكان سبح مثل كفر و غفر، و معناه التّبعيد من أن يكون له ولدا، و يجوز الكذب عليه و التّنزيه له، و البراءة من السّوء و كل ما ينفى عنه إلا أنه التزم موضعا و لم يجر مجرى سائر المصادر في التّصرف و الاستعمال. و ذلك أنّه لا يأتي إلا منصوبا مضافا و غير مضاف، لكنّه إذا لم يضف ترك صرفه فقيل: سبحان من زيد، قال الأعشى شعرا:

أقول لمّا جاءني فخر* * * فسبحان من علقمة الفاخر

فلم يصرفه لأنّه معرفة في آخره ألف و نون زائدتان فهو كعثمان، و سفيان كأنّه أجرى مجرى الإعلام في هذا، و هم يحملون المعاني على الذّوات في تخصيصها بأشياء كالأعلام لها، و على ذلك أسماء الأفعال، فأمّا قولهم: سبّح تسبيحا، فهو فعل بني على سبحان، و معنى سبّح اللّه، أي قال: سبحان اللّه فهو عروض قولهم: بسمل إذا قال بسم اللّه، و قد

31

أطلق سبّح في وجوه سوى هذا.

منها الصلاة النّافلة يشهد لهذا قوله تعالى: فَلَوْ لا أَنَّهُ كانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ‏ [سورة الصافّات، الآية: 143] أي من المصلّين، و هو مستفيض أنّ السّبحة هي النافلة، و كان ابن عمر يصلي سبحته في موضعه الذي يصلي فيه المكتوبة.

و منها الاستثناء كقوله تعالى: قالَ أَوْسَطُهُمْ أَ لَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْ لا تُسَبِّحُونَ [سورة القلم، الآية: 28] أي لو لا تستثنون. و قيل: هي لغة لبعض أهل اليمن و ليس للكلام وجه غيره لأنّه تعالى قد قال: قبل ذلك: إِنَّا بَلَوْناهُمْ كَما بَلَوْنا أَصْحابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّها مُصْبِحِينَ، وَ لا يَسْتَثْنُونَ [سورة القلم، الآية: 17- 18] ثم قال: قالَ أَوْسَطُهُمْ أَ لَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْ لا تُسَبِّحُونَ [سورة القلم، الآية: 28] فأذكرهم تركهم الاستثناء، و المراد من اللّه تعالى أن يعرفنا عبادته و يعلمنا حمده و ما يستحق به إذا أقمناه و كأنه قال: سبّحوا اللّه في هذه الأوقات و تذكّروا في كلّ طرف منها ما يجدد عندكم من أنعامه، ثم قابلوا عليه بمقدار وسعكم من الحمد و التّسبيح. قوله: حين تمسون و حين تصبحون- أي إذا أفضيتم إلى الصّباح و المساء و حق النّظم أن يكون حين تمسون و حين تصبحون و عشيا و حين تظهرون، لكنه اعترض بقوله تعالى: لَهُ الْحَمْدُ فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ [سورة الروم، الآية: 18] و مثل هذا الاعتراض إلا أنه أبين الفعل و الفاعل قوله شعرا:

و قد أدركتني و الحوادث جمّة* * * أسنّة قوم لا ضعاف و لا نكل عزل‏

و في القرآن: فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ، وَ إِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ‏ [سورة الواقعة، الآية: 75- 76- 77]، ففصل بين اليمين و جوابها كما ترى، و حسن ذلك لأن المعترض يؤكّد المعترض في الأوّل، و الحمد إذا اقترن بالتّنزيه و التّسبيح صار الأداء أوفر بهما و أبلغ، و الصّبح، و الصّباح، و الإصباح كالمسي‏ء، و المساء، و الإمساء، و هذا مما حمل فيه النّقيض على النّقيض، و على هذا المصبح و الممسي، و جاء فالق الإصباح، و يعني به الصّبح و صبّحت القوم أتيتهم صباحا، أو ناولتهم الصّبوح، و يقولون: يا صباحاه إذا استغاثوا، و المصباح السّراج، و اصطبحت بالزّيت، و الصّباح قرط المصباح الذي في القنديل و العشي آخر النهار، فإذا قلت عشيّة: فهي ليوم واحد، و العشي السّحاب لأنه يغشى البحر بالظّلام الذي يتلخّص به الآية أن يعلم أنّ المساء منه ابتداء الظّلمة كما يكون من الصّبح ابتداء النّور، و الظّهيرة نصف النّهار، و فلان يرد الماء ظاهرة إذا ورد كلّ يوم نصف النّهار يقول، فعلموا اللّه تعالى بما يدلّ عليه آياته في الصّباح و المساء، و الغدو، و الرّواح فإنّ في معنى كلّ لمحة من هذه الأوقات بما يحويه من غرائب صنع اللّه في تبديل الابدال، و تحويل الأحوال و إيلاج اللّيل في النهار و النّهار في اللّيل إيجاب شكره علينا معشر عبيده مؤتنف،

32

و إلزام حمده ببقاء الزّمان متّصل قوله تعالى: وَ لَهُ الْحَمْدُ فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ‏ [سورة الروم، الآية: 18] يريد به في أهل السّماوات و الأرض، فهو على حذف المضاف كقوله تعالى: وَ سْئَلِ الْقَرْيَةَ و المراد أهلها، و المعنى أنه محمود في كلّ مكان و بكلّ لسان.

و ذكر بعض المفسرين أنّ قوله: فَسُبْحانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ‏ [سورة الروم، الآية: 17] الآية دالّة على أوقات الصلاة، و هذا سائغ و إن كانت الفوائد فيما ذكرناه أعمّ و قد قال اللّه تعالى في موضع آخر: أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ‏ [سورة الإسراء، الآية: 78] الآية، منبها على أوقات الصلاة مجملا، و تاركا تفصيلها و بيانها للنبي (صلى اللّه عليه و سلم)، و الدّلوك مختلف فيه فمنهم من يجعله الزّوال و منهم من يجعله الغروب، و هذا كما اختلفوا في الآية الأخرى و هي:

حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ وَ الصَّلاةِ الْوُسْطى‏ [سورة البقرة، الآية: 238]، فمنهم من قال: أراد بالوسطى العصر، و منهم من قال: أراد بها الفجر و يجوز أن يكون المفروض بقوله: أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلى‏ غَسَقِ اللَّيْلِ‏ [سورة الإسراء، الآية: 78] أربع صلوات في النّهار صلاتان: الظهر و العصر، و في اللّيل صلاتان: المغرب و العشاء الآخرة.

و قوله تعالى: كانَ مَشْهُوداً [سورة الإسراء، الآية: 78] أي يشهده الملائكة، و يجوز أن يكون المراد حقه أن يشهد، و الغسق الظّلمة. فأما اختصاص السّماوات و الأرض بالذّكر من بين الأشياء كلّها فلشمولها لكل مخلوق، و مثله قوله تعالى: وَ هُوَ اللَّهُ فِي السَّماواتِ وَ فِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَ جَهْرَكُمْ‏ [سورة الأنعام، الآية: 3] و المعنى و هو الذي يحق له العبادة، و إذا كان كذلك فكلّ مذكور معلوم داخل فيهما، و يكون قوله: يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَ جَهْرَكُمْ‏ [سورة الأنعام، الآية: 3] خبرا ثانيا أي هو إله في الأرض كما هو إله في السّماء لا يخفى عليه خافية.

و يحتمل أن يكون المراد و هو اللّه في السّماوات أي هو معبود فيها، و قد تم الكلام و يكون قوله: وَ فِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَ جَهْرَكُمْ‏ [سورة الأنعام، الآية: 3] على أنه خبر ثان، و المراد أنه معبود في جميع ذلك عالم بالسر و الجهر. و قيل في قوله تعالى: وَ هُوَ الَّذِي فِي السَّماءِ إِلهٌ وَ فِي الْأَرْضِ إِلهٌ‏ [سورة الزخرف، الآية: 84] أنّ الخلق يؤلهون إليه- أي يفزعون في الشدائد إليه مستعينين به‏ (1) و أهل الأرض متساوون في حاجتهم إلى رحمته و جميل تفضله. فأما قوله: فِي السَّماءِ إِلهٌ وَ فِي الْأَرْضِ إِلهٌ‏ [سورة الزخرف، الآية: 84] فإله مشترك غير مخصوص و جاز فيه الجمع كما جاء: اجشاء الآلهة إلها واحدا.

و كما قال: اجشاء لنا إلها كما لهم آلهة و هو يعمل عمل الفعل، أ لا ترى أنّ قوله:

____________

(1) كذا في الأصل، و الظاهر، و أهل السّماء، و أهل الأرض 12 الحسن النعماني.

33

وَ هُوَ الَّذِي فِي السَّماءِ إِلهٌ‏ الظّرف فيه متعلق بما في الإله من معنى الفعل و في تقديره و إعرابه عدة وجوه: منها أن يقال: إنّ العائد إلى الذي محذوف كأنّه قال: و هو الذي هو في السّماء إله و في الأرض إله، و ساغ حذف العائد بطول، و هي قوله في السّماء إله و في الأرض إله، و هذا كما حكى عنهم ما أنا بالذي قائل لك شيئا، و قد قال الخليل: إني أستحسنه إذا طال الكلام فهذا وجه، و يجوز أن يقال: إنه مرتفع بالابتداء و خبره في السّماء و في الأرض و العائد إلى الذي هو الذي يعود إلى إله لأنّ الذي هو في المعنى و الحمل على المعنى مذهب أبي عثمان، و قال مع ذلك لو لا كثرته لرددته، و مثله قول القائل: أنت الذي فعلت، و قوله:

(أنا الذي سمتني أمي حيدره) و القياس فعال، و سمته و قوله: وَ هُوَ اللَّهُ فِي السَّماواتِ وَ فِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَ جَهْرَكُمْ‏ [سورة الأنعام، الآية: 3] الظّرف لا يتعلق بالاسم أعني لفظة اللّه على حد ما يتعلق بإله إلا على حد ما ذكره لك، و هو أنّ الاسم لما عرف منه معنى التّدبير للأشياء و إبقائها بحفظ صورها في نحو: أنّ اللّه يمسك السّماوات و الأرض أن تزولا، و نحو:

و يمسك السّماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه، و نحو: أمن جعل الأرض قرارا، و جعل خلالها أنهارا، صار إذ ذكر كأنه ذكر المدبّر و الحافظ فيجوز أن يتعلّق الظّرف بهذا الذي هو الاسم العالم بعد أن صار مخصوصا و في حكم أسماء الأعلام التي لا معنى فعل فيها، فهذا بمعنى الاسم، و ما كان يدل عليه من قبل من معنى الفعل.

و على هذا تقول: هو حاتم جوادا، و هو أبو حنيفة فقيها، و هو زهير شاعرا، فتعلق الحال مما دخل في هذه الأسماء من معنى الفعل لاشتهارها بهذه المعاني، فلا ترى أنك لا تقول: هو زيد جوادا ما لم يعرف بذلك و على هذا تقول: هو حاتم كلّ الجواد، و هو أبو حنيفة كل الفقيه.

و منه قوله تعالى: إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ* [سورة يونس، الآية: 3] الآية، لما كان اللّه تعالى خالق الأشياء و مبتدعها، و مدبّر الأفلاك و مسخّرها، و كانت الأبصار لا تدركه، و الأقطار لا تحده، و أراد مع ذلك أن يعرف نفسه إلى من يتعبّده من خلقه لتسكن نفوسهم إلى مصطنعهم فيعتصموا به و يتمسكوا بدعائه أحالهم على مراده من ذلك بآثاره و آياته في أرضه و سمائه، إذ كان الطريق إلى معرفة الشي‏ء إما أن يكون بما يؤدي إليه رواتب الحس، و هي الأجسام و الأعراض، أو بما يبرهن عليه دلائل الصّنع، و هو ما يكشف عند الاستدلال، فأعلم المشركين فيما أنزله أنّ الذي يجب تعظيمه و يحق ربوبيته هو خالق السّماوات و الأرض في ستة أيام، فتوصّلوا إلى معرفة ما نصبه من أدلّته، فسيشهد لكم من جلائل قوّته و عزّته ما يزيد في البيان على ما يصل إليه الواحد منكم بحاسّته و يصوّر لكم النّظر بما مهل في أوائل عقولكم ما تميّز الشّك من اليقين لكم و تخلّص الصفو من الكدر

34

في معتقدكم، فالآلة تامة، و العلّة منزاحة، و ما كلف بما كلفتم إلّا بحكمة بينة، و طريقة في فنون الصّواب ثابتة، و إنما خلقهما في ستة أيام ليعرف عباده أن الرفق في الأمور، و ترك التّعجيل هو المرضى المختار في التّدبير لأنّه تعالى لو شاء أن يخلقهما في أدنى اللّمحات، و أوحى‏ (1) الأوقات لما مسّه فيما يأتيه إعياء و لا لغوب، و لا أعجزه كلال و لا فتور.

و إنّما أراد أن يحدثه حالا بعد حال لتدرك ثمرات عبرهم شيئا بعد شي‏ء، و ليتأدّب أولو البصائر بآياته، و حمله قرنا بعد قرن، يبيّن هذا أنه تعالى نهى نبيّه (عليه السلام) فيما يتلقّاه من وحيه، و لا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضي إليك وحيه‏ وَ قُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً [سورة طه، الآية: 114] و قال أيضا: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلًا فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ‏ [سورة الإنسان، الآية: 23- 24]، ثم جعل فيما نزّله مجملا و مطلقا و لو شاء لجعل الكلّ مفسرا، و نعى على الكفار لما قالوا: لو لا نزل عليه القرآن جملة واحدة. و قال: كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ وَ رَتَّلْناهُ تَرْتِيلًا [سورة الفرقان، الآية: 32] و هذا أحسن.

و قال بعض مشايخ أهل النّظر: لو أراد اللّه تعالى أن يخلقها و يخلق أضعافا كثيرة معها لفعله، و هو عليها قادر لكنه جعلها في ستة أيام ليعتبر بذلك ملائكته الذين كانوا يشاهدونه، و هو يحدث شيئا بعد شي‏ء في هذه الأيام الستّة عبرة مجددة، و يستدل بكل ما يحدث دلالة مستأنفة و ليكون ذلك زيادة في بصائرهم، و الحجة التي يقيمها عليهم، فقيل له في ذلك: إن كان ذلك حكمة فيجب أن يطرد في جميع ما خلقه و ليس الأمر على هذا على أنّ ذلك ليس بسائغ لأنّ الملائكة لا يستغنون عن مكان يحويهم و إذا كان لا مكان في العالم إلّا السّماء و الأرض فليس يعقل كون الملائكة قبل كونهما.

و يمكن أن يقال: في هذا و اللّه أعلم أنه تعالى أعلمنا أنه أحدث شيئا بعد شي‏ء حتى وجدت عن آخرها في ستّة أيام، و بيّن لنا بذكر الأيّام السّتة ما أراد أن يعلّمنا إياه من الحساب الذي لا سبيل لنا إلى معرفة شي‏ء من أمور الدّنيا و الدّين إلا به، كما قال: وَ قَدَّرَهُ مَنازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَ الْحِسابَ‏ [سورة يونس، الآية: 5] الآية. فأصل جميع الأعداد التّامة ستة، و منها: يتفرع سائر الأعداد بالغا ذلك ما بلغ إذ كان ما عداها من الأعداد ناقصا، أو زائدا.

أ لا ترى أنّ لهذا النّصف و هو ثلاثة و الثّلث، و هو اثنان، و السّدس، و هو واحد، و إذا حسبت جميعها كانت ستة، و عند من يعتني بهذا الشأن أن نظير الستة من العشرات ثمانية و عشرون، و كذلك لها في كل من المائتين و الألوف نظير واحد، فالسّتة أول الأعداد التامة

____________

(1) أي أسرع الأوقات 12 قاموس.

35

كما أنّ التسعة منتهى الأنواع كلها الآحاد و العشرات و المئات و الألوف لاشتمالها على الفرد، و هو واحد و الزّوج و هو اثنان و الزّوج و الفرد، و هو ثلاثة و الزّوجين، و هو أربعة، و قد انتهى أنّ ما يجي‏ء من بعد يكون مكررا، و إذا حسبت الجميع كان تسعة، فكأنه سبحانه من حكيم أراد أن يكون انتهاء خلقه للعالم بأسره إلى عدد تام فيما يحصى كما أنّه في نفسه تام لا بخس فيه و لا شطط فيما يروى و يتلى.

و نظير هذه الآية قوله تعالى في موضع آخر: و إن كان فيه زيادة بيان، و سنحكم القول في جميعه لأنّ ما فيه من زيادة بيان نقيضه إن شاء اللّه تعالى.

و قوله تعالى: قُلْ أَ إِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ‏ [سورة فصّلت، الآية: 9] إلى‏ فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَواءً لِلسَّائِلِينَ‏ [سورة فصلت، الآية: 10] يريد ما أضيف إليه لو لا ذلك لما كان لقوله سواء للسائلين معنى فكأنه قال في تمام أربعة أيام سواء لمن يسأل عن ذلك، ثم قال: ثُمَّ اسْتَوى‏ إِلَى السَّماءِ وَ هِيَ دُخانٌ فَقالَ لَها وَ لِلْأَرْضِ‏ [سورة فصّلت، الآية: 11] إلى‏ فِي يَوْمَيْنِ‏ [سورة فصّلت، الآية: 12].

و اعترض بعض الملاحدة فقال: هذا باطل إنكم وفقتم بين التفصيل في هذه الآية و بين الإجمال في الآية المتقدّمة، بأن تقولوا: قوله في أربعة أيام، يريد مع اليومين الذين خلق الأرض فيهما، فما قولكم في قوله: ثُمَّ اسْتَوى‏ إِلَى السَّماءِ الآية. فدلّت هذه الآيات على أنه خلق الأرض قبل السّماء.

و قال في موضع آخر: أَمِ السَّماءُ بَناها إلى‏ وَ الْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها [سورة النازعات، الآية: 27، 30] فدلت هذه الآية على أنه خلق السّماء قبل الأرض.

و الجواب أنه إنما كان يحد الطّاعن متعلقا لو قال: و الأرض بعد ذلك خلقها، أو أنشأها و إنّما قال: دحاها، فابتدأ الخلق في يومين، ثم خلق السّماوات و كانت دخانا في يومين، ثم دحا بعد ذلك الأرض أي بسطها و مدها و أرساها بالجبال و أنبت فيها الأقوات في يومين فتلك ستة أيام و ليس أحد أنه تعالى لها في ستة أيام إلا كتكوينه إياها في غير مدة و لا زمان لكن الحكمة التي دللها عليها أوجبت تقسيمها و الإتيان بها على ما ترى.

و قال في موضع آخر: خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ* [سورة يونس، الآية: 3] و كان عرشه على الماء، و هذا أبلغ في الأعجوبة أن يكون العرش هذا البناء العظيم على الماء و إنما يراعى في أسباب الأبنية و وضع قواعدها أن يكون على أحكم الأشياء فهو مثل ابتداع أعيانها و إقامتها بلا عهد و لا علاقة. و قوله: ثُمَّ اسْتَوى‏ إِلَى السَّماءِ [سورة فصّلت، الآية: 11] أي قصد خلق السّماء كما خلق الأرض سواء، و عمد إليها بعقب خلقها من غير

36

حائل بينهما و ذلك تكوينه لهما جميعا كما أراد. و هذا كما يقال: فعلنا كذا، ثم استوينا على طريقنا، أو استمررنا فيها سائرين و لم يشغلنا عن الامتداد شاغل. قال زهير في مصداق ذلك:

ثم استمرّوا و قالوا إنّ موعدكم‏* * * ماء بشرقي سلمى فيد أو ركك‏

و يروى ثم استووا، و تنادوا، و قد كان اللّه تعالى قبل تسويته إياها على ما هي عليه خلقها دخانا، فكون بعد ذلك من الدّخان سماء و شمسا و قمرا و كواكب و منازل و بروجا و قوله: اسْتَوى‏ عَلَى الْعَرْشِ* [سورة يونس، الآية: 3] يريد الاستيلاء، و الملك يدل عليه قول بعيث:

قد استوى بشر على العراق‏* * * من غير سيف و دم مهراق‏

يعني بشر بن مروان لما ولي العراق، و العرش يحتمل أن يكنى به عن الملك و إن كان الأصل فيه ما يتخذه الملوك من الأسرّة، و لهذا قيل لقوّام أمر الرّجل العرش، و إذا اضطرب قيل ثلّ عرشه، و يحتمل أن يراد به السّماوات و الأرض لأنّ كلها سقف عند العرب، و يقال:

عرشت الشي‏ء، و سمكت، و سقفت، و سطحته بمعنى، و يكون مجي‏ء ثمّ على هذا النّسق خبرا على خبر لا لترتيب وقت على وقت و مثل هذا قول الشاعر:

قل لمن ساد ثمّ ساد أبوه‏* * * ثم قد ساد بعد ذلك جدّه‏

و ذكر بعض شيوخ أهل النظر أنّ ثم إنما هو لأمر حادث، و استيلاء اللّه على العرش ليس بأمر حادث بل لم يزل مالكا لكل شي‏ء، و مستوليا على كل شي‏ء فيقول: إنّ ثم لرفع العرش إلى فوق السّماوات و هو مكانه الذي هو فيه فهو مستول عليه و مالك له فثمّ للرفع لا للاستيلاء، و الرّفع محدث، قال و يشبه هذا قوله تعالى: وَ لَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجاهِدِينَ مِنْكُمْ‏ [سورة يونس، الآية: 31] لأنّ حتّى يكون لأمر حادث و علم اللّه ليس بحادث. و إنّما المعنى يجاهد المجاهدون و نحن نعلم ذلك و إنّما قال هذا لأنه لم يعرف ما ذكرناه من الوجه الثّاني في ثم، و معنى يغشى اللّيل النّهار أي يغطي ضياءه و نوره، فهو كقوله: يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَ يُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ* [سورة لقمان، الآية: 29] قوله: يطلبه حثيثا أي يطلب اللّيل النّهار، و الحثيث السّريع، و ذلك كما قال: لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ [سورة يس، الآية: 40] جعل التّعاقب كالطّلب و قد مرّ القول في ذلك مستقصى.

قوله تعالى: مُسَخَّراتٌ بِأَمْرِهِ* [سورة النحل، الآية: 12] أي بإرادته و انتصب القمر و ما بعده بالفعل، و هو خلق، و مسخّرات انتصبت على الحال أي سخّرت بالسير، و الطّلوع و الغروب. قوله تعالى: أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَ الْأَمْرُ [سورة الأعراف، الآية: 54] المراد بالخلق‏

37

المخلوق و للأمر في اللغة وجوه تجي‏ء و معناه الإرادة و الحال و مصدر أمرت، و تختص هنا بالإرادة على ذلك قوله تعالى: لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَ مِنْ بَعْدُ [سورة الروم، الآية: 54].

و المعنى الأمر كله له لا شريك معه في شي‏ء و لا معين، و لا وزير، و لا ظهير. و إنّ إرادته هي النافذة لا ترتد و لا تبوء، و لا تتوقّف، و لا تكبو، بل يحصل المراد على الوجه الذي يريده بلا تعب و لا نصب.

قوله تعالى: فَتَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ‏ [سورة غافر، الآية: 64] تمجيد و تجليل، و هذا تعليم من اللّه كيف يمجد كما أنّ قوله تعالى: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ‏ [سورة الفاتحة، الآية: 2]، تعليم كيف يحمد، و العالمين الخلائق. و قال بعضهم: هو من العلامة لأنه بآثار الصّنعة فيه يدل على الصّانع فهو كالعلامة له في الأشياء، و قيل هو من العلم كأنه علم الصانع جرى مجرى قولهم الخاتم و الطّابع لأنه يختم بهما الشي‏ء و يطبع، ثم اختير له جمع السلامة لغلبة العقلاء النّاطقين. و قوله تعالى من الآية الأخرى: ذلِكَ رَبُّ الْعالَمِينَ‏ [سورة فصّلت، الآية: 9] بعد قوله: لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ‏ تبكيت للمخاطبين و إزراء بهم. و إنّ أمثال كيدهم لا يعبأ بها و لا تأثير لها مع خالق أصناف الأشياء كلّها على اختلاف فطرها. و تلخيص الكلام أ تكفرون بمن هذه آثاره، و تجحدون نعمه عليكم، مع ادعاء شركاء له ذلك رب الأرباب و خالق الأرض و السّماوات، و هو لنا و لكم بمرصاد.

و معنى قوله تعالى: فَقالَ لَها وَ لِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً [سورة فصّلت، الآية: 11] بيان التكوين، و قوله تعالى: قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ‏ [سورة فصّلت، الآية: 11] بيان حسن الطاعة، و سرعة التكوّن لكنه لمّا جعل العبارة مبنية على الابتداء و الجواب بالألفاظ المستعارة و الأمثال المضروبة لتمكن في نفوسهم و تعشش في صدورهم جريا على عادتهم في أفانين الكلام، و أساليب التّصاريف في الاستفهام و الأفهام، و إخراجهم ما لا نطق له البتّة في صورة النّاطق حتى صارت أجوبة أسند لهم إذا واجهوها، و إن كانت من عندهم كأنها من مخاطب، إذ كان اعتبارهم يغني عن الجواب و المجيب، حتّى قال بعضهم: إذا وقفت على المزارع المرفوضة و الدّيار الدّارسة المتروكة فقل: أين من شقق أنهارك و غرس أشجارك، و جنى ثمارك؟ أين من بنى دورك و أسّس ربوعك و عرّش سقوفك؟ فإنها إن لم تجبك جوارا أجابتك اعتبارا. فعلى هذا الذي رتّبنا الكلام صار ظاهر بناء الأمر بالإتيان طوعا أو كرها إيجابا لحصول الفعل حتى لا معدل عنه إذا كان وقوع الفعل من الفاعلين لا يقع إلّا على أحد هذين الوجهين، و هذا كاف لمن تدبّر.

فأمّا الطّوع و الكره و الطائع و المكره و استعمال النّاس لهما فيما يثقل أو يخف و يهون أو يشتد فظاهر، و قد قال اللّه تعالى في قصة ابني آدم: فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ‏ [سورة

38

المائدة، الآية: 3] أي سهّلته عليه و دمثته. و أما التأنيث في قال لها و قالتا فللفظ السّماء و الأرض و كونهما في لغتهم مؤنثين، و أما جمع السّلامة في طائعين فلما أجرى عليهما من خطاب المميزين، و قد مضى مثله. و روي في التّفسير أنّ ابتداء خلق الأرض كان في يوم الأحد، و استقام خلقها في الاثنين، و بارك فيها و جعل فيها رواسي في تتمة أربعة أيام مستويات تامّات للسائلين عنها ثُمَّ اسْتَوى‏ إِلَى السَّماءِ [سورة فصّلت، الآية: 11] أي عمد فقضاهن سبع سماوات في يومين أي أحكمهما و فرغ منهما قال الهذلي:

و عليهما مسرودتان قضاهما* * * داود أو صنع السّوابغ تبّع‏

و قيل: اللّام في للسائلين تعلق بقوله تعالى: وَ قَدَّرَ فِيها أَقْواتَها [سورة فصّلت، الآية: 10] و المعنى قدر الأقوات لكلّ محتاج إليها سائل لها، و الأول أحسن في النّظم و أجود، و يجوز أن يكون المراد بقوله تعالى: ثُمَّ اسْتَوى‏ إِلَى السَّماءِ أي قصد لبنائها من غير فصل و لا زمان كما يقال لمن كان في عمل و أريد منه إتمامه و ترك الانقطاع عنه استقم ما أنت عليه و معنى: جَعَلَ فِيها رَواسِيَ‏ [سورة فصّلت، الآية: 10] أي جبالا ثوابت تمسكها، و هذا كما قال تعالى: أَ لَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهاداً وَ الْجِبالَ أَوْتاداً [سورة النبأ، الآية: 6، 7] و قوله: سَواءً المنتصب على المصدر أي استوت سواء، و استواء، و يجوز الرفع على معنى و هي سواء أي مستويات. و يجوز الخفض على أن يكون صفة لقوله في: أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَواءً [سورة فصّلت، الآية: 10] و المعنى مستويات.

و قوله تعالى: وَ أَوْحى‏ فِي كُلِّ سَماءٍ أَمْرَها [سورة فصّلت، الآية: 11] المراد بالوحي الإرادة و التكوين، و المعنى أخرج كل واحدة من السّماوات على اختلافها على ما أراد كونها عليه و قدّرها من مراده قال تعالى: وَ كانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَراً مَقْدُوراً [سورة الأحزاب، الآية: 38] و كما جعل السّماوات سبعا شدادا كذلك خلق الأرض سبعا طباقا بدلالة قوله تعالى: وَ مِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَ‏ [سورة الطلاق، الآية: 12] و قوله: وَ زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وَ حِفْظاً [سورة فصلت، الآية: 12] يريد جعلنا الكواكب زينة للسماء و حفظناها من مسترقة السّمع، فالمصابيح يستضاء بها في الأرض ليلا و نهارا، و قال: وَ حِفْظاً لأنها باللّيل رجوم للشياطين، و انتصب بفعل مقدّر كأنه. قال: زيّنت بمصابيح، و حفظت بها حفظا، ثم ختم القصّة بأن قال: ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ‏ [سورة فصلت، الآية: 12] نبه على حكمته فيما فعل و قدرته و أنه العالم بعواقب الأشياء حتى تقع وفق إرادته.

و منه قوله تعالى: تَبارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّماءِ بُرُوجاً [سورة الفرقان، الآية: 61] إلى‏ شُكُوراً أراد بالبروج الحمل، و الثّور إلى الحوت، فالفلك مقسوم بها، و كل برج منها ثلاثون قسما، و يسمى الدّرج و إنما قسّم الفلك بهذه القسمة ليكون لكلّ شهر برج منها لأنّ‏

39

القمر يجتمع مع الشّمس في مدة هذه الأيام اثنتي عشرة مرة، فجعلت السّنة اثني عشر شهرا، و هي التي تسمّى الشهور القمرية، و جعل الفلك اثني عشر برجا لأنّ الشّمس تدور في هذا الفلك دورا طبيعيا فمتى انتقلت من نقطة واحدة بعينها عادت إلى تلك النقطة بعد ثلاث مائة و خمسة و ستين يوما و قريب من ربع يوم و يستعد فيها فصول السّنة التي هي الرّبيع و الصّيف و الخريف و الشّتاء. و لهذه العلة سميّت هذه الأيام سنة الشّمس.

فلمّا كانت العرب تراعي القمر و منازله، و هي ثمانية و عشرون منزلا في قسمة الأزمان و الفصول و الحكم على الأحداث الواقعة في الأحوال و الشّهور مراعاة عجيبة. و لهم في ذلك من صدق التأمّل و استمرار الإصابة ما ليس لسائر الأمم حتى تستدل منها على الخصب و الجدب، و يعتمد منها على ما تبنى أمورهم عليه في الظن و الإقامة ذكّرهم اللّه تعالى بنعمته عليهم فيها، و على جميع الخلق و دعاهم إلى إقامة الشّكر عليها ليستحقّوا المزيد، فقال تعالى في موضع آخر: أَ لَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقاً [سورة نوح، الآية: 15] و قوله تعالى: هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً [سورة يونس، الآية: 5] فقوله: تَبارَكَ‏ تعليم منه أي قولوا تبارك، و المعنى دام ذكره و ثبت بركته عليكم و يمنا و استدامة الخير و نفعا.

و أصل البروج في اللّغة الحصون، فاستعيرت على التّشبيه و قوله تعالى: جَعَلَ فِيها سِراجاً [سورة الفرقان، الآية: 61] أي الشّمس و قد كرر ذكر الأنوار و الظّلم في عدة مواضع؛ و لم يجعل لفظة السّراج من بينها إلّا للشّمس، و ذلك لشي‏ء حسن و هو أنّ الضّياء و النّور و المصباح و ما أشبهها من أسماء ما يستضاء به لا يقتضي شي‏ء منها أن يكون في الموصوف به اتقاد و حمى إلّا الشّمس، فنبّه تعالى على ذلك فيه بأنّ سماه سراجا، و لا تسمى سراجا حتى يكون محرقا، و كشف اللّه تعالى عن المراد بقوله في موضع آخر: وَ جَعَلْنا سِراجاً وَهَّاجاً [سورة النبأ، الآية: 13]. و الوهج ضوء الجمر و اتّقاده، فلهذا خصّ الشّمس بأن و صفت بالسّراج و هذا بيّن. قوله: جَعَلَ اللَّيْلَ وَ النَّهارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرادَ شُكُوراً [سورة الفرقان، الآية: 62] أي مختلفة يجي‏ء هذا خلف هذا، و هذا خلف هذا، و يجوز أن يريد به أنها تجي‏ء و بعضها يخلف بعضا لأنها لا تستقرأ إلا بهذا بل تتابع و تختلف في قصورها و يكون شاهد هذا الوجه قوله تعالى: إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ اخْتِلافِ اللَّيْلِ وَ النَّهارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبابِ‏ [سورة آل عمران، الآية: 190]. و انتصاب خلفة يجوز أن يكون على الحال، و قوله: لِمَنْ أَرادَ مفعولا ثانيا لجعل، و المعنى صير اللّيل و النّهار على اختلافهما لمن أراد تذكرا، أو تشكرا، و اللّام في لمن تعلق بجعلنا، و يجوز أن ينتصب خلفة على أنه مفعول ثان لجعل، و اللّام في لمن تعلق بها حينئذ أي صيّر خلفة لهم و من أجلهم و الوجه في تفسير خلفة حينئذ أن يكون من الخلافة لا من الاختلاف فاعلمه،

40

و قوله تعالى: لِمَنْ أَرادَ أَنْ يَذَّكَّرَ روي عن الحسن فيه أنه قال: من فاته‏ (1) عمله من التّذكّر و التّشكر كان له في اللّيل مستعتب و من فاته باللّيل كان له في النّهار مستعتب.

و تلخيص الآية من أراد الاستدلال على اللّه، فتفكر في آلائه التي لا تضبط و تذكر أنعمه التي لا تحصى كانت أوقات اللّيل و النّهار ميسرة له مهيأة، فليأت منها كيف شاء، و الشّكر كل ما كان طاعة و ثناء على اللّه، و يكون بالفعل و القول جميعا قال تعالى: اعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْراً وَ قَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ [سورة سبأ، الآية: 13] قال تعالى: وَ لَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ* [سورة القمر، الآية: 17] و من تأمّل هذا التّوسيع من اللّه عليه حتى لا وقت من أوقاته إلّا و له أن ينقطع فيه إلى اللّه من غير تضيق و لا مدافعة على أنّ اللّه تعالى شكور كريم يقبل الإنابة كيف اتفقت، فنعمته عند إنعام من شكره مثل نعمته حين يبتدئ من صنيعه، فسبحانه من منعم في كلّ حال.

و منه قوله تعالى: انْطَلِقُوا إِلى‏ ما كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ‏ [سورة المرسلات، الآية: 29] إلى‏ لِلْمُكَذِّبِينَ‏ قوله تعالى: انْطَلِقُوا لم يرد به الأمر بالانطلاق و إنما هو مقدمة يأس من المأمور و بعث على الأخذ في غيره على هذا قوله تعالى: وَ انْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا [سورة ص، الآية: 6] و هذا في المعنى كقولهم: طفق يفعل كذا، و أقبل يأمر بكذا، و قم بنا نفعل و إن لم يكن، ثم اقبال و قيام و يقولون: ذهب يقول في نفسه و إن لم يكن منه ذهاب لأنّ المراد ما كان مهيأ لذلك و في صورته و على هذا قولهم: تعال نفعل كذا و هلم نأخذ في كذا قوله تعالى: إِلى‏ ما كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ‏ الذي كذّبوا به في الدّنيا هو البعث و النّشور و ملائكة اللّه و كتبه و رسله و شي‏ء من ذلك لم يوجهوا إليه إنّما المراد صيروا إلى ما كنتم تحذرونه و تخوفون له فلا تعبئون به و لا تنزجرون لمكانه و هذا تبكيت و تقريع.

قوله تعالى: انْطَلِقُوا إِلى‏ ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ‏ [سورة المرسلات، الآية: 30] ذكر أهل التّفسير أنه يخرج لسان من النّار فتحيط بهم كالسّرادق، ثم تنشعب منه ثلاث شعب من الدّخان فيظللهم حتى يفرغ من حسابهم و يساقون إلى النّار و لا يمنع أنّ يكون المراد انطلقوا إلى ما كنتم به تكذّبون من شدائد عقابه و أليم سخطه. و يكون انطلقوا الثّاني شرحا للأوّل، و كالتّفسير له و المراد انطلقوا من العذاب إلى ما يلزمكم لزوم الظّل و لا روح فيه و لا راحة من الحركة، كما كنتم ألفيتموه في الدّنيا عند الحرب من لفح الهاجرة و لهب الحرور إلى الظّلال الثابتة بل يرمي بشرر يتطاير، و كأنّها في عظمها جمالات صفر، و الجمالات جمع جمالة، و زيدت التاء توكيد التأنيث الجمع. و هذا كما يقال: بحر و بحارة و ذكر و ذكارة، و قد قرأ ابن‏

____________

(1) كذا في الأصل، و الظاهر من فاته باليوم- الحسن النعماني.

41

مسعود جمالة، و قرئ جمالات و هو أكثر في القراءة و أقوى و لا تمنع في قراءة ابن مسعود أنّها الطائفة منها، و يراد بالجمالات الطّوائف، و هذا كما يقال: جمال، و جمالان، قال: عند التفرق في الهيجاء جمالان، و يكون جمالات، و جمال كحبال، و حبالات، و بيوت، و بيوتات للطّوائف، و قد قيل: رجال و رجالة كرجالات في كلامهم يريدون ما فسرت و بينت لأنّ رجال نهاية الجمع و رجالة إذا جعلتها للطّائفة فهي دونه، و معنى صفر سود قال: هي صفر ألوانها كالزّغب.

و قد قيل: جعلها صفرا لأنّ لون النّار إلى الصّفرة قوله تعالى: بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ [سورة المرسلات، الآية: 32] قيل فيه: واحد القصور و التّشبيه بها لعظمها، و قيل: القصر بسكون الصاد جمع قصرة، و هي الغليظ من الشّجر و قرئ كالقصر بفتح الصاد و هي أعناق الإبل.

فأما تكرير التّشبيه و جعلها أولا كالقصر و في الثاني كالجمالات فكأنه أراد بالقصر الجنس فتحصل الموافقة لأنّ الجنس كالجمع في الدلالة على الكثرة؛ أو أراد تشبيه الشّررة الواحدة بالقصر، فإذا توالت شررا كثيرا فهي كالجمالات، فعلى هذا حصل التّشبيه للواحد و للجمع و اللّه أعلم.

و قوله تعالى: لا ظَلِيلٍ‏ فهو كقولهم: داهية دهياء، و نهار أنهر، و ليل أليل، و ليلة ليلاء يتبعون الشي‏ء بصفة مبنية منه. و المراد المبالغة و التأكيد. و قال: ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ‏ [سورة المراسلات، الآية: 30] لأنها محيطة بأهلها من جميع الجوانب إلّا القفاء لأنها لا تقفى نفسها و على هذا كل ذي ظل إذا تأملته و يشهد للإحاطة قوله تعالى: لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَ مِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ‏ [سورة الزمر، الآية: 16]. و قال تعالى: يَوْمَ يَغْشاهُمُ الْعَذابُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ‏ [سورة العنكبوت، الآية: 55]، و قال بعض أصحاب المعاني: في (ثلاث شعب) المراد أنه غير ظليل، و أنه لا يغني من اللّهب و أنّها ترمي بالشّرر كالقصر، و تحصيل هذا ذي ثلاث صفات.

و منه قوله تعالى: فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ‏ [سورة الواقعة، الآية: 75] إلى‏ الْعالَمِينَ‏ قوله: فَلا أُقْسِمُ‏ يجوز أن يكون قوله: فَلا نفيا لشي‏ء قد تقدّم، و تكون الفاء عاطفة عليه و ابتداء اليمين من قوله: أُقْسِمُ‏ و يجوز أن تكون لا دخلت مؤكّدة نافية كما جاء في قوله تعالى: لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتابِ‏ [سورة الحديد، الآية: 29]، و المعنى لأن يعلم، و قال بعضهم: لا دخلت لنفي الأقسام، و قال لأنّ الإيمان يتكلّفها المتكلم تأكيدا للإخبار، و إزالة لما يعترض فيها من التّجوز و التّسمح؛ و إذا كان الأمر على هذا فقوله: فَلا أُقْسِمُ‏ يجوز أن يراد به أنّ المحلوف له في الظّهور و خلوصه من الشّك أبين و أوضح من أن‏

42

يتكلّف إثباته بالإيمان. و على هذا يكون قوله: و إنّه لقسم يراد به أنّ الحلف بمواقع النّجوم عظيم ممّن أقسم بها، و قوله: لَوْ تَعْلَمُونَ‏ بعث على الفكر في المحلوف فيه و بما يتضمّنه مما يعظم موقعه في الصّدور عند تأمّل الأحوال المبهجة للاستدلال؛ و قيل: أراد بالنّجوم الأنواء و ما يتعلق بها من حاجات النّفوس و من المآرب و الهموم على اختلاف المعتقدات فيها. و قيل: بل المراد بها فرق القرآن لأنّ اللّه تعالى أنزله نجوما لما عرفه من مصالح المكلّفين و المدعوّين إلى الدّين، و يكون الشّاهد لهذا الوجه قوله: إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ‏ [سورة الواقعة، الآية: 77]، و يكون الطّريق فيمن جعلها الأنواء التّنبيه على وجوه النّعم في الأنداء و الغيوث، و ما به قوام الخلق في متصرفاته. قوله تعالى: إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ‏ جواب اليمين عند من أثبته يمينا و فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ‏ [سورة الواقعة، الآية: 78] يجوز أن يريد به اللّوح المحفوظ لأنه أودع التّنزيل اللّوح، ثم فرّق منه نجوما و يشهد لهذا قوله تعالى: وَ إِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتابِ لَدَيْنا [سورة الزخرف، الآية: 4] و ذكر الأم كما قيل في المجرّة أم النّجوم، و كما قيل مكة أمّ القرى، و معنى كريم أنّه خلص من جميع الأدناس، و طهّر من الشّوائب، يشهد لهذا قوله تعالى في صفة المؤمنين: وَ إِذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِراماً [سورة الفرقان، الآية: 72].

و هذا كما يقال: في صفة الشي‏ء العظيم الخطير هو مكرم علي أي يجلّ موقعه، و المراد بقوله تعالى: لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ [سورة الواقعة، الآية: 79] الملائكة إذا جعلت الكتاب اللّوح المحفوظ، و المعنى لا يصل إليه و لا يقرّبه غيرهم و ذلك على حسب ما يصرفون فيه عند تنزيله، و إن جعلت الكتاب المكنون ما حكم اللّه به من قضاياه و تعبّد به عباده من أصناف العبادات، و شاهد هذا قوله تعالى: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَ إِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ [سورة الحجر، الآية: 9] و إنّ حفظ الشي‏ء و صيانته و كنه واحد، و الشّاهد في أنّ الكتاب المكنون هو الحكم المفروض. قوله تعالى: وَ لَوْ أَنَّا كَتَبْنا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ [سورة النساء، الآية: 66]، و قوله تعالى: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ [سورة البقرة، الآية: 183]، فحينئذ يكون معنى لا يمسّه لا يطلبه كما قال:

مسسنا من الإباء شيئا و كلّنا* * * إلى حسب في قومه غير واضح‏

و قد حكي أنّ اللمس و الالتماس و المس متفقات، و الحجة في أنّ اللمس مثل الالتماس قوله تعالى: وَ أَنَّا لَمَسْنَا السَّماءَ [سورة الجن، الآية: 8]. و قول الشاعر:

ألام على تبكّيه‏* * * و ألمسه فلا أجده‏

فقوله: لا أجده يشهد بأنّ المراد بالمس الطّلب لا غير، و قد أحكمت القول في هذا:

في (شرح الحماسة)، و قال بعض النّظار: قوله تعالى: لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ‏ [سورة الواقعة، الآية: 79]، لفظه لفظ الخبر، و المراد به النهي، و المعنى لا يتناولن المصاحف إلّا

43

المطهّرون، فليس يجوز للجنب و الحائض مسّ المصاحف، تعظيما لها و إجلالا. قوله تعالى: تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ‏ [سورة الواقعة، الآية: 80] تصديق للنبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) في جميع ما دعا إليه من الإيمان بالله تعالى أو في إبطاله دعاويهم و شهاداتهم في القرآن و سائر العبادات، و ارتفع‏ تَنْزِيلٌ‏ على أنّه صفة لقوله: لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ‏، أو على أنّه خبر مبتدأ محذوف.

و منه قوله تعالى: قُلْ لَوْ كانَ مَعَهُ آلِهَةٌ [سورة الإسراء، الآية: 42]، كما يقولون إلى‏ حَلِيماً غَفُوراً ذكر اللّه تعالى فيما وعظ من قبل قوله: وَ لا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ فَتُلْقى‏ فِي جَهَنَّمَ‏ [سورة الإسراء، الآية: 39] ثم أتبعه بقوله تعالى: وَ لَقَدْ صَرَّفْنا فِي هذَا الْقُرْآنِ لِيَذَّكَّرُوا [سورة الإسراء، الآية: 41]، و الإنذار بالتّبكيت الشّديد و الوعيد الممض إلزاما للحجّة، و إظهارا للعناد منهم، و أنه هداهم فلم يهتدوا، و ذكّرهم فلم يعبئوا إعجابا برأيهم، و ذهابا عند التّدبّر، و النّظر ليومهم و غدهم و دنياهم و آخرتهم، ثم أخذ عزّ و جلّ يحاجهم على لسان نبيّهم فقال: قل لهؤلاء الذين ضلّوا عن الرّشاد، و عموا عن الصّواب، إنّ اللّه تعالى لو شركه في ملكه غيره كما تدّعون لفسدت الأحوال، و تقطّعت الوصل و الأسباب. و لعلا بعضهم على بعض و كان يطلب كلّ الاقتسار، و تسليم الأمر له، كما قال هو: لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا [سورة الأنبياء، الآية: 22]. و كان لا ينفع الاستثناء فيما بينهم و ترك الخلاف و إظهار الرّضاء، لأنّ الاستبداد، أو طلبه و إن لم يظهر فعلا من واحد منهم فلا مهرب من تجويزه عليهم؛ و جوازه لن يحصل إلّا عن تقدير استضعاف، و من قدر فيه ضعف فإنه لا يكون إلها و هذا بيّن. قوله تعالى: إِذاً لَابْتَغَوْا إِلى‏ ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا [سورة الإسراء، الآية: 42]، أي لطلبوا إلى أخصّهم بالملك، و أولاهم بالأمر منازعته و مجاذبته و مساواته و مسامته؛ قوله:

ذِي الْعَرْشِ يجوز أن يريد به ذا السلطان و العزّ، و يجوز أن يريد به ذا السّرير الذي حمله في السّماء و الملائكة يطوفون حوله. كما أنّ البيت المعمور في السّماء الرابعة. و قال بعضهم: أي العرش، و أنشد قول الشّماخ: (فأدمج دمج ذي شطن بعيد). قال: يريد أدمج شطن، فزاد ذي، فكذلك قوله: إلى ذي العرش، يريد إلى العرش، و المعنى لطلبوا إلى الاستيلاء على العرش، و الاستواء عليه طريقا، قال و مثله لفظ حي أنشد أبو زيد:

يا قرّ إنّ أباك حيّ خويلد* * * قد كنت خائفه على الإحماق‏

يريد أنّ أباك خويلد، فزاد قوله: حي، و قوله تعالى: عَمَّا يَقُولُونَ‏ الظّالمون بمعنى علا، و المعنى جلّ، و ارتفع عما يقول المشركون أكده بقوله: عُلُوًّا، و وصف العلو بالكبر مبالغة في التّبعيد. قوله تعالى: وَ إِنْ مِنْ شَيْ‏ءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ‏ [سورة الإسراء، الآية: 44]. يريد ما من شي‏ء إلّا و بما فيه من أثر الصّنعة يدلّ على قدرة اللّه تعالى و يشهد.

44

بإلهيته، و يدعو إلى عبادته و ينفي عنه مشابهة لخلقه، و جميع ما لا يليق بحكمته. و معنى يسبّح بحمده أي ينزهه، إما إعرابا باللّسان، أو دلالة بواضح البرهان، و فائدة قوله: يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ‏ أي فيما يظهر من حكمته في خلق ما خلق. و الأنعام على من أنعم حمدا له إذا لم يكن إعداد الشّكر في مقابلة النّعم أكثر من إضافة النّعم إلى المنعم، فإذا كان الحمد تولية النعمة ربّها و إشادة ذكره و نسبتها إليه، فآثار النعم حامدة شاكرة لمسديها. أ لا ترى إلى قول القائل: (و لو سكتوا أثنت عليك الحقائب). فنسبة الثناء إلى الحقائب كنسبة التّسبيح بالحمد للّه إلى الدّال عليه و المقيم له. و هذا حسن بالغ. قوله تعالى: وَ لكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ‏ [سورة الإسراء، الآية: 22] أي تجحدونه، أو تعرضون عنه فعل من لا يفهم و هذا كقوله تعالى يصفهم: لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها [سورة الأعراف، الآية: 179]، ثم قال: أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُ‏ [سورة الأعراف، الآية: 179]. قوله تعالى: إِنَّهُ كانَ حَلِيماً غَفُوراً [سورة الإسراء، الآية: 44]، يريد هو حليم حين لم يعاجلهم فيما ادّعوه بالعقوبة و لكن تركهم إمهالا و رفقا، و هو غفور لمن أناب و إن ارتكب كلّ منكر قبيح رحمة منه لعباده و حسن تفضّل.

و منه قوله تعالى: لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ يُحْيِي وَ يُمِيتُ‏ [سورة الحديد، الآية: 2] إلى‏ عَلِيمٌ‏، أثبت اللّه لنفسه أنه القادر الغالب، فهو يملك و جميع ما تدركه الأبصار و الأوهام من أصناف العالم جليلها و دقيقها، خيرها و شرّها، يتصرّف فيها كما شاء؛ و اختار تصرّف الملاك، فهو ملك مالك يبدئ، و يعيد، و يحيي و يميت، و قد أقرّت له الصعاب.

و تذلّلت له الرّقاب. لا يمتنع عليه مراد و إن عزّ و شقّ. و لا يوجد عنه ذهاب فيما ثقل أو خفّ. إليه آماد الأعمار، و الأرزاق، و مصارف البقاء و الفناء فهو القادر الحكيم، و العالم الغني، لا يخفى عليه معلوم و إن دقّ، و لا يعزب عن الظّهور له مطلوب و إن رقّ، الأول في الوجود لقدمه لا عن ابتداء مدة، و الآخر بعد فناء كل شي‏ء خلقه في الدّنيا لبقائه لا إلى غاية، لم يزل و لا يزال على ما هو عليه من ديموميته، و حكمته، و صواب فعله و قدرته، يحيي الأموات إذا شاء، و يميت الأحياء إذا شاء، و يفني المخلوقات إذا شاء، و يعيدها إذا شاء. الظّاهر بما له من آياته التي لا تخفى، و عبره التي لا تفنى، و الباطن لأنه لا تدركه الأبصار و لا تحصله الحواس، و هذا وجه في الآية. و قيل: أراد بالظّاهر أنّه غالب على كل شي‏ء، بما دلّ به على نفسه، من أصناف صنعه كما قال تعالى: فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلى‏ عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظاهِرِينَ‏ [سورة الصف، الآية: 14]، أي عالين غالبين، و يقال: ظهرت على الجلي الواضح الذي هو كالجمر. و قيل في الباطن التي هي في خفائها كالسّر فهو بما تجلّى منها ظاهر، و بما خفي منها باطن، و هذه آية لها جوانب تقتضي الكلام عليها و أنا إن شاء اللّه أبلغ الغاية بمقدار فهمي.

45

اعلم أنّ اللّه تعالى قال في موضع من كتابه: كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ وَ يَبْقى‏ وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَ الْإِكْرامِ‏ [سورة الرحمن، الآية: 26، 27] ما قال على الموت لأنّ الموت إنّما نعدم به الحياة، و اللّه تعالى قال: كلّ من عليها، و لم يقل حياة من عليها، و قال بعده: وَ يَبْقى‏ وَجْهُ رَبِّكَ‏، و الميت جيفة تبقى، و إذا كان كذلك فلا فضيلة في البقاء مع الشركة فيه، و إذا سقطت الفضيلة فلا تمدّح لرب العالمين، و قال تعالى في موضع آخر: كُلُّ شَيْ‏ءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ‏ [سورة العنكبوت، الآية: 88]. و ذكر في صفات نفسه هو الأول، و الآخر، و الظّاهر، و الباطن. و كلّ هذه الآي دالّة على أنّه تعالى يصير منفردا بالوجود، كما كان منفردا به من قبل أن يخلق الخلق و أنه تعالى يفني كل ما خلقه إفناء لا يبقى له أثر و لا رسم حتى يصير بالفناء في حكم ما لم يخلق و لم يوجد، و قال تعالى: هُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ‏ [سورة الروم، الآية: 27] و في آخر: كَما بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ‏ إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَ يُعِيدُ [سورة الأعراف، الآية: 29]، و المعاد هو وجود على صفة لا زيادة عليها، و هو أن يتقدّم الوجود للشي‏ء فيبطل، ثم يعاد إلى الذي كان عليه من الوجود، و إذا كان السمع قد أثبت معادا، و حقيقة المعاد ما ذكرناه من أنّ ما سميّناه في الأول إحداثا و محدثا سمّيناه، و قد بطل و استجد الجادة في الثاني معادا، و مستجدا فقد وضح معنى قوله: كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ‏ و الآي التي معها.

فإن قيل الذي يعرفه أهل اللغة من معنى الفناء هو نفاد المركب قليلا قليلا كنفاد الزّاد و الاضمحلال و الهزال هو تحلّل الأجزاء؛ و الاستحالة هو تغيّر مزاج الشي‏ء. قلت: الفناء بطلان الشي‏ء دفعة واحدة، و هو ضد الإنشاء و الاختراع فإذا تجاوزت هذا الموضع فاستعماله على ضرب من التّشبيه به فقوله تعالى: كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ‏ [سورة الرحمن، الآية: 26]، يريد أنّ جميع ما خلقه قبل الوقت الموعود للثّواب و العقاب يبطله بمعنى يخزعه، إذا حصل فنى به الأجسام، و الأعراض كلّها. فناء الضّد بالضّد، و ليس ذلك المعنى بمقدور للعباد. و البقاء لا يجوز عليه، فإذا أفناهم بعزته الغالبة بذلك المعنى أعادهم بقدرته الواسعة كما كانوا قبل الفناء، و لا يصح ما أجمع عليه المسلمون من أمر المعاد و الفناء إلّا على ما ذكرناه، و هو اللغة و الشّرع، و النّاظر فيما ذكرناه بيّن له معرفة الفناء مثل ما بين له من معرفة المعاد.

و حكمة وضع اللّغة لأنّ الذي ينقطع وجوده بالموت كالحي منّا ظاهر التميز عما لا ينقطع وجوده بالفناء، و ما أشبهه من الأعراض. و إذا كان كذلك فإنّا نثبته بالسّمع كما ثبت جواز كونه و خلق اللّه له بالعقل و لكلّ معرفة حقيقة إلى اللّه تعالى، كما قال: وَ يَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي‏ [سورة الإسراء، الآية: 85]. و يكون من جملة ما استأثر بعلمه، و إذا أعادهم حشرهم النّظر في أعمالهم في مواقف مختلفة، كما قال تعالى: إِنَّ إِلَيْنا إِيابَهُمْ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا حِسابَهُمْ‏ [سورة الغاشية، الآية: 25، 26]. و كما قال تعالى: فَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ‏ [سورة إبراهيم، الآية: 47]، و كما قال تعالى: إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كانَ‏

46

مِيقاتاً [سورة النبأ، الآية: 17] إلى‏ سَراباً فإن سأل سائل عن معنى قوله: فَكانَتْ أَبْواباً [سورة النبأ، الآية: 19]. و عن وجه التشبيه بالسّراب قلت: معنى قوله: أبوابا يريد كانت ذات أبواب مفتّحة، و ليس المعنى صارت كلّها أبوابا، كما أنّ قوله: كانت فراخا بيوضها صارت كلّها فراخا، لأنها إذا صارت كلّها أبوابا عادت فضاء، و خرجت من أن تكون أبوابا.

و أما التّشبيه بالسّراب، فالمراد به بيان إلماعها، و تخلخلها في نفسها، و السّراب هو الذي يتخيّل للنّاظر نصف النّهار كأنه ماء يطرد، و يقال: سرب الماء يسرب، إذا سال، و المراد ما يتداخل النّفس من تغير المعهود، و قد أخرج اللّه تعالى صفة القيامة في معارض مختلفة لاختلاف أحوال المسوفين، و كرر ذكرها، و حذّر منها، و نبّه من أمرها على كثير مما يكون فيها ليبين فظاعتها فقال تعالى: فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ‏ [سورة المرسلات، الآية: 8] إلى‏ لِيَوْمِ الْفَصْلِ‏، و قال تعالى: يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ‏ [سورة الحجر، الآية: 48] الآية، فتبديل الأرضين و السّماوات و إطفاء الضّوء و تفريج السّماء و تحليل عقدها حتى تصير أبوابا و طمس نجومها؛ و انتشار كواكبها، و نسف جبالها كلّ ذلك، أو أكثرها مما تؤكد حال الفناء، و إزالة معاقد الأرض و السّماء. و قد درج تعالى في هذه الصفات لأنه تعالى ردّدها متفننة في أوقاتها بين أوائلها، و وسائطها، و أواخرها فمن ذلك قوله تعالى: يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ [سورة النازعات، الآية: 6] إلى‏ بِالسَّاهِرَةِ. و قال تعالى: ذلِكَ الْيَوْمُ الْحَقُ‏ أي الوعد به صدق، أو يراد به أنه يوم حق لا باطل معه إذا قام الأوّلون و الآخرون، و يجتمع متفرّق الأسباب، و متمزّق الأجلاد، و يعود غائب الأرواح، و يحشر الأفواج. و قد قال تعالى: فَإِذا جاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرى‏ [سورة النازعات، الآية: 34] و الطّامة هي العالية على ما قبلها.

و قال تعالى: إِذَا السَّماءُ انْفَطَرَتْ‏ [سورة الانفطار، الآية: 1] إلى‏ وَ أَخَّرَتْ‏، و قال تعالى: إِذَا السَّماءُ انْشَقَّتْ‏ [سورة الانشقاق، الآية: 1] إلى‏ وَ تَخَلَّتْ‏ و إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ‏ [سورة التكوير، الآية: 1] و إِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ‏، و إِذا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزالَها [سورة الزلزلة، الآية: 1]، و قال تعالى: يَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْساها [سورة الأعراف، الآية: 187] إلى آخر السورة. و هذا السؤال، و الجواب مثل سؤالهم عن الرّوح فقوله: فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْراها إِلى‏ رَبِّكَ مُنْتَهاها [سورة النازعات، الآية: 44] مثل قوله تعالى: قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي‏ و قال تعالى: إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَ يُعِيدُ [سورة البروج، الآية: 12] و الإبداء إبداعه الخلق كلّه لا من شي‏ء و الإعادة ما وعد به من الإحياء بعد الإماتة، و البعث، و الحشر، و إعداد الثّواب و العقاب.

و حكي عن الأصمعي أنه قال: إذا قال الرجل: أول امرأة أتزوّجها فهي طالق لم يعلم هذا من قوله حتى يحدث بعدها أخرى، فإن ماتت لم تكن أول لكنه لا تشركها أخرى.

47

قال أبو العباس المبرّد: و هذا خطأ لأنّ قوله: أول هو موقع لما بعده و ذلك أن تأتي بعده بما شئت، و لا يكون آخر إلّا لشي‏ء قبله غيره، و إنّما هو مأخوذ من آخره. و قيل: لما كان لا أول له. قال المبرد: و لا يجوز هذا إلّا في صفة القديم تعالى، فهو الأوّل و الآخر و الظّاهر و الباطن. و قال الفقهاء: إذا قال الرجل: أوّل عبد أملكه فهو حر، فملك عبدين جميعا معا لم يعتق واحد منهما، و إن ملك بعد ذلك عبدا آخر لم يعتق أيضا لأنه ليس بأول، و لو قال: أوّل عبد أملكه فهو حر، فملك عبدا و نصف عبد عتق العبد و لم يعتق النّصف لأنّ هذا أول عبد ملكه، و النّصف لا يسمّى عبدا واحدا، و لو قال آخر: امرأة أتزوّجها من النّساء فهي طالق، فتزوّج امرأة، ثم تزوّج أخرى، ثم طلّق الأولى، ثم تزوّجها، ثم مات فإنّ الطّلاق يقع على الثانية التي تزوّجها و ما يقع على التي تزوّجها أول مرة و ليست بآخر، و التزوج بها ثانيا لا يخرجها من كونها أول امرأة.

أ لا ترى أنه لو نظر إلى امرأتين، فقال: آخر امرأة أتزوّجها منكما فهي طالق، فتزوّج إحداهما، ثم تزوّج الأخرى طلقت الثانية حين يتزوجها لأنها آخر امرأة تزوّجها منهما و لو تزوّج الأولى بعد الثانية لم تطلق، و كان المبرد إنما قال: لا يجوز هذا إلّا في صفة القديم لمكان الآخر لأنه لم يزل و لا يزال، أولا و آخرا، و الواحد منّا ليس كذلك فاعلمه.

و منه قوله تعالى: وَ أَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي‏ [سورة طه، الآية: 14] و في موضع آخر أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ‏ [سورة الإسراء، الآية: 78] إلى‏ مَقاماً مَحْمُوداً، و قوله تعالى:

وَ أَقِمِ الصَّلاةَ يريد أدمها و اثبت عليها فلان لا يقوم لكذا، و هذا يقوم علي بكذا، فله تصرّف في الأمر واسع. قوله تعالى: وَ أَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي‏ يحتمل وجهين: أحدهما أقم الصّلاة لتذكرني بها أي الصّلاة ذكرى لقوله تعالى: إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى‏ عَنِ الْفَحْشاءِ وَ الْمُنْكَرِ وَ لَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ [سورة العنكبوت، الآية: 45] و قوله تعالى: وَ أَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي‏ أي إذا ذكرتني، فأقم الصّلاة كأنه يرجع النّسيان كالذّكر في الوجه الأول تسبيح اللّه و تمجيده بصفاته الكريمة، و في الوجه الثاني الرّجوع إليه بعد ذهول يسبق و نسيان يلحق، و اللّام من قوله:

لذكري أي عند ذكري، و كذلك قوله تعالى: أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ‏ أي عنده و لام الإضافة يدخل في الكلام لوجوه.

أ- التمليك: كقوله تعالى: وَ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَ ما فِي الْأَرْضِ* [سورة النجم، الآية: 31] و كقوله تعالى: وَ أَنَّ الْمَساجِدَ لِلَّهِ‏ [سورة الجن، الآية: 18].

ب- أن يكون الشي‏ء سببا لغيره، و علّة له مثل قوله تعالى: إِنَّما نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ‏ [سورة الإنسان، الآية: 9].

ج- أن يكون دخوله لمعنى الإرادة كقولك: قمت لأضرب زيدا أي قمت إرادة

48

لضربه، و لكي أضربه أي قمت من أجل هذه الإرادة، و قد يحذف اللام من هذا و أشباهه.

د- أن يكون بمعنى في كقوله تعالى: هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مِنْ دِيارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ [سورة الحشر، الآية: 2] أي في أول الحشر.

ه- أن يكون لمرور الوقت على الشي‏ء كقول النابغة شعرا:

توهّمت آيات لها فعرفتها* * * لستّة أعوام، و ذا العام سابع‏

أي عرفتها و قد أتت عليها ستة أعوام، أو توهّمتها لذلك، و يقال أتى للصّبي سنتان عليه و كم سنة أتت لك؟

و- أن يكون لمعنى بعد كقوله صلى اللّه عليه و آله و سلم: «صوموا لرؤيته»، و قوله تعالى: فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَ‏ [سورة الطلاق، الآية: 1] و العدة هاهنا ظرف للطّلاق و بمنزلة وقت له لا علة و لا سبب، كما لم يكن الحشر علة لإخراج الذين كفروا إنما كان علة إخراجهم كفرهم، و الدليل على ما قلنا أنه قال: لأول الحشر جعل له أولا.

ز- أنه يدخل لما ذكرناه أولا، و هو قوله تعالى: أَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي و أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ أي لاصفرارها عند غروبها دلكت فهي دالك و قال ابن عباس: لدلوك الشّمس لزوالها الظهر، و العصر و أنشد:

شادخة (1) الغرّة غراء الضّحك‏* * * تبلج الزّهراء في جنح الدّلك‏

فجعل الدّلك غيبوبة الشّمس، و قال أبو حاتم: روي عن أبي عمرو أنّ دلوكها زوالها فعلى هذا يجوز أن يكون المفروض بالآية أربع صلوات الظّهر- و العصر، و المغرب، و العشاء- باللّيل. و يجوز أن يكون إلى غسق في موضع مع، فيدل على فرض صلاتين من اللّيل و النّهار، و ثالثة يدل عليها: وَ قُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كانَ مَشْهُوداً [سورة الإسراء، الآية: 78].

ثم سائر الصّلوات يدلّ عليها بغير هذه من الآيات و قوله: وَ قُرْآنَ الْفَجْرِ [سورة الإسراء، الآية: 78] يريد، و أقم قرآن الفجر، و المعنى أقم الصلاة بالقراءة، و هذا يدل على أن الصلاة لا تكون إلا بقراءة، فالضمير في به يرجع إلى القرآن، و معنى‏ كانَ مَشْهُوداً أي حقّه أن يشهد أي يخرج له إلى المساجد، و يقام مع الجماعة فيشاهد و قيل أراد تشهده الملائكة، و قوله تعالى: وَ مِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً لَكَ‏ [سورة الإسراء، الآية: 17] معنى تهجد اسهر يريد استيقظ، و معنى به أي بالقرآن و يقال هجّد أيضا بمعنى نام.

____________

(1) انتشرت الفرّظ من النّاصية إلى الأنف.

49

قال:

هجدنا، فقد طال السّرى‏* * * و قدرنا أنّ خنا الدّهر غفل‏

يريد يومنا و مثل هجد، و تهجّد قولهم حنث و تحنّث لأنّ معنى حنث لم يبر في اليمين، و معنى تحنث ألقى الحنث عن نفسه.

و هذا الأمر اختص به النّبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) تفضيلا له على جميع الخلق.

و معنى نافلة لك عطاء لك و تكرمة لذلك أتبعه بقوله تعالى: عَسى‏ أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاماً مَحْمُوداً [سورة الإسراء، الآية: 79] أي افعل ذلك رجاء أن تثاب هذا الثواب العظيم.

و قيل في المقام المحمود إنّ المراد به الشفاعة للمذنبين، و الذي عليه الناس أنّ الدّلوك مغيب الشّمس، و يذهب العرب لذلك إلى أنّ قول القائل:

هذا مقام قدمي رباح‏* * * غدوة حتى دلكت براح‏

يدل على صحة قولهم و أصله أنّ السّاقي يكتري على أن يسقي إلى غيبوبة الشّمس، و هو في آخر النّهار يتبصّر هل غابت الشّمس. قوله: براح أي يضع كفه فوق عينه و يتبصر، قال: و يسلم للحديث ما جاء أنّ ابن عباس قال: إنّ غسق اللّيل ظلمته الأولى للعشاء و المغرب، فإذا زادت قليلا، فهي السّدفة، و قوله: (نافلة لك) ليست لأحد نافلة إلّا للنّبي (صلّى اللّه عليه و آله) و سلم لأنه ليس من أحد إلا يخاف ذنوبه غيره فإنه قد غفر له ما تقدم من ذنبه و ما تأخر فعمله نافلة.

و منه قوله تعالى: أَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ [سورة هود، الآية: 114] إلى‏ الْمُحْسِنِينَ‏، و قوله تعالى: قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا [سورة المزمل، الآية: 2] الآية طرفا النهار النهار الفجر و العصر و كما ثنى الطرف هنا جمع في قوله تعالى: فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ* [سورة الحجر، الآية: 39] إلى‏ وَ أَطْرافَ النَّهارِ لَعَلَّكَ تَرْضى‏ [سورة طه، الآية: 130] لذلك اختلف النّاس فبعضهم جعله من أوقات الصلوات المفروضة، و القائل بهذا يكون عنده الفجر من النّهار محتجا بأنه ابتداء الصوم لقوله تعالى: وَ كُلُوا وَ اشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ‏ [سورة البقرة، الآية: 187] و الذين يخالفونه يجعلونه من اللّيل، و يدعون أنّ ابتداء النّهار طلوع الشمس و انتهاءه غروبها، و إذا زالت الشّمس انتصف النّهار فأما قوله تعالى: وَ أَطْرافَ النَّهارِ [سورة الحجر، الآية: 39] فيجوز أن يجعل النهار للجنس حتى يصير له أطرافا، و يجوز أن يجعل الجميع مستعارا للتثنية لأنّ أرباب اللغة قد توسعوا في ذلك أ لا ترى قوله: يا ناحة و دخيلا، ثم قال: طرفا فتلك لهما تنمى، و كقوله تعالى: فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما [سورة التحريم، الآية: 4] و ليس‏

50

بمستنكر أن تسمى الساعات أطرافا، كما قيل أصيلالة و عشيّات في آخر الأصيل، و العشية.

قال أبو العباس ثعلب أطراف النّهار قيل يعني صلاة الفجر، و الظهر، و العصر، و هو وجه أن جعل الظهر، و العصر من طرف النّهار الآخر، ثم يضم الفجر إليهما فيكون أطرافا، و قال أبو العباس المبرد: معناه أطراف ساعات النّهار أي من اللّيل سبّحه و أطعه في أطراف ساعات النّهار (الآناء) الساعات واحدها أنى، و يكون من آنيت- أي أخّرت و من قول الشّاعر:

و أنيت العشاء إلى سهيل‏* * * أو الشّعرى فطال بي الإناء

و قال العجّاج: طال الإناء، و انتظر النّاس الغير من أمرهم على يديك، و التور طال الإناء و زايل الحق الأشر. و في القرآن: غَيْرَ ناظِرِينَ إِناهُ فأما قوله تعالى: وَ زُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ [سورة هود، الآية: 114]، فالزّلف السّاعات و من أبيات الكتاب:

طيّ اللّيالي زلفا فزلفا* * * سماوة الهلال حتّى احقوقفا

و الزّلفة واحدة الزّلف، و يقال لفلان عندي زلفة، و زلفى، و هي القربة، و في القرآن:

وَ أُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ* [سورة الشعراء، الآية: 90] أي قرّبت، و سميت المزدلفة لاقتراب النّاس إلى منى بعد الإفاضة من عرفات، و انتصب سماوة على المفعول من طي اللّيالي، و المعنى أنّ اللّيالي طوت شخص الهلال، و نقصته شيئا شيئا حتى ضمر و دقّ.

قوله تعالى: إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ [سورة هود، الآية: 114] يجوز أن يريد أنّ الحسنات من أفعال النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، و المؤمنين يبطلن سيئات الكفّار و المجرمين، و هذا بشارة من اللّه للمؤمنين بأنه سيعلي كعبهم، و ينفذ كلمتهم كما قال: بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْباطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذا هُوَ زاهِقٌ [سورة الأنبياء، الآية: 18] و يجوز أن يكون مثل قوله تعالى: إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ [سورة النساء، الآية: 30] و يكون هذا مثل قوله تعالى: لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَ لَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ* [سورة التوبة، الآية: 33]، و قوله تعالى: ذلِكَ ذِكْرى‏ لِلذَّاكِرِينَ [سورة هود، الآية: 114] أي أخبرناك بما أخبرنا من ضمان النّصرة، و قمع الباطل، و إعلاء كلمة الحق لكي تتذكر به فيزداد حرصا على الإدخار و الإصلاح و لأنك إذا أقررت به و التزمته فتذكرته تيسّر لك المطلوب و قد قال تعالى: إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى‏ لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَ هُوَ شَهِيدٌ [سورة ق، الآية: 37] يريد أنّ المأمور بهذا، أو الموعوظ إذا قبله حصل لك بذلك ذكر في الذّاكرين، و هذا ترغيب لأنّ ما يبقى به الذّكر ليس كما يلغى و ينسى. قال:

فقال له هل تذكرنّ مخبرا* * * يدل على غنم و يقصر معملا

51

أي هل تعتد بهذا الخبر فتذكره به، فأما قوله تعالى: قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا [سورة المزمل، الآية: 2] أي من النّصف، أو زد عليه، فانتصاب اللّيل إلّا قليلا أي قبله بقليل أو بعده بقليل لأنّ بيان أو انقص منه، أو زد عليه ذلك، و المعنى قم نصف اللّيل، أو انقص من نصفه حتى يرجع إلى الثلث، أو زد على نصفه حتى يبلغ الثلثين، و في هذه الأشياء منها أنّه جعل نصف اللّيل قليلا منه سواء جعلته بيانا للقليل المستثنى، أو جعلته بيانا للباقي الواجب لأنّ الكلام يقوم على الوجهين جميعا و منها أنّ قوله: أو انقص منه قليلا بمعنى إلّا قليلا في التّحصيل و لكنّه ذكر مع الزّيادة، و كان كالمكرّر، و كثير من أهل النّظر يذهبون إلى أنّ القلة تقع على ما دون الثلث لقوله (عليه السلام) لسعد في الوصيّة:

«و الثلث كثير» و منها أنّ هذا التّنويع يدل على أنّه تعالى لم يفرضها عليه لكنّه على سبيل التّرغيب لأنّ الفرائض التي يفرضها اللّه على عباده ليس يجعل الأمر فيها إليهم فينقصوا ما شاءوا، و يزيدوا فيها ما شاءوا، و قد قيل: إنّ اللّه تعالى كان فرض على رسوله و على المؤمنين قيام اللّيل، ثم نسخه إذ كان شقّ عليهم فقال تعالى: إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنى‏ مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَ نِصْفَهُ وَ ثُلُثَهُ وَ طائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ وَ اللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَ النَّهارَ [سورة المزمل، الآية: 20] أي يعلم مواقيتها و يعلم أنكم لن تحصوه أي لن تطيقوا معرفة حقائق ذاك و القيام فيه، فتاب عليكم فاقرءوا ما تيسّر من القرآن، قالوا: و هذا في صدر الإسلام، ثم نسخ بالمكتوبات الخمس.

و قوله تعالى: أَدْنى‏ مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ‏ يجوز أن يكون من دنا الشّي‏ء إذا سفل، فنزل كما قال: ثُمَّ دَنا فَتَدَلَّى‏ أي نزل، و منه قوله تعالى: يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَ‏ [سورة الأحزاب، الآية: 59] أي يرسلن، و قال بعضهم: معنى أدنى أدون، لكنّه قلب فقدّم اللّام و قوله تعالى: إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا [سورة المزمل، الآية: 5] يجوز أن يكون المعنى قولا يثقل العمل به، و يجوز أن يريد به قولا له وزن، و خطر بين الكلام إذا ميّز أي ليس بالسّفّساف الدّون، و معنى يلقي ينزل فيتلقنه. و منه قولهم: ألقيت على فلان مسألة كذا، فأعييته. و قوله تعالى: وَ لَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ فَلا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقائِهِ‏ [سورة السجدة، الآية: 23] فبعضهم يجعله من هذا أي لا تلك في شك من نزول هذا الكتاب قبلك، و كان شيخنا أبو علي ينكر أن يكون القيت من لقيت، و يقول: إن لقي يتعدّى إلى مفعول واحد يقول: لقيت زيدا فلو كان ألقيت من لقيت لوجب أن يتعدّى إلى مفعولين. كما أنه إذا دخل على ما لا يتعدى إلى المفعول عداه إلى واحد يقول: خرج زيد و أخرجته و ذهب زيد، و أذهبته.

و تقول في المتعدي: قرأ كذا و أقرأته أنا كذا، و سمع زيد شرا، و أسمعته أنا خيرا. و إذا كان كذلك، و وجدنا لقى يتعدّى إلى مفعول واحد، و ألقيت مثله يتعدّى إلى مفعول واحد

52

و علمنا أنهما من أصلين فاعلمه. قوله تعالى: إِنَّ ناشِئَةَ اللَّيْلِ‏ [سورة المزمل، الآية: 6] يريد السّاعة منشأ الحدوث و يقال فلان ناشئ و نشأت السّحابة من قبل البحر، و يجوز أن يكون ناشئة يراد بها الحدث لا الفاعل فيكون كاللاغية في قوله تعالى: لا تَسْمَعُ فِيها لاغِيَةً [سورة الغاشية، الآية: 11] أي لغوا و كالكاذبة في قوله تعالى: لَيْسَ لِوَقْعَتِها كاذِبَةٌ [سورة الواقعة، الآية: 2] أي كذب و مثل ذلك قم قائما أي قم قياما. قوله تعالى: هِيَ أَشَدُّ وَطْئاً وَ أَقْوَمُ قِيلًا [سورة المزمل، الآية: 6] أي أبلغ في القيام و أبين في القراءة لما في اللّيل من السكون و القرار، و يجوز أن يريد أنها أشد على الإنسان و أشقّ لأنّ اللّيل للتودّع و الرّاحة.

و قرئ و طاء بالواو و المد و المعنى أشدّ مواطاة للقلب إذا نقله السّمع.

و منه قوله تعالى: فَلا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ‏ [سورة الانشقاق، الآية: 16] إلى‏ لا يَسْجُدُونَ‏ أول السورة إِذَا السَّماءُ انْشَقَّتْ‏ و الانشقاق و الانفطار، و الانفتاح يتقارب في المعنى و ذلك من أهوال القيامة، و ما يتغيّر فيها من الأمور، و يتبدّل. و قيل: المراد انشقّت بالغمام كقوله تعالى في موضع آخر: وَ يَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ بِالْغَمامِ‏ [سورة الفرقان، الآية: 25]. و جواب إذا محذوف لما يدل عليه ما عرف من أهوال القيامة و شدائدها و تخمر في النفوس و تقرّر.

و المراد إذا انشقت السّماء كان من أشراط القيامة فيكم ما عرفتموه، و تكرر عليكم وصفه، و قيل جوابه في قوله تعالى: إِنَّكَ كادِحٌ إِلى‏ رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاقِيهِ‏ [سورة الانشقاق، الآية: 6] و قيل جواب إذا مضمر مقدم، و المراد اذكر إذا حدثت هذه الحوادث. و قيل جوابه أذنت، و الواو زائدة. و النّحويون على اختلافهم يردّون هذا و كأنّ قائله شبهه بقوله تعالى: حَتَّى إِذا جاؤُها وَ فُتِحَتْ أَبْوابُها [سورة الزمر، الآية: 71] لأنّ المعنى عنده فتحت و الأجود عندي أن يكون جواب إذا قوله تعالى: يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ إِنَّكَ كادِحٌ إِلى‏ رَبِّكَ‏ [سورة الانشقاق، الآية: 6] أي في ذلك الوقت يكون ذلك حالك، و معنى أذنت لربّها أطاعت، و استمعت، و أجابت، و حقّت أي وجب ذلك عليها، و كانت محقوقة بالانشقاق.

و قوله تعالى: وَ إِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ [سورة الانشقاق، الآية: 3] كأنّه بسط مجموعها و أخرج مضمونها و موعدها حتى تخلّت. قوله تعالى: يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ [سورة الانشقاق، الآية: 6] عموم دخلت الكافة تحته، و قوله تعالى: إِنَّكَ كادِحٌ إِلى‏ رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاقِيهِ [سورة الانشقاق، الآية: 6] يشير إلى ما قاساه مدة حياته و اكتسبه في متصرّفاته و نيل فيه من سعادة و شقوة و حياة و إماتة، و ما تزوّده من دنياه و أعدّه لأخراه، أي تسعى سعيا قد أتعبك و تلاقي له كل ما قدّمته من عملك و تصير من حميته إلى ما تستحقّه بفعلك. قال:

و ما الدّهر إلّا تارتان فمنهما* * * أموت و أخرى أبتغي العيش أكدح‏

و قوله: فَمُلاقِيهِ‏ من قولك: لاقيت من كذا جهدا و أذى، و قاسيت من كذا